الآية ٤٥ من سورة الزخرف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٤٥ من سورة الزخرف

وَسْـَٔلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةًۭ يُعْبَدُونَ ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة الزخرف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) ؟

أي : جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد ، كقوله : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [ النحل : 36 ] .

قال مجاهد : في قراءة عبد الله بن مسعود : " واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا " .

وهكذا حكاه قتادة والضحاك والسدي ، عن ابن مسعود .

وهذا كأنه تفسير لا تلاوة ، والله أعلم .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : واسألهم ليلة الإسراء ، فإن الأنبياء جمعوا له .

واختار ابن جرير الأول ، [ والله أعلم ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا ) ومن الذين أمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بمسألتهم ذلك, فقال بعضهم الذين أمر بمسألتهم ذلك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, مؤمنو أهل الكتابين: التوراة, والإنجيل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الأعلى بن واصل, قال: ثنا يحيى بن آدم, عن ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: في قراءة عبد الله بن مسعود " وَاسأَلْ الَّذِينَ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلنا ".

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا ) إنها قراءة عبد الله: " سل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا ".

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا ) يقول: سل أهل التوراة والإنجيل: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد أن يوحدوا الله وحده؟

قال: وفي بعض القراءة: " واسأل الذين أرسلنا إليهم رسلنا قبلك ".( أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ).

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة في بعض الحروف " واسْأَلْ الَّذِينَ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا " سل أهل الكتاب: أما كانت الرسل تأتيهم بالتوحيد؟

أما كانت تأتي بالإخلاص؟.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا ) في قراءة ابن مسعود " سَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ" يعني: مؤمني أهل الكتاب.

وقال آخرون: بل الذي أمر بمسألتهم ذلك الأنبياء الذين جُمِعوا له ليلة أُسرِي به ببيت المقدس.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ )...

الآية, قال: جمعوا له ليلة أُسري به ببيت المقدس, فأمهم, وصلى بهم, فقال الله له: سلهم, قال: فكان أشدّ إيمانا ويقينا بالله وبما جاء من الله أن يسألهم, وقرأ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ قال: فلم يكن فى شكّ, ولم يسأل الأنبياء, ولا الذين يقرءون الكتاب.

قال: ونادى جبرائيل صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقلت في نفسي: " الآن يؤمنا أبونا إبراهيم "; قال: " فدفع جبرائيل في ظهري", قال: تقدم يا محمد فصلّ, وقرأ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ...

حتى بلغ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا .

وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك, قول من قال: عني به: سل مؤمني أهل الكتابين.

فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يقال: سل الرسل, فيكون معناه: سل المؤمنين بهم وبكتابهم؟

قيل: جاز ذلك من أجل أن المؤمنين بهم وبكتبهم أهل بلاغ عنهم ما أتوهم به عن ربهم, فالخبر عنهم وعما جاءوا به من ربهم إذا صحَّ بمعنى خبرهم, والمسألة عما جاءوا به بمعنى مسألتهم إذا كان المسئول من أهل العلم بهم والصدق عليهم, وذلك نظير أمر الله جلّ ثناؤه إيانا برد ما تنازعنا فيه إلى الله وإلى الرسول, يقول: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ومعلوم أن معنى ذلك: فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله, لأن الرد إلى ذلك رد إلى الله والرسول.

وكذلك قوله: ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا ) إنما معناه: فاسأل كتب الذين أرسلنا من قبلك من الرسل, فإنك تعلم صحة ذلك من قبلنا, فاستغنى بذكر الرسل من ذكر الكتب, إذ كان معلوما ما معناه.

وقوله: ( أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) يقول: أمرناهم بعبادة الآلهة من دون إلله فيما جاءوهم به, أو أتوهم بالأمر بذلك من عندنا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ )؟

أتتهم الرسل يأمرونهم بعبادة الآلهة من دون الله؟

وقيل: ( آلِهَةً يُعْبَدُونَ ), فأخرج الخبر عن الآلهة مخرج الخبر عن ذكور بني آدم, ولم يقل: تعبد, ولا يعبدن, فتؤنث وهي حجارة, أو بعض الجماد كما يفعل في الخبر عن بعض الجماد.

وإنما فعل ذلك كذلك, إذ كانت تعبد وتعظم تعظيم الناس ملوكهم وسراتهم, فأجري الخبر عنها مُجْرى الخبر عن المملوك والأشراف من بني آدم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون .قال ابن عباس وابن زيد : لما أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى - وهو مسجد بيت المقدس - بعث الله له آدم ومن ولد من المرسلين ، وجبريل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأذن جبريل - صلى الله عليه وسلم - ثم أقام الصلاة ، ثم قال : يا محمد تقدم فصل بهم ، فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال له جبريل - صلى الله عليه وسلم - : [ سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ] .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا أسأل قد اكتفيت .

قال ابن عباس : وكانوا سبعين نبيا منهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ، فلم يسألهم لأنه كان أعلم بالله منهم .

في غير رواية ابن عباس : فصلوا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعة صفوف ، المرسلون ثلاثة صفوف والنبيون أربعة ، وكان يلي ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إبراهيم خليل الله ، وعلى يمينه إسماعيل وعلى [ ص: 88 ] يساره إسحاق ثم موسى ثم سائر المرسلين فأمهم ركعتين ، فلما انفتل قام فقال : إن ربي أوحى إلي أن أسألكم هل أرسل أحد منكم يدعو إلى عبادة غير الله ؟

فقالوا : يا محمد ، إنا نشهد إنا أرسلنا أجمعين بدعوة واحدة أن لا إله إلا الله وأن ما يعبدون من دونه باطل ، وأنك خاتم النبيين وسيد المرسلين ، قد استبان ذلك لنا بإمامتك إيانا ، وأن لا نبي بعدك إلى يوم القيامة إلا عيسى ابن مريم فإنه مأمور أن يتبع أثرك ) .

وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا قال : لقي الرسل ليلة أسري به .

وقال الوليد بن مسلم في قوله تعالى : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا قال : سألت عن ذلك وليد بن دعلج فحدثني عن قتادة قال : سألهم ليلة أسري به ، لقي الأنبياء ولقي آدم ومالكا خازن النار .قلت : هذا هو الصحيح في تفسير هذه الآية .

ومن التي قبل رسلنا على هذا القول غير زائدة .

وقال المبرد وجماعة من العلماء : إن المعنى واسأل أمم من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا .

وروي أن في قراءة ابن مسعود : ( واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا ) وهذه قراءة مفسرة ، ف ( من ) على هذا زائدة ، وهو قول مجاهد والسدي والضحاك وقتادة وعطاء والحسن وابن عباس أيضا .

أي : واسأل مؤمني أهل الكتابين التوراة والإنجيل .

وقيل : المعنى سلنا يا محمد عن الأنبياء الذين أرسلنا قبلك ، فحذفت " عن " ، والوقف على رسلنا على هذا تام ، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الإنكار .

وقيل : المعنى واسأل تباع من أرسلنا من قبلك من رسلنا ، فحذف المضاف .

والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد أمته .أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون أخبر عن الآلهة كما أخبر عمن يعقل فقال : ( يعبدون ) ولم يقل تعبد ولا يعبدن ، لأن الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فأجرى الخبر عنهم مجرى الخبر عمن يعقل .وسبب هذا الأمر بالسؤال أن اليهود والمشركين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إن ما جئت به مخالف لمن كان قبلك ، فأمره الله بسؤاله الأنبياء على جهة التوقيف والتقرير ، لا لأنه كان في شك منه .

واختلف أهل التأويل في سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم على قولين : أحدهما : أنه سألهم فقالت الرسل بعثنا بالتوحيد ، قاله الواقدي .

الثاني : أنه لم يسألهم ليقينه بالله - عز وجل - ، حتى حكى ابن زيد أن ميكائيل قال لجبريل : ( هل سألك محمد عن ذلك ؟

فقال جبريل : هو أشد إيمانا وأعظم يقينا من أن يسأل عن ذلك ) .

وقد تقدم هذا المعنى في الروايتين حسبما ذكرناه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} حتى يكون للمشركين نوع حجة، يتبعون فيها أحدا من الرسل، فإنك لو سألتهم واستخبرتهم عن أحوالهم، لم تجد أحدا منهم يدعو إلى اتخاذ إله آخر مع الله مع أن كل الرسل، من أولهم إلى آخرهم، يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} وكل رسول بعثه الله، يقول لقومه: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، فدل هذا أن المشركين ليس لهم مستند في شركهم، لا من عقل صحيح، ولا نقل عن الرسل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) اختلفوا في هؤلاء المسئولين : قال عطاء عن ابن عباس : لما أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعث الله له آدم وولده من المرسلين ، فأذن جبريل ثم أقام ، وقال : يا محمد تقدم فصل بهم ، فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل : سل يا محمد " من أرسلنا قبلك من رسلنا " ، الآية ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا أسأل فقد اكتفيت " ، وهذا قول الزهري وسعيد بن جبير وابن زيد ، قالوا : جمع الله له المرسلين ليلة أسري به وأمره أن يسألهم فلم يشك ولم يسأل .

وقال أكثر المفسرين : سل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد ؟

وهو قول ابن عباس في سائر الروايات ، ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي والحسن والمقاتليين .

يدل عليه قراءة عبد الله وأبي : " واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا " ، ومعنى الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله - عز وجل - .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن» أي غيره «آلهة يعبدون» قيل هو على ظاهره بأن جمع له الرسل ليلة الإسراء، وقيل المراد أمم من أي أهل الكتابين، ولم يسأل على واحد من القولين لأن المراد من الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول من الله ولا كتاب بعبادة غير الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واسأل -أيها الرسول- أتباع مَن أرسلنا مِن قبلك من رسلنا وحملة شرائعهم: أجاءت رسلهم بعبادة غير الله؟

فإنهم يخبرونك أن ذلك لم يقع؛ فإن جميع الرسل دَعَوْا إلى ما دعوتَ الناس إليه من عبادة الله وحده، لا شريك له، ونهَوْا عن عبادة ما سوى الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التثبيت لنبيه - صلى الله عليه وسلم تثبيتا آخر فقال : ( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرحمن آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) .والمقصود من الآية الكريمة بيان أن الرسل جميعا ، قد دعوا أقوامهم إلى عبادة الله - تعالى - وحده ، كما قال - سبحانه - : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة ) وكما قال - تعالى - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون ) قال صاحب الكشاف ما ملخصه : ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال لاستحالته ، ولكنه مجاز عن النظر فى أديانهم ، وأنهم ما جاءوا قط بعبادة الأوثان ، وإنما جاءوا بالأمر بعبادة الله - تعالى - وحده .

.وقيل : إن النبى - صلى الله عليه وسلم - جمع الله له الأنبياء ، فى ليلة الإِسراح فى بيت المقدس ، فصلى بهم إماما ، وقيل له سلهم : فلم يتشك ولم يسأل .وقيل معنا ، سل أمم من أرسلنا من قبلك ، وهم أهل الكتابين : التوارة والإِنجيل فإذا سألهم فكأنما سأل - رسلهم - فالكلام على حذف مضاف .فالآية الكريمة تقرر على كل الوجوب بأبلغ أسلوب ، أن جميع الرسل قد جاءوا بعقيدة واحدة ، وبدين واحد ، هو عبادة الله - تعالى - ونبذ كل معبود سواه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وصفهم في الآية المتقدمة بالعشي وصفهم في هذه الآية بالصمم والعمى وما أحسن هذا الترتيب، وذلك لأن الإنسان في أول اشتغاله بطلب الدنيا يكون كمن حصل بعينه رمد ضعيف، ثم كلما كان اشتغاله بتلك الأعمال أكثركان ميله إلى الجسمانيات أشد وإعراضه عن الروحانيات أكمل، لما ثبت في علوم العقل أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات الراسخة فينتقل الإنسان من الرمد إلى أن يصير أعشى فإذا واظب على تلك الحالة أياماً أخرى انتقل من كونه أعشى إلى كونه أعمى، فهذا ترتيب حسن موافق لما ثبت بالبراهين اليقينية، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في دعاء قومه وهم لا يزيدون إلا تصميماً على الكفر وتمادياً في الغي، فقال تعالى: ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم أَوْ تَهْدِي العمي ﴾ يعني أنهم بلغوا في النفرة عنك وعن دينك إلى حيث إذا أسمعتهم القرآن كانوا كالأصم، وإذا أريتهم المعجزات كانوا كالأعمى، ثم بيّن تعالى أن صممهم وعماهم إنما كان بسبب كونهم في ضلال مبين.

ولما بيّن تعالى أن دعوته لا تؤثر في قلوبهم قال: ﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ ﴾ يريد حصول الموت قبل نزول النقمة بهم ﴿ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ ﴾ بعدك أو نرينك في حياتك ما وعدناهم من الذل والقتل فإنا مقتدرون على ذلك، واعلم أن هذا الكلام يفيد كمال التسلية للرسول عليه السلام لأنه تعالى بيّن أنهم لا تؤثر فيهم دعوته واليأس إحدى الراحتين، ثم بيّن أنه لابد وأن ينتقم لأجله متهم إما حال حياته أو بعد وفاته، وذلك أيضاً يوجب التسلية، فبعد هذا أمره أن يستمسك بما أمره تعالى، فقال: ﴿ فاستمسك بالذى أُوحِىَ إِلَيْكَ ﴾ بأن تعتقد أنه حق وبأن تعمل بموجبه فإنه الصراط المستقيم الذي لا يميل عنه إلا ضال في الدين.

ولما بيّن تأثير التمسك بهذا الدين في منافع الدين بيّن أيضاً تأثيره في منافع الدنيا فقال: ﴿ وإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ أي إنه يوجب الشرف العظيم لك ولقومك حيث يقال إن هذا الكتاب العظيم أنزله الله على رجل من قوم هؤلاء، واعلم أن هذه الآية تدل على أن الإنسان لابد وأن يكون عظيم الرغبة في الثناء الحسن والذكر الجميل، ولو لم يكن الذكر الجميل أمراً مرغوباً فيه لما منَّ الله به على محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ ولما طلبه إبراهيم عليه السلام حيث قال: ﴿ واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِي الأخرين  ﴾ ولأن الذكر الجميل قائم مقام الحياة الشريفة، بل الذكر أفضل من الحياة لأن أثر الحياة لا يحصل إلا في مسكن ذلك الحي، أما أثر الذكر الجميل فإنه يحصل في كل مكان وفي كل زمان.

ثم قال تعالى: ﴿ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال الكلبي تسألون هل أديتم شكر إنعامنا عليكم بهذا الذكر الجميل الثاني: قال مقاتل المراد أن من كذب به يسأل لم كذبه، فيسأل سؤال توبيخ الثالث: تسألون هل عملتم بما دل عليه من التكاليف، واعلم أن السبب الأقوى في إنكار الكفار لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولبغضهم له أنه كان ينكر عبادة الأصنام، فبيّن تعالى أن إنكار عبادة الأصنام ليس من خواص دين محمد صلى الله عليه وسلم، بل كل الأنبياء والرسل كانوا مطبقين على إنكاره فقال: ﴿ وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرحمن ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ وفيه أقوال الأول: معناه واسأل مؤمني أهل الكتاب أي أهل التوراة والإنجيل فإنهم سيخبرونك أنه لم يرد في دين أحد من الأنبياء عبادة الأصنام، وإذا كان هذا الأمر متفقاً عليه بين كل الأنبياء والرسل وجب أن لا يجعلوه سبباً لبغض محمد صلى الله عليه وسلم.

والقول الثاني: قال عطاء عن ابن عباس لما أسرى به صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى بعث الله له آدم وجميع المرسلين من ولده، فأذن جبريل ثم أقام فقال: يا محمد تقدم فصل بهم فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال له جبريل عليه السلام واسأل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا أسأل لأني لست شاكاً فيه».

والقول الثالث: أن ذكر السؤال في موضع لا يمكن السؤال فيه يكون المراد منه النظر والاستدلال، كقول من قال: سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإنها إن لم تجبك جواباً أجابتك اعتباراً، فهاهنا سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء الذين كانوا قبله ممتنع، فكان المراد منه انظر في هذه المسألة بعقلك وتدبر فيها بفهمك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَإِنَّهُ ﴾ وإنّ الذي أوحى إليك ﴿ لِذِكْرِ ﴾ لشرف ﴿ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ ل ﴿ سوف تسئلون ﴾ عنه يوم القيامة، وعن قيامكم بحقه، وعن تعظيمكم له، وشكركم على أن رزقتموه وخصصتم به من بين العالمين، ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال لإحالته، ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء؟

وكفاه نظراً وفحصاً: نظره في كتاب الله المعجز المصدّق لما بين يديه، وإخبار الله فيه بأنهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً.

وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها، والسؤال الواقع مجازاً عن النظر، حيث لا يصح السؤال على الحقيقة: كثير منه مساءلة الشعراء الديار والرسوم والأطلال.

وقول من قال: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجني ثمارك؟

فإنها إن لم تجبك حواراً أجابتك اعتباراً.

وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم جمع له الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس فأمّهم.

وقيل له: سلهم، فلم يشكك ولم يسأل.

وقيل: معناه سل أمم من أرسلنا وهم أهل الكتابين: التوراة والإنجيل.

وعن الفراء: إنما هم يخبرونه عن كتب الرسل، فإذا سألهم فكأنه سأل الأنبياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا ﴾ أيْ واسْألْ أُمَمَهم وعُلَماءَ دِينِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ.

﴿ أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ هَلْ حَكَمْنا بِعِبادَةِ الأوْثانِ وهَلْ جاءَتْ في مِلَّةٍ مِن مِلَلِهِمْ، والمُرادُ بِهِ الِاسْتِشْهادُ بِإجْماعِ الأنْبِياءِ عَلى التَّوْحِيدِ والدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ ابْتَدَعَهُ فَيُكَذَّبُ ويُعادى لَهُ، فَإنَّهُ كانَ أقْوى ما حَمَلَهم عَلى التَّكْذِيبِ والمُخالَفَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{واسأل مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا من دون الرحمن آلهة يعبدون} ليس المراد بسوال الرسل حقيقة السؤال ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء وكفاه نظر او فحصا نظره في كتاب الله المعجز المصدق لما بين يديه وإخبار الله فيه بأنهم يعبدون مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطاناً وهذه الآية

في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها وقيل إنه عليه السلام جمع له الأنبياء ليلة الإسراء فأمهم وقيل له سلهم فلم يشكك ولم يسأل وقيل معناه سل أمم من ارسلنا وهم أهل الكتابين أي التوراة والإنجيل وإنما يخبرونه عن كتب الرسل فإذا سألهم فكأنه سأل الأنبياء ومعنى هذا السؤال التقرير لعبدة الاوثان انهم على الباطل وسل بلا همزة مكي وعلي رُسُلُنَا أبو عمرو ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا أجَعَلْنا مَن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ أيْ هَلْ حَكَمْنا بِعِبادَةِ غَيْرِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وهَلْ جاءَتْ في مِلَّةٍ مِن مِلَلِ اَلْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ والمُرادُ اَلِاسْتِشْهادُ بِإجْماعِ اَلْمُرْسَلِينَ عَلى اَلتَّوْحِيدِ والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ اِبْتَدَعَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى يُكَذَّبَ ويُعادى لَهُ، والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ واسْألْ أُمَمَ مَن أرْسَلْنا أوْ عَلى جَعْلِ سُؤالِ اَلْأُمَمِ بِمَنزِلَةِ سُؤالِ اَلْمُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ.

قالَ اَلْفَرّاءُ: هم إنَّما يُخْبِرُونَ عَنْ كُتُبِ اَلرُّسُلِ فَإذا سَألَهم عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ سَألَ اَلْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، وعَلى اَلْوَجْهَيْنِ اَلْمَسْؤُولُ اَلْأُمَمُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اَلْحَسَنِ.

ومُجاهِدٍ.

وقَتادَةَ.

والسُّدِّيِّ.

وعَطاءٍ وهو رِوايَةٌ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في بَعْضِ اَلْقِراءاتِ واسْألْ مَن أرْسَلَنا إلَيْهِمْ رُسُلَنا قَبْلَكَ.

وأخْرَجَ هو وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ عَبْدُ اَللَّهِ يَقْرَأُ واسْألِ اَلَّذِينَ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا، وعَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ واسْألِ اَلَّذِينَ يَقْرَؤُونَ اَلْكِتابَ مِن قَبْلِ مُؤْمِنِي أهْلِ اَلْكِتابِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ اَلسُّؤالَ مَجازًا عَنِ اَلنَّظَرِ والفَحْصِ عَنْ مِلَلِهِمْ في سُؤالِ اَلدِّيارِ والأطْلالِ ونَحْوِها مِن قَوْلِهِمْ: سَلِ اَلْأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ وغَرَسَ أشْجارَكِ وجَنى ثِمارَكِ.

ورُوِيَ «عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

وابْنِ جُبَيْرٍ.

والزُّهْرِيِّ.

