الآية ٢١ من سورة الجاثية

الإسلام > القرآن > سور > سورة 45 الجاثية > الآية ٢١ من سورة الجاثية

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءًۭ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة الجاثية: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة الجاثية عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( لا يستوي المؤمنون والكافرون ، كما قال : ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ) [ الحشر : 20 ] وقال هاهنا : ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات ) أي : عملوها وكسبوها ( أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ) أي : نساويهم بهم في الدنيا والآخرة !

( ساء ما يحكمون ) أي : ساء ما ظنوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة ، وفي هذه الدار .

قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا مؤمل بن إهاب ، حدثنا بكير بن عثمان التنوخي ، حدثنا الوضين بن عطاء ، عن يزيد بن مرثد الباجي ، عن أبي ذر ، رضي الله عنه ، قال : إن الله بنى دينه على أربعة أركان ، فمن صبر عليهن ولم يعمل بهن لقي الله [ وهو ] من الفاسقين .

قيل : وما هن يا أبا ذر ؟

قال : يسلم حلال الله لله ، وحرام الله لله ، وأمر الله لله ، ونهي الله لله ، لا يؤتمن عليهن إلا الله .

قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم - : " كما أنه لا يجتنى من الشوك العنب ، كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار " .

هذا حديث غريب من هذا الوجه .

وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب " السيرة " أنهم وجدوا حجرا بمكة في أس الكعبة مكتوب عليه : تعملون السيئات وترجون الحسنات ؟

أجل كما يجتنى من الشوك العنب .

وقد روى الطبراني من حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، أن تميما الداري قام ليلة حتى أصبح يردد هذه الآية : ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) ; ولهذا قال تعالى : ( ساء ما يحكمون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ) يقول تعالى ذكره: أم ظنّ الذين اجترحوا السيئات من الأعمال في الدنيا, وكذّبوا رسل الله, وخالفوا أمر ربهم, وعبدوا غيره, أن نجعلهم في الآخرة, كالذين آمنوا بالله وصدّقوا رسله وعملوا الصالحات, فأطاعوا الله, وأخلصوا له العبادة دون ما سواه من الأنداد والآلهة, كلا ما كان الله ليفعل ذلك, لقد ميز بين الفريقين, فجعل حزب الإيمان في الجنة, وحزب الكفر في السعير.

كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ )...

الآية, لعمري لقد تفرّق القوم في الدنيا, وتفرّقوا عند الموت, فتباينوا في المصير.

وقوله ( سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ) اختلفت القرّاء في قراءة قوله (سَوَاء) فقرأت ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة (سَوَاءٌ) بالرفع, على أن الخبر متناه عندهم عند قوله ( كَالَّذِينَ آمَنُوا ) وجعلوا خبر قوله ( أَنْ نَجْعَلَهُمْ قَوْلَهُ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ), ثم ابتدءوا الخبر عن استواء حال محيا المؤمن ومماته, ومحيا الكافر ومماته, فرفعوا قوله: (سَوَاءٌ) على وجه الابتداء بهذا المعنى, وإلى هذا المعنى وجه تأويل ذلك جماعة من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ) قال: المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن, والكافر في الدنيا والآخرة كافر.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا الحسن, عن شيبان, عن ليث, في قوله ( سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ) قال: بعث المؤمن مؤمنا حيا وميتا, والكافر كافرًا حيًا وميتًا.

وقد يحتمل الكلام إذا قُرئ سواء رفعا وجها آخر غير هذا المعنى الذي ذكرناه عن مجاهد وليث, وهو أن يوجه إلى: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم والمؤمنين سواء في الحياة والموت, بمعنى: أنهم لا يستوون, ثم يرفع سواء على هذا المعنى, إذ كان لا ينصرف, كما يقال: مررت برجل خير منك أبوه, وحسبك أخوه, فرفع حسبك, وخير إذ كانا في مذهب الأسماء, ولو وقع موقعهما فعل في لفظ اسم لم يكن إلا نصبا, فكذلك قوله: (سواءٌ).

وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة (سَوَاءٌ) نصبا, بمعنى: أحسبوا أن نجعلهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء.

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار قد قرأ بكلّ واحدة منهما أهل العلم بالقرآن صحيحتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله (سَوَاءٌ) ورفعه, فقال بعض نحويي البصرة ( سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ) رفع.

وقال بعضهم: إن المحيا والممات للكفار كله, قال ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) ثم قال سواء محيا الكفار ومماتهم: أي محياهم محيا سواء, ومماتهم ممات سواء, فرفع السواء على الابتداء.

قال: ومن فَسَّر المحيا والممات للكفار والمؤمنين, فقد يجوز في هذا المعنى نصب السواء ورفعه, لأن من جعل السواء مستويا, فينبغي له في القياس أن يُجريه على ما قبله, لأنه صفة, ومن جعله الاستواء, فينبغي له أن يرفعه لأنه اسم, إلا أن ينصب المحيا والممات على البدل, وينصب السواء على الاستواء, وإن شاء رفع السواء إذا كان في معنى مستو, كما تقول: مررت برجل خير منك أبوه, لأنه صفة لا يصرف والرفع أجود.

وقال بعض نحويي الكوفة قوله ( سَوَاءً مَحْيَاهُمْ ) بنصب سواء وبرفعه, والمحيا والممات في موضع رفع بمنـزلة, قوله: رأيت القوم سواء صغارهم وكبارهم بنصب سواء لأنه يجعله فعلا لما عاد على الناس من ذكرهم, قال: وربما جعلت العرب سواء في مذهب اسم بمنـزلة حسبك, فيقولون: رأيت قومك سواء صغارهم وكبارهم.

فيكون كقولك: مررت برجل حسبك أبوه, قال: ولو جعلت مكان سواء مستو لم يرفع, ولكن نجعله متبعا لما قبله, مخالفا لسواء, لأن مستو من صفة القوم, ولأن سواء كالمصدر, والمصدر اسم.

قال: ولو نصبت المحيا والممات كان وجها, يريد أن نجعلهم سواء في محياهم ومماتهم.

وقال آخرون منهم: المعنى: أنه لا يساوي من اجترح السيئات المؤمن في الحياة, ولا الممات, على أنه وقع موقع الخبر, فكان خبرا لجعلنا, قال: والنصب للأخبار كما تقول: جعلت إخوتك سواء, صغيرهم وكبيرهم, ويجوز أن يرفع, لأن سواء لا ينصرف.

وقال: من قال: ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) فجعل كالذين الخبر استأنف بسواء ورفع ما بعدها, وأن نصب المحيا والممات نصب سواء لا غير, وقد تقدّم بياننا الصواب من القول في ذلك.

وقوله ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) يقول تعالى ذكره: بئس الحكم الذي حسبوا أنا نجعل الذين اجترحوا السيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات, سواء محياهم ومماتهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون .قوله تعالى : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن اكتسبوها .

والاجتراح : الاكتساب ، ومنه الجوارح ، قال الكلبي : الذين اجترحوا عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة .

والذين آمنوا علي وحمزة وعبيدة بن الحارث - رضي الله عنهم - حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم .

وقيل : نزلت في قوم من المشركين قالوا : إنهم يعطون في الآخرة خيرا مما يعطاه المؤمن ، كما أخبر الرب عنهم في قوله : ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى .

وقوله : أم حسب : استفهام معطوف معناه الإنكار .

وأهل العربية يجوزون ذلك من غير عطف إذا كان متوسطا للخطاب .

وقوم يقولون : فيه إضمار ، أي : والله ولي المتقين أفيعلم المشركون ذلك أم [ ص: 155 ] حسبوا أنا نسوي بينهم ؟

.

وقيل : هي أم المنقطعة ، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان .

وقراءة العامة ( سواء ) بالرفع على أنه خبر ابتداء مقدم ، أي : محياهم ومماتهم سواء .

والضمير في محياهم ومماتهم يعود على الكفار ، أي : محياهم محيا سوء ومماتهم كذلك .

وقرأ حمزة والكسائي والأعمش سواء بالنصب ، واختاره أبو عبيد قال : معناه نجعلهم سواء .

وقرأ الأعمش أيضا وعيسى بن عمر ومماتهم بالنصب ، على معنى سواء في محياهم ومماتهم ، فلما أسقط الخافض انتصب .

ويجوز أن يكون بدلا من الهاء والميم في نجعلهم ، المعنى : أن نجعل محياهم ومماتهم سواء كمحيا الذين آمنوا ومماتهم .

ويجوز أن يكون الضمير في محياهم ومماتهم للكفار والمؤمنين جميعا .

قال مجاهد : المؤمن يموت مؤمنا ويبعث مؤمنا ، والكافر يموت كافرا ويبعث كافرا .

وذكر ابن المبارك أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى .

عن مسروق قال : قال رجل من أهل مكة : هذا مقام تميم الداري ، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله ويركع ويسجد ويبكي أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية كلها .

وقال بشير : بت عند الربيع بن خيثم ذات ليلة فقام يصلي فمر بهذه الآية فمكث ليله حتى أصبح لم يعدها ببكاء شديد .

وقال إبراهيم بن الأشعث : كثيرا ما رأيت الفضيل بن عياض يردد من أول الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها ، ثم يقول : ليت شعري!

من أي الفريقين أنت ؟

وكانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين لأنها محكمة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: أم حسب المسيئون المكثرون من الذنوب المقصرون في حقوق ربهم.

{ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } بأن قاموا بحقوق ربهم، واجتنبوا مساخطه ولم يزالوا مؤثرين رضاه على هوى أنفسهم؟

أي: أحسبوا أن يكونوا { سَوَاءً } في الدنيا والآخرة؟

ساء ما ظنوا وحسبوا وساء ما حكموا به، فإنه حكم يخالف حكمة أحكم الحاكمين وخير العادلين ويناقض العقول السليمة والفطر المستقيمة، ويضاد ما نزلت به الكتب وأخبرت به الرسل، بل الحكم الواقع القطعي أن المؤمنين العاملين الصالحات لهم النصر والفلاح والسعادة والثواب في العاجل والآجل كل على قدر إحسانه، وأن المسيئين لهم الغضب والإهانة والعذاب والشقاء في الدنيا والآخرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أم حسب ) [ بل حسب ] ( الذين اجترحوا السيئات ) اكتسبوا المعاصي والكفر ( أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) نزلت في نفر من مشركي مكة ، قالوا للمؤمنين : لئن كان ما تقولون حقا لنفضلن عليكم في الآخرة كما فضلنا عليكم في الدنيا .

( سواء محياهم ) قرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب : " سواء " بالنصب ، أي : نجعلهم سواء ، يعني : أحسبوا أن حياة الكافرين ( ومماتهم ) كحياة المؤمنين وموتهم سواء كلا ، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء والخبر أي محياهم ومماتهم سواء فالضمير فيهما يرجع إلى المؤمنين والكافرين جميعا ، معناه : المؤمن مؤمن محياه ومماته أي في الدنيا والآخرة ، والكافر كافر في الدنيا والآخرة ( ساء ما يحكمون ) بئس ما يقضون ، قال مسروق : قال لي رجل من أهل مكة : هذا مقام أخيك تميم الداري ، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد ويبكي .

" أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات " الآية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أم» بمعنى همزة الإنكار «حسب الذين اجترحوا» اكتسبوا «السيئات» الكفر والمعاصي «أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً» خبر «محياهم ومماتهم» مبتدأ ومعطوف والجملة بدل من الكاف والضميران للكفار، المعنى: أحسبوا أن نجعلهم في الآخرة في خير كالمؤمنين في رغد من العيش مساو لعيشهم في الدنيا حيث قالوا للمؤمنين: لئن بعثنا لنُعطى من الخير مثل ما تعطون قال تعالى على وفق إنكاره بالهمزة: «ساءَ ما يحكمون» أي ليس الأمر كذلك فهم في الآخرة في العذاب على خلاف عيشهم في الدنيا والمؤمنون في الآخرة في الثواب بعملهم الصالحات في الدنيا من الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك، وما مصدرية، أي بئس حكماً حكمهم هذا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

بل أظنَّ الذين اكتسبوا السيئات، وكذَّبوا رسل الله، وخالفوا أمر ربهم، وعبدوا غيره، أن نجعلهم كالذين آمنوا بالله، وصدقوا رسله وعملوا الصالحات، وأخلصوا له العبادة دون سواه، ونساويَهم بهم في الدنيا والآخرة؟

ساء حكمهم بالمساواة بين الفجار والأبرار في الآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم فرقت السورة الكريمة بين حال الذين يجترحون السيئات ، وحال الذين يعملون الصالحات ، وحكت جانبا من أقوال المشركين ، وردت عليهم بما يبطلها ، فقال - تعالى - : ( أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا .

.

.

أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ) .و ( أَمْ ) فى قوله - تعالى - : ( أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات ) منقطعة ، وتقدر ببل والهمزة ، وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثانى ، والهمزة لإِنكار الحسبان .والاجتراح : الاكتساب ، ومنه الجارحة للأعضاء التى يكتسب بها كالأيدى .

ويقال : فلان جارحة أهله ، أى : هو الذى يكتسب لهم أرزاقهم .وحسب : فعل ماض ، والذين فاعله ، وجملة ( أَن نَّجْعَلَهُمْ ) ساد مسد المفعولين .والمعنى : بل أحسب الذين اكتسبوا ما يسوء من الكفر والمعاصى ، أن نجعلهم متساوين مع الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات فى دار الدنيا أو فى الدار الآخرة؟كلا!!

لا يستوون فيهما ، فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يحيون فى الدنيا حياة طيبة لا مكان فيها للهموم والأحقاد والإِحن ببركة إيمانهم ، وفى الآخرة ينالون رضا الله - تعالى - وحسن ثوابه .أما الذين اجترحوا السيئات فهم فى شقاء فى الدنيا وفى الآخرة .قال الشوكانى قرأ الجمهور ( سواء ) بالرفع على أنه خبر مقدم .

والمبتدأ محياهم ومماتهم .

والمعنى إنكار حسبانهم أن محياهم ومماتهم سواء .وقرأ حمزة والكسائى وحفص ( سواء ) بالنصب على أنه حال من الضمير المستتر فى الجار والمجرور فى قوله : ( كالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ) أو على أنه معفول ثان لحسب .وقوله : ( سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ) أى بئس حكما حكمهم الذى زعموا فيها تسويتنا بين الذين اجترحوا السيئات ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات .فالمقصود بهذه الجملة الكريمة ، توبيخهم على أحكامهم الباطلة ، وأفكارهم الفاسدة .قال الآلوسى : قوله : ( سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ) أى : ساء حكمهم هذا ، وهو الحكم بالتساوى ، فما مصدرية ، والكلام إخبار عن قبح حكمهم المعهود .ويجوز أن يكون لإِنشاء ذمهم على أن ( سَآءَ ) بمعنى بئس ، فتكون كلمة ( مَا ) نكرة موصوفة ، وقعة تمييزا مفسرا لضمير الفاعل المبهم والمخصوص بالذم محذوف أى : بئس شيئا حكموا به ذلك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى بيّن أنه أنعم بنعم كثيرة على بني إسرائيل، مع أنه حصل بينهم الاختلاف على سبيل البغي والحسد: والمقصود أن يبين أن طريقة قومه كطريقة من تقدم.

واعلم أن النعم على قسمين: نعم الدين، ونعم الدنيا، ونعم الدين أفضل من نعم الدنيا، فلهذا بدأ الله تعالى بذكر نعم الدين، فقال: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إسراءيل الكتاب والحكم والنبوة ﴾ والأقرب أن كل واحد من هذه الثلاثة يجب أن يكون مغايراً لصاحبه، أما الكتاب فهو التوراة، وأما الحكم ففيه وجوه، يجوز أن يكون المراد العلم والحكمة، ويجوز أن يكون المراد العلم بفصل الحكومات، ويجوز أن يكون المراد معرفة أحكام الله تعالى وهو علم الفقه، وأما النبوة فمعلومة، وأما نعم الدنيا فهي المراد من قوله تعالى: ﴿ وَرَزَقناهم مِّنَ الطيبات ﴾ وذلك لأنه تعالى وسع عليهم في الدنيا، فأورثهم أموال قوم فرعون وديارهم ثم أنزل عليهم المن والسلوى، ولما بيّن تعالى أنه أعطاهم من نعم الدين ونعم الدنيا نصيباً وافراً، قال: ﴿ وفضلناهم عَلَى العالمين ﴾ يعني أنهم كانوا أكبر درجة وأرفع منقبة ممن سواهم في وقتهم، فلهذا المعنى قال المفسرون المراد: وفضلناهم عن عالمي زمانهم.

ثم قال تعالى: ﴿ وءاتيناهم بينات مّنَ الأمر ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنه آتاهم بينات من الأمر، أي أدلة على أمور الدنيا الثاني: قال ابن عباس: يعني بيّن لهم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، ويكون أنصاره أهل يثرب الثالث: المراد ﴿ وءاتيناهم بينات ﴾ أي معجزات قاهرة على صحة نبوتهم، والمراد معجزات موسى عليه السلام.

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَا اختلفوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ وهذا مفسر في سورة ﴿ حمٓ  عٓسٓقٓ  ﴾ والمقصود من ذكر هذا الكلام التعجب من هذه الحالة، لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف، وهاهنا صار مجيء العلم سبباً لحصول الاختلاف، وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم، وإنما المقصود منه طلب الرياسة والتقدم، ثم هاهنا احتمالات يريد أنهم علموا ثم عاندوا، ويجوز أن يريد بالعلم الدلالة التي توصل إلى العلم، والمعنى أنه تعالى وضع الدلائل والبينات التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق، لكنهم على وجه الحسد والعناد اختلفوا وأظهروا النزاع.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضي بَيْنَهم يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ والمرد أنه لا ينبغي أن يغتر المبطل بنعم الدنيا، فإنها وإن ساوت نعم المحق أو زادت عليها، فإنه سيرى في الآخرة ما يسؤوه، وذلك كالزجر لهم، ولما بيّن تعالى أنهم أعرضوا عن الحق لأجل البغي والسحد، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يعدل عن تلك الطريقة، وأن يتمسك بالحق، وأن لا يكون له غرض سوى إظهار الحق وتقرير الصدق، فقال تعالى: ﴿ ثُمَّ جعلناك على شَرِيعَةٍ مّنَ الأمر ﴾ أي على طريقة ومنهاج من أمر الدين، فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والبينات، ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال وأديانهم المبنية على الأهواء والجهل، قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة: ارجع إلى ملة آبائك فهم كانوا أفضل منك وأسن، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً ﴾ أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة فصرت مستحقاً للعذاب، فهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك، ثم بيّن تعالى أن الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا وفي الآخرة، ولا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثواب وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون، فالله وليهم وناصرهم وهم موالوه، وما أبين الفرق بين الولايتين، ولما بيّن الله تعالى هذه البيانات الباقية النافعة، قال: ﴿ هذا بصائر لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ وقد فسرناه في آخر سورة الأعراف، والمعنى هذا القرآن بصائر للناس جعل ما فيه من البيانات الشافية، والبينات الكافية بمنزلة البصائر في القلوب، كما جعل في سائر الآيات روحاً وحياة، وهو هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن آمن وأيقن، ولم بيّن الله تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه الذي تقدم، بيّن الفرق بينهما من وجه آخر، فقال: ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: ﴿ أَمْ ﴾ كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على شيء آخر، سواء كان ذلك المعطوف مذكوراً أو مضمراً، والتقدير هاهنا: أفيعلم المشركون هذا، أم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين؟

البحث الثاني: الاجتراح: الاكتساب، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم، قال تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار  ﴾ .

البحث الثالث: قال الكلبي: نزلت هذه الآية في علي وحمزة وأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، وفي ثلاثة من المشركين: عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء، ولو كان ما تقولون حقاً لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة، كما أنا أفضل حالاً منكم في الدنيا، فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبيّن أنه لا يمكن أن يكون حال لمؤمن المطيع مساوياً لحال الكافر العاصي في درجات الثواب، ومنازل السعادات.

واعلم أن لفظ ﴿ حَسِبَ ﴾ يستدعي مفعولين أحدهما: الضمير المذكور في قوله: ﴿ أَن نَّجْعَلَهُمْ ﴾ والثاني: الكاف في قوله: ﴿ كالذين ءامَنُواْ ﴾ والمعنى أحسب هؤلاء المجترحين أن نجعلهم أمثال الذين آمنوا؟

ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَٰدُ  يَوْمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ  مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ سَوَاء مَّحْيَاهُمْ ومماتهم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ سواء ﴾ بالنصب، والباقون بالرفع، واختيار أبي عبيد النصب، أما وجه القراءة بالرفع، فهو أن قوله: ﴿ مَّحْيَاهُمْ ومماتهم ﴾ مبتدأ والجملة في حكم المفرد في محل النصب على البدل من المفعول الثاني لقوله: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ ﴾ وهو الكاف في قوله: ﴿ كالذين ءامَنُواْ ﴾ ونظيره قوله: ظننت زيداً أبوه منطلق، وأما وجه القراءة بالنصب فقال صاحب الكشاف أجرى سواء مجرى مستوياً، فارتفع محياهم ومماتهم على الفاعلية وكان مفرداً غير جملة، ومن قرأ ﴿ ومماتهم ﴾ بالنصب جعل ﴿ مَّحْيَاهُمْ ومماتهم ﴾ ظرفين كمقدم الحاج، وخفوق النجم، أي سواء في محياهم وفي مماتهم، قال أبو علي من نصب سواء جعل المحيا والممات بدلاً من الضمير المنصوب في نجعلهم فيصير التقدير أن نجعله محياهم ومماتهم سواء، قال ويجوز أن نجعله حالاً ويكون المفعول الثاني هو الكاف في قوله: ﴿ كالذين ﴾ .

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ مَّحْيَاهُمْ ومماتهم ﴾ قال مجاهد عن ابن عباس يعني أحسبوا أن حياتهم ومماتهم كحياة المؤمنين وموتهم، كلا فإنهم يعيشون كافرين ويموتون كافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، وذلك لأن المؤمن ما دام يكون في الدينا فإنه يكون وليه هو الله وأنصاره المؤمنون وحجة الله معه، والكافر بالضد منه، كما ذكره في قوله: ﴿ وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ وعند القرب إلى الموت، فإن حال المؤمن ما ذكره في قوله تعالى: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طَيّبِينَ يَقُولُونَ سلام عَلَيْكُمُ ادخلوا الجنة  ﴾ وحال الكافر ما ذكره في قوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ  ﴾ وأما في القيامة فقال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ  ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ  وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ  تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ  ﴾ فهذا هو الإشارة إلى بيان وقوع التفاوت بين الحالتين والوجه الثاني: في تأويل الآية أن يكون المعنى إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة، وذلك لأن المؤمن والكافر قد يستوي محياهم في الصحة والرزق والكفاية بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن، وإنما يظهر الفرق بينهما في الممات والوجه الثالث: في التأويل أن قوله: ﴿ سَوَاء مَّحْيَاهُمْ ومماتهم ﴾ مستأنف على معنى أن محيا المسيئين ومماتهم سواء فكذلك محيا المسحنين ومماتهم، أي كل يموت على حسب ما عاش عليه، ثم إنه تعالى صرح بإنكار تلك التسوية فقال: ﴿ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾ وهو ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَمْ ﴾ منقطعة.

ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان.

والاجتراح: الاكتساب.

ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله، أي: كاسبهم ﴿ أَن نَّجْعَلَهُمْ ﴾ أي نصيرهم.

وهو من جعل المتعدي إلى مفعولين فأوّلهما الضمير، والثاني: الكاف، والجملة التي هي ﴿ سَوآءً محياهم ومماتهم ﴾ بدل من الكاف؛ لأنَّ الجملة تقع مفعولاً ثانياً، فكانت في حكم المفرد.

ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم كان سديداً، كما تقول: ظننت زيداً أبوه منطلق.

ومن قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب: أجرى سواء مجرى مستوياً، وارتفع محياهم ومماتهم على الفاعلية، وكان مفرداً غير جملة.

ومن قرأ: ﴿ ومماتهم ﴾ بالنصب، جعل محياهم ومماتهم: ظرفين، كمقدم الحاج وخفوق النجم.

أي سواء: سواء في محياهم وفي مماتهم.

والمعنى: إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محيا، وأن يستووا مماتاً؛ لافتراق أحوالهم أحياء.

حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات، وأولئك على ركوب المعاصي.

ومماتاً، حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والوصول إلى ثواب الله ورضوانه، وأولئك على اليأس من رحمة الله والوصول إلى هول ما أعدَّ لهم.

وقيل: معناه إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة، لأنّ المسيئين والمحسنين مستو محياهم في الرزق والصحة، وإنما يفترقون في الممات، وقيل: سواء محياهم ومماتهم: كلام مستأنف على معنى: أن محيا المسيئين ومماتهم سواء، وكذلك محيا المحسنين ومماتهم: كل يموت على حسب ما عاش عليه.

وعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام، فبلغ هذه الآية، فجعل يبكي ويردّد إلى الصباح: ساء ما يحكمون.

وعن الفضيل: أنه بلغها فجعل يردّدها ويبكي ويقول: يا فضيل، ليت شعري من أي الفرقين أنت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هَذا ﴾ أيِ القُرْآنُ أوِ اتِّباعُ الشَّرِيعَةِ.

﴿ بَصائِرُ لِلنّاسِ ﴾ بَيِّناتٌ تُبَصِّرُهم وجْهَ الفَلاحِ.

﴿ وَهُدًى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ.

﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ ونِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ.

﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ يَطْلُبُونَ اليَقِينَ.

﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها إنْكارُ الحُسْبانِ والِاجْتِراحُ الِاكْتِسابُ ومِنهُ الجارِحَةُ.

﴿ أنْ نَجْعَلَهُمْ ﴾ أنْ نُصَيِّرَهم.

﴿ كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ مِثْلَهم وهو ثانِي مَفْعُولَيْ نَجْعَلُ وقَوْلُهُ: ﴿ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ لِأنَّ المُماثَلَةَ فِيهِ إذِ المَعْنى إنْكارُ أنْ يَكُونَ حَياتُهم ومَماتُهم سِيَّيْنِ في البَهْجَةِ والكَرامَةِ كَما هو لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ سَواءً بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ أوِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الكافِ، أوِ المَفْعُولِيَّةُ والكافُ حالٌ وإنْ كانَ لِلثّانِي فَحالٌ مِنهُ أوِ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ المُقْتَضِيَ لِلْإنْكارِ، وإنْ كانَ لَهُما فَبَدَلٌ أوْ حالٌ مِنَ الثّانِي، وضَمِيرُ الأوَّلِ والمَعْنى إنْكارُ أنْ يَسْتَوُوا بَعْدَ المَماتِ في الكَرامَةِ أوْ تَرْكِ المُؤاخَذَةِ كَما اسْتَوَوْا في الرِّزْقِ والصِّحَّةِ في الحَياةِ، أوِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِتَساوِي مَحْيا كُلِّ صِنْفٍ ومَماتِهِ في الهُدى والضَّلالِ، وقُرِئَ «مَماتَهُمْ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ مَحْياهم ومَماتَهُمْ ظَرْفانِ كَمَقْدَمِ الحاجِّ.

﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ ساءَ حُكْمُهم هَذا أوْ بِئْسَ شَيْئًا حَكَمُوا بِهِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَمْ حَسِبَ الذين} أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان {اجترحوا السيئات} اكتسبوا المعاصي والكفر ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله أي كاسبهم {أَن نَّجْعَلَهُمْ} أن نصيرهم وهو من جعل المعتدى إلى مفعولين فأولهما الضمير والثاني الكاف في {كالذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات} والجملة التي هي {سَوَآءً محياهم ومماتهم} بدل من الكاف لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً فكانت في حكم المفرد سَوَآء علي وحمزة وحفص بالنصب على الحال من الضمير ي نجعلهم ويرتفع محياهم ومماتهم بسواء وقرأ الأعمش ومماتهم بالنصب جعل محياهم ومماتهم ظرفين كمقدم الحاج اى سواء في محايهم وفي مماتهم والمعنى إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محياً وأن يستووا مماتاً لافتراق أحوالهم أحياء حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات واولئك على اقتراف السيآت ومماتاً حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والكرامة وأولئك على اليأس من الرحمة والندامة وقيل معناه إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة في الرزق والصحة وعن تميم الدارى رضى الله عنه أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام فبلغ هذه الآية فجعل يبكي ويردد إلى الصباح وعن الفضيل أنه بلغها

فجعل يرددها ويبكي ويقول يا فضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} بئس ما يقضون إذا حسبوا أنهم كالمؤمنين فليس من أقعد على بساط الموافقة كمن أقعد على مقام المخالفة بل نفرق بينهم فنعلي المؤمنين ونخزي الكافرين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ﴾ إلى آخِرِهِ اِسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِ اَلْمُسِيئِينَ والمُحْسِنِينَ إثْرَ بَيانِ حالِ اَلظّالِمِينَ والمُتَّقِينَ،و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِنَ اَلْبَيانِ اَلْأوَّلِ إلى اَلثّانِي، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ اَلْحُسْبانِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَلِيقُ ولا يَنْبَغِي لِظُهُورِ خِلافِهِ، والِاجْتِراحِ اَلِاكْتِسابُ ومِنهُ اَلْجارِحَةُ لِلْأعْضاءِ اَلَّتِي يُكْتَسَبُ بِها كالأيْدِي، وجاءَ: هو جارِحَةُ أهْلِهِ أيْ كاسِبُهُمْ، وقالَ اَلرّاغِبُ: اَلِاجْتِراحُ اِكْتِسابُ اَلْإثْمِ وأصْلُهُ مِنَ اَلْجِراحَةِ كَما أنَّ اَلِاقْتِرافَ مِن قَرَفِ اَلْقُرْحَةِ، والظّاهِرُ تَفْسِيرُهُ هَهُنا بِالِاكْتِسابِ لِمَكانِ (اَلسَّيِّئاتِ) والمُرادُ بِها عَلى ما في اَلْبَحْرِ سَيِّئاتُ اَلْكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ نَجْعَلَهُمْ ﴾ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ اَلْحُسْبانِ، والجَعْلُ بِمَعْنى اَلتَّصْيِيرِ وهم مَفْعُولُهُ اَلْأوَّلُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ مَفْعُولُهُ اَلثّانِي، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سَواءً ﴾ بَدَلٌ مِنَ اَلْكافِ بِناءً عَلى أنَّها اِسْمٌ بِمَعْنى مِثْلَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ فاعِلُ سَواءٍ أُجْرِيَ مَجْرى مُسْتَوٍ كَما قالُوا: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَواءٍ هو والعَدَمُ، وضَمِيرُ اَلْجَمْعِ لِلْمُجْتَرِحِينَ، والمَعْنى عَلى إنْكارِ حُسْبانِ جَعْلِ مَحْيا اَلْمُجْتَرِحِينَ ومَماتِهِمْ مُسْتَوِيَيْنِ مِثْلُهُما لِلْمُؤْمِنِينَ، ومَصَبُّ اَلْإنْكارِ اِسْتِواءُ ذَلِكَ فَإنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ تَتَوافَقُ حالاهم لِأنَّهم مَرْحُومُونَ في اَلْمَحْيا والمَماتِ وأُولَئِكَ تَتَضادُّ حالاهم فَإنَّهم مَرْحُومُونَ حَياةً لا مَوْتًا؛ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (سَواءً) حالًا مِنَ اَلضَّمِيرِ في اَلْكافِ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ مِن مَعْناها.

وتُعُقِّبَ بِأنَّها اِسْمٌ جامِدٌ عَلى صُورَةِ اَلْحَرْفِ فَلا يَصِحُّ اِسْتِتارُ اَلضَّمِيرِ فِيها وقَدْ صَرَّحَ اَلْفارِسِيُّ بِمَنعِ ذَلِكَ، نَعَمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كالَّذِينَ) جارًّا ومَجْرُورًا في مَوْضِعِ اَلْمَفْعُولِ اَلثّانِي و(سَواءً) حالًا مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ فِيهِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أيْضًا كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ نَجْعَلَهم وكَذا يَجُوزُ كَوْنُهُ اَلْمَفْعُولَ اَلثّانِيَ، وكَوْنُ اَلْكافِ أوِ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ حالًا مِن هَذا اَلضَّمِيرِ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أظْهَرُ وأوْلى، وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ اَلْجَمْعِ في ﴿ مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ فَسَواءً حالٌ مِنَ اَلْمَوْصُولِ اَلثّانِي ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ اَلضَّمِيرِ في (كالَّذِينَ) لِفَسادِ اَلْمَعْنى وكَوْنِ اَلضَّمِيرِ لِلْفَرِيقَيْنِ فَسَواءً حالٌ مِن مَجْمُوعِ اَلْمَوْصُولِ اَلثّانِي وضَمِيرِ اَلْأوَّلِ، والمَعْنى عَلى إنْكارِ حُسْبانِ أنْ يَسْتَوِيَ اَلْفَرِيقانِ بَعْدَ اَلْمَماتِ في اَلْكَرامَةِ أوْ تَرْكِ اَلْمُؤاخَذَةِ كَما اِسْتَوَيا ظاهِرًا في اَلرِّزْقِ والصِّحَّةِ في اَلْحَياةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى عَلى إنْكارِ حُسْبانِ جَعْلِ اَلْحَياتَيْنِ مُسْتَوِيَتَيْنِ لِأنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلى اَلطّاعَةِ وأُولَئِكَ عَلى اَلْمَعاصِي وكَذَلِكَ اَلْمَوْتانِ لِأنَّهم مُلَقَّوْنَ بِالبُشْرى والرِّضْوانِ وأُولَئِكَ بِالسُّوءِ والخِذْلانِ، وقِيلَ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ اَلضَّمِيرِ لِلْمُجْتَرِحِينَ أيْضًا.

ولِمَ يُجَوِّزِ اَلْمُدَقِّقُ اَلْإبْدالَ مِنَ اَلْكافِ عَلى تَقْدِيرِ اِشْتِراكِ اَلضَّمِيرِ إذِ اَلْمِثْلُ هو اَلْمُشَبَّهُ و ﴿ سَواءً ﴾ جارٍ عَلى اَلْمُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ اَلْقُرّاءِ (سَواءٌ مَحْياهم ومَماتُهُمْ) بِرَفْعِ سَواءٌ وما بَعْدَهُ عَلى أنَّ سَواءٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وما بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ لا اَلْعَكْسُ لِأنَّ سَواءٌ نَكِرَةٌ ولا مُسَوِّغَ لِلِابْتِداءِ بِها والضَّمِيرُ لِلْمُجْتَرِحِينَ، والجُمْلَةُ قِيلَ: بَدَلٌ مِنَ اَلْمَفْعُولِ اَلثّانِي لِنَجْعَلَ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ أوْ بَدَلَ اِشْتِمالٍ أوْ بَدَلَ بَعْضٍ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إبْدالُ اَلْجُمْلَةِ مِنَ اَلْمُفْرَدِ وقَدْ أجازَهُ أبُو اَلْفَتْحِ واخْتارَهُ اِبْنُ مالِكٍ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ شَواهِدَ، قالَ أبُو حَيّانَ: لا يَتَعَيَّنُ فِيها اَلْبَدَلُ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ اَلْأشْبِيلِيُّ اَلْمَعْرُوفُ بِابْنِ اَلْعِلْجِ في كِتابِهِ اَلْبَسِيطِ في اَلنَّحْوِ: لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مَعْمُولَةً لِلْأوَّلِ في مَوْضِعِ اَلْبَدَلِ فَإنْ كانَتْ غَيْرَ مَعْمُولَةٍ فَهَلْ تَكُونُ جُمْلَةً بَدَلًا مِن جُمْلَةٍ لا يَبْعُدُ عِنْدِي جَوازُ ذَلِكَ كالعَطْفِ والتَّأْكِيدِ اَللَّفْظِيِّ.

وظاهِرُهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ اَلْإبْدالُ هَهُنا، وفي اَلْبَحْرِ يَظْهَرُ لِي أنَّهُ لا يَجُوزُ إبْدالُ هَذِهِ اَلْجُمْلَةِ مِن ذَلِكَ اَلْمَفْعُولِ لِأنَّ اَلْجَعْلَ بِمَعْنى اَلتَّصْيِيرِ ولا يَجُوزُ صَيَّرْتُ زَيْدًا أبَوْهُ قائِمٌ ولا صَيَّرْتُ زَيْدًا غُلامُهُ مُنْطَلِقٌ لِأنَّ في ذَلِكَ اِنْتِقالًا مِن ذاتٍ إلى ذاتٍ أوْ مِن وصْفٍ في اَلذّاتِ إلى وصْفٍ آخَرَ فِيها ولَيْسَ في تِلْكَ اَلْجُمْلَةِ اَلْمُقَدَّرَةِ مَفْعُولًا ثانِيًا اِنْتِقالٌ مِمّا ذَكَرْنا وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى، واَلزَّمَخْشَرِيُّ قَدْ نَصَّ عَلى جَعْلِ اَلْجُمْلَةِ بَدَلًا مِنَ اَلْكافِ وهو إمامٌ في اَلْعَرَبِيَّةِ، لَكِنْ أفادَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ أنَّهُ أرادَ أنَّهُ بَدَلٌ مِن حَيْثُ اَلْمَعْنى لا أنَّهُ بَدَلٌ مِن ذاكَ لَفْظًا قالَ: لِأنَّهُ مُفْرَدٌ دالٌّ عَلى اَلذّاتِ بِاعْتِبارِ اَلْمَعْنى وهَذا دالٌّ عَلى اَلْمَعْنى وإنْ كانَ اَلذّاتُ يَلْزَمُ مِن طَرِيقِ اَلضَّرُورَةِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ لَهُ مَوْصُوفٌ مَحْذُوفٌ بِأنْ يُقْدَّرَ رِجالًا سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم مَثَلًا، والمَعْنى عَلى اَلْبَدَلِيَّةِ كَما سَمِعْتَ في قِراءَةِ اَلنَّصْبِ، وجُوِّزَ كَوْنُ اَلْجُمْلَةِ مَفْعُولًا ثانِيًا و ﴿ كالَّذِينَ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ نَجْعَلَهُمْ ﴾ ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما عَلَيْهِ وما لَهُ، وإذا كانَ اَلضَّمِيرُ لِلْمُؤْمِنِينَ فالجُمْلَةُ قِيلَ: حالٌ مِنَ اَلْمَوْصُولِ اَلثّانِي لا مِنَ اَلضَّمِيرِ في اَلْمَفْعُولِ اَلثّانِي لِلْفَسادِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ اِكْتِفاءَ اَلِاسْمِيَّةِ اَلْحالِيَّةِ بِالضَّمِيرِ وهو غَيْرُ فَصِيحٍ عَلى ما قِيلَ: وقِيلَ: اِسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ اَلْمُقْتَضِي لِلْإنْكارِ عَلى حُسْبانِ اَلتَّماثُلِ وهو أنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ سَواءٌ حالُهم عِنْدَ اَللَّهِ تَعالى في اَلدّارَيْنِ بَهْجَةً وكَرامَةً فَكَيْفَ يُماثِلُهُمُ اَلْمُجْتَرِحُونَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِوَجْهِ اَلشَّبَهِ اَلْمُجْمَلِ، وإذا كانَ اَلضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ فالظّاهِرُ أنَّ اَلْجُمْلَةَ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ في حُكْمِ اَلْإنْكارِ والتَّساوِي حِينَئِذٍ بَيْنَ حالِ اَلْمُؤْمِنِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ خاصَّةً وحالِ اَلْمُجْتَرِحِينَ كَذَلِكَ وتَكُونُ اَلْجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِلْإنْكارِ في اَلْمَعْنى دالًّا عَلى عَدَمِ اَلْمُماثَلَةِ لا في اَلدُّنْيا ولا في اَلْآخِرَةِ لِأنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ مُتَساوُو اَلْمَحْيا والمَماتِ في اَلرَّحْمَةِ وأُولَئِكَ مُتَساوُو اَلْمَحْيا والمَماتِ في اَلنِّقْمَةِ إذِ اَلْمَعْنى كَما يَعِيشُونَ يَمُوتُونَ فَلَمّا اِفْتَرَقَ حالُ هَؤُلاءِ وحالُ هَؤُلاءِ حَياةً فَكَذَلِكَ مَوْتًا، وأمّا اَلْإبْدالُ فَقَدْ عُلِمَ حالُهُ فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ اَلْأعْمَشُ (سَواءً) بِالنَّصْبِ (مَحْياهم ومَماتَهُمْ) بِهِ أيْضًا، وخُرِّجَ اَلْأوَّلُ عَلى ما سَمِعْتَ ونَصْبُ مَحْياهم ومَماتَهم عَلى اَلظَّرْفِيَّةِ لِأنَّهُما اِسْما زَمانٍ أوْ مَصْدَرانِ أُقِيما مَقامَ اَلزَّمانِ والعامِلُ إمّا ﴿ سَواءً ﴾ أوْ ﴿ نَجْعَلَهُمْ)، ﴾ هَذا والآيَةُ وإنْ كانَتْ في اَلْكُفّارِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ اَلْبَحْرِ وهو ظاهِرُ ما رُوِيَ عَنِ اَلْكَلْبِيِّ مِن أنَّ عُتْبَةَ.

وشَيْبَةَ.

والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ قالُوا لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وحَمْزَةَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

والمُؤْمِنِينَ: واَللَّهِ ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ ولَئِنْ كانَ ما تَقُولُونَ حَقًّا لَحالُنا أفْضَلُ مِن حالِكم في اَلْآخِرَةِ كَما هو أفْضَلُ في اَلدُّنْيا فَنَزَلَتِ اَلْآيَةُ ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ﴾ إلَخْ.

وهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ عَلى جَمِيعِ أوْجُهِها كَما يُعْرَفُ بِأدْنى تَدَبُّرٍ يُسْتَنْبَطُ مِنها تَبايُنُ حالَيِ اَلْمُؤْمِنِ اَلْعاصِي والمُؤْمِنِ اَلطّائِعِ ولِهَذا كانَ كَثِيرٌ مِنَ اَلْعُبّادِ يَبْكُونَ عِنْدَ تِلاوَتِها حَتّى أنَّها تُسَمّى مَبْكاةَ اَلْعابِدِينَ لِذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ اَلزُّهْدِ والطَّبَرانِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي اَلضُّحى قالَ: قَرَأ تَمِيمٌ اَلدّارِيُّ سُورَةَ اَلْجاثِيَةِ فَلَمّا أتى عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ ﴾ اَلْآيَةَ لَمْ يَزَلْ يُكَرِّرُها ويَبْكِي حَتّى أصْبَحَ وهو عِنْدَ اَلْمَقامِ.

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ بَشِيرٍ مَوْلى اَلرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ أنَّ اَلرَّبِيعَ كانَ يُصَلِّي فَمَرَّ بِهَذِهِ اَلْآيَةِ ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ ﴾ إلَخْ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُها حَتّى أصْبَحَ، وكانَ اَلْفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ يَقُولُ لِنَفْسِهِ إذا قَرَأها: لَيْتَ شِعْرِي مِن أيِّ اَلْفَرِيقَيْنِ أنْتَ.

وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ لَفْظَها يُعْطِي أنَّ اِجْتِراحَ اَلسَّيِّئاتِ هو اِجْتِراحُ اَلْكُفْرِ لِمُعادَلَتِهِ بِالإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اَلْمُعادَلَةُ بِالِاجْتِراحِ وعَمَلِ اَلصّالِحاتِ ويَكُونُ اَلْإيمانُ في اَلْفَرِيقَيْنِ ولِهَذا بَكى اَلْخائِفُونَ عِنْدَ تِلاوَتِها.

ورَأيْتُ كَثِيرًا مِنَ اَلْمَغْرُورِينَ اَلْمُسْتَغْرِقِينَ لَيْلَهم ونَهارَهم بِالفِسْقِ والفُجُورِ يَقُولُونَ بِلِسانِ اَلْقالِ والحالِ: نَحْنُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ أفْضَلُ حالًا مِن كَثِيرٍ مِنَ اَلْعابِدِينَ وهَذا مِنهم والعِياذُ بِاَللَّهِ تَعالى ضَلالٌ بَعِيدٌ وغُرُورٌ ما عَلَيْهِ مَزِيدٌ ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ أيْ ساءَ حُكْمُهم هَذا وهو اَلْحُكْمُ بِالتَّساوِي فَما مَصْدَرِيَّةٌ والكَلامُ إخْبارٌ عَنْ قُبْحِ حُكْمِهِمُ اَلْمَعْهُودِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِإنْشاءِ ذَمِّهِمْ عَلى أنَّ (ساءَ) بِمَعْنى بِئْسَ فَما فِيهِ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وقَعَتْ تَمْيِيزًا مُفَسِّرًا لِضَمِيرِ اَلْفاعِلِ اَلْمُبْهَمِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ بِئْسَ شَيْئًا حَكَمُوا بِهِ ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

َسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (22) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ يعني: اكتسبوا السيئات، وذلك أنهم كانوا يقولون: إنا نعطى في الآخرة من الخير، ما لم تعطوا.

قال الله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ يعني: أيظن الذين عملوا الشرك، وهو عتبة وشيبة، والوليد وغيرهم أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: علياً وحمزة وعيينة بن الحارث-  م- سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ يعني: يكونون سواء في نعم الآخرة، قرأ حمزة والكسائي، وعاصم في رواية حفص، سَوَاءً بالنصب والباقون بالضم، فمن قرأ بالنصب فمعناه: أحسبوا أن نجعلهم سواء، أي: مستوياً فيجعل أَن نَّجْعَلَهُمْ متعدياً إلى مفعولين.

ومن قرأ بالضم، جعل تمام الكلام عند قوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثم ابتدأ فقال: سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ خبر الابتداء وقال مجاهد: سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ قال: المؤمنون في الدنيا والآخرة، مؤمن يكون على إيمانه، يموت على إيمانه، ويبعث على إيمانه والكافر في الدنيا والآخرة، كافر يموت على الكفر، ويبعث على الكفر.

وروى أبو الزبير عن جابر قال: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ المُؤمِنُ عَلَى إيمانِه، والمُنَافِقُ عَلَى نِفَاقِه» ثم قال: ساءَ مَا يَحْكُمُونَ أي: بئس ما يقضون الخير لأنفسهم، حين يرون أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الآخرة، ما للمؤمنين.

قوله عز وجل: وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وقد ذكرناه وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يعني: ما عملت وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ يعني: لا ينقصون من ثواب أعمالهم، ولا يُزادون على سيئاتهم.

قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ قال: يعمل بهواه، ولا يهوى شيئاً إلا ركبه، ولا يخاف الله وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ يعني: علم منه، أنه ليس من أهل الهدى وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ يعني: خذله الله، فلم يسمع الهدى، وقلبه يعني: ختم على قلبه، فلا يرغب في الحق وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً يعني: غطاء.

كي لا يعتبر في دلائل الله تعالى.

قرأ حمزة والكسائي غشوة بنصب الغين بغير ألف، والباقون غِشَاوَةً.

كما اختلفوا في سورة البقرة، ومعناهما واحد فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ يعني: من بعد ما أضله الله أَفَلا تَذَكَّرُونَ أن من لا يقبل إلى دين الله، ولا يرغب في طاعته، لا يكرمه بالهدى والتوحيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ ...

الآية: «الشريعةُ» لُغَةً: مَوْرِدُ المياه، وهي في الدين من ذلك لأَنَّ الناس يَرِدُونَ الدينَ ابتغاءَ رحمةِ اللَّهِ والتقرُّبِ منه، و «الأمر» وَاحدُ الأمور، ويحتمل أنْ يكون وَاحِدَ الأوامر، والَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ هم:

الكُفَّارُ، وفي قوله تعالى: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ تحقيرٌ للكفرة من حيث خروجُهم عن ولاية الله تعالى.

ت: وقد قال صلّى الله عليه وسلّم يَوْمَ أُحُدٍ: «أَجِيبُوهُمْ فَقُولُوا: اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مولى لَكُمْ» «١» ، وذلك أَنَّ قريشاً قالوا للصحابة: لنا العزّى، ولا عزّى لكم.

وقوله عز وجل: هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ يريد: القرآن، وهو جمع «بَصِيرَةٍ» ، وهو المُعْتَقَدُ الوثيقُ في الشيء، كأَنَّه من إبصار القلب قال أبو حيّان: وقرىء: «هذه» أي: هذه الآيات، انتهى.

وقوله سبحانه: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ

قيل: إنَّ الآية نزلَتْ بسبب افتخار كان للكُفَّارِ على المؤمنين، قالوا: لَئِنْ كَانَتْ آخِرَةٌ، كما تزعمون، لَنُفَضَّلَنَّ عليكم فيها، كما فُضِّلْنَا في الدّنيا.

واجْتَرَحُوا

معناه: اكتسبوا، وهذه الآية متناولة بلفظها حالَ العُصَاةِ من حال أهل التقوى، وهي موقف للعارفين يَبْكُونَ عنده، ورُوِيَ عن الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ، أَنَّهُ كانَ يُرَدِّدُهَا ليلةً حتَّى أَصْبَحَ «٢» ، وكذلك عن الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ «٣» ، وكان يقول لنفسه: لَيْتَ/ شِعْرِي!

مِنْ أيِّ الفَرِيقَيْنِ أَنْتَ؟

وقال الثعلبيُّ: كانت هذه الآية تُسَمَّى مَبْكَاةَ العابدين «٤» ، قال ع «٥» : وأَمَّا لفظها فيعطى أَنَّه اجتراحُ الكُفْرِ، بدليل معادلته بالإِيمان، ويحتمل أَنْ تكون

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا.

.

.

﴾ \[الآيَةُ\] في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّهم نَزَلُوا في غَزاةِ بَنِي المُصْطَلِقِ عَلى بِئْرٍ يُقالُ لَها: "المُرَيْسِيعُ"، فَأرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي غُلامَةَ لِيَسْتَقِيَ الماءَ، فَأبْطَأ عَلَيْهِ، فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ: ما حَبَسَكَ؟

قالَ: غُلامُ عُمَرَ، ما تَرَكَ أحَدًا يَسْتَقِي حَتّى مَلَأ قِرَبَ النَّبِيِّ  وقِرَبَ أبِي بَكْرٍ، ومَلَأ لِمَوْلاهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ما مَثَلُنا ومَثَلُ هَؤُلاءِ إلّا كَما قِيلَ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، فَبَلَغَ قَوْلُهُ عُمَرَ، فاشْتَمَلَ سَيْفَهُ يُرِيدُ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: [أنَّها] «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا  ﴾ قالَ يَهُودِيٌّ بِالمَدِينَةِ يُقالُ لَهُ فَنُحاصُ: احْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ، فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ، اشْتَمَلَ [عَلى] سَيْفِهِ وخَرَجَ في طَلَبِهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ  في طَلَبِ عُمَرَ، فَلَمّا جاءَ، قالَ: "يا عُمَرُ، ضَعْ سَيْفَكَ" وتَلا عَلَيْهِ الآيَةَ،» رَواهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا في أذًى شَدِيدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُوا بِالقِتالِ، فَشَكَوا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ القُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ شَتَمَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَهَمَّ عُمَرُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لِلَّذِينِ آمَنُوا: اغْفِرُوا، ولَكِنْ شُبِّهَ بِالشَّرْطِ والجَزاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ  ﴾ وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا.

وَقَوْلُهُ: ﴿ لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ ﴾ أيْ: لا يَخافُونَ وقائِعَ اللَّهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَلا يَخافُونَ عِقابَهُ.

وقِيلَ: لا يَدْرُونَ أنْعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، أمْ لا.

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى "أيّامِ اللَّهِ" في سُورَةِ [إبْراهِيمَ: ٥] .

* فَصْلٌ وَجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، لِأنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ.

واخْتَلَفُوا في ناسِخِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: [أنَّهُ] قَوْلُهُ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ  ﴾ ، رَواهُ مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ في [الأنْفالِ: ٥٧]: ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ ﴾ ، وقَوْلُهُ في [بَراءَةٍ: ٣٦]: ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً ﴾ ، رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: [أنَّهُ] قَوْلُهُ: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا  ﴾ ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ قَوْمًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِنَجْزِيَ" بِالنُّونِ "قَوْمًا" يَعْنِي الكُفّارَ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُكافِئُوهم أنْتُمْ لِنُكافِئَهم نَحْنُ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [الإسْراءِ: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿ والحُكْمَ ﴾ وهو الفَهْمُ في الكِتابِ، ﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ يَعْنِي المَنَّ والسَّلْوى ﴿ وَفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ ﴾ أيْ: عالَمِي زَمانِهِمْ.

﴿ وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بَيانُ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: العِلْمُ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ  وشَواهِدِ نُبُوَّتِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [آلِ عِمْرانَ: ١٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ دَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ  إلى مِلَّةِ آبائِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ عَلى شَرِيعَةٍ ﴾ فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [أيْ] عَلى مِلَّةٍ ومَذْهَبٍ، ومِنهُ يُقالُ: شَرَعَ فُلانٌ في كَذا: إذا أخَذَ فِيهِ، ومِنهُ "مَشارِعُ الماءِ" وهي الفُرَضُ الَّتِي شَرَعَ فِيها الوارِدُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ جَعَلْناكَ بَعْدَ مُوسى عَلى طَرِيقَةٍ مِنَ الأمْرِ، أيْ: مِنَ الدِّينِ ﴿ فاتَّبِعْها ﴾ و ﴿ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ كَفّارُ قُرَيْشٍ.

﴿ إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ ﴾ أيْ: لَنْ يَدْفَعُوا عَنْكَ عَذابَ اللَّهِ إنِ اتَّبَعْتَهُمْ، ﴿ وَإنَّ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ.

﴿ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ ﴾ الشِّرَكَ.

والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها [مُفَسَّرَةٌ] في آخِرِ [الأعْرافِ: ٢٠٣] .

﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ مِثْلَما تُعْطَوْنَ مِنَ الأجْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والِاسْتِفْهامُ هاهُنا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ.

و "اجْتَرَحُوا" بِمَعْنى اكْتَسَبُوا.

﴿ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "سَواءً" نَصْبًا؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِالرَّفْعِ.

فَمَن رَفَعَ، فَعَلى الِابْتِداءِ؛ ومَن نَصَبَ، جَعَلَهُ مَفْعُولًا ثانِيًا، عَلى تَقْدِيرِ: أنْ نَجْعَلَ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً؛ والمَعْنى: إنَّ هَؤُلاءِ يَحْيَوْنَ مُؤْمِنِينَ ويَمُوتُونَ مُؤْمِنِينَ، وهَؤُلاءِ يَحْيَوْنَ كافِرِينَ ويَمُوتُونَ كافِرِينَ؛ وشَتّانَ ماهم في الحالِ والمَآلِ ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ أيْ: بِئْسَ ما يَقْضُونَ.

ثُمَّ ذَكَرَ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ أنَّهُ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ، أيْ: لِلْحَقِّ والجَزاءِ بِالعَدْلِ، لِئَلّا يَظُنَّ الكافِرُ أنَّهُ لا يُجْزى بِكُفْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عنكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وإنَّ الظالِمِينَ بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ واللهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ المَعْنى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ، فَلا مَحالَةَ أنَّهُ سَيَخْتَلِفُ عَلَيْكَ كَما تَقَدَّمَ لِبَنِي إسْرائِيلَ فاتَّبِعْ شَرِيعَتَكَ، والشَرِيعَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ الَّذِي يَرِدُ فِيهِ الناسُ في الأنْهارِ والمِياهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ، وفي الشَرائِعِ مِن جِلّانِ مُقْتَنِصٍ ∗∗∗ رَثُّ الثِيابِ خَفِيُّ الشَخْصِ مُنْسَرِبِ فَشَرِيعَةُ الدِينِ هي مِن ذَلِكَ، كَأنَّها مِن حَيْثُ يَرُدُّ الناسُ أمْرَ اللهِ ورَحْمَتَهُ والقُرْبَ مِنهُ، وقالَ قَتادَةُ: الشَرائِعُ: الفَرائِضُ والحُدُودُ والأمْرُ والنَهْيُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنَ الأمْرِ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، أيْ: مِن دِينِ اللهِ تَعالى ونُبُوّاتِهِ الَّتِي بَثَّها في سالِفِ الزَمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن أمْرٍ يَأْمُرُ، أيْ: عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي، فَسَمّى اللهُ تَعالى جَمِيعَ ذَلِكَ أمْرًا، و"الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا يُرِيدُونَ صَرْفَ مُحَمَّدٍ  إلى إرادَتِهِمْ.

و ﴿ "يُغْنُوا" ﴾ مِنَ الغِناءِ، أيْ: لَنْ يَكُونَ لَهم عنكَ دِفاعٌ، ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى شَأْنَ الظالِمِينَ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، ووَجْهُ التَحْقِيرِ أنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى قالَ: هَؤُلاءِ يَتَوَلّى بَعْضُهم بَعْضًا، والمُتَّقُونَ يَتَوَلّاهُمُ اللهُ تَعالى، فَخَرَجُوا عن وِلايَةِ اللهِ تَعالى وتَبَرَّأتْ مِنهُمْ، ووَكَلَهُمُ اللهُ تَعالى بَعْضَهم إلى بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ، والبَصائِرَ جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي المُعْتَقَدُ الوَثِيقُ في الشَيْءِ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ مِن إبْصارِ القَلْبِ، فالقُرْآنُ فِيهِ بَيِّناتٌ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ بَصائِرَ، والبَصِيرَةُ في كَلامِ العَرَبِ: الطَرِيقَةُ مِنَ الدَمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: راحُوا بَصائِرَهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتَدٌ وأيَ وَفَسَّرَ الناسُ هَذا البَيْتَ بِطَرِيقَةِ الدَمِ؛ إذْ كانَتْ عادَةُ طالِبِ الدَمِ عِنْدَهم أنْ يَجْعَلَ طَرِيقَةً مِن دَمٍ خَلْفَ ظَهْرِهِ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ ثَأْرَهُ وأنَّهُ يَطْلُبُهُ، [وَيُظْهِرُ فِيهِ أنَّهُ يُرِيدُ بَصِيرَةَ القَلْبِ، أيْ: قَدِ اطَّرَحَ هَؤُلاءِ بَصائِرَهم وراءَ ظُهُورِهِمْ].

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبَ ﴾ الآيَةُ قَوْلٌ يَقْتَضِي أنَّهُ نَزَلَ بِسَبَبِ افْتِخارٍ كانَ لِلْكُفّارِ عَلى المُؤْمِنِينَ، قالُوا: "لَئِنْ كانَتْ آخِرَةً كَما تَزْعُمُونَ لِنُفَضَّلَنَّ عَلَيْكم فِيها كَما فُضِّلْنا في الدُنْيا".

و"أمْ" هَذِهِ لَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ، وهي بِمَعْنى "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، و ﴿ "اجْتَرَحُوا" ﴾ مَعْناهُ: اكْتَسَبُوا، ومِنهُ جَوارِحُ الإنْسانِ، وجَوارِحُ الصَيْدِ، وتَقُولُ العَرَبُ: "فُلانٌ جارِحَةُ أهْلِهِ"، أيْ: كاسِبُهُمْ، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "سَواءٌ" بِالرَفْعِ "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا عَلى أنَّ "سَواءٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و ﴿ "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" ﴾ خَبَرُهُ، و"كالَّذِينَ" في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي لـِ "نَجْعَلُ"، وهَذا عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "مَحْياهُمْ" يُخْتَصُّ بِالكُفّارِ المُجْتَرِحِينَ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ خَبَرًا عن أنَّ حالَهم في الزَمَنَيْنِ حالُ سُوءٍ، والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "مَحْياهُمْ" يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: أنَّ مَحْيا هَؤُلاءِ ومَماتَهم سَواءٌ، وهو كَرِيمٌ، ومَحْيا هَؤُلاءِ ومَماتُهم سَواءٌ، وهو غَيْرُ كَرِيمٍ، ويَكُونُ اللَفْظُ قَدْ لَفَّ هَذا المَعْنى وذِهْنُ السامِعِ يُفَرِّقُهُ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ إبْعادُ أنْ يَجْعَلَ اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ كَهَؤُلاءِ.

قالَ مُجاهِدٌ: المُؤْمِنُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا ويُبْعَثُ مُؤْمِنًا، والكافِرُ يَمُوتُ كافِرًا ويُبْعَثُ كافِرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مُقْتَضِي هَذا الكَلامِ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ خَبَرٌ، ويَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ داخِلٌ في المُحْسِبَةِ المُنْكِرَةِ السَيِّئَةِ، وهَذا احْتِمالٌ حَسَنٌ، والأوَّلُ أيْضًا جَيِّدٌ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وعِيسى، بِخِلافٍ عنهُ: "سَواءً" بِالنَصْبِ، "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا يُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "كالَّذِينَ" في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي لـِ "نَجْعَلَ" كَما هو في قِراءَةِ الرَفْعِ، ويُنْصَبُ قَوْلُهُ تَعالى: "سَواءً" عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ فِي: "نَجْعَلَهُمْ"، والوَجْهُ الثانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "كالَّذِينَ" في نِيَّةِ التَأْخِيرِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "سَواءً" مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ "نَجْعَلُ"، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ: "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" مُرْتَفِعٌ بِـ "سَواءٌ" عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "سَواءً" بِالنَصْبِ "مَحْياهم ومَماتَهُمْ" بِالنَصْبِ، وذَلِكَ عَلى الظَرْفِ، أو عَلى أنْ يَكُونَ "مَحْياهُمْ" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ فِي: "نَجْعَلَهُمْ" أيْ: نَجْعَلُ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَناوِلَةٌ بِلَفْظِها حالَ العُصاةِ مِن حالِ أهْلِ التَقْوى، وهي مَوْقِفٌ لِلْعارِفِينَ يَبْكُونَ عِنْدَهُ، ورُوِيَ عَنِ الرَبِيعِ بْنِ خَيْثَمَ أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها لَيْلَةً جَمْعاءَ، وكَذَلِكَ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ، وكانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: لَيْتَ شِعْرِي مِن أيِّ الفَرِيقَيْنِ أنْتَ؟

وقالَ الثَعْلَبِيُّ: كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُسَمّى مُبْكاةَ العابِدِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا لَفْظُها فَيُعْطِي أنَّهُ اجْتِراحُ الكُفْرِ بِدَلِيلِ مُعادَلَتِهِ بِالإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُعادَلَةُ بَيْنَ الِاجْتِراحِ وعَمَلِ الصالِحاتِ، ويَكُونُ الإيمانُ في الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا بَكى الخائِفُونَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وإمّا مَفْعُولًا "حَسِبَ" فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنْ نَجْعَلَهُمْ" ﴾ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والتَقْدِيرُ: ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من وصف تكذيبهم بالآيات واستهزائهم بها ثم من أمر المؤمنين بالصفح عنهم وإيكال جزاء صنائعهم إلى الله ثم من التثبيت على ملازمة الشريعة الإسلامية إلى وصف صنف آخر من ضلالهم واستهزائهم بالوعد والوعيد وإحالتهم الحياة بعد الموت والجزاءَ على الأعمال وتخييلهم للناس أنهم يصيرون في الآخرة، على الحال التي كانوا عليها في الدنيا، عظيمهم في الدنيا عظيمهم في الآخرة، وضعيفهم في الدنيا ضعيفهم في الآخرة، وهذا الانتقال رجوع إلى بيان قوله: ﴿ من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربّكم ترجعون ﴾ [الجاثية: 15].

فحرف ﴿ أم ﴾ للإضراب الانتقالي، والاستفهام الذي يلزم تقديره بعد ﴿ أمْ ﴾ استفهام إنكاري، والتقدير: لا يحسب الذين اجترحوا السيئات أنهم كالذين آمنوا لا في الحياة وفي في الممات.

و ﴿ الذين اجترحوا السيئات ﴾ في نقل عن ابن عباس: أنهم المشركون كما يؤذن به الانتقال من الغرض السابق إلى هذا الغرض وإنما عبر عنهم بهذا العنوان لما في الصلة من تعليل إنكار المشابهة والمساواة بينهم وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند الله في عالم الخلد ولأن اكتساب السيئات من شعار أهل الشرك إذ ليس لهم دين وازع يزعهم عن السيئات ولا هم مؤمنون بالبعث والجزاء، فيكون إيمانهم به مرغباً في الجزاء، ولذلك كثُر في القرآن الكناية عن المشركين بالتلبس بالسيئات كقوله: ﴿ ويلٌ للمطففين ﴾ إلى قوله: ﴿ ألاَ يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ﴾ [المطففين: 1 5] وكقوله: ﴿ ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين ﴾ [المدثر: 42 46] وقوله: ﴿ أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدعّ اليتيم ولا يحضّ على طعام المسكين ﴾ [الماعون: 1 3] ونظيره ﴿ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ﴾ [العنكبوت: 4]، فإن ذلك حال الكفار، وأما المؤمن العاصي فلا تبلغ به حاله أن يحسب أنه مفلت من قدرة الله.

قيل: نزلت في قوم من المشركين.

قال البغوي: نزلت في نفر من مشركي مكة قالوا للمؤمنين: لئن كان ما تقولون حقاً لنفضلنّ عليكم في الآخرة كما فضّلنا عليكم في الدنيا.

وعن الكلبي: أن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة قالوا لعلي وحمزة وبعض المسلمين: والله ما أنتم على شيء ولئن كان ما تقولون حقاً أي إن كان البعث حقاً لحالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما أنّا أفضل حالاً منكم في الدنيا.

وتأويل نزول هذه الآية على هذا السبب أن حدوث قول هؤلاء النفر صادف وقت نزول هذه الآيات من السورة أو أن قولهم هذا متكرر فناسب تعرض الآية له حقه.

ونزول الآية على هذا السبب لإبطال كلامهم في ظاهر حاله وإن كانوا لم يقولوه عن اعتقاد وإنما قالوه استهزاء، لئلا يروج كلامهم على دهمائهم وَالحديثين في الإسلام لأن شأن التصدّي للإرشاد أن لا يغادر مغمزاً لرواج الباطل إلا سدّه، كما في قوله تعالى: ﴿ أفرأيتَ الذي كفر بآياتنا وقال لأُوتَيّن مالاً وولداً أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمان عهداً ﴾ [مريم: 77، 78] وله نظائر في القرآن.

وزاد القرطبي في حكاية كلام الكلبي أنهم قالوه حين برزوا لهم يوم بدر، وهو لا يستقيم لأن السورة مكية ولم ينقل عن أحد استثناء هذه الآية منها.

والاجتراح: الاكتساب، وصيغة الافتعال فيه للمبالغة، وهو مشتق من الجرح فأطلق على اكتساب السباع ونحوها، ولذلك سميت كلاب الصيد جوارحَ وسمي به اكتساب الناس لأن غالب كسبهم في الجاهلية كان من الإغارة على إبل القوم وهي بالرماح، قالت أم زرع: فنكحتُ بعدَه رَجُلاً سريّاً، ركب شَريّاً، وأخذ خطباً وأراح عليَّ نَعَماً ثَرَياً، ولذلك غلب إطلاق الاجتراح على اكتساب الإثم والخبيث.

وظاهر تركيب الآية أن قوله: ﴿ سواء محياهم ومماتهم ﴾ داخل في الحسبان المنكور فيكون المعنى: إنكار أن يستوي المشركون مع المؤمنين لا في الحياة ولا بعد الممات، فكما خالف الله بين حالَيْهم في الحياة الدنيا فجعل فريقاً كفرة مسيئين وفريقاً مؤمنين محسنين، فكذلك سيخالف بين حاليهم في الممات فيموت المشركون على اليأس من رحمة الله إذ لا يوقنون بالبعث ويلاقون بعد الممات هول ما توعدهم الله به، ويموت المؤمنون رجاء رحمة الله والبشرى بما وُعدوا به ويلاقون بعد الممات ثواب الله ورضوانه.

وقرأ الجمهور: ﴿ سواء ﴾ مرفوعاً فيكون موقع جملة ﴿ سواء محياهم ﴾ موقع البدل من كاف التشبيه التي هي بمعنى مِثل على ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» يريد أنه بدل مطابق لأن الجملة تبدل من المفرد على الأصح، والبدل المطابق هو عطف البيان عند التحقيق، فيكون جملة ﴿ سواء محياهم ومماتهم ﴾ بيانَ ما حسبه المشركون.

وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف منصوباً، فلفظُ ﴿ سواء ﴾ وحده بدل من كاف المماثلة، بَدَل مفرد من مفرد أو حال من ضمير النصب في ﴿ نجعلهم ﴾ .

وهذا لأن المشركين قالوا للمسلمين: سنكون بعد الموت خيراً منكم كما كنا في الحياة خيراً منكم.

فضمير ﴿ محياهم ﴾ وضمير ﴿ مماتهم ﴾ عائدان لكل من الذين اجترحوا السيئات والذين آمنوا على التوزيع، أي مَحْيَا كلِّ مساوٍ لمماته، أي لا يتبدل حال الفريقين بعد الممات بل يكُونون بعد الممات كما كانوا في الحياة غير أن موقع كاف التمثيل في قوله: ﴿ كالذين آمنوا ﴾ ليس واضح الملاقاة لحُسبان المشركين المسلطِ عليه الإنكار لأنهم إنما حسبوا أن يكونوا بعد الممات على تقدير وقوع البعث أحسنَ حالاً من المؤمنين لا أن يكونوا مثل المؤمنين لأنهم قالوا ذلك في مقام التطاول على المؤمنين، وإرادة إفحامهم بسفسطتهم.

فبِنا أن نبين موقع هذا الكاف في الآية.

والذي أرى: أن موقعه الإيماء إلى أن الله قدّر للمؤمنين حسن الحال بعد الممات حتى صار ذلك المقدَّر مَضرِبَ الأمثال ومناط التشبيه، وإلى أن حُسبان المشركين أنفسَهم في الآخرة على حالة حسنة باطل، فعبر عن حسبانهم الباطللِ بأنهم أثبتوا لأنفسهم في الآخرة الحال التي هي حال المؤمنين، أي حسب المشركون بزعمهم أن يكونوا بعد الموت في حالة إذا أراد الواصف أن يصفها وصفها بمشابهة حال المؤمنين في عندِ الله وفي نفس الأمر، وليس المراد أن المشركين مَثَّلوا حالهم بحال المؤمنين فيؤول قوله: ﴿ كالذين آمنوا ﴾ إلى حكاية الكلام المحكي بعبارة تساويه لا بعبارة قائله، وذلك مما يتوسع فيه في حكاية الأقوال كقوله تعالى حكاية عن عيسى ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله، ربّي وربّكم ﴾ [المائدة: 117] فإن ما أمره الله به: أن اعبدوا الله ربَّك وربّهم، وذلك من خلاف مقتضى الظاهر دعا الله هنا قصد التنويه بالمؤمنين والعناية بزلفاهم عند الله، فكأنه قيل: أحسبوا أن نجعلهم في حالة حسنة ولكن هذا المأمول في حسبانهم هو في نفس الأمر حال المؤمنين لا حالُهم.

فأُوجز الكلام، وفَهْم السامع يبسطه.

والمواجه بهذا الكلام هم النبي والمؤمنون تكملة للغرض المبتدأ به في قوله: ﴿ قل للذي آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ [الجاثية: 14] على أن لك أن تجعل قوله تعالى: ﴿ كالذين آمنوا ﴾ معترضاً بين مفعولي (نجعل) وهما ضميرا الغائبين وجملة ﴿ سواء محياهم ﴾ أو ولفظ ﴿ سواء ﴾ في قراءة نصبه فلا يكون مراداً إدخاله في حسبان المشركين.

ويجوز على هذا أن يكون قوله: ﴿ كالذين آمنوا ﴾ تهكماً على المشركين في حسبانهم تأكيداً للإنكار عليهم.

ومِن خلاف ظاهر التركيب ما قيل: إن مدلول ﴿ سواء محياهم ومماتهم ﴾ ليس من حسبان المشركين المنكور ولكنه كلام مستأنف، والمعنى: أنه لما أنكر حسبان استواء الكافرين والمؤمنين خطر ببال السامع أن يسأل كيف واقعُ حال الفريقين فأجيب بأن حال محياهم هو مقياس حال مماتهم، أي حالهم في الآخرة مختلف كما هو في الدنيا مختلف، فالمؤمنون يحيون في الإقبال على ربهم ورجاء فضله، والكافرون يعيشون معرضين عن عبادة ربّهم آيسين من البعث والجزاء.

وهذا ليس عين الجواب ولكنه من الاكتفاء بعلة الجواب عن ذكره.

والتقدير: حال الفريقين مختلف في الآخرة كما كان مختلفاً في الحياة.

وجملة ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ تذييل لما قبلها من إنكار حسبانهم وما اتصل بذلك الإنكار من المعاني.

واعلم أن هذه الآية وإن كان موردها في تخالف حالي المشركين والمؤمنين فإن نوط الحكم فيها بصلة ﴿ الذين اجترحوا السيئات ﴾ يجعل منها إيماء إلى تفاوت حالي المسيئين والمحسنين من أهل الإيمان وإن لم يحسب أحد من المؤمنين ذلك وعن تميم الداري أنه بات ليلة يقرأ هذه الآية ويركع ويسجد ويبكي إلى الصباح.

وروي مثل ذلك عن الربيع بن خيثم وعن الفضيل بن عياض: أنه كان كثيراً ما يردد من أول الليل هذه الآية ثم يقول: ليت شعري من أي الفريقين أنت.

يخاطب نفسه فكانت هذه الآية تسمى مَبكاة العابدين.

والمحيا والممات: مصدران ميميان أو اسما زَمان، أي حياتهم وموتهم، وهو على كلا الاعتبارين بتقدير مضاف، أي حالة محياهم وحالات مماتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ﴾ أيِ اكْتَسَبُوا الشِّرْكَ.

قالَ الكَلْبِيُّ: الَّذِينَ أُرِيدَ بِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ.

﴿ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ أُرِيدَ بِهِمْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ حِينَ بَرَزُوا إلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَتَلُوهم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ دِينَهُ ما يَهْواهُ، فَلا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أفَرَأيْتَ مَن جَعَلَ إلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ ما يَهْواهُ ويَسْتَحْسِنُهُ، فَإذا اسْتَحْسَنَ شَيْئًا وهو بِهِ اتَّخَذَهُ إلَهًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ أحَدُهم يَعْبُدُ الحَجَرَ.

فَإذا رَأى ما هو أحْسَنُ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ.

الثّالِثُ: أفَرَأيْتَ مَن يَنْقادُ لِهَواهُ انْقِيادَهُ لِإلَهِهِ ومَعْبُودِهِ تَعَجُّبًا لِذَوِي العُقُولِ مِن هَذا الجَهْلِ.

﴿ وَأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: وجَدَهُ ضالًّا، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ ضَلَّ عَنِ اللَّهِ.

وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ هَبُونِي امْرَأً مِنكم أضَلَّ بَعِيرَهُ لَهُ ذِمَّةٌ إنَّ الذِّمامَ كَثِيرٌ أيْ ضَلَّ عَنْهُ بَعِيرُهُ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى عِلْمٍ مِنهُ أنَّهُ ضالٌّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ في سابِقِ عِلْمِهِ أنَّهُ سَيِضَلُّ.

﴿ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ ﴾ أيْ طَبَعَ عَلى سَمْعِهِ حَتّى لا يَسْمَعَ الوَعْظَ وطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ حَتّى لا يَفْقَهَ الهُدْىَ.

﴿ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً ﴾ حَتّى لا يُبْصِرَ الرُّشْدَ.

ثُمَّ في هَذا الكَلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الخَبَرِ عَنْ أحْوالِهِمْ.

الثّانِي: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجِ الدُّعاءِ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ.

وَحَكى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ مِنَ الغَياطِلَةِ، وحَكى الضَّحّاكُ أنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم ﴾ قال: اللب.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ثم جعلناك على شريعة ﴾ قال: على طريقة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ثم جعلناك على شريعة من الأمر ﴾ يقول: على هدى من الأمر وبينة.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ثم جعلناك على شريعة من الأمر ﴾ قال: الشريعة الفرائض والحدود والأمر والنهي.

وأخرج ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد، والطبراني عن أبي الضحى رضي الله عنه قال: قرأ تميم الداري رضي الله عنه سورة الجاثية، فلما أتى على هذه الآية ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ﴾ الآية، فلم يزل يكررها ويبكي حتى أصبح وهو عند المقام.

وأخرج ابن أبي شيبة عن بشير مولى الربيع بن خيثم رضي الله عنه قال: قام تميم الداري يصلي فمر بهذه الآية ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ﴾ فلم يزل يرددها حتى أصبح.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سواء محياهم ومماتهم ﴾ قال: المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ﴾ قال الكلبي: نزلت في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، وفي ثلاثة رهط من المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم علي شيء وإن كان ما تقولون حقًا لنفضلن عليكم في الآخرة كما فضلنا عليكم في الدنيا (١) قال مقاتل: قال كفار مكة للمؤمنين: إنا نُعْطَى في الآخرة من الخير مثل ما تعطون.

فقال الله: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ ﴾ وهو استفهام إنكار {اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ} عملوا الشرك (٢) (٣) (٤) وهو الدَّافِعُ عن ذي كُرْبَةٍ ...

أيْدِي القَوْم إذا الجَاني اجْتَرَحْ (٥) وذكرنا الكلام في تفسير هذا الحرف عند قوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ  ﴾ قال ابن عباس: افتعلوا السيئات، يريد الشرك والنفاق (٦) قوله تعالى: ﴿ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾ قرئ (سواء) رفعًا ونصبًا، واختار أبو عبيد النصب (٧) (٨) وقال الفراء: إذا نصبت (سواء) كانت بمنزلة قولك: رأيت القوم سواء صغارهم وكبارهم، ومررت بقوم سواء صغارهم وكبارهم (٩) وقال أبو إسحاق: من قرأ بالنصب جعله في موضع مستويًا (١٠) (١١) قال أبو علي: من نصب (سواء) جعل المحيا والممات بدلاً من الضمير المنصوب في "نجعلهم" فيصير التقدير: أن نجعل محياهم ومماتهم سواء، على أنه مفعول ثانٍ لنجعل، فيكون انتصاب (سواء) على القول حسنًا، قال: ويجوز أن نجعله حالاً، ويكون المفعول الثاني قوله: ﴿ كَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وإذا كان كذلك أمكن أن يكون سواء منتصبًا على الحال، وعلى هذه القراءة الضمير في محياهم ومماتهم للقبيلتين المؤمنين والكافرين (١٢) ومعنى الآية: ما ذكره مجاهد عن ابن عباس قال: المؤمن مؤمن محياه مؤمن مماته، والكافر كافر محياه كافر مماته (١٣) (١٤) (١٥) وأجراه على ما قبله على حد قولك: مررت برجل ضارب أبوه؛ لأنه ليس باسم فاعل ولا ما شبه به من حسن وشديد ونحو ذلك، إنما هو مصدر فلا ينبغي أن يجرى على ما قبله كما يجرى اسم الفاعل وما شبه به، لتَعرِّيه من المعاني التي أعمل لها فاعلُ، وما شُبِّه به عَمَلُ الفعل (١٦) وقال المبرد: وجه الكلام الرفع؛ لأن (سواء) في معنى المصدر وليس باسم الفاعل، فلا يكون اسمًا لما قبله كما تقول: جعلت زيدًا مستويًا أمره، قال ووجه جواز النصب فيه أن المصدر يدل على الفعل وإن لم يكن اسم الفاعل، ومن قال هذا: مررت برجل تمام درهمه (١٧) وقال أبو علي: ومن قال مررت برجل خير منه أبوه، وبسرجٍ خزٍّ صُفَّتُهُ، وبرجل مائةٍ إبلُهُ، استجاز أيضًا أن يجري (سواء) على ما قبله، ووجه القراءة بالرفع أن الكلام قد تم عنده قوله ﴿ آمنوا ﴾ والضمير في ﴿ نجعلهم ﴾ المفعول الأول، والمفعول الثاني: ﴿ كالذين آمنوا ﴾ وارتفع سواء بأنه خبر ابتداء مقدم تقديره: محياهم ومماتهم سواء، والضمير على هذه القراءة في المحيا والممات تعود على الكفار دون الذين آمنوا، والمعنى: محياهم محيا سوء ومماتهم كذلك، أي: أن محياهم ومماتهم يستويان في الذم والبعد من رحمة الله، ويجوز أن يكون الضيم للقبيلتين (١٨) والمعنى: ما رواه قيس (١٩) (٢٠) (٢١) قوله تعالى: ﴿ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ قال ابن عباس: بئس ما حكموا (٢٢) (٢٣) (١) انظر: "تنوير المقباس" ص 500، و"تفسير السمرقندي" 3/ 225، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 165.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 839 (٣) انظر: "تهذيب اللغة" (جرح) 4/ 141، و"اللسان" (جرح) 2/ 423.

(٤) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 210.

(٥) انظر: "ديوان الأعشى" ص 161، و"الزاهر" لابن الأنباري 1/ 268.

(٦) لم أقف عليه.

(٧) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 175، و"الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 268، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 165، وقد أشار إلى اختيار أبي عبيد.

(٨) كذا رسمها في الأصل، وذكر النحاس في "إعراب القرآن" اختيار أبي عبيد بلفظ (بوقوع "نجعلهم" عليها).

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 145.

(٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 47.

(١٠) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 433.

(١١) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 692.

(١٢) انظر: "الحجة" لأبي علي بتصرف 6/ 177.

(١٣) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد.

انظر: "تفسيره" 14/ 13، و"تفسير مجاهد" ص 600، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 166.

(١٤) قرأ الكسائي وحمزة وحفص عن عاصم (سواءً) نصبًا، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم (سواءٌ محياهم) رفع.

انظر: "الحجة" 6/ 175، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 661.

(١٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 433، والكتاب لسيبويه 2/ 34، ولم أقف على اختيار الخليل، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 146.

(١٦) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 175.

(١٧) لم أقف عليه.

(١٨) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 177.

(١٩) هو قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج ابن ساعدة الأنصاري الخزرجي الساعدي يكني أبا الفضل، وقيل: أبو عبد الله.

وقيل: أبو عبد الملك، وكان من فضلاء الصحابة وأحد دهاة العرب وكرمائهم، قال ابن عيينة: كان ضخمًا حسنًا طويلاً، مات في خلافة عبد الملك.

وقيل: في آخر خلافة معاوية سنة 85 هـ.

انظر: "أسد الغابة" لابن الأثير 5/ 214، و"تهذيب التهذيب" 8/ 395، و"الإصابة" 3/ 249 (7177).

(٢٠) لم أقف على هذه الرواية وقد أخرج ابن جرير عن ابن أبي أبي نجيح عن مجاهد نحو هذه الرواية.

انظر: "تفسير ابن جرير" 13/ 148، و"تفسير مجاهد" ص 600، و"الدر المنثور" 7/ 426.

(٢١) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 148، و"تفسير مجاهد" ص 600، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 166.

(٢٢) لم أقف عليه.

(٢٣) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 839.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلَهُمْ كالذين آمَنُواْ ﴾ أم هنا للإنكار، واجترحوا اكتسبوا، والمراد ب ﴿ الذين اجترحوا السيئات ﴾ الكفار لمقابلته بالذين آمنوا، ولأن الآية مكية: وقد يتناول لفظها المذنبين من المؤمنين، ولذلك يذكر أن الفضيل بن عياض قرأها بالليل فما زال يردّدها ويبكي طول الليل، ويقول لنفسه: من أي الفريقين أنت؟

ومعناها: إنكار ما حسبه الكفار من أن يكونوا هم والمؤمنون سواء في المحيا والممات، وفي تأويلها مع ذلك قولان: أحدهما أن المراد ليس المؤمنون سواء مع الكفار، لا في المحيا ولا في الممات، فإن المؤمنين عاشوا على التقوى والطاعة، والكفار عاشوا على الكفر والمعصية وكذلك ملتهم ليست سواء، والقول الآخر أنهم استووا في المحيا في أمور الدنيا من الصحة والرزق فلا يستوون في الممات، بل يسعد المؤمنون ويشقى الكافرون، فالمراد بها إثبات الجزاء في الآخرة، وتفضيل المؤمنين على الكافرين في الآخرة، وهذا المعنى هو الأظهر والأرجح فيكون معنى الآية كقوله: ﴿ أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين ﴾ [القلم: 35] ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار ﴾ [ص: 28] ﴿ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾ هذه الجملة بدل من الكاف في قوله: ﴿ كالذين آمَنُواْ ﴾ وهي مفسرة للتشبيه، وهي داخلة فيما أنكره الله مما حسبه الكفار، وقيل: هي كلام مستأنف؛ والمعنى على هذا أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء وأن محيا الكفار ومماتهم سواء لأن كل واحد يموت على ما عاش عليه، وهذا المعنى بعيد، والصحيح أنها من تمام ما قبلها على المعنى الذي اخترناه، وأما إعرابها فمن قرأ سواء بالرفع فهو مبتدأ وخبره محياهم ومماتهم، والجملة بدل من الجار والمجرور الواقع مفعولاً ثانياً لنجعل، ومن قرأ سواءً بالنصب فهو حال أو مفعول ثانٍ لنجعل، ومحياهم فاعل بسواء، لأنه في معنى مستوى ﴿ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ أي ساء حكمهم في تسويتهم بين أنفسهم وبين المؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وفي خلقكم ﴾ مدغماً: عباس.

﴿ آيات ﴾ بالنصب في الموضعين: حمزة وعلي ويعقوب ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ يؤمنون ﴾ على الغيبة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ أليم ﴾ مذكور في "سبأ" ﴿ لنجزي ﴾ بالنون: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف ﴿ ليجزي ﴾ بالياء مبنياً للمفعول ﴿ قوم ﴾ بالرفع: يزيد.

الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ قوماً ﴾ سواء بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص وروح وزيد ﴿ غشوة ﴾ بفتح الغين وسكون الشين من غير ألف: حمزة وعلي وخلف 3 ﴿ كل أمة تدعي ﴾ بالنصب على الإبدال من الأول: يعقوب ﴿ الساعة ﴾ بالنصب: حمزة ﴿ لا يخرجون ﴾ من الخروج حمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط ومن نصب، ﴿ آيات ﴾ لم يقف لأنها عطف المفردين على المفردين وهما الخبر واسم أن المفردين ﴿ يوقنون ﴾ ه لا للعطف على ﴿ عاملين ﴾ كما يجيء ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ يسمعها ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ط لأنه لو وصل اشتبه بأنها وصف ﴿ عذاب جهنم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ أولياء ﴾ ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع العاطف ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ منه ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ج ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ فعليها ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد القصة ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ من الأمر ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج ﴿ بعض ﴾ ج للتمييز بين الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ قف ومن نصب ﴿ سواء ﴾ لم يقف.

﴿ ومماتهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ غشاوة ﴾ ط ﴿ من بعد الله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ الدهر ﴾ ج لاحتمال الواو الحال ﴿ من علم ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ يظنون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ جاثية ﴾ قف لمن قرأ ﴿ كل ﴾ بالرفع ﴿ كتابها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ ما الساعة ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بقول الكفار ﴿ بمستيقنين ﴾ ه ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للعدول عن الخطاب إلى الغيبة ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: إعراب أول السورة وتفسيرها كإعراب أول "المؤمن" وتفسيره وقوله ﴿ إن في السموات ﴾ إما أن يكون على ظاهره وآياتها الشمس والقمر والنجوم وحركاتها وأوضاعها وكذا العناصر والمواليد التي في الأرض مما يعجز الحاصر عن إدراك أعدادها، وإما أن يراد إن في خلق السموات والأرض فالآيات تشمل ما عددنا مع زيادة هيئتهما وما يتعلق بتشخيصهما.

استدل الأخفش بالآية الثالثة على جواز العطف على عاملين.

مختلفين وهما في قراءة النصب "أن" وفي أقيمت الواو مقامها فعملت الجر في اختلاف الليل، والنصب في آيات وهما في قراءة الرفع الابتداء وفي.

وخرج لسيبويه في جوابه وجهان: أحدهما أن قوله ﴿ آيات ﴾ تكرار محض للتأكيد فقط من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إن في الدار زيداً وفي الحجرة زيداً والمسجد زيداً، وأنت تريد أن في الدار زيداً والحجرة والمسجد.

والثاني إضمار في لدلالة الأول عليه، ويحتمل أن ينتصب ﴿ آيات ﴾ على الاختصاص.

ويرتفع بإضمار هي.

وتفسير هذه الآيات قد مر في نظائرها مراراً ولا سيما في أواسط "البقرة" ومما يختص بالمقام أنه خص المؤمنين بالذكر أولاً ثم قال ﴿ لقوم يوقنون ﴾ ثم ﴿ يعقلون ﴾ فما سبب هذا الترتيب؟

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : أراد إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإلا فإن كنتم طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، وقال جار الله: معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح علموا أنها لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال.

وفي خلق ما بث من الدواب على ظهر الأرض، ازدادوا إيماناً وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس، وإذا نظروا في سائر الحوادث كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار التي هي سبب الأرزاق وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم عقلهم وخلص يقينهم.

وأقول: الدلائل المذكورة في هذه الآيات قسمان: نفسية وخارجية.

فالنفسية أولى بالإيقان لأنه لا شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، والخارجية بعضها فلكية وبعضها آثار علوية.

فالفلكية لبعدها عن الإنسان اكتفى فيها بمجرد التصديق، وأما الآثار العلوية فكانت أولى بالنظر والاستدلال لقربها وللإحساس بها فلا جرم خصت بالتعقل والتدبر، وأما تقديم السموات على الأرض فلشمولها ولتقدمها في الوجود.

﴿ تلك ﴾ مبتدأ والتبعيد للتعظيم والمشار إليها الآيات المتقدمة و ﴿ نتلوها ﴾ في محل الحال.

وقوله ﴿ بعد الله وآياته ﴾ كقولهم: أعجبني زيد وكرمه.

وأصله بعد آيات الله.

والمعنى أن من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه.

وقيل: معناه القرآن آخر كتب الله، ومحمد آخر رسله.

فإن لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبي.

ثم أوعد الناس المبالغين في الإثم وقد مر ما في الآية في سورة لقمان.

قوله ﴿ وإذا علم ﴾ أي شعر وأحس بأنه من جملة القرآن المنزل خاض في الاستهزاء، وإذا وقف على آية لها محل في باب الطعن والقدح افترضه وحمله على الوجه الموجب للطعن كافتراض ابن الزبعري في قوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله  ﴾ وإنما أنّث الضمير في قوله ﴿ اتخذها ﴾ لأن الشيء في معنى الآية أو لأنه أراد أن يتخذ جميع الآيات هزواً ولا يقتصر على الاستهزاء بما بلغه.

قوله ﴿ من ورائهم جهنم ﴾ كل ما توارى عنك فهو وراء تقدم أو تأخر، وقد مر في سورة إبراهيم  ﴿ هذا هدى ﴾ أي هذا القرآن كامل في باب الهداية والإرشاد.

ثم ذكر دليلاً آخر على الوحدانية وهو تسخير البحر لبني آدم وقد سبق وجه الدلالة مراراً.

وقوله ﴿ ولتبتغوا ﴾ أي بسبب التجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان أو باستخراج اللحم الطري.

ثم عمم بعد التخصيص وقوله ﴿ منه ﴾ في موضع الحال أي سخر جميع ما في السموات والأرض كائنة منه، يريد أنه أوجدها بقدرته وحكمته ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه.

عن ابن عباس برواية عطاء أن الصحابة نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر - يقال لها المريسيع - فأرسل عبد الله بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟

قال: غلام عمر قعد على رأس البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قرب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه.

فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله  ﴿ قل للذين آمنوا ﴾ يعني عمر ﴿ يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ لا يتوقعون وقائعه بأعداء الله أو لا يأملون قوة المؤمنين في أيام الله الموعودة لهم، والمراد الصفح والإعراض.

عن عبد الله بن أبي وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله  ﴾ قال اليهودي فنحاص بن عازوراء: احتاج رب محمد فبلغ ذلك عمر فأخذ سيفه فخرج في طلبه، فجاء جبرائيل وأنزل الآية هذه.

وليس المقصود أن لا تقتلوا ولا تقاتلوا حتى يلزم نسخها بآية القتال كما ذهب إليه كثير من المفسرين، ولكن الأولى أن يحمل على ترك المنازعة في المحقرات وفي أفعالهم الموحشة المؤذية، وإنما أنكر ﴿ قوماً ﴾ مع أنه أراد بقوم الذين آمنوا وهم معارف ليدل على مدحهم والثناء عليهم كأنه قيل: لنجزي قوماً كاملين في الصبر والإغضاء على أذى الأعداء ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه، وقيل: القوم هم الكافرون الكاملون في النفاق.

ثم فصل الجزاء وعمم الحكم بقوله ﴿ من عمل صالحاً ﴾ الآية.

ثم بين أن للمتأخرين من الكفار أسوة بالمتقدمين منهم والكتاب التوراة والحكم بيان الشرائع والبينات من الأمر أدلة أمور الدين.

وقال ابن عباس: يريد أنه تبين لهم من أمر النبي  أنه مهاجر من تهامة إلى يثرب.

وقيل: هي المعجزات القاهرة على صحة نبوة موسى ﴿ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه احتمالان: أحدهما علموا ثم عاندوا، والثاني جاءهم أسباب المعرفة التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ولكنهم أظهروا النزاع حسداً.

﴿ ثم جعلناك على شريعة ﴾ أي منهاج وطريقة ﴿ من الأمر ﴾ أمر الدين وقيل: من الأمر الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا.

قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي  وهو بمكة ارجع إلى ملة آبائك وهم كانوا أفضل منك وأسن فزجره الله  عن ذلك بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ إلى آخره أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفعه عنك.

ثم أشار بعد النهي عن اتباع أهوائهم بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ أتباعهم إلى الفرق بين ولاة الظالمين وهم أشكالهم من الظلمة، وبين ولي المتقين وهو الله  .

ومن جملة آثار ولايته وبركة عنايته ﴿ هذا ﴾ القرآن.

وقيل: ما تقدم من اتباع الشريعة وترك طاعة الظالم وجعل القرآن مشاراً إليه أولى لقوله ﴿ بصائر من ربكم ﴾ إلى آخره.

وقد مر في آخر "الأعراف" مثله.

ثم بين الفرق بين الظالمين والمتقين من وجه آخر قائلاً ﴿ أم حسب ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة والآية نظيرة ما سلف في "ص" ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين  ﴾ والاجتراح الاكتساب.

من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فمعناه مستوياً والظاهر بعده فاعله ويكون انتصابه على البدل من ثاني مفعولي ﴿ نجعل ﴾ وهو الكاف.

من قرأ بالرفع بخبر ﴿ ومحياهم ﴾ مبتدأ والجملة بدل أيضاً لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً.

والمعنى إنكار أن يستوي الفريقان حياة وموتاً، لأن المحسنين عاشوا على الطاعة وإنهم عاشوا على المعصية ومات أولئك على البشرى والرحمة، ومات هؤلاء على الضد.

وقيل: معناه إنكار أن يستويا في الممات كما استووا في الحياة من حيث الصحة والرزق، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن.

فالفرق المقتضي لسعادة المؤمن وشقاوة الكافر إنما يظهر بعد الوفاة.

وقيل: إنه كلام مستأنف، والمراد أن كلاً من الفريقين يموت على حسب ما عاش عليه لقوله  : " كما تعيشون تموتون" وحين أفتى بأن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادات استدل على صحة هذه الدعوى بقوله ﴿ وخلق الله ﴾ الآية.

قال جار الله: ﴿ ولتجزى ﴾ معطوف على ﴿ بالحق ﴾ لأنه في معنى التعليل أي للعدل، أو ليدل بها على قدرته وللجزاء.

ويجوز أن يكون المعلل محذوفاً وهو فعلنا ونحوه.

والحاصل أن الغاية من خلق السماء والأرض كان هو الإنسان الكامل فكيف يترك الله جزاءه وجزاء من هو ضده والتميز بينهما بموجب العدالة.

ثم قرر أسباب ضلال المضلين قائلاً ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ أي يتبع ما تدعو إليه نفسه الأمارة وقد مر في الفرقان ﴿ وأضله الله على علم ﴾ بحالة أنه من أهل الخذلان والقهر، أو على علم الضلال في سابق القضاء، أو على علم بوجوه الهداية وإحاطته بالألطاف المحصلة لها.

وقيل: أراد به المعاند لأن ضلاله عن علم ﴿ فمن يهديه من بعد ﴾ إضلال ﴿ الله ﴾ قال بعض العلماء: قدم السمع على القلب في هذه الآية وبالعكس في "البقرة" لأن كفار مكة كانوا يبغضونه بقلوبهم وما كانوا يستمعون إليه وكفار المدينة، كانوا يلقون إلى الناس أن النبي  شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه.

ففي هذه الصورة على هذا التقدير كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي الصورة الأولى كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فورد ما في كل سورة على ترتيبه.

ثم ذكر من أسباب الضلال سبباً آخر وهو إنكارهم البعث معتقدين أن لا حياة إلاّ هذه.

وليس قولهم الدنيا تسلماً لثانية وإنما هو قول منهم على لسان المقرين وبزعمهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ فيه تقديم وتأخير على أن الواو لا توجب الترتيب.

وقيل: يموت الآباء وتحيا الأبناء وحياة الأبناء حياة الآباء، أو يموت بعض، ويحيا بعض، أو أرادوا بكونهم أمواتاً حال كونهم نطفاً، أو هو على مذهب أهل التناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في بدن آخر.

ثم إنهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا إليه إنكار المبدأ قائلين ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ اعتقدوا أن تولد الأشخاص وكون الممتزجات وفسادها ليس إلا بسبب مزاوجات الكواكب.

ولا حاجة في هذا الباب إلى مبدىء المبادىء فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ وما لهم بذلك من علم ﴾ أي ليس لهم على ما قالوه دليل وإنما ذكروا ذلك ظناً تخميناً واستبعاداً فلا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى قولهم، لأن الحجة قامت على نقيض ذلك وهي دليل المبدأ والمعاد المذكور مراراً وأطوراً.

وليس قولهم ﴿ ائتوا بآبائنا ﴾ من الحجة في شيء لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال فإنه يمتنع حصوله في الاستقبال بدليل الحادث اليومي الممتنع حصوله في الأمس، فوجه الاستثناء أنه في أسلوب قوله: تحية بينهم ضرب وجيع *** وحين بكتهم وسكتهم صرح بما هو الحق وقال ﴿ قل الله يحييكم ﴾ إلى آخره.

ثم أراد أن يختم السورة بوصف يوم القيامة وما سيجري على الكفار فيه فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ العامل فيه يخسر وقوله ﴿ يومئذ ﴾ بدل من ﴿ يوم ﴾ وفيه تأكيد للحصر المستفاد من تقديم الظرف.

قال ابن عباس: الجاثية المجتمعة للحساب المترقبة لما يعمل بها.

وقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم.

وقيل: مستوفزاً لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله.

والجثو للكفار خاصة.

وقيل: عام بدليل قوله بعد ذلك ﴿ فأما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين كفروا ﴾ ﴿ تدعى إلى كتابها ﴾ يريد كتاب الحفظة ليقرؤه.

وقال الجاحظ: إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا.

ويقال: يا أهل التوراة يا أهل القرآن.

﴿ اليوم تجزون ﴾ بتقدير القول ومما يؤيد القول الأول قوله ﴿ هذا كتابنا ﴾ إلى قوله ﴿ إنا كنا نستنسخ ﴾ أي نأمر بالنسخ.

وإضافة الكتاب تارة إليهم وأخرى إلى الله عز وجل صحيحة لأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فأضيف إليهم لأن أعمالهم مثبتة فيه، وأضيف إلى الله  لأنه أمر ملائكته بكتبه.

قوله ﴿ أفلم تكن ﴾ القول فيه مقدر أي فيقال لهم ذلك قوله ﴿ إن نظن إلا ظناً ﴾ قال أبو علي والأخفش: هذا الكلام جار على غير الظاهر لأن كل من يظن فإنه لا يظن إلا الظن، فتأويله أن ينوي به التقديم أي ما نحن إلا نظن ظناً.

وقال المازني: تقديره إن نظن نحن إلا ظناً منكم أي أنتم شاكون فيما تزعمون وما نحن بمستيقنين أنكم لا تظنون.

وقال جار الله: أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب.

فأدخل أداة الحصر ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه وأقول: الظن قد يطلق على ما يقرب من العلم، ولا ريب أن لهذا الرجحان مراتب وكأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا ثبوت علم فيه وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ وما نحن بمستيقنين ﴾ وباقي السورة واضح مما سلف والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: نفر من الكفرة قالوا: والله إن كان ما يقوله محمد من الثواب والنعيم في الجنة حقّاً فنحن أولى بذلك منهم، كما كنا في نعيم الدنيا ولذاتها أولى منهم، ولنعطين أفضل مما يعطون، ولنفضلن عليهم كما فضلنا في الدنيا؛ فأنزل الله -  وتعالى - في ذلك: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...

﴾ الآية.

لكن هذا التأويل ضعيف؛ لأن هذا لا يصلح أن يكون جواباً للنازلة التي ذكرها أهل التأويل؛ لأن أولئك قالوا: نحن أولى بما يكون في الآخرة من النعيم واللذات منهم كما كنا في الدنيا أولى، وكما فضلنا في الدنيا نفضل في الآخرة؛ فلا يكون قوله -  -: ﴿ أَن نَّجْعَلَهُمْ ...

سَوَآءً ﴾ جواباً لما قالوا، وهم إنما قالوا: نحن أولى بذلك، ونحن نفضل فيها كما فضلنا في الدنيا؛ فإذا كانوا حسبوا هم أنهم يفضلون على المؤمنين في الآخرة دون المساواة كيف يخبر عنهم أنهم حسبوا التساوي، ولا خلف في خبر الله - عز وجل - والله أعلم.

لكن الآية عندنا إنما كانت في منكري البعث وجاحديه، يقول - والله أعلم -: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً...

﴾ الآية أي: لو كان الأمر على ما ظن أولئك بأن لا بعث ولا نشور كان في ذلك جعل ﴿ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ - أي: الشرك - ﴿ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾ ؛ لأنهم جميعاً قد استووا في هذه الدنيا، في لذاتها، ونعيمها، وشدتها، وآلامها، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما والتمييز، وإنزال كل واحد منهما منزلته، وما يستحقه المسيء العقوبة، وجزاء الإساءة، والمحسن الإحسان والإفضال وجزاء إحسانه، فإذا جمع بينهما في هذه الدنيا على ما ذكرنا دل أن هنالك داراً أخرى فيها يفرق ويميز بينهما في حق الثواب والعقاب - والله أعلم - وهو كقوله -  -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ لو كان كما ظن أولئك الكفرة أن لا بعث ولا نشور كان خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما باطلا على ظنهم، فكذلك قوله  : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] صير خلق السماوات والأرض إذا لم يكن هنالك رجوع إليه عبثاً باطلا، فهذا أولى وأحق أن يصرف إليه الآية، وعلى ذلك ما ذكر في قوله -  -: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ...

﴾ الآية [الأنعام: 50]، وقوله - عز وجل -: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً  ﴾ أي: لا يستويان، ولو كان الأمر على ما ظن أولئك أن لا بعث ولا نشور ولا حياة، كان في ذلك استواء بين من ذكر، وقد سوى بينهما في الدنيا، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما والتمييز؛ إذ لا يجوز التسوية بين الولي والعدوّ، وقد سوى بينهما في الدنيا؛ فعلم أن المراد به نفي الاستواء بينهما في دار أخرى، والله الموفق.

ثم اختلف أهل الكلام فيما يعطى الولي والعدو في هذه الدنيا من الصحة والسلامة؛ على قول أكثر المعتزلة أن الله -  - لا يعطي أحداً في الدنيا من كافر أو مؤمن شيئاً إلا وهو أصلح له في الدين، ثم على قولهم لا يظهر عفو الله  في الآخرة؛ لأنهم يقولون: إنما يستوجبون الثواب والجنة بأعمالهم، لا برحمة الله -  - فإذا عفا عن المسيء فلا يعلم أنه كان مستحقّاً لذلك أو يعفو عنه فضلا.

وعندنا أن ما أعطاهم إنما يعطيهم إفضالا منه ورحمة، فيعرفون فضله وإحسانه وعفوه، وأكثر أصحابنا يقولون: إن جميع ما أعطى الكافر في الدنيا فهو شر له؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 55-56\]، ونحو ذلك ما يخبر أن ما يعطي إياهم يكون شرّاً لهم، وما أعطى [المؤمنين] يكون خيراً لهم.

ولكن عندنا ليس هذا على الإطلاق والإرسال، ولكن ما كان توفيقاً منه على الخيرات في نفسها فهو خير له، وما كان خذلاناً فهو شرّ له، وليس على الله حفظ الأصلح لهم؛ على ما يقوله المعتزلة، ولكنه يفعل بهم ما هو حكمة [و]عدل كما يفعل ما هو إحسان وفضل، والله الموفق.

قال القتبي: ﴿ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ أي: اكتسبوها، ومنه قيل لكلاب الصيد: جوارح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ كأنه يقول - والله أعلم -: ﴿ وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ أي: إنما خلق ما ذكر بالحق لتجزى كل نفس بما كسبت، فلو لم يكن جزاء لما كسبوا في الدنيا في الآخرة على ما قال أولئك الكفرة أن لا جزاء من الثواب والعقاب؛ لإنكارهم البعث - لم يكن خلقهما بالحق؛ على ما ذكرنا، فتبين أنه إنما صار خلقهما [بالحق] إذا كان هنالك جزاء؛ وهذا يدل على أن الآية الأولى هي في منكري البعث، ليست فيما ذكر أهل التأويل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على التحقيق؛ على ما قاله عامة أهل التأويل: أنهم عبدوا كل شيء [استحسنوه، فإذا] استحسنوا شيئاً آخر أحسن منه تركوا عبادة الأول وعبدوا الثاني: فتلك كانت عادتهم، وذلك اتخاذ الآلهة بهواهم؛ إذ الإله هو المعبود عندهم، وهو التحقيق الذي ذكرنا.

والثاني: على التمثيل، وهو ما قال قتادة أنهم ما هووا شيئاً إلا ركبوه، لا تمنعهم مخافة الله عما هووه، ولا تردعهم خشيته عما اشتهوا، فصيروا هواهم متبعاً، فهو كالإله لهم، لا يتبعون أمر الله، فلا يكترثون له، أو كلام نحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: أضله الله على علم من ذلك الإنسان بطريق الهدى والحق، لا أنه أضله على خفاء من ذلك الإنسان بالطريق الحق وسبيله؛ أي: قد بين له السبيل وطريق الحق، لكنه باختياره الضلال أضله؛ لما علم منه أنه يختار الضلال والكفر؛ ليكون ما علم أنه يكون ويختار، والله أعلم.

والثالث: أضله الله -  - على علم؛ أي: أنشأ منه فعل الضلال على علم منه بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً ﴾ ؛ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: غطى قلبه بما هواه، وجعل فيه ظلمة، فتلك الظلمة وذلك الغطاء أوجب غطاء السمع والبصر، وحال بينه وبين سماع الحجج والبراهين، وصارت ظلمة البصر وغطاؤه مانعاً لهم عن اكتساب التدبّر والتفكر.

ويحتمل أن يكون ما هووه مانعاً لهم عن اكتساب الحياة الدائمة لما لو اتبعوا أمر الله -  - وما دعاهم إليه كانت لهم تلك الحياة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ  ﴾ ، فما هووه واتبعوه منعهم عن اكتساب الحياة الدائمة المدعو إليها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ ﴾ هذا - أيضاً - يحتمل وجهين: أحدهما: حقيقة الهداية، وهو التوفيق والعصمة، فكأنه يقول - والله أعلم -: فمن يقدر دون الله [على] هدايته وتوفيقه بعد اختياره الضلال.

والثاني: الهدى: البيان؛ فكأنه يقول: فمن يقدر أن يأتي ببيان أكثر وأبين من بعد بيان الله -  - الذي بين له؟

أي: لا أحد يقدر [على] ذلك ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ أي: أفلا تتعظون، أو ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ بيان الله أو ما بين لكم، والله أعلم.

ثم الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً؛ لئلا يشتغل بهم، ولا يهمّ لهم، ولكن يشتغل بغيرهم، ويقطع طمعه عن إيمانهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: ما قالوا: ما الحياة إلا حياة الدنيا.

ويحتمل أنهم يقولون: ﴿ مَا هِيَ ﴾ أي: لا حياة إلا الحياة التي دنت منا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: نموت نحن وتحيا أبناؤنا وأولادنا.

والثاني: ﴿ نَمُوتُ ﴾ أي: كنا ميتين فحيينا ﴿ نَمُوتُ ﴾ بمعنى: كنا أمواتاً ﴿ وَنَحْيَا ﴾ أي: فصرنا أحياء، ثم لا حياة بعد تلك الحياة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ما يهلكنا إلا مرور الأزمنة والأوقات؛ أي: بسبب مرور الأوقات ينتهي آجالنا، ونبلغ إلى الهلاك، وكذلك قال القتبي: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ﴾ أي: إلا مرور السنين والأيام.

والثاني: أن يكون الدهر عندهم عبارة عن الأبد؛ فكأنهم يقولون في قوله: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ﴾ : وما يهلك أنفسنا إلا الدهر؛ لأن أنفسنا لم تجعل للأبد، ولا للبقاء للأبد، بل جعلت للانقضاء والفناء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾ أي: ما هم إلا على ظن يظنون.

والثاني: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ ﴾ أي: وما لهم بما قالوا: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ﴾ - ﴿ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾ أي: ما هم إلا على ظن يظنون؛ أي: على ظن يقولون ذلك، لا عن علم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: وإذا تتلى عليهم آياتنا في البعث والحياة بعد الموت ﴿ بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: ما يوضح ويبين لهم البعث والحياة بعد الموت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، والإشكال: أنه [لماذا] ذكر ﴿ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ ﴾ إذ لم يعذروا.

فنقول: الحجة هي التي إذا أقامها الإنسان وأتى بها عذر في ذلك، وما قالوا لم يكن حجة؛ إذ لم يعذروا، فيكون معنى قوله: ﴿ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ ﴾ أي: ما كان احتجاجهم إلا أن قالوا كذا.

أو نقول: ما كانوا يحتجون إلا أن قالوا كذا.

ثم قوله: ﴿ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ فيه دلالة ألا يلزم المسئول أن يأتي بحجة وآية يختارها السائل ويشتهيها، لكن يلزمه أن يأتي بما هو حجة في نفسه، ويلزمه الاتباع بها، فأما أن يلزم على ما يختاره السائل أو يتمناه فلا، وقد أتاهم الله -  - من الآيات والحجج ما ألزمهم القول بالبعث والإقرار به.

ثم أخبر أن الله -  - هو يحييكم ثم يميتكم، لا الدهر الذي قالوا، وهو قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ﴾ أي: يحييكم في قبوركم، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ فيها، ﴿ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

أو يقول: ﴿ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ﴾ في ابتداء الأمر، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ في الدنيا عند انقضاء آجالكم، ﴿ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: ولكن أكثر الناس لا ينتفعون بما يعلمون.

أو يقول: ولكن أكثر الناس لا يعلمون؛ لما تركوا النظر بالتأمل في أسباب العلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هل يظن الذين اكتسبوا بجوارحهم الكفر والمعاصي أن نجعلهم في الجزاء مثل الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات، بحيث يستوون في الدنيا والآخرة؟!

قبح حكمهم هذا.

<div class="verse-tafsir" id="91.4OLxE"

مزيد من التفاسير لسورة الجاثية

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر