الآية ٢٩ من سورة الجاثية

الإسلام > القرآن > سور > سورة 45 الجاثية > الآية ٢٩ من سورة الجاثية

هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٩ من سورة الجاثية: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة الجاثية عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ) أي : يستحضر جميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص ، كقوله تعالى : ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) [ الكهف : 49 ] .

وقوله : ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) أي : إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم .

قال ابن عباس وغيره : تكتب الملائكة أعمال العباد ، ثم تصعد بها إلى السماء ، فيقابلون الملائكة الذين في ديوان الأعمال على ما بأيديهم مما قد أبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر ، مما كتبه الله في القدم على العباد قبل أن يخلقهم ، فلا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا ، ثم قرأ : ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) يقول تعالى ذكره: لكلّ أمة دعيت في القيامة إلى كتابها الذي أملت على حفظتها في الدنيا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فلا تجزعوا من ثوابناكم على ذلك, فإنكم ينطق عليكم إن أنكرتموه بالحق فاقرءوه ( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) يقول: إنا كنا نستكتب حفظتنا أعمالكم, فتثبتها في الكتب وتكتبها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا طلق بن غنام, عن زائدة, عن عطاء بن مقسم, عن ابن عباس ( هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ ) قال: هو أمّ الكتاب فيه أعمال بني آدم ( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) قال: نعم, الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا يعقوب القمي, قال: ثني أخي عيسى بن عبد الله بن ثابت الثُّمالي, عن ابن عباس, قال: " إن الله خلق النون وهي الدواة, وخلق القلم, فقال: اكتب, قال: ما أكتب, قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول, برّ أو فجور, أو رزق مقسوم, حلال أو حرام, ثم ألزم كلّ شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا, ومقامه فيها كم, وخروجه منه كيف, ثم جعل على العباد حفظة, وعلى الكتاب خزانا، فالحفظة ينسخون كلّ يوم من الخزان عمل ذلك اليوم, فإذا فني الرزق وانقطع الأثر, وانقضى الأجل, أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم, فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئا, فترجع الحفظة, فيجدونهم قد ماتوا, قال: فقال ابن عباس: ألستم قوما عربا تسمعون الحفظة يقولون ( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل ".

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عمرو, عن عطاء, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس ( هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ ) قال: الكتاب: الذكر ( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) قال: نستنسخ الأعمال.

وقال آخرون في ذلك ما حدثنا الحسن بن عرفة, قال: ثنا النضر بن إسماعيل, عن أبي سنان الشيبانيّ, عن عطاء بن أبي رباح, عن أبي عبد الرحمن السلميّ, عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إن لله ملائكة ينـزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون .قوله تعالى : هذا كتابنا قيل من قول الله لهم .

وقيل : من قول الملائكة .

ينطق عليكم بالحق أي يشهد .

وهو استعارة يقال : نطق الكتاب بكذا أي : بين .

وقيل : إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا ، فكأنه ينطق عليهم ، دليله قوله : ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .

وفي المؤمنين : ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون وقد تقدم .

و ينطق في ، موضع الحال من الكتاب ، أو من ذا ، أو خبر ثان لذا ، أو يكون كتابنا بدلا من هذا وينطق الخبر .إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون أي نأمر بنسخ ما كنتم تعملون .

قال علي - رضي الله عنه - : إن لله ملائكة ينزلون كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم .

وقال ابن عباس : إن الله وكل ملائكة مطهرين فينسخون من أم الكتاب في رمضان كل ما يكون من أعمال بني آدم فيعارضون حفظة الله على العباد كل خميس ، فيجدون ما جاء به الحفظة من أعمال العباد موافقا لما في كتابهم الذي استنسخوا من ذلك الكتاب لا زيادة فيه ولا نقصان .

قال ابن عباس : وهل يكون النسخ إلا من كتاب .

الحسن : نستنسخ ما كتبته الحفظة على بني آدم ، لأن الحفظة ترفع إلى الخزنة صحائف الأعمال .

وقيل : تحمل الحفظة كل يوم ما كتبوا على العبد ، ثم إذا عادوا إلى مكانهم نسخ منه الحسنات والسيئات ، ولا تحول المباحات إلى النسخة الثانية .

وقيل : إن الملائكة إذا رفعت أعمال العباد إلى الله - عز وجل - أمر بأن يثبت عنده منها ما فيه ثواب وعقاب ، ويسقط من جملتها ما لا ثواب فيه ولا عقاب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم، يفصل بينكم بالحق الذي هو العدل، { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فهذا كتاب الأعمال.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( هذا كتابنا ) يعني ديوان الحفظة ( ينطق عليكم بالحق ) يشهد عليكم ببيان شاف ، فكأنه ينطق وقيل : المراد بالكتاب اللوح المحفوظ .

( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) أي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم .

وقيل : " نستنسخ " أي نأخذ نسخته ، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان ، فيثبت الله منه ما كان له فيه ثواب أو عقاب ، ويطرح منه اللغو نحو قولهم : هلم واذهب .

وقيل : الاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم ، والاستنساخ لا يكون إلا من أصل ، فينسخ كتاب من كتاب .

وقال الضحاك : نستنسخ أي نثبت .

وقال السدي : نكتب .

وقال الحسن : نحفظ .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هذا كتابنا» ديوان الحفظة «ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ» نثبت ونحفظ «ما كنتم تعملون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذا كتابنا ينطق عليكم بجميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص، إنَّا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق )أى : هذا كتابنا الذى سجلته عليكم الملائكة ، يشهد عليكم بالحق ، لأنه لا زيادة فيما كتب عليكم ولا نقصان ، وإنما هى أعمالكم أحصيناها عليكم .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( هذا كِتَابُنَا ) قيل من لقول الله لهم .

وقيل من قول الملائكة .( يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق ) أى : يشهد .

وهو استعارة ، يقال : نطق عليهم .دليله قوله - تعالى - : ( وَيَقُولُونَ ياويلتنا مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ) وقوله - سبحانه - : ( وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بالحق وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) وقوله : ( يَنطِقُ ) فى موضع الحال من الكتاب .وقال الجمل فى حاشيته : فإن قيل : كيف أضيف الكتاب إليهم فى قوله : ( كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كِتَابِهَا ) .وأضيف هنا إلى الله - تعالى - فقال : ( هذا كِتَابُنَا ) .فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين ، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم ، وكتاب الله ، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذى أمر الملائكة بكتابته .وقوله - سبحانه - : ( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) تعليل للنطق بالحق ، أى : إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم ، أى : بكتابتها وتثبتها عليكم فى الصحف ، حسنة كانت أو سيئة ، فالمراد بالنسخ هنا : الإِثبات لا الإِزالة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما احتج بكونه قادراً على الإحياء في المرة الأولى، وعلى كونه قادراً على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، عمم الدليل فقال: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض ﴾ أي لله القدرة على جميع الممكنات سواء كانت من السموات أو من الأرض، وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كل الممكنات، وثبت أن حصول الحياة في هذه الذات ممكن، إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل في المرة الأولى فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء في المرة الثانية.

ولما بيّن تعالى إمكان القول بالحشر والنشر بهذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوال القيامة فأولها: قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المبطلون ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: عامل النصب في يوم تقوم يخسر، ويومئذ بدل من يوم تقوم.

البحث الثاني: قد ذكرنا في مواضع من هذا الكتاب أن الحياة والعقل والصحة كأنها رأس المال، والتصرف فيها لطلب سعادة الآخرة يجري مجرى تصرف التاجر في رأس المال لطلب الربح، والكفار قد أتعبوا أنفسهم في هذه التصرفات وما وجدوا منها إلا الحرمان والخذلان فكان ذلك في الحقيقة نهاية الخسران.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ﴾ قال الليث الجثو الجلوس على الركب كما يجثى بين يدي الحاكم، قال الزجاج ومثله جذا يجذو، قال صاحب الكشاف: وقرئ جاذية، قال أهل اللغة والجذو أشد استيفازاً من الجثو، لأن الجاذي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وعن ابن عباس جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها.

ثم قال تعالى: ﴿ كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كتابها ﴾ على الابتداء وكل أمة على الإبدال من كل أمة، وقوله: ﴿ إلى كتابها ﴾ أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفى باسم الجنس كقوله تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ  ﴾ والظاهر أنه يدخل فيه المؤمنون والكافرون لقوله تعالى بعد ذلك ﴿ فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ ﴾ فإن قيل الجثو على الركبة إنما يليق بالخائف والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة، قلنا إن المحق الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة إلى أن يظهر كونه محقاً.

ثم قال تعالى: ﴿ اليوم تُجْزَوْنَ ﴾ والتقدير يقال لهم اليوم تجزون، فإن قيل كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟

قلنا لا منافاة بين الأمرين لأنه كتابهم بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه ﴿ يَنطِقُ عَلَيْكُم ﴾ أي يشهد عليكم بما عملتم من غير زيادة ولا نقصان ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ ﴾ الملائكة ﴿ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي نستكتبهم أعمالكم.

ثم بيّن أحوال المطيعين فقال: ﴿ فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر بعد وصفهم بالإيمان كونهم عاملين للصالحات، فوجب أن يكون عمل الصالحات مغايراً للإيمان زائداً عليه.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة علق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والأعمال الصالحة، والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عند عدم أحدهما، فعند عدم الأعمال الصالحة وجب أن لا يحصل الفوز بالجنة وجوابنا: أن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف.

المسألة الثالثة: سمى الثواب رحمة والرحمة إنما تصح تسميتها بهذا الاسم إذا لم تكن واجبة، فوجب أن لا يكون الثواب واجباً على الله تعالى.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءاياتى تتلى عَلَيْكُمْ فاستكبرتم وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قسماً ثالثاً وهذا يدل على أن مذهب المعتزلة إثبات المنزلتين باطل.

المسألة الثانية: أنه تعالى علل أن استحقاق العقوبة بأن آياته تليت عليهم فاستكبروا عن قبولها، وهذا يدل على استحقاق العقوبة لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع، وذلك يدل على أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع، خلافاً لما يقوله المعتزلة من أن بعض الواجبات قد يجب بالعقل.

المسألة الثالثة: جواب ﴿ أَمَّا ﴾ محذوف والتقدير: وأما الذين كفروا فيقال لهم: أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم عن قبول الحق وكنتم قوماً مجرمين فإن قالوا كيف يحسن وصف الكافر بكونه مجرماً في معرض الطعن فيه والذم له؟

قلنا معناه أنهم مع كونهم كفاراً ما كانوا عدولاً في أديان أنفسهم، بل كانوا فساقاً في ذلك الدين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عامل النصب في ﴿ ويَوْمَ تَقُومُ ﴾ يخسر، و ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ بدل من (يوم تقول) ﴿ جَاثِيَةً ﴾ باركة مستوفزة على الركب.

وقرئ ﴿ جاذية ﴾ والجذّو: أشد استيفازاً من الجثوّ: لأن الجاذي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه: وعن ابن عباس رضي الله عنهما: جاثية مجتمعة.

وعن قتادة جماعات من الجثوة، وهي الجماعة، وجمعها: جثى.

وفي الحديث: «من جثى جهنم» وقرئ: ﴿ كُلَّ أُمَّةٍ ﴾ على الابتداء، وكل أمة: على الإبدال من كل أمة ﴿ إلى كتابها ﴾ إلى صحائف أعمالها، فاكتفى باسم الجنس، كقوله تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ﴾ [الكهف: 49] .

﴿ اليوم تُجْزَوْنَ ﴾ محمول على القول.

فإن قلت: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله عزَّ وجل؟

قلت: الإضافة تكون للملابسة، وقد لابسهم ولابسه، أما ملابسته إياهم، فلأن أعمالهم مثبتة فيه.

وأما ملابسته إياه؛ فلأنه مالكه، والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه أعمال عباده ﴿ يَنطِقُ عَلَيْكُم ﴾ يشهد عليكم بما عملتم ﴿ بالحق ﴾ من غير زيادة ولا نقصان ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ ﴾ الملائكة ﴿ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي نستكتبهم أعمالكم ﴿ فِى رَحْمَتِهِ ﴾ في جنته.

وجواب أما محذوف تقديره: وأما الذين كفروا فيقال لهم ﴿ أَفَلَمْ تَكُنْ ءاياتي تتلى عَلَيْكُمْ ﴾ والمعنى ألم يأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم، فحذف المعطوف عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ﴾ مُجْتَمِعَةً مِنَ الجَثْوَةِ وهي الجَماعَةُ، أوْ بارِكَةً مُسْتَوْفِزَةً عَلى الرَّكْبِ.

وقُرِئَ «جاذِيَةً» أيْ جالِسَةً عَلى أطْرافِ الأصابِعِ لِاسْتِيفازِهِمْ.

﴿ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها ﴾ صَحِيفَةِ أعْمالِها.

وقَرَأ يَعْقُوبُ: كُلَّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ وتُدْعى صِفَةٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ.

﴿ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ مَحْمُولٌ عَلى القَوْلِ.

﴿ هَذا كِتابُنا ﴾ أضافَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ أمَرَ الكَتَبَةَ أنْ يَكْتُبُوا فِيها أعْمالَهم.

﴿ يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ ﴾ يَشْهَدُ عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ بِلا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ.

﴿ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ﴾ نَسْتَكْتِبُ المَلائِكَةَ.

﴿ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أعْمالَكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هذا كتابنا} أضيف الكتاب إليهم لملابسته إياهم لأن أعمالهم مثبتة فيه وإلى الله تعالى لأنه مالكه والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه اعمال عباده {ينطق}

{عَلَيْكُم} يشهد عليكم بما عملتم {بالحق} من غير زيادة ولا نقصان {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي نستكتب الملائكة أعمالكم وقيل نسخت واستنسخت بمعنى وليس ذلك بنقل من كتاب بل معناه نثبت

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا كِتابُنا ﴾ إلى آخِرِهِ مِن تَمامِ ما يُقالُ حِينَئِذٍ، والإشارَةُ إلى اَلْكِتابِ اَلَّذِي تُدْعى إلَيْهِ اَلْأُمَّةُ اَلْمَقُولُ لَها ذَلِكَ، وهو إذا كانَ صَحِيفَةَ اَلْأعْمالِ فَإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ عَلى اَلتَّجَوُّزِ في اَلنِّسْبَةِ اَلْإضافِيَّةِ فَإنَّهُ تَعالى اَلَّذِي أمَرَ اَلْكَتَبَةَ أنْ يَكْتُبُوا فِيهِ أعْمالَهُمْ، وإنْ كانَ اَلْكِتابُ اَلْمُنَزَّلَ عَلى نَبِيِّ تِلْكَ اَلْأُمَّةِ أوِ اَللَّوْحَ اَلْمَحْفُوظَ فَأمْرُ اَلْإضافَةِ ظاهِرٌ، وضَمِيرُ اَلْعَظَمَةِ عَلى سائِرِ اَلْأوْجُهِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ اَلْكِتابِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلضَّمِيرُ لِلْكَتَبَةِ والإضافَةُ فِيهِ حَقِيقِيَّةٌ قِيلَ: ويَأْباهُ ﴿ نَسْتَنْسِخُ ﴾ إلّا أنْ يُجْعَلَ بِمَعْنى نَنْسَخُ ونَكْتُبُ وسَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى ما فِيهِ، والأظْهَرُ عِنْدِي حَمْلُ اَلْكِتابِ في اَلْمَوْضِعَيْنِ عَلى صَحِيفَةِ اَلْأعْمالِ واسْمُ اَلْإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ يَشْهَدُ عَلَيْكم ﴿ بِالحَقِّ ﴾ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ أوْ مُسْتَأْنَفٌ، و(بِالحَقِّ) حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ يَنْطِقُ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ﴾ إلى آخِرِهِ تَعْلِيلٌ لِنُطْقِهِ عَلَيْهِمْ بِأعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنها أيْ إنّا كُنّا فِيما قَبْلُ نَسْتَنْسِخُ اَلْمَلائِكَةَ أيْ نَجْعَلُها تَنْسَخُ وتَكْتُبُ ﴿ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ في اَلدُّنْيا مِنَ اَلْأعْمالِ حَسَنَةً كانَتْ أوْ سَيِّئَةً، وحَقِيقَةُ اَلنَّسْخِ كِتابَةٌ مِن أصْلٍ يُنْظَرُ فِيهِ فَكَأنَّ أفْعالَ اَلْعِبادِ هي اَلْأصْلُ عَلى ما في اَلْبَحْرِ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اَللَّهَ تَعالى خَلَقَ اَلنُّونَ وهي اَلدَّواةُ وخَلَقَ اَلْقَلَمَ فَقالَ: اُكْتُبْ قالَ: ما أكْتُبُ؟

قالَ: اُكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ مِن عَمَلٍ مَعْمُولٍ بَرٍّ أوْ فاجِرٍ ورِزْقٍ مَقْسُومٍ حَلالٍ أوْ حَرامٍ ثُمَّ ألْزِمْ كُلَّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بَيانَهُ دُخُولَهُ في اَلدُّنْيا مَتى ومَقامَهُ فِيها كَمْ وخُرُوجَهُ مِنها كَيْفَ ثُمَّ جَعَلَ عَلى اَلْعِبادِ حَفَظَةً وعَلى اَلْكِتابِ خَزّانًا فالحَفَظَةُ يَسْتَنْسِخُونَ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ اَلْخَزّانِ عَمَلَ ذَلِكَ اَلْيَوْمِ فَإذا فَنِيَ اَلرِّزْقُ وانْقَطَعَ اَلْأمْرُ وانْقَضى اَلْأجَلُ أتَتِ اَلْحَفَظَةُ اَلْخَزَنَةَ يَطْلُبُونَ عَمَلَ ذَلِكَ اَلْيَوْمِ فَتَقُولُ اَلْخَزَنَةُ ما نَجِدُ لِصاحِبِكم عِنْدَنا شَيْئًا فَتَرْجِعُ فَيَجِدُونَهُ قَدْ ماتَ.

ثُمَّ قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: ألَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا تَسْمَعُونَ اَلْحَفَظَةَ يَقُولُونَ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وهَلْ يَكُونُ اَلِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ؟

وفي رِوايَةِ اِبْنِ اَلْمُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ اَلْآيَةِ فَذَكَرَ نَحْوَ ما سَمِعْتَ ثُمَّ قالَ: هَلْ يُسْتَنْسَخُ اَلشَّيْءُ إلّا مِن كِتابٍ، وكَوْنُ اَلِاسْتِنْساخِ مِنَ اَللَّوْحِ قَدْ رَواهُ جَماعَةٌ عَنْهُ، وما ذَكَرْناهُ يُصَحِّحُ أنْ يَكُونَ هَذا اَلْقَوْلُ مِنَ اَلْمَلائِكَةِ بِدُونِ تَأْوِيلِ ﴿ نَسْتَنْسِخُ ﴾ بِنَنْسَخُ كَما لا يَخْفى، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً يعني: مجتمعة للحساب على الركب كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا يعني: إلى ما في كتابها من خير أو شر، وهذا كقوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء: 71] يعني: بكتابهم الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: يقال لهم: اليوم تثابون بما كنتم تعملون في الدنيا، من خير أو شر.

قوله تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ يعني: هذا الذي كتب عليكم الحفظة يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ يعني: يشهد عليكم بالحق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: نستنسخ عملكم من اللوح المحفوظ، نسخة أعمالكم، مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الحسنات والسيئات.

قال أبو الليث رحمه الله: حدثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدثنا الماسرجسي قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا بقية بن الوليد قال: حدّثنا أرطأة بن المنذر.

قال: عن مجاهد، عن ابن عمر عن النبي  أنه قال: «أول ما خَلَقَ الله القَلَمَ، فَكَتَبَ ما يكون في الدنيا مِنْ عَمَلٍ مَعْمُولٍ، براً وفاجَراً وَأحْصَاهُ فِي الذّكْرِ فَاقْرَؤُوا إِن شِئْتُمْ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فهَلَ يَكُونُ النّسْخُ إِلاّ مِنْ شَيءٍ قَدْ فُرِغٍ مِنْهُ» .

وروى الضحاك، عن ابن عباس، أن الله تعالى وكل ملائكته، يستنسخون من ذلك الكتاب المكتوب عنده كل عام في شهر رمضان، ما يكون في الأرض من حدث إلى مثلها من السنة المقبلة، فيعارضون به، حفظه الله تعالى على عبادة كل عشية خميس، فيجدون ما رفع الحفظة موافقاً لما في كتابهم ذلك، لا زيادة فيه ولا نقصان.

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ألستم قوماً عرباً، هل يكُون النَّسخ إِلاَّ من أَصْل كَان قَبْل ذَلِكَ؟

وقال القتبي: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ.

قال إن الحفظة يكتبون جميع ما يكون من العبد، ثم يقابلونه بما في أم الكتاب، فما فيه من ثواب أو عقاب أثبت، وما لم يكن فيه ثواب ولا عقاب محي فذلك قوله: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد: 39] الآية.

وقال الكلبي: يرفعان ما كتبا، فينسخان ما فيها من خير أو شر.

ويطرح ما سوى ذلك.

قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ وقد ذكرناه.

قوله عز وجل: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا بالكتاب والرسل والتوحيد.

يقال لهم: أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ يعني: تقرأ عليكم في الدنيا فَاسْتَكْبَرْتُمْ يعني: تكبرتم عن الإيمان والقرآن وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ يعني: مشركين، كافرين بالرسل والكتب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

اشربا، قال: فأخذتُ الكُوزَ فَشَرِبْنَا منه، فإذا هو أطيبُ مِنَ المِسْكِ، وأبردُ مِنَ الثَّلْجِ، وأحلى من العَسَلِ، فقلت: مَنْ أَنْتَ- رَحِمَكَ اللَّه؟

- فقال: عبدٌ لمولاكَ، فقلْتُ له: بِمَ وَصَلْتَ إلى هذا؟

فقال: تركْتُ هَوَايَ لمَرْضَاتِهِ، فأجلَسَنِي في الهواء، ثُمَّ غَابَ عَنِّي، ولم أره، انتهى.

وقوله تعالى: عَلى عِلْمٍ قال ابن عباس «١» : المعنى: على عِلْمٍ من اللَّه تعالى سَابِقٍ، وقالت فرقة: أي: على عِلْمٍ من هذا الضَّالِّ بتَرْكِهِ للحَقِّ وإعراضِهِ عنه، فتكُونُ الآية على هذا التأويل من آيات العِنَادِ من نحو قوله: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [النمل: ١٤] .

وقوله تعالى: وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً استعاراتٌ كُلُّهَا.

وقوله: مِنْ بَعْدِ اللَّهِ فِيهِ حَذْفُ مضافٍ، تقديره: مِنْ بعدِ إضلالِ اللَّهِ إيَّاه، واخْتُلِفَ في معنى قولهم: نَمُوتُ وَنَحْيا فقالت فرقة: المعنى: يَمُوتُ الآباء، ويحيا الأبناء، وقالت فرقة: المعنى: نَحْيَا ونَمُوتُ، / فوقع في اللفظ تقديم وتأخير، وقولهم:

وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ أي: طول الزمان.

وقوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ يعني: قريشاً، مَّا كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا أي: يا محمَّد، أَحْيِ لنا قُصَيًّا حتى نَسْأَلَهُ، إلى غَيْرِ ذلك من هذا النحو، فنزلت الآية في ذلك، ومعنى إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي: في قولكُمْ أَنَّا نُبْعَثُ بعد الموت.

ثم أمر اللَّه تعالى نَبِيَّه أنْ يخبرَهم بالحال السابقة في علم اللَّه التي لا تُبَدَّلُ بأَنَّه يحيي الخلق ثم يميتهم ...

إلى آخر الآية، وباقي الآية بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [الفُرْقانِ: ٤٣] .

وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ﴾ أيْ: عَلى عِلْمِهِ السّابِقِ فِيهِ أنَّهُ لا يَهْتَدِي ﴿ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ ﴾ أيْ: طَبَعَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْمَعِ الهُدى "وَ" عَلى " قَلْبه " فَلَمْ يَعْقِلِ الهُدى.

وقَدْ ذَكَرْنا الغِشاوَةَ والخَتْمَ في [البَقَرَةِ: ٧] .

﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ﴾ ؟!

أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ إيّاهُ ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ فَتَعْرِفُوا قُدْرَتَهُ عَلى ما يَشاءُ؟!

.

وما بَعْدَ [هَذا] مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [المُؤْمِنُونَ: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ ﴾ أيِ: اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴿ وَما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ ﴾ أيْ: ما قالُوهُ عَنْ عِلْمٍ، إنَّما قالُوهُ شاكِّينَ فِيهِ.

ومِن أجْلِ هَذا قالَ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإنَّ اللَّهَ هو الدَّهْرُ"،» أيْ: هو الَّذِي يُهْلِكُكُمْ، لا ما تَتَوَهَّمُونَهُ مِن مُرُورِ الزَّمانِ.

وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [البَقَرَةِ: ٢٨، الشُّورى: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ ﴾ يَعْنِي المُكَذِّبِينَ الكافِرِينَ أصْحابَ الأباطِيلِ؛ والمَعْنى: يَظْهَرُ خُسْرانُهم يَوْمَئِذٍ.

﴿ وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَرى أهْلَ كُلِّ دِينٍ ﴿ جاثِيَةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جالِسَةٌ عَلى الرُّكَبِ، يُقالُ: قَدْ جَثا فُلانٌ جُثُوًّا: إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، ومِثْلُهُ: جَذا يَجْذُو.

والجُذُوُّ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجُثُوِّ، لِأنَّ الجُذُوَّ: أنْ يَجْلِسَ صاحِبُهُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى أنَّها غَيْرُ مُطْمَئِنَّةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كِتابُها الَّذِي فِيهِ حَسَناتُها وسَيِّئاتُها، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ حِسابُها، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: كِتابُها الَّذِي أُنْزِلَ عَلى رَسُولِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَيُقالُ لَهُمْ: ﴿ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

﴿ هَذا كِتابُنا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال.

أحَدُها: أنَّهُ كِتابُ الأعْمالِ الَّذِي تَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: القُرْآنُ، والمَعْنى أنَّهم يَقْرَؤُونَهُ فَيَدُلُّهم ويُذَكِّرُهُمْ، فَكَأنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ أعْمالِكُمْ، أيْ: بِكَتْبِها وإثْباتِها.

وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِنْساخَ، مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، تَسْتَنْسِخُ المَلائِكَةُ كُلَّ عامٍ ما يَكُونُ مِن أعْمالِ بَنِي آدَمَ، فَيَجِدُونَ ذَلِكَ مُوافِقًا ما يَعْمَلُونَهُ.

قالُوا: والِاسْتِنْساخُ لا يَكُونُ إلّا مِن أصْلٍ.

قالَ الفَرّاءُ: يَرْفَعُ المَلَكانِ العَمَلَ كُلَّهُ، فَيُثْبِتُ اللَّهُ مِنهُ ما فِيهِ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ، ويَطْرَحُ مِنهُ اللَّغْوَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: نَسْتَنْسِخُ ما تَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ، ويَثْبُتُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: في جَنَّتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي ﴾ فِيهِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهم ألَمْ تَكُنْ آياتِي، يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ ﴿ تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ عَنِ الإيمانِ بِها ﴿ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ ؟!

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كافِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قُلِ اللهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ ﴾ ﴿ وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ الضَمِيرُ فِي: ﴿ "عَلَيْهِمْ" ﴾ عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ.

و"الآياتُ": هي آياتُ القُرْآنِ وحُرُوفُهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "تُتْلى"، ﴾ وعابَتْ هَذِهِ الآيَةُ سُوءَ مُقاوَلَتِهِمْ، وأنَّهم جَعَلُوا بَدَلَ الحُجَّةِ التَمَنِّي المُتَشَطِّطَ والطَلَبَ لِما قَدْ حَتَّمَ اللهُ تَعالى ألّا يَكُونَ إلّا إلى أجَلٍ مُسَمًّى.

وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ عامِرٍ -فِيما رَوى عنهُ عَبْدُ الحَمِيدِ-، وعاصِمٌ -فِيما رَوى هارُونُ وحُسَيْنٌ عن أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "حُجَّتُهُمْ" بِالرَفْعِ عَلى اسْمِ "كانَ" والخَبَرُ في "أنْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حُجَّتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى مُقَدَّمٍ واسْمُ كانَ في "أنْ".

وكانَ بَعْضُ قُرَيْشٍ قَدْ قالَ: أحْيَ لَنا قَصِيًّا -فَإنَّهُ كانَ شَيْخٌ صَدَقَ- حَتّى نَسْألَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذا النَحْوِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقِيلَ لِمُحَمَّدٍ  : "ائْتُوا" مِن حَيْثُ المُخاطِبَةِ لَهُ، والمُرادُ هو وإلَهُهُ والمَلِكُ الوَسِيطُ الَّذِي ذَكَرَ هَوْلَهُمْ، فَجاءَ مِن ذَلِكَ جُمْلَةٌ قِيلِ لَها: "ائْتُوا" و"إنْ كُنْتُمْ".

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يُخْبِرَهم بِالحالِ السالِفَةِ في عِلْمِ اللهِ تَعالى الَّتِي لا تُبَدَّلُ، وهي أنَّهُ يُحْيِي الخَلْقَ ويُمِيتُهم بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْشُرُهم بَعْدَ إماتَتِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ وذاتِهِ، والأكْثَرُ الَّذِي لا يَعْلَمُ هُمُ الكُفّارُ، و"الأكْثَرُ" هُنا عَلى بابِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَخْسَرُ"، ﴾ وجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَئِذٍ" ﴾ بَدَلًا مُؤَكَّدًا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، وذَلِكَ أنْ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَنْفَرِدُ "يَخْسَرُ" بِالعَمَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ"، و ﴿ "المُبْطِلُونَ": ﴾ الداخِلُونَ في الباطِلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ﴾ وصْفُ حالِ القِيامَةِ وهَوْلِها، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الناسِ الَّتِي قَدْ جَمَعَها مَعْنًى أو وصْفٌ شامِلٌ لَها، وقالَ مُجاهِدٌ: الأُمَّةُ: الواحِدُ مِنَ الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلَقٌ في اللُغَةِ، وإنْ قِيلَ في إبْراهِيمَ  : أُمَّةٌ، وقالَها النَبِيُّ  في قِسِّ بْنِ ساعِدَةَ، فَذَلِكَ تَجُوزُ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ والتَشْبِيهِ.

و ﴿ "جاثِيَةً" ﴾ مَعْناهُ: عَلى الرَكْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ المُعَظَّمِ، وفي حَدِيثٍ: « "فَجَثا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى رُكْبَتَيْهِ"».

وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: في القِيامَةِ ساعَةَ قَدْرَ عَشْرِ سِنِينَ، يَخِرُّ الجَمِيعُ فِيها جُثاةً عَلى الرُكَبِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها" ﴾ بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ: "كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى" بِالنَصْبِ عَلى البَدَلِ مِن "كُلَّ" الأُولى، إذْ في "كُلَّ" الثانِيَةِ إيضاحٌ مُوجِبُ الجَثْوِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةٍ تُدْعى" بِإسْقاطِ "كُلَّ أُمَّةٍ" الثانِيَةِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "إلى كِتابِها" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها فَتَحاكَمَ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أو خالَفَتْهُ؟

وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ، فَبِاجْتِماعِ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: كِتابُها، وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا كِتابُنا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أو إلى اللَوْحِ المَحْفُوظِ، قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: يَشْهَدُ بِما سَبَقَ فِيهِ مِن سَعادَةٍ أو شَقاءٍ، أو تَكُونُ الكُتُبَ الحَفَظَةَ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي إلى القُرْآنِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: نَكْتُبُ، وحَقِيقَةُ النَسْخِ وإنْ كانَتْ أنْ يُنْقُلَ خَطٌّ مِن أصْلٍ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإنَّ أعْمالَ العِبادِ هي في هَذا التَأْوِيلِ كالأصْلِ، فالمَعْنى: إنّا كُنّا نُقَيِّدُ كُلَّ ما عَمِلْتُمْ.

وقالَ الحَسَنُ: هو كُتُبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أنَّ اللهَ تَعالى يَأْمُرُ بِعَرْضِ أعْمالِ العِبادِ كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَيَنْقُلُ مِنَ الصُحُفِ الَّتِي رَفَعَ الحَفَظَةُ كُلَّ ما هو مُعَدٌّ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثَوابٌ أو عِقابٌ، ويُلْغى الباقِي، قالَتْ فِرْقَةٌ: فَهَذا هو النَسْخُ مِن أصْلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهُمْ، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ فَتُقَيَّدُ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: ألَسْتُمْ عَرَبًا؟

وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اعتراض تذييل لقوله: ﴿ قل الله يحييكم ثم يميتكم ﴾ [الجاثية: 26] أي لله لا لغيره مُلك السماوات والأرض، أي فهو المتصرف في أحوال ما حوته السماوات والأرض من إحياء وإماتة، وغير ذلك بما أوجد من أصولها وما قدّر من أسبابها ووسائلها فليس للدهر تصرف ولا لما سوى الله تعالى.

وتقديم المجرور على المسند إليه لإفادة التخصيص لرد معتقدهم من خروج تصرف غيره في بعض ما في السماوات والأرض كقولهم في الدهر.

لما جرى ذِكْر يوم القيامة أعقب بإنذار الذين أنكروه من سوء عاقبتهم فيه.

و ﴿ المبطلون والارض وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المبطلون * وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كتابها اليوم تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هذا كتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم ﴾ : الآتون بالباطل في معتقداتهم وأقوالهم وأعمالهم إذ الباطل ما ضادَّ الحق.

والمقصود منه ابتداء هنا هو الشرك بالله فإنه أعظم الباطل ثم تجيء درجات الباطل متنازلة وما من درجة منها إلا وهي خسارة على فاعلها بقدر فعلته وقد أنذر الله الناس وهو العليم بمقادير تلك الخسارة.

﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ ظرف متعلق ب ﴿ يخسر ﴾ ، وقدم عليه للاهتمام به واسترعاء الأسماع لما يرد من وصف أحواله.

و ﴿ يومئذٍ ﴾ توكيد ل ﴿ يوم تقوم الساعة ﴾ وتنوينه عوض عن المضاف إليه المحذوف لدلالة ما أضيف إليه يومَ عليه، أي يوم إذْ تقوم الساعة يخسر المبطلون فالتأكيد بتحقيق مضمون الخبر ولتهويل ذلك اليوم.

والخطاب في ﴿ ترى ﴾ لكل من يصلح له الخطاب بالقرآن فلا يقصد مخاطب معين، ويجوز أن يكون خطاباً للرسول صلى الله عليه وسلم والمضارع في ﴿ ترى ﴾ مراد به الاستقبال فالمعنى: وترى يومئذٍ.

والأمة: الجماعة العظيمة من الناس الذين يَجمعهم دين جاء به رسول إليهم.

و ﴿ جاثية ﴾ اسم فاعل من مصدر الجُثُوِّ بضمتين وهو البروك على الرُكبتين باستئفاز، أي بغير مباشرة المقعدة للأرض، فالجاثي هو البارك المستوفز وهو هيئة الخضوع.

وظاهر كون ﴿ كتابها ﴾ مفرداً غير معرف باللام أنه كتاب واحد لكل أمة فيقتضي أن يراد كتاب الشريعة مثل القرآن، والتوراة، والإنجيل، وصحف إبراهيم وغير ذلك لا صحائف الأعمال، فمعنى ﴿ تدعى إلى كتابها ﴾ تدعى لتعرض أعمالها على ما أُمرت به في كتابها كما في الحديث «القرآن حجةٌ لك أو عليك» وقيل: أريد بقوله: ﴿ كتابها ﴾ كتاب تسجيل الأعمال لكل واحد، أو مراد به الجنس وتكون إضافته إلى ضمير الأمة على إرادة التوزيع على الأفراد لأن لكل واحد من كل أمة صحيفة عمله خاصة به كما قال تعالى: ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ [الإسراء: 14]، وقال: ﴿ وَوضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ﴾ [الكهف: 49] أي كل مجرم مشفق مما في كتابه، إلا أن هذه الآية الأخيرة وقع فيها الكتاب معرفاً باللام فقبل العمومَ.

وأما آية الجاثية فعمومها بدليّ بالقرينة.

فالمراد: خصوص الأمم التي أرسلت إليها الرسل ولها كتب وشرائع لقوله تعالى: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ [الإسراء: 15].

ومسألة مؤاخذة الأمم التي لم تجئها الرسل بخصوص جحد الإله أو الإشراككِ به مقررة في أصول الدين، وتقدمت عند قوله تعالى: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ في سورة الإسراء (15).

وقرأ الجمهور ﴿ كل أمة تدعى إلى كتابها ﴾ برفع ﴿ كل ﴾ على أنه مبتدأ و ﴿ تدعى ﴾ خبر عنه والجملة استئناف بياني لأن جُثو الأمة يثير سؤال سائل عما بعد ذلك الجثوّ.

وقرأه يعقوب بنصب ﴿ كلَّ ﴾ على البدل من قوله: ﴿ وترى كل أمة ﴾ .

وجملة ﴿ تدعى ﴾ حال من ﴿ كل أمة ﴾ فأعيدت كلمة ﴿ كل أمة ﴾ دون اكتفاء بقوله ﴿ تدعَى ﴾ أو يدعون للتهويل والدعاء إلى الكتاب بالأمم تجثو ثم تدعى كل أمة إلى كتابها فتذهب إليه للحساب، أي يذهب أفرادها للحساب ولو قيل: وترى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها لأوهم أن الجثو والدعاء إلى الكتاب يحصلان معاً مع ما في إعادة الخبر مرة ثانية من التهويل.

وجملة ﴿ اليوم تجزون ما كنتم تعملون ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ تدعى إلى كتابها ﴾ بتقدير قول محذوف، أي يقال لهم اليوم تجزون، أي يكون جزاؤكم على وفق أعْمالِكم وجريها على وفق ما يوافق كتاب دينكم من أفعالكم في الحسنات والسيئات، وهذا البدل وقع اعتراضاً بين جملة ﴿ وترى كل أمة جاثية ﴾ وجملة ﴿ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [الجاثية: 30] الآيات.

وجملة ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ﴾ من مقول القول المقدّر، وهي مستأنفة استئنافاً بيانياً لتوقع سؤال من يقول منهم: ما هو طريق ثبوت أعمالها.

والإشارة إما إلى كتاب شريعة الأمة المدعوة، وإما إلى كُتب أفرادها على تأويل الكتاب بالجنس على الوجهتين المتقدمين.

وإفراد ضمير ﴿ ينطق ﴾ على هذا الوجه مراعاة للفظ ﴿ كتابنا ﴾ ، فالمعنى هذه كتبنا تنطق عليكم بالحق.

وإضافة (كتاب) إلى ضمير الله تعالى بعد أن أضيف إلى ﴿ كل أمة ﴾ لاختلاف الملابسة، فالكتاب يلابس الأمة لأنّه جعل لإحصاء أعمالهم أو لأن ما كلفوا به مثبت فيه، وإضافته إلى ضمير الله لأنه الآمر به.

وإسناد النطق إلى الكتاب مجاز عقلي وإنما تنطق بما في الكتاب ملائكة الحساب، أو استعير النطق للدلالة نحو قولهم: نطقت الحال.

والمعنى: أن فيه شهادة عليهم بأن أعمالهم مخالفة لوصايا الكتاب أو بأنها مكتوبة في صحائف أعمالهم على التأويلين في المراد بالكتاب.

ولتضمن ﴿ ينطق ﴾ معنى (يشهد) عدي بحرف (على).

ولما كان المقام للتهديد اقتصر فيه على تعدية ﴿ يَنطق ﴾ بحرف (على) دون زيادة: ولكم، إيثاراً لجانب التهديد.

وجملة ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ استئناف بياني لأنهم إذا سمعوا ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ﴾ خطر ببالهم السؤال: كيف شهد عليهم الكتاب اليوم وهم قد عملوا الأعمال في الدنيا، فأجيبوا بأن الله كَانَ يأمر بنسخ ما يعملونه في الصحف في وقت عمله.

وإن حمل الكتاب على كتب الشريعة كانت جملة ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ تعليلاً للجملة قبلها باعتبار تقييد النطق بأنه بالحق، أي لأن أعمالكم كانت محصاة مبيّن ما هو منها مخالف لما أمر به كتابهم.

والاستنساخ: استفعال من النسخ.

والنسخ: يطلق على كتابة ما يكتب على مثاللِ مكتوببٍ آخرَ قبله.

ويسمى بالمعارضة أيضاً.

وظاهر الأساس أن هذا حقيقة معنى النسخ وأن قولهم: نسخت الشمسُ الظلَّ مجاز.

وكلام جمهور العلماء بخلافه كما يقوله علماء أصول الفقه في باب النسخ.

وكلام الراغب يحتمل الإطلاقين، فإذا درجتَ على كلام الجمهور فقد جُعلت كتابةُ مكتوببٍ على مثال مكتوببٍ قبله كإزالةٍ للمكتوب الأول لأن ذلك في الغالب يكون لقصد التعويض عن المكتوب الأول لمن ليس عنده أو لخشيَةِ ضياع الأصل.

وعن ابن عباس أنه يقول: ألستُم عَرَباً وهل يكون النسخ إلا من كتاب.

وأما إطلاق النسخ على كتابة أُنففٍ ليست على مثال كتابةٍ أخرى سبقتها فكلام الزمخشري في الأساس صريح في أنه من معاني النسخ حقيقة، وهو ظاهر كلامه في «الكشاف»، فيكون لفظ النسخ مشتركاً في المعنيين بل ربما كان معنى مطلق الكتابة هو الأصلَ وكانت تسمية كتابةٍ على مثل كتابةٍ سابقة نسخاً لأن ذلك كتابة وكلام صاحب «اللسان» وصاحب «القاموس» أن نَقل الكتابة لا يسمى نسخاً إلا إذا كان على مثال كتابة سابقة.

وهذا اختلاف مُعضل، والأظهر ما ذهب إليه صاحب «اللسان» وصاحب «القاموس» فيجوز أن يكون السين والتاء في ﴿ نستنسخ ﴾ للمبالغة في الفعل مثل استجاب.

ويجوز أن يكون السين والتاء للطلب والتكليف، أيْ نكلف الملائكة نسخ أعمالكم، وعلى هذا المحمل حمل المفسرون السين والتاء هنا أي للطلب، ثم يجوز أن يكون النسخ على معنى نقل كتابة عن كتابة سابقة وبه فسر ابن عباس قال: إن الله وكل ملائكة ينسخون من أم الكتاب في رمضان كل ما سيكون من أعمال بني آدم، ويجوز أن يكون النسخ بمعنى كتابة ما تعلمه النّاس دون نقل عن أصل.

والمعنى: إنا كنا نكتب أعمالكم.

وعن علي بن أبي طالب أنه قال: إن لله ملائكة ينزلون كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم ومثله عن الحسن والسدّي.

والنسخ هنا: الكتابة، وإسناد فعل الاستنتاج إلى ضمير الله على هذا إسناد مجازي لأن الله أمر الحفظة بكتابة الأعمال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ﴾ الأُمَّةُ أهْلُ كُلِّ مِلَّةٍ.

وَفي الجاثِيَةِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُسْتَوْفِزَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَقالَ سُفْيانُ: المُسْتَوْفِزُ الَّذِي لا يُصِيبُ مِنهُ الأرْضَ إلّا رُكْبَتاهُ وأطْرافُ أنامِلِهِ.

الثّانِي: مُجْتَمِعَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: مُتَمَيِّزَةٌ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: خاضِعَةٌ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، قالَهُ مُؤَرِّجٌ.

الخامِسُ: بارِكَةٌ عَلى الرُّكَبِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِي الجُثاةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لِلْكُفّارِ خاصَّةً، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ انْتِظارًا لِلْحِسابِ.

وَقَدْ رَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باباهْ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «كَأنِّي أراكم بِالكَوْمِ جاثِينَ دُونَ جَهَنَّمَ.

» ﴿ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلى حِسابِها، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: إلى كِتابِها الَّذِي كانَ يُسْتَنْسَخُ لَها فِيهِ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: إلى كِتابِها الَّذِي أُنْزِلَ عَلى رَسُولِها، حَكاهُ الجاحِظُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ يَدُلُّكم عَلى ما فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَكَأنَّهُ شاهِدٌ عَلَيْكم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ يَشْهَدُ بِما قُضِيَ فِيهِ مِن سَعادَةٍ وشَقاءٍ، خَيْرٍ وشَرٍّ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كِتابُ الأعْمالِ الَّذِي يَكْتُبُ الحَفَظَةُ فِيهِ أعْمالَ العِبادِ ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِما تَضَمَّنَهُ مِن صِدْقِ أعْمالِكم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي يَكْتُبُ الحَفَظَةُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومَن زَعَمَ أنَّهُ كِتابُ الأعْمالِ.

الثّانِي: أنَّهُ الحَفَظَةُ تَسْتَنْسِخُ الخَزَنَةَ ما هو مُدَوَّنٌ عِنْدَها مِن أحْوالِ العِبادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومَن زَعَمَ أنَّ الكِتابَ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

الثّالِثُ: نَسْتَنْسِخُ ما كَتَبَ عَلَيْكُمُ المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، قالَهُ الحَسَنُ لِأنَّ الحَفَظَةَ تَرْفَعُ إلى الخَزَنَةِ صَحائِفَ الأعْمالِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه مرّ على قوم وعليه بردة حمراء حسناء، فقال رجل من القوم إن أنا سلبته بردته فما لي عندكم؟

فجعلوا له شيئاً فأتاه فقال: يا أبا عبد الرحمن!

بردتك هذه لي.

فقال: إني اشتريتها أمس.

قال: قد أعلمتك وأنت في حرج من لبسها.

فخلعها ليدفعها إليه فضحك القوم.

فقال: ما لكم؟

فقالوا: هذا رجل بطال.

فالتفت إليه فقال يا أخي: أما علمت أن الموت أمامك لا تدري متى يأتيك صباحاً أو مساء أو نهاراً ثم القبر ومنكر ونكير، وبعد ذلك القيامة يوم يخسر فيه المبطلون فأبكاهم ومضى.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وترى كل أمة جاثية ﴾ قال: متميزة.

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وترى كل أمة جاثية ﴾ قال: تستفز على الركب.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ وترى كل أمة جاثية ﴾ يقول: على الركب عند الحساب.

وأخرج سعيد بن منصور، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن عبدالله بن باباه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين» ثم قرأ سفيان ﴿ وترى كل أمة جاثية ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وترى كل أمة جاثية ﴾ كل أمة مع نبيها حتى يجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم على كوم قد علا الخلائق فذلك المقام المحمود.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل أمة تدعى إلى كتابها ﴾ قال يعلمون أنه يدعى أمة قبل أمة، وقوم قبل قوم، ورجل قبل رجل، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «يمثل لكل أمة يوم القيامة ما كانت تعبد من حجر أو وثن أو خشبة أو دابة، ثم يقال: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيكون أول ذلك الأوثان قادة إلى النار حتى تقذفهم فيها فيبقى أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأهل الكتاب فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟

فيقولون: كنا نعبد الله وعزيراً إلا قليلاً منهم ثم يقال لهم: أما عزير فليس منكم ولستم منه، فيؤخذ بهم ذات الشمال فينطلقون ولا يستطيعون مكوثاً.

ثم يدعى بالنصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟

فيقولون: كنا نعبد الله والمسيح ابن مريم إلا قليلاً منهم، فيقال: أما المسيح فليس منكم ولستم منه، فيؤخذ بهم ذات الشمال فينطلقون ولا يستطيعون مكوثاً.

وتبقى أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقال: ما كنتم تعبدون؟

فيقولون: كنا نعبد الله وحده وإنما فارقنا في الدنيا مخافة يومنا هذا، فيؤذن للمؤمنين في السجود، فيسجد المؤمنون، ويمنع كل منافق، فيقصم ظهر المنافق عن السجود ويجعل الله سجود المؤمنين عليه توبيخاً وصغاراً وحسرة وندامة» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ﴾ قال: هو أم الكتاب فيه أعمال بني آدم ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ قال: هم الملائكة عليهم الصلاة والسلام يستنسخون أعمال بني آدم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن هذه الآية ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ فقال: إن أوّل ما خلق الله القلم، ثم خلق النون وهي الدواة، ثم خلق الألواح، فكتب الدنيا وما يكون فيها حتى تفنى من خلق مخلوق، وعمل معمول، من بر أو فاجر، وما كان من رزق حلال أو حرام، وما كان من رطب ويابس، ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا حي وبقاؤه فيها كم وإلى كم تفنى، ثم وكل بذلك الكتاب الملائكة، ووكل بالخلق ملائكة، فتأتي ملائكة الخلق إلى ملائكة ذلك الكتاب فيستنسخون ما يكون في كل يوم وليلة مقسوم على ما وكلوا به ثم يأتون إلى الناس فيحفظونهم بأمر الله، ويسوقونهم إلى ما في أيديهم من تلك النسخ.

فقام رجل يا ابن عباس.

ألستم قوماً عرباً ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ هل يستنسخ الشيء إلا من كتاب؟

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الله خلق النون وهو الدواة، وخلق القلم فقال: اكتب.

قال: ما أكتب؟

قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فاجر أو رزق مقسوم حلال أو حرام، ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا، ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة وعلى الكتاب خزاناً تحفظه ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني ذلك الرزق انقطع الأمر وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة يقولون ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل.

وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن لله ملائكة يتولون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن أوّل شيء خلق الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول بر أو فاجر رطب أو يابس فأحصاه عنده في الذكر وقال اقرؤوا إن شئتم ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ فهل تكون النسخة إلا من شيء قد فرغ منه؟» .

وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ قال: «هي أعمال أهل الدنيا الحسنات والسيئات تنزل من السماء كل غداة أو عشية ما يصيب الإِنسان في ذلك اليوم أو الليلة الذي يقتل، والذي يغرق والذي يقع من فوق بيت، والذي يتردى من فوق جبل، والذي يقع في بئر، والذي يحرق بالنار، فيحفظون عليه ذلك كله.

فإذا كان العشي صعدوا به إلى السماء فيجدونه كما في السماء مكتوباً في الذكر الحكيم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: تستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم، فإنما يعمل الإِنسان على ما استنسخ الملك من أم الكتاب.

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كتب في الذكر عنده كل شيء هو كائن ثم بعث الحفظة على آدم عليه السلام وذريته فالحفظة ينسخون من الذكر ما يعمل العباد، ثم قرأ ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ قال: إن الله وكل ملائكة ينسخون من ذلك العام في رمضان ليلة القدر ما يكون في الأرض من حدث إلى مثلها من السنة المستقبلة، فيعارضون به حفظة الله على العباد عشية كل خميس فيجدون ما رفع الحفظة موافقاً لما في كتابهم ذلك ليس فيه زيادة ولا نقصان.

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ﴾ قال: تركتم ذكري وطاعتي فكذا أترككم ﴿ كما نسيتم لقاء يومكم هذا ﴾ قال: تركتم ذكري وطاعتي، فكذا تركتم في النار.

وأخرج ابن عساكر عن عمر بن ذر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما قعد قوم يذكرون الله إلا قعد معهم عددهم من الملائكة، فإذا حمدوا الله حمدوه، وإن سبحوا الله سبحوه، وإن كبروا الله كبروه، وإن استغفروا الله أمنوا، ثم عرجوا إلى ربهم فيسألهم، فقالوا: ربنا عبيد لك في الأرض ذكروك فذكرناك.

قال: ماذا قالوا؟

قالوا: ربنا حمدوك فقال: أوّل من عبد وآخر من حمد.

قالوا: وسبحوك.

قال: مدحي لا ينبغي لأحد غيري قالوا: ربنا كبروك.

قال: لي الكبرياء في السموات والأرض وأنا العزيز الحكيم.

قالوا: ربنا استغفروك.

قال: أشهدكم أني قد غفرت لهم» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه أن لله ثلاثة أثواب: اتزر بالعزة، وتسربل الرحمة، وارتدى بالكبرياء فمن تعزز بغير ما أعز الله فذلك الذي يقال له ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ [ الدخان: 49] ومن رحم رحمه الله، ومن تكبر فقد نازع الله الذي ينبغي له، فإنه تبارك وتعالى يقول: لا ينبغي لمن نازعني أن أدخله الجنة.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما ألقيته في النار» والله أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ هَذَا كِتَابُنَا ﴾ المفسرون على أن الكتاب هاهنا اللوح المحفوظ (١) (٢) قوله: ﴿ يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ ﴾ أي يشهد عليكم بالحق، ويستعار النطق للكتاب على معنى التبيين، يقال: نطق الكتاب بكذا، ونطق به التنزيل، على معنى بينه بيانًا شافيًا حتى كأنه ناطق (٣) (٤) قوله تعالى: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ﴾ قال أبو عبيدة: نثبت وهو قول الضحاك وقال ابن قتيبة: نكتب (٥) (٦) (٧) القول الثاني: رواه مقسم عن ابن عباس: أن الله وكَّل ملائكةً مطهرين يستنسخون من أم الكتاب كل عام في رمضان ما يكون من بني آدم، فيعارضون حفظة الله على العباد عشية كل خميس فيجدون ما جاء به الحفظة من أعمال العباد موافقًا لما في كتابهم الذي استنسخوه من ذلك الكتاب، ليس فيه زيادة ولا نقصان (٨) (٩) قال مقسم: قال ابن عباس: ألستم قومًا عربًا، هل تكون النسخة إلا من كتاب (١٠) (١١)  - في هذه الآية معنى القول الثاني مثل ما ذكرنا (١٢) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 841، و"زاد المسير" 7/ 364.

(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 105 أ، و"تفسير البغوي" 7/ 247، و"تفسير الوسيط" 4/ 100 و"تنوير المقباس" ص 501، و"زاد المسير" 7/ 364.

(٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 175، والبحر المحيط 8/ 51.

(٤) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 405.

(٥) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 211، و"تفسير البغوي" 7/ 247، فقد ذكر قول الضحاك، و"تفسير غريب القرآن " لابن قتيبة ص 406.

(٦) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 156، و"معاني القرآن" للنحاس 6/ 433، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 175، و"تفسير ابن كثير" 6/ 271.

(٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 48 - 49، و"تنوير المقباس" ص 501.

(٨) ذكر ذلك السيوطي في "الدر المنثور" 7/ 431، والقرطبي في "الجامع" 16/ 175.

كلاهما عن ابن عباس، ونسبه ابن كثير لابن عباس، انظر: "تفسيره" 6/ 271.

(٩) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 841.

(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 156، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 175، و"الدر المنثور" 7/ 430، وقد نسبوه لابن عباس.

(١١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 435.

(١٢) ذكر ذلك السيوطي في "الدر المنثور" 7/ 430.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ﴾ أي تجثو على الركب، وتلك هيئة الخائف الذليل ﴿ كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كِتَابِهَا اليوم ﴾ أي إلى صحائف أعمالها، وقيل: الكتاب المنزل عليها، والأول أرجح لقوله: ﴿ هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق ﴾ الآية: فإن قيل: كيف أضاف الكتاب تارة إليهم وتارة إلى الله تعالى؟

فالجواب: أنه أضافه إليهم لأن أعمالهم ثابتة فيه، وأضافه إلى الله تعالى لأنه مالكه، وأنه هو الذي أمر الملائكة أن يكتبوه ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي نأمر الملائكة الحافظين بكتب أعمالكم، وقيل: إن الله يأمر الحفظة أن تنسخ أعمال العباد من اللوح المحفوظ، ثم يمسكونه عندهم فتأتي أفعال العباد على ذلك فتكتبها الملائكة، فذلك هو الاستنساخ وكان ابن عباس يحتج على ذلك بأن يقول: لا يكون الاستنساخ إلا من أصل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وفي خلقكم ﴾ مدغماً: عباس.

﴿ آيات ﴾ بالنصب في الموضعين: حمزة وعلي ويعقوب ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ يؤمنون ﴾ على الغيبة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ أليم ﴾ مذكور في "سبأ" ﴿ لنجزي ﴾ بالنون: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف ﴿ ليجزي ﴾ بالياء مبنياً للمفعول ﴿ قوم ﴾ بالرفع: يزيد.

الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ قوماً ﴾ سواء بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص وروح وزيد ﴿ غشوة ﴾ بفتح الغين وسكون الشين من غير ألف: حمزة وعلي وخلف 3 ﴿ كل أمة تدعي ﴾ بالنصب على الإبدال من الأول: يعقوب ﴿ الساعة ﴾ بالنصب: حمزة ﴿ لا يخرجون ﴾ من الخروج حمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط ومن نصب، ﴿ آيات ﴾ لم يقف لأنها عطف المفردين على المفردين وهما الخبر واسم أن المفردين ﴿ يوقنون ﴾ ه لا للعطف على ﴿ عاملين ﴾ كما يجيء ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ يسمعها ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ط لأنه لو وصل اشتبه بأنها وصف ﴿ عذاب جهنم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ أولياء ﴾ ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع العاطف ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ منه ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ج ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ فعليها ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد القصة ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ من الأمر ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج ﴿ بعض ﴾ ج للتمييز بين الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ قف ومن نصب ﴿ سواء ﴾ لم يقف.

﴿ ومماتهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ غشاوة ﴾ ط ﴿ من بعد الله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ الدهر ﴾ ج لاحتمال الواو الحال ﴿ من علم ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ يظنون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ جاثية ﴾ قف لمن قرأ ﴿ كل ﴾ بالرفع ﴿ كتابها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ ما الساعة ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بقول الكفار ﴿ بمستيقنين ﴾ ه ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للعدول عن الخطاب إلى الغيبة ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: إعراب أول السورة وتفسيرها كإعراب أول "المؤمن" وتفسيره وقوله ﴿ إن في السموات ﴾ إما أن يكون على ظاهره وآياتها الشمس والقمر والنجوم وحركاتها وأوضاعها وكذا العناصر والمواليد التي في الأرض مما يعجز الحاصر عن إدراك أعدادها، وإما أن يراد إن في خلق السموات والأرض فالآيات تشمل ما عددنا مع زيادة هيئتهما وما يتعلق بتشخيصهما.

استدل الأخفش بالآية الثالثة على جواز العطف على عاملين.

مختلفين وهما في قراءة النصب "أن" وفي أقيمت الواو مقامها فعملت الجر في اختلاف الليل، والنصب في آيات وهما في قراءة الرفع الابتداء وفي.

وخرج لسيبويه في جوابه وجهان: أحدهما أن قوله ﴿ آيات ﴾ تكرار محض للتأكيد فقط من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إن في الدار زيداً وفي الحجرة زيداً والمسجد زيداً، وأنت تريد أن في الدار زيداً والحجرة والمسجد.

والثاني إضمار في لدلالة الأول عليه، ويحتمل أن ينتصب ﴿ آيات ﴾ على الاختصاص.

ويرتفع بإضمار هي.

وتفسير هذه الآيات قد مر في نظائرها مراراً ولا سيما في أواسط "البقرة" ومما يختص بالمقام أنه خص المؤمنين بالذكر أولاً ثم قال ﴿ لقوم يوقنون ﴾ ثم ﴿ يعقلون ﴾ فما سبب هذا الترتيب؟

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : أراد إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإلا فإن كنتم طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، وقال جار الله: معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح علموا أنها لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال.

وفي خلق ما بث من الدواب على ظهر الأرض، ازدادوا إيماناً وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس، وإذا نظروا في سائر الحوادث كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار التي هي سبب الأرزاق وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم عقلهم وخلص يقينهم.

وأقول: الدلائل المذكورة في هذه الآيات قسمان: نفسية وخارجية.

فالنفسية أولى بالإيقان لأنه لا شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، والخارجية بعضها فلكية وبعضها آثار علوية.

فالفلكية لبعدها عن الإنسان اكتفى فيها بمجرد التصديق، وأما الآثار العلوية فكانت أولى بالنظر والاستدلال لقربها وللإحساس بها فلا جرم خصت بالتعقل والتدبر، وأما تقديم السموات على الأرض فلشمولها ولتقدمها في الوجود.

﴿ تلك ﴾ مبتدأ والتبعيد للتعظيم والمشار إليها الآيات المتقدمة و ﴿ نتلوها ﴾ في محل الحال.

وقوله ﴿ بعد الله وآياته ﴾ كقولهم: أعجبني زيد وكرمه.

وأصله بعد آيات الله.

والمعنى أن من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه.

وقيل: معناه القرآن آخر كتب الله، ومحمد آخر رسله.

فإن لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبي.

ثم أوعد الناس المبالغين في الإثم وقد مر ما في الآية في سورة لقمان.

قوله ﴿ وإذا علم ﴾ أي شعر وأحس بأنه من جملة القرآن المنزل خاض في الاستهزاء، وإذا وقف على آية لها محل في باب الطعن والقدح افترضه وحمله على الوجه الموجب للطعن كافتراض ابن الزبعري في قوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله  ﴾ وإنما أنّث الضمير في قوله ﴿ اتخذها ﴾ لأن الشيء في معنى الآية أو لأنه أراد أن يتخذ جميع الآيات هزواً ولا يقتصر على الاستهزاء بما بلغه.

قوله ﴿ من ورائهم جهنم ﴾ كل ما توارى عنك فهو وراء تقدم أو تأخر، وقد مر في سورة إبراهيم  ﴿ هذا هدى ﴾ أي هذا القرآن كامل في باب الهداية والإرشاد.

ثم ذكر دليلاً آخر على الوحدانية وهو تسخير البحر لبني آدم وقد سبق وجه الدلالة مراراً.

وقوله ﴿ ولتبتغوا ﴾ أي بسبب التجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان أو باستخراج اللحم الطري.

ثم عمم بعد التخصيص وقوله ﴿ منه ﴾ في موضع الحال أي سخر جميع ما في السموات والأرض كائنة منه، يريد أنه أوجدها بقدرته وحكمته ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه.

عن ابن عباس برواية عطاء أن الصحابة نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر - يقال لها المريسيع - فأرسل عبد الله بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟

قال: غلام عمر قعد على رأس البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قرب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه.

فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله  ﴿ قل للذين آمنوا ﴾ يعني عمر ﴿ يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ لا يتوقعون وقائعه بأعداء الله أو لا يأملون قوة المؤمنين في أيام الله الموعودة لهم، والمراد الصفح والإعراض.

عن عبد الله بن أبي وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله  ﴾ قال اليهودي فنحاص بن عازوراء: احتاج رب محمد فبلغ ذلك عمر فأخذ سيفه فخرج في طلبه، فجاء جبرائيل وأنزل الآية هذه.

وليس المقصود أن لا تقتلوا ولا تقاتلوا حتى يلزم نسخها بآية القتال كما ذهب إليه كثير من المفسرين، ولكن الأولى أن يحمل على ترك المنازعة في المحقرات وفي أفعالهم الموحشة المؤذية، وإنما أنكر ﴿ قوماً ﴾ مع أنه أراد بقوم الذين آمنوا وهم معارف ليدل على مدحهم والثناء عليهم كأنه قيل: لنجزي قوماً كاملين في الصبر والإغضاء على أذى الأعداء ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه، وقيل: القوم هم الكافرون الكاملون في النفاق.

ثم فصل الجزاء وعمم الحكم بقوله ﴿ من عمل صالحاً ﴾ الآية.

ثم بين أن للمتأخرين من الكفار أسوة بالمتقدمين منهم والكتاب التوراة والحكم بيان الشرائع والبينات من الأمر أدلة أمور الدين.

وقال ابن عباس: يريد أنه تبين لهم من أمر النبي  أنه مهاجر من تهامة إلى يثرب.

وقيل: هي المعجزات القاهرة على صحة نبوة موسى ﴿ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه احتمالان: أحدهما علموا ثم عاندوا، والثاني جاءهم أسباب المعرفة التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ولكنهم أظهروا النزاع حسداً.

﴿ ثم جعلناك على شريعة ﴾ أي منهاج وطريقة ﴿ من الأمر ﴾ أمر الدين وقيل: من الأمر الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا.

قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي  وهو بمكة ارجع إلى ملة آبائك وهم كانوا أفضل منك وأسن فزجره الله  عن ذلك بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ إلى آخره أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفعه عنك.

ثم أشار بعد النهي عن اتباع أهوائهم بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ أتباعهم إلى الفرق بين ولاة الظالمين وهم أشكالهم من الظلمة، وبين ولي المتقين وهو الله  .

ومن جملة آثار ولايته وبركة عنايته ﴿ هذا ﴾ القرآن.

وقيل: ما تقدم من اتباع الشريعة وترك طاعة الظالم وجعل القرآن مشاراً إليه أولى لقوله ﴿ بصائر من ربكم ﴾ إلى آخره.

وقد مر في آخر "الأعراف" مثله.

ثم بين الفرق بين الظالمين والمتقين من وجه آخر قائلاً ﴿ أم حسب ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة والآية نظيرة ما سلف في "ص" ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين  ﴾ والاجتراح الاكتساب.

من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فمعناه مستوياً والظاهر بعده فاعله ويكون انتصابه على البدل من ثاني مفعولي ﴿ نجعل ﴾ وهو الكاف.

من قرأ بالرفع بخبر ﴿ ومحياهم ﴾ مبتدأ والجملة بدل أيضاً لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً.

والمعنى إنكار أن يستوي الفريقان حياة وموتاً، لأن المحسنين عاشوا على الطاعة وإنهم عاشوا على المعصية ومات أولئك على البشرى والرحمة، ومات هؤلاء على الضد.

وقيل: معناه إنكار أن يستويا في الممات كما استووا في الحياة من حيث الصحة والرزق، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن.

فالفرق المقتضي لسعادة المؤمن وشقاوة الكافر إنما يظهر بعد الوفاة.

وقيل: إنه كلام مستأنف، والمراد أن كلاً من الفريقين يموت على حسب ما عاش عليه لقوله  : " كما تعيشون تموتون" وحين أفتى بأن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادات استدل على صحة هذه الدعوى بقوله ﴿ وخلق الله ﴾ الآية.

قال جار الله: ﴿ ولتجزى ﴾ معطوف على ﴿ بالحق ﴾ لأنه في معنى التعليل أي للعدل، أو ليدل بها على قدرته وللجزاء.

ويجوز أن يكون المعلل محذوفاً وهو فعلنا ونحوه.

والحاصل أن الغاية من خلق السماء والأرض كان هو الإنسان الكامل فكيف يترك الله جزاءه وجزاء من هو ضده والتميز بينهما بموجب العدالة.

ثم قرر أسباب ضلال المضلين قائلاً ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ أي يتبع ما تدعو إليه نفسه الأمارة وقد مر في الفرقان ﴿ وأضله الله على علم ﴾ بحالة أنه من أهل الخذلان والقهر، أو على علم الضلال في سابق القضاء، أو على علم بوجوه الهداية وإحاطته بالألطاف المحصلة لها.

وقيل: أراد به المعاند لأن ضلاله عن علم ﴿ فمن يهديه من بعد ﴾ إضلال ﴿ الله ﴾ قال بعض العلماء: قدم السمع على القلب في هذه الآية وبالعكس في "البقرة" لأن كفار مكة كانوا يبغضونه بقلوبهم وما كانوا يستمعون إليه وكفار المدينة، كانوا يلقون إلى الناس أن النبي  شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه.

ففي هذه الصورة على هذا التقدير كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي الصورة الأولى كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فورد ما في كل سورة على ترتيبه.

ثم ذكر من أسباب الضلال سبباً آخر وهو إنكارهم البعث معتقدين أن لا حياة إلاّ هذه.

وليس قولهم الدنيا تسلماً لثانية وإنما هو قول منهم على لسان المقرين وبزعمهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ فيه تقديم وتأخير على أن الواو لا توجب الترتيب.

وقيل: يموت الآباء وتحيا الأبناء وحياة الأبناء حياة الآباء، أو يموت بعض، ويحيا بعض، أو أرادوا بكونهم أمواتاً حال كونهم نطفاً، أو هو على مذهب أهل التناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في بدن آخر.

ثم إنهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا إليه إنكار المبدأ قائلين ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ اعتقدوا أن تولد الأشخاص وكون الممتزجات وفسادها ليس إلا بسبب مزاوجات الكواكب.

ولا حاجة في هذا الباب إلى مبدىء المبادىء فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ وما لهم بذلك من علم ﴾ أي ليس لهم على ما قالوه دليل وإنما ذكروا ذلك ظناً تخميناً واستبعاداً فلا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى قولهم، لأن الحجة قامت على نقيض ذلك وهي دليل المبدأ والمعاد المذكور مراراً وأطوراً.

وليس قولهم ﴿ ائتوا بآبائنا ﴾ من الحجة في شيء لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال فإنه يمتنع حصوله في الاستقبال بدليل الحادث اليومي الممتنع حصوله في الأمس، فوجه الاستثناء أنه في أسلوب قوله: تحية بينهم ضرب وجيع *** وحين بكتهم وسكتهم صرح بما هو الحق وقال ﴿ قل الله يحييكم ﴾ إلى آخره.

ثم أراد أن يختم السورة بوصف يوم القيامة وما سيجري على الكفار فيه فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ العامل فيه يخسر وقوله ﴿ يومئذ ﴾ بدل من ﴿ يوم ﴾ وفيه تأكيد للحصر المستفاد من تقديم الظرف.

قال ابن عباس: الجاثية المجتمعة للحساب المترقبة لما يعمل بها.

وقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم.

وقيل: مستوفزاً لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله.

والجثو للكفار خاصة.

وقيل: عام بدليل قوله بعد ذلك ﴿ فأما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين كفروا ﴾ ﴿ تدعى إلى كتابها ﴾ يريد كتاب الحفظة ليقرؤه.

وقال الجاحظ: إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا.

ويقال: يا أهل التوراة يا أهل القرآن.

﴿ اليوم تجزون ﴾ بتقدير القول ومما يؤيد القول الأول قوله ﴿ هذا كتابنا ﴾ إلى قوله ﴿ إنا كنا نستنسخ ﴾ أي نأمر بالنسخ.

وإضافة الكتاب تارة إليهم وأخرى إلى الله عز وجل صحيحة لأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فأضيف إليهم لأن أعمالهم مثبتة فيه، وأضيف إلى الله  لأنه أمر ملائكته بكتبه.

قوله ﴿ أفلم تكن ﴾ القول فيه مقدر أي فيقال لهم ذلك قوله ﴿ إن نظن إلا ظناً ﴾ قال أبو علي والأخفش: هذا الكلام جار على غير الظاهر لأن كل من يظن فإنه لا يظن إلا الظن، فتأويله أن ينوي به التقديم أي ما نحن إلا نظن ظناً.

وقال المازني: تقديره إن نظن نحن إلا ظناً منكم أي أنتم شاكون فيما تزعمون وما نحن بمستيقنين أنكم لا تظنون.

وقال جار الله: أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب.

فأدخل أداة الحصر ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه وأقول: الظن قد يطلق على ما يقرب من العلم، ولا ريب أن لهذا الرجحان مراتب وكأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا ثبوت علم فيه وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ وما نحن بمستيقنين ﴾ وباقي السورة واضح مما سلف والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: ولله ملك كل ملك في السماوات والأرض.

أو ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ؛ أي: خزائن السماوات والأرض، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود،  .

أو يقول: ولله حقيقة ملك السماوات والأرض.

فإن كان التأويل هو الأول فإن له ملك كل ملك في السماوات والأرض، ففيه إخبار وإعلام بليغ أتباعَ أولئك الملوك، و[ذوي] التعظيم لهم، والإجلال، والخدمة لهم بما في أيديهم من الملك والسلطان وفضل الأموال [ألا يصرفوا ذلك إليهم]؛ بل فيه الأمر بصرف ذلك كله إلى الله -  - والقيام له بالشكر، لا لأولئك؛ لأن الذي في أيديهم لله -  - وهو الجاعل في أيديهم، والواضع عندهم، فإليه يلزم صرف الشكر والعبادة، والله أعلم.

وإن كان تأويل الملك: الخزائن، ففيه قطع الأطماع عما في أيدي الناس، والأمر بصرف ذلك إلى الله -  - والرجاء منه دون من سواه، والله أعلم.

وإن كان الثالث، وهو أن حقيقة الملك لله -  - ففيه أنه فيما امتحنهم في الدنيا بأنواع المحن لم يمتحنهم لمنفعة ترجع إلى نفسه، أو لمضرة يدفع عنها، وكذلك ما يثيبهم في الآخرة ويعاقبهم، ليس يفعل ذلك لمنفعة كانت له في الدنيا أو دفع مضرة عنه، ولكن لحكمة أوجبت ذلك لهم وعليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ ﴾ سمى القيامة: ساعة، فجائز أن يكون سماها [بذلك]؛ لسرعة قيامها، أو نفاذها؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ .

أو أن يكون سماها بذلك؛ لما يكون حسابهم وأمرهم يوم القيامة إنما يكون في ساعة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴾ يحتمل: أي: يومئذ يبين خسران المبطلين في الدنيا، وعلى ذلك يبين خسران كل مشتركين في تجارة الدنيا؛ إذا [اشتركوا] في عمل عند القسمة يتبين خسران عملهم وتجارتهم.

وأصله أن الله -  - جعل الدنيا وما أنشأ فيها من الأموال والأملاك رءوس أموال لأهلها يتجرون ويكتسبون بها الربح في الآخرة، وأنه إنما أنشأ الدنيا للآخرة، لا أنه أنشأها لنفسها؛ ولذلك قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ الآية [التوبة: 111]، وقال: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ﴾ يحتمل أن يكون ما ذكر من الجثو للركب في الآخرة تعريف لهم وإنباء أنهم يختصمون يوم القيامة جاثين للركب، كما يختصم في الدنيا عند الحكام والأمراء جاثين للركب، والله أعلم.

ويحتمل أن يذكر جثوهم؛ لما لا تقوم بهم الأقدام، أو لا تحملهم؛ لهول ذلك اليوم والخوف فيها؛ فيكونون جاثين للركب ويقومون بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ﴾ يحتمل: ﴿ كِتَابِهَا ﴾ : كتاب كل في نفسه، وهو كقوله -  -: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ  ﴾ ، وقوله -  : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ  ﴾ و ﴿ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ  ﴾ ونحوه.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ﴾ الذي دعيت كل أمة إليه في الدنيا؛ من نحو القرآن، ونحوه؛ فيقال: يأهل الإنجيل، يأهل التوراة، ونحو ذلك، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون ﴿ كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ﴾ أي: إلى حسابها الذي عملت في الدنيا؛ تفسير ذلك ما ذكر: ﴿ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل الكتاب الذي أضاف إلى نفسه هو القرآن الذي كان ينطق لهم بالحق؛ أي: بالحق الذي لله عليهم، وما لبعضهم على بعض.

أو ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالصدق بأنه من الله -  - والله أعلم.

ويحتمل أن يكون ذلك الكتاب هو الكتاب الذي يكون لكلٍّ بالانفراد للذي كتبته له الملائكة مما عملوا من خير أو شر، وهو كقوله -  -: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ اختلف في تأويله: قال بعضهم: إن الحفظة تكتب أعمال بني آدم ثم يعارضون ذلك بما في اللوح المحفوظ المكتوب فيه: أن فلاناً يعمل كذا وكذا، فلا يزيد شيء ولا ينقص.

وعن ابن عباس -  - يقول قريباً من هذا: إن في السماء كتاباً عليه ملائكة، والملائكة الذين مع بني آدم يستنسخون من ذلك الكتاب ما يعملون، ثم قال: وهل تكون النسخة إلا من كتاب أو شيء، والله أعلم.

وقال بعضهم: ملكان موكلان بالكتابة، يكتب كل واحد منهما ما يعمله، فإذا أرادا أن يصعدا إلى السماء فيعارض كل واحد منهما كتابه الذي كتبه مع كتاب الآخر فلا يخطئ حرفاً مما كتب هذا ما كتب الآخر، والله أعلم.

وقال بعضهم: عرض كتاب الناس الذي عملوا كل يوم أو كل خميس، فينسخ منه الخير والشر، وما يثاب عليه وما يعاقب، ويلقى ما سوى ذلك مما لا ثواب له ولا عقاب، والله أعلم.

ويحتمل أن يراد من الانتساخ: ابتداء الكتابة من غير أخذ من كتاب أو نحوه، فإنه يجوز أن يستعمل الانتساخ في ابتداء الكتابة على غير أخذ من الكتاب أو غيره، نحو أن يقول الرجل: انتسخته، أي: كتبته، فيكون كأنه قال: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ ﴾ أي: نكتب ما كنتم تعملون ونثبته عليكم من خير أو شر، فيخرج لهم كتبهم التي فيها أعمالهم، فكانت عليهم حجة، وهي التي كتبت عليهم الحفظة.

وقال أبو عوسجة: الجاثية هي التي جثت واجتمعت، ويقال: تجاثينا: أي: بركنا على ركبنا للخصومة.

وقال القتبي: جاثية على الركب، يراد: أنها غير مطمئنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ﴾ أي: إلى حسابها.

وقوله: ﴿ هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ يريد: أنهم يقرءونه فيدلهم ويذكرهم؛ فكأنه ينطق عليهم.

وقوله  : ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ ﴾ أي: نكتب على ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ أي: آمنوا بجميع ما كان عليهم الإيمان به والتصديق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ أي: عملوا بما فيه صلاحهم، وما يوجبه الحكمة من العمل ﴿ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ أي: في جنته، سمى الجنة: رحمة؛ لأنها تنال برحمته، ويدخل فيها.

أو سماها: رحمة؛ لأنها هي النهاية والغاية التي تطلب بالرحمة وتراد بها.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ﴾ الآية.

الفوز: هو الظفر بما يؤمل ويرجو من العمل، أو يقال: الفوز: هو الفلاح الذي لا خوف بعده، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ كأن فيه إضماراً؛ لأن قوله -  -: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ إنما هو إخبار عن المعاينة.

وقوله -  -: ﴿ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ خطاب ومشافهة، فليس هو من جواب الأول، ولا من نوعه؛ فكأنه قال - والله أعلم -: وأما الذين كفروا في الدنيا فيقال لهم في الآخرة إذا طلبوا الرجوع والإقامة أو التخفيف ذلك: ﴿ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ في الدنيا.

ثم يحتمل: آياته: آيات وحدانيته وألوهيته، أو آيات قدرته وسلطانه على التعذيب، أو آيات قدرته على البعث أو آيات رسالته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ﴾ لا أحد يقصد قصد الاستكبار على آيات الله، لكنهم لما كذبوها وردوا آياته ولم يعملوا بها، فكأنهم استكبروا عليها، وهو كما قال: ﴿ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم لما عبدوا الأصنام بأمر الشيطان فكأنهم عبدوه.

ويحتمل أن يكونوا استكبروا على رسله؛ فيكون استكبارهم على رسله كأنهم استكبروا على آياته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ﴾ قيل: المجرم هو الوثاب في المعصية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ كان عندهم فيها ريب، لكنهم لو تأملوا ونظروا فيما أقام من آياته، زال عنهم الريب الذي كان لهم فيها.

ويحتمل أن يقال هذا على الإيقان إذا كان القائل به موقناً، وإن كان الذي يقال له شاكّاً في ذلك.

والأول أقرب وأشبه.

ثم الناس رجلان في الساعة: موقن بها ومتحقق، ولكن في العمل لها والاستعداد لها كالظان.

والثاني: ظان بها، شاك فيها جاحد لها ومكذب كالموقن ألا تكون.

ثم الإيقان بالشيء هو العلم بالأسباب الظاهرة، وقد يدخل في تلك الأسباب أدنى شبهة وشك؛ لذلك ذكر فيه الظن، والله أعلم.

وأما العلم بالشيء قد يكون بالسبب، وقد يكون بالتجلي له بلا سبب؛ ولذلك وصف الله -  - بالعلم، ولم يوصف بالإيقان، ولا يقال: إنه موقن؛ لما ذكرنا: أن أحدهما يكون بأسباب والآخر لا - والله أعلم - فيتمكن في الإيقان أدنى شبهة وشك، وقد يعمل غالباً لأسباب على حقيقة الأعمال؛ نحو المكره على الشرّ يعلم بما أوعد به بغالب أسبابه ليس على الحقيقة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: بدا لهم أنّ الأعمال في الدنيا أنها أسباب في الآخرة؛ لأنهم عملوها في الدنيا وعندهم أنها حسنات، فيظهر لهم في الآخرة أنها سيئات.

والثاني: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ ﴾ أي: ظهر لهم في الآخرة وتذكروا سيئات ما عملوا في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أي: نزل بهم، ووجب ما كانوا يستعجلون من الرسل، وهو العذاب الذي كانوا يوعدونهم؛ لأنهم كانوا يستعجلون ذلك استهزاء منهم بهم بأنه غير كائن، ولا نازل بهم ما كانوا يوعدونهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ ، والإشكال: أنهم كيف ينسون يومئذ؟

لأنهم لو كانوا ينسون، لسلموا من العذاب، لكن ما ذكر من النسيان يخرج على وجهين: أحدهما: كنى بالنسيان عن الترك؛ يقول: اليوم نترككم في النار وفي العذاب كما تركتم أنتم العمل لذلك اليوم والنظر فيه.

والثاني: على التمثيل؛ أي: اليوم نصيركم في النار كالشيء المنسي لا يكترث إليكم، ولا يلتفت، ولا يعبأ بكم كما صيرتم أنتم ذلك اليوم كالشيء المنسي، لم تكترثوا إليه، ولم تعملوا له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ جعل الله -  - النار لهم مأوى بإزاء كل ما افتخروا في الدنيا على رسل الله - عليهم السلام - وأتباعهم من المنازل، والمراكب، والملابس، وغير ذلك، وأخبر أنه لا ناصر لهم يملك إخراجهم من تلك النار والمأوى الذي جعل لهم، ولا يقدر دفع ذلك عنهم، والله أعلم.

ثم أخبر أن بعض ذلك الذي أصابهم ونزل بهم إنما كان بما ذكر من اتخاذهم آيات الله هزوا في الدنيا، هزوا بها وسُخراً بالرسل، عليهم السلام.

ثم آيات الله يحتمل ما ذكرنا من آيات وحدانيته وألوهيته، أو آيات قدرته وسلطانه على البعث، أو آيات رسالة الرسول،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم معنى نسبة التغرير إلى الحياة الدنيا، وإضافته إليها وإن لم يكن منها على التحقيق تغرير وخداع، وهو أنهم إنما اغتروا بها، فنسب فعل التغرير إليها، هي غرتهم، وقد ينسب الفعل إلى السبب الذي به صار ذلك، وإن لم يكن منه حقيقة ذلك؛ نحو قوله -  -: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ أي: يبصر به، وذلك كثير في اللغة.

أو يقال: إن ما كان منها، لو كان ذلك ممن يحتمل التغرير ويملك ذلك كانوا تغريراً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ ﴾ اختلف في قوله: ﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ ﴾ : قال بعضهم: إنهم يعاتبون إلى أن يدخلوا النار: إنكم فعلتم كذا، وتركتم كذا، ولم فعلتم كذا؟

فإذا دخلوا النار يترك العتاب ويجعل كالشيء المنسي فيها، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ ﴾ أي: لا يسترجعون إلى ما يطلبون من العود والرجوع إلى العمل الصالح؛ لقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ...

﴾ الآية [فاطر: 37].

ثم في قوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ...

﴾ الآية [الكهف: 53]، وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ  ﴾ - دلالة ألا يجب أن يفهم على ظاهر ما خرج الخطاب؛ لأنه ذكر الظن في المؤمنين، والمراد به: الإيقان، لا ظاهر الظن، وذكر في الكافرين الظن وأريد به الحقيقة، ولا يجوز أن يفهم من الظن في الفريقين معنى واحد، بل يفهم من هذا غير الذي فهم من الآخر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ إن جميع ما ذكر في القرآن من الحمد له فإنما ذكر لأحد شيئين: أحدهما: بما يستحق من الثناء بتعاليه عن جميع معاني الخلق وأوصافهم.

والثاني: بما يستحق من الثناء [بتفضله] عليهم بالنعم والإحسان الذي منه إليهم، وهو ما قال: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ و ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ  ﴾ ، ونحو ذلك، والله أعلم.

وأصل آخر: أنه إذا أضيفت كلية الأشياء إلى الله -  - ففيه وصف له بالعظمة والجلال وإذا أضيفت جزئية الأشياء إليه وخاصيتها، فإنما فيه تعظيم تلك الخاصية المضافة إليه، وفي قوله -  -: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ إضافة كلية الأشياء إليه والخاصية والجزئية، ففيه الأمران جميعاً، فإن قوله - عز وجل -: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ ﴾ إضافة جزئية الأشياء إليه وخاصيته، وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ إضافة كلية الأشياء إليه، والله أعلم.

وقد تقدم ذكر الرب في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: وله الوصف بالكبرياء والعظمة على أهل السماوات وأهل الأرض أن يصفوه بالكبرياء والعظمة.

أو: من حقه على أهل السماوات وأهل الأرض أن يصفوه بالكبرياء والعظمة والجلال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ أي: هو العزيز الذي لا يلحقه الذل بخلاف الخلق له ولا بعصيانهم.

أو ﴿ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ﴾ بما به يتعزز من أعز دونه، ومن وصف بعز دونه، فذلك راجع في الحقيقة إليه، ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ الذي وضع كل شيء موضعه، أو الحكيم الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، والله الموفق، والحمد لله رب العالمين.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هذا كتابنا -الذي كانت ملائكتنا تكتب فيه أعمالكم- يشهد عليكم بالحقّ فاقرؤوه، إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب ما كنتم تعملون في الدنيا.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZgnVP"

مزيد من التفاسير لسورة الجاثية

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده