الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٤٦ من سورة الزخرف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 61 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٦ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله موسى ، عليه السلام ، أنه ابتعثه إلى فرعون وملئه من الأمراء والوزراء والقادة ، والأتباع والرعايا ، من القبط وبني إسرائيل ، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وينهاهم عن عبادة ما سواه ، وأنه بعث معه آيات عظاما ، كيده وعصاه ، وما أرسل معه من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، ومن نقص الزروع والأنفس والثمرات ،
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا يا محمد موسى بحججنا إلى فرعون وأشراف قومه, كما أرسلناك إلى هؤلاء المشركين من قومك, فقال لهم موسى: إني رسول رب العالمين, كما قلت أنت لقومك من قريش.
إني رسول الله إليكم.
قوله تعالى : ولقد أرسلنا موسى بآياتنا لما أعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه منتقم له من عدوه وأقام الحجة باستشهاد الأنبياء واتفاق الكل على التوحيد أكد ذلك بقصة موسى وفرعون ، وما كان من فرعون من التكذيب ، وما نزل به وبقومه من الإغراق والتعذيب : أي : أرسلنا موسى بالمعجزات وهي التسع الآيات فكذب ، فجعلت العاقبة الجميلة له ، فكذلك أنت .
لما قال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} بين تعالى حال موسى ودعوته، التي هي أشهر ما يكون من دعوات الرسل، ولأن الله تعالى أكثر من ذكرها في كتابه، فذكر حاله مع فرعون، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا} التي دلت دلالة قاطعة على صحة ما جاء به، كالعصا، والحية، وإرسال الجراد، والقمل، إلى آخر الآيات.
{إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فدعاهم إلى الإقرار بربهم، ونهاهم عن عبادة ما سواه.
قوله عز وجل: " ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين "
«ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه» أي القبط «فقال إني رسول رب العالمين».
ولقد أرسلنا موسى بحججنا إلى فرعون وأشراف قومه، كما أرسلناك -أيها الرسول- إلى هؤلاء المشركين من قومك، فقال لهم موسى: إني رسول رب العالمين، فلما جاءهم بالبينات الواضحات الدالة على صدقه في دعوته، إذا فرعون وملؤه مما جاءهم به موسى من الآيات والعبر يضحكون.
ثم تمضى السورة الكريمة فى تسليتها للرسول - صلى الله عليه وسلم - وفى تثبيتها للمؤمنين ، فتذكر جانبا من قصة موسى - عليه السلام مع فرعون ، وكيف أن فرعون خسر من دعوة موسى - عليه السلام - وتباهى على قومه بذلك ، وكيف أنه استخف بهم فأطاعوه ، فكانت عاقبته وعاقبتهم أن أغرقهم الله جميعا .
قال - تعالى - : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى .
.
.
سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ ) .وقصة موسى - عليه السلام - مع فرعون ومع بنى إسرائيل ، على رأس القصص التى تكرر الحديث عنها فى القرآن الكريم ، فى سور متعددة ، وذلك لما فيها من مساجلات ومحاورات بين أهل الحق وأهل الباطل ، ولما فيها من عبر وعظات لقوم يعقلون .لقد وردت هذه القصة فى سور : البقرة ، والأعراف ، ويونس ، وهود ، والإِسراء ، وطه ، والقصص ، والصافات ، وغافر .
.
ولكن بأساليب متنوعة يكمل بعضها بعضا .وهنا تبدأ هذه القصة بقوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَآ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ العالمين ) .أى : والله لقد أرسلنا نبينا موسى - عليه السلام - ( بِآيَاتِنَآ ) الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، والتى على رأسها اليد والعصا .
.
وأرسلناه بهذه الآيات ( إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ) أى : أشراف قومه فقال لهم ناصحا ومرشدا : إنى رسول رب العالمين إليكم ، لآمركم بعبادة الله - تعالى - : وحده ، وأنهاكم عن عبادة غيره .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من إعادة قصة موسى عليه السلام وفرعون في هذا المقام تقرير الكلام الذي تقدم، وذلك لأن كفار قريش طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب كونه فقيراً عديم المال والجاه، فبيّن الله تعالى أن موسى عليه السلام بعد أن أورد المعجزات القاهرة الباهرة التي لا يشك في صحتها عاقل أورد فرعون عليه هذه الشبهة التي ذكرها كفار قريش فقال: إني غني كثير المال والجاه، ألا ترون أنه حصل لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، وأما موسى فإنه فقير مهين وليس له بيان ولسان، والرجل الفقير كيف يكون رسولاً من عند الله إلى الملك الكبير الغني، فثبت أن هذه الشبهة التي ذكرها كفارمكة وهي قولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ ﴾ وقد أوردها بعينها فرعون على موسى، ثم إنا انتقمنا منهم فأغرقناهم، والمقصود من إيراد هذه القصة تقرير أمرين أحدهما: أن الكفار والجهال أبداً يحتجون على الأنبياء بهذه الشبهة الركيكة فلا يبالي بها ولا يلتفت إليها والثاني: أن فرعون على غاية كمال حاله في الدنيا صار مقهوراً باطلاً، فيكون الأمر في حق أعدائك هكذا، فثبت أنه ليس المقصود من إعادة هذه القصة عين هذه القصة، بل المقصود تقرير الجواب عن الشبهة المذكورة، وعلى هذا فلا يكون هذا تقريراً للقصة ألبتة وهذا من نفائس الأبحاث، والله أعلم.
المسألة الثانية: في تفسير الألفاظ ذكر تعالى أنه أرسل موسى بآياته وهي المعجزات التي كانت مع موسى عليه السلام إلى فرعون وملائه أي قومه، فقال موسى إني رسول ربّ العالمين، فلما جاءهم بتلك الآيات إذا هم منها يضحكون، قيل إنه لما ألقى عصاه صار ثعباناً، ثم أخذ فعاد عصاً كما كان ضحكوا، ولم عرض عليهم اليد البيضاء ثم عادت كما كانت ضحكوا، فإن قيل كيف جاز أن يجاب عن لما بإذا الذي يفيد المفاجأة؟
قلنا لأن فعل المفاجأة معها مقدر كأنه قيل فلما جاءهم بآياتنا فاجأوا وقت ضحكهم.
ثم قال: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مّنْ ءايَةٍ إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ فإن قيل ظاهر اللفظ يقتضي كون كل واحد منها أفضل من التالي وذلك محال، قلنا إذا أُريد المبالغة في كون كل واحد من تلك الأشياء بالغاً إلى أقصى الدرجات في الفضيلة، فقد يذكر هذا الكلام بمعنى أنه لا يبعد في أناس ينظرون إليها أن يقول هذا إن هذا أفضل من الثاني، وأن يقول الثاني لا بل الثاني أفضل، وأن يقول الثالث بل الثالث أفضل، وحينئذ يصير كل واحد من تلك الأشياء مقولاً فيه إنه أفضل من غيره.
ثم قال تعالى: ﴿ وأخذناهم بالعذاب لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أي عن الكفر إلى الإيمان، قالت المعتزلة هذا يدل على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل وأنه إنما أظهر تلك المعجزات القاهرة لإرادة أن يرجعوا من الكفر إلى الإيمان، قال المفسرون ومعنى قوله: ﴿ وأخذناهم بالعذاب ﴾ أي بالأشياء التي سلطها عليها كالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس.
ثم قال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ ياأيه الساحر ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴾ فإن قيل كيف سموه بالساحر مع قولهم: ﴿ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴾ ؟
قلنا فيه وجوه: الأول: أنهم كانوا يقولون للعالم الماهر ساحر، لأنهم كانوا يستعظمون السحر، وكما يقال في زماننا في العامل العجيب الكامل إنه أتى بالسحر الثاني: ﴿ وَقَالُواْ ياأيه الساحر ﴾ في زعم الناس ومتعارف قوم فرعون كقوله: ﴿ يأَيُّهَا الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ أي نزل عليه الذكر في اعتقاده وزعمه الثالث: أن قولهم: ﴿ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴾ وقد كانوا عازمين على خلافه ألا ترى إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العذاب إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴾ فتسميتهم إياه بالسحر لا ينافي قولهم: ﴿ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴾ ثم بيّن تعالى أنه لما كشف عنهم العذاب نكثوا ذلك العهد.
ولما حكى الله تعالى معاملة فرعون مع موسى، حكى أيضاً معاملة فرعون معه فقال: ﴿ ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ ﴾ والمعنى أنه أظهر هذا القول فقال: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِى مِن تَحْتِى ﴾ يعني الأنهار التي فصلوها من النيل ومعظمها أربعة نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس، قيل كانت تجري تحت قصره، وحاصل الأمر أنه احتج بكثرة أمواله وقوة جاهه على فضيلة نفسه.
ثم قال: ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ هذا الذي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ وعنى بكونه مهيناً كونه فقيراً ضعيف الحال، وبقوله: ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ حبسة كانت في لسانه، واختفلوا في معنى أم هاهنا فقال أبو عبيدة مجازها بل أنا خير، وعلى هذا فقد تم الكلام عند قوله: ﴿ أَفلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ ﴾ بمعنى بل أنا خير، وقال الباقون أم هذه متصلة لأن المعنى أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع قوله: ﴿ أَنَا خَيْرٌ ﴾ موضع تبصرون، لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء، وقال آخرون إن تمام الكلام عند قوله: ﴿ أَمْ ﴾ وقوله: ﴿ أَنَا خَيْرٌ ﴾ ابتداء الكلام والتقدير أفلا تبصرون أم تبصرون لكنه اكتفى فيه بذكر أم كما تقول لغيرك: أتأكل أم أي أتأكل أم لا تأكل، تقتصر على ذكر كلمة أم إيثاراً للاختصار فكذا هاهنا، فإن قيل أليس أن موسى عليه السلام سأل الله تعالى أن يزيل الرتة عن لسانه بقوله: ﴿ واحلل عُقْدَةً مّن لّسَانِى يَفْقَهُواْ قَوْلِي ﴾ فأعطاه الله تعالى ذلك بقوله: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى ﴾ فكيف عابه فرعون بتلك الرتة؟
والجواب: عنه من وجهين: الأول: أن فرعون أراد بقوله: ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي ولم يرد أنه لا قدرة له على الكلام والثاني: أنه عابه بما كان عليه أولاً، وذلك أن موسى كان عند فرعون زماناً طويلاً وفي لسانه حبسة، فنسبه فرعون إلى ما عهده عليه من الرتة لأنه لم يعلم أن الله تعالى أزال ذلك العيب عنه.
ثم قال: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مّن ذَهَبٍ ﴾ والمراد أن عادة القوم جرت بأنهم إذا جعلوا واحداً منهم رئيساً لهم سوروه بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب، فطلب فرعون من موسى مثل هذه الحالة، واختلف القراء في أسورة فبعضهم قرأ أسوِرَة وآخرون أساورة فأسورة جمع سوار لأدنى العدد، كقولك حمار وأحمرة وغراب وأغربة، ومن قرأ أساورة فذاك لأن أساوير جمع أسوار وهو السوار فأساورة تكون الهاء عوضاً عن الياء، نحو بطريق وبطارقة وزنديق وزنادقة وفرزين وفرازنة فتكون أساورة جمع أسوار، وحاصل الكلام يرجع إلى حرف واحد وهو أن فرعون كان يقول أنا أكثر مالاً وجاهاً، فوجب أن أكون أفضل منه فيمتنع كونه رسولاً من الله، لأن منصب النبوة يقتضي المخدومية، والأخس لا يكون مخدوماً للأشرف، ثم المقدمة الفاسدة هي قوله من كان أكثر مالاً وجاهاً فهو أفضل وهي عين المقدمة التي تمسك بها كفار قريش في قولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ ﴾ ثم قال: ﴿ أَوْ جَاء مَعَهُ الملئكة مُقْتَرِنِينَ ﴾ يجوز أن يكون المراد مقرنين به، من قولك قرنته به فاقترن وأن يكون من قولهم اقترنوا بمعنى تقارنوا، قال الزجاج معناه يمشون معه فيدلون على صحة نبوته.
ثم قال تعالى: ﴿ فاستخف قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ أي طلب منهم الخفة في الإتيان بما كان يأمرهم به فأطاعوه ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين ﴾ حيث أطاعوا ذلك الجاهل الفاسق ﴿ فَلَمَّا ءاسَفُونَا ﴾ أغضبونا، حكي أن ابن جريج غضب في شيء فقيل له أتغضب يا أبا خالد؟
فقال قد غضب الذي خلق الأحلام إن الله يقول: ﴿ فَلَمَّا ءاسَفُونَا ﴾ أي أغضبونا.
ثم قال تعالى: ﴿ انتقمنا مِنْهُمْ ﴾ واعلم أن ذكر لفظ الأسف في حق الله تعالى محال وذكر لفظ الانتقام وكل واحد منهما من المتشابهات التي يجب أن يصار فيها إلى التأويل، ومعنى الغضب في حق الله إرادة العقاب، ومعنى الانتقام إرادة العقاب لجرم سابق.
ثم قال تعالى: ﴿ فجعلناهم سَلَفاً وَمَثَلاً ﴾ السلف كل شيء قدمته من عمل صالح أو قرض فهو سلف والسلف أيضاً من تقدم من آبائك وأقاربك واحدهم سالف، ومنه قول طفيل يرثي قومه: مضواً سلفاً قصد السبيل عليهم *** وصرف المنايا بالرجال تقلب فعلى هذا قال الفراء والزجاج يقول: جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون، أي جعلناهم سلفاً لكفار أمة محمد عليه السلام.
وأكثر القراء قرأوا بالفتح وهو جمع سالف كما ذكرناه، وقرأ حمزة والكسائي ﴿ سَلَفاً ﴾ بالضم وهو جمع سلف، قال الليث: يقال سلف بضم اللام يسلف سلوفاً فهو سلف أي متقدم، وقوله: ﴿ وَمَثَلاً للأَخِرِينَ ﴾ يريد عظة لمن بقي بعدهم وآية وعبرة، قال أبو علي الفارسي المثل واحد يراد به الجمع، ومن ثم عطف على سلف، والدليل على وقوعه على أكثر من واحد قوله تعالى: ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَيء وَمَن رَّزَقْنَاهُ ﴾ فأدخل تحت المثل شيئين، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ما أجابوه به عند قوله: ﴿ إِنّى رَسُولُ رَبِّ العالمين ﴾ محذوف، دل عليه قوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُم بئاياتنا ﴾ وهو مطالبتهم إياه بإحضار البينة على دعواه وإبراز الآية ﴿ إِذَا هُم مِنْهَا يَضْحَكُونَ ﴾ أي يسخرون منها ويهزءون بها ويسمونها سحراً.
وإذا للمفاجأة.
فإن قلت: كيف جاز أن يجاب لَمّا بإذا المفاجأة؟
قلت: لأنّ فعل المفاجأة معها مقدّر، وهو عامل النصب في محلها، كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجئوا وقت ضحكهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ يُرِيدُ بِاقْتِصاصِهِ تَسْلِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ومُناقَضَةَ قَوْلِهِمْ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ والِاسْتِشْهادُ بِدَعْوَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى التَّوْحِيدِ لِيَتَأمَّلُوا فِيها.
﴿ فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ ﴾ فاجَؤُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ مِنها، أيِ اسْتَهْزَءُوا بِها أوَّلَ ما رَأوْها ولَمْ يَتَأمَّلُوا فِيها.
<div class="verse-tafsir"
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦)
{ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه}
الزخرف (٥١ - ٤٦)
{فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ العالمين} ما أجابوه به عند قوله إِنِّى رَسُولُ رَبِّ العالمين محذوف دل عليه قوله
﴿ ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ﴾ مُلْتَبِسًا بِها ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ ﴾ أشْرافِ قَوْمِهِ وخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأنَّ غَيْرَهم تَبَعٌ ﴿ فَقالَ ﴾ لَهم ﴿ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ إلَيْكم وأُرِيدَ بِاقْتِصاصِ ذَلِكَ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإبْطالُ قَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مَعَ عَدَمِ زَخارِفِ اَلدُّنْيا لَدَيْهِ كانَ لَهُ مَعَ فِرْعَوْنَ وهو مَلِكٌ جَبّارٌ ما كانَ وقَدْ أيَّدَهُ اَللَّهُ سُبْحانَهُ بِوَحْيِهِ وما أنْزَلَ عَلَيْهِ، والِاسْتِشْهادُ بِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ إلى اَلتَّوْحِيدِ إثْرَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن إجْماعِ جَمِيعِ اَلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ عَلَيْهِ ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ وجْهُ مُناسَبَةِ اَلْآياتِ لِما قَبْلَها، وقالَ أبُو حَيّانَ: مُناسَبَتُها مِن وجْهَيْنِ.
اَلْأوَّلُ أنَّهُ ذَكَرَ فِيما قَبْلُ قَوْلَ اَلْمُشْرِكِينَ: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ ﴾ إلَخْ وفِيهِ زَعْمٌ أنَّ اَلْعِظَمَ بِالجاهِ والمالِ وأُشِيرَ في هَذِهِ اَلْآياتِ إلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ سَبَقَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ في قَوْلِهِ: ﴿ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾ إلَخْ فَهو قُدْوَتُهم في ذَلِكَ وقَدِ اِنْتُقِمَ مِنهُ فَكَذَلِكَ يُنْتَقَمُ مِنهُمْ، اَلثّانِي أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ واسْألْ ﴾ إلَخْ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا قِصَّةَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما اَلسَّلامُ وهُما أكْثَرُ أتْباعًا مِمَّنْ سَبَقَ مِنَ اَلْأنْبِياءِ وكُلٌّ جاءَ بِالتَّوْحِيدِ فَلَمْ يَكُنْ فِيما جاءا بِهِ إباحَةُ اِتِّخاذِ آلِهَةٍ مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى كَما اِتَّخَذَتْ قُرَيْشٌ فَناسَبَ ذِكْرُ قِصَّتِهِما اَلْآيَةَ اَلَّتِي قَبْلَها.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ وقد ذكرناه فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا يعني: باليد والعصا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ يعني: يعجبون ويسخرون.
وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها يعني: أعظم من التي كانت قبلها، وهي السنين والنقص، من الثمرات والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم فلم يؤمنوا بشيء.
وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يعني: عاقبناهم بهذه العقوبات لكي يرجعوا، ويعرفوا ضعف معبودهم وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ وكان الساحر فيهم، عظيم الشأن يعني: قالوا لموسى: يا أيها العالم ادْعُ لَنا رَبَّكَ أي: سل لنا ربك بِما عَهِدَ عِنْدَكَ يعني: بحق ما أمرك به ربك، أن تدعو إليه إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ يعني: نؤمن بك، ونوحد الله تعالى.
قوله تعالى: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ يعني: ينقضون عهودهم وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ يعني: خطب فرعون لقومه قالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهي أربعون فرسخاً، في أربعين فرسخاً وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي يعني: من تحت يدي.
ويقال: من حولي، وحول قصوري وجناني أَفَلا تُبْصِرُونَ فضلي على موسى أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ يعني: خير، وأم للصلة من هذا الذى هو مهين، يعني: ضعيف ذليل.
وَلا يَكادُ يُبِينُ يعني: لا يكاد يعبر حجة.
ويقال: معناه: ألا تنظرون إلى فصاحتي، وإلى عيِّ كلام موسى فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ يعني: هلا أعطي أسورة من ذهب.
يعني: لو كان حقاً وكان رسولاً كما يقول، لأعطي له المال، فيكون حاله خيراً من هذا، وكان آل فرعون يلبسون الأساور.
قرأ عاصم في رواية حفص (أسْوَرَةٌ) بغير ألف والباقون (أسَاوِرَةٌ) فمن قرأ أسورة فهو جمع السوار، ومن قرأ أساورة، فهو جمع الجمع.
ويقال: أساور جمع سوار.
ثم قال: أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ يعني: لو كان حقاً، لأتته الملائكة متتابعين، فيصدقون على مقالته ويقال مُقْتَرِنِينَ أي: متعاونين فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ يعني: فاستذل قومه فأطاعوه.
يعني: حملهم على الخفة، فانقادوا له إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ يعني: كافرين عاصين، وذلك أن فرعون قال لهم: مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرَى، فأطاعوه على تكذيب موسى- - إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ يعني: ناقضي العهد.
قوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا يعني: أغضبونا قال أهل اللغة: الأسف: الغضب.
وروى معمر عن سماك بن الفضل.
قال: كنا عند عروة بن محمد، وعنده وهب بن منبه، فجاء قوم فشكوا عاملهم، وأثبتوا على ذلك، فتناول وهب عصا كانت في يد عروة، فضرب بها رأس العامل حتى أدماه، فاستعابها عروة، وكان حليماً وقال: يعيب علينا أبو عبد الله الغضب وهو يغضب، فقال وهب: وما لي لا أغضب، وقد غضب الذي خلق الأحلام، إن الله تعالى يقول فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ يعني: أغضبونا.
ويقال: فلما آسفونا، يعني: وجب عليهم عذابنا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ يعني: أهلكناهم فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ يعني: لم نبق منهم أحداً.
قوله تعالى: فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً قال مجاهد: يعني: كفار قوم فرعون، سلفاً لكفار مكة أمة محمد وقال قتادة: جعلناهم سلفاً إلى النار.
قرأ حمزة والكسائي (سُلْفاً) بالضم، وقرأ الباقون (سَلفاً) بنصب السين واللام، فمن قرأ بالنصب فمعناه: جعلناهم سلفاً متقدمين، ليتعظ بهم الآخرون.
ومن قرأ بالضم، فهو جمع سليف، أي: جمع قد مضى.
ويقال: سلفاً واحدها سلفة من الناس، أي: قطعة.
قوله: وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ يعني: عبرة لمن بعدهم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ قال ابن عباس وغيره: معناه: عن أوامر القرآن ونواهيه «١» ، وقال الحسن: معناه: عن شكر النعمة فيه «٢» ، واللفظ يحتمل هذا كلَّه ويعمُّه.
وقوله تعالى: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ...
الآية، قال ابن زيد، والزّهريّ: أما إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يَسْأَلِ الرُّسُلَ ليلةَ الإسْراءِ عن هذا لأَنَّهُ كان أَثْبَتَ يقيناً مِنْ ذلك، ولم يكُنْ في شَكٍّ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ وغيره: أراد: واسأل أَتْبَاعَ مَنْ أرسلنا وحَمَلَةَ شرائعهم «٣» ، وفي قراءة ابن مسعود وأبيّ: «وسئل الَّذِينَ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمْ» «٤» .
ت: قال عِيَاضٌ: قوله تعالى: «وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ...
» الآية:
الخطاب مواجهة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد المشركون قاله القُتَبِيُّ، ثم قال عِيَاضٌ: والمراد بهذا، الإعلامُ بأَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم يأذنْ في عبادة غيره لأحد رَدًّا على مُشْرِكي العرب وغيرهم في قولهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣] انتهى.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ...
الآية، ضرب مثل وأسوة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم بموسى ع ولِكُفَّارِ قريشٍ بقوم فرعونَ.
وقوله: وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ أي: كالطوفان والجراد والقُمَّلِ والضفادع، / وغير ذلك لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: يتوبون ويرجعون عن كفرهم، وقالوا لما عاينوا العذاب لموسى: يا أَيُّهَا السَّاحِرُ [أي] : العَالِمُ، وإنَّما قالوا هذا على جهة التعظيم والتوقير لأَنَّ عِلْمَ السحر عندهم كان علماً عظيماً، وقيل: إنَّما قالوا ذلك على جهة الاستهزاء، والأَوَّلُ أرجَحُ، وقولهم: ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ أي: إن نفعتنا دعوتك.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا ﴾ إنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْألُ الرُّسُلَ وقَدْ ماتُوا قَبْلَهُ؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا أُسْرِيَ بِهِ جُمِعَ لَهُ الأنْبِياءُ فَصَلّى بِهِمْ، ثُمَّ قالَ [لَهُ] جِبْرِيلُ: سَلْ مَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ.
.
.
الآيَةُ.
فَقالَ: لا أسْألُ، قَدِ اكْتَفَيْتُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ؛ قالُوا: جُمِعَ لَهُ الرُّسُلُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، فَلَقِيَهُمْ، وأُمِرَ أنْ يَسْألَهُمْ، فَما شَكَّ ولا سَألَ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ: [اسْألْ] مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ [مِنَ] الَّذِينَ أُرْسِلَتْ إلَيْهِمُ الأنْبِياءُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ في آخَرِينَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: سَلْ أتْباعَ مَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ، كَما تَقُولُ: السَّخاءُ حاتِمٌ، أيْ: سَخاءُ حاتِمٍ، والشِّعْرُ زُهَيْرٌ، أيْ: شِعْرُ زُهَيْرٍ.
وعِنْدَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَلى القَوْلَيْنِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا سُؤالُ تَقْرِيرٍ، فَإذا سَألَ جَمِيعَ الأُمَمِ، لَمْ يَأْتُوا بِأنَّ في كُتُبِهِمْ: أنِ اعْبُدُوا غَيْرِي.
والثّالِثُ: [أنَّ] المُرادَ بِخِطابِ النَّبِيِّ : خِطابُ أُمَّتِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: سَلُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ ﴾ اسْتِهْزاءً بِها وتَكْذِيبًا.
﴿ وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها ﴾ يَعْنِي ما تَرادَفَ عَلَيْهِمْ مِنَ الطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ، فَكانَتْ كُلُّ آيَةٍ أكْبَرَ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، وهي العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأخَذْناهم بِالعَذابِ ﴾ ، فَكانَتْ عَذابًا لَهُمْ، ومُعْجِزاتٍ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ ﴾ في خِطابِهِمْ لَهُ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم أرادُوا: يا أيُّها العالِمُ، وكانَ السّاحِرُ فِيهِمْ عَظِيمًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنَّهم خاطَبُوهُ بِما تَقَدَّمَ لَهُ عِنْدَهم مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالسّاحِرِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ ﴾ أيْ: مُؤْمِنُونَ بِكَ.
فَدَعا مُوسى، فَكُشِفَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا.
وقَدْ ذَكَرْنا ما تَرَكْناهُ هاهُنا في [الأعْرافِ: ١٣٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ قُصُورِي ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ عَظْمَتِي وشَدَّةَ مُلْكِي؟!
﴿ أمْ أنا خَيْرٌ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أرادَ بَلْ أنا خَيْرٌ.
وحَكى الزَّجّاجُ عَنْ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّهُما قالا: عُطِفَ "أنا" بِـ "أمْ" عَلى "أفَلا تُبْصِرُونَ" [فَكَأنَّهُ قالَ: أفَلا تُبْصِرُونَ] أمْ أنْتُمْ بُصَراءُ؟!
لِأنَّهم إذا قالُوا: أنْتَ خَيْرٌ مِنهُ، فَقَدْ صارُوا عِنْدَهُ بُصَراءَ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَهِينُ: القَلِيلُ؛ يُقالُ: شَيْءٌ مَهِينٌ، أيْ: قَلِيلٌ.
وقالَ مُقاتِلٌ: "مَهِينٌ" بِمَعْنى ذَلِيلٍ ضَعِيفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَكادُ يُبِينُ ﴾ أشارَ إلى عُقْدَةِ لِسانِهِ الَّتِي كانَتْ بِهِ ثُمَّ أذْهَبَها اللَّهُ عَنْهُ، فَكَأنَّهُ عَيَّرَهُ بِشَيْءٍ قَدْ كانَ وزالَ، ويَدُلُّ عَلى زَوالِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ﴾ ، وكانَ في سُؤالِهِ: ﴿ واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي ﴾ .
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولا يَكادُ يُبِينُ الحُجَّةَ ولا يَأْتِي بِبَيانٍ يُفْهَمُ.
﴿ فَلَوْلا ﴾ أيْ: فَهَلّا ( أُلْقِيَ عَلَيْهِ أساوِرَة مَن ذَهَبَ ) وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "أسْوِرَةٌ" بِغَيْرِ ألِفٍ.
قالَ الفَرّاءُ: واحِدُ الأساوِرَةِ: إسْوارٌ، وقَدْ تَكُونُ الأساوِرَةُ جَمْعَ أسْوِرَةٍ، كَما يُقالُ في جَمْعِ الأسْقِيَةِ: الأساقِي، وفي جَمْعِ الأكْرَعِ: الأكارِعُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ الأساوِرَةُ جَمْعَ الجَمْعِ، تَقُولُ: أسْوِرَةٌ وأساوِرَةٌ، كَما تَقُولُ: أقْوالٌ وأقاوِيلُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَمْعَ إسْوارٍ، وإنَّما صُرِفَتْ أساوِرَةٌ، لِأنَّكَ ضَمَمْتَ الهاءَ إلى أساوِرَ، فَصارَ اسْمًا واحِدًا، وصارَ لَهُ مِثالٌ في الواحِدِ، نَحْوُ "عَلانِيَةٍ" .
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، لِأنَّهم كانُوا إذا سَوَّدُوا الرَّجُلَ مِنهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ.
﴿ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مُتَتابِعِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: يَمْشُونَ مَعَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: اسْتَفَزَّهُمْ؛ وقالَ غَيْرُهُ: اسْتَخَفَّ أحْلامَهم وحَمَلَهم عَلى خِفَّةِ الحِلْمِ بِكَيْدِهِ وغُرُورِهِ ﴿ فَأطاعُوهُ ﴾ في تَكْذِيبِ مُوسى.
﴿ فَلَمّا آسَفُونا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أغْضَبُونا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأسَفُ: الغَضَبُ، يُقالُ: آسَفْتُ آسَفُ أسَفًا، أيْ: غَضِبْتُ.
﴿ فَجَعَلْناهم سَلَفًا ﴾ أيْ: قَوْمًا تَقَدَّمُوا.
وقَرَأها أبُو هُرَيْرَةَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدُ الأعْرَجُ: "سُلَفًا" بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ، كَأنَّ واحِدَتَهُ سُلْفَةٌ مِنَ النّاسِ، مِثْلُ القِطْعَةِ، يُقالُ: تَقَدَّمَتْ سُلْفَةٌ مِنَ النّاسِ، أيْ: قِطْعَةٌ مِنهم.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "سُلُفًا" بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ، وهو جَمْعُ "سَلَفٍ"، كَما قالُوا: خَشَبٌ وخُشُبٌ، وثَمَرٌ وثُمُرٌ، ويُقالُ: هو جَمْعُ "سَلِيفٍ"، وكُلُّهُ مِنَ التَّقَدُّمِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: "السَّلِيفُ" جَمْعٌ قَدْ مَضى؛ والمَعْنى: جَعَلْناهم سَلَفًا مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلا ﴾ أيْ: عِبْرَةً [وَعِظَةً] .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ ﴾ ﴿ وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا يا أيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا كَشَفْنا عنهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ ضَرْبِ مَثَلٍ وأُسْوَةٍ لِمُحَمَّدٍ بِمُوسى صَلّى اللهُ عَلَيْهِما، ولِكَفّارِ قُرَيْشٍ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ ومَلائِهِ، والآياتُ الَّتِي أُرْسِلَ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هي التِسْعُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا جاءَتْ بِهِ الرِواياتُ، وخَصَّ اللهُ تَعالى المَلَأِ بِالذِكْرِ لِأنَّهم يَسُدُّونَ مَسَدَّ جَمِيعِ الناسِ، ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِالضَحِكِ مِن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَضْحَكُ وتَسْخَرُ مِن أخْبارِ مُحَمَّدٍ .
ثُمَّ وصَفَ تَعالى صُورَةَ عَرْضِ الآياتِ عَلَيْهِمْ وأنَّها كانَتْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها ﴾ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ مَوْقِعِها في نُفُوسِهِمْ بِجِدَّةِ أمْرِها وحُدُوثِهِ، وذَلِكَ أنَّ أوَّلَ آيَةٍ عَرَضَها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هِيَ: العَصا واليَدُ، وكانَتْ أكْبَرَ آياتِهِ، ثُمَّ كَلُّ آيَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ تَقَعُ فَتُعَظَّمُ عِنْدَهم لِحِينِها وتَكْبُرُ، لِأنَّهم قَدْ كانُوا أنْسَوُا الَّتِي قَبِلَها، كَما قالَ الشاعِرُ: عَلى أنَّها تَعْفُو الكُلُومُ وإنَّما ∗∗∗ تُوكَّلُ بِالأدْنى وإنْ جَلَّ ما يُقْضى وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ الآياتِ هُنا هي الحُجَجُ والبَيِّناتُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أخْذَهم بِالعَذابِ في القَمْلِ والضَفادِعِ والدَمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا كَما أخَذَ قُرَيْشًا بِالسِنِينَ والدُخانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لَعَلَّهُمْ" ﴾ تَرَجٍّ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ البَشَرِ وظَنِّهِمْ، و ﴿ "يَرْجِعُونَ": ﴾ مَعْناهُ: يَتُوبُونَ ويُقْلِعُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا يا أيُّهَ الساحِرُ ﴾ جائِزٌ أنْ يَكُونَ قائِلُ ذَلِكَ مَن أعْلَمَهم بِكُفْرِ السِحْرِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ اسْتِهْزاءٍ وهو يَعْلَمُ قَدْرَ السِحْرِ وانْحِطاطَ مَنزِلَتِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ "عِنْدَكَ" ﴾ بِمَعْنى: في زَعْمِكَ وعَلى قَوْلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لَيْسَ مِنَ المُتَمَرِّدِينَ الحُذّاقِ مِنهُمْ، ويُطْلَقُ لَفْظَةُ الساحِرِ لِأحَدِ وجْهَيْنِ، إمّا لِأنَّ السِحْرَ كانَ عِنْدَ عامَّتِهِمْ عِلْمُ الوَقْتِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها العالَمُ، وإمّا لِأنَّ هَذِهِ الِاسْمِيَّةَ قَدْ كانَتِ انْطَلَقَتْ عِنْدَهم عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِأوَّلِ ظُهُورِهِ فاسْتَصْحَبَها هَذا القائِلُ في مُخاطَبَتِهِ قِلَّةَ تَحْرِيرٍ وغَباوَةً، ويَكُونُ القَوْلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- جِدًّا مِنَ القائِلِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ ﴾ بِمَعْنى: إنَّ نَفَعَتْنا دَعْوَتُكَ، وهَذا التَأْوِيلُ أرْجَحُ، أعْنِي أنَّ كَلامَ هَذا القائِلِ مُقْتَرِنٌ بِالجَدِّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "يَأيُّهُ" بِهاءٍ مَضْمُومَةٍ فَقَطْ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كَشَفَ عنهُمُ العَذابَ نَكَثُوا، ولَوْ كانَ الكَلامُ هَزْلًا مِن أوَّلِهِ لَما وقَعَ نَكَثٌ.
<div class="verse-tafsir"
قد ذكر الله في أول السورة قوله: ﴿ وكم أرسلنا من نبيء في الأولين وما يأتيهم من نبيء إلا كانوا به يستهزئون فأهلكنا أشد منهم بطشاً ومَضى مثل الأولين ﴾ [الزخرف: 6 8].
وساق بعد ذلك تذكرة بإبراهيم عليه السلام مع قومه، وما تفرع على ذلك من أحوال أهل الشرك فلما تقضّى أُتبع بتنظير حال الرّسول صلى الله عليه وسلم مع طغاة قومه واستهزائهم بحال موسى مع فرعون ومَلَئِهِ، فإنَّ للمُثل والنظائر شأناً في إبراز الحقائق وتصوير الحالين تصويراً يفضي إلى ترقب ما كان لإحدى الحالتين من عواقبَ أن تلحق أهلَ الحالة الأخرى، فإن فرعون وملئِه تلقّوا موسى بالإسراف في الكُفر وبالاستهزاء به وباستضعافه إذ لم يكن ذا بذخة ولا محلّى بحلية الثراء وكانت مناسبة قوله ﴿ وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ﴾ [الزخرف: 45] الآية هيَّأتْ المقام لضرب المثَل بحال بعض الرّسل الذين جاءوا بشريعة عظمى قبل الإسلام.
والمقصود من هذه القصة هو قوله فيها ﴿ فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلَفاً ومثَلاً للآخرين ﴾ [الزخرف: 55، 56]، فإن المراد بالآخرِين المكذبون صناديدُ قريش.
ومن المقصود منها بالخصوص هنا: قولُه ﴿ وملئه ﴾ أي عظماء قومه فإن ذلك شبيه بحال أبي جهل وأضرابه، وقوله: ﴿ فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون ﴾ لأن حالهم في ذلك مشابه لحال قريش الذي أشار إليه قوله: ﴿ وكم أرسلنا من نبيء في الأولين وما يأتيهم من نبيء إلا كانوا به يستهزئون ﴾ [الزخرف: 6، 7]، وقولُه بعد ذلك ﴿ أم أنا خير من هذا الذي هو مَهِين ﴾ [الزخرف: 52] لأنهم أشبهوا بذلك حال أبي جهل ونحوه في قولهم: ﴿ لولا نُزّل هذا القرآن على رجللٍ من القريتين عظيمٍ ﴾ [الزخرف: 31] إلاّ أن كلمة سادة قريش كانت أقرب إلى الأدب من كلمة فرعون لأن هؤلاء كان رسولهم من قومهم فلم يتركوا جانب الحياء بالمرة وفرعون كان رسوله غريباً عنهم.
وقولُه ﴿ فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب ﴾ [الزخرف: 53] لأنه مشابه لما تضمنه قول صناديد قريش ﴿ على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31] فإن عظمة ذيْنِك الرجلين كانت بوفرة المال، ولذلك لم يُذكر مثله في غير هذه القصة من قصص بعثة موسى عليه السلام، وقولُهم: ﴿ يا أيّها الساحر ادْعُ لَنَا ربّك ﴾ [الزخرف: 49] وهو مُضاهٍ لقوله في قريش ﴿ هذا سحرٌ وإنا به كافرون ﴾ [الزخرف: 30]، وقولُه: ﴿ فأغرقناهم أجمعين ﴾ [الزخرف: 55] الدالُّ على أن الله أهلكهم كلَّهم، وذلك إنذار بما حصل من استئصال صناديد قريش يوم بدر.
فحصل من العبرة في هذه القصة أمران: أحدهما: أن الكفار والجهلة يتمسكون بمثل هذه الشبهة في رد فضل الفضلاء فيتمسكون بخيوط العنكبوت من الأمور العرضية التي لا أثر لها في قيمة النفوس الزكية.
وثانيهما: أن فرعون صاحبَ العظمة الدنيوية المحضة صار مقهوراً مغلوباً انتصر عليه الذي استضعفه، وتقدم نظير هذه الآية غير مرة.
و ﴿ إذا ﴾ حرف مفاجأة، أي يدل على أن ما بعده حصل عن غير ترقب فتفتتح به الجملة التي يُفاد منها حصول حادث على وجه المفاجأة.
ووقعت الجملة التي فيها ﴿ إذا ﴾ جواباً لحرف (لَمَّا)، وهي جملة اسمية و(لمّا) تقتضي أن يكون جوابها جملة فعلية، لأن ما في ﴿ إذا ﴾ من معنى المفاجأة يقوم مقام الجملة الفعلية.
والضحك: كناية عن الاستخفاف بالآيات والتكذيب فلا يتعيّن أن يكون كل الحاضرين صدر منهم ضحك، ولا أن ذلك وقع عندَ رؤية آية إذ لعل بعضها لا يقتضي الضحك.
<div class="verse-tafsir"
أحَدُها: أنَّهم قالُوا عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ يَجْرِي عَلى ألْسِنَتِهِمْ ما ألِفُوهُ مِنِ اسْمِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّالِثُ: أنَّهم أرادُوا بِالسّاحِرِ غالِبَ السَّحَرَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ بَحْرٍ.
الرّابِعُ: أنَّ السّاحِرَ عِنْدَهم هو العالِمُ، فَعَظَّمُوهُ بِذَلِكَ ولَمْ تَكُنْ صِفَةَ ذَمٍّ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى وقالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: لَئِنْ آمَنّا لِتَكْشِفَ العَذابَ عَنّا، قالَ الضَّحّاكُ، وذَلِكَ أنَّ الطُّوفانَ أخَذَهم ثَمانِيَةَ أيّامٍ لا يَسْكُنُ لَيْلًا ولا نَهارًا.
﴿ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ ﴾ أيْ يَغْدِرُونَ وكانَ مُوسى دَعا لِقَوْمِهِ فَأُجِيبَ فِيهِمْ فَلَمْ يَفُوا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها ﴾ قال: الطوفان وما معه من الآيات.
وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة ﴿ وأخذناهم بالعذاب ﴾ قال: هو عام السنة.
وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ﴿ وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون ﴾ قال: يتوبون أو يذكرون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد ﴿ ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ لئن آمنا ليكشفن عنا العذاب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة في قوله: ﴿ إذا هم ينكثون ﴾ قال: يغدرون.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ونادى فرعون في قومه ﴾ قال: ليس هو نفسه، ولكن أمر أن ينادي.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأسود بن يزيد قال: قلت لعائشة: ألا تعجبين من رجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد في الخلافة؟!
قالت: وما تعجب من ذلك، هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة ﴿ أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ﴾ قال: قد كان لهم جنان وأنهار ﴿ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ﴾ قال: ضعيف ﴿ ولا يكاد يبين ﴾ قال: عيي اللسان ﴿ فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب ﴾ قال: أحلية من ذهب ﴿ أو جاء معه الملائكة مقترنين ﴾ أي متتابعين.
﴿ فلما آسفونا ﴾ قال: أغضبونا ﴿ فجعلناهم سلفاً ﴾ قال: إلى النار ﴿ ومثلاً ﴾ قال: عظة ﴿ للآخرين ﴾ .
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يكاد يبين ﴾ قال: كانت لموسى لثغة في لسانه.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد في قوله: ﴿ أو جاء معه الملائكة مقترنين ﴾ قال: يمشون معاً.
وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر، عن عكرمة قال: لم يخرج فرعون من زاد على الأربعين سنة، ومن دون العشرين، فذلك قوله: ﴿ فاستخف قومه فأطاعوه ﴾ يعني استخف قومه في طلب موسى عليه السلام.
وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة ﴿ فلما آسفونا ﴾ قال: أغضبونا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلما آسفونا ﴾ قال: أغضبونا.
وفي قوله: ﴿ سلفاً ﴾ قال: أهواء مختلفة.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ فلما آسفونا ﴾ قال: أغضبونا ﴿ فجعلناهم سلفاً ﴾ قال: هم قوم فرعون كفارهم ﴿ سلفاً ﴾ لكفار أمة محمد ﴿ ومثلاً للآخرين ﴾ قال: عبرة لمن بعدهم.
وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي في الشعب وابن أبي حاتم، عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد ما شاء وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك استدراج منه له» ثم تلا ﴿ فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن طارق بن شهاب قال: كنت عند عبد الله فذكر عنده موت الفجأة، فقال: تخفيف على المؤمن وحسرة على الكافر، ﴿ فلما آسفونا انتقمنا منهم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه كان يقرأ ﴿ فجعلناهم سلفاً ﴾ بنصب السين واللام.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ ﴾ قال الكلبي: ألقى عصاه لهم فإذا هي ثعبان مبين فضحك القوم وهزئوا به وقالوا: هل يأته غير هذه؟
قال: نعم، فأراهم يده لها شعاع كشعاع الشمس يضيء لها الوادي فضحكوا منه وهزئوا [[و (١) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 796.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ ﴾ إن قيل: كيف أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الرسل المتقدّمين وهو لم يدركهم؟
فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنه رآهم ليلة الإسراء.
الثاني أن المعنى اسأل أمة من أرسلنا قبلك.
والثالث أنه لم يرد سؤالهم حقيقة، وإنما المعنى أن شرائعهم متفقة على توحيد الله، بحيث لو سألوا: هَلْ مع الله آلهة يعبدون؛ لأنكروا ذلك ودانوا بالتوحيد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سقفاً ﴾ بالفتح فالسكون: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد.
الباقون: بضمتين على الجمع كرهن ورهن.
قال أبو عبيدة: لا ثالث لهما (لما) بالتشديد: عاصم وحمزة بمعنى إلا فـ ﴿ إن ﴾ نافية.
الآخرون: بالتخفيف فـ "إن" مخففة واللام فارقة كما مر في آخر هود ﴿ يقيض ﴾ على الغيبة والضمير للرحمن: يعقوب وحماد.
الآخرون: بالنون ﴿ جاءنا ﴾ على الوحدة والضمير للعاشي: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ويعقوب.
الباقون: بألف التثنية والضمير للعاشي والقرين ﴿ أنكم في العذاب ﴾ بالكسر: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ أيه الساحر ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون ﴾ وقد مر في "النور" ﴿ تحتي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير ونافع وأبو جعفر ﴿ أسورة ﴾ كأجربة: حفص وسهل ويعقوب.
الآخرون ﴿ أساورة ﴾ كأشاعرة وهو جمع أسوار بمعنى السوار.
وأصله أساوير.
إلا أنه عوض من الياء هاء في آخره ﴿ سلفاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وهو جمع سليف.
الباقون: بفتحتين جمع سالف كخادم وخدم.
الوقوف: ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمت ربك ﴾ ط ﴿ سخرياً ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ يظهرون ﴾ ه لا ﴿ يتكئون ﴾ ه لا ﴿ وزخرفاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ للمتقين ه ﴿ قرين ﴾ ه ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ القرين ﴾ ه ﴿ مشتركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ منتقمون ﴾ ه لا ﴿ مقتدرون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط لاحتمال التعليل ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ولقومك ﴾ ج للتعليق مع سين التهديد ﴿ تسئلون ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يضحكون ﴾ ه ﴿ من أختها ﴾ ز لنوع عدول ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ لمهتدون ﴾ ه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ تحتي ﴾ ج للاستفهام مع اتحاد الكلام ﴿ تبصرون ﴾ ه لأن "أم" منقطعة ﴿ مقترنين ﴾ ه ﴿ فأطاعوه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ للآخرين ﴾ ه.
التفسير: هذه حكاية شبهة لكفار قريش، وذلك أنهم ظنوا أن الفضيلة في المال والجاه الدنيوي فقالوا ﴿ لولا نزل هذا القرآن ﴾ وفي الإشارة ههنا نوع استخفاف منهم لكتاب الله ﴿ على رجل من القريتين ﴾ أي من إحداهما يعنون مكة أو الطائف.
قال المفسرون: الذي بمكة هو الوليد بن المغيرة، والذي بالطائف هو عروة بن مسعود الثقفي.
ومنهم من قال غير ذلك.
وأرادوا بعظم الرجل رياسته وتقدمه في الدنيا فألزمهم الله بأجوبة أوّلها قوله على سبيل الإنكار ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك ﴾ أي النبوّة فيضعوها حيث شاؤا ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ﴾ أي خدماً وتابعاً ومملوكاً.
واللام لام العاقبة فإن الإنسان خلق مدنياً بالطبع.
وقالت المعتزلة: للغرض وإذا كانت المعايش الدنيوية مع حقارتها وخساستها مفوّضة إلى تدبير الله وتسخيره وتقديره دون أحد من خلقه، فالأمور الدينية والمناصب الحقيقية الأخروية أولى بذلك.
وقيل: الرحمة الرزق.
ومعنى الآية إنكار أن الرزق منهم فيكف تكون النبوّة منهم؟
واستدلال السني بالآية ظاهر في أن كل الأرزاق من الله حلالاً كانت أو حراماً.
وقالت المعتزلة: الله قاسم ولكن العباد هم الذين يكسبونها صفة الحرمة بسوءتنا ولهم.
والجواب أنه كما قسم الرزق عن الجهة التي بها يصل الرزق إليه فكل بقدره.
وثانيها قوله ﴿ ورحمة ربك خير مما يجمعون ﴾ لأن الدنيا منقضية فانية ودين الله وما يتبعه من السعادات باقٍ لا يزول، فكيف يجعل العاقل ما هو الأخس أفضل مما هو الأشرف؟
وثالثها قوله ﴿ ولولا ﴾ كراهة ﴿ أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ مجتمعين على الكفر ﴿ لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ﴾ هو بدل اشتمال وقيل: هما كقولك: وهبت له ثوباً لقميصه في أن اللام للغرض.
والمعارج المصاعد أو المراقي جمع معرج كمخلب ﴿ عليها ﴾ أي على المعارج ﴿ يظهرون ﴾ يعلون السطوح.
والزخرف الزينة أي جعلنا لهم زينة عظيمة في كل باب.
وقيل: الذهب أي جعلنا لهم مع ذلك ذهباً كثيراً.
أو وجه آخر على هذا التفسير وهو أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ من فضة ﴾ إلا أنه نصب بنزع الخافض أي بعضها من فضة وبعضها من ذهب.
والحاصل أنه إن وسع على الكافرين كل التوسعة أطبق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها مع حقارة الدنيا عند الله تعالى، وفي معناه قول نبينا : " "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء" " وإنما لم يوسع على المسلمين كلهم لتكون رغبة الناس في الإسلام لمحض الإخلاص لا لأجل الدنيا.
ثم بشر المؤمنين بقوله ﴿ وإن كل ذلك ﴾ إلى آخره.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن اللطف من الله واجب، وفيه أنه لما لم يفعل بالناس التوسعة لئلا يجتمعوا على الكفر، فلأن لا يخلق فيهم الكفر أولى.
والجواب أن وقوع كل الناس في طريق القهر محذور، وأما وقوع البعض فضروري كما مر في أول البقرة، فشتان بين الممتنع الوجود والضروري الوجود فكيف يقاس أحدهما على الآخر؟
ثم بين أن مادة كل الآفات وأصل جميع البليات هو السكون إلى الدنيا والركون إلى أهلها فإن ذلك بمنزلة الرمد للبصر ويصير بالتدريج كالعشى ثم كالعمى فقال ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن ﴾ أي عن القرآن أي يعرف أنه الحق ولكنه يتجاهل.
قال جار الله: قرىء بفتح الشين أيضاً.
والفرق أنه إذا حصلت آفة في بصره يقال عشي بالكسر أي عمى يعشى بالفتح، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به قيل عشا أي تعامى.
وفيه معنى الإعراض فلهذا عدي بـ "عن" ومعنى ﴿ نقيض ﴾ نقدر كما مر في "حم" السجدة ﴿ وإنهم ﴾ أي الشياطين ﴿ ليصدونهم ﴾ أي العشي عن دين الله ﴿ ويحسبون ﴾ أي الكفار أن الشياطين والكافرين ﴿ مهتدون ﴾ وإنما جمع الضميرين لأن ﴿ من ﴾ عام و ﴿ شيطاناً ﴾ تابع له.
ولا شك أن هذا القرين ملازم له في الآخرة لقوله ﴿ حتى إذا جاءنا ﴾ الآية وأما في الدنيا فمحتمل بل لازم لقوله : " كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون" ويروى أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطان بيده ولم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار فذلك حيث يقول ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ﴾ أي بعد ما بين المشرق والمغرب فغلب كالقمرين.
وقيل: المغرب أيضاً مشرق بالنسبة إلى الحركة الثانية وهذا قول أهل السنة.
وقيل: مشرق الصيف ومشرق الشتاء وفيه ضعف لأنه لا يفيد مبالغة، فبين الله أن ذلك التمني لا ينفعهم وعلله بقوله ﴿ أنكم ﴾ من قرأ بالكسر فظاهر، ومن قرأ بالفتح فعلى حذف اللام أي لن ينفعكم تمنيكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه وهو الكفر، ويحتمل أن يكون أن في قراءة الفتح فاعل ينفع أي لن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب.
وإن قيل: المصيبة إذا عمت طابت وذلك أن كل أحد مشغول في ذلك اليوم عن حال غيره بحال نفسه.
﴿ وإذ ﴾ بدل من اليوم ومعناه إذ ظلمكم تبين ووضح لكل أحد.
ثم إنه كان يتحزن على فقد الإيمان منهم فسلاه بقوله ﴿ أفأنت ﴾ إلى آخره.
وقوله ﴿ فأما نذهبن بك ﴾ أراد به قبض روحه كقوله في "يونس" وفي "المؤمن" ﴿ فأما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ﴾ الانتقام إما في الآخرة وهو قول الجمهور أو في الدنيا.
عن جابر أنه قال: لما نزلت ﴿ فإنا منهم منتقمون ﴾ قال النبي بعلي بن أبي طالب أورده في تفسير اللباب.
وقيل: فأما نذهبن بك من مكة فإنا منهم منتقمون يوم بدر.
والحاصل أنه توعد الكفار بعذاب الدنيا والآخرة جميعاً.
ثم قال لنبيه سواء عجلنا لك الظفر والغلبة أو أخرناه إلى الآخرة فكن متمسكاً بما أوحينا إليك فإنه الدين الذي لا عوج له، وإنه لشرف لك ولقومك أي لجميع أمتك أو لقريش وسوف تسألون هل أديتم شكر هذه النعمة أم لا.
قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن الذكر الجميل أمر مرغوب فيه لعموم أثره وشموله كل مكان وكل زمان خلاف الحياة المستعارة فإن أثرها لا يجاوز مسكن الحي.
قلت: الذكر الجميل جميل ولكن الذكر الحاصل من القرآن أجمل رزقنا الله طرفاً من ذلك بعميم فضله.
ثم إن السبب الأقوى في بغض الكفار وعداوتهم للنبي إنكاره لأصنامهم، فبين أنه غير مخصوص بهذه الدعوة وهذا الإنكار ولكنه دين أطبق كل الأنبياء على الدعاء إليه، وفي الآية أقوال: أحدها أن المضاف محذوف تقديره واسأل يا محمد أمم من أرسلنا.
وقال القفال: المحذوف صلة التقدير واسأل من أرسلنا إليهم من قبلك رسولاً من رسلنا.
والمراد أهل الكتابين لأنهم كانوا يرجعون إليهم في كثير من أمورهم نظيره ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ﴾ ثانيها أن حقيقة السؤال ههنا ممتنعة ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم.
وثالثها أن التقدير: واسأل جبرائيل عمن أرسلنا.
ورابعها أن النبي جمع له الأنبياء ليلة المعراج في السماء أو في بيت المقدس فأمهم.
وقيل له : سلهم.
فلم يسأل.
وقد قال : "إني لا أشك في ذلك" قاله ابن عباس.
وعن ابن مسعود "أن النبي قال: أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا علام بعثوا؟
قال: قلت علام بعثوا؟
قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب " رواه الثعلبي.
ولكنه لا يطابق قوله ﴿ أجعلنا ﴾ الآية.
وجوز بعضهم أن يكون ﴿ من ﴾ مبتدأ والاستفهامية خبره والعائد محذوف أي على ألسنتهم، ومعنى الجعل التسمية والحكم.
واعلم أن كفار قريش إنما طعنوا في نبوة محمد من جهة كونه فقيراً خاملاً وكان فرعون اللعين قد طعن في موسى بمثل ذلك حيث قال ﴿ أليس لي ملك مصر ﴾ إلى قوله ﴿ مهين ﴾ فلا جرم أورد قصة موسى ههنا تسلية للنبي قوله ﴿ فلما جاءهم ﴾ معطوف على محذوف تقديره فقال إني رسول رب العالمين.
فطالبوه إقامة البينة على دعواه فلما جاءهم إلى آخره.
قال جار الله: فعل المفاجأة مع إذا مقدر وهو عامل النصب في محلها كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجأ وقت ضحكهم استهزاء أو سخرية.
قوله: ﴿ وما نريهم ﴾ حكاية حال ماضية.
وفي قوله ﴿ هي أكبر من أختها ﴾ وجهان: أحدهما أن كلاً منها مثل شبيهتها التي تقدمت، وكل من رأى واحدة منها حكم بأنها حكم كبراها لتكافؤ كل منها في الكبر.
وإذا كان هذا الحكم صادقاً على كل منها فكلها كبار كما قال الحماسي: من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم.
مثل النجوم التي يسري بها الساري وثانيها أن يقال: إن الآية الأولى كبيرة والتي تليها أكبر من الأولى، والثالثة أكبر من الثانية، وكذلك ما بعدها.
هذا القدر مستفاد من الآية، وأما تفصيل هذا التفضيل فلعله لا يطلع عليه إلا خالقها ومظهرها.
﴿ وأخذناهم بالعذاب ﴾ السنين ونقص من الثمرات إلى سائر ما ابتلوا به.
قالت المعتزلة: ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ أي إرادة أن يرجعوا فورد عليهم أنه لو أراد رجوعهم لكان.
وأجابوا بأنه لو أراد قسراً لكان ولكنه أراد مختاراً، وزيف بأنه لو أراد أن يقع طريق الاختيار لزم أن يقع أيضاً مختاراً.
أما الفرق فالصواب أن يقال: "لعل" للترجي ولكن بالنسبة إلى المكلف كما مر مراراً ﴿ وقالوا يا أيه الساحر ﴾ أي العالم الماهر ولم يكن السحر عندهم ذماً بل كانوا يستعظمونه ولهذا قالوا ﴿ إننا لمهتدون ﴾ وقيل: كانوا بعد على كفرهم فلهذا سموه ساحراً.
وقولهم ﴿ إننا لمهتدون ﴾ وعد منوي إخلافه.
وقولهم ﴿ ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة وقد مر في "الأعراف" ﴿ ونادى فرعون ﴾ أي أمر بالنداء ﴿ في ﴾ مجامع ﴿ قومه ﴾ أو رفع صوته بذلك فيما بين خواصه فانتشر في غيرهم.
والأنهار أنهار النيل.
قال المفسرون: كانت ثلثمائة وستين نهراً ومعظمها أربعة: نهر الملك ونهر طالوت ونهر دمياط ونهر منفيس.
كانت تجري تحت قصره وقيل: تحت سريره لارتفاعه.
وقيل: بين يدي في جناتي وبساتيني.
وعن عبد الله ابن المبارك الدينوري في تفسيره: أنه أراد بالأنهار الجياد من الخيل وهو موافق لما جاء في الحديث في فرس أبي طلحة "وإن وجدناه لبحراً" وقال الضحاك: معناه وهذه القواد والجبابرة تحت لوائي.
قال النحويون: إما أن تكون الواو عاطفة للأنهار على ملك مصر و ﴿ تجري ﴾ نصب على الحال، أو الواو للحال وما بعده جملة محلها نصب.
وفي "أم" أقوال منها قول سيبويه إنها متصلة تقديره أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع قوله ﴿ أنا خير ﴾ موضع ﴿ تبصرون ﴾ لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء، فهذا من إنزال السبب منزلة المسبب لأن الإبصار سبب لهذا القول بزعمه.
ومنها أنها منقطعة لأنه عدد عليهم أسباب الفضل ثم أضرب عن ذلك ثانياً.
أثبت عندكم أني خير.
ومنها أن التقدير أفلا تبصرون أني خير أم أبصرتم ثم استأنف فقال أنا خير، والمهين من المهانة أي الحقارة والضعف أراد أنه فقير ولا عدد معه ولا عدة ﴿ ولا يكاد يبين ﴾ الكلام لأن عقدته لم تزل بالكلية كما شرحنا في "طه".
وإلقاء الأسورة عليه عبارة عن تفويض مقاليد الملك إليه، كانوا إذا أرادوا تشريف الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب وغيره أي ليس معه آلات الملك والسياسة، أو ليس معه حلية وزي حسن كما أن الملوك يشهرون رسلهم بالخلع والمكرمات وبأشخاص يتبعونهم فلذلك قالوا ﴿ أو جاء معه الملائكة مقترنين ﴾ به أو يقترن بعضهم ببعض ﴿ فاستخف قومه ﴾ أي حملهم على أن يخفوا له في الطاعة أو استخف عقولهم واستجهلهم ﴿ فأطاعوه ﴾ وهذه من عادة اللئام كما قيل: العبد لا يردعه إلا العصا: وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا *** ومعنى ﴿ آسفونا ﴾ أغضبونا وأغضبوا رسلنا ﴿ فجعلناهم سلفاً ﴾ أي متقدمين وعبرة للمتأخرين ليعتبروا من حالهم فلا يقدموا على مثل أفعالهم وإليه المآب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ والإشكال: أن ما كان عند رسول الله من آيات صدقه أظهر من أمره أن يسأل من أهل الكتاب؛ إذ آيات صدقه معجزات عجزت الكفرة عن إتيان مثلها، وليس مع من أمره بالسؤال عن ذلك آيات المعجزات، فما معنى السؤال له من أهل الكتاب عن ذلك؟
فنقول: أمره - عز وجل - إياه بالسؤال عنهم يخرج على وجهين: أحدهما: يسألهم سؤال توبيخ وتعيير، وسؤال تقرير وتنبيه: هل أتى رسول من الرسل - عليهم السلام - الذين أرسلوا من قبلك أو كتاب بالأمر بعبادة غير الله؟
فيقرون جميعاً أنه لم يأت رسول بإباحة ذلك، ولا أمر أحد منهم بذلك.
والثاني: أن هذا أمر لغيره أن يسألهم، وإن كان ظاهر الأمر والخطاب له؛ لما ذكرنا أن أدلة صدقه أظهر من دلالة صدق أولئك، وهو كقوله: ﴿ يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ وكقوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ و ﴿ ٱلْمُشْرِكَينَ ﴾ ؛ إذ معلوم أن رسول الله كان لا يشك ولا يمتري في شيء من ذلك، فرجع الخطاب إلى غير ما ذكرنا.
ويحتمل أن يكون قوله - - ﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ...
﴾ الآية؛ أي: لو سألتهم عن ذلك لقالوا جميعاً: لم يرسل بأمر بعبادة غير الله - - والله أعلم.
وحكاية على هذا - وليس من نسخة الأصل - سمعت مفسراً ببخارى يقول: نزلت هذه الآية ليلة المعراج ورسول الله لما دخل بيت المقدس رأى الرسل والأنبياء - عليهم السلام - مجتمعين، ثم تقدم وصلى بهم ركعتين، فقام جبريل - - من الصف وقال: يا محمد ﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ ﴾ قد ذكرنا آيات موسى - - التي أتى بها في غير موضع، وفيه الأمر بتبليغ الرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴾ ، وفيه أن التقية لا تسع للرسل - عليهم السلام - في ترك تبليغ الرسالة وإن خافوا على أنفسهم الهلاك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ ﴾ هكذا عادة الفراعنة والرؤساء من الكفرة أنهم إذا أتاهم الرسل بالآيات ضحكوا منهم، واستهزءوا بهم؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ...
﴾ الآية [المطففين: 29].
وقوله: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ .
قال بعضهم: إن كل آية تأخرت عن الآية الأخرى فهي أعظم وأكبر من التي تقدمت؛ نحو ما كان منهم من الاستعانة؛ حيث قالوا: ﴿ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ﴾ ثم هو مما أراهم من الآيات قبل ذلك أعظم.
وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ كانت اليد أعظم وأكبر من العصا؛ لأن العصا قد تهيأ للسحرة تمويهها وتحويلها من جنس العصا وجوهرها إلى غيرها من الجواهر، ولم يتهيأ لهم تحويل اليد عن جوهر اليد، وقد كان ذلك لموسى - - دل أن آية اليد أكبر من آية العصا، والله أعلم.
وقال بعضهم: هذا ليس على تحقيق جعل آية أكبر وأعظم من آية العصا، ولكن وصف الكل بالعظم والكبر؛ كقوله - -: ﴿ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ ليس على إثبات القرب في أحدهما دون الآخر، ولكن وصف قرب كل واحد منها من الآخر على السؤال، وكما يقال في العرف: إن أفراس فلان كل واحد أعدى من الآخر، وإن أصحاب فلان كل واحد أفضل من الآخر، وأنه لا يراد بذلك الترجيح، ولكن إثبات المخبر عنه؛ فعلى ذلك قوله - -: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ وصف لهما جميعاً بالكبر، والله أعلم.
ثم ذكر قوله - -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ ﴾ وغير ذلك من أمثاله لرسول الله ليصبره، على أذى قومه، وأنواع ما كانوا يستقبلونه من الاستهزاء به وبأتباعه، والضحك بما أتاهم من الآيات والحجج على رسالته، وعلى ذلك ما قال: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ أخبر أنه إنما قص عليه أنباء الرسل المتقدمة لتسلية فؤاده، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ...
﴾ الآية، والإشكال أنهم كيف يسمونه ساحراً وكانوا يطلبون منه أن يدعو ربه ويسأله حتى يكشف عنهم العذاب؟
فنقول: روي عن ابن عباس - ما -: سموه: ساحراً؛ لأن الساحر عندهم هو العالم المعظم الذي بلغ في العلم غايته ونهايته؛ لذلك قالوا: يا ساحر، ادع لنا ربك، وإلا لا يحتمل أن يكونوا يسألونه ويطلبون منه أن يدعو ربه ليكشف عنهم العذاب، ثم يسمونه: ساحراً ويعنون به: سحراً للكذب والباطل، والله أعلم.
وقال مقاتل: إنهم قالوا: ﴿ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ ﴾ قال لهم موسى - -: كيف أدعو ربي ليكشف عنكم ما ينزل بكم، وقد تسمونني ساحراً، فرجعوا عن ذلك فقالوا: ﴿ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ ؛ على ما ذكر في سورة الآية [الأعراف: 134]، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ ﴾ سموه: ساحراً على ما كان عندهم أنه ساحر، فيقولون: إنك ساحر، إلا أن تدعو ربك فيكشف عنا الرجز؛ فعند ذلك نعلم أنك لست بساحر وأنك رسول؛ فنؤمن بك.
ويحتمل أن يكون عندهم أن اليد البيضاء والعصا، وما أتى به موسى مما يبلغ السحر إلى تغيير ذلك عن جوهره، ويستفاد بالسحر مثله، لكن سألوا منه أن يسأل ربه ما ذكروا؛ لما علموا أن إجابة الدعاء فيما دعا لا يكون لساحر، ولا يجاب إلا للرسول والذي على الحق، فإذا أجابك إلى ما سألت آمنا بك، والله أعلم.
ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك على حقيقة إرادة السحر على التناقض والتمويه على الأتباع؛ كقوله: ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا ﴾ فالآية لا يسحرهم بها؛ لأن الآية هي التي لا حقيقة لها ولا دوام، فإذا كان آية لا يسحرهم بها، ولا تكون سحراً، وإذا كان سحراً لا يكون آية، فكانت عامة أقوالهم خرجت على التناقض؛ على ما ذكرنا في غير آي من القرآن، فعلى ذلك يحتمل هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ قد كان الله - عز وجل - عاهد موسى - - لئن آمنوا، أكشف عنهم العذاب، فلما دعا وكشف عنهم العذاب، لم يؤمنوا، والله أعلم.
ويشبه أن يكون عهده إليه ما جعله نبيّاً واختصه لرسالته.
ويحتمل قوله - -: ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ على الإضمار؛ كأنهم قالوا: ادع لنا ربك بما عهد كل واحد منا عندك لئن كشفت عنا العذاب إنا لمهتدون، وهو قوله - - في آية أخرى: ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ﴾ ، ألا ترى أنه قال: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴾ ، أي: ينقضوا ما عهدوا، وعهدهم ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ يقول اللعين هذا مقابل ما ادعى موسى - - من الرسالة، يموه بذلك على قومه وأتباعه؛ أي: لئن كان الله أرسل رسولا، فأنا أحق وأولى بالرسالة من موسى؛ ولذلك قال: ﴿ أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ ﴾ أي: ضعيف لا مال له، ولا حشم، ولا تبع، ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ حجته، وكذلك قال: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ ﴾ كما ألقي علي، وكما أعطاني من المال والذهب.
أو يقول: إن من كان له رسول يكرمه بأنواع الكرامات ويبذل له أموالا، فإذ لم يؤته شيئاً من ذلك فليس برسول.
أو يقول: إنه لو كان رسولا كما يقول، لألقى الله عليه من الأساورة ما ألقيت أنا على أتباعي وحشمي، ونحوه.
وكان فرعون لا يزال يموه أمر موسى - - على قومه، من ذلك قوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ ، ومنه قوله: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ﴾ ، ونحو ذلك كثير، فعلى ذلك هذا منه تمويه على قومه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ .
قال بعضهم: أي: لا يكاد يبين حجته؛ لما في لسانه عقدة ورُتَّة؛ يقول: عيي اللسان.
وقال بعضهم: إن فرعون لا يعني ذلك؛ لأن الله - - قد أذهب تلك العقدة والرتة التي في لسانه حين دعا وسأل ربه بقوله: ﴿ وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي ﴾ ، وقد أجاب الله دعاؤه؛ حيث قال: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ ، ولكن أراد - والله أعلم -: لا يكاد يبين حجته؛ أي: ليس يأتي بحجة تأخذ القلوب.
وقال القتبي في قوله: ﴿ أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ ﴾ قال: أما أنا خير منه؟
وقال أهل التأويل: أنا خير منه.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ ﴾ موصولا بقول فرعون حيث قال: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ أنا خير منه بأن لي ملك مصر، وليس لموسى - - ذلك؛ على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ هذا القول منه يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: إن كان موسى يدعي الملك في الدنيا ويطلبه فهلا ألقي عليه أساور من ذهب كما يلقى للملوك من الأساور، والتاج، وغير ذلك، وإن كان يدعي الرسالة لنفسه فهلا كان معه الملائكة مقترنين؛ ولا يزال الكفرة يطلبون من الرسل الآيات على وجه يتمنون هم ويشتهون، فأخبر أن الآيات ليست تأتي على ما يتمنون ويشتهون، ولكن على ما أراد الله .
والثاني: يجمع الأمرين جميعاً فيقول: إنه يدعي الرسالة، والرسول معظم عند المرسل، فيقول: إن كان ما يقول حقّاً فهلا ألقي عليه الأساور تعظيماً وهلا كان معه الملائكة مقترنين؛ تعظيماً له وإجلالا، والله أعلم.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ ﴾ أي: هلا سوّر؛ لأن الرجل منهم إذا ارتفع فيهم سوروه، أو جاء معه الملائكة مصدقين له بالرسالة.
قال القتبي وأبو عوسجة: أساور وأسورة جمع السوار، ورجل أسوار؛ أي: رامي، وقوم أساورة، وإنما سمي الرامي: أسواراً؛ لأنه إذا أجاد الرمي جعل في يده سواراً من ذهب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ .
قال بعضهم: أي: فاستخف بقومه واسترذلهم فأطاعوه.
وقال بعضهم: ﴿ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ أي: استرذلهم واستفزهم بالخروج على أتباع موسى وطلبه فأطاعوه، وذلك أنه أمرهم بالخروج معه في طلب موسى لما خرج من عندهم نحو البحر، فأطاعوه في ذلك، وخرجوا معه في طلبه، حتى أصابهم ما أصابهم؛ وكأن هذا أشبه وأقرب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: فلما عملوا الأعمال التي استوجبوا لها الغضب انتقمنا منهم على ذلك؛ لأن ظاهر قوله - -: ﴿ آسَفُونَا ﴾ أي: أغضبونا، وصفة الغضب على الحدوث لله - - لا تجوز، فكأن المراد منه: ظهور أثر الغضب استوجب العذاب، والله أعلم.
والثاني: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ﴾ أي: أغضبوا أولياءنا ﴿ ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ ؛ أي: سلطنا عليهم بدعاء أولئك الأولياء.
أو ننتقم منهم بسبب إغضابهم أولياءنا، وهو كقوله - -: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ أي: يخادعون أولياء الله؛ فعلى ذلك هذا.
وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ ﴾ هو يخرج على وجهين: أحدهما: جعلناهم في العقوبة سلفاً للمتأخرين ومثلا للمؤمنين؛ أي: عبرة لهم، وهو كقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .
والثاني: جعلناهم سلفاً ومثلا للآخرين في العظة والانزجار لهم؛ ليمتنعوا عن مثل ما فعلوا خوفاً عن الوقوع فيما وقعوا، والله أعلم.
وقال القتبي: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً ﴾ بالرفع والنصب، وهو من التقدم؛ أي جعلناهم قدماً تقدموا، مثل: خَبَث، وخُبُث، وثَمَر، وثُمُر.
وكذلك يقول أبو عوسجة؛ وقال: السلف: الخيرات، والجميع: سلوف.
<div class="verse-tafsir"
ولقد بعثنا موسى بآياتنا إلى فرعون والأشراف من قومه فقال لهم: إني رسول رب المخلوقات كلها.
<div class="verse-tafsir" id="91.5lN2W"