الإسلام > القرآن > سور > سورة 45 الجاثية > الآية ١٣ من سورة الجاثية
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 60 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣ من سورة الجاثية: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض ) أي : من الكواكب والجبال ، والبحار والأنهار ، وجميع ما تنتفعون به ، أي : الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه ; ولهذا قال : ( جميعا منه ) أي : من عنده وحده لا شريك له في ذلك ، كما قال تعالى : ( وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ) [ النحل : 53 ] .
وروى ابن جرير من طريق العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ) كل شيء هو من الله ، وذلك الاسم فيه اسم من أسمائه ، فذلك جميعا منه ، ولا ينازعه فيه المنازعون ، واستيقن أنه كذلك .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني ، حدثنا الفرياني ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن أبي أراكة قال : سأل رجل عبد الله بن عمرو قال : مم خلق الخلق ؟
قال : من النور والنار ، والظلمة والثرى .
قال وائت ابن عباس فاسأله .
فأتاه فقال له مثل ذلك ، فقال : ارجع إليه فسله : مم خلق ذلك كله ؟
فرجع إليه فسأله ، فتلا ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ) هذا أثر غريب ، وفيه نكارة .
( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )
القول في تأويل قوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) يقول تعالى ذكره: ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ) من شمس وقمر ونجوم ( وَمَا فِي الأرْضِ ) من دابة وشجر وجبل وجماد وسفن لمنافعكم ومصالحكم ( جَمِيعًا مِنْهُ ).
يقول تعالى ذكره: جميع ما ذكرت لكم أيها الناس من هذه النعم, نعم عليكم من الله أنعم بها عليكم, وفضل منه تفضّل به عليكم, فإياه فاحمدوا لا غيره, لأنه لم يشركه في إنعام هذه النعم عليكم شريك, بل تفرّد بإنعامها عليكم وجميعها منه, ومن نعمه فلا تجعلوا له في شكركم له شريكا بل أفردوه بالشكر والعبادة, وأخلصوا له الألوهة, فإنه لا إله لكم سواه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) يقول: كل شيء هو من الله, وذلك الاسم فيه اسم من أسمائه, فذلك جميعا منه, ولا ينازعه فيه المنازعون, واستيقن أنه كذلك.
وقوله ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن في تسخير الله لكم ما أنبأكم أيها الناس أنه سخره لكم فى هاتين الآيتين (لآيَاتٍ) يقول: لعلامات ودلالات على أنه لا إله لكم غيره, الذي أنعم عليكم هذه النعم, وسخر لكم هذه الأشياء التي لا يقدر على تسخيرها غيره لقوم يتفكرون في آيات الله وحججه وأدلته, فيعتبرون بها ويتعظون إذا تدبروها, وفكَّروا فيها.
وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ؛ يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسان منه وإنعام .
وقرأ ابن عباس والجحدري وغيرهما ( جميعا منة ) بكسر الميم وتشديد النون وتنوين الهاء ، منصوبا على المصدر .
قال أبو عمرو : وكذلك سمعت مسلمة يقرؤها ( منة ) أي : تفضلا وكرما .
وعن مسلمة بن محارب أيضا ( جميعا منه ) على إضافة المن إلى هاء الكناية .
وهو عند أبي حاتم خبر ابتداء محذوف ، أي : ذلك ، أو هو منه .
وقراءة الجماعة ظاهرة .
إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون
{ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ } أي: من فضله وإحسانه، وهذا شامل لأجرام السماوات والأرض ولما أودع الله فيهما من الشمس والقمر والكواكب والثوابت والسيارات وأنواع الحيوانات وأصناف الأشجار والثمرات وأجناس المعادن وغير ذلك مما هو معد لمصالح بني آدم ومصالح ما هو من ضروراته، فهذا يوجب عليهم أن يبذلوا غاية جهدهم في شكر نعمته وأن تتغلغل أفكارهم في تدبر آياته وحكمه ولهذا قال: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } وجملة ذلك أن خلقها وتدبيرها وتسخيرها دال على نفوذ مشيئة الله وكمال قدرته، وما فيها من الإحكام والإتقان وبديع الصنعة وحسن الخلقة دال على كمال حكمته وعلمه، وما فيها من السعة والعظمة والكثرة دال على سعة ملكه وسلطانه، وما فيها من التخصيصات والأشياء المتضادات دليل على أنه الفعال لما يريد، وما فيها من المنافع والمصالح الدينية والدنيوية دليل على سعة رحمته، وشمول فضله وإحسانه وبديع لطفه وبره، وكل ذلك دال على أنه وحده المألوه المعبود الذي لا تنبغي العبادة والذل والمحبة إلا له وأن رسله صادقون فيما جاءوا به، فهذه أدلة عقلية واضحة لا تقبل ريبا ولا شكا.
( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ) ومعنى تسخيرها أنه خلقها لمنافعنا .
فهو مسخر لنا من حيث إنا ننتفع به ( جميعا منه ) فلا تجعلوا لله أندادا ، قال ابن عباس : " جميعا منه " ، كل ذلك رحمة منه .
قال الزجاج : كل ذلك تفضل منه وإحسان .
( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) .
«وسخر لكم ما في السماوات» من شمس وقمر ونجوم وماء وغيره «وما في الأرض» من دابة وشجر ونبات وأنهار وغيرها أي خلق ذلك لمنافعكم «جميعاً» تأكيد «منه» حال، أي سخرها كائنة منه تعالى «إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» فيها فيؤمنون.
وسخَّر لكم كل ما في السموات من شمس وقمر ونجوم، وكل ما في الأرض من دابة وشجر وسفن وغير ذلك لمنافعكم، جميع هذه النعم منة من الله وحده أنعم بها عليكم، وفضل منه تَفضَّل به، فإياه فاعبدوا، ولا تجعلوا له شريكًا.
إنَّ فيما سخره الله لكم لعلامات ودلالات على وحدانية الله لقوم يتفكرون في آيات الله وحججه وأدلته، فيعتبرون بها.
وقوله - تعالى - : ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ .
.
) تعميم بعد تخصيص .أى : يسر لكم الانتفاع بما فى البحر من خيرات ، ويسر لكم - أيضاً - الانتفاع بكل ما فى السماوات والأرض من نعم لا تعد ولا تحصى ، وكلها منه - تعالى - وحده ، لا من أحد سواه .فقوله : ( جَمِيعاً ) حال من ( وَمَا فِي الأرض ) ، أو تأكيد له .
والضمير فى قوله - ( مِّنْهُ ) - يعود إلى الله - عز وجل - ، والجار والمجرور حال من ( مَا ) أيضا ، أى : جميعا كائنا منه - تعالى - لا من غيره .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى ( مِّنْهُ ) فى قوله : ( جَمِيعاً مِّنْهُ ) ؟
وما موقعها من الإِعراب؟قلت : هى واقعة موقع الحال .
والمعنى : أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده .
يعنى أنه مكونها وموجدها بقدرته وحكمته ، ثم سخرها لخلقه ، ويجوز أن يكون خبر لمبتدأ محذوف تقديره : هى جميعا منه .( إِنَّ فِي ذَلِكَ ) المذكور من تسخير البحر وما فى السماوات والأرض لكم ( لآيَاتٍ ) ساطعات ، وعلامات واضحات ، ودلائل بينات ، على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وفضله ( لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) فى هذه النعم ، ويحسنون شكرها .وخص المتفكرين بالذكر ، لأنهم هم الذين ينتفعون بما بين أيديهم من نعم ، إذ بالتفكر السليم ينتقل العاقل من مرحلة الظن ، إلى مرحلة اليقين ، التى يجزم معها بأن المستحق للعبادة والحمد ، إنما هو الله رب العالمين .
اعلم أنه تعالى ذكر الاستدلال بكيفية جريان الفلك على وجه البحر وذلك لا يحصل إلا بسبب تسخير ثلاثة أشياء أحدها: الرياح التي تجري على وفق المراد ثانيها: خلق وجه الماء على الملاسة التي تجري عليها الفلك ثالثها: خلق الخشبة على وجه تبقى طافية على وجه الماء ولا تغوص فيه.
وهذه الأحوال الثلاثة لا يقدر عليها واحد من البشر، فلابد من موجد قادر عليها وهو الله سبحانه وتعالى، وقوله: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ معناه إما بسبب التجارة، أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان، أو لأجل استخراج اللحم الطري.
ثم قال تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السموات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مّنْهُ ﴾ والمعنى لولا أن الله تعالى أوقف أجرام السموات والأرض في مقارها وأحيازها لما حصل الانتفاع، لأن بتقدير كون الأرض هابطة أو صاعدة لم يحصل الانتفاع بها، وبتقدير كون الأرض من الذهب والفضة أو الحديد لم يحصل الانتفاع، وكل ذلك قد بيناه، فإن قيل ما معنى ﴿ مِنْهُ ﴾ في قوله: ﴿ جَمِيعاً مّنْهُ ﴾ ؟
قلنا معناه أنها واقعة موقع الحال، والمعنى أنه سخّر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده يعني أنه تعالى مكونها وموجودها بقدرته وحكمته ثم مسخرها لخلقه، قال صاحب الكشاف قرأ سلمة بن محارب منه على أن يكون منه فاعل سخر على الإسناد المجازي أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ذلك منه أو هو منه.
واعلم أنه تعالى لم علم عباده دلائل التوحيد والقدرة والحكمة، أتبع ذلك بتعليم الأخلاق الفاضلة والأفعال الحميدة بقوله: ﴿ قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ والمراد بالذين لا يرجون أيام الله الكفار، واختلفوا في سبب نزول الآية قال ابن عباس ﴿ قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ﴾ يعني عمر ﴿ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ يعني عبد الله بن أُبي، وذلك أنهم نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر يقال لها المريسيع، فأرسل عبد الله غلامة ليستقي الماء فأبطأ عليه، فلما أتاه قال له ما حبسك؟
قال غلام عمر قعد على طرف البئر فما ترك أحد يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر وملأ لمولاه، فقال عبد الله ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل سمن كلبك يأكلك، فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه، فأنزل الله هذه الآية، وقال مقاتل شتم رجل من كفار قريش عمر بمكة فهم أن يبطش به فأمر الله بالعفو والتجاوز وأنزل هذه الآية.
وروى ميمون بن مهران أن فنحاص اليهودي لما أنزل قوله: ﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا ﴾ قال احتاج رب محمد، فسمع بذلك عمر فاشتمل على سيفه وخرج في طلبه، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى رده، وقوله: ﴿ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ قال ابن عباس لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عقاب الأمم الخالية، وذكرنا تفسير أيام الله عند قوله: ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله ﴾ وأكثر المفسرين يقولون إنه منسوخ، وإنما قالوا ذلك لأنه يدخل تحت الغفران أو لا يقتلوا، فما أمر الله بهذه المقاتلة كان نسخاً، والأقرب أن يقل إنه محمول على ترك المنازعة في المحقرات على التجاوز عما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية والأفعال الموحشة.
ثم قال تعالى: ﴿ لِيَجْزِىَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ أي لكي يجازي بالمغفرة قوماً يعملون الخير، قإن قيل: ما الفائدة في التنكير في قوله: ﴿ ليجزي قَوْماً ﴾ مع أن المراد بهم هم المؤمنون المذكورون في قوله: ﴿ قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ﴾ ؟
قلنا التنكير يدل على تعظيم شأنهم كأنه قيل: ليجزي قوماً وأي قوم من شأنهم الصفح عن السيئات والتجاوز عن المؤذيات وتحمل الوحشة وتجرع المكروه، وقال آخرون معنى الآية قل للمؤمنين يتجاوزوا عن الكفار، ليجزي الله الكفار بما كانوا يكسبون من الإثم، كأنه قيل لهم لا تكافئوهم أنتم حتى نكافئهم نحن، ثم ذكر الحكم العام فقال: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ ﴾ وهو مثل ضربه الله للذين يغفرون ﴿ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ﴾ مثل ضربه للكفار الذين كانوا يقدمون على إيذاء الرسول والمؤمنين وعلى ما لا يحل، فبيّن تعالى أن العمل الصالح يعود بالنفع العظيم على فاعله، والعمل الردئ يعود بالضرر على فاعله، وأنه تعالى أمر بهذا ونهى عن ذلك لحظ العبد لا لنفع يرجع إليه، وهذ ترغيب منه في العمل الصالح وزجر عن العمل الباطل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ بالتجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان واستخراج اللحم الطري وغير ذلك من منافع البحر.
فإن قلت: ما معنى ﴿ مِّنْهُ ﴾ في قوله: ﴿ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ وما موقعها من الإعراب، قلت: هي واقعة موقع الحال، والمعنى: أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده، يعني: أنه مكوّنها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم مسخرها لخلقه.
ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هي جميعاً منه، وأن يكون ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ﴾ تأكيداً لقوله تعالى: ﴿ سَخَّرَ لَكُم ﴾ ثم ابتدئ قوله: ﴿ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الارض جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ وأن يكون ﴿ وَمَا فِي الأرض ﴾ مبتدأ، و ﴿ مِّنْهُ ﴾ خبره.
وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ منة ﴾ وقرأ سلمة بن محارب: منه، على أن يكون منه فاعل سخر على الإسناد المجازي.
أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك.
أو هو منه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ ﴾ بِأنْ جَعَلَهُ أمْلَسَ السَّطْحِ يَطْفُو عَلَيْهِ ما يَتَخَلْخَلُ كالأخْشابِ ولا يَمْنَعُ الغَوْصَ فِيهِ.
﴿ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ﴾ بِتَسْخِيرِهِ وأنْتُمْ راكِبُوها.
﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ التِّجارَةَ والغَوْصَ والصَّيْدَ وغَيْرَها.
﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ هَذِهِ النِّعَمَ.
﴿ وَسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ بِأنْ خَلَقَها نافِعَةً لَكم.
﴿ مِنهُ ﴾ حالٌ مِن ما أيْ سَخَّرَ هَذِهِ الأشْياءَ كائِنَةً مِنهُ، أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هي جَمِيعًا مِنهُ، أوْ لِ ما في السَّماواتِ وسَخَّرَ لَكم تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ لِ ما في الأرْضِ، وقُرِئَ مِنهُ عَلى المَفْعُولِ لَهُ ومِنهُ عَلى أنَّهُ فاعِلُ سَخَّرَ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في صَنائِعِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض جميعا} هو تأكيد مافى السموات وهو مفعول سَخَّرَ وقيل جَمِيعاً نصب على الحال {مِّنْهُ} حال أي سخر هذه الأشياء كائنة منه حاصلة من عنده أو خبر مبتدأ محذوف أي هذه العم كلها منه أو صفة للمصدر أي تسخيراً منه {إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ أيْ مِنَ اَلْمَوْجُوداتِ بِأنْ جَعَلَ فِيها مَنافِعَ لَكم مِنها ظاهِرَةٌ ومِنها خَفِيَّةٌ، وعَقَّبَ بِالتَّفَكُّرِ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ اَلتَّفَكُّرَ هو اَلَّذِي يُؤَدِّي إلى ما ذُكِرَ مِنَ اَلْأوْلَوِيَّةِ ويَدُلَّ بِهِ عَلى أنَّ اَلتَّفَكُّرَ مِلاكُ اَلْأمْرِ في تَرْتِيبِ اَلْغَرَضِ عَلى ما جُعِلَ آيَةً مِنَ اَلْإيمانِ والإيقانِ والشُّكْرِ ﴿ جَمِيعًا ﴾ حالٌ مِن ﴿ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ أوْ تَوْكِيدٌ لَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنهُ ﴾ حالٌ مِن ذَلِكَ أيْضًا، والمَعْنى سَخَّرَ هَذِهِ اَلْأشْياءَ جَمِيعًا كائِنَةً مِنهُ وحاصِلَةً مِن عِنْدِهِ يَعْنِي أنَّهُ سُبْحانَهُ مُكَوِّنُها ومُوجِدُها بِقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ ثُمَّ مُسَخِّرُها لِخَلْقِهِ.
وجُوِّزَ فِيهِ أوْجُهٌ أُخَرُ.
اَلْأوَّلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَقِيلَ (جَمِيعًا) حِينَئِذٍ حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في اَلْجارِّ والمَجْرُورِ بِناءً عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ اَلْحالِ عَلى مِثْلِ هَذا اَلْعامِلِ أوْ مِنَ اَلْمُبْتَدَأِ بِناءً عَلى تَجْوِيزِ اَلْحالِ مِنهُ أيْ هي جَمِيعًا مِنهُ تَعالى وقِيلَ: جَمِيعًا عَلى ما كانَ ويُلاحَظُ في تَصْوِيرِ اَلْمَعْنى فالضَّمِيرُ اَلْمُبْتَدَأُ يُقَدَّرُ بَعْدَهُ ويُعْتَبَرُ رُجُوعُهُ إلى ما تَقَدَّمَ بِقَيْدِ جَمِيعًا، والجُمْلَةُ عَلى اَلْقَوْلَيْنِ اِسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَخَّرَ ﴾ أيْ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أوْجَدَها ثُمَّ سَخَّرَها لا أنَّها حَصَلَتْ لَهُ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِهِ كالمُلُوكِ، اَلثّانِي أنْ يُجْعَلَ ﴿ ما في السَّماواتِ ﴾ مُبْتَدَأً ويَكُونَ هو خَبَرُهُ و ﴿ جَمِيعًا ﴾ حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في اَلْجارِّ والمَجْرُورِ اَلْواقِعِ صِلَةً ويَكُونُ ﴿ وسَخَّرَ لَكُمْ ﴾ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ أيْ سَخَّرَ وسَخَّرَ، وفي اَلْعَطْفِ إيماءٌ إلى أنَّ اَلتَّسْخِيرَ اَلثّانِيَ كَأنَّهُ غَيْرُ اَلْأوَّلِ دَلالَةً عَلى أنَّ اَلْمُتَفَكِّرَ كُلَّما فَكَّرَ يَزْدادُ إيمانًا بِكَمالِ اَلتَّسْخِيرِ والمِنَّةِ عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ﴿ ما في السَّماواتِ ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِمَزِيدِ بَيانِ اَلْقُدْرَةِ والحِكْمَةِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ اَلتَّأْكِيدُ اَللُّغَوِيُّ فَهو لا يَخْلُو مِنَ اَلضَّعْفِ لِأنَّ عَطْفَ مِثْلِهِ في اَلْجُمَلِ غَيْرُ مَعْهُودٍ، وإنْ أُرِيدَ اَلتَّأْكِيدُ اَلِاصْطِلاحِيُّ كَما قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ فَهو مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ اِبْنُ مالِكٍ في اَلتَّسْهِيلِ مِن أنَّ عَطْفَ اَلتَّأْكِيدِ يَخْتَصُّ بِثُمَّ، وقالَ اَلرَّضِيُّ: يَكُونُ بِالفاءِ أيْضًا وهو هَهُنا بِالواوِ ولَمْ يُجَوِّزْهُ أحَدٌ مِنهم وإنْ لَمْ يَذْكُرُوا وجْهَ اَلْفَرْقِ عَلى أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في اَلْمَعانِي أنَّهُ لا يَجْرِي في اَلتَّأْكِيدِ اَلْعَطْفُ مُطْلَقًا لِشِدَّةِ اَلِاتِّصالِ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ فِيهِ حَذْفُ مَفْعُولِ ﴿ سَخَّرَ ﴾ مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ وهَذا كَما تَرى، اَلثّالِثُ أنْ يَكُونَ (ما في اَلْأرْضِ) مُبْتَدَأً و ﴿ مِنهُ ﴾ خَبَرُهُ ولا يَخْفى أنَّهُ ضَعِيفٌ بِحَسْبِ اَلْمَساقِ.
وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أنَّ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَمْ يَكُنْ يُفَسِّرُ هَذِهِ اَلْآيَةَ، ولَعَلَّهُ إنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْسُطِ اَلْكَلامَ فِيها، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ فِيها كُلُّ شَيْءٍ هو مِنَ اَللَّهِ تَعالى.
وأخْرَجَ عَبْدُ اَلرَّزّاقِ.
وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.
وابْنُ اَلْمُنْذِرِ.
والحاكِمُ وصَحَّحَهُ.
والبَيْهَقِيُّ في اَلْأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ طاوُسٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ اَلْعاصِ فَسَألَهُ مِمَّ خُلِقَ اَلْخَلْقُ؟
قالَ: مِنَ اَلْماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والرِّيحِ والتُّرابِ قالَ: فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ؟
قالَ: لا أدْرِي ثُمَّ أتى اَلرَّجُلُ عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ اَلزُّبَيْرِ فَسَألَهُ فَقالَ مِثْلَ قَوْلِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأتى اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَسَألَهُ مِمَّ خُلِقَ اَلْخَلْقُ؟
قالَ: مِنَ اَلْماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والرِّيحِ والتُّرابِ قالَ: فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ؟
فَقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ ﴿ وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ ﴾ فَقالَ اَلرَّجُلُ: ما كانَ لِيَأْتِيَ بِهَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِ بَيْتِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
واخْتَلَفَ أهْلُ اَلْعِلْمِ فِيما أرادَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِذَلِكَ فَقالَ اَلْبَيْهَقِيُّ: أرادَ أنَّ مَصْدَرَ اَلْجَمِيعِ مِنهُ تَعالى أيْ مِن خَلْقِهِ وإبْداعِهِ واخْتِراعِهِ خَلَقَ اَلْماءَ أوَّلًا أوِ اَلْماءَ وما شاءَ عَزَّ وجَلَّ مِن خُلْقِهِ لا عَنْ أصْلٍ ولا عَنْ مِثالٍ سَبَقَ ثُمَّ جَعَلَهُ تَعالى أصْلًا لِما خَلَقَ بَعْدَهُ فَهو جَلَّ شَأْنُهُ اَلْمُبْدِعُ وهو سُبْحانَهُ اَلْبارِئُ لا إلَهَ غَيْرُهُ ولا خالِقَ سِواهُ اهـ، وعَلَيْهِ جَمِيعُ اَلْمُحَدِّثِينَ والمُفَسِّرِينَ ومَن حَذا حَذْوَهُمْ، وقالَ اَلشَّيْخُ إبْراهِيمُ اَلْكُورانِيُّ مِنَ اَلصُّوفِيَّةِ: إنَّ اَلْمَخْلُوقاتِ تَعَيُّناتُ اَلْوُجُودِ اَلْمُفاضِ اَلَّذِي هو صُورَةُ اَلنَّفْسِ اَلرَّحْمانِيِّ اَلْمُسَمّى بِالعَماءِ وذَلِكَ أنَّ اَلْعَماءَ قَدِ اِنْبَسَطَ عَلى اَلْحَقائِقِ اَلَّتِي هي أُمُورٌ عَدَمِيَّةٌ مُتَمَيِّزَةٌ في نَفْسِ اَلْأمْرِ والِانْبِساطُ حادِثٌ والعَماءُ مِن حَيْثُ اِقْتِرانِهِ بِالماهِيّاتِ غَيْرُ ذاتِ اَلْحَقِّ تَعالى فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اَلْوُجُودُ اَلْمَحْضُ اَلْغَيْرُ اَلْمُقْتَرِنِ بِها فالمَوْجُوداتُ صُوَرٌ حادِثَةٌ في اَلْعَماءِ قائِمَةٌ بِهِ واَللَّهُ تَعالى قَيُّومُها لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا اَلْأوَّلُ اَلْباطِنُ اَلْمُمِدُّ لِتِلْكَ اَلصُّوَرِ بِالبَقاءِ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ قِيامُ اَلْحَوادِثِ بِذاتِ اَلْحَقِّ تَعالى ولا كَوْنُهُ سُبْحانَهُ مادَّةً لَها لِأنَّ وُجُودَهُ تَعالى مُجَرَّدٌ عَنِ اَلْماهِيّاتِ غَيْرُ مُقْتَرِنٍ بِها والمُتَعَيِّنُ بِحَسْبِها هو اَلْعَماءُ اَلَّذِي هو اَلْوُجُودُ اَلْمُفاضُ مِنهُ تَعالى بِإيجادِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وبِهَذا يَنْطَبِقُ اَلْجَوابُ عَلى اَلسُّؤالِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ ولا مَحْذُورٍ، ولَوْ كانَ مُرادُ اِبْنِ عَبّاسٍ مُجَرَّدَ ما ذَكَرَهُ اَلْبَيْهَقِيُّ مِن أنَّ مَصْدَرَ اَلْجَمِيعِ مِن خَلْقِهِ تَعالى كانَ يَكْفِي في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ لَكِنَّ اَلسُّؤالَ إنَّما وقَعَ بِمِمَّ ووَقَعَ اَلْجَوابُ بِمِنهُ في تِلاوَتِهِ اَلْآيَةَ فالظّاهِرُ أنَّ ما فَهِمَهُ اَلسّائِلُ مِن تِلاوَتِهِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ ما ذَكَرَهُ بِقَرِينَةِ مَدْحِهِ بِقَوْلِهِ: ما كانَ لِيَأْتِيَ بِهَذا إلَخْ فَإنَّ ما ذَكَرَهُ اَلْبَيْهَقِيُّ يَعْرِفُهُ كُلُّ مَن آمَنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ فَلا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ وجْهٌ لِقَوْلِ كُلٍّ مِنِ اِبْنِ عَمْرٍو وابْنِ اَلزُّبَيْرٍ لا أدْرِي فَإنَّهُما مِن أفْضَلِ اَلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ اَللَّهَ تَعالى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بَلْ ما فَهِمَهُ هو ما أشَرْنا إلَيْهِ اهـ، وعَلَيْهِ عامَّةُ أهْلِ اَلْوَحْدَةِ (وأجابَ اَلْأوَّلُونَ) بِأنَّ مُرادَ اِبْنِ عَبّاسٍ قَطْعُ اَلتَّسَلْسُلِ في اَلسُّؤالِ بَعْدَ ذِكْرِ مادَّةٍ لِبَعْضِها بِأنَّ مَرْجِعَ اَلْأمْرِ أنَّ اَلْأشْياءَ كُلَّها خُلِقَتْ بِقُدْرَتِهِ تَعالى لا مِن شَيْءٍ وهو كَلامٌ حَكِيمٌ يُمْدَحُ قائِلُهُ لَمْ يَهْتَدِ إلَيْهِ اِبْنُ اَلزُّبَيْرِ.
وابْنُ عَمْرٍو، ولا يُعَكِّرُ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ لِما قالَهُ اَلْمُفَسِّرُونَ فِيهِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى في مَحَلِّهِ فَتَأمَّلْ ذاكَ واَللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، وقَدْ أوْرَدَ اَلْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ واقِدٍ في مَجْلِسِ اَلرَّشِيدِ هَذِهِ اَلْآيَةَ رَدًّا عَلى بَعْضِ اَلنَّصارى في زَعْمِهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿ ورُوحٌ مِنهُ ﴾ يَدُلُّ عَلى ما يَزْعُمُهُ فِيهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِن أنَّهُ اِبْنُ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ.
وحَكى أبُو اَلْفَتْحِ.
وصاحِبُ اَللَّوامِحِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ.
وعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
والجَحْدَرِيِّ.
وعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّهم قَرَأُوا (مِنَّةً) بِكَسْرِ اَلْمِيمِ وشَدِّ اَلنُّونِ ونَصْبِ اَلتّاءِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ سَخَّرَ لَكم ذَلِكَ نِعْمَةً عَلَيْكُمْ، وحَكاها عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أيْضًا اِبْنُ خالَوَيْهِ.
لَكِنْ قالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ سَنَدَ هَذِهِ اَلْقِراءَةِ إلَيْهِ مُظْلِمٌ فَإذا صَحَّ اَلسَّنَدُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ طاوُسٍ: إنَّهُ ذَكَرَ اَلْآيَةَ عَلى قِراءَةِ اَلْجُمْهُورِ ويُحْتَمَلُ أنْ لَهُ قِراءَتَيْنِ فِيها.
وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ ضَمَّ اَلتّاءَ عَلى تَقْدِيرِ هو أوْ هي مِنَّةٌ، وعَنْهُ أيْضًا فَتْحُ اَلْمِيمِ وشَدُّ اَلنُّونِ وهاءُ اَلْكِتابَةِ عائِدَةٌ عَلى اَللَّهِ تَعالى أيْ إنْعامُهُ وهو فاعِلُ ﴿ سَخَّرَ ﴾ عَلى اَلْإسْنادِ اَلْمَجازِيِّ كَما تَقُولُ: كَرَمُ اَلْمَلِكِ أنْعَشَنِي أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذا أوْ هو مِنهُ تَعالى، وجُوِّزَتِ اَلْفاعِلِيَّةُ في قِراءَتِهِ اَلْأُولى، وتَذْكِيرُ اَلْفِعْلِ لِأنَّ اَلْفاعِلَ لَيْسَ مُؤَنَّثًا حَقِيقِيًّا مَعَ وُجُودِ اَلْفاصِلِ، والوَجْهُ اَلْأوَّلَ أوْلى وإنْ كانَ فِيهِ تَقْدِيرٌ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ ﴿ لآياتٍ ﴾ عَظِيمَةَ اَلشَّأْنِ كَثِيرَةَ اَلْعَدَدِ ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في بَدائِعِ صُنْعِهِ تَعالى وعَظائِمِ شَأْنِهِ جَلَّ شَأْنُهُ فَإنَّ ذَلِكَ يَجُرُّهم إلى اَلْإيمانِ والإيقانِ والشُّكْرِ.
<div class="verse-tafsir"
فقال تعالى اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وقد ذكرناه.
ثم قال: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعني: ذلل لكم ما في السموات وما في الأرض، لصلاحكم.
ثم قال تعالى: جَمِيعاً مِنْهُ يعني: جميع ما سخر الله تعالى، هو من قدرته ورحمته.
ويقال: جَمِيعاً مِنْهُ يعني: مِنَّةً منه.
قال مقاتل: يعني: جميعاً من أمره.
وروى عكرمة، عن ابن عباس قال: جميعاً منه، منه النور، ومنه الشمس ومنه القمر.
إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: فيما ذكر لَآياتٍ يعني: دلالات وعبرات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ يعتبرون في صنعه وتوحيده.
وروى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن النبيّ «أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ فِي الخَالِق، فَقَالَ: تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ، وَلا تَتَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ» .
وروى وكيع، عن هشام، عن عروة، عن أبيه قال: قال رسول الله : «إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أحَدَكُم، فَيَقُول: مَنْ خَلَقَ السماء؟
فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟
فيقول: الله.
فيقول: من خلق الله تعالى؟
فإذا افْتُتِنَ أَحَدُكُمُ بِذَلِكَ، فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِالله وَرَسُولُهُ» .
قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا قال مقاتل والكلبي: وذلك، أن رجلاً من الكفار من قريش، شتم عمر بمكة، فهم عمر بأن يبطش به، فأمره الله بأن يتجاوز عنه.
فقال: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا، يعني: عمر يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ يعني: يتجاوزوا، ولا يعاقبوا الذين لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ يعني: لا يخافون عقوبته التي أهلك بها عاداً وثموداً، والقرون التي أهلكت قبلهم.
يعني: لا يخشون مثل أيام الأمم الخالية.
قال قتادة: ثم نسختها آية القتال وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة: 36] ثم قال: لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: يجزيهم بأعمالهم في الآخرة.
قال مجاهد: لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ، يعني: لا ينالون نعم الله.
قرأ حمزة والكسائي، وابن عامر لِنَجْزِيَ بالنون على الإضافة إلى نفسه.
والباقون لِنَجْزِيَ بالياء، أي: ليجزي الله.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ قال الغَزَّاليُّ في «الإحياء» : الْفِكْرُ والذِّكْرُ أعلى مقامَاتِ الصالحين، وقال- رحمه اللَّه-: اعلم أَنَّ الناظرين بِأنوار البصيرة عَلِمُوا أنْ لا نجاةَ إلاَّ في لقاء اللَّه عزَّ وجلَّ، وأَنَّه لا سبيل إلى اللقاء إلاَّ بأَنْ يَمُوتَ العبد مُحِبًّا للَّه تعالى، وعارِفاً به، وأَنَّ المحبَّةَ والأُنْسَ لا يتحصَّلانِ إلاَّ بدوامِ ذِكْرِ المحبوب، وأَنَّ المعرفة لا تحصل إلاَّ بدوام الفِكْرِ، ولن يتيسَّر دوامُ الذِّكْرِ والفِكْر إلاَّ بوداع الدنيا وشهواتها والاجتزاء منها بقَدْرِ البُلْغَةِ والضَّرُورَةِ، ثم قال: والقرآنُ جامعٌ لفَضْلِ الذِّكْرِ والفِكْرِ والدُّعَاءِ مَهْمَا كان بِتَدَبُّرٍ، انتهى.
وقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ...
الآية، قال أَكْثَرُ النَّاسِ: هذه الآيةُ منسوخٌة بِآية القتال، وقالَتْ فرقةٌ: بل هي مُحْكَمَةٌ قال ع «١» : الآية تتضمَّن الغُفْرَانَ عُمُوماً، فينبغي أَنْ يقال: «إنَّ الأُمور العظام، كالقتل والكُفْرِ مُجَاهَرَةً ونحو ذلك- قد نَسَخَتْ غفرانَهُ، آيةُ السَّيْفِ والجِزْيَةِ، وما أحكمه الشَّرْعُ لا محالة، وأَنَّ الأُمورَ الحقيرةَ كالجَفَاءِ في القول ونحوِ ذلك تحتملُ أنْ تبقى مُحْكَمَةً، وأنْ يكونَ العفْوُ عنها أقربَ إلى التقوى.
وقوله أَيَّامَ اللَّهِ قالت فرقة: معناه: أيام إنعامه، ونَصْرِهِ، وتنعيمه/ في الجنة، وغَيْرُ ذلك، وقال مجاهد: أَيَّامَ اللَّهِ: أيامُ نِقَمِهِ وعَذَابِهِ «٢» ، وباقي الآية بَيِّنٌ.
وقوله سبحانه: فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ...
الآيةُ، قَدْ تَقَدَّم بيان نظيرها في سورة يونس وغيرها.
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)
سُورَةُ الجاثِيَةِ وَتُسَمّى سُورَةَ الشَّرِيعَةِ رَوى العَوْفِيُّ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، [وَعِكْرِمَةَ]، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ كُلُّها.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حم ﴾ .
﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ [المُؤْمِنِ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي خَلْقِكُمْ ﴾ أيْ: مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ إلى أنْ يَتَكامَلَ خَلْقُ الإنْسانِ ﴿ وَما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ ﴾ أيْ: وما يُفَرِّقُ في الأرْضِ مِن جَمِيعِ ما خَلَقَ عَلى اخْتِلافِ ذَلِكَ في الخَلْقِ والصُّوَرِ ﴿ آياتُ ﴾ تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آياتٌ" رَفْعًا "وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ" رَفْعًا أيْضًا.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالكَسْرِ فِيهِما.
والرِّزْقُ هاهُنا بِمَعْنى المَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ ﴾ أيْ: هَذِهِ حُجَجُ اللَّهِ ﴿ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: بَعْدَ حَدِيثِهِ ﴿ وَآياتِهِ ﴾ يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْناها في [الشُّعَراءِ: ٢٢٢]، والآيَةُ الَّتِي تَلِيها مُفَسَّرَةٌ في [لُقْمانَ: ٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: إذا سَمِعَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإذا عُلِّمَ" بِرَفْعِ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ وتَشْدِيدِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّخَذَها هُزُوًا ﴾ أيْ: سَخِرَ مِنها، وذَلِكَ كَفِعْلِ أبِي جَهْلٍ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ ﴾ فَدَعا بِتَمْرٍ وزُبْدٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا فَما يَعِدُكم مُحَمَّدٌ إلّا هَذا.
وإنَّما قالَ: " أُولَئِكَ " لِأنَّهُ رَدَّ الكَلامَ إلى مَعْنى "كُلٍّ" .
﴿ مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في [إبْراهِيمَ: ١٦] ﴿ وَلا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ﴾ مِنَ الأمْوالِ، ولا ما عَبَدُوا مِنَ الآلِهَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا هُدًى ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِهِ، ﴿ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "ألِيمٌ" بِالرَّفْعِ عَلى نَعْتِ العَذابِ.
وقَرَأ الباقُونَ: بِالكَسْرِ عَلى نَعْتِ الرِّجْزِ.
والرِّجْزُ بِمَعْنى العَذابِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [الأعْرافِ: ١٣٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَمِيعًا مِنهُ ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّسْخِيرُ مِنهُ لا مِن غَيْرِهِ، فَهو مِن فَضْلِهِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ: "جَمِيعًا مِنَّةً" بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِها وتاءٍ مَنصُوبَةٍ مُنَوَّنَةٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "مَنُّهُ" بِفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ النُّونِ والهاءِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَسَخَّرَ لَكم ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةٌ عِبْرَةٌ في جَرَيانِ السَفِينَةِ في البَحْرِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى سَخَّرَ هَذا المَخْلُوقَ العَظِيمَ لِهَذا المَخْلُوقِ الحَقِيرِ الضَعِيفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِأمْرِهِ"، ﴾ أنابَ القُدْرَةَ والإذْنَ مَنابَ أنْ يَأْمُرَ البَحْرَ والناسَ بِذَلِكَ، و"الِابْتِغاءَ مِن فَضْلِ اللهِ": هو بِالتِجارَةِ في الأغْلَبِ، وكَذَلِكَ مَقاصِدُ البَرِّ مِن حَجٍّ وجِهادٍ هي أيْضًا ابْتِغاءُ فَضْلٍ، والتَصَيُّدُ فِيهِ أيْضًا هو ابْتِغاءٌ فَضْلٍ.
و"تَسْخِيرُ ما في السَماواتِ": هو تَسْخِيرُ الشَمْسِ والقَمَرِ والنُجُومِ والسَحابِ والرِياحِ والهَواءِ والمَلائِكَةِ المُوَكَّلَةِ بِهَذا كُلِّهِ، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ الأخْيارِ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ، فَقَدَّمَ إلَيْهِ رَغِيفًا، فَكَأنَّ الضَيْفَ احْتَقَرَهُ، فَقالَ لَهُ المُضِيفُ: لا تَحْتَقِرُهُ فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَدِرْ حَتّى تُسَخَّرَ فِيهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ والمَلائِكَةِ ثَلاثُمِائَةٌ وسِتُّونَ بَيْنَ ما ذَكَرْنا مِن مَخْلُوقاتِ السَماءِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ صُنّاعِ بَنِي آدَمَ المُوَصِّلِينَ إلى اسْتِدارَةِ الرَغِيفِ، و"تَسْخِيرِ ما في الأرْضِ" هو تَسْخِيرُ البَهائِمِ والمِياهِ والأودِيَةِ والجِبالِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "جَمِيعًا مِنهُ" ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ إنْعامٍ فَهو مِنَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِنهُ" وهو وقْفٌ جَيِّدٌ، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "مَنُّهُ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ النُونِ المَضْمُومَةِ، بِتَقْدِيرِ: هو مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مِنَّةً" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ النُونِ المُشَدَّدَةِ ونَصْبِ التاءِ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: سَنَدُ هَذِهِ القِراءَةِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مُظْلِمٌ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، والجَحْدَرِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ أيْضًا: "مِنَّةٌ" بِكَسْرِ المِيمِ وبِالرَفْعِ في التاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ، آيَةٌ نَزَلَتْ في صَدْرِ الإسْلامِ، أمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ فِيها أنْ يَتَجاوَزُوا عَنِ الكُفّارِ، وألّا يُعاقِبُوهم بِذَنْبٍ، بَلْ يَأْخُذُونَ أنْفُسَهم بِالصَبْرِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والسُدِّيُّ.
قالَ أكْثَرُ الناسِ: وهَذِهِ آيَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تَتَضَمَّنُ الغُفْرانَ عُمُومًا، فَيَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّ الأُمُورَ العِظامَ كالقَتْلِ والكُفْرِ مُجاهَرَةً ونَحْوَ ذَلِكَ قَدْ نَسَخَ غُفْرانُهُ آيَةَ السَيْفِ والجِزْيَةِ وما أحْكَمَهُ الشَرْعُ لا مَحالَةَ، وإنَّ الأُمُورَ المُحَقِّرَةَ كالجَفاءِ في القَوْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يُتَّقى مُحْكَمَةً، وأنْ يَكُونَ العَفْوُ عنها أقْرَبُ إلى التَقْوى.
«وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ قالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ: احْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ، تَعالى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عن قَوْلِهِ، فَأخَذَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَيْفَهُ ومَّرَ لِيَقْتُلَهُ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللهِ وقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ﴾ الآيَةُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا احْتِجاجٌ بِها مَعَ قِدَمِ نُزُولِها، وقَدْ ذَكَرَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَمّا أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِمُشْرِكٍ شَتَمَهُ، وأمّا الجَزْمُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يَغْفِرُوا" ﴾ فَهو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: قُلِ اغْفِرُوا، فَإنْ يُجِيبُوا يَغْفِرُوا، وأخْصَرُ مِن هَذا عِنْدِي أنَّ "قُلْ" هي بِمَثابَةِ: أنْدُبُ المُؤْمِنِينَ إلى الغَفْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيّامَ اللهِ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: أيّامُ إنْعامِهِ ونَصْرِهِ وتَنْعِيمِهِ في الجَنَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَـ "يَرْجُونَ" -عَلى هَذا- هو مِن بابِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أيّامَ اللهِ تَعالى هي أيّامُ نِعَمِهِ وعَذابِهِ، فَـ "يَرْجُونَ" -عَلى هَذا- هي الَّتِي تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ "يَخافُونَ"، وإنَّما تَنَزَّلَتْ مَنزِلَتَها مِن حَيْثُ الرَجاءِ والخَوْفِ مُتَلازِمانِ لا نَجِدُ أحَدَهُما إلّا والآخَرُ مَعَهُ مُقْتَرِنٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذا غَيْرَ مَرَّةٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "لِيَجْزِيَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: لِيَجْزِيَ اللهُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وَحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ وثّابٍ: "لِنَجْزِيَ" بِالنُونِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ -بِخِلافٍ عنهُ- "لِيُجْزى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ ﴿ "قَوْمًا"، ﴾ وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: لِيَجْزِيَ الجَزاءَ قَوْمًا، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات وَمَا فِى الارض جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لايات ﴾ .
هذا تعميم بعد تخصيص اقتضاه الاهتمام أولاً ثم التعميم ثانياً.
و ﴿ ما في السموات وما في الأرض ﴾ عام مخصوص بما تحصل للناس فائدة من وجوده: كالشمس للضياء، والمطر للشراب، أو من بعض أحواله: كالكواكب للاهتداء بها في ظلمات البر والبحر، والشجر للاستظلال، والأنعام للركوب والحرث ونحو ذلك.
وأما ما في السماوات والأرض مما لا يفيد الناس فغير مراد مثل الملائكة في السماء والأهوية المنحبسة في باطن الأرض التي يأتي منها الزلزال.
وانتصب ﴿ جميعاً ﴾ على الحال من ﴿ ما في السموات وما في الأرض ﴾ .
وتنوينه تنوين عوض عن المضاف إليه، أي جميع ذلك مثل تنوين (كل) في قوله: ﴿ كلاً هدينا ﴾ [الأنعام: 84].
و (من) ابتدائية، أي جميع ذلك من عند الله ليس لغيره فيه أدنى شركة.
وموقع قوله: ﴿ منه ﴾ موقع الحال من المضاف إليه المحذوف المعوّض عنه التنوين أو من ضمير ﴿ جميعاً ﴾ لأنه في معنى مجموعاً.
﴿ مِّنْهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لايات لِّقَوْمٍ ﴾ .
أي في ذلك المذكور من تسخير البحر وتسخير ما في السموات والأرض دلائل على تفرد الله بالإلهية فهي وإن كانت منناً يحق أن يشكرها الناس فإنها أيضاً دلائل إذا تفكر فيها المنعَم عليهم اهتدوا بها، فحصلت لهم منها ملائمات جسمانية ومعارف نفسانية، وبهذا الاعتبار كانت في عداد الآيات المذكورةِ قبلها من قوله: ﴿ إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين ﴾ [الجاثية: 3]، وإنما أُخرت عنها لأنها ذكرت في معرض الامتنان بأنها نعم، ثم عُقبت بالتنبيه على أنها أيضاً دلائل على تفرد الله بالخلق.
وأوثر التفكر بالذكر في آخر صفات المستدلين بالآيات، لأن الفكر هو منبع الإيمان والإيقان والعلم المتقدمة في قوله: ﴿ لآيات للمؤمنين ﴾ [الجاثية: 3] ﴿ آياتٌ لقوم يوقنون ﴾ [الجاثية: 4] ﴿ آياتٌ لقوم يعقلون ﴾ [الجاثية: 5].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَنالُونَ نِعَمَ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: لا يَخْشَوْنَ عَذابَ اللَّهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: لا يَطْمَعُونَ في نَصْرِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفي المُرادِ بِأيّامِ اللَّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيّامُ إنْعامِهِ وانْتِقامِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ لَيْسَ في الآخِرَةِ، وتَكُونُ الأيّامُ وقْتًا وإنْ تَكُنْ أيّامًا عَلى الحَقِيقَةِ.
وَفي الكَلامِ أمْرٌ مَحْذُوفٌ فَتَقْدِيرُهُ: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا اغْفِرُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ.
الغُفْرانُ هاهُنا العَفْوُ وتَرْكُ المُجازاةِ عَلى الأذى.
وَحَكى الكَلْبِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَدْ شَتَمَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَهَمَّ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَلَمّا نَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ كَفَّ عَنْهُ.
وَفي نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها ثابِتَةٌ في العَفْوِ عَنِ الأذى في غَيْرِ الدِّينِ.
الثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ وفِيما نَسَخَها قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: بِقَوْلِهِ ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا ﴾ قالَهُ أبُو صالِحٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر من طريق عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لم يكن يفسر أربع آيات قوله: ﴿ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ﴾ والرقيم والغسلين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لم يفسر ابن عباس رضي الله عنهما هذه الآية إلا لندبة القارئ ﴿ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ﴾ نور الشمس والقمر.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ﴾ قال: كل شيء هو من الله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن طاوس رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فسأله: مم خلق الخلق؟
قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب.
قال: فمم خلق هؤلاء؟
قال: لا أدري.
ثم أتى الرجل عبدالله بن الزبير رضي الله عنه فسأله فقال له مثل قول عبدالله بن عمرو رضي الله عنه، فأتى ابن عباس رضي الله عنهما فسأله: مم خلق الخلق؟
قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب.
قال: فمم خلق هؤلاء؟
فقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ﴾ فقال الرجل: ما كان يأتي بهذا إلا رجلٌ من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ يعني من شمس وقمر ونجم ومطر وثلج وبرد ﴿ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ من دابة وشجر ونبات وأنهار، قاله ابن عباس (١) قوله تعالى: ﴿ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ قال: كل ذلك رحمة منه لكم، وقال أبو إسحاق: (جميعًا) منصوب على الحال (٢) (٣) قوله تعالى: ﴿ مِنْهُ ﴾ أي ذلك التسخير منه لا من غيره، فهو فضله وإحسانه قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في صنع الله فيوحدونه.
(١) لم أقف عليه.
(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 142، ولم أقف عليه في "معاني الزجاج".
(٣) انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 659.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ يعني الشمس والقمر والملائكة وبني آدم والحيوانات والنبات وغير ذلك ﴿ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ أي كل نعمة فمن الله تعالى، والمجرور في موضع الحال أو خبر ابتداء مضمر، وقرأ ابن عباس: منه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وفي خلقكم ﴾ مدغماً: عباس.
﴿ آيات ﴾ بالنصب في الموضعين: حمزة وعلي ويعقوب ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ يؤمنون ﴾ على الغيبة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ أليم ﴾ مذكور في "سبأ" ﴿ لنجزي ﴾ بالنون: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف ﴿ ليجزي ﴾ بالياء مبنياً للمفعول ﴿ قوم ﴾ بالرفع: يزيد.
الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ قوماً ﴾ سواء بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص وروح وزيد ﴿ غشوة ﴾ بفتح الغين وسكون الشين من غير ألف: حمزة وعلي وخلف 3 ﴿ كل أمة تدعي ﴾ بالنصب على الإبدال من الأول: يعقوب ﴿ الساعة ﴾ بالنصب: حمزة ﴿ لا يخرجون ﴾ من الخروج حمزة وعلي وخلف.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط ومن نصب، ﴿ آيات ﴾ لم يقف لأنها عطف المفردين على المفردين وهما الخبر واسم أن المفردين ﴿ يوقنون ﴾ ه لا للعطف على ﴿ عاملين ﴾ كما يجيء ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ يسمعها ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ط لأنه لو وصل اشتبه بأنها وصف ﴿ عذاب جهنم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ أولياء ﴾ ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع العاطف ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ منه ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ج ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ فعليها ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد القصة ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ من الأمر ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج ﴿ بعض ﴾ ج للتمييز بين الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ قف ومن نصب ﴿ سواء ﴾ لم يقف.
﴿ ومماتهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ غشاوة ﴾ ط ﴿ من بعد الله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ الدهر ﴾ ج لاحتمال الواو الحال ﴿ من علم ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ يظنون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ جاثية ﴾ قف لمن قرأ ﴿ كل ﴾ بالرفع ﴿ كتابها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ ما الساعة ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بقول الكفار ﴿ بمستيقنين ﴾ ه ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للعدول عن الخطاب إلى الغيبة ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الحكيم ﴾ ه.
التفسير: إعراب أول السورة وتفسيرها كإعراب أول "المؤمن" وتفسيره وقوله ﴿ إن في السموات ﴾ إما أن يكون على ظاهره وآياتها الشمس والقمر والنجوم وحركاتها وأوضاعها وكذا العناصر والمواليد التي في الأرض مما يعجز الحاصر عن إدراك أعدادها، وإما أن يراد إن في خلق السموات والأرض فالآيات تشمل ما عددنا مع زيادة هيئتهما وما يتعلق بتشخيصهما.
استدل الأخفش بالآية الثالثة على جواز العطف على عاملين.
مختلفين وهما في قراءة النصب "أن" وفي أقيمت الواو مقامها فعملت الجر في اختلاف الليل، والنصب في آيات وهما في قراءة الرفع الابتداء وفي.
وخرج لسيبويه في جوابه وجهان: أحدهما أن قوله ﴿ آيات ﴾ تكرار محض للتأكيد فقط من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إن في الدار زيداً وفي الحجرة زيداً والمسجد زيداً، وأنت تريد أن في الدار زيداً والحجرة والمسجد.
والثاني إضمار في لدلالة الأول عليه، ويحتمل أن ينتصب ﴿ آيات ﴾ على الاختصاص.
ويرتفع بإضمار هي.
وتفسير هذه الآيات قد مر في نظائرها مراراً ولا سيما في أواسط "البقرة" ومما يختص بالمقام أنه خص المؤمنين بالذكر أولاً ثم قال ﴿ لقوم يوقنون ﴾ ثم ﴿ يعقلون ﴾ فما سبب هذا الترتيب؟
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : أراد إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإلا فإن كنتم طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، وقال جار الله: معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح علموا أنها لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال.
وفي خلق ما بث من الدواب على ظهر الأرض، ازدادوا إيماناً وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس، وإذا نظروا في سائر الحوادث كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار التي هي سبب الأرزاق وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم عقلهم وخلص يقينهم.
وأقول: الدلائل المذكورة في هذه الآيات قسمان: نفسية وخارجية.
فالنفسية أولى بالإيقان لأنه لا شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، والخارجية بعضها فلكية وبعضها آثار علوية.
فالفلكية لبعدها عن الإنسان اكتفى فيها بمجرد التصديق، وأما الآثار العلوية فكانت أولى بالنظر والاستدلال لقربها وللإحساس بها فلا جرم خصت بالتعقل والتدبر، وأما تقديم السموات على الأرض فلشمولها ولتقدمها في الوجود.
﴿ تلك ﴾ مبتدأ والتبعيد للتعظيم والمشار إليها الآيات المتقدمة و ﴿ نتلوها ﴾ في محل الحال.
وقوله ﴿ بعد الله وآياته ﴾ كقولهم: أعجبني زيد وكرمه.
وأصله بعد آيات الله.
والمعنى أن من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه.
وقيل: معناه القرآن آخر كتب الله، ومحمد آخر رسله.
فإن لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبي.
ثم أوعد الناس المبالغين في الإثم وقد مر ما في الآية في سورة لقمان.
قوله ﴿ وإذا علم ﴾ أي شعر وأحس بأنه من جملة القرآن المنزل خاض في الاستهزاء، وإذا وقف على آية لها محل في باب الطعن والقدح افترضه وحمله على الوجه الموجب للطعن كافتراض ابن الزبعري في قوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله ﴾ وإنما أنّث الضمير في قوله ﴿ اتخذها ﴾ لأن الشيء في معنى الآية أو لأنه أراد أن يتخذ جميع الآيات هزواً ولا يقتصر على الاستهزاء بما بلغه.
قوله ﴿ من ورائهم جهنم ﴾ كل ما توارى عنك فهو وراء تقدم أو تأخر، وقد مر في سورة إبراهيم ﴿ هذا هدى ﴾ أي هذا القرآن كامل في باب الهداية والإرشاد.
ثم ذكر دليلاً آخر على الوحدانية وهو تسخير البحر لبني آدم وقد سبق وجه الدلالة مراراً.
وقوله ﴿ ولتبتغوا ﴾ أي بسبب التجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان أو باستخراج اللحم الطري.
ثم عمم بعد التخصيص وقوله ﴿ منه ﴾ في موضع الحال أي سخر جميع ما في السموات والأرض كائنة منه، يريد أنه أوجدها بقدرته وحكمته ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه.
عن ابن عباس برواية عطاء أن الصحابة نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر - يقال لها المريسيع - فأرسل عبد الله بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟
قال: غلام عمر قعد على رأس البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قرب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه.
فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله ﴿ قل للذين آمنوا ﴾ يعني عمر ﴿ يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ لا يتوقعون وقائعه بأعداء الله أو لا يأملون قوة المؤمنين في أيام الله الموعودة لهم، والمراد الصفح والإعراض.
عن عبد الله بن أبي وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله ﴾ قال اليهودي فنحاص بن عازوراء: احتاج رب محمد فبلغ ذلك عمر فأخذ سيفه فخرج في طلبه، فجاء جبرائيل وأنزل الآية هذه.
وليس المقصود أن لا تقتلوا ولا تقاتلوا حتى يلزم نسخها بآية القتال كما ذهب إليه كثير من المفسرين، ولكن الأولى أن يحمل على ترك المنازعة في المحقرات وفي أفعالهم الموحشة المؤذية، وإنما أنكر ﴿ قوماً ﴾ مع أنه أراد بقوم الذين آمنوا وهم معارف ليدل على مدحهم والثناء عليهم كأنه قيل: لنجزي قوماً كاملين في الصبر والإغضاء على أذى الأعداء ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه، وقيل: القوم هم الكافرون الكاملون في النفاق.
ثم فصل الجزاء وعمم الحكم بقوله ﴿ من عمل صالحاً ﴾ الآية.
ثم بين أن للمتأخرين من الكفار أسوة بالمتقدمين منهم والكتاب التوراة والحكم بيان الشرائع والبينات من الأمر أدلة أمور الدين.
وقال ابن عباس: يريد أنه تبين لهم من أمر النبي أنه مهاجر من تهامة إلى يثرب.
وقيل: هي المعجزات القاهرة على صحة نبوة موسى ﴿ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه احتمالان: أحدهما علموا ثم عاندوا، والثاني جاءهم أسباب المعرفة التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ولكنهم أظهروا النزاع حسداً.
﴿ ثم جعلناك على شريعة ﴾ أي منهاج وطريقة ﴿ من الأمر ﴾ أمر الدين وقيل: من الأمر الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا.
قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي وهو بمكة ارجع إلى ملة آبائك وهم كانوا أفضل منك وأسن فزجره الله عن ذلك بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ إلى آخره أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفعه عنك.
ثم أشار بعد النهي عن اتباع أهوائهم بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ أتباعهم إلى الفرق بين ولاة الظالمين وهم أشكالهم من الظلمة، وبين ولي المتقين وهو الله .
ومن جملة آثار ولايته وبركة عنايته ﴿ هذا ﴾ القرآن.
وقيل: ما تقدم من اتباع الشريعة وترك طاعة الظالم وجعل القرآن مشاراً إليه أولى لقوله ﴿ بصائر من ربكم ﴾ إلى آخره.
وقد مر في آخر "الأعراف" مثله.
ثم بين الفرق بين الظالمين والمتقين من وجه آخر قائلاً ﴿ أم حسب ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة والآية نظيرة ما سلف في "ص" ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين ﴾ والاجتراح الاكتساب.
من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فمعناه مستوياً والظاهر بعده فاعله ويكون انتصابه على البدل من ثاني مفعولي ﴿ نجعل ﴾ وهو الكاف.
من قرأ بالرفع بخبر ﴿ ومحياهم ﴾ مبتدأ والجملة بدل أيضاً لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً.
والمعنى إنكار أن يستوي الفريقان حياة وموتاً، لأن المحسنين عاشوا على الطاعة وإنهم عاشوا على المعصية ومات أولئك على البشرى والرحمة، ومات هؤلاء على الضد.
وقيل: معناه إنكار أن يستويا في الممات كما استووا في الحياة من حيث الصحة والرزق، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن.
فالفرق المقتضي لسعادة المؤمن وشقاوة الكافر إنما يظهر بعد الوفاة.
وقيل: إنه كلام مستأنف، والمراد أن كلاً من الفريقين يموت على حسب ما عاش عليه لقوله : " كما تعيشون تموتون" وحين أفتى بأن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادات استدل على صحة هذه الدعوى بقوله ﴿ وخلق الله ﴾ الآية.
قال جار الله: ﴿ ولتجزى ﴾ معطوف على ﴿ بالحق ﴾ لأنه في معنى التعليل أي للعدل، أو ليدل بها على قدرته وللجزاء.
ويجوز أن يكون المعلل محذوفاً وهو فعلنا ونحوه.
والحاصل أن الغاية من خلق السماء والأرض كان هو الإنسان الكامل فكيف يترك الله جزاءه وجزاء من هو ضده والتميز بينهما بموجب العدالة.
ثم قرر أسباب ضلال المضلين قائلاً ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ أي يتبع ما تدعو إليه نفسه الأمارة وقد مر في الفرقان ﴿ وأضله الله على علم ﴾ بحالة أنه من أهل الخذلان والقهر، أو على علم الضلال في سابق القضاء، أو على علم بوجوه الهداية وإحاطته بالألطاف المحصلة لها.
وقيل: أراد به المعاند لأن ضلاله عن علم ﴿ فمن يهديه من بعد ﴾ إضلال ﴿ الله ﴾ قال بعض العلماء: قدم السمع على القلب في هذه الآية وبالعكس في "البقرة" لأن كفار مكة كانوا يبغضونه بقلوبهم وما كانوا يستمعون إليه وكفار المدينة، كانوا يلقون إلى الناس أن النبي شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه.
ففي هذه الصورة على هذا التقدير كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي الصورة الأولى كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فورد ما في كل سورة على ترتيبه.
ثم ذكر من أسباب الضلال سبباً آخر وهو إنكارهم البعث معتقدين أن لا حياة إلاّ هذه.
وليس قولهم الدنيا تسلماً لثانية وإنما هو قول منهم على لسان المقرين وبزعمهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ فيه تقديم وتأخير على أن الواو لا توجب الترتيب.
وقيل: يموت الآباء وتحيا الأبناء وحياة الأبناء حياة الآباء، أو يموت بعض، ويحيا بعض، أو أرادوا بكونهم أمواتاً حال كونهم نطفاً، أو هو على مذهب أهل التناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في بدن آخر.
ثم إنهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا إليه إنكار المبدأ قائلين ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ اعتقدوا أن تولد الأشخاص وكون الممتزجات وفسادها ليس إلا بسبب مزاوجات الكواكب.
ولا حاجة في هذا الباب إلى مبدىء المبادىء فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ وما لهم بذلك من علم ﴾ أي ليس لهم على ما قالوه دليل وإنما ذكروا ذلك ظناً تخميناً واستبعاداً فلا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى قولهم، لأن الحجة قامت على نقيض ذلك وهي دليل المبدأ والمعاد المذكور مراراً وأطوراً.
وليس قولهم ﴿ ائتوا بآبائنا ﴾ من الحجة في شيء لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال فإنه يمتنع حصوله في الاستقبال بدليل الحادث اليومي الممتنع حصوله في الأمس، فوجه الاستثناء أنه في أسلوب قوله: تحية بينهم ضرب وجيع *** وحين بكتهم وسكتهم صرح بما هو الحق وقال ﴿ قل الله يحييكم ﴾ إلى آخره.
ثم أراد أن يختم السورة بوصف يوم القيامة وما سيجري على الكفار فيه فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ العامل فيه يخسر وقوله ﴿ يومئذ ﴾ بدل من ﴿ يوم ﴾ وفيه تأكيد للحصر المستفاد من تقديم الظرف.
قال ابن عباس: الجاثية المجتمعة للحساب المترقبة لما يعمل بها.
وقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم.
وقيل: مستوفزاً لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله.
والجثو للكفار خاصة.
وقيل: عام بدليل قوله بعد ذلك ﴿ فأما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين كفروا ﴾ ﴿ تدعى إلى كتابها ﴾ يريد كتاب الحفظة ليقرؤه.
وقال الجاحظ: إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا.
ويقال: يا أهل التوراة يا أهل القرآن.
﴿ اليوم تجزون ﴾ بتقدير القول ومما يؤيد القول الأول قوله ﴿ هذا كتابنا ﴾ إلى قوله ﴿ إنا كنا نستنسخ ﴾ أي نأمر بالنسخ.
وإضافة الكتاب تارة إليهم وأخرى إلى الله عز وجل صحيحة لأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فأضيف إليهم لأن أعمالهم مثبتة فيه، وأضيف إلى الله لأنه أمر ملائكته بكتبه.
قوله ﴿ أفلم تكن ﴾ القول فيه مقدر أي فيقال لهم ذلك قوله ﴿ إن نظن إلا ظناً ﴾ قال أبو علي والأخفش: هذا الكلام جار على غير الظاهر لأن كل من يظن فإنه لا يظن إلا الظن، فتأويله أن ينوي به التقديم أي ما نحن إلا نظن ظناً.
وقال المازني: تقديره إن نظن نحن إلا ظناً منكم أي أنتم شاكون فيما تزعمون وما نحن بمستيقنين أنكم لا تظنون.
وقال جار الله: أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب.
فأدخل أداة الحصر ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه وأقول: الظن قد يطلق على ما يقرب من العلم، ولا ريب أن لهذا الرجحان مراتب وكأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا ثبوت علم فيه وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ وما نحن بمستيقنين ﴾ وباقي السورة واضح مما سلف والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ ﴾ يذكرهم عظيم نعمه في تسخير البحار لهم مع أهوالها وكثرة أمواجها، وامتناعها عن منافع الخلق، صيرها بلطفه ورحمته لهم كسائر البقاع في الوصول إلى ما فيها من الجواهر والآلئ بالغوص فيها، والخوض والاصطياد؛ لما فيها من أنواع الصيد، وغير ذلك من الأشياء، بحيل علمهم، وأسباب جعل لهم، حتى يصلوا إلى ما فيها من أنواع الجواهر والأموال النفيسة، والله أعلم.
وسخرها لهم - أيضاً - حتى عبروا البحر ومروا هم عليه بسفن أعطاهم، وحيل علمهم، حتى قدروا على عبوره والمرور عليه؛ ليصلوا إلى قضاء حوائجهم التي تكون في البلدان النائية، وهو ما قال: ﴿ لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ ﴾ .
ثم قوله - -: ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ يحتمل أن يكون عبارة عن تكوينه؛ أي: بما كونه [و]أنشأه كذلك، كقوله - -: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ .
والثاني: يحتمل ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ أي: بالأمر الذي له على العباد وسائر خلائقه.
ويحتمل: ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ أي: بإذنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ أي: لكي يلزمكم الشكر بذلك، أو ما ذكر فيه من الوجوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ أي: سخر لهم ما في السماوات من الملائكة، والشمس، والقمر، والنجوم، وغيرها، وما في الأرض من الأشجار، والنبات، والبهائم، والدواب، حتى استعملوها كلها في منافعهم وحوائجهم، كما استعملوا أملاكهم التي تحويها أيديهم بتسخير الله - - إياهم ذلك كله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ جَمِيعاً ﴾ أي: جميع ذلك من الله - - أخبر أنه سخر جميع ما في هذين في السماوات والأرض، ثم أخبر ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وقد ذكرنا جهة الآية في ذلك في غير موضع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ أمر الله - عز وجل - للمؤمنين بالعفو والصفح عمن أساء إليهم وظلمهم حتى أمرهم بالعفو والمغفرة عمن ظلمهم وأساء إليهم من الكفرة؛ ليعلم عظيم موقع العفو والصفح عن المظلمة والإساءة عند الله، وما يكون لذلك من الثواب الجزيل، والله أعلم.
فإن قيل: إن هذه الآيات إنما نزلت بمكة، ومن أسلم من أهل مكة بمكة كانوا مستخفين مقهورين في أيدي الكفرة، ثم لا يتهيأ لهم الانتصار منهم والانتقام عن مساويهم، وإنما يؤمر المرء بالعفو عن مظلمة من ظلمه وأساء إليه عند مقدرة الانتقام والانتصار، فأما من لا يكون على مقدرة من ذلك فلا معنى للأمر له بذلك؛ إذ هو عاجز عن ذلك، فيكون الأمر بالعفو والصفح عنهم - وإن كان أهل الإسلام منهم مقهورين مغلوبين في أيدي أولئك الكفرة على ما ذكرتم - لوجهين: أحدهما: أنه أمرهم بذلك ليتقربوا بذلك؛ إلى الله - - ويجعلوا ذلك وسيلة وقربة فيما بينهم وبين ربهم، وإن لم يكن لهم مقدرة الانتقام والانتصار منهم؛ ليكون العفو عنهم بحق القربة، لا بحق التذلل والخشوع؛ إذ يعفو كل عن اختيار وطوع، ويصير على ذلك ابتغاء لوجه الله - - ويترك الجزع في نفسه والمخاصمة لو قدر على الانتقام، وهو ما أمر رسوله - - بالهجرة إلى المدينة بعدما أخبره أنهم يريدون أن يقتلوه أو يخرجوه؛ حيث قال: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ...
﴾ الآية [الأنفال: 30]؛ لتكون الهجرة له إلى الله - - بحق القربة، لا بحق التذلل بإخراجهم إياه، والله أعلم.
والثاني: أن يرجع الأمر بالعفو إلى كل واحد منهم في خاصة نفسه، وقد كان من المسلمين فيهم من يقدر على الانتقام والانتصار من الأفراد والآحاد منهم، وإن لم تكن [له] المقدرة على الانتقام من جملتهم، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: ﴿ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ أي: نعم الله الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع، التي وعدها في الآخرة لأهل الإيمان، وهو ما قال في آية أخرى في قصة موسى - - حيث قال: ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بنعم الله - - ألا ترى أن موسى - - فسر أيام الله بالنعمة؛ حيث قال على إثره: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ...
﴾ الآية [إبراهيم: 6].
والثاني: ﴿ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ على حقيقة الأيام؛ لأنهم كانوا يرون هذه النعم والسعة في الدنيا بجهد أنفسهم وكدهم، لا بما أجرى الله - - النعم إليهم في الأيام، والله أعلم.
والثالث: ﴿ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا يحذرون نقمة الله وعقوبته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ أي: ليجزي كل قوم بما كسبوا من خير أو شر، يجزي من عفا منهم جزاء العفو، ويجزي المحسن جزاء الإحسان، والمسيء جزاء الإساءة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ يخبر أن من عمل من خير فإنما يعمل لنفسه، ومن عمل من سوء فإنما يعمل على نفسه، يخبر أن من عمل من خير أو صالح فلنفسه سعى في الآخرة، ومن عمل من شر فعلى نفسه سعى في الآخرة، كمن عمل في الدنيا من الأكل والشرب فلنفسه يعمل، ومن جنى من جنايات، فعلى نفسه جنى في الدنيا والآخرة؛ حيث تهلك به نفسه، ويرجع إليه وبال ذلك في الدنيا والآخرة، فعلى ذلك ما قلنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: ثم إلى ما وعد ربكم من الثواب والعقاب ترجعون.
<div class="verse-tafsir"
وسخّر لكم سبحانه ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم، وما في الأرض من أنهار وأشجار وجبال وغيره، إن في تسخير ذلك لكم لدلائل على قدرة الله ووحدانيته، لقوم يتفكرون في آياته، فيعتبرون بها.
من فوائد الآيات الكذب والإصرار على الذنب والكبر والاستهزاء بآيات الله: صفات أهل الضلال، وقد توعّد الله المتصف بها.
نعم الله على عباده كثيرة، ومنها تسخير ما في الكون لهم.
النعم تقتضي من العباد شكر المعبود الذي منحهم إياها.
<div class="verse-tafsir" id="91.14Mak"