وابْنِ زَيْدٍ أنَّ اَلْكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ وأنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لَيْلَةَ اَلْإسْراءِ حِينَ جُمِعَ لَهُ اَلْأنْبِياءُ في اَلْبَيْتِ اَلْمُقَدَّسِ فافْهَمْ ولَمْ يَسْألْهم عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ لَمْ يَكُنْ في شَكٍّ».

وفي بَعْضِ اَلْآثارِ أنَّ مِيكالَ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِما اَلسَّلامُ: هَلْ سَألَ مُحَمَّدٌ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ؟

فَقالَ: هو أعْظَمُ يَقِينًا وأوْثَقُ إيمانًا مِن أنْ يَسْألَ.

وتُعُقِّبَ هَذا اَلْقَوْلُ بِأنَّ اَلْمُرادَ بِهَذا اَلسُّؤالِ إلْزامُ اَلْمُشْرِكِينَ وهم مُنْكِرُونَ اَلْإسْراءَ، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ.

والخِطابُ عَلى جَمِيعِ ما سَمِعْتَ لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ.

وفِي اَلْبَحْرِ اَلَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلسّامِعِ اَلَّذِي يُرِيدُ أنْ يَفْحَصَ عَنِ اَلدِّياناتِ قِيلَ لَهُ اِسْألْ أيُّها اَلنّاظِرُ أتْباعَ اَلرُّسُلِ أجاءَتْ رُسُلُهم بِعِبادَةِ غَيْرِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهم يُخْبِرُونَكَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ ولا يُمْكِنْ أنْ يَأْتُوا بِهِ ولَعَمْرِي إنَّهُ خِلافُ اَلظّاهِرِ جِدًّا، ومِمّا يَقْضِي مِنهُ اَلْعَجَبُ ما قِيلَ: إنَّ اَلْمَعْنى واسْألْنِي أوْ واسْألْنا عَمَّنْ أرْسَلْنا وعَلَّقَ اِسْألْ فارْتَفَعَ مَن وهو اِسْمُ اِسْتِفْهامٍ عَلى اَلِابْتِداءِ وأرْسَلْنا خَبَرُهُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِاسْألْ بَعْدَ إسْقاطِ اَلْخافِضِ كَأنَّ سُؤالَهُ مَن أرْسَلْتَ يا رَبِّ قَبْلِي مِن رُسُلِكَ أجَعَلْتَ في رِسالَتِهِ آلِهَةً تُعْبَدُ ثُمَّ اَلسُّؤالُ فَحَكى اَلْمَعْنى فَرَدَّ اَلْخِطابَ إلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ مِن قَبْلِكَ ﴾ اِنْتَهى، واسْألْ مَن قَرَأ أبا جادٍ أيَرْضى بِهَذا اَلْكَلامِ ويَسْتَحْسِنُ تَفْسِيرَ كَلامِ اَللَّهِ تَعالى اَلْمَجِيدِ بِذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ إلى الهدى وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: من كان في علم الله في الضلالة.

ومعنى الآية: إنك لا تقدر أن تُفهم من كان أصم القلب، ويعمى عن الحق، ومن كان فى ضلال مبين، يعني: ظاهر الضلالة، قوله: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ يعني: نميتك قبل أن نرينك الذي وعدناهم، يعني: قبل أن نريك النقمة فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ يعني: ننتقم منهم.

بعد موتك.

قال قتادة: ذهب النبيّ  ، وبقيت النقمة.

قال: وذكر لنا أن النبيّ  ، «أُرَى مَا يُصِيب أُمَّتَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فما رُئِيَ ضَاحِكاً مُسْتَبْشِراً، حَتَّى قُبِضَ» .

ثم قال: أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ يعني: في حياتك فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ يعني: إنا لقادرون على ذلك قوله تعالى: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ يعني: اعمل بالذي أوحي إليك من القرآن إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: على دين الإسلام وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ يعني: القرآن شرف لك ولمن آمن به ويقال: وَلِقَوْمِكَ يعني: العرب، لأن القرآن نزل بلغتهم وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ عن هذه النعم، وعن شكر هذا الشرف.

يعني: القرآن إذا أديتم شكره، أو لم تؤدوه.

قوله تعالى: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا قال مقاتل، والكلبي: يعني: سل مؤمني أهل الكتاب أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ يعني: هل جاءهم رسول، يدعوهم إلى عبادة غير الله.

ويقال: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا يعني: سل المرسلين، فلقي النبيّ  الأنبياء ليلة المعراج، وصلى بهم ببيت المقدس.

فقيل له: فسلهم فلم يشك، ولم يسألهم.

ويقال: إنما خاطب النبيّ  ، وأراد أمته يعني: سلوا أهل الكتاب كقوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ [يونس: 94] الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إذا بُعِثَ يوم القيامة من قبره أَخَذَ شَيْطَانٌ بيده، فلم يُفَارِقْهُ حتى يصيِّرهما اللَّه إلى النار، فذلك حيث يقول: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ انتهى.

وقوله: بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ يحتمل مَعَانِيَ:

أحدها: أن يريد بُعْدَ المشرق من المغرب، فَسَمَّاهما مَشْرِقَيْنِ كما يقال القَمَرَانِ، والعُمَرَانِ.

والثاني: أنْ يريد مشرق الشمس في أطول يوم، ومشرقها في أقصر يوم.

والثالث: أنْ يريد بعد المشرقَيْنِ من المغربين، فاكتفى بذكر المشرقين.

قلت: واستبعد الفَخْرُ التأويل الثاني قال: لأنّ المقصود من قوله: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ المبالغةُ في حصول البُعْدِ، وهذه المبالغة إنَّما تحصل عند ذكر بُعْدٍ لا يمكن وُجُودُ بُعْدٍ أزيدَ منه، والبُعْدُ بين مشرق الشتاء ومشرق الصيف ليس كذلك، فَيَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عليه قال: والأكْثَرُونَ عَلَى التأويل الأَوَّلِ، انتهى.

وقوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ ...

الآية، حكايةٌ عن مقالة تُقَالُ لهم يوم القيامة، وهي مقالة مُوحِشَةٌ فيها زيادةُ تعذيبٍ لهم ويأْسٍ من كل خير، وفاعل يَنْفَعَكُمُ الاشتراك، ويجوز أنْ يكون فاعل يَنْفَعَكُمُ التّبرّي الذي يدل عليه قوله: يا لَيْتَ.

وقوله سبحانه: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ...

الآية، خطاب للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وباقي الآية/ تكرَّر معناه غيرَ ما مَرَّةٍ.

وقوله تعالى: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ أي: بما جاءك من عند اللَّه من الوحي الْمتلوِّ وغيره.

وقوله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ يحتمل أَنْ يريد: وإنَّهُ لشرف في الدنيا لكَ ولِقَوْمِكَ يعني:

قُرَيْشاً قاله ابن عباس وغيره «١» ، ويحتمل أنْ يريد: وإنَّه لتذكرة وموعظة، ف «القومُ» على هذا أُمَّتُهُ بأجمعها، وهذا قول الحسن بن أبي الحسن «٢» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا ﴾ إنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْألُ الرُّسُلَ وقَدْ ماتُوا قَبْلَهُ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا أُسْرِيَ بِهِ جُمِعَ لَهُ الأنْبِياءُ فَصَلّى بِهِمْ، ثُمَّ قالَ [لَهُ] جِبْرِيلُ: سَلْ مَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ.

.

.

الآيَةُ.

فَقالَ: لا أسْألُ، قَدِ اكْتَفَيْتُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ؛ قالُوا: جُمِعَ لَهُ الرُّسُلُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، فَلَقِيَهُمْ، وأُمِرَ أنْ يَسْألَهُمْ، فَما شَكَّ ولا سَألَ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ: [اسْألْ] مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ [مِنَ] الَّذِينَ أُرْسِلَتْ إلَيْهِمُ الأنْبِياءُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ في آخَرِينَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: سَلْ أتْباعَ مَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ، كَما تَقُولُ: السَّخاءُ حاتِمٌ، أيْ: سَخاءُ حاتِمٍ، والشِّعْرُ زُهَيْرٌ، أيْ: شِعْرُ زُهَيْرٍ.

وعِنْدَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَلى القَوْلَيْنِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا سُؤالُ تَقْرِيرٍ، فَإذا سَألَ جَمِيعَ الأُمَمِ، لَمْ يَأْتُوا بِأنَّ في كُتُبِهِمْ: أنِ اعْبُدُوا غَيْرِي.

والثّالِثُ: [أنَّ] المُرادَ بِخِطابِ النَّبِيِّ  : خِطابُ أُمَّتِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: سَلُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ ﴾ اسْتِهْزاءً بِها وتَكْذِيبًا.

﴿ وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها ﴾ يَعْنِي ما تَرادَفَ عَلَيْهِمْ مِنَ الطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ، فَكانَتْ كُلُّ آيَةٍ أكْبَرَ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، وهي العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأخَذْناهم بِالعَذابِ ﴾ ، فَكانَتْ عَذابًا لَهُمْ، ومُعْجِزاتٍ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ ﴾ في خِطابِهِمْ لَهُ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أرادُوا: يا أيُّها العالِمُ، وكانَ السّاحِرُ فِيهِمْ عَظِيمًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهم خاطَبُوهُ بِما تَقَدَّمَ لَهُ عِنْدَهم مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالسّاحِرِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ ﴾ أيْ: مُؤْمِنُونَ بِكَ.

فَدَعا مُوسى، فَكُشِفَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا.

وقَدْ ذَكَرْنا ما تَرَكْناهُ هاهُنا في [الأعْرافِ: ١٣٥] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ قُصُورِي ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ عَظْمَتِي وشَدَّةَ مُلْكِي؟!

﴿ أمْ أنا خَيْرٌ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أرادَ بَلْ أنا خَيْرٌ.

وحَكى الزَّجّاجُ عَنْ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّهُما قالا: عُطِفَ "أنا" بِـ "أمْ" عَلى "أفَلا تُبْصِرُونَ" [فَكَأنَّهُ قالَ: أفَلا تُبْصِرُونَ] أمْ أنْتُمْ بُصَراءُ؟!

لِأنَّهم إذا قالُوا: أنْتَ خَيْرٌ مِنهُ، فَقَدْ صارُوا عِنْدَهُ بُصَراءَ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَهِينُ: القَلِيلُ؛ يُقالُ: شَيْءٌ مَهِينٌ، أيْ: قَلِيلٌ.

وقالَ مُقاتِلٌ: "مَهِينٌ" بِمَعْنى ذَلِيلٍ ضَعِيفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَكادُ يُبِينُ ﴾ أشارَ إلى عُقْدَةِ لِسانِهِ الَّتِي كانَتْ بِهِ ثُمَّ أذْهَبَها اللَّهُ عَنْهُ، فَكَأنَّهُ عَيَّرَهُ بِشَيْءٍ قَدْ كانَ وزالَ، ويَدُلُّ عَلى زَوالِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى  ﴾ ، وكانَ في سُؤالِهِ: ﴿ واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي  ﴾ .

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولا يَكادُ يُبِينُ الحُجَّةَ ولا يَأْتِي بِبَيانٍ يُفْهَمُ.

﴿ فَلَوْلا ﴾ أيْ: فَهَلّا ( أُلْقِيَ عَلَيْهِ أساوِرَة مَن ذَهَبَ ) وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "أسْوِرَةٌ" بِغَيْرِ ألِفٍ.

قالَ الفَرّاءُ: واحِدُ الأساوِرَةِ: إسْوارٌ، وقَدْ تَكُونُ الأساوِرَةُ جَمْعَ أسْوِرَةٍ، كَما يُقالُ في جَمْعِ الأسْقِيَةِ: الأساقِي، وفي جَمْعِ الأكْرَعِ: الأكارِعُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ الأساوِرَةُ جَمْعَ الجَمْعِ، تَقُولُ: أسْوِرَةٌ وأساوِرَةٌ، كَما تَقُولُ: أقْوالٌ وأقاوِيلُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَمْعَ إسْوارٍ، وإنَّما صُرِفَتْ أساوِرَةٌ، لِأنَّكَ ضَمَمْتَ الهاءَ إلى أساوِرَ، فَصارَ اسْمًا واحِدًا، وصارَ لَهُ مِثالٌ في الواحِدِ، نَحْوُ "عَلانِيَةٍ" .

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، لِأنَّهم كانُوا إذا سَوَّدُوا الرَّجُلَ مِنهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ.

﴿ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُتَتابِعِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: يَمْشُونَ مَعَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: اسْتَفَزَّهُمْ؛ وقالَ غَيْرُهُ: اسْتَخَفَّ أحْلامَهم وحَمَلَهم عَلى خِفَّةِ الحِلْمِ بِكَيْدِهِ وغُرُورِهِ ﴿ فَأطاعُوهُ ﴾ في تَكْذِيبِ مُوسى.

﴿ فَلَمّا آسَفُونا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أغْضَبُونا.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأسَفُ: الغَضَبُ، يُقالُ: آسَفْتُ آسَفُ أسَفًا، أيْ: غَضِبْتُ.

﴿ فَجَعَلْناهم سَلَفًا ﴾ أيْ: قَوْمًا تَقَدَّمُوا.

وقَرَأها أبُو هُرَيْرَةَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدُ الأعْرَجُ: "سُلَفًا" بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ، كَأنَّ واحِدَتَهُ سُلْفَةٌ مِنَ النّاسِ، مِثْلُ القِطْعَةِ، يُقالُ: تَقَدَّمَتْ سُلْفَةٌ مِنَ النّاسِ، أيْ: قِطْعَةٌ مِنهم.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "سُلُفًا" بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ، وهو جَمْعُ "سَلَفٍ"، كَما قالُوا: خَشَبٌ وخُشُبٌ، وثَمَرٌ وثُمُرٌ، ويُقالُ: هو جَمْعُ "سَلِيفٍ"، وكُلُّهُ مِنَ التَّقَدُّمِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: "السَّلِيفُ" جَمْعٌ قَدْ مَضى؛ والمَعْنى: جَعَلْناهم سَلَفًا مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلا ﴾ أيْ: عِبْرَةً [وَعِظَةً] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ أو تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ ﴾ ﴿ أو نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ﴾ ﴿ فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ ﴾ ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا أجَعَلْنا مَن دُونِ الرَحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى حالَ الكُفّارِ في الآخِرَةِ وما يُقالُ لَهم وهم في العَذابِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ تُشْفِقَ النُفُوسُ، وأنَّ يَنْظُرَ كُلُّ سامِعٍ لِنَفْسِهِ ويَسْعى في خَلاصِها، فَلَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ مَعَ هَذا الَّذِي سَمِعَتْ لَمْ تَزَلْ عن عُتُوِّها وإعْراضِها عن أمْرِ اللهِ تَعالى رَجَعَتِ المُخاطَبَةُ إلى مُحَمَّدٍ  عَلى جِهَةِ التَسْلِيَةِ لَهُ عنهُمْ، وشَبَّهَهم بَـالصُمِّ والعُمْيِ إذْ كانَتْ حَواسُّهم لا تُفِيدُ شَيْئًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ يُرِيدُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا بِأنْفُسِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: "أو مَن كانَ"، بَلْ جاءَ بِالواوِ العاطِفَةِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: "وَهَؤُلاءِ"، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا عَوْدَ الضَمِيرِ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنّا مِنهُمْ ﴾ ، ولَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن كانَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا نَذْهَبَنَّ ﴾ الآيَةُ....آيَةٌ تَتَضَمَّنُ وعِيدًا واقِعًا، وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ المُتَوَعِّدِينَ هُمُ الكُفّارُ، وأنَّ اللهَ تَعالى أرى نَبِيَّهُ  الَّذِي وعَدَهم في بَدْرٍ والفَتْحٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وذَهَبَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ إلى أنَّ المُتَوَعِّدِينَ هم في هَذِهِ الأُمَّةِ، وأنَّ اللهَ تَعالى أكْرَمَ نَبِيَّهُ  عَلى أنْ يَنْتَقِمَ مِنهم بِحَضْرَتِهِ وفي حَياتِهِ، فَوَقَعَتِ النِقْمَةُ مِنهم بَعْدَ أنْ ذَهَبَ بِهِ، وذَلِكَ في الفِتَنِ الحادِثَةِ في صَدْرِ الإسْلامِ مَعَ الخَوارِجِ وغَيْرِهِمْ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: أكْرَمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ  عَلى أنْ يَرى في أُمَّتِهِ ما يَكْرَهُ كَما رَأى الأنْبِياءُ صَلَواتِ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، فَكانَتِ النِقْمَةُ بَعْدَ ذَهابِهِ  ، وقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رِضى اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  قَرَأ: ﴿ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ ﴾ فَقالَ: " بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ "،» والقَوْلُ الأوَّلُ مِن تَوَعُّدِ الكُفّارِ أكْثَرُ.

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِالتَمَسُّكِ بِما جاءَهُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى مِنَ الوَحْيِ المَتْلُوِّ وغَيْرِهِ، والصِراطُ: الطَرِيقُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أُوحِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "أُوحِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيْ: أوحى اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَبارَكَ وتَعالى: وإنَّهُ لَشَرَفٌ وحَمْدٌ في الدُنْيا -والقَوْمُ عَلى هَذا- قُرَيْشٌ ثُمَّ العَرَبُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والسَدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: «كانَ رَسُولُ اللهِ  يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ، فَإذا قالُوا لَهُ: فَلِمَن يَكُونُ الأمْرُ بِعْدَكَ؟

سَكَتَ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكانَ إذا سُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ: لِقُرَيْشٍ، فَكانَتِ العَرَبُ لا تَقْبَلُ عَلى ذَلِكَ حَتّى قَبِلَتْهُ الأنْصارُ رِضى اللهِ عنهُمْ،» ورَوى ابْنُ عُمَرَ رِضى اللهُ عنهُما أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "لا يَزالُ هَذا الأمْرُ في قُرَيْشٍ ما بَقِيَ مِنهُمُ اثْنانِ"،» ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "لا يَزالُ الأمْرُ في قُرَيْشٍ ما دامُوا، إذا حَكَوْا عَدَلُوا، وإذا اسْتَرْحَمُوا رَحِمُوا، وإذا عاهَدُوا وفَوْا، فَمَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ"،» ورَوى مُعاوِيَةُ أنَّهُ  قالَ: « "لا يَزالُ هَذا الأمْرُ في قُرَيْشٍ ما أقامُوا الدِينَ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَعالى: وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ، و"القَوْمُ" -عَلى هَذا- أُمَّتُهُ بِأجْمَعِها، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَوْفَ تُسْألُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: عن أوامِرِ القُرْآنِ ونَواهِيهِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عن شُكْرِ النِعْمَةِ فِيهِ، واللَفْظُ يَحْتَمِلُ هَذا كُلَّهُ ويَعُمُّهُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالسُؤالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ، أرادَ تَعالى أنِ اسْألْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، ذَكَرَ ذَلِكَ النَقّاشُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِيهِ بُعْدٌ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والزَهْرِيُّ، أرادَ تَعالى: واسْألِ الرُسُلَ إذا لَقَيْتُهم لَيْلَةَ الإسْراءِ، أمّا إنَّ النَبِيَّ  لَمْ يَسْألِ الرُسُلَ عَلَيْهِمِ السَلامُ لَيْلَةَ الإسْراءِ عن هَذا، لِأنَّهُ  كانَ أثْبَتُ يَقِينًا مِن ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ في شَكٍّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ، أرادَ تَعالى: واسْألْنِي، أو واسْألْنا عَمَّنْ أرْسَلْنا، والأُولى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- أنْ يَكُونَ: ﴿ مَن أرْسَلْنا ﴾ اسْتِفْهامًا أمْرَهُ أنْ يَسْألَ بِهِ، كَأنَّ سُؤالَهُ: يا رَبِّ، مَن أرْسَلَتْ قَبَلِيِّ مِن رُسِلِكَ؟

أجَعَلْتَ في رِسالَتِهِ الأمْرَ بِآلِهَةٍ يُعْبَدُونَ؟

ثُمَّ ساقَ السُؤالَ مَحْكِيُّ المَعْنى، فَرَدَّ المُخاطَبَةِ إلى مُحَمَّدٍ  في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِكَ ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّي، وعَطاءُ، أرادَ تَعالى: واسْألْ تُبّاعَ مَن أرْسَلْنا وحَمْلَةَ شَرائِعِهِمْ، لِأنَّ المَفْهُومَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى سُؤالِهِ الرُسُلَ إلّا بِالنَظَرِ في آثارِهِمْ وكُتُبِهِمْ وسُؤالِ مَن حَفِظَها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "واسْئَلِ الَّذِينَ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ قَبِلَكَ رُسُلُنا"، فَهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيَّدُ هَذا المَعْنى، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ مَفْهُومٌ أنَّهُ لا يَسْألُ إلّا أهْلَها، ومِمّا يَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَسُولِ  ﴾ ، فَمَفْهُومٌ أنَّ الرَدَّ إنَّما هو إلى كِتابِ اللهِ تَعالى وسَنَةِ رَسُولِهِ  ، وأنَّ المُحاوَرَةَ في ذَلِكَ إنَّما هم لِتُبّاعِهِمْ وحَفَظَةِ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يُعْبَدُونَ" ﴾ أُخْرِجُ الضَمِيرُ عَلى حَدِّ مَن يَعْقِلُ مُراعاةً لِلَفْظِ الآلِهَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأمر بالسؤال هنا تمثيل لشهرة الخبر وتحققه كما في قول السمؤال أو الحارثي: سَلي إن جَهِلتتِ الناسَ عنا وعنهم *** وقوللِ زيد الخيل: سائِلْ فوارِسَ يَرْبوع بِشدَّتِنا *** وقوله: ﴿ فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ﴾ [يونس: 94] إذ لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم في شكّ حتى يَسأل، وإلا فإن سؤاله الرّسل الذين من قبله متعذر على الحقيقة.

والمعنى استقْرِ شرائع الرّسل وكتبهم وأخبارهم هل تجد فيها عبادة آلهة.

وفي الحديث «واستفتتِ قلبك» أي تثبت في معرفة الحلال والحرام.

وجملة ﴿ أجعلنا ﴾ بدل من جملة ﴿ واسأل ﴾ ، والهمزة للاستفهام وهو إنكاري وهو المقصود من الخبر، وهو ردّ على المشركين في قولهم: ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا على آثارهم مهتدون ﴾ [الزخرف: 22] أي ليس آباؤكم بأهدى من الرّسل الأولين إن كنتم تزعمون تكذيب رسولنا لأنه أمركم بإفراد الله بالعبادة.

ويجوز أن يجعل السؤال عن شهرة الخبر.

ومعنى الكلام: وإنا ما أمرنا بعبادة آلهة دوننا على لسان أحد من رسلنا.

وهذا ردّ لقول المشركين ﴿ لو شاء الرحمان ما عبدناهم ﴾ [الزخرف: 20].

و ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ من قبلك ﴾ لتأكيد اتصال الظرف بعامله.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ من رسلنا ﴾ بيان ل ﴿ قبلك ﴾ .

فمعنى ﴿ أجعلنا ﴾ ما جعلنا ذلك، أي جعل التشريع والأمر، أي ما أمرنا بأن تعبد آلهة دوننا.

فوصف آلهة ب ﴿ يعبدون ﴾ لنفي أن يكون الله يرضى بعبادة غيره فضلاً عن أن يكون غيره إلها مثله وذلك أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام وكانوا في عقائدهم أشتاتاً فمنهم من يجعل الأصنام آلهة شركاء لله، ومنهم من يزعم أنه يعبدهم ليقربوه من الله زُلْفى، ومنهم من يزعمهم شفعاء لهم عند الله.

فلما نفي بهذه الآية أن يكون جَعل آلهة يُعبدون أبطل جميع هذه التمَحُّلات.

وأجري ﴿ آلهة ﴾ مجرى العقلاء فوصفوا بصيغة جمع العقلاء بقوله: ﴿ يعبدون ﴾ .

ومثله كثير في القرآن جرياً على ما غلب في لسان العرب إذ اعتقدوهم عقلاء عالمين.

وقرأ ابن كثير والكسائي ﴿ وسَلْ ﴾ بتخفيف الهمزة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُعْرِضُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يَعْمى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ السَّيْرُ في الظُّلْمَةِ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَشْوِ وهو البَصَرُ الضَّعِيفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرُ لَنِعْمَ الفَتى تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ إذا الرِّيحُ هَبَّتْ والمَكانُ جَدِيبُ وَفِي قَوْلِهِ ﴿ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: عَمّا بَيَّنَهُ اللَّهُ مِن حَلالٍ وحَرامٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: عَنِ القُرْآنِ لِأنَّهُ كَلامُ الرَّحْمَنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُلْقِيهِ شَيْطانًا.

الثّانِي: نُعَوِّضُهُ شَيْطانًا، مَأْخُوذٌ مِنَ المُقايَضَةِ وهي المُعاوَضَةُ.

﴿ فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَيْطانٌ يُقَيَّضُ لَهُ في الدُّنْيا يَمْنَعُهُ مِنَ الحَلالِ ويَبْعَثُهُ عَلى الحَرامِ، ويَنْهاهُ عَنِ الطّاعَةِ ويَأْمُرُهُ بِالمَعْصِيَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: هو أنَّ الكافِرَ إذا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَبْرِهِ شُفِعَ بِيَدِهِ شَيْطانٌ فَلَمْ يُفارِقْهُ حَتّى يَصِيرَ بِهِما اللَّهُ إلى النّارِ، قاَلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حَتّى إذا جاءَنا ﴾ قَرَأ عَلى التَّوْحِيدِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، يَعْنِي ابْنَ آدَمَ، وقَرَأ الباقُونَ (جاءانا) عَلى التَّثْنِيَةِ يَعْنِي ابْنَ آدَمَ وقَرِينَهُ.

﴿ قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ ﴾ هَذا قَوْلُ ابْنِ آدَمَ لِقَرِينِهِ وفي المَشْرِقَيْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَغُلِّبَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ كَما قِيلَ: سُنَّةُ العُمَرَيْنِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ أخَذْنا بِآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكم ∗∗∗ لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ الثّانِي: أنَّهُ مَشْرِقُ الشِّتاءِ ومَشْرِقُ الصَّيْفِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ ﴾ وهَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إمّا نُخْرِجَنَّكَ مِن مَكَّةَ مِن أذى قُرَيْشٍ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ.

الثّانِي: فَإمّا نَقْبِضُ رُوحَكَ إلَيْنا فَإنّا مُنْتَقِمُونَ مِن أُمَّتِكَ فِيما أحْدَثُوا بَعْدَكَ.

وَرُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ  أُرِيَ ما لَقِيَتْ أُمَّتُهُ بَعْدَهُ فَما زالَ مُنْقَبِضًا ما انْبَسَطَ ضاحِكًا حَتّى لَقِيَ اللَّهَ تَعالى.

» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ذِكْرٌ لَكَ [وَلِقَوْمِكَ] .

وفي ﴿ لَذِكْرٌ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الشَّرَفُ، أيْ شَرَفٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ تَذْكُرُونَ بِهِ أمْرَ الدِّينِ وتَعْمَلُونَ بِهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ وَلِقَوْمِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَنِ اتَّبَعَكَ مِن أُمَّتِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لِقَوْمِكَ مِن قُرَيْشٍ فَيُقالُ: مِمَّنْ هَذا الرَّجَلُ؟

فَيُقالُ: مِنَ العَرَبِ، فَيُقالُ: مِن أيِّ العَرَبِ؟

فَيُقالُ: مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَسَوْفَ تُسْألُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ الشُّكْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنْتَ ومَن مَعَكَ عَمّا أتاكَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَحَكى ابْنُ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ أنَّهُ قَوْلُ الرَّجُلِ حَدَّثَنِي أبِي عَنْ جَدِّي.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي الأنْبِياءَ الَّذِينَ جَمَعُوا لَهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وكانُوا سَبْعِينَ نَبِيًّا مِنهم إبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلَمْ يَسْألْهم لِأنَّهُ كانَ أعْلَمَ بِاللَّهِ مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أهْلُ الكِتابَيْنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ويَكُونُ تَقْدِيرُهُ سَلْ أُمَمَ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا.

الثّالِثُ: جِبْرِيلُ، ويَكُونُ تَقْدِيرُهُ.

واسْألْ عَمّا أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا، حَكاهُ النَّقّاشُ.

﴿ أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ وسَبَبُ هَذا الأمْرِ بِالسُّؤالِ أنَّ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : إنَّ ما جِئْتَ بِهِ مُخالِفٌ لِمَن كانَ قَبْلَكَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِسُؤالِهِمْ لا لِأنَّهُ كانَ في شِكٍّ مِنهُ.

واخْتُلِفَ في سُؤالِ النَّبِيِّ  لَهم عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَألَهم، فَقالَتِ الرُّسُلُ بُعِثْنا بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ الواقِدِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَسْألْ لِيَقِينِهِ بِاللَّهِ تَعالى، حَتّى حَكى ابْنُ زَيْدٍ أنَّ مِيكائِيلَ قالَ لِجِبْرِيلَ: هَلْ سَألَكَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ؟

فَقالَ جِبْرِيلُ: هو أشَدُّ إيمانًا وأعْظَمُ يَقِينًا مِن أنْ يَسْألَنِي عَنْ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ﴾ قال: ليلة اسري به لقي الرسل.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ﴾ قال: بلغنا أنه ليلة أسري به أري الأنبياء، فأري آدم، فسلم عليه وأري مالكاً خازن النار، وأري الكذاب الدجال.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة ﴿ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ﴾ قال: سل أهل التوراة والإِنجيل هل جاءت الرسل إلا بالتوحيد؟

وقال: في بعض القراءة ﴿ واسأل من أرسلنا إليهم رسلنا قبلك ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﴿ واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا ﴾ قال: سل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن مجاهد قال: كان عبد الله يقرأ ﴿ واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا ﴾ قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ واسأل الذين يقرأون الكتاب من قبل ﴾ مؤمني أهل الكتاب.

وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في قوله: ﴿ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ﴾ قال: جمعوا له ليلة أسري به ببيت المقدس.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا ﴾ اختلف المفسرون وأهل التأويل في هذه الآية، فذهب طائفة إلى أن المعنى: واسأل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء، هل جاءتكم الرسل إلا بالتوحيد؟

وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والمقاتلين، واختيار الزجاج والفراء وابن قتيبة (١) قال الزجاج: المعنى: سل أمم من أرسلنا (٢) (٣) (٤) وقال ابن قتيبة: تقدير الآية: واسأل من أرسلنا، يعني: أهل الكتاب (٥) قال ابن الأنباري (٦) (٧) وقال عطاء عن ابن عباس: لما أسري بالنبي -  - إلى المسجد الأقصى بعث الله تعالى، آدم ومن ولد من المرسلين، فأذن جبريل ثم أقام وقال: يا محمد تقدم فصلِّ بهم، فلما فرغ رسول الله -  - من الصلاة، قال له جبريل: سل يا محمد [...] (٨)  -: "لا أسأل قد اكتفيت" (٩) وهذا قول سعيد بن جبير والزهري، قالوا: جمع له الرسل ليلة أسري به فلقيهم وأمر أن يسألهم، فلم يشكك ولم يسأل (١٠) وذكر أبو إسحاق قولاً ثالثًا وهو: أن يكون الخطاب للنبي -  - والمراد: الذين بعث إليهم، كأنه قيل لهم: سلوا الذين أرسلنا إليهم الرسل قبل محمد، هل أتوا بدين غير التوحيد؟

ولكن الكلام خرج على مخاطبته -  - كما قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ  ﴾ (١١) وذكر صاحب النظم وجهًا آخر [حلفًا فاسدًا] (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ على معنى الإنكار أي: ما جعلنا ذلك، فيكونان خبرين لا خبرًا واحداً، وهذا مما لا يُعرَّج عليه لأن النظم ومعنى الخطاب لا يحتمله.

(١) أخرج ذلك الطبري في "تفسيره" 13/ 77 عن قتادة ورجحه، وأوردد البغوي في "تفسيره" 7/ 216، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 2634، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 319، والقرطبي في "الجامع" 16/ 96، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 34، و"تفسير غريب القرآن" لابن قيبة ص 399.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 414.

(٣) كذا في الأصل وفي "معاني الفراء": (فإنهم إنما يخبرونه عن كتب ..

..).

(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 34.

(٥) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتية ص 399.

(٦) لم أقف على قول ابن الأنباري، وقد ذكر نحوه النحاس في "إعراب القرآن" 4/ 111، 112.

(٧) انظر: "تفسير ابن عطية" 14/ 265 بهذا اللفظ، وذكره في "الوسيط" 4/ 75 عن ابن الأنباري بلفظ: (سل أتباع من أرسلنا).

(٨) كذا في الأصل، وقد سقط لفظ: (من).

(٩) أخرج نحو ذلك الطبري 13/ 78 عن ابن زيد، ونسبه البغوي 7/ 216 لعطاء عن ابن عباس، ونسبه القرطبي 16/ 95 لابن عباس وابن زيد، ونسبه في "الوسيط" 4/ 75 لعطاء عن ابن عباس.

(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 78، "تفسير الماوردي" 5/ 228، "البغوي" 7/ 216، "زاد المسير" 7/ 319، "الوسيط" 4/ 75، وقد زاد بعضهم نسبته لابن زيد.

(١١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج بتصرف في العبارة 4/ 414.

(١٢) كذا رسمها في الأصل ولم أتبينها.

(١٣) ذكر نحو ذلك أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 18، والألوسي في "تفسيره" 25/ 86.

(١٤) انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 648.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ ﴾ إن قيل: كيف أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الرسل المتقدّمين وهو لم يدركهم؟

فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنه رآهم ليلة الإسراء.

الثاني أن المعنى اسأل أمة من أرسلنا قبلك.

والثالث أنه لم يرد سؤالهم حقيقة، وإنما المعنى أن شرائعهم متفقة على توحيد الله، بحيث لو سألوا: هَلْ مع الله آلهة يعبدون؛ لأنكروا ذلك ودانوا بالتوحيد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سقفاً ﴾ بالفتح فالسكون: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد.

الباقون: بضمتين على الجمع كرهن ورهن.

قال أبو عبيدة: لا ثالث لهما (لما) بالتشديد: عاصم وحمزة بمعنى إلا فـ ﴿ إن ﴾ نافية.

الآخرون: بالتخفيف فـ "إن" مخففة واللام فارقة كما مر في آخر هود ﴿ يقيض ﴾ على الغيبة والضمير للرحمن: يعقوب وحماد.

الآخرون: بالنون ﴿ جاءنا ﴾ على الوحدة والضمير للعاشي: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ويعقوب.

الباقون: بألف التثنية والضمير للعاشي والقرين ﴿ أنكم في العذاب ﴾ بالكسر: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ أيه الساحر ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون ﴾ وقد مر في "النور" ﴿ تحتي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير ونافع وأبو جعفر ﴿ أسورة ﴾ كأجربة: حفص وسهل ويعقوب.

الآخرون ﴿ أساورة ﴾ كأشاعرة وهو جمع أسوار بمعنى السوار.

وأصله أساوير.

إلا أنه عوض من الياء هاء في آخره ﴿ سلفاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وهو جمع سليف.

الباقون: بفتحتين جمع سالف كخادم وخدم.

الوقوف: ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمت ربك ﴾ ط ﴿ سخرياً ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ يظهرون ﴾ ه لا ﴿ يتكئون ﴾ ه لا ﴿ وزخرفاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ للمتقين ه ﴿ قرين ﴾ ه ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ القرين ﴾ ه ﴿ مشتركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ منتقمون ﴾ ه لا ﴿ مقتدرون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط لاحتمال التعليل ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ولقومك ﴾ ج للتعليق مع سين التهديد ﴿ تسئلون ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يضحكون ﴾ ه ﴿ من أختها ﴾ ز لنوع عدول ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ لمهتدون ﴾ ه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ تحتي ﴾ ج للاستفهام مع اتحاد الكلام ﴿ تبصرون ﴾ ه لأن "أم" منقطعة ﴿ مقترنين ﴾ ه ﴿ فأطاعوه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ للآخرين ﴾ ه.

التفسير: هذه حكاية شبهة لكفار قريش، وذلك أنهم ظنوا أن الفضيلة في المال والجاه الدنيوي فقالوا ﴿ لولا نزل هذا القرآن ﴾ وفي الإشارة ههنا نوع استخفاف منهم لكتاب الله ﴿ على رجل من القريتين ﴾ أي من إحداهما يعنون مكة أو الطائف.

قال المفسرون: الذي بمكة هو الوليد بن المغيرة، والذي بالطائف هو عروة بن مسعود الثقفي.

ومنهم من قال غير ذلك.

وأرادوا بعظم الرجل رياسته وتقدمه في الدنيا فألزمهم الله  بأجوبة أوّلها قوله على سبيل الإنكار ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك ﴾ أي النبوّة فيضعوها حيث شاؤا ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ﴾ أي خدماً وتابعاً ومملوكاً.

واللام لام العاقبة فإن الإنسان خلق مدنياً بالطبع.

وقالت المعتزلة: للغرض وإذا كانت المعايش الدنيوية مع حقارتها وخساستها مفوّضة إلى تدبير الله وتسخيره وتقديره دون أحد من خلقه، فالأمور الدينية والمناصب الحقيقية الأخروية أولى بذلك.

وقيل: الرحمة الرزق.

ومعنى الآية إنكار أن الرزق منهم فيكف تكون النبوّة منهم؟

واستدلال السني بالآية ظاهر في أن كل الأرزاق من الله حلالاً كانت أو حراماً.

وقالت المعتزلة: الله  قاسم ولكن العباد هم الذين يكسبونها صفة الحرمة بسوءتنا ولهم.

والجواب أنه كما قسم الرزق عن الجهة التي بها يصل الرزق إليه فكل بقدره.

وثانيها قوله ﴿ ورحمة ربك خير مما يجمعون ﴾ لأن الدنيا منقضية فانية ودين الله وما يتبعه من السعادات باقٍ لا يزول، فكيف يجعل العاقل ما هو الأخس أفضل مما هو الأشرف؟

وثالثها قوله ﴿ ولولا ﴾ كراهة ﴿ أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ مجتمعين على الكفر ﴿ لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ﴾ هو بدل اشتمال وقيل: هما كقولك: وهبت له ثوباً لقميصه في أن اللام للغرض.

والمعارج المصاعد أو المراقي جمع معرج كمخلب ﴿ عليها ﴾ أي على المعارج ﴿ يظهرون ﴾ يعلون السطوح.

والزخرف الزينة أي جعلنا لهم زينة عظيمة في كل باب.

وقيل: الذهب أي جعلنا لهم مع ذلك ذهباً كثيراً.

أو وجه آخر على هذا التفسير وهو أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ من فضة ﴾ إلا أنه نصب بنزع الخافض أي بعضها من فضة وبعضها من ذهب.

والحاصل أنه  إن وسع على الكافرين كل التوسعة أطبق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها مع حقارة الدنيا عند الله تعالى، وفي معناه قول نبينا  : " "لو كانت الدنيا تزن عند الله  جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء" " وإنما لم يوسع على المسلمين كلهم لتكون رغبة الناس في الإسلام لمحض الإخلاص لا لأجل الدنيا.

ثم بشر المؤمنين بقوله ﴿ وإن كل ذلك ﴾ إلى آخره.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن اللطف من الله  واجب، وفيه أنه  لما لم يفعل بالناس التوسعة لئلا يجتمعوا على الكفر، فلأن لا يخلق فيهم الكفر أولى.

والجواب أن وقوع كل الناس في طريق القهر محذور، وأما وقوع البعض فضروري كما مر في أول البقرة، فشتان بين الممتنع الوجود والضروري الوجود فكيف يقاس أحدهما على الآخر؟

ثم بين أن مادة كل الآفات وأصل جميع البليات هو السكون إلى الدنيا والركون إلى أهلها فإن ذلك بمنزلة الرمد للبصر ويصير بالتدريج كالعشى ثم كالعمى فقال ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن ﴾ أي عن القرآن أي يعرف أنه الحق ولكنه يتجاهل.

قال جار الله: قرىء بفتح الشين أيضاً.

والفرق أنه إذا حصلت آفة في بصره يقال عشي بالكسر أي عمى يعشى بالفتح، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به قيل عشا أي تعامى.

وفيه معنى الإعراض فلهذا عدي بـ "عن" ومعنى ﴿ نقيض ﴾ نقدر كما مر في "حم" السجدة ﴿ وإنهم ﴾ أي الشياطين ﴿ ليصدونهم ﴾ أي العشي عن دين الله ﴿ ويحسبون ﴾ أي الكفار أن الشياطين والكافرين ﴿ مهتدون ﴾ وإنما جمع الضميرين لأن ﴿ من ﴾ عام و ﴿ شيطاناً ﴾ تابع له.

ولا شك أن هذا القرين ملازم له في الآخرة لقوله ﴿ حتى إذا جاءنا ﴾ الآية وأما في الدنيا فمحتمل بل لازم لقوله  : " كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون" ويروى أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطان بيده ولم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار فذلك حيث يقول ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ﴾ أي بعد ما بين المشرق والمغرب فغلب كالقمرين.

وقيل: المغرب أيضاً مشرق بالنسبة إلى الحركة الثانية وهذا قول أهل السنة.

وقيل: مشرق الصيف ومشرق الشتاء وفيه ضعف لأنه لا يفيد مبالغة، فبين الله  أن ذلك التمني لا ينفعهم وعلله بقوله ﴿ أنكم ﴾ من قرأ بالكسر فظاهر، ومن قرأ بالفتح فعلى حذف اللام أي لن ينفعكم تمنيكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه وهو الكفر، ويحتمل أن يكون أن في قراءة الفتح فاعل ينفع أي لن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب.

وإن قيل: المصيبة إذا عمت طابت وذلك أن كل أحد مشغول في ذلك اليوم عن حال غيره بحال نفسه.

﴿ وإذ ﴾ بدل من اليوم ومعناه إذ ظلمكم تبين ووضح لكل أحد.

ثم إنه  كان يتحزن على فقد الإيمان منهم فسلاه بقوله ﴿ أفأنت ﴾ إلى آخره.

وقوله ﴿ فأما نذهبن بك ﴾ أراد به قبض روحه كقوله في "يونس" وفي "المؤمن" ﴿ فأما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك  ﴾ الانتقام إما في الآخرة وهو قول الجمهور أو في الدنيا.

عن جابر أنه قال: لما نزلت ﴿ فإنا منهم منتقمون ﴾ قال النبي  بعلي بن أبي طالب  أورده في تفسير اللباب.

وقيل: فأما نذهبن بك من مكة فإنا منهم منتقمون يوم بدر.

والحاصل أنه  توعد الكفار بعذاب الدنيا والآخرة جميعاً.

ثم قال لنبيه  سواء عجلنا لك الظفر والغلبة أو أخرناه إلى الآخرة فكن متمسكاً بما أوحينا إليك فإنه الدين الذي لا عوج له، وإنه لشرف لك ولقومك أي لجميع أمتك أو لقريش وسوف تسألون هل أديتم شكر هذه النعمة أم لا.

قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن الذكر الجميل أمر مرغوب فيه لعموم أثره وشموله كل مكان وكل زمان خلاف الحياة المستعارة فإن أثرها لا يجاوز مسكن الحي.

قلت: الذكر الجميل جميل ولكن الذكر الحاصل من القرآن أجمل رزقنا الله طرفاً من ذلك بعميم فضله.

ثم إن السبب الأقوى في بغض الكفار وعداوتهم للنبي  إنكاره لأصنامهم، فبين  أنه غير مخصوص بهذه الدعوة وهذا الإنكار ولكنه دين أطبق كل الأنبياء على الدعاء إليه، وفي الآية أقوال: أحدها أن المضاف محذوف تقديره واسأل يا محمد أمم من أرسلنا.

وقال القفال: المحذوف صلة التقدير واسأل من أرسلنا إليهم من قبلك رسولاً من رسلنا.

والمراد أهل الكتابين لأنهم كانوا يرجعون إليهم في كثير من أمورهم نظيره ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك  ﴾ ثانيها أن حقيقة السؤال ههنا ممتنعة ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم.

وثالثها أن التقدير: واسأل جبرائيل عمن أرسلنا.

ورابعها أن النبي  جمع له الأنبياء ليلة المعراج في السماء أو في بيت المقدس فأمهم.

وقيل له  : سلهم.

فلم يسأل.

وقد قال  : "إني لا أشك في ذلك" قاله ابن عباس.

وعن ابن مسعود "أن النبي  قال: أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا علام بعثوا؟

قال: قلت علام بعثوا؟

قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب  " رواه الثعلبي.

ولكنه لا يطابق قوله  ﴿ أجعلنا ﴾ الآية.

وجوز بعضهم أن يكون ﴿ من ﴾ مبتدأ والاستفهامية خبره والعائد محذوف أي على ألسنتهم، ومعنى الجعل التسمية والحكم.

واعلم أن كفار قريش إنما طعنوا في نبوة محمد  من جهة كونه فقيراً خاملاً وكان فرعون اللعين قد طعن في موسى بمثل ذلك حيث قال ﴿ أليس لي ملك مصر ﴾ إلى قوله ﴿ مهين  ﴾ فلا جرم أورد قصة موسى ههنا تسلية للنبي  قوله ﴿ فلما جاءهم ﴾ معطوف على محذوف تقديره فقال إني رسول رب العالمين.

فطالبوه إقامة البينة على دعواه فلما جاءهم إلى آخره.

قال جار الله: فعل المفاجأة مع إذا مقدر وهو عامل النصب في محلها كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجأ وقت ضحكهم استهزاء أو سخرية.

قوله: ﴿ وما نريهم ﴾ حكاية حال ماضية.

وفي قوله ﴿ هي أكبر من أختها ﴾ وجهان: أحدهما أن كلاً منها مثل شبيهتها التي تقدمت، وكل من رأى واحدة منها حكم بأنها حكم كبراها لتكافؤ كل منها في الكبر.

وإذا كان هذا الحكم صادقاً على كل منها فكلها كبار كما قال الحماسي: من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم.

مثل النجوم التي يسري بها الساري وثانيها أن يقال: إن الآية الأولى كبيرة والتي تليها أكبر من الأولى، والثالثة أكبر من الثانية، وكذلك ما بعدها.

هذا القدر مستفاد من الآية، وأما تفصيل هذا التفضيل فلعله لا يطلع عليه إلا خالقها ومظهرها.

﴿ وأخذناهم بالعذاب ﴾ السنين ونقص من الثمرات إلى سائر ما ابتلوا به.

قالت المعتزلة: ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ أي إرادة أن يرجعوا فورد عليهم أنه لو أراد رجوعهم لكان.

وأجابوا بأنه لو أراد قسراً لكان ولكنه أراد مختاراً، وزيف بأنه لو أراد أن يقع طريق الاختيار لزم أن يقع أيضاً مختاراً.

أما الفرق فالصواب أن يقال: "لعل" للترجي ولكن بالنسبة إلى المكلف كما مر مراراً ﴿ وقالوا يا أيه الساحر ﴾ أي العالم الماهر ولم يكن السحر عندهم ذماً بل كانوا يستعظمونه ولهذا قالوا ﴿ إننا لمهتدون ﴾ وقيل: كانوا بعد على كفرهم فلهذا سموه ساحراً.

وقولهم ﴿ إننا لمهتدون ﴾ وعد منوي إخلافه.

وقولهم ﴿ ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة وقد مر في "الأعراف" ﴿ ونادى فرعون ﴾ أي أمر بالنداء ﴿ في ﴾ مجامع ﴿ قومه ﴾ أو رفع صوته بذلك فيما بين خواصه فانتشر في غيرهم.

والأنهار أنهار النيل.

قال المفسرون: كانت ثلثمائة وستين نهراً ومعظمها أربعة: نهر الملك ونهر طالوت ونهر دمياط ونهر منفيس.

كانت تجري تحت قصره وقيل: تحت سريره لارتفاعه.

وقيل: بين يدي في جناتي وبساتيني.

وعن عبد الله ابن المبارك الدينوري في تفسيره: أنه أراد بالأنهار الجياد من الخيل وهو موافق لما جاء في الحديث في فرس أبي طلحة "وإن وجدناه لبحراً" وقال الضحاك: معناه وهذه القواد والجبابرة تحت لوائي.

قال النحويون: إما أن تكون الواو عاطفة للأنهار على ملك مصر و ﴿ تجري ﴾ نصب على الحال، أو الواو للحال وما بعده جملة محلها نصب.

وفي "أم" أقوال منها قول سيبويه إنها متصلة تقديره أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع قوله ﴿ أنا خير ﴾ موضع ﴿ تبصرون ﴾ لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء، فهذا من إنزال السبب منزلة المسبب لأن الإبصار سبب لهذا القول بزعمه.

ومنها أنها منقطعة لأنه عدد عليهم أسباب الفضل ثم أضرب عن ذلك ثانياً.

أثبت عندكم أني خير.

ومنها أن التقدير أفلا تبصرون أني خير أم أبصرتم ثم استأنف فقال أنا خير، والمهين من المهانة أي الحقارة والضعف أراد أنه فقير ولا عدد معه ولا عدة ﴿ ولا يكاد يبين ﴾ الكلام لأن عقدته لم تزل بالكلية كما شرحنا في "طه".

وإلقاء الأسورة عليه عبارة عن تفويض مقاليد الملك إليه، كانوا إذا أرادوا تشريف الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب وغيره أي ليس معه آلات الملك والسياسة، أو ليس معه حلية وزي حسن كما أن الملوك يشهرون رسلهم بالخلع والمكرمات وبأشخاص يتبعونهم فلذلك قالوا ﴿ أو جاء معه الملائكة مقترنين ﴾ به أو يقترن بعضهم ببعض ﴿ فاستخف قومه ﴾ أي حملهم على أن يخفوا له في الطاعة أو استخف عقولهم واستجهلهم ﴿ فأطاعوه ﴾ وهذه من عادة اللئام كما قيل: العبد لا يردعه إلا العصا: وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا *** ومعنى ﴿ آسفونا ﴾ أغضبونا وأغضبوا رسلنا ﴿ فجعلناهم سلفاً ﴾ أي متقدمين وعبرة للمتأخرين ليعتبروا من حالهم فلا يقدموا على مثل أفعالهم وإليه المآب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ والإشكال: أن ما كان عند رسول الله  من آيات صدقه أظهر من أمره أن يسأل من أهل الكتاب؛ إذ آيات صدقه معجزات عجزت الكفرة عن إتيان مثلها، وليس مع من أمره بالسؤال عن ذلك آيات المعجزات، فما معنى السؤال له من أهل الكتاب عن ذلك؟

فنقول: أمره - عز وجل - إياه بالسؤال عنهم يخرج على وجهين: أحدهما: يسألهم سؤال توبيخ وتعيير، وسؤال تقرير وتنبيه: هل أتى رسول من الرسل - عليهم السلام - الذين أرسلوا من قبلك أو كتاب بالأمر بعبادة غير الله؟

فيقرون جميعاً أنه لم يأت رسول بإباحة ذلك، ولا أمر أحد منهم بذلك.

والثاني: أن هذا أمر لغيره أن يسألهم، وإن كان ظاهر الأمر والخطاب له؛ لما ذكرنا أن أدلة صدقه أظهر من دلالة صدق أولئك، وهو كقوله: ﴿ يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا  ﴾ وكقوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ و ﴿ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ ؛ إذ معلوم أن رسول الله  كان لا يشك ولا يمتري في شيء من ذلك، فرجع الخطاب إلى غير ما ذكرنا.

ويحتمل أن يكون قوله -  - ﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ...

﴾ الآية؛ أي: لو سألتهم عن ذلك لقالوا جميعاً: لم يرسل بأمر بعبادة غير الله -  - والله أعلم.

وحكاية على هذا - وليس من نسخة الأصل - سمعت مفسراً ببخارى يقول: نزلت هذه الآية ليلة المعراج ورسول الله  لما دخل بيت المقدس رأى الرسل والأنبياء - عليهم السلام - مجتمعين، ثم تقدم وصلى بهم ركعتين، فقام جبريل -  - من الصف وقال: يا محمد ﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ ﴾ قد ذكرنا آيات موسى -  - التي أتى بها في غير موضع، وفيه الأمر بتبليغ الرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴾ ، وفيه أن التقية لا تسع للرسل - عليهم السلام - في ترك تبليغ الرسالة وإن خافوا على أنفسهم الهلاك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ ﴾ هكذا عادة الفراعنة والرؤساء من الكفرة أنهم إذا أتاهم الرسل بالآيات ضحكوا منهم، واستهزءوا بهم؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ...

﴾ الآية [المطففين: 29].

وقوله: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ .

قال بعضهم: إن كل آية تأخرت عن الآية الأخرى فهي أعظم وأكبر من التي تقدمت؛ نحو ما كان منهم من الاستعانة؛ حيث قالوا: ﴿ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ  ﴾ ثم هو مما أراهم من الآيات قبل ذلك أعظم.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ كانت اليد أعظم وأكبر من العصا؛ لأن العصا قد تهيأ للسحرة تمويهها وتحويلها من جنس العصا وجوهرها إلى غيرها من الجواهر، ولم يتهيأ لهم تحويل اليد عن جوهر اليد، وقد كان ذلك لموسى -  - دل أن آية اليد أكبر من آية العصا، والله أعلم.

وقال بعضهم: هذا ليس على تحقيق جعل آية أكبر وأعظم من آية العصا، ولكن وصف الكل بالعظم والكبر؛ كقوله -  -: ﴿ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً  ﴾ ليس على إثبات القرب في أحدهما دون الآخر، ولكن وصف قرب كل واحد منها من الآخر على السؤال، وكما يقال في العرف: إن أفراس فلان كل واحد أعدى من الآخر، وإن أصحاب فلان كل واحد أفضل من الآخر، وأنه لا يراد بذلك الترجيح، ولكن إثبات المخبر عنه؛ فعلى ذلك قوله -  -: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ وصف لهما جميعاً بالكبر، والله أعلم.

ثم ذكر قوله -  -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ ﴾ وغير ذلك من أمثاله لرسول الله  ليصبره، على أذى قومه، وأنواع ما كانوا يستقبلونه من الاستهزاء به وبأتباعه، والضحك بما أتاهم من الآيات والحجج على رسالته، وعلى ذلك ما قال: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ أخبر أنه إنما قص عليه أنباء الرسل المتقدمة لتسلية فؤاده، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ...

﴾ الآية، والإشكال أنهم كيف يسمونه ساحراً وكانوا يطلبون منه أن يدعو ربه ويسأله حتى يكشف عنهم العذاب؟

فنقول: روي عن ابن عباس -  ما -: سموه: ساحراً؛ لأن الساحر عندهم هو العالم المعظم الذي بلغ في العلم غايته ونهايته؛ لذلك قالوا: يا ساحر، ادع لنا ربك، وإلا لا يحتمل أن يكونوا يسألونه ويطلبون منه أن يدعو ربه ليكشف عنهم العذاب، ثم يسمونه: ساحراً ويعنون به: سحراً للكذب والباطل، والله أعلم.

وقال مقاتل: إنهم قالوا: ﴿ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ ﴾ قال لهم موسى -  -: كيف أدعو ربي ليكشف عنكم ما ينزل بكم، وقد تسمونني ساحراً، فرجعوا عن ذلك فقالوا: ﴿ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ ؛ على ما ذكر في سورة الآية [الأعراف: 134]، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ ﴾ سموه: ساحراً على ما كان عندهم أنه ساحر، فيقولون: إنك ساحر، إلا أن تدعو ربك فيكشف عنا الرجز؛ فعند ذلك نعلم أنك لست بساحر وأنك رسول؛ فنؤمن بك.

ويحتمل أن يكون عندهم أن اليد البيضاء والعصا، وما أتى به موسى مما يبلغ السحر إلى تغيير ذلك عن جوهره، ويستفاد بالسحر مثله، لكن سألوا منه أن يسأل ربه ما ذكروا؛ لما علموا أن إجابة الدعاء فيما دعا لا يكون لساحر، ولا يجاب إلا للرسول والذي على الحق، فإذا أجابك إلى ما سألت آمنا بك، والله أعلم.

ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك على حقيقة إرادة السحر على التناقض والتمويه على الأتباع؛ كقوله: ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا  ﴾ فالآية لا يسحرهم بها؛ لأن الآية هي التي لا حقيقة لها ولا دوام، فإذا كان آية لا يسحرهم بها، ولا تكون سحراً، وإذا كان سحراً لا يكون آية، فكانت عامة أقوالهم خرجت على التناقض؛ على ما ذكرنا في غير آي من القرآن، فعلى ذلك يحتمل هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ قد كان الله - عز وجل - عاهد موسى -  - لئن آمنوا، أكشف عنهم العذاب، فلما دعا وكشف عنهم العذاب، لم يؤمنوا، والله أعلم.

ويشبه أن يكون عهده إليه ما جعله نبيّاً واختصه لرسالته.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ على الإضمار؛ كأنهم قالوا: ادع لنا ربك بما عهد كل واحد منا عندك لئن كشفت عنا العذاب إنا لمهتدون، وهو قوله -  - في آية أخرى: ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ  ﴾ ، ألا ترى أنه قال: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴾ ، أي: ينقضوا ما عهدوا، وعهدهم ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ يقول اللعين هذا مقابل ما ادعى موسى -  - من الرسالة، يموه بذلك على قومه وأتباعه؛ أي: لئن كان الله أرسل رسولا، فأنا أحق وأولى بالرسالة من موسى؛ ولذلك قال: ﴿ أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ ﴾ أي: ضعيف لا مال له، ولا حشم، ولا تبع، ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ حجته، وكذلك قال: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ ﴾ كما ألقي علي، وكما أعطاني من المال والذهب.

أو يقول: إن من كان له رسول يكرمه بأنواع الكرامات ويبذل له أموالا، فإذ لم يؤته شيئاً من ذلك فليس برسول.

أو يقول: إنه لو كان رسولا كما يقول، لألقى الله عليه من الأساورة ما ألقيت أنا على أتباعي وحشمي، ونحوه.

وكان فرعون لا يزال يموه أمر موسى -  - على قومه، من ذلك قوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ  ﴾ ، ومنه قوله: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ  ﴾ ، ونحو ذلك كثير، فعلى ذلك هذا منه تمويه على قومه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ .

قال بعضهم: أي: لا يكاد يبين حجته؛ لما في لسانه عقدة ورُتَّة؛ يقول: عيي اللسان.

وقال بعضهم: إن فرعون لا يعني ذلك؛ لأن الله -  - قد أذهب تلك العقدة والرتة التي في لسانه حين دعا وسأل ربه بقوله: ﴿ وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي  يَفْقَهُواْ قَوْلِي  ﴾ ، وقد أجاب الله دعاؤه؛ حيث قال: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ  ﴾ ، ولكن أراد - والله أعلم -: لا يكاد يبين حجته؛ أي: ليس يأتي بحجة تأخذ القلوب.

وقال القتبي في قوله: ﴿ أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ ﴾ قال: أما أنا خير منه؟

وقال أهل التأويل: أنا خير منه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ ﴾ موصولا بقول فرعون حيث قال: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ أنا خير منه بأن لي ملك مصر، وليس لموسى -  - ذلك؛ على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ هذا القول منه يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: إن كان موسى يدعي الملك في الدنيا ويطلبه فهلا ألقي عليه أساور من ذهب كما يلقى للملوك من الأساور، والتاج، وغير ذلك، وإن كان يدعي الرسالة لنفسه فهلا كان معه الملائكة مقترنين؛ ولا يزال الكفرة يطلبون من الرسل الآيات على وجه يتمنون هم ويشتهون، فأخبر أن الآيات ليست تأتي على ما يتمنون ويشتهون، ولكن على ما أراد الله  .

والثاني: يجمع الأمرين جميعاً فيقول: إنه يدعي الرسالة، والرسول معظم عند المرسل، فيقول: إن كان ما يقول حقّاً فهلا ألقي عليه الأساور تعظيماً وهلا كان معه الملائكة مقترنين؛ تعظيماً له وإجلالا، والله أعلم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ ﴾ أي: هلا سوّر؛ لأن الرجل منهم إذا ارتفع فيهم سوروه، أو جاء معه الملائكة مصدقين له بالرسالة.

قال القتبي وأبو عوسجة: أساور وأسورة جمع السوار، ورجل أسوار؛ أي: رامي، وقوم أساورة، وإنما سمي الرامي: أسواراً؛ لأنه إذا أجاد الرمي جعل في يده سواراً من ذهب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ .

قال بعضهم: أي: فاستخف بقومه واسترذلهم فأطاعوه.

وقال بعضهم: ﴿ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ أي: استرذلهم واستفزهم بالخروج على أتباع موسى وطلبه فأطاعوه، وذلك أنه أمرهم بالخروج معه في طلب موسى لما خرج من عندهم نحو البحر، فأطاعوه في ذلك، وخرجوا معه في طلبه، حتى أصابهم ما أصابهم؛ وكأن هذا أشبه وأقرب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: فلما عملوا الأعمال التي استوجبوا لها الغضب انتقمنا منهم على ذلك؛ لأن ظاهر قوله -  -: ﴿ آسَفُونَا ﴾ أي: أغضبونا، وصفة الغضب على الحدوث لله -  - لا تجوز، فكأن المراد منه: ظهور أثر الغضب استوجب العذاب، والله أعلم.

والثاني: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ﴾ أي: أغضبوا أولياءنا ﴿ ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ ؛ أي: سلطنا عليهم بدعاء أولئك الأولياء.

أو ننتقم منهم بسبب إغضابهم أولياءنا، وهو كقوله -  -: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ أي: يخادعون أولياء الله؛ فعلى ذلك هذا.

وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ ﴾ هو يخرج على وجهين: أحدهما: جعلناهم في العقوبة سلفاً للمتأخرين ومثلا للمؤمنين؛ أي: عبرة لهم، وهو كقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

والثاني: جعلناهم سلفاً ومثلا للآخرين في العظة والانزجار لهم؛ ليمتنعوا عن مثل ما فعلوا خوفاً عن الوقوع فيما وقعوا، والله أعلم.

وقال القتبي: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً ﴾ بالرفع والنصب، وهو من التقدم؛ أي جعلناهم قدماً تقدموا، مثل: خَبَث، وخُبُث، وثَمَر، وثُمُر.

وكذلك يقول أبو عوسجة؛ وقال: السلف: الخيرات، والجميع: سلوف.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واسأل -أيها الرسول- من بعثنا من قبلك من الرسل: أجعلنا من دون الرحمن معبودات تُعْبَد؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.B1N6w"

مزيد من التفاسير لسورة الزخرف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده