الآية ٣٠ من سورة الأحقاف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ٣٠ من سورة الأحقاف

قَالُوا۟ يَـٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٠ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة الأحقاف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم إنه تعالى فسر إنذار الجن لقومهم فقال مخبرا عنهم : ( قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى [ مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق ] ) ، ولم يذكروا عيسى ; لأن عيسى ، عليه السلام ، أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم ، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة ، فالعمدة هو التوراة ; فلهذا قالوا : أنزل من بعد موسى .

وهكذا قال ورقة بن نوفل ، حين أخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - بقصة نزول جبريل [ عليه السلام ] عليه أول مرة ، فقال : بخ بخ ، هذا الناموس الذي كان يأتي موسى ، يا ليتني أكون فيها جذعا .

( مصدقا لما بين يديه ) أي : من الكتب المنزلة قبله على الأنبياء .

وقولهم : ( يهدي إلى الحق ) أي : في الاعتقاد والإخبار ، ( وإلى طريق مستقيم ) في الأعمال ، فإن القرآن يشتمل على شيئين خبر وطلب ، فخبره صدق ، وطلبه عدل ، كما قال : ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ) [ الأنعام : 115 ] ، وقال ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ) [ التوبة : 33 ] ، فالهدى هو : العلم النافع ، ودين الحق : هو العمل الصالح .

وهكذا قالت الجن : ( يهدي إلى الحق ) في الاعتقادات ، ( وإلى طريق مستقيم ) أي : في العمليات .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هؤلاء الذين صُرفوا إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من الجن لقومهم لما انصرفوا إليهم من عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : ( يَا قَوْمَنَا ) مِنَ الْجِنِّ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنـزلَ مِنْ بَعْدِ كِتَابٌ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) يقول: يصدق ما قبله من كتب الله التي أنـزلها على رُسله (2) .

وقوله ( يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ) يقول: يرشد إلى الصواب, ويدّل على ما فيه لله رضا( وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ) يقول: وإلى طريق لا اعوجاج فيه, وهو الإسلام.

وكان قتادة يقول في ذلك ما حدثنا بشر, قال: ثنا سعيد عن قتادة أنه قرأ ( قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنـزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ) فقال: ما أسرع ما عقل القوم, ذُكر لنا أنهم صُرِفوا إليه من نينوى.

----------------- الهوامش: (2) في الأصل : رسوله : ولعله تحريف من النسخ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى أي القرآن ، وكانوا مؤمنين بموسى .

قال عطاء : كانوا يهودا فأسلموا ، ولذلك قالوا : أنزل من بعد موسى وعن ابن عباس : أن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى ، فلذلك قالت : أنزل من بعد موسىمصدقا لما بين يديه يعني ما قبله من التوراة .

يهدي إلى دين الحق .

وإلى طريق مستقيم دين الله القويم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى } لأن كتاب موسى أصل للإنجيل وعمدة لبني إسرائيل في أحكام الشرع، وإنما الإنجيل متمم ومكمل ومغير لبعض الأحكام.{ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي } هذا الكتاب الذي سمعناه { إِلَى الْحَقِّ } وهو الصواب في كل مطلوب وخبر { وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ } موصل إلى الله وإلى جنته من العلم بالله وبأحكامه الدينية وأحكام الجزاء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ) قال عطاء : كان دينهم اليهودية ، لذلك قالوا : إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا» هو القرآن «أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه» أي تقدمه كالتوراة «يهدي إلى الحق» الإسلام «وإلى طريق مستقيم» أي طريقه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قالوا: يا قومنا إنا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى، مصدقًا لما قبله من كتب الله التي أنزلها على رسله، يهدي إلى الحق والصواب، وإلى طريق صحيح مستقيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( قَالُواْ ياقومنآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى .

.

) أى : وبعد أن انصرفوا إلى قومهم منذرين ، ووصلوا إليهم .

قالوا لهم : يا قومنا إنا سمعنا كتابا عظيم الشأن ، جليل القدر ، أنزل من بعد نبى الله - تعالى - موسى - عليه السلام - .وهذا الكتاب ( مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) أى : مصدقا لما قبله من الكتب وهو - أيضا - ( يهدي إِلَى الحق ) الذى لا يحوم حوله الباطل ، ويهدى - أيضا - ( إلى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ) أى : إلى طريق قويم واضح يصل بأتباعه إلى السعادة .قال الآلوسى : قوله : ( أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى ) ذكروه دون عيسى - عليهما السلام - لأنه متفق عليه عند أهل الكتابين ، ولأن الكتاب المنزل عليه أجل الكتب قبل القرآن ، وكان عيسى مأمورا بمعظم ما فيه أو بكله .وقال عطاء : لأنهم كانوا على اليهودية ، وهذا القول يحتاج إلى نقل صحيح .وعن ابن عباس : أن الجن لم تكن سمعت بعيسى ، فلذا قالوا ذلك .

وفى هذا القول بُعْدٌ ، فإ اشتهار أمر عيسى ، وانتشار أمر دينه ، أظهر من أن يخفى ، لا سيما على الجن ، ومن هنا قال أبو حيان : إن هذا لا يصح عن ابن عباس .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بيّن أن في الإنس من آمن وفيهم من كفر، بيّن أيضاً أن الجن فيهم من آمن وفيهم من كفر، وأن مؤمنهم معرض للثواب، وكافرهم معرض للعقاب، وفي كيفية هذه الواقعة قولان الأول: قال سعيد بن جبير: كانت الجن تستمع فلما رجموا قالوا: هذا الذي حدث في السماء إنما حدث لشيء في الأرض فذهبوا يطلبون السبب، وكان قد اتفق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أيس من أهل مكة أن يجيبوه خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام، فلما انصرف إلى مكة، وكان ببطن نخل قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر، فمرّ به نفر من أشراف جن نصيبين، لأن إبليس بعثهم ليعرفوا السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم، فسمعوا القرآن وعرفوا أن ذلك هو السبب والقول الثاني: أن الله تعالى أمر رسوله أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله إليه نفراً من الجن ليستمعوا منه القرآن وينذروا قومهم.

ويتفرع على ما ذكرناه فروع الأول: نقل عن القاضي في تفسيره الجن أنه قال: إنهم كانوا يهوداً، لأن في الجن مللاً كما في الإنس من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام، وأطبق المحققون على أن الجن مكلفون، سئل ابن عباس: هل للجن ثواب؟

فقال نعم لهم ثواب وعليهم عقاب، يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها الفرع الثاني: قال صاحب الكشاف: النفر دون العشرة ويجمع على أنفار، ثم روى محمد بن جرير الطبري عن ابن عباس: أن أولئك الجن كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم، وعن زر ابن حبيش كانوا تسعة أحدهم ذوبعة، وعن قتادة ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من ساوة الفرع الثالث: اختلفوا في أنه هل كان عبد الله بن مسعود مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟

والروايات فيه مختلفة ومشهورة الفرع الرابع: روى القاضي في تفسيره عن أنس قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبال مكة إذ أقبل شيخ متوكئ على عكازة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مشية جني ونغمته» فقال أجل، فقال: «من أي الجن أنت؟» فقال أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس، فقال: «لا أرى بينك وبين إبليس إلا أبوين فكم أتى عليك؟» فقال أكلت عمر الدنيا إلا أقلها، وكنت وقت قتل قابيل هابيل أمشي بين الآكام، وذكر كثيراً مما مرّ به، وذكر في جملته أن قال: قال لي عيسى بن مريم إن لقيت محمداً فأقرئه مني السلام، وقد بلغت سلامه وآمنت بك، فقال عليه السلام: «وعلى عيسى السلام، وعليك يا هامة ما حاجتك؟» فقال إن موسى عليه السلام علمني التوراة، وعيسى علمني الإنجيل، فعلمني القرآن، فعلمه عشر سور، وقبض صلى الله عليه وسلم ولم ينعه قال عمر بن الخطاب ولا أراه إلا حياً واعلم أن تمام الكلام في قصة الجن مذكور في سورة الجن.

المسألة الثانية: اختلفوا في تفسير قوله: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن ﴾ فقال بعضهم: لما لم يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم قراءة القرآن عليهم، فهو تعالى ألقى في قلوبهم ميلا وداعية إلى استماع القرآن، فلهذا السبب قال: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا حَضَرُوهُ ﴾ الضمير للقرآن أو لرسول الله ﴿ قَالُواْ ﴾ أي قال بعضهم لبعض ﴿ أَنصِتُواْ ﴾ أي اسكتوا مستمعين، يقال أنصت لكذا واستنصت له، فلما فرغ من القراءة ﴿ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ﴾ ينذرونهم، وذلك لا يكون إلا بعد إيمانهم، لأنهم لا يدعون غيرهم إلى استماع القرآن والتصديق به إلا وقد آمنوا، فعنده ﴿ قَالُواْ يا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كتابا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى ﴾ ووصفوه بوصفين الأول: كونه ﴿ مُصَدِّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي مصدقاً لكتب الأنبياء، والمعنى أن كتب سائر الأنبياء كانت مشتملة على الدعوة إلى التوحيد والنبوّة والمعاد والأمر بتطهير الأخلاق فكذلك هذا الكتاب مشتمل على هذه المعاني الثاني: قوله: ﴿ يَهْدِي إِلَى الحق وإلى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

واعلم أن الوصف الأول يفيد أن هذا الكتاب يماثل سائر الكتب الإلهية في الدعوة إلى هذه المطالب العالية الشريفة، والوصف الثاني يفيد أن هذه المطالب التي اشتمل القرآن عليها مطلب حقة صدق في أنفسها، يعلم كل أحد بصريح عقله كونها كذلك، سواء وردت الكتب الإلهية قبل ذلك بها أو لم ترد، فإن قالوا كيف قالوا: ﴿ مِن بَعْدِ موسى ﴾ ؟

قلنا قد نقلنا عن الحسن إنه قال إنهم كانوا على اليهودية، وعن ابن عباس أن الجن ما سمعت أمر عيسى فلذلك قالوا من بعد موسى، ثم إن الجن لما وصفوا القرآن بهذه الصفات الفاضلة قالوا: ﴿ ياقومنا أَجِيبُواْ دَاعِيَ الله ﴾ واختلفوا في أنه هل المراد بداعي الله الرسول أو الواسطة التي تبلغ عنه؟

والأقرب أنه هو الرسول لأنه هو الذي يطلق عليه هذا الوصف.

واعلم أن قوله: ﴿ أَجِيبُواْ دَاعِيَ الله ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجن كما كان مبعوثاً إلى الإنس قال مقاتل، ولم يبعث الله نبياً إلى الإنس والجن قبله.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ أَجِيبُواْ دَاعِيَ الله ﴾ أمر بإجابته في كل ما أمر به، فيدخل فيه الأمر بالإيمان إلا أنه أعاد ذكر الإيمان على التعيين، لأجل أنه أهم الأقسام وأشرفها، وقد جرت عادة القرآن بأنه يذكر اللفظ العام، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه كقوله: ﴿ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ  ﴾ ولما أمر بالإيمان به ذكر فائدة ذلك الإيمان وهي قوله: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال بعضهم كلمة ﴿ مِنْ ﴾ هاهنا زائدة والتقدير: يغفر لكم ذنوبكم، وقيل بل الفائدة فيه أن كلمة ﴿ مِنْ ﴾ هاهنا لابتداء الغاية، فكان المعنى أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب، ثم ينتهي إلى غفران ما صدر عنكم من ترك الأولى والأكمل.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟

فقيل لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، ثم يقال لهم كونوا تراباً مثل البهائم، واحتجوا على صحة هذا المذهب بقوله تعالى: ﴿ وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ وهو قول أبي حنيفة، والصحيح أنهم في حكم بني آدم فيستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وهذا القول قول ابن أبي ليلى ومالك، وجرت بينه وبين أبي حنيفة في هذا الباب مناظرة، قال الضحاك يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، والدليل على صحة هذا القول أن كل دليل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق الجن، والفرق بين البابين بعيد جداً.

واعلم أن ذلك الجني لما أمر قومه بإجابة الرسول والإيمان به حذرهم من تلك الإجابة فقال: ﴿ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرض ﴾ أي لا ينجي منه مهرب ولا يسبق قضاءه سابق، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ الله فِي الأرض وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً  ﴾ ولا نجد له أيضاً ولياً ولا نصيراً، ولا دافعاً من دون الله ثم بيّن أنهم في ضلال مبين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

«وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى صرط مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين» ﴿ صرفنا إليك نفرا ﴾ أملناهم إليك وأقبلنا بهم نحوك.

وقرئ: صرفنا بالتشديد لأنهم جماعة.

والنفر: دون العشرة.

ويجمع أنفارا.

وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا ﴿ فلما حضروه ﴾ الضمير للقرآن.

أي: فلما كان بمسمع منهم.

أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتعضده قراءة من قرأ فلما قضى أي أتم قراءته وفرغ منها ﴿ قالوا ﴾ قال بعضهم لبعض ﴿ أنصتوا ﴾ اسكتوا مستمعين.

يقال: أنصت لكذا واسنتصت له.

روى: أن الجن كانت تسترق السمع فلما حرست السماء ورجموا بالشهب قالوا: ما هذا إلا لنبأ حدث فنهض سبعة نفر أو تسعة من أشراف جن نصيبين أو نينوى: منهم زوبعة فضربوا حتى بلغوا تهامة ثم اندفعوا إلى وادي نخلة فوافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم في جوف الليل يصلي أو في صلاة الفجر فاستمعوا لقراءته وذلك عند منصرفه من الطائف حين خرج إليهم يستنصرهم فلم يجيبوه إلى طلبته وأغروا به سفهاء ثقيف.

وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم وإنما كان يتلو في صلاته فمروا به فوقفوا مستمعين وهو لا يشعر فأنبأه الله باستماعهم.

وقيل: بل أمر الله رسوله أن ينذر الجن ويقرأ عليهم فصرف إليه نفرا منهم جمعهم له فقال: إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فمن يتبعني: قالها ثلاثا فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لم يحضره ليلة الجن أحد غيري فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة في شعب الحجون فخط لي خطا وقال: لا تخرج منه حتى أعود إليك ثم افتتح القرآن وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ثم انقطعوا كقطع السحاب فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت شيئا؟

قلت: نعم رجالا سودا مستثفري ثياب بيض فقال: اولئك جن نصيبين وكانوا اثنى عشر ألفاً والسورة التي قرأها عليهم ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ ﴾ [العلق 1] فإن قلت كيف قالوا مِن بَعْدِ مُوسَى قلت عن عطاء رضي الله عنه أنهم كانوا على اليهودية وعن ابن عباس رضي الله عنهما إنّ الجنّ لم تكن سمعت بأمر عيسى عليه السلام فلذلك قالت مِن بَعْدِ مُوسَى فإن قلت لم بعَّض في قوله مّن ذُنُوبِكُمْ قلت لأن من الذنوب مالا يغفر بالإيمان كذنوب المظالم ونحوها ونحوه قوله عزّ وجل: ﴿ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ [نوح 34] فإن قلت هل للجن ثواب كما للإنس قلت اختلف فيه فقيل لا ثواب لهم إلا النجاة من النار لقوله تعالى وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وإليه كان يذهب أبو حنيفة رحمه الله والصحيح أنهم في حكم بني آدم لأنهم مكلفون مثلهم فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الاْرْضَ أي لا ينجي منه مهرب ولا يسبق قضاءه سابق ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الاْرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً ﴾ [الجن 12].

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ ﴾ أمَلْناهم إلَيْكَ والنَّفَرُ دُونَ العَشَرَةِ وجَمْعُهُ أنْفارٌ.

﴿ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ ﴾ حالٌ مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى.

﴿ فَلَمّا حَضَرُوهُ ﴾ أيِ القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ.

﴿ قالُوا أنْصِتُوا ﴾ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْكُتُوا لِنَسْمَعَهُ.

﴿ فَلَمّا قُضِيَ ﴾ أُتِمَّ وفُرِغَ مِن قِراءَتِهِ، وقُرِئَ عَلى بِناءِ الفاعِلِ وهو ضَمِيرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ أيْ مُنْذِرِينَ إيّاهم بِما سَمِعُوا.

رُوِيَ أنَّهم وافَوْا رَسُولَ اللَّهِ  بِوادِي النَّخْلَةِ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنَ الطّائِفِ يَقْرَأُ في تَهَجُّدِهِ.

قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى قِيلَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَهُودًا أوْ ما سَمِعُوا بِأمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ ﴾ مِنَ العَقائِدِ.

﴿ وَإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى} وانما قالوا من بعد موسى لانهم كانوا على اليهودية وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى عليه السلام {مصدقا لما بين يديه} من الكتب {يهدي إلى الحق} الى الله تعالى {وإلى طريق مستقيم}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿ أنْصِتُوا ﴾ اسْكُتُوا لِنَسْمَعَهُ، وفِيهِ تَأدُّبٌ مَعَ العِلْمِ وكَيْفَ يُتَعَلَّمُ ﴿ فَلَمّا قُضِيَ ﴾ أتَمَّ وفَرَغَ عَنْ تِلاوَتِهِ.

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ وحَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (قَضى) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأيَّدَ بِذَلِكَ عَوْدَ ضَمِيرِ ﴿ حَضَرُوهُ ﴾ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ مُقَدِّرِينَ إنْذارَهم عِنْدَ وُصُولِهِمْ إلَيْهِمْ، قِيلَ: إنَّهم تَفَرَّقُوا في البِلادِ فَأنْذَرُوا مَن رَأوْهُ مِنَ الجِنِّ، وكانَ هَؤُلاءِ كَما جاءَ في عِدَّةِ رِواياتٍ مِن جِنِّ نَصِيبِينَ وهي مِن دِيارِ بِكْرٍ قَرِيبَةٌ مِنَ الشّامِ، وقِيلَ: مِن نِينَوى وهي أيْضًا مِن دِيارِ بَكْرٍ لَكِنَّها قَرِيبَةٌ مِنَ المُوصِلِ، وذُكِرَ أنَّهم كانُوا مِنَ الشِّيصْبانِ وهم أكْثَرُ الجِنِّ عَدَدًا وعامَّةُ جُنُودِ إبْلِيسَ مِنهُمْ، وكانَ الحُضُورُ بِوادِي نَخْلَةَ عَلى نَحْوِ لَيْلَةٍ مِن مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ إلى سُوقِ عُكاظَ وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا ما لَكُمْ؟

فَقالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ قالُوا ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا شَيْءٌ حَدَثَ فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها فانْظُرُوا ما هَذا الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ فانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو وأصْحابُهُ بِنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظَ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمِعُوا لَهُ فَقالُوا: هَذا واللَّهِ الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ فَهُناكَ حِينَ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ».

وفِي رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ أنَّهم لَمّا حَضَرُوهُ قالُوا: أنْصِتُوا فَلَمّا قَضى وفَرَغَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن صَلاةِ الصُّبْحِ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ مُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ حَتّى نَزَلَ ﴿ قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ ﴾ .

وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ آذَنَتْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِمْ شَجَرَةٌ وكانُوا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ سَبْعَةً وكَذا قالَ زِرٌّ وذَكَرَ مِنهم زَوْبَعَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم كانُوا سَبْعَةً.

ثَلاثَةٌ مِن أهْلِ حِرانَ، وأرْبَعَةٌ مِن نَصِيبِينَ وكانَتْ أسْماؤُهم حَسى ومَسى وشاصِرَ وماصِرَ والأُرْدُوانِيّانِ وسَرْقَ والأحْقَمَ.

بِمِيمٍ آخِرَهُ، وفي رِوايَةٍ عَنْ كَعْبٍ الأحْقَبُ بِالباءِ، وذَكَرَ صاحِبُ الرَّوْضِ بَدَلَ حَسى ومَسى مُنْشِئٌ وناشِئٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في هَؤُلاءِ النَّفَرِ: كانُوا تِسْعَةَ عَشَرَ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ، والخَبَرُ السّابِقُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ  كانَ حِينَ حَضَرَ الجِنُّ مَعَ طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأحْمَدُ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ «عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ الجِنِّ مِنكم أحَدٌ؟

قالَ: ما صَحِبَهُ مِنّا أحَدٌ ولَكُنّا كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْناهُ فالتَمَسْناهُ في الأوْدِيَةِ والشِّعابِ فَقُلْنا: اسْتُطِيرَ أوِ اغْتِيلَ فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ فَلَمّا أصْبَحْنا إذا هو جاءَ مِن قِبَلِ حِراءَ فَأخْبَرْناهُ فَقالَ أتانِي داعِي الجِنِّ فَأتَيْتُهم فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ فانْطَلَقَ بِنا فَأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانِهِمْ» فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ مِنهم.

وأخْرَجَ أحْمَدُ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  لَيْلَةَ الجِنِّ وأخَذْتُ إداوَةً ولا أحْسَبُها إلّا ماءً حَتّى إذا كُنّا بِأعْلى مَكَّةَ رَأيْتُ أسْوِدَةً مُجْتَمِعَةً قالَ: فَخَطَّ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: قُمْ هاهُنا حَتّى آتِيَكَ ومَضى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِمْ فَرَأيْتُهم يَتَثَوَّرُونَ إلَيْهِ فَسَمَّرَ مَعَهم لَيْلًا طَوِيلًا حَتّى جاءَنِي مَعَ الفَجْرِ فَقالَ لِي: هَلْ مَعَكَ مِن وضُوءٍ قُلْتُ: نَعَمْ فَفَتَحْتُ الإداوَةَ فَإذا هو نَبِيذٌ فَقُلْتُ: ما كُنْتُ أحْسَبُها إلّا ماءً فَإذا هو نَبِيذٌ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وماءٌ طَهُورٌ فَتَوَضَّأ مِنها ثُمَّ قامَ يُصَلِّي فَأدْرَكَهُ شَخْصانِ مِنهم فَصَفَّهُما خَلْفَهُ ثُمَّ صَلّى بِنا فَقُلْتُ: مَن هَؤُلاءِ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

قالَ: جِنُّ نَصِيبِينَ».

فَهَذا يَدُلُّ عَلى خِلافِ ما تَقَدَّمَ والجَمْعِ بِتَعَدُّدِ واقِعَةِ الجِنِّ، وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ قالَ: صُرِفَتِ الجِنُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ  مَرَّتَيْنِ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ قَدْ دَلَّتِ الأحادِيثُ عَلى أنَّ وِفادَةَ الجِنِّ كانَتْ سِتَّ مَرّاتٍ ويَجْمَعُ بِذَلِكَ اخْتِلافُ الرِّواياتِ في عَدَدِهِمْ وفي غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والواقِدِيُّ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: انْصَرَفَ النَّفَرُ التِّسْعَةُ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ مِن بَطْنِ نَخْلَةَ وهم فُلانٌ وفُلانٌ وفُلانٌ والأرْدُوانِيّانِ والأحْقَبُ جاؤُوا قَوْمَهم مُنْذِرِينَ فَخَرَجُوا بَعْدُ وافِدِينَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهم ثَلاثُمِائَةٍ فانْتَهَوْا إلى الحَجُونِ فَجاءَ الأحْقَبُ فَسَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ قَوْمَنا قَدْ حَضَرُوا الحَجُونَ يُلْقُونَكَ فَواعَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِساعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ بِالحَجُونِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا مِن جَزِيرَةِ المُوصِلِ، وفي الكَشّافِ حِكايَةُ هَذا العَدَدِ أيْضًا وأنَّ السُّورَةَ الَّتِي قَرَأها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ ، ونُقِلَ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ فَكانَ إذا قالَ: ( فَبِأيِ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) قالُوا: لا بِشَيْءٍ مِن آياتِ رَبِّنا نُكَذِّبُ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ، وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواقِدِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الجِنُّ في رَبِيعِ الأوَّلِ سَنَةَ إحْدى عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ وفي مَعْناهُ ما قِيلَ: كانَتِ القِصَّةُ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ بِناءً عَلى ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكَثَ بِمَكَّةَ يُوحى إلَيْهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وفي المَسْألَةِ خِلافٌ والمَشْهُورُ ما ذُكِرَ.

وقِيلَ: كانَ اسْتِماعُ الجِنِّ في ابْتِداءِ الإيحاءِ ﴿ قالُوا ﴾ أيْ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إلى قَوْمِهِمْ ﴿ يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا ﴾ جَلِيلَ الشَّأْنِ ﴿ أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى ﴾ ذَكَرُوهُ دُونَ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابَيْنِ ولِأنَّ الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ أجَلُّ الكُتُبِ قَبْلَ القُرْآنِ وكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورًا بِالعَمَلِ بِمُعْظَمِ ما فِيهِ أوْ بِكُلِّهِ، وقالَ عَطاءٌ: لِأنَّهم كانُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجِنَّ لَمْ تَكُنْ سَمِعْتَ بِأمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِذا قالُوا ذَلِكَ، وفِيهِ بُعْدٌ فَإنَّ اشْتِهارَ أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وانْتِشارَ أمْرِ دِينِهِ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى لا سِيَّما عَلى الجِنِّ، ومِن هُنا قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ هَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مِنَ التَّوْراةِ أوْ جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ السّابِقَةِ ﴿ يَهْدِي إلى الحَقِّ ﴾ مِنَ العَقائِدِ الصَّحِيحَةِ ﴿ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ مِنَ الأحْكامِ الفَرْعِيَّةِ أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرِها مِنَ العَقائِدِ عَلى أنَّهُ مِن ذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ وذلك، أن النبيّ  لما بعث، خرت الأصنام على وجوهها في تلك الليلة.

فصاح إبليس صيحة، فاجتمع إليه جنوده، فقال لهم: قد عرض أمر عظيم، امضوا فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها.

يعني: امشوا وانظروا ماذا حدث من الأمر.

وروى ابن عباس: أنه لما بعث النبي  حيل بين الشياطين وبين السماء، وأرسل عليهم الشهب، فجاؤوا إلى إبليس، فأخبروه بذلك، قال: هذا الأمر حادث، اضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فجاء نفر منهم، فوجدوا النبيّ  يصلي تحت نخلة في سوق عكاظ، ومعه ابن مسعود وأصحابه، وكان يقرأ سورة طه في الصلاة.

وروى وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن رجل، عن زر بن حبيش، في قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ قال: كانوا تسعة أحدهم: زوبعة أتوه ببطن نخلة يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا وروى عكرمة، عن الزبير قال: كان النبيّ  يقرأ في العشاء الأخيرة، فلما حضروا النبيّ  ، قال بعضهم، لبعض أنصتوا للقرآن واستمعوا فَلَمَّا قُضِيَ يعني: فرغ النبيّ  من القراءة والصلاة وَلَّوْا يعني: رجعوا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قال مقاتل: يعني: المؤمنين.

وقال الكلبي: يعني: مخوفين.

وقال مجاهد: ليس في الجن رسل، وإنما الرسل في الإنس، والنذارة في الجن.

ثم قرأ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ يعني: أنذروا قومهم من الجن قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا من محمد  كِتاباً يعني: قراءة القرآن أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى يعني: أنزل على النبي  مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: موافقاً لما قبله من الكتب يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ يعني: يدعو إلى توحيد الله تعالى من الشرك، كما هو في سائر الكتب وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ لا عوج فيه، يعني: دين الله تعالى، وهو الإسلام يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ يعني: النبيّ  وَآمِنُوا بِهِ يعني: صدقوا به وبكتابه يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ومن صلة في الكلام.

يعني: يغفر لكم ذنوبكم إن صدقتم.

وآمنتم وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ يعني: يؤمنكم من عذاب النار وَمَنْ لاَّ يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ يعني: من لم يجب رسول الله  ، بما يدعو إليه من الإيمان فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ يعني: لا يستطيع أن يهرب في الأرض، من عذاب الله تعالى.

ويقال: معناه فلن يجد الله عاجزاً عن طلبه وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ يعني: ليس له أنصار يمنعونه، مما نزل به من العذاب أُولئِكَ فِي ضَلالٍ يعني: في خطأ مُبِينٍ وذكر في الخبر، أنهم لما أنذرهم وخوفهم، جاء جماعة منهم إلى النبيّ  بمكة، فلقيهم بالبطحاء فقرأ عليهم القرآن، فأمرهم ونهاهم، وكان معه عبد الله بن مسعود، وَخَطَّ لَهُ النبيّ  خطاً، وقال له: «لاَ تَخْرُجْ مِنْ هَذَا الخَطِّ، فَإِنَّكَ إنْ خَرَجْتَ لَنْ تَرَانِي إلَى يَوْمِ القِيَامَة، فلما رجع إليه قال: يا نبي الله سمعت هَدَّتين أي: صوتين فقال النبيّ  : أمَّا إِحْدَاهُمَا: فَإنِّي سَلَّمْتُ عَليْهِمْ فَرَدُّوا عَلَيَّ السَّلاَم، وأمّا الثَّانِيَة: فَإِنَّهُمْ سَأَلُوا الرِّزْقَ فَأَعْطَيْتُهُمْ عَظْماً رِزْقاً لهم، وَأَعْطَيْتَهُم رَوْثاً رِزْقاً لِدَوَابِّهِمْ» .

ثم قال تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا يعني: أولم يعتبروا ويتفكروا.

ويقال: أو لم يخبروا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ يعني: لم يعجز عن خلق السموات والأرض، فكيف يعجز عن بعث الموتى.

ويقال: وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ يعني: لم يعيه خلقهن، ولم يعى بخلقهن بقادر عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى لأنهم كانوا مقرين بأن الله، هو الذي خلق السموات والأرض، وكانوا منكرين للبعث بعد مماتهم، فأخبرهم الله تعالى، بأن الذي كان قادراً على خلق السموات والأرض، يكون قادراً على إحيائهم بعد الموت.

ثم قال بَلى يعني: هو قادر على البعث إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الإحياء والبعث.

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ يعني: يكشف الغطاء عنها.

ويقال: يساق الذين كفروا إلى النار.

ويقال لهم: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ يعني: أليس هذا العذاب الذي ترون حقاً، وكنتم تكذبون به قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنه الحق، وَرَبّنَا هو الله.

ويقال: والله إنه لحق، فيقرون حين لا ينفعهم إقرارهم.

قال: فيقال لهم: قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي: تجحدون فَاصْبِرْ يا محمد، يعني: اصبر على أذى أهل مكة، وتكذيبهم.

كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ يعني: أولو الحزم، وهو أن يصبر في الأمور، ويثبت عليها، وذلك أن النبيّ  ، أراد أن يدعو عليهم، فأمره الله تعالى بالصبر، كما صبر نوح، وكما صبر إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب ويوسف وغيرهم من الأنبياء، صلوات الله عليهم أجمعين.

وقال السدي: أولو العزم، الذين أمروا بالقتال من الرسل.

وقال أبو العالية: أولو العزم من الرسل، كانوا ثلاثة والنبي  رابعهم، إبراهيم وهود ونوح، فأمره الله تعالى أن يصبر كما صبروا.

وقال مقاتل: أولو العزم من الرسل اثني عشر نبياً في بيت المقدس، فأوحى الله إليهم ثلاث مرات، أن اخرجوا من بين أقوامكم، فلم يخرجوا.

فقال الله تعالى: يمضي العذاب عليكم مع قومكم فتشاوروا فاختاروا هلاك أنفسهم بينهم وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ يعني: لا تستعجل لهم بالعذاب كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ يعني: العذاب قد أتاهم من قريب في الآخرة، فلقربه كأنهم يرونه في الحال.

ويقال: في الآية تقديم وتأخير، كأنهم لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً في الدنيا يعني: إذا أتاهم ذلك اليوم، يرون أنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا القليل.

فذلك قوله: لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ يعني: من نهار الدنيا.

ويقال: يعني: في القبور.

وقال أبو العالية: معناه كأنهم يرون، حين يظنون أنهم لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً من نهار.

ثم قال بَلاغٌ يعني: ذلك بلاغ وبلغه وأجل، فإذا بلغوا أجلهم ذلك فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ يعني: هل يهلك في العذاب، إذا جاء العذاب إلا القوم العاصون.

ويقال: معناه لا يهلك مع رحمة الله وفضله، إلا القوم الفاسقون.

ويقال: بلاغ يعني: هذا الذي ذكر بلاغ.

أي: تمام العظة.

ويقال: هو من الإبلاغ، أي: هذا إرسال وبيان لهم كقوله هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تُهْلِكُ، و «والدمار» : الهلاك، وقوله: كُلَّ شَيْءٍ ظاهره العموم، ومعناه الخُصُوصُ في كُلِّ ما أُمِرَتْ بتدميره، وروي أَنَّ هذه الريح رمتهم أجمعين في البَحْرِ.

ثم خاطب جلَّ وعلا قريشاً على جهة الموعظة بقوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ فَ «مَا» بمعنى «الذي» ، و «إن» نافية وقعتْ مكان «مَا» لمختلف اللفظ، ومعنى الآية:

ولقد أعطيناهُمْ من القُوَّةِ والغنى والبَسْطِ في الأموال والأجسامِ- ما لم نُعْطِكُمْ، ونالهم بسَبَبِ كُفْرِهِمْ هذا العَذَابُ فأنتم أحرى بذلك إذا تماديتم في كفركم، وقالت فرقة: «إنْ» شرطية، والجواب محذوف، تقديره: في الذي إنْ مَكَّنَّاكم فيه طغيتم، وهذا تَنَطُّعٌ في التأويل، و «ما» نافية في قوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ ويقوِّي ذلك دخولُ «مِنْ» في قوله:

مِنْ شَيْءٍ، وقالت فرقةٌ: بل هي استفهام على جهة التقرير ومِنْ شَيْءٍ- على هذا- تأكيدٌ وهذا على غير مذهب سيبَوَيْهِ في دخول «مِنْ» في الجواب.

وقوله عز وجل: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى ...

الآية، مخاطبة لقريشٍ على جهة التمثيلِ وَصَرَّفْنَا الْآياتِ يعني: لهذه القرى.

وقوله سبحانه: فَلَوْلا نَصَرَهُمُ ...

الآية، يعني: فهلا نَصَرَتْهُمْ أصنامُهُمْ، بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ أي: انتلفوا عنهم وقت/ الحاجة وَذلِكَ إِفْكُهُمْ إشارةٌ إلى قولهم في الأصنامِ: إنها آلهةٌ.

وقوله: وَما كانُوا يَفْتَرُونَ يحتمل أَنْ تكون «ما» مصدريةً، فلا تحتاج إلى عائد، ويحتمل أَنْ تكون بمعنى «الذي» فهناك عائد محذوف، تقديره: يفترونه.

وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لاَّ يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)

وقوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ ...

الآية، ابتداءُ وَصْفِ قِصَّةِ الجِنِّ ووفادتهم على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد اختلفت الرُّوَاةُ هِنَا: هَلْ هذا الجِنُّ هُمُ الوَفْدُ أوِ

المُتَجَسِّسُونَ؟

واختلفتِ الرواياتُ أيضاً عنِ ابنِ مَسْعُودٍ وغيرهِ في هذا الباب.

والتحرير في هذا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جاءه نَفَرٌ من الجِنِّ دون أَنْ يَشْعُرَ بهم، وهم المتجسِّسون المتفرِّقون من أَجْلِ رَجْمِ الشُّهُبِ الذي حَلَّ «١» بِهِمْ، وهؤلاءِ هُمُ المرادُ بقوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ ...

[الجن: ١] الآية، ثم بعد ذلك وفد عليه وَفْدُهُمْ حَسْبَمَا وَرَدَ في ذلك من الآثار «٢» .

وقوله: نَفَراً يقتضي أَنَّ المصروفين كانوا رجالاً لا أنثى فيهم، والنَّفَرُ والرَّهْطُ هم:

القوم الذين لا أنثى فيهم.

وقوله تعالى: فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فيه تَأَدُّبٌ مع العلم، وتعليم كيف يُتَعَلَّمُ فَلَمَّا قُضِيَ أي: فرغ من تلاوة القرآنِ واستماع الجن، قال جابر بن عبد الله وغيره: إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم لمّا قرأ عليهم سورة «الرحمن» فكان إذَا قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن: ١٣] قالوا: لا بشَيْءٍ مِنْ آلائك نُكَذِّبُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، ولَمَّا وَلَّتْ هذه الجملةُ تفرَّقَتْ/ على البلاد مُنْذِرَةً لِلْجِنِّ، وقولهم: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً يَعْنُونَ: القرآن.

ت: وقولهم: مِنْ بَعْدِ مُوسى يحتمل أَنَّهُمْ لم يعلموا بِعِيسَى قاله ابن عباس «٣» ، أوْ أَنَّهم على دِينِ اليهودِ، قاله عطاء «٤» نقل هذا الثعلبيّ، ويحتمل ما تقدّم ذكره

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ ﴾ وبَخَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ كَفّارَ قُرَيْشٍ بِما آمَنَتْ بِهِ الجِنُّ.

وفي سَبَبِ صَرْفِهِمْ إلى النَّبِيِّ  ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم صُرِفُوا إلَيْهِ بِسَبَبِ ما حَدَثَ مِن رَجْمِهِمْ بِالشُّهُبِ.

رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ  في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ، فَقالُوا: ما لَكُمْ؟

قالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا: ما ذاكَ إلّا مِن شَيْءٍ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها فانْظُرُوا ما هَذا الأمْرُ، فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ بِالنَّبِيِّ  وهو بِـ "نَخْلَةَ" وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ تَسَمَّعُوا لَهُ، فَقالُوا: هَذا الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُنالِكَ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ ﴿ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا ﴾ ﴿ يَهْدِي إلى الرُّشْدِ  ﴾ .

فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﴿ قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ ﴾ » [الجِنِّ: ١] .

ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ  عَلى الجِنِّ، ولا رَآهُمْ، وإنَّما أتَوْهُ وهو بِـ "نَخْلَةَ" فَسَمِعُوا القُرْآنَ.» والثّانِي: أنَّهم صُرِفُوا إلَيْهِ لِيُنْذِرَهُمْ، وأُمِرَ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، هَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ، مِنهم قَتادَةُ.

وفي أفْرادِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَلْقَمَةَ قالَ: «قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ: مَن كانَ مِنكم مَعَ النَّبِيِّ  لَيْلَةَ الجِنِّ؟

فَقالَ: ما كانَ مِنّا مَعَهُ أحَدٌ، فَقَدْناهُ ذاتَ لَيْلَةٍ ونَحْنُ بِمَكَّةَ، فَقُلْنا: اِغْتِيلَ رَسُولُ اللَّهِ  أوِ اسْتُطِيرَ، فانْطَلَقْنا نَطْلُبُهُ في الشِّعابِ، فَلَقِيناهُ مُقْبِلًا مِن نَحْوِ حِراءَ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْنَ كُنْتَ؟

لَقَدْ أشْفَقْنا عَلَيْكَ، وقُلْنا لَهُ: بِتْنا اللَّيْلَةَ بِشَّرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ حِينَ فَقَدْناكَ، فَقالَ: "إنَّهُ أتانِي داعِي الجِنِّ، فَذَهَبْتُ أُقْرِئُهُمُ القُرْآنَ"، فَذَهَبَ بِنا، فَأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانِهِمْ.

وقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: "إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ، فَأيُّكم يَتْبَعُنِي؟" فَأطْرَقُوا، ثُمَّ اسْتَتْبَعَهم فَأطْرَقُوا، ثُمَّ اسْتَتْبَعَهُمُ الثّالِثَةَ فَأطْرَقُوا، فَأتْبَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَدَخَلَ نَبِيُّ اللَّهِ  شِعْبًا يُقالُ لَهُ: "شِعْبُ الحَجُونِ"، وخَطَّ عَلى عَبْدِ اللَّهِ خَطًّا لِيُثْبِتَهُ بِهِ، قالَ: فَسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا حَتّى خِفْتُ عَلى نَبِيِّ اللَّهِ  ، فَلَمّا رَجَعَ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، ما اللَّغَطُ الَّذِي سَمِعْتُ؟

قالَ: "اجْتَمَعُوا إلَيَّ في قَتِيلٍ كانَ بَيْنَهُمْ، فَقَضَيْتُ بَيْنَهم بِالحَقِّ"» والثّالِثُ: أنَّهم مَرُّوا بِهِ وهو يَقْرَأُ، فَسَمِعُوا القُرْآنَ.

فَذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لَمّا يَئِسَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ يُجِيبُوهُ، خَرَجَ إلى الطّائِفِ لِيَدْعُوَهم إلى الإسْلامِ- وقِيلَ: لِيَلْتَمِسَ نَصْرَهُمْ- وذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أبِي طالِبٍ، فَلَمّا كانَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ قامَ يَقْرَأُ القُرْآنَ في صَلاةِ الفَجْرِ، فَمَرَّ بِهِ نَفَرٌ مِن أشْرافِ جِنِّ نَصِيبِينَ، فاسْتَمَعُوا القُرْآنَ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ والقَوْلِ الأوَّلِ، لَمْ يَعْلَمْ بِحُضُورِهِمْ حَتّى أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى؛ وعَلى القَوْلِ الثّانِي، عَلِمَ بِهِمْ حِينَ جاءُوا.

وفي المَكانِ الَّذِي سَمِعُوا فِيهِ تِلاوَةَ النَّبِيِّ  قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الحَجُونَ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّانِي: بَطْنُ نَخْلَةَ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

وَأمّا النَّفَرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: إنَّ النَّفَرَ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في عَدَدِ هَؤُلاءِ النَّفَرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا سَبْعَةً، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، ومُجاهِدٌ، ورَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تِسْعَةً، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ النَّفَرَ لا يُطْلَقُ عَلى الكَثِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا حَضَرُوهُ ﴾ أيْ: حَضَرُوا اسْتِماعَهُ، و ﴿ قُضِيَ ﴾ يَعْنِي: فَرَغَ مِن تِلاوَتِهِ ﴿ وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ أيْ: مُحَذِّرِينَ عَذابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.

وَهَلْ أنْذَرُوا قَوْمَهم مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، أمْ جَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

قالَ عَطاءٌ: كانَ دِينُ أُولَئِكَ الجِنِّ اليَهُودِيَّةَ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿ مِن بَعْدِ مُوسى ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا  .

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أُرْسِلَ إلى الجِنِّ والإنْسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ "مِن" هاهُنا صِلَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ﴾ أيْ: لا يُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى ﴿ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ ﴾ أيْ: أنْصارٌ يَمْنَعُونَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لا يُجِيبُونَ الرُّسُلَ في ضَلالٍ مُبِينٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنَّ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ المَعْنى: قالَ هَؤُلاءِ المُنْذِرُونَ لَمّا بَلَغُوا قَوْمَهُمْ: ﴿ يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى ﴾ ، وهو القُرْآنُ العَظِيمُ، وخَصَّصُوا مُوسى  لِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا لِأنَّ هَذِهِ الطائِفَةَ كانَتْ تَدِينُ بِدِينِ اليَهُودِ، وإمّا لِأنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدًا  وبَشَّرَ بِهِ، فَأشارُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ مَذْكُورًا في تَوْراتِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: لَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿ مِن بَعْدِ مُوسى ﴾ ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ يُؤَيِّدُ هَذا.

و"ما بَيْنَ يَدَيْهِ" هي التَوْراةُ والإنْجِيلُ، و ﴿ "الحَقِّ" ﴾ و"الصِراطِ المُسْتَقِيمِ" هُنا بِمَعْنًى مُتَقارِبٍ، لَكِنَّ مِن حَيْثُ اخْتَلَفَ اللَفْظُ -وَرُبَّما كانَ الحَقُّ أعَمَّ- وكَأنَّ أحَدَهُما قَدْ يَقَعُ في مَواضِعَ لا يَقَعُ فِيها الآخَرُ، حَسَنُ التَكْرارِ.

و"داعِيَ اللهِ" هو مُحَمَّدٌ  ، والضَمِيرُ فِي: "بِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: يَغْفِرُ اللهُ لَكم.

، وقَوْلُهُ: ﴿ "وَيُجِرْكُمْ" ﴾ مَعْناهُ: يَمْنَعُكم ويَجْعَلُ دُونَكم جَوارٍ حِفْظِهِ حَتّى لا يَنالَكم عَذابٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُنْذِرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ  ، والمُرادُ بِها إسْماعُ الكُفّارِ، وتَعَلُّقُ اللَفْظِ إلى هَذا المَعْنى مِن قَوْلِ الجِنِّ: ﴿ أجِيبُوا داعِيَ اللهِ ﴾ ، فَلَمّا حَكى ذَلِكَ قِيلَ: ﴿ وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ ﴾ فَهو بِحالِ كَذا، والمُعْجِزُ: الذاهِبُ في الأرْضِ الَّذِي يُبْدِي عَجْزَ طالِبِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ" بِزِيادَةِ مِيمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ الضَمِيرُ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ آيَةُ مَثَلٍ واحْتِجاجٍ، لِأنَّهم قالُوا: إنَّ الأجْسادَ لا يُمْكِنُ أنْ تُبْعَثَ ولا تُعادَ، وهم مَعَ ذَلِكَ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ مِن أقْوالِهِمْ.

والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَلَمْ يَعْيَ" ﴾ بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "يَعِيَ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفٍ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِقادِرٍ" ﴾ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، فَمِن حَيْثُ تَقَدَّمَ نَفْيٌ في صَدْرِ الكَلامِ حَسَنُ التَأْكِيدِ بِالباءِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المَنفِيُّ ما دَخَلَتْ هي عَلَيْهِ، كَما هي في قَوْلِكَ: "ما زَيْدٌ بِقائِمٍ"، كانَ بَدَلَ "أوَلَمْ يَرَوْا" "أوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والجُمْهُورُ: "بِقادِرٍ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ- وعِيسى، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "يَقْدِرُ" بِالياءِ عَلى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ وغَلِطَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ لِقَلَقِ الباءِ عِنْدَهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَلِمَ يَعِي بِخَلْقِهِنَّ قادِرٌ" بِغَيْرِ باءٍ، و ﴿ "بَلى" ﴾ جَوابٌ بَعْدَ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ، فَهي إيجابٌ لِما نُفِيَ، والمَعْنى: بَلى رَأوا ذَلِكَ، أيْ: لَوْ نَفَعَهم ووَقَعَ في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ اللَفْظَ الإخْبارُ المُؤَكَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا تأييد للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن سخر الله الجن للإيمان به وبالقرآن فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدّقاً عند الثقلين ومعظَّماً في العالَمَيْن وذلك ما لم يحصل لرسول قبله.

والمقصود من نزول القرآن بخبر الجن توبيخ المشركين بأن الجن وهم من عالم آخر عَلِموا القرآن وأيقنوا بأنه من عند الله والمشركون وهم من عالم الإنس ومن جنس الرسول صلى الله عليه وسلم المبعوث بالقرآن وممن يتكلم بلغة القرآن لم يزالوا في ريب منه وتكذيب وإصرار، فهذا موعظة للمشركين بطريق المضادة لأحوالهم بعد أن جرت موعظتهم بحال مماثليهم في الكفر من جنسهم.

ومناسبة ذكر إيمان الجن ما تقدم من قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ﴾ [الأحقاف: 18].

فالجملة معطوفة على جملة ﴿ واذكر أخا عاد ﴾ [الأحقاف: 21] عطف القصة على القصة ويتعلق قوله هنا ﴿ إذْ صرفنا ﴾ بفعل يدل عليه قوله: ﴿ واذكر أخا عاد ﴾ والتقدير: واذكر إذ صرفنا إليك نفراً من الجن.

وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بذكر هذا للمشركين وإن كانوا لا يصدقونه لتسجيل بلوغ ذلك إليهم لينتفع به من يهتدي ولتكتب تبعته على الذين لا يهتدون.

وليس في هذه الآية ما يقتضي أن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الجن واختلف المفسرون لِهذه الآية في أن الجن حضروا بعلم من النبي صلى الله عليه وسلم أو بدون علمه.

ففي «جامع الترمذي» عن ابن عباس قال: «ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ فلما كانوا بنخْلة، اسم موضع وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر وكان نفر من الجن فيه فلما سمعوا القرآن رجعوا إلى قومهم، فقالوا: إنا سمعنا قرآناً عجباً».

وفي «الصحيح» عن ابن مسعود «افتقدْنا النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وهو بمكة فقلنا ما فَعل به اغتيل أو واستطيرَ فبتنا بشرِّ ليلة حتى إذا أصبحنا إذا نحن به من قِبَل حِراء فقال " أتاني دَاعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن " وأيًّا مَّا كان فهذا الحادث خارق عادة وهو معجزة للنبيء صلى الله عليه وسلم وقد تقدم قوله تعالى: ﴿ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ﴾ في سورة الأنعام (130).

والصرف: البعث.

والنفر: عدد من الناس دون العشرين.

وإطلاقه على الجن لتنزيلهم منزلة الإنس وبيانه بقوله: من الجن}.

وجملة ﴿ يستمعون القرآن ﴾ في موضع الحال من الجن وحيث كانت الحال قيداً لعاملها وهو ﴿ صرفنا ﴾ كان التقدير: يستمعون منك إذا حضروا لديك فصار ذلك مؤديا مؤدَّى المفعول لأجله.

فالمعنى: صرفناهم إليك ليستمعوا القرآن.

وضمير ﴿ حضروه ﴾ عائد إلى القرآن، وتعدية فعل حضروا إلى ضمير القرآن تعدية مجازية لأنهم إنما حضروا قارئ القرآن وهو الرسول صلى الله عليه وسلم و ﴿ أنصتوا ﴾ أمر بتوجيه الأسماع إلى الكلام اهتماماً به لئلا يفوت منه شيء.

وفي حديث جابر بن عبد الله في حجة الوداع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «استنصت الناس»، أي قبل أن يبدأ في خطبته.

وفي الحديث: " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنْصِت والإمام يخطب فقد لغوت "، أي قالوا كلُّهم: أنصتوا، كل واحد يقولها للبقية حرصاً على الوعي فنطق بها جميعهم.

و ﴿ قُضِي ﴾ مِبني للنائب.

والضمير للقرآن بتقدير مضاف، أي قضيت قراءته، أي انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من القراءة حين حضروا وبانتهائه من القراءة تمّ مراد الله من صرف الجن ليستمعوا القرآن ف (ولَّوا)، أي انصرفوا من مكان الاستماع ورجعوا إلى حيث يكون جنسهم وهو المعبر عنه ب ﴿ قومهم ﴾ على طريقة المجاز، نزل منزلة الإنس لأجل هذه الحالة الشبيهة بحالة الناس، فإطلاق القوم على أمة الجن نظير إطلاق النفر على الفريق من الجن المصروف إلى سماع القرآن.

والمنذر: المخبر بخبر مخيف.

ومعنى ﴿ ولوا إلى قومهم منذرين ﴾ رجعوا إلى بني جنسهم بعد أن كانوا في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم يتسمعون القرآن فأبلغوهم ما سمعوا من القرآن مما فيه التخويف من بأس الله تعالى لمن لا يؤمن بالقرآن.

والتبشير لمن عمِل بما جاء به القرآن.

ولا شك أن الله يسّر لهم حضورهم لقراءة سورة جامعة لما جاء به القرآن كفاتحة الكتاب وسورة الإخلاص.

وجملة ﴿ قالوا يا قومنا ﴾ إلى آخرها مبينة لقوله: ﴿ منذرين ﴾ .

وحكاية تخاطب الجن بهذا الكلام الذي هو من كلام عربي حكاية بالمعنى إذ لا يعرف أن للجن معرفة بكلام الإنس، وكذلك فعل ﴿ قالوا ﴾ مجاز عن الإفادة، أي أفادوا جنسهم بما فهموا منه بطرق الاستفادة عندهم معانيَ ما حكي بالقول في هذه الآية كما في قوله تعالى: ﴿ قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم ﴾ [النمل: 18].

وابتدأوا إفادتهم بأنهم سمعوا كتاباً تمهيداً للغرض من الموعظة بذكر الكتاب ووصفه ليستشرفَ المخاطبون لما بعد ذلك.

ووصْف الكتاب بأنه ﴿ أنزل من بعد موسى ﴾ دون: أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن «التوراة» آخر كتاب من كتب الشرائع نزل قبل القرآن، وأما ما جاء بعده فكتب مكملة للتوراة ومبينة لها مثل «زبور داود» و«إنجيل عيسى»، فكأنه لم ينزل شيء جديد بعد «التوراة» فلما نَزل القرآن جاء بهدي مستقل غير مقصود منه بيان التوراة ولكنه مصدق للتوراة وهادٍ إلى أزيد مما هدت إليه «التوراة».

و ﴿ ما بين يديه ﴾ : ما سبقه من الأديان الحق.

ومعنى ﴿ يهدي إلى الحق ﴾ : يهدي إلى الاعتقاد الحق ضد الباطل من التوحيد وما يجب لله تعالى من الصفات وما يستحيل وصفه به.

والمراد بالطريق المستقيم: ما يسلك من الأعمال والمعاملة.

وما يترتب على ذلك من الجزاء، شبه ذلك بالطريق المستقيم الذي لا يضل سالكه عن القصد من سيره.

ويجوز أن يراد ب ﴿ الحق ﴾ ما يشمل الاعتقاد والأعمال الصالحة ويراد بالطريق المستقيم الدلائل الدالة على الحق وتزييف الباطل فإنها كالصراط المستقيم في إبلاغ متبعها إلى معرفة الحق.

وإعادتهم نداءَ قومهم للاهتمام بما بعد النداء وهو ﴿ أجيبوا داعي الله ﴾ إلى آخره لأنه المقصود من توجيه الخطاب إلى قومهم وليس المقصود إعلام قومهم بما لقوا من عجيب الحوادث وإنما كان ذلك توطئة لهذا، ولأن اختلاف الأغراض وتجدّد الغرض مما يقتضي إعادة مثل هذا النداء كما يعيد الخطيب قوله: «أيها الناس» كما وقع في خطبة حجة الوداع.

واستعير ﴿ أجيبوا ﴾ لمعنى: اعملوا وتقلدوا تشبيهاً للعمل بما في كلام المتكلم بإجابة نداء المنادي كما في الآية: ﴿ إلا أن دعوتُكم فاستَجَبْتُم لي ﴾ [إبراهيم: 22] أي إلا أن أمرتكم فأطعتموني لأن قومهم لم يدعهم داع إلى شيء، أي أطيعوا ما طلب منكم أن تعملوه.

وداعي الله يجوز أن يكون القرآن لأنه سبق في قولهم: ﴿ إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى ﴾ .

وأطلق على القرآن ﴿ داعي الله ﴾ مجازاً لأنه يشتمل على طلب الاهتداء بهدي الله، فشبه ذلك بدعاء إلى الله واشتق منه وصف للقرآن بأنه ﴿ داعي الله ﴾ على طريقة التّبعيّة وهي تابعة لاستعارة الإجابة لمعنى العمل.

ويجوز أن يكون ﴿ داعي الله ﴾ محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه يدعو إلى الله بالقرآن.

وعطف ﴿ وآمنوا به ﴾ على ﴿ أجيبوا داعي الله ﴾ عطف خاص على عام.

وضمير ﴿ به ﴾ عائد إلى ﴿ الله ﴾ ، أي وآمنوا بالله، وهو المناسب لتناسق الضمائر مع ﴿ يغفر لكم ﴾ و ﴿ يُجرْكم من عذاب أليم ﴾ أو عائد إلى داعي الله، أي آمنوا بما فيه أو آمنوا بما جاء به، وعلى الاحتمالين الأخيرين يقتضي أن هؤلاء الجن مأمورون بالإسلام.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ من ذنوبكم ﴾ الأظهر أنها للتعليل فتتعلق بفعل ﴿ أجيبوا ﴾ باعتبار أنه مجاب بفعل ﴿ يغفر ﴾ ، ويجوز أن تكون تبعيضية، أي يغفر لكم بعض ذنوبكم فيكون ذلك احترازاً في الوعد لأنهم لم يتحققوا تفصيل ما يغفر من الذنوب وما لا يغفر إذ كانوا قد سمعوا بعض القرآن ولم يحيطوا بما فيه.

ويجوز أن تكون زائدة للتوكيد على رأي جماعة ممن يرون زيادة ﴿ من ﴾ في الإثبات كما تزاد في النفي.

وأما ﴿ مِن ﴾ التي في قوله: ﴿ ويُجِرْكُم من عذاب أليم ﴾ فهي لتعدية فعل ﴿ يجركم ﴾ لأنه يقال: أجاره من ظلم فلان، بمعنى منعه وأبعده.

وحكاية الله هذا عن الجن تقرير لما قالوه فيدل على أن للجن إدراكاً للمعاني وعلى أن ما تدل عليه أدلة العقل من الإلهيات واجب على الجن اعتقاده لأن مناط التكليف بالإلهيات العقلية هو الإدراك، وأنه يجب اعتقاد المدركات إذا توجهت مداركهم إليها أو إذا نبهوا إليها كما دلت عليه قصة إبليس.

وهؤلاء قد نبهوا إليها بصَرْفهم إلى استماع القرآن وهم قد نبَّهوا قومهم إليها بإبلاغ ما سمعوه من القرآن وعلى حسب هذا المعنى يترتب الجزاء بالعقاب كما قال تعالى: ﴿ لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ [السجدة: 13]، وقال في خطاب الشيطان ﴿ لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ﴾ [ص: 85]، فأما فروع الشريعة فغير لائقة بجنس الجنّ.

وظاهر الآية أن هؤلاء الذين بلغتهم دعوة القرآن مؤاخذون إذا لم يعملوا بها وأنهم يعذبون.

واختلفوا في جزاء الجن على الإحسان فقال أبو حنيفة: ليس للجن ثواب إلا أن يُجَاروا من عذاب النار ثم يقال لهم كونوا تراباً مثل البهائم، وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والضحاك: كما يجازَون على الإساءة يجازون على الإحسان فيدخلون الجنة.

وحكى الفخر أن مناظرة جرت في هذه المسألة بين أبي حنيفة ومالك ولم أرَه لغيره.

وهذه مسألة لا جدوى لها ولا يجب على المسلم اعتقاد شيء منها سوى أن العالِم إذا مرّت بها الآيات يتعيّن عليه فهمها.

ومعنى ﴿ فليس بمُعْجِزِ في الأرض ﴾ أنه لا ينجو من عقاب الله على عدم إجابته داعيه، فمفعول ﴿ معجز ﴾ مقدر دلّ عليه المضاف إليه في قوله: ﴿ داعي الله ﴾ أي فليس بمعجز الله، وقال في سورة الجن (12) ﴿ أن لن نُعْجِز الله في الأرض ولن نُعْجِزه هرباً ﴾ وهو نفي لأن يكون يعجز طالبه، أي ناجياً من قدرة الله عليه.

والكلام كناية عن المؤاخذة بالعقاب.

والمقصود من قوله: في الأرض } تعميم الجهات فجرى على أسلوب استعمال الكلام العربي وإلا فإن مكان الجن غير معيّن.

و ﴿ ليس له من دونه أولياء ﴾ ، أي لا نَصير ينصره على الله ويحميه منه، فهو نفي أن يكون له سبيل إلى النجاة بالاستعصام بمكان لا تبلغ إليه قدرة الله، ولا بالاحتماء بمن يستطيع حمايته من عقاب الله.

وذكر هذا تعريض للمشركين.

واسم الإشارة في ﴿ أولئك في ضلال مبين ﴾ للتنبيه على أن مَن هذه حالهم جديرون بما يرد بعد اسم الإشارة من الحكم لتسبب ما قبل اسم الإشارة فيه كما في قوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [لقمان: 5].

والظرفية المستفادة من ﴿ في ضلال مبين ﴾ مجازية لإفادة قوة تلبسهم بالضلال حتى كأنهم في وعاء هو الضلال.

والمبين: الواضح، لأنه ضلال قامت الحجج والأدلة على أنه باطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم صُرِفُوا عَنِ اسْتِراقِ سَمْعِ السَّماءِ بِرُجُوُمِ الشُّهُبِ ولَمْ يَكُونُوا بَعْدَ عِيسى صُرِفُوا عَنْهُ إلّا عِنْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ  ، فَقالُوا: ما هَذا الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ؟

فَضَرَبُوا في الأرْضِ حَتّى وقَفُوا عَلى النَّبِيِّ  بِبَطْنِ نَخْلَةٍ عائِدًا إلى عُكاظَ وهو يُصَلِّي الفَجْرَ، فاسْتَمَعُوا القُرْآنَ ونَظَرُوا كَيْفَ يُصَلِّي ويَقْتَدِي بِهِ أصْحابُهُ، فَرَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَحَكى عِكْرِمَةُ أنَّ السُّورَةَ الَّتِي كانَ يَقْرَأُها بِبَطْنِ نَخْلَةٍ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ  ﴾ وحَكى ابْنُ عَبّاسٍ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ ﴿ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ الثّانِي: أنَّهم صُرِفُوا عَنْ بِلادِهِمْ بِالتَّوْفِيقِ هِدايَةً مِنَ اللَّهِ لَهم حَتّى أتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ بِبَطْنِ نَخْلَةٍ.

وَفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم جِنٌّ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهم مِن أهْلِ نِينَوى، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهم مِن جَزِيرَةِ المَوْصِلِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: مِن أهْلِ نَجْرانَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مِن جَزِيرَةِ المَوْصِلِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّهم كانُوا تِسْعَةً أحَدُهم زَوْبَعَةُ، قالَهُ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ.

الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا سَبْعَةً: ثَلاثَةً مِن أهْلِ نَجْرانَ وأرْبَعَةً مِن أهْلِ نَصِيبِينَ، وكانَتْ أسْماؤُهم حَسى ومَسى وشاصِرَ وناصِرَ والأُرْدُنَّ وأنْيانَ الأحْقَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

واخْتُلِفَ في عِلْمِ النَّبِيِّ  عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما شَعَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ فِيهِمْ وأخْبَرَهُ عَنْهم، قالَهُابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ قَدْ كانَ أعْلَمَهُ بِهِمْ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ.

رَوى شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ  قالَ: « (إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ فَأيُّكم يَتْبَعُنِي فَأطْرَقُوا فاتَّبَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَدَخَلَ نَبِيُّ اللَّهِ  شِعْبًا يُقالُ لَهُ شِعْبُ الحُجُونِ وخَطَّ عَلَيْهِ وخَطَّ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ لِيُثَبِّتَهُ بِذَلِكَ، قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: (لا تَبْرَحْ حَتّى آتِيكَ فَلَمّا خَشِيَهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ كادَ أنْ يَذْهَبَ فَذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ  فَلَمْ يَبْرَحْ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ  : (لَوْ ذَهَبْتَ ما التَقَيْنا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَمّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ  إلَيْهِمْ تَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وقَضى بَيْنَهم في قَتِيلٍ مِنهم.

» وَرَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم سَألُوهُ الزّادَ فَقالَ: « (كُلُّ عَظْمٍ لَكم عِرْقٌ، وكُلُّ رَوْثَةٍ لَكم خَضِرَةٌ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ يُقَذِّرُها النّاسُ عَلَيْنا، فَنَهى رَسُولُ اللَّهِ  أنْ يُسْتَنْجى بِأحَدِهِما.

» رَوىَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ غَيْلانَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ وفْدَ الجِنِّ سَألُونِي المَتاعَ، - والمَتاعُ: الزّادُ - فَمَتَّعْتُهم بِكُلِّ عَظْمٍ حائِلٍ وبَعْرَةٍ أوْ رَوْثَةٍ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ عَنْهُمْ؟

فَقالَ: (إنَّهم لا يَجِدُونَ عَظْمًا إلّا وجَدُوا عَلَيْهِ لَحْمَهُ يَوْمَ أُكِلُ، ولا رَوَثَةً ولاْ بَعْرَةً إلّا وجَدُوا فِيها حَبَّها يَوْمَ أُكِلَتْ، فَلا يَسْتَنْجِيَنَّ أحَدُكم إذا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ بِعَظْمٍ ولا بَعْرَةٍ ولا رَوَثَةٍ» .

﴿ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَلَمّا حَضَرُوا قِراءَةَ القُرْآنِ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أنْصِتُوا لِسَماعِ القُرْآنِ.

الثّانِي: لَمّا حَضَرُوا رَسُولَ اللَّهِ  قالُوا أنْصِتُوا لِسَماعِ قَوْلِهِ.

﴿ فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ  ، قالَ الكَلْبِيُّ: مُخَوِّفِينَ: قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: فَلَمّا فَرَغَ مِن قِرَءاةِ القُرْآنِ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ ﴾ أيْ نَبِيَّ اللَّهِ يَعْنِي مُحَمَّدًا  .

﴿ وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ ﴾ أيْ نَبِيَّ اللَّهِ يَعْنِي مُحَمَّدًا  .

﴿ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ﴾ أيْ سابِقٍ لِلَّهِ فَيَفُوتُهُ هَرَبًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الزبير ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن ﴾ قال: بنخلة، قال: ورسوله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء الآخرة كادوا يكونون عليه لبداً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن منيع والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا قالوا: صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ إلى قوله: ﴿ ضلال مبين ﴾ .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن ﴾ الآية قال: كانوا تسعة عشر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم.

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صُرِفَتِ الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، وكان أشراف الجن بنصيبين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ قال: كانوا من أهل نصيبين أتوه ببطن نخلة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بت الليلة أقرأ على الجن رفقاً بالحجون» .

وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن مسروق قال: سألت ابن مسعود من آذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن قال: آذنته بهم شجرة.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل أين قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن فقال: قرأ عليهم بشعب يقال له الحجون.

وأخرج عبد بن حميد وأحمد ومسلم والترمذي عن علقمة قال: قلت لابن مسعود رضي الله عنه: هل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد؟

قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة فقلنا اغتيل استطير ما فعل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما كان في وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حرا، فأخبرناه فقال: إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ قال: هم اثنا عشر ألفاً من جزيرة الموصل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ قال: كانوا سبعة ثلاثة من أهل حران وأربعة من نصيبين، وكانت أسماؤهم حسى ومسى وشاصر وماصر والارد واينان والأقحم وسرق.

وأخرج الطبراني والحاكم وابن مردويه عن صفوان بن المعطل قال: خرجنا حجاجاً فلما كنا بالعرج إذا نحن بحية تضطرب فما لبث أن ماتت فلفها رجل في خرقة ودفنها، ثم قدمنا مكة فإنا لبالمسجد الحرام إذ وقف علينا شخص فقال: أيكم صاحب عمرو؟

قلنا: ما نعرف عمراً.

قال: أيكم صاحب الجان؟

قالوا: هذا.

قال: أما أنه آخر التسعة موتاً الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمعون القرآن.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل والواقدي عن أبي جفعر رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن في ربيع الأول سنة إحدى عشر من النبوة.

وأخرج الواقدي وأبو نعيم عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: لما انصرف النفر التسعة من أهل نصيبين من بطن نخلة وهم فلان وفلان وفلان والأرد واينان والأحقب جاؤوا قومهم منذرين فخرجوا بعد وافدين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ثلثمائة فانتهوا إلى الحجون، فجاء الأحقب فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن قومنا قد حضروا الحجون يلقونك فواعده رسول الله صلى الله عليه وسلم لساعة من الليل بالحجون والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم أخبر عنهم بما قالوا لقومهم وهو قوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ﴾ يعنون القرآن، قال مقاتل: وكانوا مؤمنين بموسى (١) (١) المرجع السابق.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن ﴾ أي أملناهم نحوها، والنفر دون العشرة، وروي أن الجن كانوا سبعة وكانوا كلهم ذكراناً، لأن النفر الرجال دون النساء، وكانوا من أهل نصيبين، وقيل من أهل الجزيرة، واختلف هل رآهم النبي صلى الله عليه وسلم؟

قيل: إنه لم يرهم، ولم يعلم باستماعهم حتى أعلمه الله بذلك، وقيل: بل علم بهم واستعد لهم واجتمع معهم، وقد ورد في ذلك عن عبد الله بن مسعود أحاديث مضطربة، وسبب استماع الجن أنهم لما طردوا من استراق السمع من السماء برجم النجوم قالوا: ما هذا إلا لأمر حدث، فطافوا بالأرض ما أوجب ذلك، حتى سمعوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر في سوق عكاظ، فاستمعوا إليه وآمنوا به ﴿ أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى ﴾ في هذا دلالة على أنهم على دين اليهود، وقيل: كانوا لم يعلموا ببعث عيسى ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ذكر في [البقرة: 89] ﴿ دَاعِيَ الله ﴾ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ من هنا للتبعيض على الأصح، أي يغفر لكم الذنوب التي فعلتم قبل الإسلام، وأما التي بعد الإسلام فهي في مشيئة الله، وقيل: معنى التبعيض أن المظالم لا تغفر وقيل: إن من زائدة ﴿ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي من النار، واختلف الناس هل للجن ثواب زائد على النجاة من النار، أم ليس لهم ثواب إلا النجاة خاصة ﴿ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ الله ﴾ الآية: يحتمل أن يكون من كلام الجن، أو من كلام الله تعالى، ومعنى ليس بمعجز أي لا يفوت.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وخلف.

﴿ لا يرى ﴾ بالياء التحتانية مبنياً للمفعول ﴿ إلا مساكنهم ﴾ بالرفع: عاصم وحمزة وخلف وسهل ويعقوب.

والباقون ﴿ لا ترى ﴾ على خطاب كل راء ﴿ مساكنهم ﴾ بالنصب ﴿ بل ضلوا ﴾ بإدغام اللام في الضاد: عليّ.

﴿ وإذا صرفنا ﴾ بإدغام الذال في الصاد وكذا ما يشبهه: أبو عمرو وعليّ وهشام وحمزة في رواية خلاد وابن سعدان وأبي عمرو ﴿ يقدر ﴾ فعلاً مضارعاً من القدرة: سهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ عاد ﴾ ط لأن "إذ" يتعلق بأذكر محذوفاً وهو مفعول به.

هذا قول السجاوندي، وعندي أن لا وقف.

وقوله "إذ" بدل الاشتمال من ﴿ أخا عاد ﴾ .

﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ آلهتنا ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تقيب الفاء ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ز لاختلاف الجملتين لفظاً ولكن التقدير وأنا أبلغكم ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ ممطرنا ﴾ ط لتقدير القول ﴿ به ﴾ ط لأن التقدير هذه ريح ﴿ أليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ وأفئدة ﴾ ز لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى للفاء واتحاد الكلام ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ج لتمام الاستفهام ﴿ عنهم ﴾ ج لعطف الجملتين ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ القرآن ﴾ ج لكلمة المجازاة مع الفاء ﴿ أنصتوا ﴾ ج لذلك ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط لتقدير القول ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر "كأن" ﴿ نهار ﴾ ط ﴿ بلاغ ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ الفاسقون ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد حكاية شبه المكذبين والأجوبة عنها، وبعد إتمام ما انجر الكلام إليه، أمر نبيه  أن يذكر قومه بقصة هود أعني أخا عاد لأنه واحد منهم.

والأحقاف جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج، ويقال له الشحر من بلاد اليمن.

وقيل: بين عمان ومهرة.

والنذر جمع نذير مصدر أو صفة.

الواو في قوله ﴿ وقد خلت ﴾ إما أن تكون للحال والمعنى أنذرهم وهم عالمون بإنذار الرسل من قبل ومن بعده، وإما أن يكون اعتراضاً والمعنى واذكروا وقت إنذار هود قومه ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك فأذكرهم قوله ﴿ لتأفكنا ﴾ أي لتصرفنا عن عبادة آلهتنا.

قوله ﴿ إنما العلم عند الله ﴾ أي لا علم لي بالوقت الذي عينه الله لتعذيبكم فلا معنى لاستعجالكم ولهذا نسبهم إلى الجهالة، وأيّ جهل أعظم من نسبة نبي الله إلى الكذب.

ومن ترك طريقة الاحتياط ومن استعجال ما فيه هلاكهم، والضمير في قوله ﴿ فلما رأوه ﴾ عائد إلى الموعود، أو هو مبهم يوضحه قوله ﴿ عارض ﴾ أي سحاب عرض في نواحي السماء.

والإضافة في قوله ﴿ مستقبل أوديتهم ﴾ و ﴿ ممطر ﴾ لفظية ولهذا صح وقوعها صفة للنكرة.

والتدمير الإهلاك والاستئصال.

وفي قوله ﴿ بأمر ربها ﴾ إشارة إلى إبطال قول من زعم أن مثل هذه الآثار مستند إلى تأثيرات الكواكب بالاستقلال.

ثم زاد في تخويف كفار مكة وذكر فضل عاد في القوة الجسمانية وفي الأسباب الخارجية عليهم فقال ﴿ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ﴾ قال المبرد:"ما" موصولة و "إن" نافية أي في الذي لم نمكنكم فيه.

وقال ابن قتيبة: "إن" زائدة وهذا فيه ضعف لأن الأصل حمل الكلام على وجه لا يلزم منه زيادة في اللفظ، ولأن المقصود فضل أولئك القوم على هؤلاء حتى يلزم المبالغة في التخويف، وعند تساويهما يفوت هذا المقصود.

وقيل: "إن" للشرط والجزاء مضمر أي في الذي إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر.

وقوله ﴿ من شيء ﴾ أي شيئاً من الإغناء وهو القليل منه.

وقوله ﴿ إذ كانوا ﴾ ظرف لما أغنى وفيه معنى التعليل كقولك "ضربته إذ أساء" قوله ﴿ من القرى ﴾ يريد من قريات عاد وثمود ولوط وغيرهم بالشام والحجاز واليمن، وتصريف الآيات أي تكريرها.

قيل: للعرب المخاطبين والأظهر أنه للماضين لقوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ عن شركهم، والأوّلون حملوه على الالتفات.

ثم وبخهم بأن أصنامهم لم يقدروا على نصرتهم وشفاعتهم.

فقوله ﴿ آلهة ﴾ مفعول ثانٍ ﴿ لا تخذوا ﴾ والمفعول الأول محذوف وهو الراجع إلى ﴿ الذين ﴾ و ﴿ قرباناً ﴾ حال أو مفعول له أي متقربين إلى الله، أو لأجل القربة بزعمهم.

والقربان مصدر أو اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل.

ويجوز أن يكون ﴿ قرباناً ﴾ مفعولاً ثانياً و ﴿ آلهة ﴾ بدلاً أو بياناً.

قوله ﴿ وذلك إفكهم ﴾ أي عدم نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم وقت الحاجة محصول إفكهم وافترائهم، أو عاقبة شركهم وثمرة كذبهم على الله.

وحين بّين أن الإنس من آمن وفيهم من كفر، أراد أن يبين أن نوع الجن أيضاً كذلك.

وفي كيفية الواقعة قولان: أحدهما عن سعيد بن جبير وعليه الجمهور: كانت الجن تسترق فلما رجموا قالوا: هذا إنما حدث في السماء لشيء حدث في الأرض.

فذهبوا يطلبون السبب فوافوا النبي  بمكة يصلي بأصحابه أو منفرداً.

فمنهم من قال صلاة العشاء الآخرة ومنهم من قال صلاة الصبح، فقرأ فيها سورة "اقرأ" فسمعوا القرآن وعرفوا أن ذلك هو السبب.

وعلى هذا لم يكن ذلك بعلم منه  حتى أوحى الله إليه.

والقول الثاني "أنه  أمر بذلك فقال لأصحابه: إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجن فأيكم يتبعني؟

فأتبعه ابن مسعود، فدخل رسول الله  شعب الحجون وخط على ابن مسعود وقال: لا تبرح حتى آتيك.

قال: فسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على النبي  ، ثم علا بالقرآن أصواتهم.

فلما رجع رسول الله  سألته عن اللغط فقال: اختصموا إليّ في قتيل كان بينهم فقضيت فيهم." وفي رواية أخرى "عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله  : أمعك ماء؟

قلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر.

فاستدعاه فصببت على يده فتوضأ فقال: تمرة طيبة وماء طهور." واختلفوا في عددهم: عن ابن عباس: كانوا تسعة من جن نصيبين أو نينوى.

وقال عكرمة: كانوا عشرة من جزيرة الموصل، وزر بن حبيش: كانوا تسعة ومنهم زوبعة.

وقيل: اثني عشر ألفاً.

ولنرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ وإذ صرفنا ﴾ معطوف على قوله ﴿ أذكر أخا عاد إذ أنذر ﴾ ومعنى صرفنا أملناهم إليك، والنفر ما دون العشرة ويجمع على أنفار.

والضمير في ﴿ حضروه ﴾ للنبي  أو القرآن ﴿ قالوا ﴾ أي قال بعضهم لبعض ﴿ أنصتوا ﴾ والإنصات السكوت لاستماع الكلام ﴿ فلما قضى ﴾ أي فرغ النبي  من القراءة.

وإنما قالوا ﴿ أنزل من بعد موسى ﴾ لأنهم كانوا يهوداً أو لأنهم لم يسمعوا أمر عيسى قاله ابن عباس ﴿ أجيبوا داعي الله ﴾ عنوا رسول الله أو أنفسهم بناء على أنهم رسل رسول الله  إلى قومهم، ومنه يعلم أنه  كان مبعوثاً إلى الجن أيضاً وهذا من جملة خصائصه.

وحين عمموا الأمر بإجابة الداعي خصصوه بقولهم ﴿ وآمنوا به ﴾ لأن الإيمان أشرف أقسام التكاليف.

و"من" في قوله ﴿ من ذنوبكم ﴾ للتبعيض فمن الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كالمظالم وقد مر في "إبراهيم".

واختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟

فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار بقوله ﴿ ويجركم من عذاب أليم ﴾ وهو قول أبي حنيفة.

والصحيح أنهم في حكم بني آدم يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون.

وقد جرت بين مالك وأبي حنيفة مناظرة في هذا الباب.

قوله ﴿ فليس بمعجز ﴾ أي لا يفوته هارب.

قوله ﴿ ولم يعي ﴾ يقال: عييت بالأمر إذا لم يعرف وجهه.

قوله ﴿ بقادر ﴾ في محل الرفع لأنه خبر "أن" وإنما دخلت الباء لاشتمال الآية على النفي كأنه قيل: أليس الله بقادر؟

والمقصود تأكيد ما مر في أول السورة من دلائل البعث والنبوّة.

ثم سلى نبيه  بقوله ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم ﴾ وقوله ﴿ من الرسل ﴾ بيان لأن جميع الرسل أرباب عزم وجد في تبليغ ما أمروا بأدائه، أو هو للتبعيض فنوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم على النار وذبح الولد، وإسحق على الذبح، ويعقوب على فراق الولد، ويوسف على السجن، وأيوب على الضر، وموسى على سفاهة قومه وجهالاتهم، وأما يونس فلم يصبر على دعاء القوم فذهب مغاضباً، وقال الله  في حق آدم ﴿ ولم نجد له عزماً  ﴾ ﴿ ولا تستعجل لهم ﴾ أي لا تدع لكفار قريش بتعجيل العذاب فإنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر، وإنهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا حتى ظنوا أنها ساعة من نهار ﴿ هذا ﴾ الذي وعظهم به كفاية في بابه وقد مر في آخر سورة "إبراهيم"  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ ﴾ أي: فرغ من قراءته ﴿ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ﴾ .

قال بعضهم: إن النفر من الجن والإنس، والنذر من الإنس، فإن كان ما ذكر فجائز على هذا أن يكون النفر الذي ذكر أنه صرفهم إلى رسول الله  ليستمعوا القرآن منه هم النذر، يدل على ذلك قوله: ﴿ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ﴾ .

وفي ظاهر قوله -  -: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا  ﴾ أن قد يكون من الجن الرسل كما يكون من البشر، إلا أن يقال بأنه قد يذكر الاثنان والمراد به أحدهما، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله -  -: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ  ﴾ وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم يحتمل ﴿ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ ﴾ أي: ألهمناهم وقذفنا في قلوبهم حتى صاروا إلى رسول الله  وتوجهوا إليه؛ ليستمعوا القرآن منه.

ويحتمل أنه أمرهم في الكتب التي أعطوا معرفتها بالتوجه إلى رسول الله  ليستمعوا منه القرآن؛ لأنه قال - عز وجل - على إثره خبراً عنهم: ﴿ قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ هذا يدل على أنهم قد عرفوا الكتب قبل هذا الكتاب؛ حيث قالوا: ﴿ سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ فجائز أن يكونوا أمروا بتلك الكتب استماع هذا الكتاب والعمل به.

ويحتمل أن يكونوا عرفوا بذلك لما كانوا يسترقون السمع إلى السماء فيستمعون أخبار السماء، ثم ينزلون فيخبرون أهل الأرض بذلك؛ ليكون العلم لهم بذلك من الوجوه الثلاثة التي ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ ﴾ .

فيه دلالة لزوم العمل بخبر الواحد؛ لأن النفر الذين حضروا رسول الله  من الجن سمعوا القرآن منه وصدقوه كانوا قليلي العدد لما رجعوا إلى قومهم فإنما يرجع كل إلى قومه، وقد يحتمل الاجتماع والتواصل على ذلك، ودعا كل قومه إلى إجابة داعي الله -  - وحذرهم مخالفته، وأنه يحتمل ما ذكرنا من الأفراد والآحاد، دل أن خبر الواحد حجة في حق العمل، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ  ﴾ فكان العمل بخبر الآحاد والأفراد ظاهراً مشهوراً في الإنس والجن؛ حيث ذكر ما ذكرنا وألزمهم الإجابة والحذر، والله أعلم.

ثم قوله -  -: ﴿ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل الإجابة له في الاعتقاد والإيمان به.

ويحتمل في المعاملة في كل أمر، وفي كل شيء، فكذلك قوله: ﴿ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ ﴾ فيما دعاه ﴿ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: ليس بسابق ولا هارب من عذابه؛ يقول - والله أعلم -: أن ليس يقدر أحد التخلص من عذابه بهربه منه والفرار عنه كما يقدر الفرار والهرب بعض من عذاب بعض في الدنيا ربما؛ ولذلك ما قال: ﴿ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ ﴾ أي: ليس لهم من دونه أولياء ينفعونه ويدفعون العذاب عنهم كما يقوم بعض في دفع ما يلحقهم من البلايا والشدائد في الدنيا؛ إذ ليس قوله: ﴿ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ ﴾ أن لا ولاية لهم؛ إذ قال في موضع آخر: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ ولكن لا تنفع ولايتهم يومئذ كما لا تنفع في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: من لم يجب داعي الله فهم في ضلال مبين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قالوا لهم: يا قومنا، إنا سمعنا كتابًا أنزله الله من بعد موسى مصدقًا لما سبقه من الكتب المنزلة من عند الله، هذا الكتاب الذي سمعناه يرشد إلى الحق، ويهدي إلى طريق مستقيم، وهو طريق الاسلام.

<div class="verse-tafsir" id="91.4jNgz"

مزيد من التفاسير لسورة الأحقاف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر