الآية ٥ من سورة الزخرف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٥ من سورة الزخرف

أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًۭا مُّسْرِفِينَ ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة الزخرف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين ) اختلف المفسرون في معناها ، فقيل : معناها : أتحسبون أن نصفح عنكم فلا نعذبكم ولم تفعلوا ما أمرتم به ؟

قاله ابن عباس ، ومجاهد وأبو صالح ، والسدي ، واختاره ابن جرير .

وقال قتادة في قوله : : ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا ) : والله لو أن هذا القرآن رفع حين ردته أوائل هذه الأمة لهلكوا ، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته ، وكرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة ، أو ما شاء الله من ذلك .

وقول قتادة لطيف المعنى جدا ، وحاصله أنه يقول في معناه : إنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير والذكر الحكيم - وهو القرآن - وإن كانوا مسرفين معرضين عنه ، بل أمر به ليهتدي من قدر هدايته ، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معناه: أفنضرب عنكم ونترككم أيها المشركون فيما تحسبون, فلا نذكركم بعقابنا من أجل أنكم قوم مشركون.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله عزّ وجلّ: ( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ) قال: تكذّبون بالقرآن ثم لا تعاقبون عليه.

حدثني محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: اخبرنا سفيان, عن إسماعيل, عن أبي صالح, قوله: ( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ) قال: بالعذاب.

حدثني محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ) قال: أفنضرب عنكم العذاب.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ) يقول: أحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أمرتم به.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أفنترك تذكيركم بهذا القرآن, ولا نذكركم به, لأن كنتم قوما مسرفين.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ) : أي مشركين, والله لو كان هذا القرآن رفع حين ردّه أوائل هذه الأمة لهلكوا, فدعاهم إليه عشرين سنة, أو ما شاء الله من ذلك.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ) قال: لو أن هذه الأمة لم يؤمنوا لضرب عنهم الذكر صفحا, قال: الذكر ما أنـزل عليهم مما أمرهم الله به ونهاهم صفحا, لا يذكر لكم منه شيئا.

وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوّله: أفنضرب عنكم العذاب فنترككم ونعرض عنكم, لأن كنتم قوما مسرفين لا تؤمنون بربكم.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية, لأن الله تبارك وتعالى أتبع ذلك خبره عن الأمم السالفة قبل الأمم التي توعدها بهذه الآية في تكذيبها رسلها, وما أحل بها من نقمته, ففي ذلك دليل على أن قوله: ( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ) وعيد منه للمخاطبين به من أهل الشرك, إذ سلكوا في التكذيب بما جاءهم عن الله رسولهم مسلك الماضين قبلهم.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة " إنْ كُنْتُمْ" بكسر الألف من " إن " بمعنى: أفنضرب عنكم الذكر صفحا إذ كنتم قوما مسرفين.

وقرأه بعض قرّاء أهل مكة والكوفة وعامة قرّاء البصرة " أنْ" بفتح الألف من " أنْ", بمعنى: لأن كنتم.

واختلف أهل العربية في وجه فتح الألف من أن في هذا الموضع, فقال بعض نحويي البصرة: فتحت لأن معنى الكلام: لأن كنتم.

وقال بعض نحويي الكوفة: من فتحها فكأنه أراد شيئا ماضيا, فقال: وأنت تقول في الكلام: أتيت أن حرمتني, تريد: إذ حرمتني, ويكسر إذا أردت: أتيت إن تحرمني.

ومثله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ و (إِنْ صَدُّوكُمْ) بكسر وبفتح.

فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا قال: والعرب تنشد قول الفرزدق? أتَجْــزَعُ أنْ أُذْنــا قُتَيْبَــةَ حُزَّتـا جِهـارًا وَلـمْ تَجْـزَعْ لقَتْـلِ ابنِ حَازِمِ (1) قال: وينشد? أتَجْــزَعُ أنْ بـانَ الخَـلِيطُ المُـوَدّعُ وَحَـبْلُ الصَّفَـا مِـنْ عَـزَّةَ المُتَقَطِّـعُ (2) قال: وفي كل واحد من البيتين ما في صاحبه من الكسر والفتح.

والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الكسر والفتح في الألف في هذا الموضع قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار صحيحتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, وذلك أن العرب إذا تقدم " أن " وهي بمعنى الجزاء فعل مستقبل كسروا ألفها أحيانا, فمحضوا لها الجزاء, فقالوا: أقوم إن قمت, وفتحوها أحيانا, وهم ينوون ذلك المعنى, فقالوا: أقوم أن قمت بتأويل, لأن قمت, فإذا كان الذي تقدمها من الفعل ماضيا لم يتكلموا إلا بفتح الألف من " أن " فقالوا: قمت أن قمت, وبذلك جاء التنـزيل, وتتابع شعر الشعراء.

------------------------ الهوامش: (1) البيت من شواهد النحويين ومن شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 294 ) قال عند قوله تعالى في سورة الزخرف : ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم( قرأ الأعمش : ( إن كنتم ) بالكسر .

وقرأ عاصم والحسن ( أن كنتم ) بفتح أن ، كأنهم أرادوا شيئا ماضيا ، وأنت تقول في الكلام : أأسبك أن حرمتني ، وتكسر إذا أردت : أأسبك إن تحرمني ؟

ومثله : ( لا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم) تكسر إن وتفتح ومثله ( فعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا) .

والعرب تنشد .

قول الفرزدق" أتجزع إن أذنا قتيبة ..." البيت .

بالفتح والكسر .

ورواية البيت في شرح شواهد المغني للسيوطي :" أتغضب" في مكان" أتجزع" قال : وضمير تغضب راجع على قيس.

والحز : القطع .

وابن خازم : عبد الله بن خازم ، بمعجمتين ، كما ضبطه الدارقطني وغيره أمير خراسان ، وليها سنتين ، ثم ثار به أهل خرسان ، فقتلوه ، وحملوا رأسه إلى عبد الملك بن مروان.

وقتيبة بن مسلم الباهلي ، من أكبر قواد المسلمين ، وفاتحي بلاد الشرق ، وهو الذي افتتح خوارزم وسمرقند وبخارى .

وقتل سنة سبع وتسعين رحمه الله .

والظاهر أن قول المؤلف" أتيت أن حرمتني" .

فيه تصحيف من الناسخ لقول الفراء في معاني القرآن" أأسبك حرمتني" .

(2) البيت لكثير عزة ، وهو من شواهد الفراء أورده بعد الشاهد السابق ، قال : أنشدوني" أتجزع أن بان" ...

البيت .

ثم قال : وفي كل واحد من البيتين ، ما في صاحبه من الفتح والكسر .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين.قوله تعالى : أفنضرب عنكم الذكر صفحا يعني : القرآن ، عن الضحاك وغيره .

وقيل : المراد بالذكر العذاب ، أي : أفنضرب عنكم العذاب ولا نعاقبكم على إسرافكم [ ص: 59 ] وكفركم ، قاله مجاهد وأبو صالح والسدي ، ورواه العوفي عن ابن عباس .وقال ابن عباس : المعنى أفحسبتم أن نصفح عنكم العذاب ولما تفعلوا ما أمرتم به .

وعنه أيضا أن المعنى أتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون .

وقال السدي أيضا : المعنى أفنترككم سدى فلا نأمركم ولا ننهاكم .وقال قتادة : المعنى أفنهلككم ولا نأمركم ولا ننهاكم .

وعنه أيضا : أفنمسك عن إنزال القرآن من قبل أنكم لا تؤمنون به فلا ننزله عليكم .

وقاله ابن زيد .

قال قتادة : والله لو كان هذا القرآن رفع حين رددته أوائل هذه الأمة لهلكوا ، ولكن الله ردده وكرره عليهم برحمته .

وقال الكسائي : أفنطوي عنكم الذكر طيا فلا توعظون ولا تؤمرون .

وقيل : الذكر التذكر ، فكأنه قال : أنترك تذكيركم لأن كنتم قوما مسرفين ، في قراءة من فتح .

ومن كسر جعلها للشرط وما قبلها جوابا لها ; لأنها لم تعمل في اللفظ .

ونظيره : وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين وقيل : الجواب محذوف دل عليه ما تقدم ، كما تقول : أنت ظالم إن فعلت .

ومعنى الكسر عند الزجاج الحال ; لأن في الكلام معنى التقرير والتوبيخ .ومعنى ( صفحا ) إعراضا ، يقال صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه .

وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته .

والأصل ، فيه صفحة العنق ، يقال : أعرضت عنه أي : وليته صفحة عنقي .

قال الشاعر :صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة فمن مل منها ذلك الوصل ملتوانتصب ( صفحا ) على المصدر لأن معنى ( أفنضرب ) أفنصفح .

وقيل : التقدير أفنضرب عنكم الذكر صافحين ، كما يقال : جاء فلان مشيا .

ومعنى : مسرفين مشركين .

واختار أبو عبيدة الفتح في ( أن ) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر ، قال : لأن الله تعالى عاتبهم على ما كان منهم ، وعلمه قبل ذلك من فعلهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا } أي: أفنعرض عنكم، ونترك إنزال الذكر إليكم، ونضرب عنكم صفحا، لأجل إعراضكم، وعدم انقيادكم له؟

بل ننزل عليكم الكتاب، ونوضح لكم فيه كل شيء، فإن آمنتم به واهتديتم، فهو من توفيقكم، وإلا قامت عليكم الحجة، وكنتم على بينة من أمركم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أفنضرب عنكم الذكر صفحا ) يقال : ضربت عنه وأضربت عنه إذا تركته وأمسكت عنه ، " والصفح " مصدر قولهم صفحت عنه إذا أعرضت عنه ، وذلك بأن توليه صفحة وجهك [ وعنقك ] .

والمراد بالذكر القرآن .

ومعناه : أفنترك عنكم الوحي ونمسك عن إنزال القرآن فلا نأمركم [ ولا ننهاكم ] من أجل أنكم أسرفتم في كفركم وتركتم الإيمان ؟

استفهام بمعنى الإنكار ، أي : لا نفعل ذلك ، وهذا قول قتادة وجماعة .

قال قتادة : والله لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا ، ولكن الله عاد عليهم بعائدته ورحمته ، فكرره عليهم عشرين سنة أو ما شاء الله .

وقيل : معناه : أفنضرب عنكم بتذكيرنا إياكم صافحين معرضين .

قال الكسائي : أفنطوي عنكم الذكر طيا فلا تدعون ولا توعظون .

وقال الكلبي : أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم .

وقال مجاهد والسدي : أفنعرض عنكم ونترككم فلا نعاقبكم على كفركم .

( أن كنتم قوما مسرفين ) قرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي : " إن كنتم " بكسر الهمزة ، على معنى : إذ كنتم ، كقوله : " وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " ( آل عمران 139 ) ، وقرأ الآخرون بالفتح على معنى : لأن كنتم قوما مسرفين [ مشركين ] .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أفنضرب» نمسك «عنكم الذكر» القرآن «صفحاً» إمساكاً فلا تؤمرون ولا تنهون لأجل «أن كنتم قوماً مسرفين» مشركين لا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفنُعْرِض عنكم، ونترك إنزال القرآن إليكم لأجل إعراضكم وعدم انقيادكم، وإسرافكم في عدم الإيمان به؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا البيان المشرف للقرآن الكريم ، أتبع - سبحانه - ذلك بالكشف عن مدى الإِسراف القبيح الذى ارتكبه المشركون حين أعرضوا عنه فقال - تعالى - : ( أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ) .والهمزة للاستفهام الإِنكارى ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والضرب هنا : بمعنى التنحى والابتعاد والإِهمال ، تقول : ضربت عن فلان صفحا ، إذا أعرضت عنه وتركته ، والصفح : مصدر صفحت عنه ، إذا أعرضت عنه ، وذلك بأن تعطيه صفحة وجهك أى : جانبه .وهو منصوب لنضرب من غير لفظة ، كما فى قولهم : قعدت جلوسا .

أو على الحال من الفاعل : على المصدرية أى : صافحين .والمراد بالذكر هنا : القرآن الكريم .والمعنى : أنعرض عنكم ونهملكم فلا نذكركم بالقرآن الكريم ، ولا نرشدكم إلى هداياته .

بسبب إسرافكم على أنفسكم ، ومحاربتكم للحق ، وإيثاركم الغى على الرشد؟!!

لا لن نفعل ذلك ، بل سننزل هذا القرآن على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ، ومن شاء فليكفر .قال الشوكانى : قوله : ( أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ) قرأ نافع وحمزة والكسائى بكسر ( أَن ) على أنها شرطية ، والجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه .

وقرأ الباقون بفتحها على التعليل ، أى : لأن كنتم قوما منهمكين فى الإِسراف مصرين عليه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ حم * والكتاب المبين ﴾ يحتمل وجهين: الأول: أن يكون التقدير هذه حام والكتاب المبين فيكون القسم واقعاً على أن هذه السورة هي سورة حام ويكون قوله: ﴿ إِنَّا جعلناه قُرْءَاناً عَرَبِيّاً ﴾ ابتداء لكلام آخر الثاني: أن يكون التقدير هذه حام.

ثم قال: ﴿ والكتاب المبين * إِنَّا جعلناه قُرْءَاناً عَرَبِيّاً ﴾ فيكون المقسم عليه هو قوله: ﴿ إِنَّا جعلناه قُرْءَاناً عَرَبِيّاً ﴾ وفي المراد بالكتاب قولان أحدهما: أن المراد به القرآن، وعلى هذا التقدير فقد أقسم بالقرآن أنه جعله عربياً الثاني: أن المراد بالكتاب الكتابة والخط أقسم بالكتابة لكثرة ما فيها من المنافع، فإن العلوم إنما تكاملت بسبب الخط فإن المتقدم إذا استنبط علماً وأثبته في كتاب، وجاء المتأخر ووقف عليه أمكنه أن يزيد في استنباط الفوائد، فبهذا الطريق تكاثرت الفوائد وانتهت إلى الغايات العظيمة، وفي وصف الكتاب بكونه مبيناً من وجوه: الأول: أنه المبين للذين أنزل إليهم لأنه بلغتهم ولسانهم والثاني: المبين هو الذي أبان طريق الهدى من طريق الضلالة وأبان كل باب عما سواه وجعلها مفصلة ملخصة.

واعلم أن وصفه بكونه مبيناً مجاز لأن المبين هو الله تعالى وسمي القرآن بذلك توسعاً من حيث إنه حصل البيان عنده.

أما قوله: ﴿ إِنَّا جعلناه قُرْءاناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه: الأول: أن الآية تدل على أن القرآن مجعول، والمجعول هو المصنوع المخلوق، فإن قالوا لم لا يجوز أن يكون المراد أنه سماه عربياً؟

قلنا هذا مدفوع من وجهين: الأول: أنه لو كان المراد بالجعل هذا لوجب أن من سماه عجمياً أن يصير عجمياً وإن كان بلغة العرب ومعلوم أنه باطل الثاني: أنه لو صرف الجعل إلى التسمية لزم كون التسمية مجعولة، والتسمية أيضاً كلام الله، وذلك يوجب أنه فعل بعض كلامه، وإذا صح ذلك في البعض صح في الكل الثاني: أنه وصفه بكونه قرآناً، وهو إنما سمي قرآناً لأنه جعل بعضه مقروناً بالبعض وما كان كذلك كان مصنوعاً معمولاً الثالث: أنه وصفه بكونه عربياً، وهو إنما كان عربياً لأن هذه الألفاظ إنما اختصت بمسمياتهم بوضع العرب واصطلاحاتهم، وذلك يدل على كونه معمولاً ومجعولاً والرابع: أن القسم بغير الله لا يجوز على ما هو معلوم فكان التقدير حام ورب الكتاب المبين، وتأكد هذا أيضاً بما روي أنه عليه السلام كان يقول يا رب طه وياس ويا رب القرآن العظيم والجواب: أن هذا الذي ذكرتموه حق، وذلك لأنكم إنما استدللتم بهذه الوجوه على كون هذه الحروف المتوالية والكلمات المتعاقبة محدثة مخلوقة، وذلك معلوم بالضرورة ومن الذي ينازعكم فيه، بل كان كلامكم يرجع حاصله إلى إقامة الدليل على ما عرف ثبوته بالضرورة.

المسألة الثانية: كلمة لعلّ للتمني والترجي وهو لا يليق بمن كان عالماً بعواقب الأمور، فكان المراد منها هاهنا: كي أي أنزلناه قرآناً عربياً لكي تعقلوا معناه، وتحيطوا بفحواه، قالت المعتزلة فصار حاصل الكلام إنا أنزلناه قرآناً عربياً لأجل أن تحيطوا بمعناه، وهذا يفيد أمرين أحدهما: أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض والدواعي والثاني: أنه تعالى إنما أنزل القرآن ليهتدي به الناس، وذلك يدل على أنه تعالى أراد من الكل الهداية والمعرفة، خلاف قول من يقول إنه تعالى أراد من البعض الكفر والإعراض، واعلم أن هذا النوع من استدلالات المعتزلة مشهور، وأجوبتنا عنه مشهورة، فلا فائدة في الإعادة، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ يدل على أن القرآن معلوم وليس فيه شيء مبهم مجهول خلافاً لمن يقول بعضه معلوم وبعضه مجهول.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي ﴿ أُمِّ الكتاب ﴾ بكسر الألف والباقون بالضم.

المسألة الثانية: الضمير في قوله: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ عائد إلى الكتاب الذي تقدم ذكره في ﴿ أُمِّ الكتاب لَدَيْنَا ﴾ واختلفوا في المراد بأم الكتاب على قولين: فالقول الأول: إنه اللوح المحفوظ لقوله: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ  ﴾ .

واعلم أن على هذا التقدير فالصفات المذكورة هاهنا كلها صفات اللوح المحفوظ.

الصفة الأولى: أنه أم الكتاب والسبب فيه أن أصل كل شيء أمه والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، ثم نقل إلى سماء الدنيا، ثم أنزل حالاً بحسب المصلحة، عن ابن عباس رضي الله عنه: إن أول ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق فالكتاب عنده فإن قيل وما الحكمة في خلق هذا اللوح المحفوظ مع أنه تعالى علاّم الغيوب ويستحيل عليه السهو والنسيان؟

قلنا إنه تعالى لما أثبت في ذلك أحكام حوادث المخلوقات، ثم إن الملائكة يشاهدون أن جميع الحوادث إنما تحدث على موافقة ذلك المكتوب، استدلوا بذلك على كمال حكمة الله وعلمه.

الصفة الثانية: من صفات اللوح المحفوظ قوله: ﴿ لَدَيْنَا ﴾ هكذا ذكره ابن عباس، وإنما خصه الله تعالى بهذا التشريف لكونه كتاباً جامعاً لأحوال جميع المحدثات، فكأنه الكتاب المشتمل على جميع ما يقع في ملك الله وملكوته، فلا جرم حصل له هذا التشريف، قال الواحدي، ويحتمل أن يكون هذا صفة القرآن والتقدير إنه لدينا في أم الكتاب.

الصفة الثالثة: كونه علياً والمعنى كونه عالياً عن وجوه الفساد والبطلان وقيل المراد كونه عالياً على جميع الكتب بسبب كونه معجزاً باقياً على وجه الدهر.

الصفة الرابعة: كونه حكيماً أي محكماً في أبواب البلاغة والفصاحة، وقيل حكيم أي ذو حكمة بالغة، وقيل إن هذه الصفات كلها صفات القرآن على ما ذكرناه والقول الثاني: في تفسير أم الكتاب أنه الآيات المحكمة لقوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيات محكمات هُنَّ أُمِّ الكتاب  ﴾ ومعناه أن سورة حام واقعة في الآيات المحكمة التي هي الأصل والأم.

ثم قال تعالى: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وحمزة والكسائي ﴿ إِن كُنتُمْ ﴾ بكسر الألف تقديره: إن كنتم مسرفين لا نضرب عنكم الذكر صفحاً، وقيل (إن) بمعنى إذ كقوله تعالى: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ  ﴾ وبالجملة فالجزاء مقدم على الشرط، وقرأ الباقون بفتح الألف على التعليل أي لأن كنتم مسرفين.

المسألة الثانية: قال الفرّاء والزجاج يقول ضربت عنه وأضربت عنه أي تركته وأمسكت عنه وقوله: ﴿ صَفْحاً ﴾ أي إعراضاً والأصل فيه أنك توليت بصفحة عنقك وعلى هذا فقوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً ﴾ تقديره: أفنضرب عنكم إضرابنا أو تقديره أفنصفح عنكم صفحاً، واختلفوا في معنى الذكر فقيل معناه أفنرد عنكم ذكر عذاب الله، وقيل أفنرد عنكم النصائح والمواعظ، وقيل أفنرد عنكم القرآن، وهذا استفهام على سبيل الإنكار، يعني إنا لا نترك هذا الإعذار والإنذار بسبب كونكم مسرفين، قال قتادة: لو أن هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا ولكن الله برحمته كرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة إذا عرفت هذا فنقول هذا الكلام يحتمل وجهين: الأول: الرحمة يعني أن لا نترككم مع سوء اختياركم بل نذكركم ونعظكم إلى أن ترجعوا إلى الطريق الحق الثاني: المبالغة في التغليظ يعني أتظنون أن تتركوا مع ما تريدون، كلا بل نلزمكم العمل وندعوكم إلى الدين ونؤاخذكم متى أخللتم بالواجب وأقدمتم على القبيح.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: الفاء في قوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ ﴾ للعطف على محذوف تقديره أنهملكم فنضرب عنكم الذكر.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيّ فِي الأولين * وَمَا يَأْتِيهِم مّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ ﴾ والمعنى أن عادة الأمم مع الأنبياء الذين يدعونهم إلى الدين الحق هو التكذيب والاستهزاء، فلا ينبغي أن تتأذى من قومك بسبب إقدامهم على التكذيب والاستهزاء لأن المصيبة إذا عمت خفت.

ثم قال تعالى: ﴿ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً ﴾ يعني أن أولئك المتقدمين الذين أرسل الله إليهم الرسل كانوا أشد بطشاً من قريش يعني أكثر عدداً وجلداً، ثم قال: ﴿ ومضى مَثَلُ الأولين ﴾ والمعنى أن كفار مكة سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي مثل ما نزل بهم فقد ضربنا لهم مثلهم كما قال: ﴿ وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال  ﴾ وكقوله: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال  ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً ﴾ يعني: أفننحي عنكم الذكر ونذوده عنكم على سبيل المجاز، من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض.

ومنه قول الحجاج: ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل.

وقال طرفة: اضْرِبَ عَنْكَ الْهُمُومَ طَارِفَهَا ** ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الْفَرَسِ والفاء للعطف على محذوف، تقديره: أنهملكم فنضرب عنكم الذكر، إنكاراً لأن يكون الأمر على خلاف ما قدّم على إنزاله الكتاب.

وخلقه قرآناً عربياً؛ ليعقلوه ويعملوا بمواجبه.

وصفحاً على وجهين.

إما مصدر من صفح عنه: إذا أعرض، منتصب على أنه مفعول له، على معنى: أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضاً عنكم.

وإمّا بمعنى الجانب من قولهم: نظر إليه بصفح وجهه وصفح وجهه، على معنى: أفننحيه عنكم جانباً، فينتصب على الظرف كما تقول: ضعه جانباً، وامش جانباً.

وتعضده قراءة من قرأ ﴿ صفحاً ﴾ بالضم.

وفي هذه القراءة وجه آخر: وهو أن يكون تخفيف صفح جمع صفوح، وينتصب على الحال، أي: صافحين معرضين ﴿ إِن كُنتُمْ ﴾ أي: لأن كنتم.

وقرئ ﴿ أَن كنتم ﴾ وإذ كنتم.

فإن قلت: كيف استقام معنى إن الشرطية، وقد كانوا مسرفين على البتّ؟

قلت: هو من الشرط الذي ذكرت أنه يصدر عن المدل بصحة الأمر، المتحقق لثبوته، كما يقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي، وهو عالم بذلك؛ ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق: فعل من له شك في الاستحقاق، مع وضوحه استجهالاً له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ﴾ أفَنَذُودُهُ ونُبْعِدُهُ عَنْكم مَجازٌ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ الغَرائِبَ عَنِ الحَوْضِ، قالَ طَرَفَةُ: اضْرِبْ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ، وصَفْحًا مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ فَإنَّ تَنْحِيَةَ الذِّكْرِ عَنْهم إعْراضٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ بِمَعْنى صافِحِينَ، وأصْلُهُ أنَّ تَوَلِّيَ الشَّيْءِ صَفْحَةُ عُنُقِكَ.

وَقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى الجانِبِ فَيَكُونُ ظَرْفًا ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «صُفْحًا» بِالضَّمِّ، وحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَخْفِيفَ صُفْحٍ جَمْعِ صَفُوحٍ بِمَعْنى صافِحِينَ، والمُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما ذُكِرَ مِن إنْزالِ الكِتابِ عَلى لُغَتِهِمْ لِيَفْهَمُوهُ.

﴿ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾ أيْ لِأنْ كُنْتُمْ، وهو في الحَقِيقَةِ عِلَّةٌ مُقْتَضِيَةٌ لِتَرْكِ الإعْراضِ عَنْهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ إنْ بِالكَسْرِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ شَرْطِيَّةٌ مُخْرِجَةٌ لِلْمُحَقَّقِ مَخْرَجَ المَشْكُوكِ اسْتِجْهالًا لَهُمْ، وما قَبْلَها دَلِيلُ الجَزاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر} أفننحي عنكم الذكر ونذوده عنكم

على سبيل المجاز من قولهم ضرب الغرائب عن الحوض والفاء للعطف على محذوف تقديره انهملكم فنضر عنكم الذكر إنكاراً لأن يكون الأمر على خلاف ما قدم من إنزاله الكتاب وجعله قرآنا عربيا ليعقلوه وليعملوا بمواجبه {صَفْحاً} مصدر من صفح عنه إذا أعرض منتصب على أنه مفعول له على معنى أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضاً عنكم ويجوز أن يكون مصدراً على خلاف المصدر لأنه يقال ضربت عنه أي أعرضت عنه كذا قاله الفراء {إِن كُنتُمْ} لأن كنتم مدني وحمزة وهو من الشرط الذي يصدر عن المدل بصحة الأمر المتحقق لثبوته كما يقول الاجيران كنت عملت لك فوفني حقي وهو عالم بذلك {قَوْماً مُّسْرِفِينَ} مفرطين في الجهالة مجاوزين الحد في الضلالة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وبَعْدَ ما بَيَّنَ سُبْحانَهُ عُلُوَّ شَأْنِ اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ وحَقَّقَ جَلَّ وعَلا أنَّ إنْزالَهُ عَلى لُغَتِهِمْ لِيَعْقِلُوهُ ويُؤْمِنُوا بِهِ ويَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ عَقَّبَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ اَلْأمْرُ بِخِلافِهِ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ ﴾ أيْ أفَنُنَحِّيهِ ونُبْعِدُهُ عَنْكم عَلى سَبِيلِ اَلِاسْتِعارَةِ اَلتَّمْثِيلِيَّةِ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ اَلْغَرائِبَ عَنِ اَلْحَوْضِ شَبَّهَ حالَ اَلذِّكْرِ وتَنْحِيَتَهُ بِحالِ غَرائِبِ اَلْإبِلِ وذَوْدِها عَنِ اَلْحَوْضِ إذا دَخَلَتْ مَعَ غَيْرِها عِنْدَ اَلْوَرْدِ ثُمَّ اِسْتَعْمَلَ ما كانَ في تِلْكَ اَلْقِصَّةِ هاهُنا، وفِيهِ إشْعارٌ بِاقْتِضاءِ اَلْحِكْمَةِ تَوَجُّهَ اَلذِّكْرِ إلَيْهِمْ ومُلازَمَتَهُ لَهم كَأنَّهُ يَتَهافَتُ عَلَيْهِمْ، ولَوْ جُعِلَ اِسْتِعارَةً في اَلْمُفْرِدِ بِجَعْلِ اَلتَّنْحِيَةِ ضَرْبًا جازَ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ طُرْفَةَ: أضْرِبُ عَنْكَ اَلْهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ اَلْفَرَسِ وقَوْلُ اَلْحَجّاجِ في خُطْبَتِهِ يُهَدِّدُ أهْلَ اَلْعِراقِ: لَأضْرِبَنَّكم ضَرْبَ غَرائِبِ اَلْإبِلِ.

و(الذِّكْرَ) قِيلَ اَلْمُرادُ بِهِ اَلْقُرْآنُ ويُرْوى ذَلِكَ عَنِ اَلضَّحّاكِ وأبِي صالِحٍ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إنْزالَ اَلذِّكْرِ وفِيهِ إقامَةُ اَلظّاهِرِ مَقامَ اَلْمُضْمَرِ تَفْخِيمًا، وقِيلَ: بَلْ هو ذِكْرُ اَلْعِبادِ بِما فِيهِ صَلاحُهم فَهو بِمَعْنى اَلْمَصْدَرِ حَقِيقَةً، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ.

ومُجاهِدٍ ما يَقْتَضِيهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ عَلى أحَدِ اَلرَّأْيَيْنِ في مِثْلِ هَذا اَلتَّرْكِيبِ أيْ أنُهْمِلُكم فَنُنَحِّي اَلذِّكْرَ عَنْكُمْ، وقالَ اِبْنُ اَلْحاجِبِ: اَلْفاءُ لِبَيانِ ما قَبْلَها وهو جَعْلُ اَلْقُرْآنِ عَرَبِيًّا سَبَبٌ لِما بَعْدَها وهو إنْكارُ أنْ يَضْرِبَ سُبْحانَهُ اَلذِّكْرَ عَنْهم ﴿ صَفْحًا ﴾ أيْ إعْراضًا، وهو مَصْدَرٌ لِنَضْرِبَ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ فَإنَّ تَنْحِيَةَ اَلذِّكْرِ إعْراضٌ فَنَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَلى نَهْجِ قَعَدْتُ جُلُوسًا كَأنَّهُ قِيلَ: أفَنَصْفَحُ عَنْكم صَفْحًا أوْ هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ مُؤَوَّلٍ بِصافِحِينَ بِمَعْنى مُعْرِضِينَ، وأصْلُ اَلصَّفْحِ أنْ تُولِيَ اَلشَّيْءَ صَفْحَةَ عُنُقِكَ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى اَلْجانِبِ فَيَنْتَصِبُ عَلى اَلظَّرْفِيَّةِ أيْ أفَنُنَحِّيهِ عَنْكم جانِبًا، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ حَسّانَ بْنِ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ اَلضَّبْعِيِّ والسُّمَيْطِ بْنِ عُمَيْرٍ وشُبَيْلِ بْنِ عُذْرَةَ (صُفْحًا) بِضَمِّ اَلصّادِ وحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَخْفِيفُ صُفْحٍ كَرُسْلٍ جَمْعَ صَفُوحٍ بِمَعْنى صافِحِينَ، وأبُو حَيّانَ اِخْتارَ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا بِمَعْنى اَلْمَفْتُوحِ كالسَّدِّ والسُّدِّ.

وحُكِيَ عَنِ اِبْنِ عَطِيَّةَ أنَّ اِنْتِصابَ صَفْحًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ اَلْجُمْلَةِ اَلسّابِقَةِ فَيَكُونُ اَلْعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَظْهَرُ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ اَلْأمْرُ خِلافَ ما ذُكِرَ مِن إنْزالِ كِتابٍ عَلى لُغَتِهِمْ لِيَفْهَمُوهُ ﴿ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾ أيْ لِأنْ كُنْتُمْ مُنْهَمِكِينَ في اَلْإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ عَلى مَعْنى أنَّ اَلْحِكْمَةَ تَقْتَضِي ذِكْرَكم وإنْزالَ اَلْقُرْآنِ عَلَيْكم فَلا نَتْرُكُ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّكم مُسْرِفُونَ لا تَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ بَلْ نَفْعَلُ اِلْتَفَتُّمْ أمْ لا.

وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى أنَّ حالَكم وإنِ اِقْتَضى تَخْلِيَتَكم وشَأْنَكم حَتّى تَمُوتُوا عَلى اَلْكُفْرِ والضَّلالَةِ وتَبْقَوْا في اَلْعَذابِ اَلْخالِدِ لَكِنَّنا لِسِعَةِ رَحْمَتِنا لا نَفْعَلُ ذَلِكَ بَلْ نَهْدِيكم إلى اَلْحَقِّ بِإرْسالِ اَلرَّسُولِ اَلْأمِينِ وإنْزالِ اَلْكِتابِ اَلْمُبِينِ.

وقَرَأ نافِعٌ والأخَوانِ (إنْ كُنْتُمْ) بِكَسْرِ اَلْهَمْزَةِ عَلى أنَّ اَلْجُمْلَةَ شَرْطِيَّةٌ، وإنْ وإنْ كانَتْ تُسْتَعْمَلُ لِلْمَشْكُوكِ وإسْرافُهم أمْرٌ مُحَقَّقٌ لَكِنْ جِيءَ بِها هُنا بِناءً عَلى جَعْلِ اَلْمُخاطَبِ كَأنَّهُ مُتَرَدِّدٌ في ثُبُوتِ اَلشَّرْطِ شاكٌّ فِيهِ قَصْدًا إلى نِسْبَتِهِ إلى اَلْجَهْلِ بِارْتِكابِهِ اَلْإسْرافَ لِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَفْرِضُ لِوُجُوبِ اِنْتِفائِهِ وعَدَمِ صُدُورِهِ مِمَّنْ يَعْقِلُ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى هَذا لِأنَّ اَلشَّرْطَ اَلْإسْرافُ في اَلْمُسْتَقْبَلِ وهو لَيْسَ بِمُتَحَقِّقٍ، ورُدَّ بِأنَّ إنِ اَلدّاخِلَةَ عَلى كانَ لا تَقْلِبُهُ لِلِاسْتِقْبالِ عِنْدَ اَلْأكْثَرِ، ولِذا قِيلَ: (إنْ) هُنا بِمَعْنى إذْ.

وأُيِّدَ بِأنَّ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ قَرَأ بِهِ وأنَّهُ يَدُلُّ عَلى اَلتَّعْلِيلِ فَتُوافِقُ قِراءَةَ اَلْفَتْحِ مَعْنًى، ولَوْ سُلِّمَ فالظّاهِرُ مِن حالِ اَلْمُسْرِفِ اَلْمُصِرِّ عَلى إسْرافِهِ بَقاؤُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ فَيَكُونُ مُحَقَّقًا في اَلْمُسْتَقْبَلِ أيْضًا عَلى اَلْقَوْلِ بِأنَّها تَقْلِبُ كانَ كَغَيْرِها مِنَ اَلْأفْعالِ وجَوابُ اَلشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلشَّرْطُ في مَوْقِعِ اَلْحالِ أيْ مَفْرُوضًا إسْرافُكم عَلى أنَّهُ مِنَ اَلْكَلامِ اَلْمُنْصِفِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ جَوابٍ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتَأتّى عَلى اَلْقَوْلِ بِأنَّ إنِ اَلْوَصْلِيَّةَ تَرِدُ في كَلامِهِمْ بِدُونِ اَلْواوِ والمَعْرُوفُ في اَلْعَرَبِيَّةِ خِلافُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً يعني: أفندع ونترك أن نرسل إليكم الوحي مبهماً، لا آمركم ولا أنهاكم.

وقال القتبي: معناه أن أمسك عنكم، فلا أذكركم إعراضاً.

يقال: صفحت عن فلان، إذا أعرضت عنه.

وقال مجاهد: معناه تكذبون بالقرآن، ولا تعاقبون فيه.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ بنصب الألف.

وقرأ الباقون بالكسر.

فمن قرأ بالنصب، فمعناه: أفنضرب عنكم ذكر العذاب بأن أسرفتم، يعني: أشركتم وعصيتم.

ويقال أفنضرب عنكم ذكر العذاب، لأن أسرفتم وكفرتم ومن قرأ بالكسر، فمعناه إن كنتم قوماً مسرفين.

ويقال: هو على معنى الاستقبال، ومعناه إن تكونوا مسرفين، نضرب عنكم الذكر.

ثم قال عز وجل: وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ يعني: كم بعثنا من نبي في أمر الأمم الأولين، كما أرسلنا إلى قومك وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني: يسخرون منه قوله تعالى: فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً يعني: من كان أشد منهم قوة وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ يعني: سنة الأولين بالهلاك.

قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ يعني: المشركين مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ يعني: يقولون خلقهن الله تعالى، الذي هو العزيز في ملكه، العليم بخلقه، فزادهم الله تعالى في جوابهم.

فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً قرأ حمزة، والكسائي وعاصم مَهْداً، والباقون مَهاداً بالألف، يعني: قراراً للخلق وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا يعني: طرقاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ يعني: لكي تعرفوا طرقها من بلد إلى بلد، ويقال: لعلكم تهتدون يعني: لكي تعرفوا هذه النعم، وتأخذوا طريق الهدى، ثم ذكرهم النعم فقال عز وجل: وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاء بِقَدَرٍ يعني: بمقدار ووزن فَأَنْشَرْنا بِهِ يعني: أحيينا بالمطر بَلْدَةً مَيْتاً يعني: أرضاً ميتة، لا نبات فيها كَذلِكَ تُخْرَجُونَ أنتم من قبوركم.

قوله تعالى: وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها يعني: الأصناف كلها من النبات، والحيوان وغير ذلك وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ مَا تَرْكَبُونَ يعني: جعل لبني آدم من السفن، والإبل، والدواب، ما يركبون عليها ثم قال: لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ يعني: لتركبوا ظهور الأنعام، ولم يقل ظهورها؟

لأنه انصرف إلى المعنى، وهو جنس الأنعام ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ يعني: إذا ركبتم فتحمدوا الله تعالى وَتَقُولُوا عند ذلك سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا يعني: ذلل لنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ يعني: مطيعين.

وقال أهل اللغة: أنا مقر لك أي: مطيق لك.

ويقال: مقرنين أي: مالكين.

ويقال: ضابطين.

ثم قال: وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ يعني: راجعين إليه، في الآخرة.

وقد روى عثمان بن الأسود، عن مجاهد أنه قال: إذا ركب الرجل دابته، ولم يذكر اسم الله تعالى، ركب الشيطان من ورائه، ثم صك في قفاه، فإن كان يحسن الغناء، قال له: تغن، وإن كان لا يحسن الغناء، قال له تمن يعني: تكلم بالباطل.

وعن علي بن ربيعة أنه قال: كنت رديفاً لعلي بن أبي طالب-،  -، فلما وضع رجله في الركاب، قال: بسم الله، فلمَّا استوى قال: الحمد لله، ثم قال: سُبْحَانَ الذى سخر لنا هذا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بمعنى مغفولاً عنه، أي: نتركه يَمُرُّ لا تؤخذون/ بقبوله ولا بتدبُّره، فكأَنَّ المعنى: أفنترككم سُدًى، وهذا هو منحى قتادةَ وغيره، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «إنْ كُنْتُمْ» بكسر الهمزة «١» ، وهو جزاءً دَلَّ ما تقدَّمه على جوابه، وقرأ الباقون بفتحها بمعنى: من أجل أَنْ، والإسراف في الآية هو كُفْرُهُمْ.

«وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ» أي: في الأُمَمِ الماضية، كقوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ وغيرهم.

«وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» أي: كما يستهزىء قومك بك، وهذه الآية تسلية للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وتهديد بأَنْ يصيبَ قريشاً ما أصاب مَنْ هو أَشَدُّ بَطْشاً منهم.

وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ أي: سلف أمرهم وسُنَّتُهُم، وصاروا عبرةً غَابِرَ الدَّهْرِ، أنشد صاحبُ «عنوان الدِّرَايَةِ» لشيخه أبي عبد اللَّه التَّمِيميِّ: [البسيط]

يَا وَيْحَ مَنْ غَرَّهُ دَهْرٌ فَسُرَّ بِهِ ...

لَمْ يَخْلُصِ الصَّفْوُ إلاَّ شِيبَ بِالْكَدَرِ

هُوَ الْحِمَامُ فَلاَ تُبْعِد زِيَارَتَه ...

وَلاَ تَقُلْ لَيْتَنِي مِنْهُ على حَذَرِ

انْظُرْ لِمَنْ بَادَ تَنْظُرْ آيَةً عَجَباً ...

وَعِبْرَةً لأولي الأَلْبَابِ وَالْعِبَرِ

أَيْنَ الألى جَنَبُوا خَيْلاً مُسَوَّمَةً ...

وَشَيَّدُوا إرَماً خَوْفاً مِنَ الْقَدَرِ

لَمْ تُغْنِهِمْ خَيْلُهُمْ يَوْماً وَإنْ كَثُرَتْ ...

وَلَمْ تُفِدْ إِرَمٌ لِلْحَادِثِ النُّكُرِ

بَادُوا فَعَادُوا حَدِيثاً إنَّ ذَا عَجَبٌ ...

مَا أَوْضَحَ الرَّشْدَ لَوْلاَ سَيِّىءُ النَّظَرِ

تَنَافَسَ النَّاسُ في الدُّنْيَا وَقَدْ عَلِمُوا ...

أنّ المقام بها كاللّمح بالبصر

انتهى.

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)

وقوله سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ: الآيةُ ابتداءُ احتجاجٍ على قُرَيْشٍ/ يوجبُ عليهم التناقُضَ من حيث أَقرّوا بالخَالِقِ، وعَبَدُوا غيره، وجاءتِ العبارةُ عنِ اللَّه ب الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ليكونَ ذلك تَوْطِئَةً لما عَدَّدَ سبحانه من أوصافه التي ابتدأَ الإخبار بها، وقَطَعَهَا من الكلام الذي حكى معناه عن قُرَيْشٍ.

وقوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ الآية، هذه أوصافُ فِعْلٍ، وهي نِعَمٌ من اللَّه سبحانه على البَشَرِ، تقوم بها الحُجَّةُ على كُلِّ مُشْرِكٍ.

وقوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ليس هو مِنْ قَوْلِ المسئولين، بل هو ابتداء إخبارٍ من اللَّه تعالى.

وقوله سبحانه: وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءَ بِقَدَرٍ قيل: معناه: بقدر في الكفاية للصلاح لا إكثار فَيَفْسُدَ، ولا قِلَّة فيقصر بل غيثاً مُغِيثاً، وقيل: بِقَدَرٍ أي: بقضاء وحَتْمٍ، وقالت فرقة: معناه: بتقديرٍ وتحريرٍ، أي: قدر ماء معلوماً، ثم اختلف قائلُو هذه المقالة فقال بعضهم: ينزل في كلِّ عامٍ ماءً قَدْراً واحداً، لا يَفْضُلُ عامٌ عاماً، لكن يكثر مرّة هاهنا ومرة هاهنا، وقال بعضهم: بل ينزل تقديراً مَّا في عَامٍ، وينزل في آخرَ تقديراً مَّا، وينزل في آخر تقديراً آخرَ بِحَسَبِ ما سَبَقَ به قضاؤه لا إله إلا هو.

قُلْتُ: وبعض هذه الأقوالِ لا تُقَالُ من جهة الرأْيِ، بل لا بُدَّ لها من سَنَدٍ، وفَأَنْشَرْنا معناه: أَحْيَيْنَا يقال: نُشِرَ المَيِّتُ وأَنْشَرَهُ اللَّهُ، والأزواج هنا الأنواع من كلّ شيء، ومِنَ في قوله: مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ للتبعيض، والضمير في ظُهُورِهِ عائدٌ على/ النوع المركوبِ الذي وقَعَتْ عليه «ما» ، وقد، بَيَّنَتْ آية أخرى ما يقال عند ركوب الفُلْكِ، وهو: «بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ» [هود: ٤١] وإنما هذه خاصَّةٌ فيما يُرْكَبُ من الحيوان، وإنْ قَدَّرنا أَنَّ ذِكْر النعمة هو بالقَلْبِ، والتذكُّر بدء الراكِبُ ب سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا، وهو يرى نعمة اللَّه في ذلك وفي سواه ومُقْرِنِينَ أي:

مطيقين، وقال أبو حيَّان مُقْرِنِينَ: خبر كان، ومعناه غالبين ضابطين، انتهى، وهو بمعنى الأَوَّل، وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ أَمْرٌ بالإقرار بالبعث.

ت: وعن حمزة بن عمرو الأسلميِّ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «على ظَهْرِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ، فَإذَا رَكِبْتُمُوهَا فَسَمُّوا اللَّهَ» رواه ابن حِبَّان في «صحيحه» «١» ، انتهى من «السلاح» ، وينبغي لمن مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به ويُحْسِنَ إليه لينالَ بذلك رضا اللَّه تعالى، قال القُشَيْرِيُّ في «التحبير» : وينبغي لِلْعَبْدِ أنْ يكُونَ مُعَظِّماً لِرَبِّه، نَفَّاعاً لخلقه، خيراً في قومه، مُشْفِقاً على عباده فَإنَّ رأس المعرفة تعظيمُ أمر اللَّه سبحانه، والشفقَةُ على خَلْقِ اللَّه، انتهى، وروى مالكٌ في «المُوَطَّإ» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، فَخَرَجَ فَإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثرى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقَى فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإنَّ لَنَا في الْبَهَائِمِ أَجْرَاً؟!

/ فَقَالَ: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» «٢» .

قال أبو عُمَرَ في «التهميد» : وكذا في الإساءة إلى الحيوان إثْمٌ، وقد روى مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمر أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا، ولاَ هِيَ أَطْلَقَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» «٣» ، ثم أسند أبو عُمَرَ «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دخل حائطا من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الزُّخْرُفِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حم ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [المُؤْمِنِ] .

﴿ والكِتابِ المُبِينِ ﴾ قَسَمٌ بِالقُرْآنِ.

﴿ إنّا جَعَلْناهُ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أنْزَلْناهُ.

وما بَعْدَ هَذا تَقَدَّمَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ٨٢، يُوسُفَ: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّهُ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ فِي أُمِّ الكِتابِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: في أصْلِ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ: أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَدَيْنا ﴾ أيْ: عِنْدَنا ﴿ لَعَلِيٌّ ﴾ أيْ: رَفِيعٌ.

وَفِي مَعْنى الحَكِيمِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُحْكَمٌ، أيْ: مَمْنُوعٌ مِنَ الباطِلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: حاكِمٌ لِأهْلِ الإيمانِ بِالجَنَّةِ ولِأهْلِ الكُفْرِ بِالنّارِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، والمَعْنى: إنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ فَإنَّهُ عِنْدَنا شَرِيفٌ عَظِيمُ المَحَلِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: نُمْسِكُ عَنْكم فَلا نَذْكُرُكم صَفْحًا، أيْ: إعْراضًا، يُقالُ: صَفَحْتُ عَنْ فُلانٍ: إذا أعْرَضْتُ عَنْهُ، والأصْلُ في ذَلِكَ أنْ تُوَلِّيَهُ صَفْحَةَ عُنُقِكَ، قالَ كُثَيِّرٌ يَصِفُ امْرَأةً: صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ أيْ: مُعْرِضَةً بِوَجْهِها، يُقالُ؛ ضَرَبْتُ عَنْ فُلانٍ كَذا: إذا أمْسَكْتَهُ وأضْرَبْتَ عَنْهُ.

﴿ أنْ كُنْتُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "أنْ كُنْتُمْ" بِالنَّصْبِ، أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنْ كُنْتُمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا عَلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، أيْ: إنْ تَكُونُوا مُسْرِفِينَ نَضْرِبْ عَنْكُمُ الذِّكْرَ.

وَفِي المُرادِ بِالذِّكْرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ذِكْرُ العَذابِ، فالمَعْنى: أفَنُمْسِكُ عَنْ عَذابِكم ونَتْرُكُكم عَلى كُفْرِكُمْ؟!

وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، فالمَعْنى: أفَنُمْسِكُ عَنْ إنْزالِ القُرْآنِ مِن أجْلِ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ؟!

وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

وَقالَ قَتادَةُ: "مُسْرِفِينَ" بِمَعْنى مُشْرِكِينَ.

ثُمَّ أعَلَمَ نَبِيَّهُ أنِّي قَدْ بَعَثْتُ رُسُلًا فَكُذِّبُوا فَأهْلَكْتُ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أشَدَّ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن قُرَيْشٍ ﴿ بَطْشًا ﴾ أيْ: قُوَّةً ﴿ وَمَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: سَبَقَ وصْفُ عِقابِهِمْ فِيما أُنْزِلَ عَلَيْكَ.

وقِيلَ: سَبَقَ تَشْبِيهُ حالِ أُولَئِكَ بِهَؤُلاءِ في التَّكْذِيبِ، فَسَتَقَعُ المُشابَهَةُ بَيْنَهم في الإهْلاكِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ جَهْلِهِمْ حِينَ أقَرُّوا بِأنَّهُ خالِقُ السَّمَواتِ والأرْضِ ثُمَّ عَبَدُوا غَيْرَهُ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ؛ ثُمَّ الَّتِي تَلِيها مُفَسَّرَةٌ في [طَه: ٥٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ أيْ: لِكَيْ تَهْتَدُوا في أسْفارِكم إلى مَقاصِدِكم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الزُخْرُفِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ والكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ أفَنَضْرِبُ عنكُمُ الذِكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾ ﴿ وَكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ في أوائِلِ السُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والكِتابِ" ﴾ خَفْضٌ بِواوِ القَسَمِ.

و ﴿ "المُبِينِ": ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "أبانَ" الَّذِي هو بِمَعْنى "بانَ"، أيْ: ظَهَرَ، فَلا يُحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعَدّى مَن "بانَ"، فَهَذا لابُدَ مِن مَفْعُولٍ تَقْدِيرُهُ: المُبِينُ الهُدى أوِ الشَرْعُ ونَحْوَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْناهُ ﴾ مَعْناهُ: سَمَّيْناهُ وصَيَّرْناهُ، وهو إخْبارٌ عَلَيْهِ وقَعَ القَسَمُ، والضَمِيرُ فِي: ﴿ "جَعَلْناهُ" ﴾ عائِدٌ عَلى: "الكِتابِ"، و ﴿ "عَرَبِيًّا": ﴾ مَعْناهُ: بِلِسانِكم لِئَلّا يَبْقى لَكم عُذْرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ ﴾ : تَرَجٍّ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ البَشَرِ، أيْ: إذا أبْصَرَ المُبْصِرُ مِنَ البَشَرِ هَذا الفِعْلِ مِنّا تَرَجّى مِنهُ أنْ يَعْقِلَ الكَلامَ ويَفْهَمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَإنَّهُ" ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْناهُ ﴾ ، وهَذا الإخْبارُ الثانِي واقِعٌ أيْضًا تَحْتَ القَسَمِ، و ﴿ "أُمِّ الكِتابِ": ﴾ اللَوْحُ المَحْفُوظُ، وهَذا فِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْقُرْآنِ وَتَرْفِيعٌ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، كَيْفَ هو في "أُمِّ الكِتابِ"؟

فَقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسَدِّيَّ وعَطِيَّةُ بْنُ سَعِيدٍ: القُرْآنُ بِأجْمَعِهِ فِيهِ مَنسُوخٌ، ومِنهُ كانَ جِبْرِيلُ  يَنْزِلُ، وهُنالِكَ هو عَلِيٌّ حَكِيمٌ.

وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: إنَّما في اللَوْحِ المَحْفُوظِ ذِكْرُهُ ودَرَجَتُهُ ومَكانَتُهُ مِنَ العُلُوِّ والحِكْمَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فِي أُمِّ الكِتابِ" ﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأها بِكَسْرِ الهَمْزَةِ يُوسُفُ والِي العِراقِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أفَنَضْرِبُ"، ﴾ بِمَعْنى: أفَنَتْرُكُ، تَقُولُ العَرَبُ: أضْرَبَتْ عن كَذا وضَرَبَتْ إذا أعْرَضَتْ وتَرَكَتْهُ، و ﴿ "الذِكْرَ" ﴾ هو الدُعاءُ إلى اللهِ تَعالى والتَذْكِيرُ بِعَذابِهِ والتَخْوِيفُ مِن عِقابِهِ، وقالَ أبُو صالِحٍ: "الذِكْرُ" هُنا هو العَذابُ نَفْسُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ: "الذِكْرُ": القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "صَفْحًا" ﴾ انْتِصابُهُ كانْتِصابِ ﴿ صُنْعَ اللهِ  ﴾ ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العَفْوِ والغَفْرِ لِلذَّنْبِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أفَنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم وتَخْوِيفَكم عَفْوًا عنكم وغَفْرًا لِإجْرامِكم أنْ كُنْتُمْ، أو مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ؟

هَذا لا يَصْلُحُ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: "صَفْحًا" أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: مَغْفُولًا عنهُ، أيْ نَتْرُكُهُ يَمُرُّ لا تَؤْخُذُونَ بِقَبُولِهِ ولا بِتَدَبُّرِهِ، ولا تُنَبَّهُونَ عَلَيْهِ، وهَذا المَعْنى نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ: تَمُرَّ الصَبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الغَضى ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها أيْ: تَمُرُّ مَغْفُولًا عنها، فَكَأنَّ هَذا المَعْنى: أفَنَتْرُكُكم سُدًى؟

وهَذا هو مَنحى قَتادَةَ وغَيْرِهِ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ وقَرَأ السَمِيطُ بْنُ عَمْرُو، والسُدُوسِيُّ: "صُفْحًا" بِضَمِّ الصادِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنْ كُنْتُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وهو جَزاءٌ دَلَّ ما تَقَدَّمَ عَلى جَوابِهِ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ: "أنْ كُنْتُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، بِمَعْنى: مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إذْ كُنْتُمْ"، و"الإسْرافُ" في الآيَةِ: هو الكُفْرُ والضَلالُ البَعِيدُ في عِبادَةِ غَيْرِ اللهِ تَعالى والتَشْرِيكِ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ ﴾ الآياتُ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ  ، وذِكْرُهُ أُسْوَةٌ لَهُ ووَعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ بِأنْ يُصِيبَهم ما أصابَ مَن هو أشَدُّ بَطْشًا مِنهُمْ، و"الأوَّلُونَ": هُمُ الأُمَمُ الماضِيَةُ، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودٍ وغَيْرِهِمْ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ، والمُرادُ بِهِ: الخُصُوصُ فِيمَنِ اسْتَهْزَءُوا، وإلّا فَقَدَ كانَ في الأوَّلِينَ مَن لَمْ يَسْتَهْزِئْ، والضَمِيرُ فِي: "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: سَلَفَ أمْرَهم وسَنَتَّهُمْ، وصارُوا عِبْرَةً غابِرَ الدَهْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ الآيَةُ...

ابْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى قُرَيْشٍ يُوجِبُ عَلَيْهِمِ التَناقُضُ في أمْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ الخالِقَ المُوجِدَ لَهم ولِلسَّماواتِ والأرْضِ هو اللهُ تَعالى، وهم مَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَ أصْنامًا ويَدْعُونَها آلِهَتَهُمْ، ومُقْتَضى جَوابِ قُرَيْشٍ أنْ يَقُولُوا: "خَلَقَهُنَّ اللهُ"، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى المَعْنى، جاءَتِ العِبارَةُ عَنِ اللهِ بِـ"العَزِيزِ العَلِيمِ" لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِما عَدَّدَ بَعْدُ مِن أوصافِهِ الَّتِي ابْتَدَأ الإخْبارَ بِها وقَطَعَها مِنَ الكَلامِ الَّذِي حَكى مَعْناهُ عن قُرَيْشٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء لتفريع الاستفهام الإنكاري على جملة ﴿ إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ﴾ [الزخرف: 3]، أي أتحسبون أن إعراضكم عما نزل من هذا الكتاب يبعثنا على أن نقطع عنكم تجدد التذكير بإنزال شيء آخر من القرآن.

فلما أريدت إعادة تذكيرهم وكانوا قد قدم إليهم من التذكير ما فيه هديهم لو تأملوا وتدبروا، وكانت إعادة التذكير لهم موسومة في نظرهم بقلة الجدوى بيّن لهم أن استمرار إعراضهم لا يكون سبباً في قطع الإرشاد عنهم لأن الله رحيم بهم مريد لصلاحهم لا يصده إسرافهم في الإنكار عن زيادة التقدم إليهم بالمواعظ والهَدي.

والاستفهام إنكاري، أي لا يجوز أن نضرب عنكم الذكر صفحاً من جراء إسرافكم.

والضرب حقيقته قرع جسم بآخر، وله إطلاقات أشهرها: قرع البعير بعصا، وهو هنا مستعار لمعنى القطع والصرف أخذاً من قولهم: ضَرَبَ الغرائبَ عن الحَوْضضِ، أي أطردَها وصرفها لأنها ليست لأهل الماء، فاستعاروا الضرب للصرف والطرد، وقال طرفة: أضْرِبَ عنك الهمومَ طارقَها *** ضَرْبَك بالسَّيْففِ قَوْنَس الفَرَس والذكر: التذكير، والمراد به القرآن.

والصَّفح: الإعراض بِصَفْح الوجه وهو جانبُه وهو أشد الإعراض عن الكلام لأنه يجْمع تركَ استماعه وتركَ النظر إلى المتكلم.

وانتصب ﴿ صفحاً ﴾ على النيابة عن الظرف، أي في مكان صَفْح، كما يقال: ضَعْهُ جانباً، ويجوز أن يكون ﴿ صفحاً ﴾ مصدر صَفَح عن كذا، إذا أعرض، فينتصب على المفعول المطلق لبيان نوع الضرب بمعنى الصرف والإعراض.

والإسراف: الإفراط والإكثار، وأغلب إطلاقه على الإكثار من الفعل الضائر.

ولذلك قيل «لا سرَف في الخير» والمقام دال على أنّهم أسرفوا في الإعراض عن القرآن.

وقرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف ﴿ إن كنتم ﴾ بكسر همزة ﴿ إنْ ﴾ فتكون ﴿ إنْ ﴾ شرطية، ولما كان الغالب في استعمال ﴿ إِنْ ﴾ الشرطية أن تقع في الشرط الذي ليس متوَقعاً وقوعُه بخلاف (إِذَا) التي هي للشرط المتيقن وقوعه، فالإتْيَان ب ﴿ إنْ ﴾ في قوله: ﴿ إنْ كنتم قوماً مسرفين ﴾ لقصد تنزيل المخاطبين المعلوم إسرافهم منزلة من يُشَك في إسرافه لأن توفر الأدلّة على صدق القرآن من شأنه أن يزيل إسرافهم وفي هذا ثقة بحقّيّة القرآن وضَرب من التوبيخ على إمعانهم في الإعراض عنه.

وقرأه ابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو عمرو ويعقوب بفتح الهمزة على جعل ﴿ أنْ ﴾ مصدرية وتقديرِ لام التعليل محذوفاً، أي لأجل إسرافكُم، أي لا نترك تذكيركم بسبب كونكم مسرفين بل لا نزال نعيد التذكير رحمة بكم.

وإقحام ﴿ قوماً ﴾ قبل ﴿ مسرفين ﴾ للدلالة على أن هذا الإسراف صار طبعاً لهم وبه قِوام قوميتهم، كما قدمناه عند قوله تعالى: ﴿ لآياتتٍ لقوممٍ يعقلون ﴾ في سورة البقرة (164).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الزُّخْرُفِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ والكِتابِ المُبِينِ ﴾ الكِتابُ هو القُرْآنُ: وفي تَسْمِيَتِهِ مُبِينًا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهُ بَيِّنُ الحُرُوفِ، قالَهُ أبُو مُعاذٍ.

الثّانِي: لِأنَّهُ بَيِّنُ الهُدى والرُّشْدِ والبَرَكَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَيَّنَ فِيهِ أحْكامَهُ وحَلالَهُ وحَرامَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي هَذا مَوْضِعُ القَسَمِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ورَبِّ الكِتابِ.

الثّانِي: أنَّهُ القَسَمُ بِالكِتابِ، ولِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِن خَلْقِهِ.

وَجَوابُ القَسَمِ ﴿ إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إنّا أنْزَلْناهُ عَرَبِيًّا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: إنّا قُلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: إنّا بَيَّنّاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.

وَمَعْنى العَرَبِيِّ أنَّهُ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جُعِلَ عَرَبِيًّا لِأنَّ لِسانَ أهْلِ السَّماءِ عَرَبِيٌّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ كِتابُهُ بِلَسانِ قَوْمِهِ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.

﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَفْهَمُونَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ هَذا القَوْلُ خاصًّا بِالعَرَبِ دُونَ العَجَمِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: يَتَفَكَّرُونَ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ خِطابًا عامًّا لِلْعَرَبِ والعَجَمِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: جُمْلَةُ الكِتابِ.

الثّانِي: أصْلُ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

الثّالِثُ: أنَّها الحِكْمَةُ الَّتِي نَبَّهَ اللَّهُ عَلَيْها جَمِيعَ خَلْقِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَفي ﴿ الكِتابِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ; قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ اللَّهِ فِيهِ ما سَيَكُونُ مِن أفْعالِ العِبادِ مُقابِلَ يَوْمَ القِيامَةِ بِما تَرْفَعُهُ الحَفَظَةُ مِن أعْمالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَفِي المُكَنّى عَنْهُ أنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ ما يَكُونُ مِنَ الخَلْقِ مِن طاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ وإيمانٍ أوْ كُفْرٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: رَفِيعٌ عَنْ أنْ يُنالَ فَيُبَدَّلَ.

حَكِيمٌ أيْ مَحْفُوظٌ مِن نَقْصٍ أوْ تَغْيِيرٍ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن قالَ أنَّهُ ما يَكُونُ مِنَ الطّاعاتِ والمَعاصِي.

الثّانِي: أنَّهُ عَلِيٌّ في نَسْخِهِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكُتُبِ، وحَكِيمٌ أيْ مُحْكَمُ الحُكْمِ فَلا يُنْسَخُ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن قالَ أنَّهُ القُرْآنُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أفَحَسِبْتُمْ أنْ نَصْفَحَ ولَمّا تَفْعَلُونَ ما أمَرْتُمْ بِهِ؟

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِالقُرْآنِ ولا نُعاقِبُكم فِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أيْ نُهْمِلُكم فَلا نُعَرِّفُكم بِما يَجِبُ عَلَيْكم، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الرّابِعُ: أنْ نَقْطَعَ تَذْكِيرَكم بِالقُرْآنِ: وإنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ: قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنْ نَوْعِدَ ولا نُؤاخِذَ، ونَقُولَ فَلا نَفْعَلَ.

﴿ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُشْرِكِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مُسْرِفِينَ في الرَّدِّ.

وَمَعْنى صَفْحًا أيْ إعْراضًا، يُقالُ صَفَحْتُ عَنْ فُلانٍ أيْ أعْرَضْتُ عَنْهُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأصْلُ فِيهِ إنَّكَ تُوَلِّيهِ صَفْحَةَ عُنُقِكَ.

قالَ كُثَيِّرٌ في صِفَةِ امْرَأةٍ صَفْحٌ فَما تَلْقاكَ إلّا بِخِيلَةً فَمَن قَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلُ قَلَّتْ أيْ تُعْرِضُ عَنْهُ بِوَجْهِها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سُنَّةُ الأوَّلِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: عُقُوبَةُ الأوَّلِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: عِبْرَةُ الأوَّلِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: خَبَرُ الأوَّلِينَ أنَّهم أُهْلَكُوا بِالتَّكْذِيبِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ﴾ قال: أحسبتم أن نصفح عنكم ولم تفعلوا ما أمرتم به؟

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ﴾ قال: تكذبون بالقرآن ثم لا تعاقبون عليه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ﴾ قال: والله لو أن هذا القرآن رفع حيث رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله تعالى عاد عليهم بعائدته ورحمته، فكرره عليهم ودعاهم إليه.

وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة، عن الحسن رضي الله عنه قال: لم يبعث الله رسولاً إلا أن أنزل عليه كتاباً، فإن قبله قومه، وإلا رُفِعَ، فذلك قوله: ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً إن كنتم قوماً مسرفين ﴾ لا تقبلونه، فيلقنه قلب نبيه.

قالوا: قبلناه ربنا قبلناه ربنا ولو لم يفعلوا، لَرُفِعَ ولم يترك منه شيء على ظهر الأرض.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومضى مثل الأوّلين ﴾ قال: عقوبة الأولين.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ صفحاً أن كنتم ﴾ بنصب الألف ﴿ جعل لكم الأرض مهداً ﴾ بنصب الميم بغير ألف.

وأخرج ابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية ﴿ وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ﴾ أن تقولوا: الحمد لله الذي منّ علينا بمحمد عبده ورسوله، ثم تقولوا: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ .

وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا سافر ركب راحلته ثم «كبر ثلاثاً ثم قال: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ » .

وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه وابن جرير والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن علي رضي الله عنه أنه أتى بدابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله ثلاثاً والله أكبر ثلاثاً ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ سبحانك لا إله إلا أنت قد ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك فقلت: مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟

قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت، ثم ضحك فقلت يا رسول الله: مم ضحكت؟

فقال: «يعجب الرب من عبده إذا قال: رب اغفر لي، ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري» .

وأخرج أحمد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه على دابته، فلما استوى عليها «كبر ثلاثاً وهلل الله وحده ثم ضحك ثم قال: ما من امرئ مسلم يركب دابته، فيصنع ما صنعت، إلا أقبل الله يضحك إليه، كما ضحكت إليك» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن محمد بن حمزة بن عمر الأسلمي، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فوق ظهر كل بعير شيطان، فإذا ركبتموه فاذكروا اسم الله، ثم لا تقصروا عن حاجاتكم» .

وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على ذروة كل بعير شيطان، فامتهنوهن بالركوب، فإنما يحمل الله» .

وأخرج ابن سعد وأحمد والبغوي والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن أبي لاس الخزاعي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليه إذا ركبتموه كما أمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله» .

وأخرج ابن المنذر عن شهر بن حوشب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ﴾ قال: نعمة الإِسلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن أبي مجلز رضي الله عنه قال: رأى حسين بن علي رضي الله عنه رجلاً يركب دابة، فقال: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ قال: أو بذلك أمرت؟

قال: فكيف أقول؟

قال: الحمد لله الذي هدانا للإِسلام، الحمد لله الذي منَّ علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الحمد لله الذي جعلني في خير أمة أخرجت للناس، ثم تقول: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن طاوس رضي الله عنه، أنه كان إذ ركب دابة قال: بسم الله اللهم هذا من مَنِّكَ وفضلك علينا، فلك الحمد ربنا ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ قال: الإِبل والخيل والبغال والحمير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ قال: مطيقين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ قال: لا في الأيدي ولا في القوّة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سليمان بن يسار رضي الله عنه أن قوماً كانوا في سفر، فكانوا إذا ركبوا قالوا: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ وكان فيهم رجل له ناقة رازم فقال: أما أنا فأنا لهذه مقرن، فقمصت به، فصرعته فاندقت عنقه.

والله أعلم.

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وجعلوا له من عباده جزءاً ﴾ قال: عدلاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعلوا له من عباده جزءاً ﴾ قال: ولداً وبنات من الملائكة.

وفي قوله: ﴿ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ قال: ولداً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ قال: حزين.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ بنصب الضاد.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ قال: الجواري جعلتموهن للرحمن ولداً ﴿ فكيف تحكمون ﴾ [ الصافات: 154] .

وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ قال: هن النساء، فرق بين زيهن وزي الرجال، ونقصهن من الميراث، وبالشهادة، وأمرهن بالقعدة، وسماهن الخوالف.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ قال: جعلوا لله البنات ﴿ وإذا بشر أحدهم ﴾ بهن ﴿ ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ حزين.

وأما قوله: ﴿ وهو في الخصام غير مبين ﴾ قال: قلما تكلمت امرأة تريد أن تتكلم بحجتها، الا تكلمت بالحجة عليها.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ مخففة الياء.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ينشأ في الحلية ﴾ مخففة منصوبة الياء مهموزة.

وأخرج عبد بن حميد، عن أبي العالية رضي الله عنه أنه سئل عن الذهب للنساء، فقال لا بأس به.

يقول الله: ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ﴾ قال الفراء (١) (٢) صفُوحًا فَما تَلْقَاكَ إلا بَخِيلَةً ...

فَمنْ مَلَّ مِنْها ذَلِك الوَصْلَ مَلَّتِ أي: معرضة بوجهها (٣) وقال أبو علي: وانتصاب (صفحًا) من باب: (صُنْعَ الله) لأن قوله: (أفنضرب عنكم الذكر) يدل على أصفح عنكم صفحًا (٤) (٥) قال أبو إسحاق: المعنى: أفنضرب عنكم ذكر العذاب بأن أسرفتم، قال: والدليل على أن المعني هذا قوله: ﴿ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا ﴾ (٦) (٧) وقال آخرون: معنى: الذكر هاهنا القرآن والتذكير به، قال ابن عباس: يريد: الضرب عنكم الموعظة (٨) (٩) (١٠) (١١) قال الأزهري: أفنعرض عن تذكيركم إعراضًا من أجل إسرافكم في كفركم (١٢) وقال أبو إسحاق مثل هذا القول أي: أنهملكم فلا نعرفكم ما يجب عليكم لأن أسرفتم (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ إِنْ كُنْتُمْ ﴾ بكسر الهمزة وفتحها، فمن فتح فالمعنى: لأن، والكسر على أنه جزاء استغني عن جوابه بما تقدمه، مثل: أنت ظالم إن فعلت، كأنه قال: إن كنتم قومًا مسرفين نضرب (١٦) وقال أبو إسحاق: من كسر فعلى معنى الاستقبال، على معنى: إن تكونوا مسرفين، وقرئ: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ ﴾ (١٧) ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ  ﴾ و (أن صدوكم) بالكسر والفتح وأنشد: أَتَجْزعُ إِنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتا ...

جِهَارًا وَلَم تَجْزَعْ لِقَتْلِ ابن خَازِمِ (١٨) قال: وفي قوله: ﴿ أَنْ صَدُّوكُمْ ﴾ ﴿ أَنْ ﴾ الفتح والكسر (١٩) (٢٠) (١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 28.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 405.

(٣) إلى هنا انتهى ما نقله عن ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 395.

(٤) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 138.

(٥) أخرج ذلك الطبري 13/ 49، وانظر: "تفسير الماوردي" 5/ 216، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 62.

(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 206.

(٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 27 ونص عبارته: والعرب تقول: قد أضربت عنك وضربت عنك، إذا أردت به: تركتك وأعرضت عنك.

(٨) لم أقف عليه، وكذا رسمها في الأصل، ولعل الصواب: نضرب أو أضرب.

(٩) ذكر ذلك الثعلبي 10/ 79 أ، والبغوي 7/ 256، وأبو حيان 8/ 6 عن الكلبي.

(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 49، "البغوي" 7/ 206، "الجامع" للقرطبي 16/ 62.

(١١) أخرج ذلك الطبري 13/ 49 عن قتادة، ونسبه البغوي 7/ 206 لقتادة.

(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" (صفح) 4/ 257.

(١٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 406.

(١٤) هو: محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي أبو علي من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره وإليه نسبة الطائفة (الجبائية) مات سنة ثلاث وثلاثمائة، انظر: "وفيات الأعيان" 1/ 480، "البداية والنهاية" 11/ 125، "الأعلام" 6/ 256.

(١٥) لم أقف عليه.

(١٦) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 50، "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 98، "الحجة" لأبي علي 6/ 138.

(١٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 405.

(١٨) البيت للفرزدق انظر: "ديوانه" 855، "الخزانة" 3/ 655، "شرح شواهد المغني" 1/ 86، وهو من قصيدة يمدح فيها سليمان بن عبد الملك ويهجو جريرًا وقتيبة هو: قتيبة بن مسلم الباهلي القائد المشهور، وأما ابن خازم فهو: عبد الله بن خازم السلمي أمير خراسان من قبل ابن الزبير، والشاهد فيه كسر (إن) وحملها على معنى الشرط، وقد ورد البيت في "تفسير الطبري" 13/ 50، "الدر المصون" 6/ 92.

(١٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 27.

(٢٠) ذكر ذلك الثعلبي 10/ 79 ب، والشوكاني في "فتح القدير" 4/ 548 عن أبي عبيد، وذكره بهذا اللفظ القرطبي 13/ 63 ولكن نسبه لأبي عبيدة فلعله تصحيف (عبيد).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً ﴾ الهمزة للإنكار والمعنى: أنمسك عنكم الذكر، ونضرب من قولك: أضربت عن كذا: إذا تركته، والذكر يراد به: القرآن، أو التذكير، والوعظ.

وصفحاً فيه وجهان: أحدهما أنه بمعنى الإعراض، تقول صفحت عنه إذا أعرضت عنه؛ فكأنه قال: أنترك تذكيركم إعراضاً عنكم؟

وإعراب صفحاً على هذا مصدر من المعنى، أو مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال، والآخر أن يكون بمعنى العفو والغفران، فكأنه يقول: أنمسك عنكم الذكر عفواً عنكم وغفراناً لذنبوكم؟

وإعراب صفحاً على هذا مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال ﴿ أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ﴾ قرأ نافع وحمزة والكسائي بكسر الهمزة على الشرط، والجواب في الكلام الذي قبله، وقرأ الباقون بالفتح على أنه مفعول من أجله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ في إم الكتاب ﴾ بكسر الهمزة: حمزة وعلي ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع وعلي وحمزة وخلف.

الآخرون: بالفتح أي لأن كنتم ﴿ مهداً ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف وروح.

الباقون ﴿ مهاد ﴾ ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد.

﴿ يخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.

الآخرون: من الإخراج ﴿ ينشأ ﴾ من باب التفعيل: حمزة وعلي وخلف وحفص.

الباقون: بالتخفيف والياء مفتوحة والنون ساكنة ﴿ عباد الرحمن ﴾ جمع عبد أو عابد: أبو عمرو وعاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ﴿ عند الرحمن ﴾ بالنون كقوله ﴿ فالذين عند ربك  ﴾ الآخرون: ﴿ عبيد الرحمن ﴾ ﴿ أو شهدوا ﴾ بقلب همزة الإشهاد واواً مضمومة: ورش وإسماعيل.

وقرأ يزيد وقالون مثله ولكن بالمد.

وقرأ المفضل بتحقيق الهمزتين.

الباقون: بهمزة واحدة للاستفهام والشين مفتوحة ﴿ قال أولو ﴾ بالألف: ابن عامر وحفص والمفضل ﴿ جئناكم ﴾ يزيد.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ لأن القسم متعلق بما قبله وهو هذه ﴿ حم ﴾ ﴿ تعقلون ﴾ ه ج ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ مسرفين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده وصف ولو كان نصباً أو رفعاً على المدح فالوقف ﴿ تهتدون ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ج للالتفات مع الفاء ﴿ ميتاً ﴾ ج لانقطاع النظم مع تعلق التشبيه ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تركبون ﴾ ه لا ﴿ مقرنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ لمنقلبون ﴾ ه ﴿ جزءاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ بالبنين ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ خلقهم ﴾ ط ﴿ ويسئلون ﴾ ه ﴿ ما عبدناهم ﴾ ط ﴿ يحرصون ﴾ ه ط ﴿ مستمسكون ﴾ ه ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ مقتدون ﴾ ه ﴿ آباءكم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه.

التفسير: أقسم بجنس الكتاب أو بالقرآن الظاهر الإعجاز أو المفصح عن كل حكم يحتاج المكلف إليه أنه جعل القرآن بلغة العرب ليعقلوه.

وفي نسبة الجعل إلى نفسه إشارة إلى أنه ليس بمفترى كما زعمه الكفرة.

وقيل: أراد ورب الكتاب وقيل: الكتاب اللوح المحفوظ.

وقال ابن بحر: هو الخط أقسم به تعظيماً لنعمته فيه، وقال ابن عيسى: البيان ما يظهر به المعنى للنفس عند الإدراك بالبصر والسمع وذلك على خمسة أوجه: لفظ وخط وإشارة وعقد وهيئة، كالأعراض وتكليح الوجه.

وأم الكتاب بكسر الهمزة وبضمها اللوح المحفوظ لأنه أصل كل كتاب والتقدير: وإنه لعلي حكيم في أم الكتاب لدينا.

والعلو علو الشأن في البلاغة والإرشاد وغير ذلك والحكيم المشتمل على الحكمة.

ثم أنكر على مشركي قريش بقوله ﴿ أفنضرب ﴾ قال جار الله: أراد أنهملكم فنضرب ﴿ عنكم الذكر ﴾ يقال: ضرب عنه الذكر إذا أمسك عنه وأعرض عن ذكره من ضرب في الأرض.

إذا أبعد و ﴿ صفحاً ﴾ مصدر من غير لفظ الفعل والأصل فيه أن تولي الشيء صفحة عنقك، وجوز جار الله أن يكون بمعنى جانباً من قولهم: " نظر إليه بصفح وجهه " فينتصب على الظرف ويكون الذكر بمعنى الوعظ والقرآن والفحوى أفننحيه عنكم.

وقيل: ضرب الذكر رفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن من بين أظهركم إشراككم مع علمنا بأنه سيأتي من يقبله ويعمل به.

قال السدي: أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم وهو قريب من الأول.

وقيل: الذكر هو أن يذكروا بالعقاب ولا يخلوا من مناسبة لقوله ﴿ فأهلكنا أشد منهم بطشاً ﴾ ومن قرأ ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر فكقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي.

يخيل في كلامه أن تفريطه في الخروج عن عهدة الأجر فعل من يشذ في الاستحقاق مع تحققه في الخارج.

ثم سلى نبيه بقوله ﴿ وكم أرسلنا ﴾ الآيتين.

قوله ﴿ أشد منهم ﴾ قيل: "من" زائدة والمراد أشدهم ﴿ بطشاً ﴾ كعاد وثمود وقيل: الضمير لقوم رسول الله  وأصله أشد منكم إلا أنه ورد على طريقة الالتفات كقوله ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم  ﴾ قوله ﴿ ومضى مثل الأولين ﴾ أي سلف ذكرهم وقصتهم العجيبة في القرآن غير مرة ويحتمل أن يكون معناه كقوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين  ﴾ ثم بين بقوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ أن كفرهم كفر عناد ولجاج لأنهم يعرفون الله ثم ينكرون رسوله وكتابه وقدرته على البعث.

وهذه الأوصاف من كلام الله لا من قول الكفار بدليل قوله ﴿ لكم ﴾ ولم يقل " لنا " ولقوله ﴿ فأنشرنا ﴾ والمراد لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه وقد مر في "طه" مثله.

وقوله ﴿ تهتدون ﴾ أي في الأسفار أو إلى الإيمان بالنظر والاعتبار.

وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي بمقدار الحاجة لا مخرباً مغرقاً كما في الطوفان.

وقوله ﴿ ميتاً ﴾ تذكيره بتأويل المكان.

والأزواج الأصناف وقد مر في قوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج  ﴾ والعائد إلى ما في قوله ﴿ ما تركبون ﴾ محذوف فلك أن تقدره مؤنثاً أو مذكراً باعتبارين.

قال في الكشاف: يقال: ركبت الأنعام وركبت في الفلك إلا أنه غلب المتعدي بغير واسطة على المتعدي بواسطة.

قلت: يجوز أن يكون كقوله "ويوم شهدناه" والضمير في ظهوره عائد إلى ما.

والاستواء في الآية بمعنى التمكن والاستقرار وذكر النعمة بالقلب ويحتمل كونه باللسان وهو تقديم الحمد لله.

يروى أن النبي  كان إذا وضع رجله في الركاب قال: الحمد لله على كل حال ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا ﴾ إلى قوله ﴿ لمنقلبون ﴾ وكبر ثلاثاً وهلل ثلاثاً.

وإذا ركب في السفينة قال ﴿ بسم الله مجريها ومرساها إِن ربي لغفور رحيم  ﴾ ومعنى ﴿ مقرنين ﴾ مطيقين أو ضابطين مع صعوبة خلقه وخلقه.

وقيل: لا يطيق أن يقرن بعضها ببعض حتى يسيرها إلى حيث يريد ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ أي في آخر عمرنا كأنه يتذكر ركوب الجنازة أو عثور الدابة أو انكسار السفينة فليستعد للقاء الله عز وجل بخلاف من يركب الخيول والزوارق لأجل التنزه والاشتغال بالملاهي والمناهي فيكون غافلاً عن المبدأ والمعاد.

عن بعضهم أنه أدخل في البحر ههنا خلاف ما في "الشعراء" لأن ركوب الدابة أو السفينة أو الجنازة عام لكل أحد.

وما في "الشعراء" خاص بالسحرة.

ثم عاد إلى ما انجر الكلام منه وهو قوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والمقصود التنبيه على سخافة عقولهم وقلة محصولهم فإنهم مع الإقرار بأن خالق السموات والأرض هو الله جعلوا له من عباده جزءاً أي أثبتوا له ولداً، وذلك أن ولد الرجل جزء منه.

قال  : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" " وفي قوله ﴿ من عباده ﴾ إشارة إلى أن ما عداه ممكن الوجود فإن الولد متأخر في الوجود عن الأب والمتأخر عن الواجب ممكن، والممكن مفتقر إلى الواجب في الوجود والبقاء والذات والصفات.

وقيل: هو إنكار على مثبتي الشركاء لأنهم جعلوا بعض العبادة لغير الله، وفيه نوع تكلف.

والكفور البليغ الكفران لأنه يجحد ربه وخالقه ولا يجتهد في تنزيهه وتقديسه.

وحين وبخهم على إثبات الولد زاد في توبيخهم وتجهيلهم والتعجيب من حالهم حيث جعلوا ذلك الولد بنتاً مع أنها مكروهة عندهم فقال ﴿ أم اتخذ مما يخلق ﴾ وفائدة تنكير ﴿ بنات ﴾ وتعريف البنين كما مر في آخر السورة المتقدمة في تنكير ﴿ إناثاً ﴾ وتعريف ﴿ الذكور ﴾ } [الشورى: 49] وقوله ﴿ بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ أي بالجنس الذي جعله شبهاً لله لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، والمراد أنه إذا بشر بالأنثى كما سبق في "النحل" اغتم ويسود وجهه وملىء غيظاً وكرباً.

ثم زاد في الإنكار بتعديد طرف من نقصان الإناث قائلاً ﴿ أو من ينشأ ﴾ والتقدير أهو كضده.

قال جار الله: تقديره أو يجعل للرحمن من الولد من له هذه الصفة الدنيئة الذميمة وهي أنه يربى أو يتربى في الزينة والنعومة، وهو إذا احتاج إلى المخاصمة لا يبين ولا يعرب عما في ضميره لعجزه عن البيان ولقلة عقله.

قالت العقلاء: قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تعرب عن حجتها إلا نطقت بما هو حجة عليها.

وفيه أن النشء في الزينة والإمعان في التنعم من خصائص ربات الحجال لا من خواص الرجال.

وإنما ينبغي أن يكون تلبسهم بلباس التقوى وتزينهم باستعداد الزاد للدار الأخرى.

ثم خصص أن البنات التي نسبن إليه  من أي جنس من بعدما عمم في قوله ﴿ مما يخلق ﴾ فقال ﴿ وجعلوا ﴾ أي سموا ﴿ الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ وفي إثبات العبودية لهم نفي الجزئية عنهم كما مر آنفاً.

وقوله ﴿ أشهدوا خلقهم ﴾ كقوله ﴿ ما أشهدتم خلق السموات والأرض  ﴾ وفيه تهكم بهم لأنه لم يدل على ذلك عقل ولا نقل صحيح فلم يبق إلا الإخبار عن المشاهدة يعني مشاهدتهم خلق الله إياهم أو مشاهدة صور الملائكة.

ثم أوعدهم بقوله ﴿ ستكتب شهادتهم ﴾ على أنوثية الملائكة ﴿ ويسئلون ﴾ ثم حكى نوعا آخر من كفرهم وشبهاتهم وهو أنهم ﴿ قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ أي الملائكة والأصنام نظير ما مر في آخر الأنعام { ﴿ سيقول الذين أشركوا  ﴾ واستدلال المعتزلة به ظاهر لأنه ذمهم بقوله ﴿ ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ﴾ أجاب الزجاج عنه بأن قوله ﴿ ما لهم بذلك من علم ﴾ عائد إلى قولهم الملائكة بنات الله، والمراد لو شاء الرحمن ما أمرنا بعبادتهم كقولهم { ﴿ والله أمرنا بهم  ﴾ فلهذا أنكر الله عليهم قاله الواحدي في بسيطه.

وقيل: قالوها استهزاء، وزيفه جار الله بأنه لا يتمشى في أقوالهم المتقدمة وإلا كانوا صادقين مؤمنين.

وجعل هذا الأخير وحده مقولاً على وجه الهزء دون ما قبله تعويج لكتاب الله.

وتمام البحث بين الفريقين مذكور في " الأنعام " وإنما قال في الجاثية ﴿ إن هم إلا يظنون ﴾ لأن هذا كذب محض وهناك خلطوا الصدق بالكذب، صدقوا في قولهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ وكذبوا في قولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر  ﴾ وكانوا شاكين في أمر البعث، ثم زاد في الإنكار عليهم بقوله ﴿ أم آتيناهم كتاباً من قبله ﴾ أي من قبل القرآن أو الرسول ﴿ فهم به مستمسكون ﴾ ثم أضرب عن ذلك وأخبر أنه لا مستند لهم في عقائدهم وأقوالهم الفاسدة الا التقليد.

والأمة الدين والطريقة التي تؤم أي تقصد.

ثم سلى نبيه  بأن هذا دأب أسلافهم وداء قديم في جهال بني آدم.

وإنما قال أولاً ﴿ مهتدون ﴾ وبعده ﴿ مقتدون ﴾ لأن العرب كانوا يخاصمون رسول الله  ويزعمون الاهتداء، ولعل الأمم قبلهم لم يزعموا إلا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء.

ثم أخبر أن النذير ﴿ قال ﴾ أو أمر النذير أو محمداً أن يقول ﴿ أو لو جئتكم ﴾ أي أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم فاصروا على التكذيب ولم يقبلوا فانتقم الله منهم.

ثم بين بقصة إبراهيم  أن القول بالتقليد يوجب المنع من التقليد، وذلك أن إبراهيم  كان أشرف آباء العرب وأنه ترك دين الآباء لأجل الدليل، فلو كانوا مقلدين لآبائهم وجب أن يتبعوه في الاعتماد على الدليل لا على مجرد التقليد.

والبراء بالفتح مصدر أي ذو براء.

وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ قيل: متصل، وكان فيهم من يعبد الله مع الأصنام.

وقيل: منقطع بمعنى لكن، ويحتمل أن يكون مجروراً بدلاً من ما أي إلا من الذي وجوز في الكشاف أن تكون "إلا" صفة بمعنى غير و "ما" موصوفة تقديره إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني ﴿ فإنه سيهدين ﴾ أي يثبتني على الهداية أو يرشدني إلى طريق الجنة، ولا ريب أن قوله ﴿ إنني براء مما تعبدون ﴾ بمنزلة لا إله وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ بمثابة " إلا الله " وهي كلمة التوحيد فلذلك أنّث الضمير في قوله ﴿ وجعلها ﴾ أي وجعل إبراهيم أو الله ﴿ كلمة ﴾ التوحيد ﴿ باقية في عقبه ﴾ فلا يزال في ذريته من يوحد الله عز وجل ويدعو إلى توحيده نظيره ﴿ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب  ﴾ ﴿ لعلهم ﴾ أي لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد أو عن الشرك بدعاء الموحدين منهم.

ثم أضرب عن رجاء الرجوع منهم إلى أن تمتيعهم بالعمر وسعة الرزق صار سبباً لعظم كفرهم وشدة عنادهم.

قال جار الله: أراد بل اشتغلوا عن التوحيد ﴿ حتى جاءهم الحق ﴾ وهو القرآن ﴿ ورسول مبين ﴾ الرسالة واضحها فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها من غفلتهم لاقتضائها التنبيه.

ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق قائلاً ﴿ ولما جاءهم الحق ﴾ جاؤا بما هو شر من غفلتهم وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق ومكابرة الرسول وإنكار القرآن والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ .

قال قتادة: هو اسم السورة.

وقال غيره: ﴿ حـمۤ ﴾ قضى ما هو كائن، وقد ذكرناه.

وقوله: ﴿ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ .

قال قتادة مبين بركته وهداه ورشده.

وقال بعضهم: مبين بين الحلال والحرام، [و]ما يؤتى وما يتقى.

وقال بعضهم: مبين بين الحق والباطل.

وهو عندنا مبين بأنه من الله -  - ليس هو من تأليف البشر، ولا من توليدهم، ولكنه من الله  حيث عجزوا عن إتيان مثله، والله الموفق.

وقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ، كأنه يقول: جعلنا ذلك الكتاب عربيّاً لعلكم تعقلون.

وقيل: ﴿ جَعَلْنَاهُ ﴾ أي: أنزلناه قرآناً عربيّاً.

قيل: ﴿ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً ﴾ أي: سميناه قرآنا، ليس أن جعله قرآنا، ولكن معناه: جعلناه عربيّاً، أي: نظمناه بالعربية؛ لتعقلوا، أو سميناه: قرآنا.

ثم قوله -  -: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: أي: أنزلناه عربيّاً على رجاء أن تعقلوا.

والثاني: أنزلناه عربيّاً لتعقلوا، وذلك يرجع إلى قوم مخصوصين قد عقلوه وفهموه؛ إذ لم يعقلوه جميعاً، ولا يتصور أن ينزله ليعقلوه ولا يعقلوه، فإن ما أراد الله -  - [يكون] لا محالة، وما فعل ينفعل؛ قال الله -  -: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ .

والثالث: أنزلناه عربيّاً لكي يلزمهم أن يعقلوه ويتبعوه؛ ليزول عذرهم والاحتجاج على الله -  - أنه كان على غير لساننا، والله أعلم.

وعلى هذا يخرج تأويل "لعل" في جميع القرآن أنه للتحقيق إذا كان من الله  .

فإن قيل: فعلى التأويل الأخير، كيف يخرج قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ لا يستقيم أن يقال: لكي يلزمكم أن تفلحوا؟

قيل: معناه: لكي يلزمكم السبب الذي به تفلحون، وهو مباشرة الإيمان والطاعات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ .

قوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ ﴾ يرجع إلى وجهين: أحدهما: أي: القرآن في أصل الكتاب، وبه أقول، وهو اللوح المحفوظ، وأم الشيء: أصله ويسمى أم القرى مكة؛ لهذا.

والثاني: أي: القرآن في الكتب المتقدمة، فإن الأمهات سميت: أمهات؛ لتقدمها على الولد، وهو كقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ  صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ .

قال ابن عباس: أي: هو أعلى الكتب وأحكمها وأعدلها.

وقال بعضهم: وصف كتابه بالعظمة والمنزلة والشرف عنده.

وقوله: ﴿ حَكِيمٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: حكيم بمعنى: محكم؛ كقوله -  -: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ  ﴾ أي: بالحجج والبراهين.

والثاني: سماه: حكيماً؛ لما جعل فيه من الحكمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ﴾ اختلف في الذكر: قال بعضهم: القرآن.

وقال بعضهم: الرسول.

وقال بعضهم: العذاب والعقوبة.

واختلف في قوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً ﴾ : قال بعضهم: أفنترك ونذر الذكر سدى ﴿ أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ﴾ أي: لأنكم كذا، ولأجل أنكم كذا.

وقال بعضهم: أفنترك الوحي لا نأمركم بشيء، ولا ننهاكم عن شيء، ولا نرسل إليكم رسولا.

وقال بعضهم: ﴿ أَفَنَضْرِبُ ﴾ أي: أفنذهب عنكم بهذا القرآن سدى، لا تسألون، ولا تعاقبون على تكذيبكم إياه.

وقال بعضهم: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ﴾ أي: فيمسك عنكم فلا يذكركم ﴿ صَفْحاً ﴾ أي: إعراضاً؛ وهو قول القتبي؛ يقول: صفحت عن فلان: أي: أعرضت عنه، وأصل ذلك أنك توليه صفحتك، يقال ضربت وأضربت عن فلان: أي: أمسكته.

وقال أبو عوسجة: ﴿ أَفَنَضْرِبُ ﴾ أي: مسكت؛ ضربت وأضربت، أي: مسكت.

وقوله: ﴿ صَفْحاً ﴾ أي: ردّاً؛ يقال: سألني فلان حاجة فصفحته صفحاً؛ أي: رددته، والله أعلم.

وبعضه قريب من بعض.

ثم الأصل عندنا أن الذكر يحتمل ما قالوا فيه من المعاني الثلاثة: القرآن، والرسول، والعذاب؛ لكن لا يحتمل قوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً ﴾ أن يخرج على الابتداء على غير تقدم النوازل؛ لأنه لا يبتدأ بمثله.

ثم النوازل يحتمل أن كان منهم قول يقولون: يا محمد، لو كان ما تقوله أنت: إنه من عند الله وإنك رسوله، فكيف أنزل الكتاب أو أرسل الرسول إلينا على علم منه أنا نكذبه ونرده ولا نقبله، ومن علم من الملوك في الشاهد أنه يكذب رسوله ولا يقبل، لا يبعث الرسول، فكيف بعثك رسولا إلينا، أو أنزله عليك، أو بعثك رسولا فكذبناه وكذبناك، ورددناه ورددناك، فلا يرفعه ويرفعك دون تركه فينا؟

فيقول الله - تبارك وتعالى - جواباً لهم وردّاً لقولهم: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ﴾ يقول: إنا لا نترككم سدى وإن علمنا منكم التكذيب والرد للرسول والوحي، ولا يمنعنا ذلك عن إنزاله إليكم، وتركه فيكم، ولا يحملنا ذلك على رفعه من بينكم؛ بل نأمركم وننهاكم وإن كنتم تكذبونه ولا تقبلونه؛ وهذا لما ذكرنا في غير موضع أن حرف الاستفهام من الله -  - يخرج على الإيجاب والتحقيق.

وقوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ ﴾ أي: لا نترك إنزاله وإرساله وإن علمنا منكم التكذيب، وهو كقوله -  : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\]، وقوله: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى  ﴾ ، أي: لا يترك سدى، ولا تحسبون أنا إنما خلقناكم عبثاً، فعلى ذلك قوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً ﴾ فإن كان الذكر هو القرآن أو الرسول، فالتأويل: أنه وإن علم منكم الردّ والتكذيب، فلا يمنعه ذلك عن إنزاله عليكم، وبعثه رسولا إليكم، و[إن] أنكرتم وإن كذبتموه ورددتموه فلا يحمله ذلك على رفعه من بينكم بشرككم وكفركم، وهو كما ذكر في قوله: ﴿ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ، أي: إنا وإن علمنا من أوائلكم التكذيب للرسل والكتاب، فلا يمنعنا ذلك عن إنزاله عليكم وبعثه إليكم؛ فعلى ذلك أنتم وإن علمنا منكم تكذيب الرسول وكتابه، لا يمنعنا ذلك عن إرساله وإنزاله؛ ليلزمكم الحجة، أو لعل فيكم من يصدقه ويؤمن به، أو غيركم يؤمن به ويصدقه وإن كذبتم أنتم.

هذا إن كان تأويل الذكر: رسولا أو كتاباً، وإن كان تأويل الذكر: العذاب، فيصير كأنه يقول: أفنترك تعذيبكم أو نمسك عنه ولا نعاقبكم وأنتم قوم مسرفون، أي: مشركون، على ما ذكر على إثره العذاب؛ حيث قال: ﴿ فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً ﴾ أي: قوة، معناه: عذبناهم بالتكذيب مع شدة بطشهم وقوتهم وأنتم دونهم لا تعذبون؟

بل تعذبون، والله أعلم.

وعن قتادة يقول: لو أن هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة، لهلكوا، لكن الله -  - بفضله ورحمته كرره عليهم، ودعاهم إليه كذا كذا سنة وما شاء الله  .

وعن الحسن قال: لم يبعث الله  نبيّاً إلا أنزل عليه كتاباً، فإن قبله قومه وإلا رفع، فذلك قوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ﴾ لا تقبلونه، فتلقته قلوب بقية، فقالوا: قبلناه ربنا قبلناه، لو لم يفعلوا ذلك رفع، ولم يترك على ظهر الأرض منه شيء.

ثم القراءة العامة ﴿ أَن كُنتُمْ ﴾ منصوبة الألف بمعنى: إذ كنتم، ويقرأ - أيضاً - ﴿ إن كنتم ﴾ مكسورة على "إن" الشرط ومعناه: لا نتركه ولا نمسك عن إنزاله وإن كنتم قوماً مسرفين مشركين.

وقوله: ﴿ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ : فيه دعاء الرسول  إلى الصبر بما يعامله قومه؛ حيث ذكر له أن من أرسل من الرسل الذين كانوا قبله عاملهم قومهم من الاستهزاء بهم والأذى لهم مثل معاملة قومك إياك، فصبروا على ذلك، فاصبر أنت على أذى قومك إياك وسوء معاملتهم، والله أعلم.

وفيه أنه يرسل الرسول وإن علم منهم أنهم يكذبونه، وكذا ينزل الكتاب وإن علم منهم أنهم يردونه ولا يقبلونه؛ لأنه ليس يرسل الرسول ولا ينزل الكتب لمنفعة نفسه، ولا لدفع المضرة عن نفسه، ولكن إنما يرسل وينزل لمنفعتهم، ولدفع المضرة عن أنفسهم، فسواء عليه أن قبلوه أو ردوه، وليس كملوك الأرض إذا أرسلوا رسولا وكتاباً إلى من يعلمون أنهم يكذبون رسلهم ويردون كتابهم، يكونون سفهاء؛ لأنهم إنما يرسلون لحاجة أنفسهم؛ أو لدفع المضرة؛ فحيث لم يحصل غرضهم؛ بل يلحقهم بذلك ضرر وزيادة صدّ له واستخفاف، لم يكن ذلك حكمة، بل يكون سفهاً، فأمّا الله -  وتعالى - إذا لم يرسل وينزل لجرّ النفع ودفع الضرر؛ بل لإلزام الحجة وإزالة العذر، ونحو ذلك كان حكمة، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ فيه تحذير أولئك الكفرة أن ينزل بهم بتكذيبهم الرسول، وسوء معاملتهم إياه، كما نزل بأولئك الكفرة المتقدمين بتكذيبهم الرسل، وسوء معاملتهم إياهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: أهلكنا من كان أشد قوة وبطشاً من هؤلاء، ثم لم يتهيأ لهم الامتناع لشدة قوتهم وبطشهم عما نزل بهم من العذاب، فعلى ذلك لو نزل لهؤلاء لم يتهيأ لهم الامتناع مع ضعفهم.

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً ﴾ وصف ذلك العذاب الذي نزل بهم؛ أي: ملك العذاب أشدّ منهم بطشاً؛ فلا يمتنع عمله؛ لبطشهم وقوتهم، أما إذا كان شدة العذاب وبطشه دون بطشهم ربما لا يعمل ولا يؤثر فيه؛ لذلك وصف العذاب بكونه أشد منهم بطشاً، وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ أي: صار عذاب الأولين عبرة وعظة ومثلا للمتأخرين، كقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

والثاني: ﴿ وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ أي: مضى عذاب الأولين، وهو عذاب الاستئصال؛ فلا يعذب هذه الأمة بمثل عذابهم؛ لفضل نبينا محمد - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - وبركته ورحمته وهو ما قال الله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ بفضله ورحمته أبقى هذه الأمة إلى يوم القيامة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أفنترك إنزال القرآن عليكم إعراضًا لأجل إكثاركم من الشرك والمعاصي؟

لا نفعل ذلك، بل الرحمة بكم تقتضي عكس هذا.

<div class="verse-tafsir" id="91.o940N"

مزيد من التفاسير لسورة الزخرف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله