الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٦ من سورة الزخرف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 68 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى - مسليا لنبيه في تكذيب من كذبه من قومه ، وآمرا له بالصبر عليهم - : ( وكم أرسلنا من نبي في الأولين ) أي : في شيع الأولين ، .
القول في تأويل قوله تعالى : وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ (6) يقول تعالى ذكره: (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ) يا محمد في القرون الأولين الذين مضوا قبل قرنك الذي بعثت فيه كما أرسلناك في قومك من قريش.
قوله تعالى : وكم أرسلنا من نبي في الأولين ( كم ) هنا خبرية والمراد بها التكثير ، والمعنى ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء .
كما قال : كم تركوا من جنات وعيون أي : ما أكثر ما [ ص: 60 ] تركوا .
يقول تعالى: إن هذه سنتنا في الخلق، أن لا نتركهم هملا، فكم { أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ } يأمرونهم بعبادة اللّه وحده لا شريك له، ولم يزل التكذيب موجودا في الأمم.
" وكم أرسلنا من نبي في الأولين "
«وكم أرسلنا من نبي في الأولين».
كثيرًا من الأنبياء أرسلنا في القرون الأولى التي مضت قبل قومك أيها النبي.
وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون كاستهزاء قومك بك، فأهلكنا مَن كذَّبوا رسلنا، وكانوا أشد قوة وبأسًا من قومك يا محمد، ومضت عقوبة الأولين بأن أهلِكوا؛ بسبب كفرهم وطغيانهم واستهزائهم بأنبيائهم.
وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.
ثم سلى - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن مكرهم فقال : ( وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الأولين ) و ( كَمْ ) هنا خبرية لإِفادة كثرة الأنبياء والمرسلين وهى مفعول مقدم لأرسلنا .
وقوله ( مِن نَّبِيٍّ ) تمييز لها .أى : ما أكثر الرسل الذين أرسلناهم فى الأمم الأولين لهدايتهم ، فكان موقف أكثر هؤلاء الأمم من رسلهم .
يدل على إعراضهم عنهم ، وتكذيبهم لهم ، فاصبر - أيها الرسول الكريم - على أذى قومك ، كما صبر الذين من قبلك .
اعلم أن قوله: ﴿ حم * والكتاب المبين ﴾ يحتمل وجهين: الأول: أن يكون التقدير هذه حام والكتاب المبين فيكون القسم واقعاً على أن هذه السورة هي سورة حام ويكون قوله: ﴿ إِنَّا جعلناه قُرْءَاناً عَرَبِيّاً ﴾ ابتداء لكلام آخر الثاني: أن يكون التقدير هذه حام.
ثم قال: ﴿ والكتاب المبين * إِنَّا جعلناه قُرْءَاناً عَرَبِيّاً ﴾ فيكون المقسم عليه هو قوله: ﴿ إِنَّا جعلناه قُرْءَاناً عَرَبِيّاً ﴾ وفي المراد بالكتاب قولان أحدهما: أن المراد به القرآن، وعلى هذا التقدير فقد أقسم بالقرآن أنه جعله عربياً الثاني: أن المراد بالكتاب الكتابة والخط أقسم بالكتابة لكثرة ما فيها من المنافع، فإن العلوم إنما تكاملت بسبب الخط فإن المتقدم إذا استنبط علماً وأثبته في كتاب، وجاء المتأخر ووقف عليه أمكنه أن يزيد في استنباط الفوائد، فبهذا الطريق تكاثرت الفوائد وانتهت إلى الغايات العظيمة، وفي وصف الكتاب بكونه مبيناً من وجوه: الأول: أنه المبين للذين أنزل إليهم لأنه بلغتهم ولسانهم والثاني: المبين هو الذي أبان طريق الهدى من طريق الضلالة وأبان كل باب عما سواه وجعلها مفصلة ملخصة.
واعلم أن وصفه بكونه مبيناً مجاز لأن المبين هو الله تعالى وسمي القرآن بذلك توسعاً من حيث إنه حصل البيان عنده.
أما قوله: ﴿ إِنَّا جعلناه قُرْءاناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه: الأول: أن الآية تدل على أن القرآن مجعول، والمجعول هو المصنوع المخلوق، فإن قالوا لم لا يجوز أن يكون المراد أنه سماه عربياً؟
قلنا هذا مدفوع من وجهين: الأول: أنه لو كان المراد بالجعل هذا لوجب أن من سماه عجمياً أن يصير عجمياً وإن كان بلغة العرب ومعلوم أنه باطل الثاني: أنه لو صرف الجعل إلى التسمية لزم كون التسمية مجعولة، والتسمية أيضاً كلام الله، وذلك يوجب أنه فعل بعض كلامه، وإذا صح ذلك في البعض صح في الكل الثاني: أنه وصفه بكونه قرآناً، وهو إنما سمي قرآناً لأنه جعل بعضه مقروناً بالبعض وما كان كذلك كان مصنوعاً معمولاً الثالث: أنه وصفه بكونه عربياً، وهو إنما كان عربياً لأن هذه الألفاظ إنما اختصت بمسمياتهم بوضع العرب واصطلاحاتهم، وذلك يدل على كونه معمولاً ومجعولاً والرابع: أن القسم بغير الله لا يجوز على ما هو معلوم فكان التقدير حام ورب الكتاب المبين، وتأكد هذا أيضاً بما روي أنه عليه السلام كان يقول يا رب طه وياس ويا رب القرآن العظيم والجواب: أن هذا الذي ذكرتموه حق، وذلك لأنكم إنما استدللتم بهذه الوجوه على كون هذه الحروف المتوالية والكلمات المتعاقبة محدثة مخلوقة، وذلك معلوم بالضرورة ومن الذي ينازعكم فيه، بل كان كلامكم يرجع حاصله إلى إقامة الدليل على ما عرف ثبوته بالضرورة.
المسألة الثانية: كلمة لعلّ للتمني والترجي وهو لا يليق بمن كان عالماً بعواقب الأمور، فكان المراد منها هاهنا: كي أي أنزلناه قرآناً عربياً لكي تعقلوا معناه، وتحيطوا بفحواه، قالت المعتزلة فصار حاصل الكلام إنا أنزلناه قرآناً عربياً لأجل أن تحيطوا بمعناه، وهذا يفيد أمرين أحدهما: أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض والدواعي والثاني: أنه تعالى إنما أنزل القرآن ليهتدي به الناس، وذلك يدل على أنه تعالى أراد من الكل الهداية والمعرفة، خلاف قول من يقول إنه تعالى أراد من البعض الكفر والإعراض، واعلم أن هذا النوع من استدلالات المعتزلة مشهور، وأجوبتنا عنه مشهورة، فلا فائدة في الإعادة، والله أعلم.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ يدل على أن القرآن معلوم وليس فيه شيء مبهم مجهول خلافاً لمن يقول بعضه معلوم وبعضه مجهول.
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي ﴿ أُمِّ الكتاب ﴾ بكسر الألف والباقون بالضم.
المسألة الثانية: الضمير في قوله: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ عائد إلى الكتاب الذي تقدم ذكره في ﴿ أُمِّ الكتاب لَدَيْنَا ﴾ واختلفوا في المراد بأم الكتاب على قولين: فالقول الأول: إنه اللوح المحفوظ لقوله: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ﴾ .
واعلم أن على هذا التقدير فالصفات المذكورة هاهنا كلها صفات اللوح المحفوظ.
الصفة الأولى: أنه أم الكتاب والسبب فيه أن أصل كل شيء أمه والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، ثم نقل إلى سماء الدنيا، ثم أنزل حالاً بحسب المصلحة، عن ابن عباس رضي الله عنه: إن أول ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق فالكتاب عنده فإن قيل وما الحكمة في خلق هذا اللوح المحفوظ مع أنه تعالى علاّم الغيوب ويستحيل عليه السهو والنسيان؟
قلنا إنه تعالى لما أثبت في ذلك أحكام حوادث المخلوقات، ثم إن الملائكة يشاهدون أن جميع الحوادث إنما تحدث على موافقة ذلك المكتوب، استدلوا بذلك على كمال حكمة الله وعلمه.
الصفة الثانية: من صفات اللوح المحفوظ قوله: ﴿ لَدَيْنَا ﴾ هكذا ذكره ابن عباس، وإنما خصه الله تعالى بهذا التشريف لكونه كتاباً جامعاً لأحوال جميع المحدثات، فكأنه الكتاب المشتمل على جميع ما يقع في ملك الله وملكوته، فلا جرم حصل له هذا التشريف، قال الواحدي، ويحتمل أن يكون هذا صفة القرآن والتقدير إنه لدينا في أم الكتاب.
الصفة الثالثة: كونه علياً والمعنى كونه عالياً عن وجوه الفساد والبطلان وقيل المراد كونه عالياً على جميع الكتب بسبب كونه معجزاً باقياً على وجه الدهر.
الصفة الرابعة: كونه حكيماً أي محكماً في أبواب البلاغة والفصاحة، وقيل حكيم أي ذو حكمة بالغة، وقيل إن هذه الصفات كلها صفات القرآن على ما ذكرناه والقول الثاني: في تفسير أم الكتاب أنه الآيات المحكمة لقوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيات محكمات هُنَّ أُمِّ الكتاب ﴾ ومعناه أن سورة حام واقعة في الآيات المحكمة التي هي الأصل والأم.
ثم قال تعالى: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وحمزة والكسائي ﴿ إِن كُنتُمْ ﴾ بكسر الألف تقديره: إن كنتم مسرفين لا نضرب عنكم الذكر صفحاً، وقيل (إن) بمعنى إذ كقوله تعالى: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ وبالجملة فالجزاء مقدم على الشرط، وقرأ الباقون بفتح الألف على التعليل أي لأن كنتم مسرفين.
المسألة الثانية: قال الفرّاء والزجاج يقول ضربت عنه وأضربت عنه أي تركته وأمسكت عنه وقوله: ﴿ صَفْحاً ﴾ أي إعراضاً والأصل فيه أنك توليت بصفحة عنقك وعلى هذا فقوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً ﴾ تقديره: أفنضرب عنكم إضرابنا أو تقديره أفنصفح عنكم صفحاً، واختلفوا في معنى الذكر فقيل معناه أفنرد عنكم ذكر عذاب الله، وقيل أفنرد عنكم النصائح والمواعظ، وقيل أفنرد عنكم القرآن، وهذا استفهام على سبيل الإنكار، يعني إنا لا نترك هذا الإعذار والإنذار بسبب كونكم مسرفين، قال قتادة: لو أن هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا ولكن الله برحمته كرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة إذا عرفت هذا فنقول هذا الكلام يحتمل وجهين: الأول: الرحمة يعني أن لا نترككم مع سوء اختياركم بل نذكركم ونعظكم إلى أن ترجعوا إلى الطريق الحق الثاني: المبالغة في التغليظ يعني أتظنون أن تتركوا مع ما تريدون، كلا بل نلزمكم العمل وندعوكم إلى الدين ونؤاخذكم متى أخللتم بالواجب وأقدمتم على القبيح.
المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: الفاء في قوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ ﴾ للعطف على محذوف تقديره أنهملكم فنضرب عنكم الذكر.
ثم قال تعالى: ﴿ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيّ فِي الأولين * وَمَا يَأْتِيهِم مّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ ﴾ والمعنى أن عادة الأمم مع الأنبياء الذين يدعونهم إلى الدين الحق هو التكذيب والاستهزاء، فلا ينبغي أن تتأذى من قومك بسبب إقدامهم على التكذيب والاستهزاء لأن المصيبة إذا عمت خفت.
ثم قال تعالى: ﴿ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً ﴾ يعني أن أولئك المتقدمين الذين أرسل الله إليهم الرسل كانوا أشد بطشاً من قريش يعني أكثر عدداً وجلداً، ثم قال: ﴿ ومضى مَثَلُ الأولين ﴾ والمعنى أن كفار مكة سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي مثل ما نزل بهم فقد ضربنا لهم مثلهم كما قال: ﴿ وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال ﴾ وكقوله: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال ﴾ ، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا يَأْتِيهِم ﴾ حكاية حال ماضية مستمرة، أي: كانوا على ذلك.
وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء قومه.
الضمير في ﴿ أَشَدَّ مِنْهُم ﴾ للقوم المسرفين، لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره عنهم ﴿ ومضى مَثَلُ الاولين ﴾ أي سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر قصتهم وحالهم العجيبة التي حقها أن تسير مسير المثل، وهذا وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعيد لهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ عَنِ اسْتِهْزاءِ قَوْمِهِ.
﴿ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ﴾ أيْ مِنَ القَوْمِ المُسْرِفِينَ لِأنَّهُ صَرَفَ الخِطابَ عَنْهم إلى الرَّسُولِ مُخْبِرًا عَنْهم.
﴿ وَمَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ ﴾ وسَلَفَ في القُرْآنِ قِصَّتُهُمُ العَجِيبَةُ، وفِيهِ وعْدٌ لِلرَّسُولِ ووَعِيدٌ لَهم بِمِثْلِ ما جَرى عَلى الأوَّلِينَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِى الأولين} أي كثيرا من الرسل ارسلنا الى من تقدمك
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ أنَّ إسْرافَ اَلْأُمَمِ اَلسّالِفَةِ لَمْ يَمْنَعْهُ تَعالى مِن إرْسالِ اَلْأنْبِياءِ إلَيْهِمْ وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ اِسْتِهْزاءِ قَوْمِهِ بِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ قِيلَ: اَلْبَلِيَّةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ، و”(كَمْ)“ مَفْعُولُ ﴿ أرْسَلْنا ﴾ و ﴿ فِي الأوَّلِينَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ صِفَةُ ﴿ نَبِيٍّ ﴾ وما يَأْتِيهِمْ إلَخْ لِلِاسْتِمْرارِ وضَمِيرُهُ لِلْأوَّلِينَ، <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً يعني: أفندع ونترك أن نرسل إليكم الوحي مبهماً، لا آمركم ولا أنهاكم.
وقال القتبي: معناه أن أمسك عنكم، فلا أذكركم إعراضاً.
يقال: صفحت عن فلان، إذا أعرضت عنه.
وقال مجاهد: معناه تكذبون بالقرآن، ولا تعاقبون فيه.
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ بنصب الألف.
وقرأ الباقون بالكسر.
فمن قرأ بالنصب، فمعناه: أفنضرب عنكم ذكر العذاب بأن أسرفتم، يعني: أشركتم وعصيتم.
ويقال أفنضرب عنكم ذكر العذاب، لأن أسرفتم وكفرتم ومن قرأ بالكسر، فمعناه إن كنتم قوماً مسرفين.
ويقال: هو على معنى الاستقبال، ومعناه إن تكونوا مسرفين، نضرب عنكم الذكر.
ثم قال عز وجل: وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ يعني: كم بعثنا من نبي في أمر الأمم الأولين، كما أرسلنا إلى قومك وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني: يسخرون منه قوله تعالى: فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً يعني: من كان أشد منهم قوة وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ يعني: سنة الأولين بالهلاك.
قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ يعني: المشركين مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ يعني: يقولون خلقهن الله تعالى، الذي هو العزيز في ملكه، العليم بخلقه، فزادهم الله تعالى في جوابهم.
فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً قرأ حمزة، والكسائي وعاصم مَهْداً، والباقون مَهاداً بالألف، يعني: قراراً للخلق وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا يعني: طرقاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ يعني: لكي تعرفوا طرقها من بلد إلى بلد، ويقال: لعلكم تهتدون يعني: لكي تعرفوا هذه النعم، وتأخذوا طريق الهدى، ثم ذكرهم النعم فقال عز وجل: وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاء بِقَدَرٍ يعني: بمقدار ووزن فَأَنْشَرْنا بِهِ يعني: أحيينا بالمطر بَلْدَةً مَيْتاً يعني: أرضاً ميتة، لا نبات فيها كَذلِكَ تُخْرَجُونَ أنتم من قبوركم.
قوله تعالى: وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها يعني: الأصناف كلها من النبات، والحيوان وغير ذلك وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ مَا تَرْكَبُونَ يعني: جعل لبني آدم من السفن، والإبل، والدواب، ما يركبون عليها ثم قال: لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ يعني: لتركبوا ظهور الأنعام، ولم يقل ظهورها؟
لأنه انصرف إلى المعنى، وهو جنس الأنعام ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ يعني: إذا ركبتم فتحمدوا الله تعالى وَتَقُولُوا عند ذلك سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا يعني: ذلل لنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ يعني: مطيعين.
وقال أهل اللغة: أنا مقر لك أي: مطيق لك.
ويقال: مقرنين أي: مالكين.
ويقال: ضابطين.
ثم قال: وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ يعني: راجعين إليه، في الآخرة.
وقد روى عثمان بن الأسود، عن مجاهد أنه قال: إذا ركب الرجل دابته، ولم يذكر اسم الله تعالى، ركب الشيطان من ورائه، ثم صك في قفاه، فإن كان يحسن الغناء، قال له: تغن، وإن كان لا يحسن الغناء، قال له تمن يعني: تكلم بالباطل.
وعن علي بن ربيعة أنه قال: كنت رديفاً لعلي بن أبي طالب-، -، فلما وضع رجله في الركاب، قال: بسم الله، فلمَّا استوى قال: الحمد لله، ثم قال: سُبْحَانَ الذى سخر لنا هذا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون.
<div class="verse-tafsir"
بمعنى مغفولاً عنه، أي: نتركه يَمُرُّ لا تؤخذون/ بقبوله ولا بتدبُّره، فكأَنَّ المعنى: أفنترككم سُدًى، وهذا هو منحى قتادةَ وغيره، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «إنْ كُنْتُمْ» بكسر الهمزة «١» ، وهو جزاءً دَلَّ ما تقدَّمه على جوابه، وقرأ الباقون بفتحها بمعنى: من أجل أَنْ، والإسراف في الآية هو كُفْرُهُمْ.
«وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ» أي: في الأُمَمِ الماضية، كقوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ وغيرهم.
«وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» أي: كما يستهزىء قومك بك، وهذه الآية تسلية للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وتهديد بأَنْ يصيبَ قريشاً ما أصاب مَنْ هو أَشَدُّ بَطْشاً منهم.
وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ أي: سلف أمرهم وسُنَّتُهُم، وصاروا عبرةً غَابِرَ الدَّهْرِ، أنشد صاحبُ «عنوان الدِّرَايَةِ» لشيخه أبي عبد اللَّه التَّمِيميِّ: [البسيط]
يَا وَيْحَ مَنْ غَرَّهُ دَهْرٌ فَسُرَّ بِهِ ...
لَمْ يَخْلُصِ الصَّفْوُ إلاَّ شِيبَ بِالْكَدَرِ
هُوَ الْحِمَامُ فَلاَ تُبْعِد زِيَارَتَه ...
وَلاَ تَقُلْ لَيْتَنِي مِنْهُ على حَذَرِ
انْظُرْ لِمَنْ بَادَ تَنْظُرْ آيَةً عَجَباً ...
وَعِبْرَةً لأولي الأَلْبَابِ وَالْعِبَرِ
أَيْنَ الألى جَنَبُوا خَيْلاً مُسَوَّمَةً ...
وَشَيَّدُوا إرَماً خَوْفاً مِنَ الْقَدَرِ
لَمْ تُغْنِهِمْ خَيْلُهُمْ يَوْماً وَإنْ كَثُرَتْ ...
وَلَمْ تُفِدْ إِرَمٌ لِلْحَادِثِ النُّكُرِ
بَادُوا فَعَادُوا حَدِيثاً إنَّ ذَا عَجَبٌ ...
مَا أَوْضَحَ الرَّشْدَ لَوْلاَ سَيِّىءُ النَّظَرِ
تَنَافَسَ النَّاسُ في الدُّنْيَا وَقَدْ عَلِمُوا ...
أنّ المقام بها كاللّمح بالبصر
انتهى.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)
وقوله سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ: الآيةُ ابتداءُ احتجاجٍ على قُرَيْشٍ/ يوجبُ عليهم التناقُضَ من حيث أَقرّوا بالخَالِقِ، وعَبَدُوا غيره، وجاءتِ العبارةُ عنِ اللَّه ب الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ليكونَ ذلك تَوْطِئَةً لما عَدَّدَ سبحانه من أوصافه التي ابتدأَ الإخبار بها، وقَطَعَهَا من الكلام الذي حكى معناه عن قُرَيْشٍ.
وقوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ الآية، هذه أوصافُ فِعْلٍ، وهي نِعَمٌ من اللَّه سبحانه على البَشَرِ، تقوم بها الحُجَّةُ على كُلِّ مُشْرِكٍ.
وقوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ليس هو مِنْ قَوْلِ المسئولين، بل هو ابتداء إخبارٍ من اللَّه تعالى.
وقوله سبحانه: وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءَ بِقَدَرٍ قيل: معناه: بقدر في الكفاية للصلاح لا إكثار فَيَفْسُدَ، ولا قِلَّة فيقصر بل غيثاً مُغِيثاً، وقيل: بِقَدَرٍ أي: بقضاء وحَتْمٍ، وقالت فرقة: معناه: بتقديرٍ وتحريرٍ، أي: قدر ماء معلوماً، ثم اختلف قائلُو هذه المقالة فقال بعضهم: ينزل في كلِّ عامٍ ماءً قَدْراً واحداً، لا يَفْضُلُ عامٌ عاماً، لكن يكثر مرّة هاهنا ومرة هاهنا، وقال بعضهم: بل ينزل تقديراً مَّا في عَامٍ، وينزل في آخرَ تقديراً مَّا، وينزل في آخر تقديراً آخرَ بِحَسَبِ ما سَبَقَ به قضاؤه لا إله إلا هو.
قُلْتُ: وبعض هذه الأقوالِ لا تُقَالُ من جهة الرأْيِ، بل لا بُدَّ لها من سَنَدٍ، وفَأَنْشَرْنا معناه: أَحْيَيْنَا يقال: نُشِرَ المَيِّتُ وأَنْشَرَهُ اللَّهُ، والأزواج هنا الأنواع من كلّ شيء، ومِنَ في قوله: مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ للتبعيض، والضمير في ظُهُورِهِ عائدٌ على/ النوع المركوبِ الذي وقَعَتْ عليه «ما» ، وقد، بَيَّنَتْ آية أخرى ما يقال عند ركوب الفُلْكِ، وهو: «بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ» [هود: ٤١] وإنما هذه خاصَّةٌ فيما يُرْكَبُ من الحيوان، وإنْ قَدَّرنا أَنَّ ذِكْر النعمة هو بالقَلْبِ، والتذكُّر بدء الراكِبُ ب سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا، وهو يرى نعمة اللَّه في ذلك وفي سواه ومُقْرِنِينَ أي:
مطيقين، وقال أبو حيَّان مُقْرِنِينَ: خبر كان، ومعناه غالبين ضابطين، انتهى، وهو بمعنى الأَوَّل، وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ أَمْرٌ بالإقرار بالبعث.
ت: وعن حمزة بن عمرو الأسلميِّ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «على ظَهْرِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ، فَإذَا رَكِبْتُمُوهَا فَسَمُّوا اللَّهَ» رواه ابن حِبَّان في «صحيحه» «١» ، انتهى من «السلاح» ، وينبغي لمن مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به ويُحْسِنَ إليه لينالَ بذلك رضا اللَّه تعالى، قال القُشَيْرِيُّ في «التحبير» : وينبغي لِلْعَبْدِ أنْ يكُونَ مُعَظِّماً لِرَبِّه، نَفَّاعاً لخلقه، خيراً في قومه، مُشْفِقاً على عباده فَإنَّ رأس المعرفة تعظيمُ أمر اللَّه سبحانه، والشفقَةُ على خَلْقِ اللَّه، انتهى، وروى مالكٌ في «المُوَطَّإ» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، فَخَرَجَ فَإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثرى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقَى فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإنَّ لَنَا في الْبَهَائِمِ أَجْرَاً؟!
/ فَقَالَ: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» «٢» .
قال أبو عُمَرَ في «التهميد» : وكذا في الإساءة إلى الحيوان إثْمٌ، وقد روى مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمر أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا، ولاَ هِيَ أَطْلَقَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» «٣» ، ثم أسند أبو عُمَرَ «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دخل حائطا من
سُورَةُ الزُّخْرُفِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حم ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [المُؤْمِنِ] .
﴿ والكِتابِ المُبِينِ ﴾ قَسَمٌ بِالقُرْآنِ.
﴿ إنّا جَعَلْناهُ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أنْزَلْناهُ.
وما بَعْدَ هَذا تَقَدَّمَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ٨٢، يُوسُفَ: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّهُ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ فِي أُمِّ الكِتابِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: في أصْلِ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ: أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَدَيْنا ﴾ أيْ: عِنْدَنا ﴿ لَعَلِيٌّ ﴾ أيْ: رَفِيعٌ.
وَفِي مَعْنى الحَكِيمِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مُحْكَمٌ، أيْ: مَمْنُوعٌ مِنَ الباطِلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: حاكِمٌ لِأهْلِ الإيمانِ بِالجَنَّةِ ولِأهْلِ الكُفْرِ بِالنّارِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، والمَعْنى: إنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ فَإنَّهُ عِنْدَنا شَرِيفٌ عَظِيمُ المَحَلِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: نُمْسِكُ عَنْكم فَلا نَذْكُرُكم صَفْحًا، أيْ: إعْراضًا، يُقالُ: صَفَحْتُ عَنْ فُلانٍ: إذا أعْرَضْتُ عَنْهُ، والأصْلُ في ذَلِكَ أنْ تُوَلِّيَهُ صَفْحَةَ عُنُقِكَ، قالَ كُثَيِّرٌ يَصِفُ امْرَأةً: صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ أيْ: مُعْرِضَةً بِوَجْهِها، يُقالُ؛ ضَرَبْتُ عَنْ فُلانٍ كَذا: إذا أمْسَكْتَهُ وأضْرَبْتَ عَنْهُ.
﴿ أنْ كُنْتُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "أنْ كُنْتُمْ" بِالنَّصْبِ، أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنْ كُنْتُمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا عَلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، أيْ: إنْ تَكُونُوا مُسْرِفِينَ نَضْرِبْ عَنْكُمُ الذِّكْرَ.
وَفِي المُرادِ بِالذِّكْرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ ذِكْرُ العَذابِ، فالمَعْنى: أفَنُمْسِكُ عَنْ عَذابِكم ونَتْرُكُكم عَلى كُفْرِكُمْ؟!
وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، فالمَعْنى: أفَنُمْسِكُ عَنْ إنْزالِ القُرْآنِ مِن أجْلِ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ؟!
وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.
وَقالَ قَتادَةُ: "مُسْرِفِينَ" بِمَعْنى مُشْرِكِينَ.
ثُمَّ أعَلَمَ نَبِيَّهُ أنِّي قَدْ بَعَثْتُ رُسُلًا فَكُذِّبُوا فَأهْلَكْتُ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أشَدَّ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن قُرَيْشٍ ﴿ بَطْشًا ﴾ أيْ: قُوَّةً ﴿ وَمَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: سَبَقَ وصْفُ عِقابِهِمْ فِيما أُنْزِلَ عَلَيْكَ.
وقِيلَ: سَبَقَ تَشْبِيهُ حالِ أُولَئِكَ بِهَؤُلاءِ في التَّكْذِيبِ، فَسَتَقَعُ المُشابَهَةُ بَيْنَهم في الإهْلاكِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ جَهْلِهِمْ حِينَ أقَرُّوا بِأنَّهُ خالِقُ السَّمَواتِ والأرْضِ ثُمَّ عَبَدُوا غَيْرَهُ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ؛ ثُمَّ الَّتِي تَلِيها مُفَسَّرَةٌ في [طَه: ٥٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ أيْ: لِكَيْ تَهْتَدُوا في أسْفارِكم إلى مَقاصِدِكم.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الزُخْرُفِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ والكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ أفَنَضْرِبُ عنكُمُ الذِكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾ ﴿ وَكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ في أوائِلِ السُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والكِتابِ" ﴾ خَفْضٌ بِواوِ القَسَمِ.
و ﴿ "المُبِينِ": ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "أبانَ" الَّذِي هو بِمَعْنى "بانَ"، أيْ: ظَهَرَ، فَلا يُحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعَدّى مَن "بانَ"، فَهَذا لابُدَ مِن مَفْعُولٍ تَقْدِيرُهُ: المُبِينُ الهُدى أوِ الشَرْعُ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْناهُ ﴾ مَعْناهُ: سَمَّيْناهُ وصَيَّرْناهُ، وهو إخْبارٌ عَلَيْهِ وقَعَ القَسَمُ، والضَمِيرُ فِي: ﴿ "جَعَلْناهُ" ﴾ عائِدٌ عَلى: "الكِتابِ"، و ﴿ "عَرَبِيًّا": ﴾ مَعْناهُ: بِلِسانِكم لِئَلّا يَبْقى لَكم عُذْرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ ﴾ : تَرَجٍّ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ البَشَرِ، أيْ: إذا أبْصَرَ المُبْصِرُ مِنَ البَشَرِ هَذا الفِعْلِ مِنّا تَرَجّى مِنهُ أنْ يَعْقِلَ الكَلامَ ويَفْهَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَإنَّهُ" ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْناهُ ﴾ ، وهَذا الإخْبارُ الثانِي واقِعٌ أيْضًا تَحْتَ القَسَمِ، و ﴿ "أُمِّ الكِتابِ": ﴾ اللَوْحُ المَحْفُوظُ، وهَذا فِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْقُرْآنِ وَتَرْفِيعٌ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، كَيْفَ هو في "أُمِّ الكِتابِ"؟
فَقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسَدِّيَّ وعَطِيَّةُ بْنُ سَعِيدٍ: القُرْآنُ بِأجْمَعِهِ فِيهِ مَنسُوخٌ، ومِنهُ كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ، وهُنالِكَ هو عَلِيٌّ حَكِيمٌ.
وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: إنَّما في اللَوْحِ المَحْفُوظِ ذِكْرُهُ ودَرَجَتُهُ ومَكانَتُهُ مِنَ العُلُوِّ والحِكْمَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فِي أُمِّ الكِتابِ" ﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأها بِكَسْرِ الهَمْزَةِ يُوسُفُ والِي العِراقِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أفَنَضْرِبُ"، ﴾ بِمَعْنى: أفَنَتْرُكُ، تَقُولُ العَرَبُ: أضْرَبَتْ عن كَذا وضَرَبَتْ إذا أعْرَضَتْ وتَرَكَتْهُ، و ﴿ "الذِكْرَ" ﴾ هو الدُعاءُ إلى اللهِ تَعالى والتَذْكِيرُ بِعَذابِهِ والتَخْوِيفُ مِن عِقابِهِ، وقالَ أبُو صالِحٍ: "الذِكْرُ" هُنا هو العَذابُ نَفْسُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ: "الذِكْرُ": القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "صَفْحًا" ﴾ انْتِصابُهُ كانْتِصابِ ﴿ صُنْعَ اللهِ ﴾ ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العَفْوِ والغَفْرِ لِلذَّنْبِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أفَنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم وتَخْوِيفَكم عَفْوًا عنكم وغَفْرًا لِإجْرامِكم أنْ كُنْتُمْ، أو مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ؟
هَذا لا يَصْلُحُ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: "صَفْحًا" أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: مَغْفُولًا عنهُ، أيْ نَتْرُكُهُ يَمُرُّ لا تَؤْخُذُونَ بِقَبُولِهِ ولا بِتَدَبُّرِهِ، ولا تُنَبَّهُونَ عَلَيْهِ، وهَذا المَعْنى نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ: تَمُرَّ الصَبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الغَضى ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها أيْ: تَمُرُّ مَغْفُولًا عنها، فَكَأنَّ هَذا المَعْنى: أفَنَتْرُكُكم سُدًى؟
وهَذا هو مَنحى قَتادَةَ وغَيْرِهِ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ وقَرَأ السَمِيطُ بْنُ عَمْرُو، والسُدُوسِيُّ: "صُفْحًا" بِضَمِّ الصادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنْ كُنْتُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وهو جَزاءٌ دَلَّ ما تَقَدَّمَ عَلى جَوابِهِ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ: "أنْ كُنْتُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، بِمَعْنى: مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إذْ كُنْتُمْ"، و"الإسْرافُ" في الآيَةِ: هو الكُفْرُ والضَلالُ البَعِيدُ في عِبادَةِ غَيْرِ اللهِ تَعالى والتَشْرِيكِ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ ﴾ الآياتُ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ، وذِكْرُهُ أُسْوَةٌ لَهُ ووَعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ بِأنْ يُصِيبَهم ما أصابَ مَن هو أشَدُّ بَطْشًا مِنهُمْ، و"الأوَّلُونَ": هُمُ الأُمَمُ الماضِيَةُ، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودٍ وغَيْرِهِمْ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ، والمُرادُ بِهِ: الخُصُوصُ فِيمَنِ اسْتَهْزَءُوا، وإلّا فَقَدَ كانَ في الأوَّلِينَ مَن لَمْ يَسْتَهْزِئْ، والضَمِيرُ فِي: "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: سَلَفَ أمْرَهم وسَنَتَّهُمْ، وصارُوا عِبْرَةً غابِرَ الدَهْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ الآيَةُ...
ابْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى قُرَيْشٍ يُوجِبُ عَلَيْهِمِ التَناقُضُ في أمْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ الخالِقَ المُوجِدَ لَهم ولِلسَّماواتِ والأرْضِ هو اللهُ تَعالى، وهم مَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَ أصْنامًا ويَدْعُونَها آلِهَتَهُمْ، ومُقْتَضى جَوابِ قُرَيْشٍ أنْ يَقُولُوا: "خَلَقَهُنَّ اللهُ"، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى المَعْنى، جاءَتِ العِبارَةُ عَنِ اللهِ بِـ"العَزِيزِ العَلِيمِ" لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِما عَدَّدَ بَعْدُ مِن أوصافِهِ الَّتِي ابْتَدَأ الإخْبارَ بِها وقَطَعَها مِنَ الكَلامِ الَّذِي حَكى مَعْناهُ عن قُرَيْشٍ.
<div class="verse-tafsir"
لما ذكر إسرافهم في الإعراض عن الإصغاء لدعوة القرآن وأعقبه بكلام موجه إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم تسلية عما يلاقيه منهم في خلال الإعراض من الأذى والاستهزاء بتذكيره بأن حاله في ذلك حال الرّسل من قبله وسنةُ الله في الأمم، ووعد للرّسول صلى الله عليه وسلم بالنصر على قومه بتذكيره بسنة الله في الأمم المكذّبة رسلَهم.
وجعل للتسلية المقام الأول من هذا الكلام بقرينة العدل عن ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة في قوله: ﴿ فأهلكنا أشد منهم ﴾ كما سيأتي، ويتضمن ذلك تعريضاً بزجرهم عن إسرافهم في الإعراض عن النظر في القرآن.
فجملة ﴿ وكم أرسلنا من نبيء ﴾ معطوفة على جملة ﴿ إنا جعلناه قرآناً عربياً ﴾ [الزخرف: 3] وما بعدها إلى هنا عطفَ القصة على القصة.
و ﴿ كَم ﴾ اسم دال على عدد كثير مُبهم، وموقع ﴿ كم ﴾ نصب بالمفعولية ل ﴿ أرسلنا ﴾ ، وهو ملتزَم تقديمه لأن أصله اسم استفهام فنقل من الاستفهام إلى الإخبار على سبيل الكناية.
وشاع استعماله في ذلك حتى صار الإخبار بالكثرة معنى من معاني ﴿ كَم ﴾ .
والداعي إلى اجتلاب اسم العدد الكثير أن كثرة وقوع هذا الحكم أدخلُ في زجرهم عن مثله وأدخل في تسلية الرّسول صلى الله عليه وسلم وتحصيل صبره، لأن كثرة وقوعه تؤذن بأنه سنة لا تتخلف، وذلك أزجر وأسلى.
و ﴿ الأولين ﴾ جمع الأوَّل، وهو هنا مستعمل في معنى الماضين السابقين كقوله تعالى: ﴿ ولقد ضَلّ قبلهم أكثر الأوَّلين ﴾ [الصافات: 71] فإنّ الذين أهلكوا قد انقرضوا بقطع النظر عمن عسى أن يكون خَلَفَهم من الأمم.
والاستثناء في قوله: ﴿ إلا كانوا به يستهزئون ﴾ استثناء من أحوال، أي ما يأتيهم نبيء في حال من أحوالهم إلا يُقارن استهزاؤهم إتيان ذلك النبي إليهم.
وجملة ﴿ وما يأتيهم من نبيء إلا كانوا به يستهزئون ﴾ في موضع الحال من ﴿ الأولين ﴾ ، وهذا الحال هو المقصود من الإخبار.
وجملة ﴿ فأهلكنا أشد منهم بطشاً ﴾ تفريع وتسبب عن جملة ﴿ وكم أرسلنا من نبيء في الأولين ﴾ .
وضمير ﴿ أشد منهم ﴾ عائد إلى قوم مسرفين الذين تقدم خطابهم فعدل عن استرسال خطابهم إلى توجيهه إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم لأن الغرض الأهم من هذا الكلام هو تسلية الرّسول ووعده بالنصر.
ويستتبع ذلك التعريضَ بالذين كذبوه فإنهم يبلغهم هذا الكلام كما تقدم.
ويظهر أن تغيير أسلوب الإضمار تبعاً لتغيير المواجهة بالكلام لا ينافي اعتبار الالتفات في الضمير لأن مناط الالتفات هو اتحاد مرجع الضميرين مع تأتِّي الاقتصار على طريقة الإضمار الأولى، وهل تغيير توجيه الكلام إلا تقوية لمقتضى نقل الإضمار، ولا تفوت النكتة التي تحصل من الالتفات وهي تجديد نشاط السامع بل تزداد قوة بازدياد مُقتضِياتها.
وكلام «الكشاف» ظاهر في أن نقل الضمير هنا التفات وعلى ذلك قرره شارحوه، ولكن العلامة التفتزاني قال: ومِثل هذا ليس من الالتفات في شيء ا ه.
ولعله يرى أن اختلاف المواجهة بالكلام الواقع فيه الضّميران طريقة أخرى غير طريقة الالتفات، وكلام «الكشاف» فيه احتمال، وخصوصيات البلاغة واسعة الأطراف.
والذين هم أشد بطشاً مِن كفار مكّة: هم الذين عُبر عنهم ب ﴿ الأوَّلين ﴾ ووصفوا بأنهم يستهزئون بمن يأتيهم من نَبيء.
وهذا ترتيب بديع في الإيجاز لأن قوله: ﴿ فأهلكنا أشد منهم بطشاً ﴾ يقتضي كلاماً مطوياً تقديره: فلا نعجز عن إهلاك هؤلاء المسرفين وهم أقل بطشاً.
وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿ وكأيّن من قريةٍ هي أشد قوةً من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ﴾ [محمد: 13].
والبطش: الإضرار القويّ.
وانتصب ﴿ بطشاً ﴾ على التمييز لنسبة الأشدّيّة.
و ﴿ مثل الأولين ﴾ حالهم العجيبة.
ومعنى ﴿ مضى ﴾ : انقرض، أي ذهبوا عن بكرة أبيهم، فمُضِيُّ المثَل كناية عن استئصالهم لأن مُضي الأحوال يكون بمضي أصحابها، فهو في معنى قوله تعالى: ﴿ فقُطع دابر القوم الذين ظلموا ﴾ [الأنعام: 45].
وذكر ﴿ الأولين ﴾ إظهار في مقام الإضمار لتقدم قوله: ﴿ في الأولين ﴾ .
ووجه إظهاره أن يكون الإخبار عنهم صريحاً وجارياً مجرَى المثَل.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الزُّخْرُفِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ والكِتابِ المُبِينِ ﴾ الكِتابُ هو القُرْآنُ: وفي تَسْمِيَتِهِ مُبِينًا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهُ بَيِّنُ الحُرُوفِ، قالَهُ أبُو مُعاذٍ.
الثّانِي: لِأنَّهُ بَيِّنُ الهُدى والرُّشْدِ والبَرَكَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَيَّنَ فِيهِ أحْكامَهُ وحَلالَهُ وحَرامَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي هَذا مَوْضِعُ القَسَمِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ورَبِّ الكِتابِ.
الثّانِي: أنَّهُ القَسَمُ بِالكِتابِ، ولِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِن خَلْقِهِ.
وَجَوابُ القَسَمِ ﴿ إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إنّا أنْزَلْناهُ عَرَبِيًّا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: إنّا قُلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: إنّا بَيَّنّاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
وَمَعْنى العَرَبِيِّ أنَّهُ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جُعِلَ عَرَبِيًّا لِأنَّ لِسانَ أهْلِ السَّماءِ عَرَبِيٌّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ كِتابُهُ بِلَسانِ قَوْمِهِ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَفْهَمُونَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ هَذا القَوْلُ خاصًّا بِالعَرَبِ دُونَ العَجَمِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: يَتَفَكَّرُونَ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ خِطابًا عامًّا لِلْعَرَبِ والعَجَمِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: جُمْلَةُ الكِتابِ.
الثّانِي: أصْلُ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.
الثّالِثُ: أنَّها الحِكْمَةُ الَّتِي نَبَّهَ اللَّهُ عَلَيْها جَمِيعَ خَلْقِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفي ﴿ الكِتابِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ; قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ اللَّهِ فِيهِ ما سَيَكُونُ مِن أفْعالِ العِبادِ مُقابِلَ يَوْمَ القِيامَةِ بِما تَرْفَعُهُ الحَفَظَةُ مِن أعْمالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَفِي المُكَنّى عَنْهُ أنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ ما يَكُونُ مِنَ الخَلْقِ مِن طاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ وإيمانٍ أوْ كُفْرٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: رَفِيعٌ عَنْ أنْ يُنالَ فَيُبَدَّلَ.
حَكِيمٌ أيْ مَحْفُوظٌ مِن نَقْصٍ أوْ تَغْيِيرٍ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن قالَ أنَّهُ ما يَكُونُ مِنَ الطّاعاتِ والمَعاصِي.
الثّانِي: أنَّهُ عَلِيٌّ في نَسْخِهِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكُتُبِ، وحَكِيمٌ أيْ مُحْكَمُ الحُكْمِ فَلا يُنْسَخُ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن قالَ أنَّهُ القُرْآنُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أفَحَسِبْتُمْ أنْ نَصْفَحَ ولَمّا تَفْعَلُونَ ما أمَرْتُمْ بِهِ؟
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِالقُرْآنِ ولا نُعاقِبُكم فِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أيْ نُهْمِلُكم فَلا نُعَرِّفُكم بِما يَجِبُ عَلَيْكم، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الرّابِعُ: أنْ نَقْطَعَ تَذْكِيرَكم بِالقُرْآنِ: وإنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ: قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنْ نَوْعِدَ ولا نُؤاخِذَ، ونَقُولَ فَلا نَفْعَلَ.
﴿ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُشْرِكِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مُسْرِفِينَ في الرَّدِّ.
وَمَعْنى صَفْحًا أيْ إعْراضًا، يُقالُ صَفَحْتُ عَنْ فُلانٍ أيْ أعْرَضْتُ عَنْهُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأصْلُ فِيهِ إنَّكَ تُوَلِّيهِ صَفْحَةَ عُنُقِكَ.
قالَ كُثَيِّرٌ في صِفَةِ امْرَأةٍ صَفْحٌ فَما تَلْقاكَ إلّا بِخِيلَةً فَمَن قَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلُ قَلَّتْ أيْ تُعْرِضُ عَنْهُ بِوَجْهِها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سُنَّةُ الأوَّلِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: عُقُوبَةُ الأوَّلِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: عِبْرَةُ الأوَّلِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: خَبَرُ الأوَّلِينَ أنَّهم أُهْلَكُوا بِالتَّكْذِيبِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ﴾ قال: أحسبتم أن نصفح عنكم ولم تفعلوا ما أمرتم به؟
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ﴾ قال: تكذبون بالقرآن ثم لا تعاقبون عليه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ﴾ قال: والله لو أن هذا القرآن رفع حيث رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله تعالى عاد عليهم بعائدته ورحمته، فكرره عليهم ودعاهم إليه.
وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة، عن الحسن رضي الله عنه قال: لم يبعث الله رسولاً إلا أن أنزل عليه كتاباً، فإن قبله قومه، وإلا رُفِعَ، فذلك قوله: ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً إن كنتم قوماً مسرفين ﴾ لا تقبلونه، فيلقنه قلب نبيه.
قالوا: قبلناه ربنا قبلناه ربنا ولو لم يفعلوا، لَرُفِعَ ولم يترك منه شيء على ظهر الأرض.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومضى مثل الأوّلين ﴾ قال: عقوبة الأولين.
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ صفحاً أن كنتم ﴾ بنصب الألف ﴿ جعل لكم الأرض مهداً ﴾ بنصب الميم بغير ألف.
وأخرج ابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية ﴿ وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ﴾ أن تقولوا: الحمد لله الذي منّ علينا بمحمد عبده ورسوله، ثم تقولوا: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ .
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا سافر ركب راحلته ثم «كبر ثلاثاً ثم قال: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ » .
وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه وابن جرير والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن علي رضي الله عنه أنه أتى بدابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله ثلاثاً والله أكبر ثلاثاً ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ سبحانك لا إله إلا أنت قد ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك فقلت: مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟
قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت، ثم ضحك فقلت يا رسول الله: مم ضحكت؟
فقال: «يعجب الرب من عبده إذا قال: رب اغفر لي، ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري» .
وأخرج أحمد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه على دابته، فلما استوى عليها «كبر ثلاثاً وهلل الله وحده ثم ضحك ثم قال: ما من امرئ مسلم يركب دابته، فيصنع ما صنعت، إلا أقبل الله يضحك إليه، كما ضحكت إليك» .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن محمد بن حمزة بن عمر الأسلمي، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فوق ظهر كل بعير شيطان، فإذا ركبتموه فاذكروا اسم الله، ثم لا تقصروا عن حاجاتكم» .
وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على ذروة كل بعير شيطان، فامتهنوهن بالركوب، فإنما يحمل الله» .
وأخرج ابن سعد وأحمد والبغوي والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن أبي لاس الخزاعي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليه إذا ركبتموه كما أمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله» .
وأخرج ابن المنذر عن شهر بن حوشب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ﴾ قال: نعمة الإِسلام.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن أبي مجلز رضي الله عنه قال: رأى حسين بن علي رضي الله عنه رجلاً يركب دابة، فقال: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ قال: أو بذلك أمرت؟
قال: فكيف أقول؟
قال: الحمد لله الذي هدانا للإِسلام، الحمد لله الذي منَّ علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الحمد لله الذي جعلني في خير أمة أخرجت للناس، ثم تقول: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن طاوس رضي الله عنه، أنه كان إذ ركب دابة قال: بسم الله اللهم هذا من مَنِّكَ وفضلك علينا، فلك الحمد ربنا ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ قال: الإِبل والخيل والبغال والحمير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ قال: مطيقين.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ قال: لا في الأيدي ولا في القوّة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سليمان بن يسار رضي الله عنه أن قوماً كانوا في سفر، فكانوا إذا ركبوا قالوا: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ وكان فيهم رجل له ناقة رازم فقال: أما أنا فأنا لهذه مقرن، فقمصت به، فصرعته فاندقت عنقه.
والله أعلم.
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وجعلوا له من عباده جزءاً ﴾ قال: عدلاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعلوا له من عباده جزءاً ﴾ قال: ولداً وبنات من الملائكة.
وفي قوله: ﴿ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ قال: ولداً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ قال: حزين.
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ بنصب الضاد.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ قال: الجواري جعلتموهن للرحمن ولداً ﴿ فكيف تحكمون ﴾ [ الصافات: 154] .
وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ قال: هن النساء، فرق بين زيهن وزي الرجال، ونقصهن من الميراث، وبالشهادة، وأمرهن بالقعدة، وسماهن الخوالف.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ قال: جعلوا لله البنات ﴿ وإذا بشر أحدهم ﴾ بهن ﴿ ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ حزين.
وأما قوله: ﴿ وهو في الخصام غير مبين ﴾ قال: قلما تكلمت امرأة تريد أن تتكلم بحجتها، الا تكلمت بالحجة عليها.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ مخففة الياء.
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ينشأ في الحلية ﴾ مخففة منصوبة الياء مهموزة.
وأخرج عبد بن حميد، عن أبي العالية رضي الله عنه أنه سئل عن الذهب للنساء، فقال لا بأس به.
يقول الله: ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد أشد من قومك بطشًا (١) قال ابن عباس: يعني: أكبر عددًا وأظهر جَلدًا (٢) ﴿ أَشَدَّ مِنْهُمْ ﴾ منتصب على الحال، وفيه تخويف لكفار مكة، والكناية في (منهم) تعود إلى المشركين الذين خاطبهم بقوله: (أفنضرب عنكم الذكر صفحًا)، كنى عنهم بعد أن خاطبهم (٣) قوله تعالى: ﴿ وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ﴾ قال الكلبي: سنة الأولين ممن أهلك، وهو قول مجاهد (٤) قال مقاتل: يعني: سنة الأولين في العقوبة حين كذبوا رسلهم (٥) وقال قتادة: عقوبة الأولين (٦) وقال ابن عباس: يريد: وسبق ما أنزل الله في القرون الأولين قوم نوح وعاد وثمود (٧) قال أهل المعاني (٨) ﴿ وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ﴾ ، وكقوله: {وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} إلى قوله: ﴿ الْأَمْثَالَ ﴾ والمعنى: سبق فيما أنزلنا إليك بشبه حال الكفار الماضية بحال هؤلاء في التكذيب، ولما أهلكوا هؤلاء بتكذيبهم، فعاقبة هؤلاء أيضًا الإهلاك لأنهم أشباه بعضهم لبعض، وأما قول المفسرين في تفسير قوله: (مثل الأولين) عقوبتهم وسنتهم (٩) ثم ذكر أن هؤلاء مع شركهم وكفرهم يقرون بما هو الحجة عليهم فقال: (١) ذكر ابن الجوزي أن المراد: قريش، ولم ينسبه، انظر: "زاد المسير" 7/ 303، وقال البغوي 7/ 206: أي: أقوى من قومك، وقال القرطبي: الكناية في ﴿ مِنْهُمْ ﴾ ترجع إلى المشركين المخاطبين بقوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ﴾ فكنى عنهم بعد أن خاطبهم 16/ 63.
(٢) قال القرطبي 16/ 64: أقوى من هؤلاء المشركين في أبدانهم وأتباعهم.
ولم ينسبه.
(٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 63.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 51، "تنوير المقباس" ص 489.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 789.
(٦) "تفسير الطبري" 13/ 51 فقد أخرجه عن قتادة، ونسبه القرطبي لقتادة، انظر: "الجامع" 16/ 64.
(٧) لم أقف عليه، وكذا رسمها في الأصل، ولعل الصواب: (الأولى).
(٨) لم أقف عليه.
(٩) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 51، "تفسير الثعلبي" 10/ 79 أ، "تفسير البغوي" 7/ 206، "تفسير الماوردي" 5/ 216.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً ﴾ الهمزة للإنكار والمعنى: أنمسك عنكم الذكر، ونضرب من قولك: أضربت عن كذا: إذا تركته، والذكر يراد به: القرآن، أو التذكير، والوعظ.
وصفحاً فيه وجهان: أحدهما أنه بمعنى الإعراض، تقول صفحت عنه إذا أعرضت عنه؛ فكأنه قال: أنترك تذكيركم إعراضاً عنكم؟
وإعراب صفحاً على هذا مصدر من المعنى، أو مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال، والآخر أن يكون بمعنى العفو والغفران، فكأنه يقول: أنمسك عنكم الذكر عفواً عنكم وغفراناً لذنبوكم؟
وإعراب صفحاً على هذا مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال ﴿ أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ﴾ قرأ نافع وحمزة والكسائي بكسر الهمزة على الشرط، والجواب في الكلام الذي قبله، وقرأ الباقون بالفتح على أنه مفعول من أجله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ في إم الكتاب ﴾ بكسر الهمزة: حمزة وعلي ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع وعلي وحمزة وخلف.
الآخرون: بالفتح أي لأن كنتم ﴿ مهداً ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف وروح.
الباقون ﴿ مهاد ﴾ ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد.
﴿ يخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.
الآخرون: من الإخراج ﴿ ينشأ ﴾ من باب التفعيل: حمزة وعلي وخلف وحفص.
الباقون: بالتخفيف والياء مفتوحة والنون ساكنة ﴿ عباد الرحمن ﴾ جمع عبد أو عابد: أبو عمرو وعاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ﴿ عند الرحمن ﴾ بالنون كقوله ﴿ فالذين عند ربك ﴾ الآخرون: ﴿ عبيد الرحمن ﴾ ﴿ أو شهدوا ﴾ بقلب همزة الإشهاد واواً مضمومة: ورش وإسماعيل.
وقرأ يزيد وقالون مثله ولكن بالمد.
وقرأ المفضل بتحقيق الهمزتين.
الباقون: بهمزة واحدة للاستفهام والشين مفتوحة ﴿ قال أولو ﴾ بالألف: ابن عامر وحفص والمفضل ﴿ جئناكم ﴾ يزيد.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ لأن القسم متعلق بما قبله وهو هذه ﴿ حم ﴾ ﴿ تعقلون ﴾ ه ج ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ مسرفين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده وصف ولو كان نصباً أو رفعاً على المدح فالوقف ﴿ تهتدون ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ج للالتفات مع الفاء ﴿ ميتاً ﴾ ج لانقطاع النظم مع تعلق التشبيه ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تركبون ﴾ ه لا ﴿ مقرنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ لمنقلبون ﴾ ه ﴿ جزءاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ بالبنين ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ خلقهم ﴾ ط ﴿ ويسئلون ﴾ ه ﴿ ما عبدناهم ﴾ ط ﴿ يحرصون ﴾ ه ط ﴿ مستمسكون ﴾ ه ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ مقتدون ﴾ ه ﴿ آباءكم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه.
التفسير: أقسم بجنس الكتاب أو بالقرآن الظاهر الإعجاز أو المفصح عن كل حكم يحتاج المكلف إليه أنه جعل القرآن بلغة العرب ليعقلوه.
وفي نسبة الجعل إلى نفسه إشارة إلى أنه ليس بمفترى كما زعمه الكفرة.
وقيل: أراد ورب الكتاب وقيل: الكتاب اللوح المحفوظ.
وقال ابن بحر: هو الخط أقسم به تعظيماً لنعمته فيه، وقال ابن عيسى: البيان ما يظهر به المعنى للنفس عند الإدراك بالبصر والسمع وذلك على خمسة أوجه: لفظ وخط وإشارة وعقد وهيئة، كالأعراض وتكليح الوجه.
وأم الكتاب بكسر الهمزة وبضمها اللوح المحفوظ لأنه أصل كل كتاب والتقدير: وإنه لعلي حكيم في أم الكتاب لدينا.
والعلو علو الشأن في البلاغة والإرشاد وغير ذلك والحكيم المشتمل على الحكمة.
ثم أنكر على مشركي قريش بقوله ﴿ أفنضرب ﴾ قال جار الله: أراد أنهملكم فنضرب ﴿ عنكم الذكر ﴾ يقال: ضرب عنه الذكر إذا أمسك عنه وأعرض عن ذكره من ضرب في الأرض.
إذا أبعد و ﴿ صفحاً ﴾ مصدر من غير لفظ الفعل والأصل فيه أن تولي الشيء صفحة عنقك، وجوز جار الله أن يكون بمعنى جانباً من قولهم: " نظر إليه بصفح وجهه " فينتصب على الظرف ويكون الذكر بمعنى الوعظ والقرآن والفحوى أفننحيه عنكم.
وقيل: ضرب الذكر رفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن من بين أظهركم إشراككم مع علمنا بأنه سيأتي من يقبله ويعمل به.
قال السدي: أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم وهو قريب من الأول.
وقيل: الذكر هو أن يذكروا بالعقاب ولا يخلوا من مناسبة لقوله ﴿ فأهلكنا أشد منهم بطشاً ﴾ ومن قرأ ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر فكقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي.
يخيل في كلامه أن تفريطه في الخروج عن عهدة الأجر فعل من يشذ في الاستحقاق مع تحققه في الخارج.
ثم سلى نبيه بقوله ﴿ وكم أرسلنا ﴾ الآيتين.
قوله ﴿ أشد منهم ﴾ قيل: "من" زائدة والمراد أشدهم ﴿ بطشاً ﴾ كعاد وثمود وقيل: الضمير لقوم رسول الله وأصله أشد منكم إلا أنه ورد على طريقة الالتفات كقوله ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ﴾ قوله ﴿ ومضى مثل الأولين ﴾ أي سلف ذكرهم وقصتهم العجيبة في القرآن غير مرة ويحتمل أن يكون معناه كقوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ ثم بين بقوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ أن كفرهم كفر عناد ولجاج لأنهم يعرفون الله ثم ينكرون رسوله وكتابه وقدرته على البعث.
وهذه الأوصاف من كلام الله لا من قول الكفار بدليل قوله ﴿ لكم ﴾ ولم يقل " لنا " ولقوله ﴿ فأنشرنا ﴾ والمراد لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه وقد مر في "طه" مثله.
وقوله ﴿ تهتدون ﴾ أي في الأسفار أو إلى الإيمان بالنظر والاعتبار.
وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي بمقدار الحاجة لا مخرباً مغرقاً كما في الطوفان.
وقوله ﴿ ميتاً ﴾ تذكيره بتأويل المكان.
والأزواج الأصناف وقد مر في قوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج ﴾ والعائد إلى ما في قوله ﴿ ما تركبون ﴾ محذوف فلك أن تقدره مؤنثاً أو مذكراً باعتبارين.
قال في الكشاف: يقال: ركبت الأنعام وركبت في الفلك إلا أنه غلب المتعدي بغير واسطة على المتعدي بواسطة.
قلت: يجوز أن يكون كقوله "ويوم شهدناه" والضمير في ظهوره عائد إلى ما.
والاستواء في الآية بمعنى التمكن والاستقرار وذكر النعمة بالقلب ويحتمل كونه باللسان وهو تقديم الحمد لله.
يروى أن النبي كان إذا وضع رجله في الركاب قال: الحمد لله على كل حال ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا ﴾ إلى قوله ﴿ لمنقلبون ﴾ وكبر ثلاثاً وهلل ثلاثاً.
وإذا ركب في السفينة قال ﴿ بسم الله مجريها ومرساها إِن ربي لغفور رحيم ﴾ ومعنى ﴿ مقرنين ﴾ مطيقين أو ضابطين مع صعوبة خلقه وخلقه.
وقيل: لا يطيق أن يقرن بعضها ببعض حتى يسيرها إلى حيث يريد ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ أي في آخر عمرنا كأنه يتذكر ركوب الجنازة أو عثور الدابة أو انكسار السفينة فليستعد للقاء الله عز وجل بخلاف من يركب الخيول والزوارق لأجل التنزه والاشتغال بالملاهي والمناهي فيكون غافلاً عن المبدأ والمعاد.
عن بعضهم أنه أدخل في البحر ههنا خلاف ما في "الشعراء" لأن ركوب الدابة أو السفينة أو الجنازة عام لكل أحد.
وما في "الشعراء" خاص بالسحرة.
ثم عاد إلى ما انجر الكلام منه وهو قوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والمقصود التنبيه على سخافة عقولهم وقلة محصولهم فإنهم مع الإقرار بأن خالق السموات والأرض هو الله جعلوا له من عباده جزءاً أي أثبتوا له ولداً، وذلك أن ولد الرجل جزء منه.
قال : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" " وفي قوله ﴿ من عباده ﴾ إشارة إلى أن ما عداه ممكن الوجود فإن الولد متأخر في الوجود عن الأب والمتأخر عن الواجب ممكن، والممكن مفتقر إلى الواجب في الوجود والبقاء والذات والصفات.
وقيل: هو إنكار على مثبتي الشركاء لأنهم جعلوا بعض العبادة لغير الله، وفيه نوع تكلف.
والكفور البليغ الكفران لأنه يجحد ربه وخالقه ولا يجتهد في تنزيهه وتقديسه.
وحين وبخهم على إثبات الولد زاد في توبيخهم وتجهيلهم والتعجيب من حالهم حيث جعلوا ذلك الولد بنتاً مع أنها مكروهة عندهم فقال ﴿ أم اتخذ مما يخلق ﴾ وفائدة تنكير ﴿ بنات ﴾ وتعريف البنين كما مر في آخر السورة المتقدمة في تنكير ﴿ إناثاً ﴾ وتعريف ﴿ الذكور ﴾ } [الشورى: 49] وقوله ﴿ بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ أي بالجنس الذي جعله شبهاً لله لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، والمراد أنه إذا بشر بالأنثى كما سبق في "النحل" اغتم ويسود وجهه وملىء غيظاً وكرباً.
ثم زاد في الإنكار بتعديد طرف من نقصان الإناث قائلاً ﴿ أو من ينشأ ﴾ والتقدير أهو كضده.
قال جار الله: تقديره أو يجعل للرحمن من الولد من له هذه الصفة الدنيئة الذميمة وهي أنه يربى أو يتربى في الزينة والنعومة، وهو إذا احتاج إلى المخاصمة لا يبين ولا يعرب عما في ضميره لعجزه عن البيان ولقلة عقله.
قالت العقلاء: قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تعرب عن حجتها إلا نطقت بما هو حجة عليها.
وفيه أن النشء في الزينة والإمعان في التنعم من خصائص ربات الحجال لا من خواص الرجال.
وإنما ينبغي أن يكون تلبسهم بلباس التقوى وتزينهم باستعداد الزاد للدار الأخرى.
ثم خصص أن البنات التي نسبن إليه من أي جنس من بعدما عمم في قوله ﴿ مما يخلق ﴾ فقال ﴿ وجعلوا ﴾ أي سموا ﴿ الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ وفي إثبات العبودية لهم نفي الجزئية عنهم كما مر آنفاً.
وقوله ﴿ أشهدوا خلقهم ﴾ كقوله ﴿ ما أشهدتم خلق السموات والأرض ﴾ وفيه تهكم بهم لأنه لم يدل على ذلك عقل ولا نقل صحيح فلم يبق إلا الإخبار عن المشاهدة يعني مشاهدتهم خلق الله إياهم أو مشاهدة صور الملائكة.
ثم أوعدهم بقوله ﴿ ستكتب شهادتهم ﴾ على أنوثية الملائكة ﴿ ويسئلون ﴾ ثم حكى نوعا آخر من كفرهم وشبهاتهم وهو أنهم ﴿ قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ أي الملائكة والأصنام نظير ما مر في آخر الأنعام { ﴿ سيقول الذين أشركوا ﴾ واستدلال المعتزلة به ظاهر لأنه ذمهم بقوله ﴿ ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ﴾ أجاب الزجاج عنه بأن قوله ﴿ ما لهم بذلك من علم ﴾ عائد إلى قولهم الملائكة بنات الله، والمراد لو شاء الرحمن ما أمرنا بعبادتهم كقولهم { ﴿ والله أمرنا بهم ﴾ فلهذا أنكر الله عليهم قاله الواحدي في بسيطه.
وقيل: قالوها استهزاء، وزيفه جار الله بأنه لا يتمشى في أقوالهم المتقدمة وإلا كانوا صادقين مؤمنين.
وجعل هذا الأخير وحده مقولاً على وجه الهزء دون ما قبله تعويج لكتاب الله.
وتمام البحث بين الفريقين مذكور في " الأنعام " وإنما قال في الجاثية ﴿ إن هم إلا يظنون ﴾ لأن هذا كذب محض وهناك خلطوا الصدق بالكذب، صدقوا في قولهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ وكذبوا في قولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ وكانوا شاكين في أمر البعث، ثم زاد في الإنكار عليهم بقوله ﴿ أم آتيناهم كتاباً من قبله ﴾ أي من قبل القرآن أو الرسول ﴿ فهم به مستمسكون ﴾ ثم أضرب عن ذلك وأخبر أنه لا مستند لهم في عقائدهم وأقوالهم الفاسدة الا التقليد.
والأمة الدين والطريقة التي تؤم أي تقصد.
ثم سلى نبيه بأن هذا دأب أسلافهم وداء قديم في جهال بني آدم.
وإنما قال أولاً ﴿ مهتدون ﴾ وبعده ﴿ مقتدون ﴾ لأن العرب كانوا يخاصمون رسول الله ويزعمون الاهتداء، ولعل الأمم قبلهم لم يزعموا إلا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء.
ثم أخبر أن النذير ﴿ قال ﴾ أو أمر النذير أو محمداً أن يقول ﴿ أو لو جئتكم ﴾ أي أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم فاصروا على التكذيب ولم يقبلوا فانتقم الله منهم.
ثم بين بقصة إبراهيم أن القول بالتقليد يوجب المنع من التقليد، وذلك أن إبراهيم كان أشرف آباء العرب وأنه ترك دين الآباء لأجل الدليل، فلو كانوا مقلدين لآبائهم وجب أن يتبعوه في الاعتماد على الدليل لا على مجرد التقليد.
والبراء بالفتح مصدر أي ذو براء.
وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ قيل: متصل، وكان فيهم من يعبد الله مع الأصنام.
وقيل: منقطع بمعنى لكن، ويحتمل أن يكون مجروراً بدلاً من ما أي إلا من الذي وجوز في الكشاف أن تكون "إلا" صفة بمعنى غير و "ما" موصوفة تقديره إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني ﴿ فإنه سيهدين ﴾ أي يثبتني على الهداية أو يرشدني إلى طريق الجنة، ولا ريب أن قوله ﴿ إنني براء مما تعبدون ﴾ بمنزلة لا إله وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ بمثابة " إلا الله " وهي كلمة التوحيد فلذلك أنّث الضمير في قوله ﴿ وجعلها ﴾ أي وجعل إبراهيم أو الله ﴿ كلمة ﴾ التوحيد ﴿ باقية في عقبه ﴾ فلا يزال في ذريته من يوحد الله عز وجل ويدعو إلى توحيده نظيره ﴿ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ﴾ ﴿ لعلهم ﴾ أي لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد أو عن الشرك بدعاء الموحدين منهم.
ثم أضرب عن رجاء الرجوع منهم إلى أن تمتيعهم بالعمر وسعة الرزق صار سبباً لعظم كفرهم وشدة عنادهم.
قال جار الله: أراد بل اشتغلوا عن التوحيد ﴿ حتى جاءهم الحق ﴾ وهو القرآن ﴿ ورسول مبين ﴾ الرسالة واضحها فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها من غفلتهم لاقتضائها التنبيه.
ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق قائلاً ﴿ ولما جاءهم الحق ﴾ جاؤا بما هو شر من غفلتهم وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق ومكابرة الرسول وإنكار القرآن والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ .
قال قتادة: هو اسم السورة.
وقال غيره: ﴿ حـمۤ ﴾ قضى ما هو كائن، وقد ذكرناه.
وقوله: ﴿ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ .
قال قتادة مبين بركته وهداه ورشده.
وقال بعضهم: مبين بين الحلال والحرام، [و]ما يؤتى وما يتقى.
وقال بعضهم: مبين بين الحق والباطل.
وهو عندنا مبين بأنه من الله - - ليس هو من تأليف البشر، ولا من توليدهم، ولكنه من الله حيث عجزوا عن إتيان مثله، والله الموفق.
وقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ، كأنه يقول: جعلنا ذلك الكتاب عربيّاً لعلكم تعقلون.
وقيل: ﴿ جَعَلْنَاهُ ﴾ أي: أنزلناه قرآناً عربيّاً.
قيل: ﴿ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً ﴾ أي: سميناه قرآنا، ليس أن جعله قرآنا، ولكن معناه: جعلناه عربيّاً، أي: نظمناه بالعربية؛ لتعقلوا، أو سميناه: قرآنا.
ثم قوله - -: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: أي: أنزلناه عربيّاً على رجاء أن تعقلوا.
والثاني: أنزلناه عربيّاً لتعقلوا، وذلك يرجع إلى قوم مخصوصين قد عقلوه وفهموه؛ إذ لم يعقلوه جميعاً، ولا يتصور أن ينزله ليعقلوه ولا يعقلوه، فإن ما أراد الله - - [يكون] لا محالة، وما فعل ينفعل؛ قال الله - -: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .
والثالث: أنزلناه عربيّاً لكي يلزمهم أن يعقلوه ويتبعوه؛ ليزول عذرهم والاحتجاج على الله - - أنه كان على غير لساننا، والله أعلم.
وعلى هذا يخرج تأويل "لعل" في جميع القرآن أنه للتحقيق إذا كان من الله .
فإن قيل: فعلى التأويل الأخير، كيف يخرج قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ لا يستقيم أن يقال: لكي يلزمكم أن تفلحوا؟
قيل: معناه: لكي يلزمكم السبب الذي به تفلحون، وهو مباشرة الإيمان والطاعات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ .
قوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ ﴾ يرجع إلى وجهين: أحدهما: أي: القرآن في أصل الكتاب، وبه أقول، وهو اللوح المحفوظ، وأم الشيء: أصله ويسمى أم القرى مكة؛ لهذا.
والثاني: أي: القرآن في الكتب المتقدمة، فإن الأمهات سميت: أمهات؛ لتقدمها على الولد، وهو كقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ .
قال ابن عباس: أي: هو أعلى الكتب وأحكمها وأعدلها.
وقال بعضهم: وصف كتابه بالعظمة والمنزلة والشرف عنده.
وقوله: ﴿ حَكِيمٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: حكيم بمعنى: محكم؛ كقوله - -: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: بالحجج والبراهين.
والثاني: سماه: حكيماً؛ لما جعل فيه من الحكمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ﴾ اختلف في الذكر: قال بعضهم: القرآن.
وقال بعضهم: الرسول.
وقال بعضهم: العذاب والعقوبة.
واختلف في قوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً ﴾ : قال بعضهم: أفنترك ونذر الذكر سدى ﴿ أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ﴾ أي: لأنكم كذا، ولأجل أنكم كذا.
وقال بعضهم: أفنترك الوحي لا نأمركم بشيء، ولا ننهاكم عن شيء، ولا نرسل إليكم رسولا.
وقال بعضهم: ﴿ أَفَنَضْرِبُ ﴾ أي: أفنذهب عنكم بهذا القرآن سدى، لا تسألون، ولا تعاقبون على تكذيبكم إياه.
وقال بعضهم: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ﴾ أي: فيمسك عنكم فلا يذكركم ﴿ صَفْحاً ﴾ أي: إعراضاً؛ وهو قول القتبي؛ يقول: صفحت عن فلان: أي: أعرضت عنه، وأصل ذلك أنك توليه صفحتك، يقال ضربت وأضربت عن فلان: أي: أمسكته.
وقال أبو عوسجة: ﴿ أَفَنَضْرِبُ ﴾ أي: مسكت؛ ضربت وأضربت، أي: مسكت.
وقوله: ﴿ صَفْحاً ﴾ أي: ردّاً؛ يقال: سألني فلان حاجة فصفحته صفحاً؛ أي: رددته، والله أعلم.
وبعضه قريب من بعض.
ثم الأصل عندنا أن الذكر يحتمل ما قالوا فيه من المعاني الثلاثة: القرآن، والرسول، والعذاب؛ لكن لا يحتمل قوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً ﴾ أن يخرج على الابتداء على غير تقدم النوازل؛ لأنه لا يبتدأ بمثله.
ثم النوازل يحتمل أن كان منهم قول يقولون: يا محمد، لو كان ما تقوله أنت: إنه من عند الله وإنك رسوله، فكيف أنزل الكتاب أو أرسل الرسول إلينا على علم منه أنا نكذبه ونرده ولا نقبله، ومن علم من الملوك في الشاهد أنه يكذب رسوله ولا يقبل، لا يبعث الرسول، فكيف بعثك رسولا إلينا، أو أنزله عليك، أو بعثك رسولا فكذبناه وكذبناك، ورددناه ورددناك، فلا يرفعه ويرفعك دون تركه فينا؟
فيقول الله - تبارك وتعالى - جواباً لهم وردّاً لقولهم: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ﴾ يقول: إنا لا نترككم سدى وإن علمنا منكم التكذيب والرد للرسول والوحي، ولا يمنعنا ذلك عن إنزاله إليكم، وتركه فيكم، ولا يحملنا ذلك على رفعه من بينكم؛ بل نأمركم وننهاكم وإن كنتم تكذبونه ولا تقبلونه؛ وهذا لما ذكرنا في غير موضع أن حرف الاستفهام من الله - - يخرج على الإيجاب والتحقيق.
وقوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ ﴾ أي: لا نترك إنزاله وإرساله وإن علمنا منكم التكذيب، وهو كقوله - : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\]، وقوله: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ﴾ ، أي: لا يترك سدى، ولا تحسبون أنا إنما خلقناكم عبثاً، فعلى ذلك قوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً ﴾ فإن كان الذكر هو القرآن أو الرسول، فالتأويل: أنه وإن علم منكم الردّ والتكذيب، فلا يمنعه ذلك عن إنزاله عليكم، وبعثه رسولا إليكم، و[إن] أنكرتم وإن كذبتموه ورددتموه فلا يحمله ذلك على رفعه من بينكم بشرككم وكفركم، وهو كما ذكر في قوله: ﴿ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ، أي: إنا وإن علمنا من أوائلكم التكذيب للرسل والكتاب، فلا يمنعنا ذلك عن إنزاله عليكم وبعثه إليكم؛ فعلى ذلك أنتم وإن علمنا منكم تكذيب الرسول وكتابه، لا يمنعنا ذلك عن إرساله وإنزاله؛ ليلزمكم الحجة، أو لعل فيكم من يصدقه ويؤمن به، أو غيركم يؤمن به ويصدقه وإن كذبتم أنتم.
هذا إن كان تأويل الذكر: رسولا أو كتاباً، وإن كان تأويل الذكر: العذاب، فيصير كأنه يقول: أفنترك تعذيبكم أو نمسك عنه ولا نعاقبكم وأنتم قوم مسرفون، أي: مشركون، على ما ذكر على إثره العذاب؛ حيث قال: ﴿ فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً ﴾ أي: قوة، معناه: عذبناهم بالتكذيب مع شدة بطشهم وقوتهم وأنتم دونهم لا تعذبون؟
بل تعذبون، والله أعلم.
وعن قتادة يقول: لو أن هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة، لهلكوا، لكن الله - - بفضله ورحمته كرره عليهم، ودعاهم إليه كذا كذا سنة وما شاء الله .
وعن الحسن قال: لم يبعث الله نبيّاً إلا أنزل عليه كتاباً، فإن قبله قومه وإلا رفع، فذلك قوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ﴾ لا تقبلونه، فتلقته قلوب بقية، فقالوا: قبلناه ربنا قبلناه، لو لم يفعلوا ذلك رفع، ولم يترك على ظهر الأرض منه شيء.
ثم القراءة العامة ﴿ أَن كُنتُمْ ﴾ منصوبة الألف بمعنى: إذ كنتم، ويقرأ - أيضاً - ﴿ إن كنتم ﴾ مكسورة على "إن" الشرط ومعناه: لا نتركه ولا نمسك عن إنزاله وإن كنتم قوماً مسرفين مشركين.
وقوله: ﴿ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ : فيه دعاء الرسول إلى الصبر بما يعامله قومه؛ حيث ذكر له أن من أرسل من الرسل الذين كانوا قبله عاملهم قومهم من الاستهزاء بهم والأذى لهم مثل معاملة قومك إياك، فصبروا على ذلك، فاصبر أنت على أذى قومك إياك وسوء معاملتهم، والله أعلم.
وفيه أنه يرسل الرسول وإن علم منهم أنهم يكذبونه، وكذا ينزل الكتاب وإن علم منهم أنهم يردونه ولا يقبلونه؛ لأنه ليس يرسل الرسول ولا ينزل الكتب لمنفعة نفسه، ولا لدفع المضرة عن نفسه، ولكن إنما يرسل وينزل لمنفعتهم، ولدفع المضرة عن أنفسهم، فسواء عليه أن قبلوه أو ردوه، وليس كملوك الأرض إذا أرسلوا رسولا وكتاباً إلى من يعلمون أنهم يكذبون رسلهم ويردون كتابهم، يكونون سفهاء؛ لأنهم إنما يرسلون لحاجة أنفسهم؛ أو لدفع المضرة؛ فحيث لم يحصل غرضهم؛ بل يلحقهم بذلك ضرر وزيادة صدّ له واستخفاف، لم يكن ذلك حكمة، بل يكون سفهاً، فأمّا الله - وتعالى - إذا لم يرسل وينزل لجرّ النفع ودفع الضرر؛ بل لإلزام الحجة وإزالة العذر، ونحو ذلك كان حكمة، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ فيه تحذير أولئك الكفرة أن ينزل بهم بتكذيبهم الرسول، وسوء معاملتهم إياه، كما نزل بأولئك الكفرة المتقدمين بتكذيبهم الرسل، وسوء معاملتهم إياهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: أهلكنا من كان أشد قوة وبطشاً من هؤلاء، ثم لم يتهيأ لهم الامتناع لشدة قوتهم وبطشهم عما نزل بهم من العذاب، فعلى ذلك لو نزل لهؤلاء لم يتهيأ لهم الامتناع مع ضعفهم.
والثاني: أن يكون قوله: ﴿ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً ﴾ وصف ذلك العذاب الذي نزل بهم؛ أي: ملك العذاب أشدّ منهم بطشاً؛ فلا يمتنع عمله؛ لبطشهم وقوتهم، أما إذا كان شدة العذاب وبطشه دون بطشهم ربما لا يعمل ولا يؤثر فيه؛ لذلك وصف العذاب بكونه أشد منهم بطشاً، وهو كقوله - -: ﴿ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ أي: صار عذاب الأولين عبرة وعظة ومثلا للمتأخرين، كقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .
والثاني: ﴿ وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ أي: مضى عذاب الأولين، وهو عذاب الاستئصال؛ فلا يعذب هذه الأمة بمثل عذابهم؛ لفضل نبينا محمد - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - وبركته ورحمته وهو ما قال الله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ بفضله ورحمته أبقى هذه الأمة إلى يوم القيامة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وكم بعثنا من نبي في الأمم السابقة.
<div class="verse-tafsir" id="91.Z2qQX"