الآية ٢٩ من سورة الأحقاف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ٢٩ من سورة الأحقاف

وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓا۟ أَنصِتُوا۟ ۖ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا۟ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 140 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٩ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة الأحقاف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو : سمعت عكرمة ، عن الزبير : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ) قال : بنخلة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العشاء الآخرة ، ( كادوا يكونون عليه لبدا ) [ الجن : 19 ] ، قال سفيان : اللبد : بعضهم على بعض ، كاللبد بعضه على بعض .

تفرد به أحمد ، وسيأتي من رواية ابن جرير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أنهم سبعة من جن نصيبين .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة ( ح ) - وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه " دلائل النبوة " : أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، حدثنا إسماعيل القاضي ، أخبرنا مسدد ، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجن ولا رآهم ، انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا : ما لكم ؟

فقالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب .

قالوا : ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء .

فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء ، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن استمعوا له ، فقالوا : هذا - والله - الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم ، قالوا : يا قومنا ، إنا سمعنا قرآنا عجبا ، يهدي إلى الرشد فآمنا به ، ولن نشرك بربنا أحدا ، وأنزل الله على نبيه : ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ) [ الجن : 1 ] ، وإنما أوحي إليه قول الجن .

رواه البخاري عن مسدد بنحوه ، وأخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ ، عن أبي عوانة ، به .

ورواه الترمذي والنسائي في التفسير ، من حديث أبي عوانة .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو أحمد ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان الجن يستمعون الوحي ، فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا ، فيكون ما سمعوا حقا وما زادوا باطلا وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك ، فلما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب ، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال : ما هذا إلا من أمر قد حدث .

فبث جنوده ، فإذا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بين جبلي نخلة ، فأتوه فأخبروه ، فقال : هذا الحدث الذي حدث في الأرض .

ورواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما ، من حديث إسرائيل به وقال الترمذي : حسن صحيح .

وهكذا رواه أيوب عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .

وكذا رواه العوفي ، عن ابن عباس أيضا ، بمثل هذا السياق بطوله ، وهكذا قال الحسن البصري : إنه ، عليه السلام ، ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله عليه بخبرهم .

وذكر محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن رومان ، عن محمد بن كعب القرظي قصة خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله عز وجل ، وإبائهم عليه .

فذكر القصة بطولها ، وأورد ذلك الدعاء الحسن : " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي " إلى آخره .

قال : فلما انصرف عنهم بات بنخلة ، فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعه الجن من أهل نصيبين .

وهذا صحيح ، ولكن قوله : " إن الجن كان استماعهم تلك الليلة " .

فيه نظر ; لأن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء ، كما دل عليه حديث ابن عباس المذكور ، وخروجه ، عليه السلام ، إلى الطائف كان بعد موت عمه ، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين ، كما قرره ابن إسحاق وغيره [ والله أعلم ] .

وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا سفيان ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله بن مسعود قال : هبطوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة ، فلما سمعوه قالوا : أنصتوا .

قال صه ، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة ، فأنزل الله عز وجل : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ) إلى : ( ضلال مبين ) .

فهذا مع الأول من رواية ابن عباس يقتضي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يشعر بحضورهم في هذه المرة وإنما استمعوا قراءته ، ثم رجعوا إلى قومهم ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا قوما بعد قوم ، وفوجا بعد فوج ، كما سيأتي بذلك الأخبار في موضعها والآثار ، مما سنوردها هاهنا إن شاء الله تعالى وبه الثقة .

فأما ما رواه البخاري ومسلم جميعا ، عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد السرخسي ، عن أبي أسامة حماد بن أسامة ، عن مسعر بن كدام ، عن معن بن عبد الرحمن قال : سمعت أبي قال : سألت مسروقا : من آذن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة استمعوا القرآن ؟

فقال : حدثني أبوك - يعني ابن مسعود - أنه آذنته بهم شجرة - فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى ، ويكون إثباتا مقدما على نفي ابن عباس ، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات ، والله أعلم .

ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة ، أي : أعلمته باستماعهم ، والله أعلم .

قال الحافظ البيهقي : وهذا الذي حكاه ابن عباس رضي الله عنهما ، إنما هو في أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلمت حاله ، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم ، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن ، ودعاهم إلى الله ، عز وجل ، كما رواه عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه .

ذكر الرواية عنه بذلك : قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا داود عن الشعبي - وابن أبي زائدة ، أخبرنا داود ، عن الشعبي - عن علقمة قال : قلت لعبد الله بن مسعود : هل صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن منكم أحد ؟

فقال : ما صحبه منا أحد ، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة ، فقلنا : اغتيل ؟

استطير ؟

ما فعل ؟

قال : فبتنا بشر ليلة بات بها قوم ، فلما كان في وجه الصبح - أو قال : في السحر - إذا نحن به يجيء من قبل حراء ، فقلنا : يا رسول الله - فذكروا له الذي كانوا فيه - فقال : " إنه أتاني داعي الجن ، فأتيتهم فقرأت عليهم " .

قال : فانطلق ، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم - قال : وقال الشعبي : سألوه الزاد - قال عامر : سألوه بمكة ، وكانوا من جن الجزيرة ، فقال : " كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان عليه لحما ، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم - قال - فلا تستنجوا بهما ، فإنهما زاد إخوانكم من الجن " .

وهكذا رواه مسلم في صحيحه ، عن علي بن حجر ، عن إسماعيل ابن علية ، به نحوه .

وقال مسلم أيضا : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا داود - وهو ابن أبي هند - عن عامر قال : سألت علقمة : هل كان ابن مسعود ، رضي الله عنه ، شهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ؟

قال : فقال علقمة : أنا سألت ابن مسعود ; فقلت : هل شهد أحد منكم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ؟

قال : لا ولكنا كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب ، فقلنا : استطير ؟

اغتيل ؟

قال : فبتنا بشر ليلة بات بها قوم ، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء ، قال : فقلنا : يا رسول الله ، فقدناك فطلبناك فلم نجدك ، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم .

فقال : " أتاني داعي الجن ، فذهبت معهم ، فقرأت عليهم القرآن " .

قال : فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم ، وسألوه الزاد فقال : " كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما ، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم " .

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فلا تستنجوا بهما ، فإنهما طعام إخوانكم " .

طريق أخرى عن ابن مسعود : قال أبو جعفر بن جرير : حدثني أحمد بن عبد الرحمن ، حدثني عمي ، حدثني يونس ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ; أن ابن مسعود قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " بت الليلة أقرأ على الجن ربعا بالحجون " .

طريق أخرى : فيها أنه كان معه ليلة الجن ، قال ابن جرير رحمه الله : حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عمي عبد الله بن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي - وكان من أهل الشام - أن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه وهو بمكة : " من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل " .

فلم يحضر منهم أحد غيري ، قال : فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطا ، ثم أمرني أن أجلس فيه ، ثم انطلق حتى قام ، فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه ، حتى ما أسمع صوته ، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين ، حتى بقي منهم رهط ، ففرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الفجر ، فانطلق فتبرز ، ثم أتاني فقال : " ما فعل الرهط ؟

" فقلت : هم أولئك يا رسول الله ، فأعطاهم عظما وروثا زادا ، ثم نهى أن يستطيب أحد بروث أو عظم .

ورواه ابن جرير عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد ، عن يونس بن يزيد الأيلي ، به .

ورواه البيهقي في الدلائل ، من حديث عبد الله بن صالح - كاتب الليث - عن الليث ، عن يونس به .

وقد روى إسحاق بن راهويه ، عن جرير ، عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، فذكر نحو ما تقدم .

ورواه الحافظ أبو نعيم ، من طريق موسى بن عبيدة ، عن سعيد بن الحارث ، عن أبي المعلى ، عن ابن مسعود فذكر نحوه أيضا .

طريق أخرى : قال أبو نعيم : حدثنا أبو بكر بن مالك ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي قال : حدثنا عفان وعكرمة قالا حدثنا معتمر قال : قال أبي : حدثني أبو تميمة ، عن عمرو - ولعله قد يكون قال : البكالي - يحدثه عمرو ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : استتبعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا ، فخط لي خطا فقال : " كن بين ظهر هذه لا تخرج منها ; فإنك إن خرجت منها هلكت " فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة شديدة .

طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي أنه قال لابن مسعود : حدثت أنك كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة وفد الجن ؟

قال : أجل .

قال : فكيف كان ؟

فذكر الحديث كله ، وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خط عليه خطا ، وقال : " لا تبرح منها " فذكر مثل العجاجة السوداء غشيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذعر ثلاث مرات ، حتى إذا كان قريبا من الصبح ، أتاني النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " أنمت ؟

" فقلت : لا والله ، ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك ، تقول : " اجلسوا " فقال : " لو خرجت لم آمن أن يخطفك بعضهم " .

ثم قال : " هل رأيت شيئا ؟

" فقلت : نعم رأيت رجالا سودا مستشعرين ثيابا بياضا .

قال : " أولئك جن نصيبين سألوني المتاع - والمتاع : الزاد - فمتعتهم بكل عظم حائل ، أو بعرة أو روثة " - فقلت : يا رسول الله ، وما يغني ذلك عنهم ؟

فقال : " إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل ، ولا روثا إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت ، فلا يستنقين أحد منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة " .

طريق أخرى : قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو نصر بن قتادة قالا : أخبرنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي ، حدثنا روح بن صلاح ، حدثنا موسى بن علي بن رباح ، عن أبيه ، عن عبد الله بن مسعود قال : استتبعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " إن نفرا من الجن - خمسة عشر بني إخوة وبني عم - يأتونني الليلة ، فأقرأ عليهم القرآن " ، فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد ، فخط لي خطا وأجلسني فيه ، وقال لي : " لا تخرج من هذا " .

فبت فيه حتى أتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع السحر في يده عظم حائل وروثة حممة فقال لي : " إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء " .

قال : فلما أصبحت قلت : لأعلمن علمي حيث كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ، فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيرا .

طريق أخرى : قال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، حدثنا العباس بن محمد الدوري ، حدثنا عثمان بن عمر ، عن المستمر بن الريان ، عن أبي الجوزاء ، عن عبد الله بن مسعود قال : انطلقت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ، حتى أتى الحجون ، فخط لي خطا ، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه ، فقال سيد لهم يقال له : " وردان " : أنا أرحلهم عنك .

فقال : إني لن يجيرني من الله أحد .

طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا سفيان ، عن أبي فزارة العبسي ، حدثنا أبو زيد - مولى عمرو بن حريث - عن ابن مسعود قال : لما كان ليلة الجن قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أمعك ماء ؟

" قلت : ليس معي ماء ، ولكن معي إداوة فيها نبيذ .

فقال النبي : " تمرة طيبة وماء طهور " فتوضأ .

ورواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث أبي زيد به .

طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، أخبرنا ابن لهيعة ، عن قيس بن الحجاج ، عن حنش الصنعاني ، عن ابن عباس ، عن عبد الله بن مسعود أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ، فقال رسول الله : " يا عبد الله ، أمعك ماء ؟

" قال : معي نبيذ في إداوة ، فقال اصبب علي " .

فتوضأ ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " يا عبد الله شراب وطهور " .

تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وقد أورده الدارقطني من طريق آخر ، عن ابن مسعود [ به ] .

طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرني أبي عن ميناء ، عن عبد الله قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة وفد الجن ، فلما انصرف تنفس ، فقلت : ما شأنك ؟

قال : " نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود " .

هكذا رأيته في المسند مختصرا ، وقد رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه " دلائل النبوة " ، فقال : حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم - وحدثنا أبو بكر بن مالك ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبي قالا : حدثنا عبد الرزاق ، عن أبيه ، عن ميناء ، عن ابن مسعود قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة وفد الجن ، فتنفس ، فقلت : ما لك يا رسول الله ؟

قال : " نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود " .

قلت : استخلف .

قال : " من ؟

" قلت : أبا بكر .

فسكت ، ثم مضى ساعة فتنفس ، فقلت : ما شأنك بأبي أنت وأمي يا رسول الله ؟

قال : " نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود " .

قلت : استخلف .

قال : " من ؟

" قلت : عمر [ بن الخطاب ] .

فسكت ، ثم مضى ساعة ، ثم تنفس فقلت : ما شأنك ؟

قال : " نعيت إلي نفسي " .

قلت : فاستخلف .

قال - صلى الله عليه وسلم - : " من ؟

" قلت : علي بن أبي طالب .

قال - صلى الله عليه وسلم - : " أما والذي نفسي بيده ، لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين .

.

[ ص: 2 95 ] وهو حديث غريب جدا ، وأحرى به ألا يكون محفوظا ، وبتقدير صحته فالظاهر أن هذا بعد وفودهم إليه بالمدينة على ما سنورده ، فإن في ذلك الوقت في آخر الأمر لما فتحت مكة ، ودخل الناس والجان أيضا في دين الله أفواجا ، نزلت سورة ( إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) ، وهي السورة التي نعيت نفسه الكريمة فيها إليه ، كما قد نص على ذلك ابن عباس ، ووافقه عمر بن الخطاب عليه ، وقد ورد في ذلك حديث سنورده عند تفسيرها ، والله أعلم .

وقد رواه أبو نعيم أيضا ، عن الطبراني ، عن محمد بن عبد الله الحضرمي ، عن علي بن الحسين بن أبي بردة ، عن يحيى بن سعيد الأسلمي ، عن حرب بن صبيح ، عن سعيد بن مسلمة ، عن أبي مرة الصنعاني ، عن أبي عبد الله الجدلي ، عن ابن مسعود ، فذكره ، وذكر فيه قصة الاستخلاف ، وهذا إسناد غريب ، وسياق عجيب .

طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أبي رافع ، عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خط حوله ، فكان أحدهم مثل سواد النحل ، وقال لي : " لا تبرح مكانك " ، فأقرأهم كتاب الله " ، فلما رأى الزط قال : كأنهم هؤلاء .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أمعك ماء ؟

" قلت : لا .

قال : " أمعك نبيذ ؟

" قلت : نعم .

فتوضأ به .

طريق أخرى مرسلة : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبد الله الظهراني ، أخبرنا حفص بن عمر العدني ، حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة في قوله تعالى : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) قال : هم اثنا عشر ألفا جاءوا من جزيرة الموصل ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود : " أنظرني حتى آتيك " ، وخط عليه خطا ، وقال : " لا تبرح حتى آتيك " .

فلما خشيهم ابن مسعود كاد أن يذهب ، فذكر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يبرح ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لو ذهبت ما التقينا إلى يوم القيامة " .

طريق أخرى مرسلة أيضا : قال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة في قوله تعالى : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) قال : ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى ، وأن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إني أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني ؟

" فأطرقوا ، ثم استتبعهم فأطرقوا ، ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل : يا رسول الله ، إن ذاك لذو ندبة فأتبعه ابن مسعود أخو هذيل ، قال : فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - شعبا يقال له : " شعب الحجون " ، وخط عليه ، وخط على ابن مسعود ليثبته بذلك ، قال : فجعلت أهال وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها ، وسمعت لغطا شديدا ، حتى خفت على نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ثم تلا القرآن ، فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت : يا رسول الله ، ما اللغط الذي سمعت ؟

قال : " اختصموا في قتيل ، فقضي بينهم بالحق " .

رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم .

فهذه الطرق كلها تدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - ذهب إلى الجن قصدا ، فتلا عليهم القرآن ، ودعاهم إلى الله ، عز وجل ، وشرع الله لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت .

وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن [ و ] لم يشعر بهم ، كما قاله ابن عباس ، رضي الله عنهما ، ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود .

وأما ابن مسعود فإنه لم يكن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حال مخاطبته الجن ودعائه إياهم ، وإنما كان بعيدا منه ، ولم يخرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد سواه ، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة ، هذه طريقة البيهقي .

وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ابن مسعود ولا غيره ، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام أحمد ، وهي عند مسلم .

ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى ، والله أعلم ، كما روى ابن أبي حاتم في تفسير : ( قل أوحي ) ، من حديث ابن جريج قال : قال عبد العزيز بن عمر : أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى ، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين ، وتأوله البيهقي على أنه يقول : " فبتنا بشر ليلة بات بها قوم " على غير ابن مسعود ممن لم يعلم بخروجه - صلى الله عليه وسلم - إلى الجن ، وهو محتمل على بعد ، والله أعلم .

وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب ، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي ، أخبرنا الحسن بن سفيان ، حدثني سويد بن سعيد ، حدثنا عمرو بن يحيى ، عن جده سعيد بن عمرو ، قال كان أبو هريرة يتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإداوة لوضوئه وحاجته ، فأدركه يوما فقال : " من هذا ؟

" قال : أنا أبو هريرة قال : " ائتني بأحجار أستنج بها ، ولا تأتني بعظم ولا روثة " .

فأتيته بأحجار في ثوبي ، فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته ، فقلت : يا رسول الله ، ما بال العظم والروثة ؟

قال : " أتاني وفد جن نصيبين ، فسألوني الزاد ، فدعوت الله لهم ألا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوه طعاما " .

أخرجه البخاري في صحيحه ، عن موسى بن إسماعيل ، عن عمرو بن يحيى بإسناده قريبا منه فهذا يدل مع ما تقدم على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك .

وسنذكر ما يدل على تكرار ذلك .

وقد روي عن ابن عباس غير ما ذكر عنه أولا من وجه جيد ، فقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبد الحميد الحماني ، حدثنا النضر بن عربي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) الآية ، [ قال ] كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسلا إلى قومهم .

فهذا يدل على أنه قد روى القصتين .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا سويد بن عبد العزيز ، حدثنا رجل سماه ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) الآية ، قال : كانوا سبعة نفر ، ثلاثة من أهل حران ، وأربعة من أهل نصيبين ، وكانت أسماؤهم حيى وحسى ومسى ، وشاصر وناصر ، والأرد وإبيان والأحقم .

وذكر أبو حمزة الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال لهم : بنو الشيصبان ، وكانوا أكثر الجن عددا وأشرفهم نسبا ، وهم كانوا عامة جنود إبليس .

وقال سفيان الثوري ، عن عاصم ، عن ذر ، عن ابن مسعود : كانوا تسعة ، أحدهم زوبعة ، أتوه من أصل نخلة .

وتقدم عنه أنهم كانوا خمسة عشر ، وفي رواية : أنهم كانوا على ستين راحلة ، وتقدم عنه أن اسم سيدهم وردان ، وقيل : كانوا ثلاثمائة ، وتقدم عن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفا ، فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه صلوات الله وسلامه عليه ، ومما يدل على ذلك ما قاله البخاري في صحيحه : حدثنا يحيى بن سليمان ، حدثني ابن وهب ، حدثني عمر - هو ابن محمد - أن سالما حدثه ، عن عبد الله بن عمر قال : ما سمعت عمر يقول لشيء قط : " إني لأظنه كذا " إلا كان كما يظن ، بينما عمر بن الخطاب جالس إذ مر به رجل جميل ، فقال : لقد أخطأ ظني - أو : إن هذا على دينه في الجاهلية - أو لقد كان كاهنهم - علي بالرجل ، فدعي له ، فقال له ذلك ، فقال : ما رأيت كاليوم استقبل له رجل مسلم .

قال : فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني .

قال : كنت كاهنهم في الجاهلية .

قال : فما أعجب ما جاءتك به جنيتك ؟

قال : بينما أنا يوما في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع ، فقالت : ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها قال عمر : صدق ، بينما أنا نائم عند آلهتهم ، إذ جاء رجل بعجل فذبحه ، فصرخ به صارخ ، لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول : يا جليح ، أمر نجيح ، رجل فصيح يقول : " لا إله إلا الله " فوثب القوم ، فقلت : لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا ؟

ثم نادى يا جليح ، أمر نجيح ، رجل فصيح يقول : " لا إله إلا الله " .

فقمت ، فما نشبنا أن قيل : هذا نبي .

هذا سياق البخاري ، وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب بنحوه ، ثم قال : " وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح ، وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر في إسلامه ، وسائر الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه ، والله أعلم " .

وهذا الذي قاله البيهقي هو المتجه وهذا الرجل هو سواد بن قارب ، وقد ذكرت هذا مستقصى في سيرة عمر ، رضي الله عنه ، فمن أراده فليأخذه من ثم ، ولله الحمد [ والمنة ] .

قال البيهقي : " حديث سواد بن قارب ، ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح " .

أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر من أصل سماعه ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار الأصبهاني ، قراءة عليه ، حدثنا أبو جعفر أحمد بن موسى الحمار الكوفي بالكوفة ، حدثنا زياد بن يزيد بن بادويه أبو بكر القصري ، حدثنا محمد بن النواس الكوفي ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، عن البراء [ رضي الله عنه ] قال : بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال : أيها الناس ، أفيكم سواد بن قارب ؟

قال : فلم يجبه أحد تلك السنة ، فلما كانت السنة المقبلة قال : أيها الناس ، أفيكم سواد بن قارب ؟

قال : فقلت : يا أمير المؤمنين ، وما سواد بن قارب ؟

قال : فقال له عمر : إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا ، قال : فبينا نحن كذلك إذ طلع سواد بن قارب ، قال : فقال له عمر : يا سواد حدثنا ببدء إسلامك ، كيف كان ؟

قال سواد : فإني كنت نازلا بالهند ، وكان لي رئي من الجن ، قال : فبينا أنا ذات ليلة نائم ، إذ جاءني في منامي ذلك .

قال : قم فافهم واعقل إن كنت تعقل ، قد بعث رسول من لؤي بن غالب ، ثم أنشأ يقول : عجبت للجن وأنجاسها وشدها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما مؤمنو الجن كأرجاسها فانهض إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى راسها قال : ثم أنبهني فأفزعني ، وقال : يا سواد بن قارب ، إن الله بعث نبيا فانهض إليه تهتد وترشد .

فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني ، ثم أنشأ يقول كذلك : عجبت للجن وتطلابها وشدها العيس بأقتابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ليس قداماها كأذنابها فانهض إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى نابها فلما كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني ، ثم قال : عجبت للجن وتخبارها وشدها العيس بأكوارها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ليس ذوو الشر كأخيارها فانهض إلى الصفوة من هاشم ما مؤمنو الجن ككفارها قال : فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة ، وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله ، قال : فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي ، فما حللت [ عليه ] نسعة ولا عقدت أخرى حتى أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو بالمدينة - يعني مكة - والناس عليه كعرف الفرس ، فلما رآني النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " مرحبا بك يا سواد بن قارب ، قد علمنا ما جاء بك " .

قال : قلت : يا رسول الله ، قد قلت شعرا ، فاسمعه مني .

قال سواد : فقلت : أتاني رئي بعد ليل وهجعة ولم يك فيما قد بلوت بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة أتاك رسول من لؤي بن غالب فشمرت عن ساقي الإزار ووسطت بي الدعلب الوجناء عند السباسب فأشهد أن الله لا شيء غيره وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين شفاعة إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل وإن كان فيما جاء شيب الذوائب وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قارب قال : فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه ، وقال لي : " أفلحت يا سواد " : فقال له عمر : هل يأتيك رئيك الآن ؟

فقال : منذ قرأت القرآن لم يأتني ، ونعم العوض كتاب الله من الجن .

ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين .

ومما يدل على وفادتهم إليه ، عليه السلام ، بعد ما هاجر إلى المدينة ، الحديث الذي رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب " دلائل النبوة " [ فقال ] : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا محمد بن عبدة المصيصي ، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن زيد بن أسلم : أنه سمع أبا سلام يقول : حدثني من حدثه عمرو بن غيلان الثقفي قال : أتيت عبد الله بن مسعود فقلت له : حدثت أنك كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة وفد الجن ؟

قال : أجل ، قلت : حدثني كيف كان شأنه ؟

فقال : إن أهل الصفة أخذ كل رجل منهم رجل يعشيه ، وتركت فلم يأخذني أحد منهم ، فمر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " من هذا ؟

" فقلت : أنا ابن مسعود .

فقال : " ما أخذك أحد يعشيك ؟

" فقلت : لا .

قال : " فانطلق لعلي أجد لك شيئا " .

قال : فانطلقنا حتى أتى حجرة أم سلمة فتركني ودخل إلى أهله ، ثم خرجت الجارية فقالت : يا ابن مسعود ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجد لك عشاء ، فارجع إلى مضجعك .

قال : فرجعت إلى المسجد ، فجمعت حصباء المسجد فتوسدته ، والتففت بثوبي ، فلم ألبث إلا قليلا حتى جاءت الجارية ، فقالت : أجب رسول الله .

فاتبعتها وأنا أرجو العشاء ، حتى إذا بلغت مقامي ، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي يده عسيب من نخل ، فعرض به على صدري فقال : " أتنطلق أنت معي حيث انطلقت ؟

" قلت : ما شاء الله .

فأعادها علي ثلاث مرات ، كل ذلك أقول : ما شاء الله .

فانطلق وانطلقت معه ، حتى أتينا بقيع الغرقد ، فخط بعصاه خطا ، ثم قال : " اجلس فيها ، ولا تبرح حتى آتيك " .

ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه خلال النخل ، حتى إذا كان من حيث لا أراه ثارت العجاجة السوداء ، ففرقت فقلت : ألحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإني أظن أن هوازن مكروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليقتلوه ، فأسعى إلى البيوت ، فأستغيث الناس .

فذكرت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصاني : أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه ، فسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرعهم بعصاه ويقول : " اجلسوا " .

فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح ، ثم ثاروا وذهبوا ، فأتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " أنمت بعدي ؟

" فقلت : لا ، ولقد فزعت الفزعة الأولى ، حتى رأيت أن آتي البيوت فأستغيث الناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك ، وكنت أظنها هوازن ، مكروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليقتلوه .

فقال : " لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما آمنهم عليك أن يختطفك بعضهم ، فهل رأيت من شيء منهم ؟

" فقلت : رأيت رجالا سودا مستشعرين بثياب بيض ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أولئك وفد جن نصيبين ، أتوني فسألوني الزاد والمتاع ، فمتعتهم بكل عظم حائل أو روثة أو بعرة " .

قلت : وما يغني عنهم ذلك ؟

قال : " إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل ، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أكلت ، فلا يستنقي أحد منكم بعظم ولا بعرة " .

وهذا إسناد غريب جدا ، ولكن فيه رجل مبهم لم يسم [ والله أعلم ] .

وقد روى الحافظ أبو نعيم من حديث بقية بن الوليد ، حدثني نمير بن زيد القنبر ، حدثنا أبي ، حدثنا قحافة بن ربيعة ، حدثني الزبير بن العوام قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح في مسجد المدينة ، فلما انصرف قال : " أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة ؟

" فأسكت القوم ثلاثا ، فمر بي فأخذ بيدي ، فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدينة كلها ، وأفضينا إلى أرض براز ، فإذا برجال طوال كأنهم الرماح ، مستشعرين بثيابهم من بين أرجلهم ، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة ، ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم ، وهذا حديث غريب ، والله أعلم .

ومما يتعلق بوفود الجن ما رواه الحافظ أبو نعيم : حدثنا أبو محمد بن حيان ، حدثنا أبو الطيب أحمد بن روح ، حدثنا يعقوب الدورقي ، حدثنا الوليد بن بكير التميمي ، حدثنا حصين بن عمر أخبرني عبيد المكتب ، عن إبراهيم قال : خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج ، حتى إذا كانوا في بعض الطريق ، إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيض ، ينفخ منه ريح المسك ، فقلت لأصحابي : امضوا ، فلست ببارح حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمر هذه الحية .

قال : فما لبثت أن ماتت ، فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها ، ثم نحيتها عن الطريق فدفنتها ، وأدركت أصحابي في المتعشى .

قال : فوالله إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب ، فقالت واحدة منهن : أيكم دفن عمرا ؟

قلنا : ومن عمرو ؟

قالت : أيكم دفن الحية ؟

قال : قلت : أنا .

قالت : أما والله لقد دفنت صواما قواما ، يأمر بما أنزل الله ، ولقد آمن بنبيكم ، وسمع صفته من السماء قبل أن يبعث بأربعمائة عام .

قال الرجل : فحمدنا الله ، ثم قضينا حجتنا ، ثم مررت بعمر بن الخطاب في المدينة ، فأنبأته بأمر الحية ، فقال : صدقت ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة " .

وهذا حديث غريب جدا ، والله أعلم .

قال أبو نعيم : وقد روى الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن الشعبي ، عن رجل من ثقيف ، بنحوه .

وروى عبد الله بن أحمد والظهراني ، عن صفوان بن المعطل - هو الذي نزل ودفن تلك الحية من بين الصحابة - وأنهم قالوا : أما إنه آخر التسعة موتا الذين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمعون القرآن .

وروى أبو نعيم من حديث الليث بن سعد ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، عن عمه ، عن معاذ بن عبيد الله بن معمر قال : كنت جالسا عند عثمان بن عفان ، فجاء رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، إني كنت بفلاة من الأرض ، فذكر أنه رأى ثعبانين اقتتلا ثم قتل أحدهما الآخر ، قال : فذهبت إلى المعترك ، فوجدت حيات كثيرة مقتولة ، وإذ ينفح من بعضها ريح المسك ، فجعلت أشمها واحدة واحدة ، حتى وجدت ذلك من حية صفراء رقيقة ، فلففتها في عمامتي ودفنتها .

فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد : يا عبد الله ، لقد هديت !

هذان حيان من الجن بنو أشعيبان وبنو أقيش التقوا ، فكان من القتلى ما رأيت ، واستشهد الذي دفنته ، وكان من الذين سمعوا الوحي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال : فقال عثمان لذلك الرجل : إن كنت صادقا فقد رأيت عجبا ، وإن كنت كاذبا فعليك كذبك .

فقوله تعالى : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) أي : طائفة من الجن ، ( يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ) أي : استمعوا وهذا أدب منهم .

وقد قال الحافظ البيهقي : حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله الدقاق ، حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي ، حدثنا هشام بن عمار الدمشقي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن زهير بن محمد ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال : قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة " الرحمن " حتى ختمها ، ثم قال : " ما لي أراكم سكوتا ، للجن كانوا أحسن منكم ردا ، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) إلا قالوا : ولا بشيء من آلائك - أو نعمك - ربنا نكذب ، فلك الحمد " .

ورواه الترمذي في التفسير ، عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد ، عن الوليد بن مسلم به .

قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه ، فقرأ عليهم سورة الرحمن ، فذكره ، ثم قال الترمذي : " غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد ، عن زهير " كذا قال .

وقد رواه البيهقي من حديث مروان بن محمد الطاطري ، عن زهير بن محمد ، به مثله .

وقوله : ( فلما قضي ) أي : فرغ .

كقوله : ( فإذا قضيت الصلاة ) [ الجمعة : 10 ] ، ( فقضاهن سبع سماوات في يومين ) [ فصلت : 12 ] ، ( فإذا قضيتم مناسككم ) [ البقرة : 200 ] ( ولوا إلى قومهم منذرين ) أي : رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كقوله : ( ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) [ التوبة : 122 ] .

وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نذر ، وليس فيهم رسل : ولا شك أن الجن لم يبعث الله منهم رسولا ; لقوله : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) [ يوسف : 109 ] ، وقال ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) [ الفرقان : 20 ] ، وقال عن إبراهيم الخليل : ( وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ) [ العنكبوت : 27 ] .

فكل نبي بعثه الله بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته ، فأما قوله تعالى في [ سورة ] الأنعام : ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ) [ الأنعام : 130 ] ، فالمراد من مجموع الجنسين ، فيصدق على أحدهما وهو الإنس ، كقوله : ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) [ الرحمن : 22 ] أي : أحدهما .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) يقول تعالى ذكره مقرّعا كفار قريش بكفرهم بما آمنت به الجنّ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ ) يا محمد ( نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ) ذكر أنهم صرفوا إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالحادث الذي حدث من رَجْمِهم بالشهب.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن زياد, عن سعيد بن جُبير, قال: " كانت الجن تستمع, فلما رُجِموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء لشيء حدث في الأرض, فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خارجا من سوق عكاظ يصلي بأصحابه الفجر, فذهبوا إلى قومهم ".

حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن أيوب, عن سعيد بن جُبير, قال: " ولما بعث النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حُرِست السماء, فقال الشيطان: ما حُرِست إلا لأمر قد حدث في الأرض فبعث سراياه في الأرض , فوجدوا النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قائما يصلي صلاة الفجر بأصحابه بنَخْلة, وهو يقرأ.

فاستمعوا حتى إذا فرغ ( وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ )...

إلى قوله مُسْتَقِيمٍ .

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ )...

إلى آخر الآية, قال: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , وكانوا يقعدون مقاعد للسمع; فلما بعث الله محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حرست السماء حرسا شديدا, ورُجِمت الشياطين, فأنكروا ذلك, وقالوا: لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا فقال إبليس: لقد حدث في الأرض حدث, واجتمعت إليه الجنّ, فقال: تفرّقوا في الأرض, فأخبروني ما هذا الخبر الذي حدث في السماء, وكان أوّل بعث ركب من أهل نصيبين, وهي أشراف الجنّ وساداتهم, فبعثهم إلى تهامة, فاندفعوا حتى بلغوا الوادي, وادي نخلة, فوجدوا نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة, فاستمعوا; فلما سمعوه يتلو القرآن, قالوا: أنصتوا, ولم يكن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم علم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن; فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين .

واختلف أهل التأويل في مبلغ عدد النفر الذين قال الله ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ) فقال بعضهم: كانوا سبعة نفر.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا عبد الحميد, قال: ثنا النضر بن عربيّ, عن عكرمة, عن ابن عباس ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ )...

الآية, قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين, فجعلهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رسلا إلى قومهم.

وقال آخرون: بل كانوا تسعة.

نفر.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى, عن سفيان, عن عاصم, عن زِرّ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ) قال: كانوا تسعة نفر فيهم زَوْبعة.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو احمد, قال: ثنا سفيان, عن عاصم, عن زِرّ بن حبيش, قال: " أنـزل على النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو ببطن نخلة,( فَلَمَّا حَضَرُوهُ ) قال: كانوا تسعة أحدهم زَوْبَعَة ".

وقوله ( فَلَمَّا حَضَرُوهُ ) يقول: فلما حضر هؤلاء النفر من الجنّ الذين صرفهم الله إلى رسوله نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .

واختلف أهل العلم في صفة حضورهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فقال بعضهم: حضروا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , يتعرّفون الأمر الذي حدث من قبله ما حدث في السماء, ورسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لا يشعر بمكانهم, كما قد ذكرنا عن ابن عباس قبل.

وكما حدثنا ابن بشار, قال: ثنا هوذة, قال: ثنا عوف, عن الحسن, في قوله ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ) قال: ما شعر بهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى جاءوا, فأوحى الله عزّ وجلّ إليه فيهم, وأخبر عنهم.

وقال آخرون: بل أمر نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يقرأ عليهم القرآن, وأنهم جمعوا له بعد أن تقدّم الله إليه بإنذارهم, وأمره بقراءة القرآن عليهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ) قال: " ذكر لنا أنهم صرفُوا إليه من نِينَوَى, قال: فإن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , قال: إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجنّ, فأيكم يتبعني" ؟

فأطرقوا, ثم استتبعهم فأطرقوا, ثم استتبعهم الثالثة فأطرقوا, فقال رجل: يا رسول الله إنك لذو بدئه, (1) فاتبعه عبد الله بن مسعود, فدخل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم شعبا يقال له شعب الحجون.

قال: وخطّ نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على عبد الله خطا ليثبته به, قال: فجعلت تهوي بي وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها, وسمعت لغطا شديدا, حتى خفت على نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , ثم تلا القرآن; فلما رجع نبيّ الله قلت: يا نبيّ الله ما اللغط الذي سمعت؟

قال: اجتمعوا إليّ في قتيل كان بينهم, فقُضي بينهم بالحقّ .

وذُكر لنا أن ابن مسعود لما قَدِم الكوفة رأى شيوخا شُمطا من الزُّط, فراعوه, قال: من هؤلاء؟

قالوا: هؤلاء نفر من الأعاجم, قال: ما أريت للذين قرأ عليهم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الإسلام من الجنّ شبها أدنى من هؤلاء.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ذهب وابن مسعود ليلة دعا الجنّ, فخطَّ النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على ابن مسعود خطا, ثم قال له: لا تخرج منه ثم ذهب النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى الجنّ, فقرأ عليهم القرآن, ثم رجع إلى ابن مسعود فقال: وهل رأيت شيئا؟

قال: سمعت لغَطا شديدا, قال: إن الجنّ تدارأت في قتيل قُتل بينها, فقُضِي بينهم بالحقّ, وسألوه الزاد, فقال: وكل عظم لكم عرق, وكلّ روث لكم خُضْرة.

قالوا: يا رسول الله تقذّرها الناس علينا, فنهى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يستنجي بأحدهما; فلما قدم ابن مسعود الكوفة رأى الزُّطّ, وهم قوم طوال سود, فأفزعوه, فقال: أظَهَرُوا؟

فقيل له: إن هؤلاء قوم من الزُّطّ, فقال ما أشبههم بالنفر الذين صُرِفوا إلى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .

قال : ثنا ابن ثور, عن معمر.

عن يحيى بن أبي كثير, عن عبد الله بن عمرو بن غَيلان الثقفيّ أنه قال لابن مسعود: " حُدثت أنك كنت مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ليلة وفد الجنّ, قال: أجَل, قال: فكيف كان؟

فذكر الحديث كله.

وذُكِر أن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خطّ عليه خطا وقال: ولا تبرح منها, فذكر أن مثل العجاجة السوداء غشيت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فذُعِر ثلاث مرّات, حتى إذا كان قريبا من الصبح, أتاني رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فقال: أنِمْتَ؟

قلت: لا والله, ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول: واجلسوا, قال: ولو خرجتَ لم آمن أن يختطفك بعضهم, ثم قال: وهل رأيت شيئا؟

قال: نعم رأيت رجالا سودا مستشعري ثياب بيض, قال: أولئك جنّ نصيبين, سألوني المتاع, والمتاع الزاد, فمتعتهم بكلّ عظم حائل أو بعرة أو روثة, فقلت: يا رسول الله, وما يغني ذلك عنهم؟

قال: إِنَّهُمْ لَنْ يَجِدوُا عَظْما إلا وَجَدُوا عَلَيْهِ لَحْمَه يَوْمَ أُكِل, وَلا رَوْثَةً إلا وَجَدُوا فِيها حَبَّها يَوْمَ أُكِلَتْ, فَلا يَسْتَنْقِيَنَّ أحَدٌ مِنْكُمْ إذَا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ بعَظْمٍ وَلا بَعْرَةٍ وَلا رَوْثَةٍ" .

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, قال: أخبرنا أبو زُرْعة وهب بن راشد, قال: قال يونس, قال ابن شهاب: أخبرني أبو عثمان بن شبة الخزاعي, وكان من أهل الشام " أن ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لأصحابه وهو بمكة: مَنْ أَحَبَّ منْكُمْ أنْ يَحْضُرَ أمْرَ الجنّ اللَّيْلَةَ فَلْيَفْعَلْ" .

فلم يحضر منهم أحد غيري, قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة, خطّ لي برجله خطا, ثم أمرني أن أجلس فيه, ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن, فغشيته أسودة كبيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته, ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين, حتى بقي منهم رهط, ففرغ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مع الفجر, فانطلق متبرّزا, ثم أتاني فقال: وما فَعَلَ الرَّهْطُ ؟

قلت: هم أولئك يا رسول الله, فأخذ عظما أو روثا أو جمجمة فأعطاهم إياه زادا, ثم نهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث ".

حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب, قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب, قال: أخبرني يونس, عن ابن شهاب, عن أبي عثمان بن شبة الخزاعي, وكان من أهل الشأم, أن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فذكر مثله سواء, إلا أنه قال: فأعطاهم روثا أو عظما زادا, ولم يذكر الجمجمة.

حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب, قال: ثني عمي, قال: أخبرني يونس, عن الزهريّ, عن عبيد الله بن عبد الله, أن ابن مسعود, قال: سمعت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: " بِتُّ اللًّيْلَةَ أقْرأُ عَلى الجِنّ رُبُعا بالحَجُونِِ" .

واختلفوا في الموضع الذي تلا عليهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فيه القرآن, فقال عبد الله بن مسعود قرأ عليهم بالحَجون, وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك.

وقال آخرون: قرأ عليهم بنخلة, وقد ذكرنا بعض من قال ذلك, ونذكر من لم نذكره.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا خلاد, عن زهير بن معاوية, عن جابر الجعفي, عن عكرمة, عن ابن عباس " أن النفر الذين أتوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من جنّ نصيبين أتوه وهو بنخلة ".

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ) قال: لقيهم بنخلة ليلتئذ.

وقوله ( فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ) يقول تعالى ذكره: فلما حضروا القرآن ورسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقرأ, قال بعضهم لبعض: أنصتوا لنستمع القرآن.

كما حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى, عن سفيان, عن عاصم, عن زِرّ( فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ) قالوا: صَهْ.

قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, عن عاصم, عن زِرّ بن حُبَيْش, مثله.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, في قوله ( فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ) قد علم القوم أنهم لن يعقلوا حتى ينصتوا.

وقوله ( فَلَمَّا قُضِيَ ) يقول: فلما فرغ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من القراءة وتلاوة القرآن.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثنى عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,( فَلَمَّا قُضِيَ ) يقول: فلما فرغ من الصلاة.( وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ) .

وقوله ( وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ) يقول: انصرفوا منذرين عذاب الله على الكفر به.

وذُكر عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جعلهم رسلا إلى قومهم.

حدثنا بذلك أبو كُرَيب, قالا ثنا عبد الحميد الحِمَّانيّ, قال: ثنا النضر, عن عكرمة, عن ابن عباس.

وهذا القول خلاف القول الذي روي عنه أنه قال: لم يكن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم علم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن, لأنه محال أن يرسلهم إلى آخرين إلا بعد علمه بمكانهم, إلا أن يقال: لم يعلم بمكانهم في حال استماعهم للقرآن, ثم علم بعد قبل انصرافهم إلى قومهم, فأرسلهم رسلا حينئذ إلى قومهم, وليس ذلك في الخبر الذي روي.

----------------------- الهوامش: (1) في ابن كثير " لذو ندبة " ، وكأن الرجل يتعجب من نشاط رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسراعه لما ندب أصحابه إليه فأحجموا .

ولعله مأخوذ من قولهم " رجل ندب " أي خفيف سريع في الحاجة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين .قوله تعالى : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن هذا توبيخ لمشركي قريش ، أي : إن الجن سمعوا القرآن فآمنوا به وعلموا أنه من عند الله وأنتم معرضون مصرون على الكفر .

ومعنى : صرفنا وجهنا إليك وبعثنا .

وذلك أنهم صرفوا عن استراق السمع من السماء برجوم الشهب - على ما يأتي - ولم يكونوا بعد عيسى قد صرفوا عنه إلا عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم .

قال المفسرون ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم : لما مات أبو طالب خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة فقصد عبد ياليل ومسعودا وحبيبا وهم إخوة - بنو عمرو بن عمير - وعندهم امرأة من قريش من بني جمح ، فدعاهم إلى الإيمان وسألهم أن ينصروه على قومه فقال أحدهم : هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك وقال الآخر : ما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث : والله لا أكلمك كلمة أبدا ، إن كان الله أرسلك كما تقول فأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ، وإن كنت تكذب فما ينبغي لي أن أكلمك .

ثم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويضحكون به ، حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة .

فقال للجمحية : [ ماذا لقينا من أحمائك ] ؟

ثم قال : اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، لمن تكلني إلى عبد يتجهمني ، أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك .

فرحمه ابنا ربيعة وقالا لغلام لهما نصراني يقال له عداس : خذ قطفا من العنب وضعه في هذا الطبق ثم ضعه بين يدي هذا الرجل ، فلما وضعه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : [ ص: 196 ] باسم الله ثم أكل ، فنظر عداس إلى وجهه ثم قال : والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أي البلاد أنت يا عداس وما دينك قال : أنا نصراني من أهل نينوى .

فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟

فقال : وما يدريك ما يونس بن متى ؟

قال : ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي فانكب عداس حتى قبل رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - ويديه ورجليه .

فقال له ابنا ربيعة : لم فعلت هكذا ؟

فقال : يا سيدي ما في الأرض خير من هذا ، أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي .ثم انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - حين يئس من خير ثقيف ، حتى إذا كان ببطن نخلة قام من الليل يصلي فمر به نفر من جن أهل نصيبين .

وكان سبب ذلك أن الجن كانوا يسترقون السمع ، فلما حرست السماء ورموا بالشهب قال إبليس : إن هذا الذي حدث في السماء لشيء حدث في الأرض ، فبعث سراياه ليعرف الخبر ، أولهم ركب نصيبين وهم أشراف الجن إلى تهامة ، فلما بلغوا بطن نخلة سمعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة ويتلو القرآن ، فاستمعوا له وقالوا : أنصتوا .وقالت طائفة : بل أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن ، فصرف الله - عز وجل - إليه نفرا من الجن من نينوى وجمعهم له ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إني أريد أن أقرأ القرآن على الجن الليلة فأيكم يتبعني ؟

فأطرقوا ، ثم قال الثانية فأطرقوا ، ثم قال الثالثة فأطرقوا ، فقال ابن مسعود : أنا يا رسول الله ، قال ابن مسعود : ولم يحضر معه أحد غيري ، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - شعبا يقال له ( شعب الحجون ) وخط لي خطا وأمرني أن أجلس فيه وقال : لا تخرج منه حتى أعود إليك .

ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن ، فجعلت أرى أمثال النسور تهوي وتمشي في رفرفها ، وسمعت لغطا وغمغمة حتى خفت على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين ، ففرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الفجر فقال : أنمت ؟

قلت : لا والله ، ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول اجلسوا ، فقال : لو خرجت لم آمن عليك أن يخطفك بعضهم ثم قال : هل رأيت شيئا ؟

قلت : نعم يا رسول الله ، رأيت رجالا سودا مستثفري ثيابا بيضا ، فقال : أولئك جن نصيبين سألوني المتاع والزاد فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة .

فقالوا : يا رسول الله يقذرها الناس علينا .

فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستنجى بالعظم والروث .قلت : يا نبي الله ، وما يغني ذلك عنهم قال : إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل ، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكل فقلت : يا رسول الله ، لقد سمعت لغطا شديدا ؟

فقال : إن الجن تدارأت في قتيل بينهم فتحاكموا إلي فقضيت بينهم بالحق .

ثم تبرز النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أتاني فقال : هل معك ماء ؟

فقلت يا نبي الله ، معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر فصببت على [ ص: 197 ] يديه فتوضأ فقال : تمرة طيبة وماء طهور روى معناه معمر عن قتادة وشعبة أيضا عن ابن مسعود .

وليس في حديث معمر ذكر نبيذ التمر .روي عن أبي عثمان النهدي أن ابن مسعود أبصر زطا فقال : ما هؤلاء ؟

قال : هؤلاء الزط .

قال : ما رأيت شبههم إلا الجن ليلة الجن فكانوا مستفزين يتبع بعضهم بعضا .

وذكر الدارقطني عن عبد الله بن لهيعة حدثني قيس بن الحجاج عن حنش عن ابن عباس عن ابن مسعود أنه وضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن بنبيذ فتوضأ به وقال : شراب وطهور .

ابن لهيعة لا يحتج به .

وبهذا السند عن ابن مسعود : أنه خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أمعك ماء يا بن مسعود ؟

فقال : معي نبيذ في إداوة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صب علي منه .

فتوضأ وقال : هو شراب وطهور تفرد به ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث .قال الدارقطني : وقيل إن ابن مسعود لم يشهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن .

كذلك رواه علقمة بن قيس وأبو عبيدة بن عبد الله وغيرهما عنه أنه قال : ما شهدت ليلة الجن .

حدثنا أبو محمد بن صاعد حدثنا أبو الأشعث حدثنا بشر بن المفضل حدثنا داود بن أبي هند عن عامر عن علقمة بن قيس قال قلت لعبد الله بن مسعود : أشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد منكم ليلة أتاه داعي الجن ؟

قال لا .

قال الدارقطني : هذا إسناد صحيح لا يختلف في عدالة راويه .

وعن عمرو بن مرة قال قلت لأبي عبيدة : حضر عبد الله بن مسعود ليلة الجن ؟

فقال لا .

قال ابن عباس : كان الجن سبعة نفر من جن نصيبين فجعلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - رسلا إلى قومهم .

وقال زر بن حبيش : كانوا تسعة أحدهم زوبعة .

وقال قتادة : إنهم من أهل نينوى .

وقال مجاهد : من أهل حران .

وقال عكرمة : من جزيرة الموصل .

وقيل : إنهم كانوا سبعة ، ثلاثة من أهل نجران وأربعة من أهل نصيبين .

وروى ابن أبي الدنيا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في هذا الحديث وذكر فيه نصيبين فقال : رفعت إلي حتى رأيتها فدعوت الله أن يكثر مطرها وينضر شجرها وأن يغزو نهرها .

وقال السهيلي : ويقال كانوا سبعة ، وكانوا يهودا فأسلموا ، ولذلك قالوا : [ ص: 198 ] أنزل من بعد موسى وقيل في أسمائهم : شاصر وماصر ومنشى وماشي والأحقب ، ذكر هؤلاء الخمسة ابن دريد .

ومنهم عمرو بن جابر ، ذكره ابن سلام من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أشياخه عن ابن مسعود أنه كان في نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يمشون فرفع لهم إعصار ثم جاء إعصار أعظم منه فإذا حية قتيل ، فعمد رجل منا إلى ردائه فشقه وكفن الحية ببعضه ودفنها ، فلما جن الليل إذا امرأتان تسألان : أيكم دفن عمرو بن جابر ؟

فقلنا : ما ندري من عمرو بن جابر فقالتا : إن كنتم ابتغيتم الأجر فقد وجدتموه ، إن فسقة الجن اقتتلوا مع المؤمنين فقتل عمرو ، وهو الحية التي رأيتم ، وهو من النفر الذين استمعوا القرآن من محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم ولوا إلى قومهم منذرين .

وذكر ابن سلام رواية أخرى : أن الذي كفنه هو صفوان بن المعطل .قلت : وذكر هذا الخبر الثعلبي بنحوه فقال : وقال ثابت بن قطبة جاء أناس إلى ابن مسعود فقالوا : إنا كنا في سفر فرأينا حية متشحطة في دمائها ، فأخذها رجل منا فواريناها ، فجاء أناس فقالوا : أيكم دفن عمرا ؟

قلنا وما عمرو ؟

قالوا الحية التي دفنتم في مكان كذا ، أما إنه كان من النفر الذين سمعوا القرآن من النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان بين حيين من الجن مسلمين وكافرين قتال فقتل .

ففي هذا الخبر أن ابن مسعود لم يكن في سفر ولا حضر الدفن ، والله أعلم .وذكر ابن أبي الدنيا عن رجل من التابعين سماه : أن حية دخلت عليه في خبائه تلهث عطشا فسقاها ثم أنها ماتت فدفنها ، فأتي من الليل فسلم عليه وشكر ، وأخبر أن تلك الحية كانت رجلا من جن نصيبين اسمه زوبعة .

قال السهيلي : وبلغنا في فضائل عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - مما حدثنا به أبو بكر بن طاهر الأشبيلي أن عمر بن عبد العزيز كان يمشي بأرض فلاة ، فإذا حية ميتة فكفنها بفضلة من ردائه ودفنها ، فإذا قائل يقول : يا سرق ، أشهد لسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : [ ستموت بأرض فلاة فيكفنك رجل صالح ] .

فقال : ومن أنت يرحمك الله ؟

فقال : رجل من الجن الذين استمعوا القرآن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبق منهم إلا أنا وسرق ، وهذا سرق قد مات .وقد قتلت عائشة رضي الله عنها حية رأتها في حجرتها تستمع وعائشة تقرأ ، فأتيت في المنام فقيل لها : إنك قتلت رجلا مؤمنا من الجن الذين قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : لو كان مؤمنا ما دخل على حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقيل لها : ما دخل عليك إلا وأنت متقنعة ، وما جاء [ ص: 199 ] إلا ليستمع الذكر .

فأصبحت عائشة فزعة ، واشترت رقابا فأعتقتهم .قال السهيلي : وقد ذكرنا من أسماء هؤلاء الجن ما حضرنا ، فإن كانوا سبعة فالأحقب منهم وصف لأحدهم ، وليس باسم علم ، فإن الأسماء التي ذكرناها آنفا ثمانية بالأحقب .

والله أعلم .قلت : وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه : هامة بن الهيم بن الأقيس بن إبليس ، قيل : إنه من مؤمني الجن وممن لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلمه سورة ( إذا وقعت الواقعة ) و ( المرسلات ) و ( عم يتساءلون ) و ( إذا الشمس كورت ) و ( الحمد ) و ( المعوذتين ) وذكر أنه حضر قتل هابيل وشرك في دمه وهو غلام ابن أعوام ، وأنه لقي نوحا وتاب على يديه ، وهودا وصالحا ويعقوب ويوسف وإلياس وموسى بن عمران وعيسى ابن مريم عليهم السلام .

وقد ذكر الماوردي أسماءهم عن مجاهد فقال : حسى ومسى ومنشى وشاصر وماصر والأرد وأنيان والأحقم .

وذكرها أبو عمرو عثمان بن أحمد المعروف بابن السماك قال : حدثنا محمد بن البراء قال حدثنا الزبير بن بكار قال : كان حمزة بن عتبة بن أبي لهب يسمي جن نصيبين الذين قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول : حسى ومسى وشاصر وماصر والأفخر والأرد وأنيال .قوله تعالى : فلما حضروه أي حضروا النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو من باب تلوين الخطاب .

وقيل : لما حضروا القرآن واستماعه .

قالوا أنصتوا أي قال بعضهم لبعض اسكتوا لاستماع القرآن .

قال ابن مسعود : هبطوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة ، فلما سمعوه قالوا أنصتوا قالوا صه .

وكانوا سبعة : أحدهم زوبعة ، فأنزل الله تعالى : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا الآية إلى قوله : في ضلال مبين وقيل : أنصتوا لسماع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والمعنى متقارب .

فلما قضي وقرأ لاحق بن حميد وخبيب بن عبد الله بن الزبير ( فلما قضى ) بفتح القاف والضاد ، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الصلاة .

وذلك أنهم خرجوا حين حرست السماء من استراق السمع ليستخبروا ما أوجب ذلك ؟

فجاءوا وادي نخلة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في صلاة الفجر ، وكانوا سبعة ، فسمعوه وانصرفوا إلى قومهم منذرين ، ولم يعلم بهم النبي صلى الله عليه وسلم .

وقيل : بل أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينذر الجن ويقرأ عليهم القرآن ، فصرف الله إليه نفرا من الجن ليستمعوا منه وينذروا قومهم ، فلما تلا عليهم القرآن وفرغ انصرفوا بأمره قاصدين من وراءهم من قومهم من الجن ، منذرين لهم [ ص: 200 ] مخالفة القرآن ومحذرين إياهم بأس الله إن لم يؤمنوا .

وهذا يدل على أنهم آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه أرسلهم .

ويدل على هذا قولهم : ياقومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ولولا ذلك لما أنذروا قومهم .

وقد تقدم عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعلهم رسلا إلى قومهم ، فعلى هذا ليلة الجن ليلتان ، وقد تقدم هذا المعنى مستوفى .

وفي صحيح مسلم ما يدل على ذلك على ما يأتي بيانه في ( قل أوحي إلي ) .

وفي صحيح مسلم عن معن قال : سمعت أبي قال سألت مسروقا : من آذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجن ليلة استمعوا القرآن ؟

فقال : حدثني أبوك - يعني ابن مسعود - أنه آذنته بهم شجرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كان الله تعالى قد أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق إنسهم وجنهم وكان لا بد من إبلاغ الجميع لدعوة النبوة والرسالة.فالإنس يمكنه عليه الصلاة والسلام دعوتهم وإنذارهم، وأما الجن فصرفهم الله إليه بقدرته وأرسل إليه { نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا } أي: وصى بعضهم بعضا بذلك، { فَلَمَّا قُضِي } وقد وعوه وأثر ذلك فيهم { وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ } نصحا منهم لهم وإقامة لحجة الله عليهم وقيضهم الله معونة لرسوله صلى الله عليه وسلم في نشر دعوته في الجن.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ) الآية ، قال المفسرون : لما مات أبو طالب خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه ، فروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي قال : لما انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف إلى نفر من ثقيف ، وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم ، وهم إخوة ثلاثة : عبد ياليل ، ومسعود ، وحبيب بنو [ عمرو بن ] عمير ، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح ، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام ، والقيام معه على من خالفه من قومه .

فقال له أحدهم : هو يمرط ثياب الكعبة ، إن كان الله أرسلك ، وقال الآخر : ما وجد الله أحدا يرسله غيرك ؟

وقال الثالث : والله ما أكلمك كلمة أبدا ، لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك .

فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عندهم ، وقد يئس من خير ثقيف ، وقال لهم : إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي [ سري ] ، وكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغ قومه فيزيدهم عليه ذلك ، فلم يفعلوا ، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس ، وألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة ، وهما فيه فرجع عنه سفهاء ثقيف ومن كان تبعه ، فعمد إلى ظل حبلة من عنب ، فجلس فيه ، وابنا ربيعة ينظران إليه ، ويريان ما لقي من سفهاء ثقيف ، ولقد لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك المرأة التي من بني جمح ، فقال لها : ماذا لقينا من أحمائك ؟

فلما اطمأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، أنت أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟

إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري ؟

إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك " .

فلما رأى ابنا ربيعة ما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له : عداس ، فقالا له : خذ قطفا من العنب وضعه في ذلك الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل ، فقل له يأكل منه ، ففعل ذلك عداس ، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده قال : بسم الله ، ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه ثم قال : والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أي البلاد أنت يا عداس ؟

وما دينك ؟

قال : أنا نصراني ، وأنا رجل من أهل نينوى ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟

قال له : وما يدريك ما يونس بن متى ؟

فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي فأكب عداس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقبل رأسه ويديه وقدميه .

قال : فيقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه : أما غلامك فقد أفسده عليك ، فلما جاءهم عداس قالا له : ويلك يا عداس ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ؟

قال : يا سيدي ما في الأرض خير من هذا الرجل ، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي ، فقالا ويحك يا عداس لا يصرفك عن دينك فإن دينك خير من دينه .

ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف ، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي فمر به نفر من جن أهل نصيبين اليمن ، فاستمعوا له ، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين ، قد آمنوا وأجابوا لما سمعوا ، فقص الله خبرهم عليه ، فقال : " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا مسدد ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : انطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، فأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا : ما لكم ؟

قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ، قالوا : ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بنخلة ، عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن استمعوا له ، فقالوا : هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا : يا قومنا " إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا " ( الجن - 2 ) ، فأنزل الله على نبيه : " قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن " ، ( الجن - 1 ) وإنما أوحى إليه قول الجن .

وروي : أنهم لما رجعوا بالشهب بعث إبليس سراياه لتعرف الخبر ، وكان أول بعث بعث ركبا من أهل نصيبين ، وهم أشراف الجن وساداتهم ، فبعثهم إلى تهامة .

وقال أبو حمزة [ الثمالي ] : بلغنا أنهم من الشيصبان وهم أكثر الجن عددا ، وهم عامة جنود إبليس ، فلما رجعوا قالوا : " إنا سمعنا قرآنا عجبا " .

وقال جماعة : بل أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن ، فصرف إليه نفرا من الجن من أهل نينوى ، وجمعهم له ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة ، فأيكم يتبعني ؟

فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا ، ثم استتبعهم الثالثة فأطرقوا ، فاتبعه عبد الله بن مسعود ، قال عبد الله : ولم يحضر معه أحد غيري ، فانطلقنا حتى إذا كنا على مكة دخل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - شعبا يقال له : شعب الحجون ، وخط لي خطا ثم أمرني أن أجلس فيه ، وقال : لا تخرج منه حتى أعود إليك ، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن ، فجعلت أرى أمثال النسور تهوي ، وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه ، حتى ما أسمع صوته ، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين ، ففرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الفجر ، فانطلق إلي وقال : أنمت ؟

فقلت : لا والله يا رسول الله ، وقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك ، تقول : اجلسوا ، قال : لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم ، ثم قال : هل رأيت شيئا ؟

قلت : نعم يا رسول الله رأيت رجالا سودا مستثفري ثياب بيض ، قال : أولئك جن نصيبين سألوني المتاع - والمتاع الزاد - فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة .

قال : فقالوا : يا رسول الله تقذرها الناس ، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستنجى بالعظم والروث .

قال : فقلت : يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم ؟

قال : إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل ، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت ، قال فقلت : يا رسول الله سمعت لغطا شديدا ؟

فقال : إن الجن تدارأت في قتيل قتل بينهم فتحاكموا إلي فقضيت بينهم بالحق ، قال : ثم تبرز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أتاني ، فقال : هل معك ماء ؟

قلت : يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر ، فاستدعاه فصببت على يده فتوضأ وقال : " تمرة طيبة وماء طهور " .

قال قتادة : ذكر لنا أن ابن مسعود لما قدم الكوفة رأى شيوخا شمطا من الزط فأفزعوه حين رآهم ، فقال : اظهروا ، فقيل له : إن هؤلاء قوم من الزط ، فقال : ما أشبههم بالنفر الذين صرفوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يريد الجن .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغفار بن محمد ، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا داود وهو ابن أبي هند ، عن عامر قال : سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ؟

قال فقال علقمة : أنا سألت ابن مسعود فقلت : هل شهد أحد منكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ؟

قال : لا ولكنا كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب ، فقلنا : استطير أو اغتيل ، قال : فبتنا بشر ليلة بات بها قوم ، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء ، قال فقلنا : يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك ، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال : أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن .

قال : فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم .

قال وسألوه الزاد ، فقال : لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم من الجن " .

.

ورواه مسلم عن علي بن حجر ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن داود بهذا الإسناد إلى قوله : " وآثار نيرانهم " .

قال الشعبي : وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة إلى آخر الحديث من قول الشعبي مفصلا من حديث عبد الله .

قوله - عز وجل - : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ) اختلفوا في عدد ذلك النفر ، فقال ابن عباس : كانوا سبعة من جن نصيبين ، فجعلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسلا إلى قومهم .

وقال آخرون : كانوا تسعة .

وروى عاصم عن زر بن حبيش : كان زوبعة من التسعة الذين استمعوا القرآن .

( فلما حضروه قالوا أنصتوا ) قالوا : صه .

وروي في الحديث : " أن الجن ثلاثة أصناف : صنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء ، وصنف حيات وكلاب ، وصنف يحلون ويظعنون " .

فلما حضروه قال بعضهم لبعض : أنصتوا واسكتوا لنستمع إلى قراءته ، فلا يحول بيننا وبين الاستماع شيء ، فأنصتوا واستمعوا القرآن حتى كاد يقع بعضهم على بعض من شدة حرصهم .

( فلما قضي ) فرغ من تلاوته ( ولوا إلى قومهم ) انصرفوا إليهم ( منذرين ) مخوفين داعين بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(و) اذكر (إذ صرفنا) أملنا (إليك نفرا من الجن) جن نصيبين باليمن أو جن نينوى وكانوا سبعة أو تسعة "" وكان صلى الله عليه وسلم ببطن نخل يصلي بأصحابه الفجر "" رواه الشيخان (يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا) أي قال بعضهم لبعض (أنصتوا) أصغوا لاستماعه (فلما قضي) فرغ من قراءته (ولوا) رجعوا (إلى قومهم منذرين) مخوفين قومهم العذاب إن لم يؤمنوا وكانوا يهودا وقد أسلموا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها الرسول- حين بعثنا إليك، طائفة من الجن يستمعون منك القرآن، فلما حضروا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ، قال بعضهم لبعض: أنصتوا؛ لنستمع القرآن، فلما فرغ الرسول من تلاوة القرآن، وقد وعَوه وأثَّر فيهم، رجعوا إلى قومهم منذرين ومحذرين لهم بأس الله، إن لم يؤمنوا به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا التذكير والوعيد للكافرين ، بيَّن - سبحانه - جانبا من مظاهر تكريمه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - حيث أرسل له نفرا من الجن ، يستمعون القرآن ، ويؤمنون به ، فقال - تعالى - : ( وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً .

.

.

فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) .قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن .

.

.

) هذا توبيخ لمشركى قريش .

أى : أن الجن سمعوا القرآن فآمنا به وعلموا أنه من عند الله ، وأنتم معرضون مصرون على الكفر .قال المفسرون : لما مات أبو طالب ، خرج النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف ، يلتمس من أهلها النصرة ، ويدعوهم إلى الإِيمان .

.

أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويضحكون به .

.فانصرف - صلى الله عليه وسلم - عنهم ، حتى إذا كان ببطن نخلة - وهو موضع بين مكة والطائف - قام يصلى من الليل ، فمر به نفر من جن نصيبين - وهو موضع قرب الشام - فاستمعوا إليه وقالوا : أنصتوا .وهناك روايات أخرى كثيرة فى عدد هؤلاء الجن ، وفى الأماكن التى التقوا فيها مع النبى - صلى الله عليه وسلم - عليهم ، وفيمن كان مع النبى - صلى الله عليه وسلم - خلال التقائه بهم .

.ويبدو لنا من مجموع هذه الروايات أن لقاء النبى - صلى الله عليه وسلم - بالجن قد تعدد ، وأن هذه الآيات تحكى لقاء معينا ، وسورة الجن تحكى لقاء آخر .قال الآلوسى : وقد أخرج الطبرانى فى الأوسط ، وابن مردويه عن الحبر ، أى : عن ابن عباس أنه قال : صرفت الجن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين .وذكر الخفاجى أنه قد دلت الأحاديث ، على أن وفادة الجن كانت ست مرات ، ويجمع بذلك اختلاف الروايات فى عددهم ، وفى غير ذلك .و " النفر " على المشهور - ما بين الثلاة والعشرة من الرجال وهو مأخوذ من النفير ، لأن الرجل إذا حزبه أمر نفر بعض الناس الذين يهتمون بأمره لإِغاثته .والمعنى : واذكر - أيها الرسول الكريم - لقومك ، وقت أن صرفنا إليك ، ووجهنا نحوك ، نفراً من الجن ، يستمعون القرآن منك .( فَلَمَّا حَضَرُوهُ ) أى : فحين حضروا القرى ، عند تلاوة منك ، أو فحين حضروا مجلسك ( قالوا ) على سبيل التناصح - ( أَنصِتُواْ ) أى : قالوا بعضهم لبعض : اسكتوا لأجل أن نستمع إلى هذا القرآن ، وهذا يدل على سمو أدبهم وحرصهم على تلقى العلم .( فَلَمَّا قُضِيَ ) أى : فحين انتهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قراءته .( وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ) أى : انصروفوا إلى قومهم ليخوفوهم من عذاب الله - تعالى - إذا ما عصموه أو خالفوا أمره - سبحانه - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بيّن أن في الإنس من آمن وفيهم من كفر، بيّن أيضاً أن الجن فيهم من آمن وفيهم من كفر، وأن مؤمنهم معرض للثواب، وكافرهم معرض للعقاب، وفي كيفية هذه الواقعة قولان الأول: قال سعيد بن جبير: كانت الجن تستمع فلما رجموا قالوا: هذا الذي حدث في السماء إنما حدث لشيء في الأرض فذهبوا يطلبون السبب، وكان قد اتفق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أيس من أهل مكة أن يجيبوه خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام، فلما انصرف إلى مكة، وكان ببطن نخل قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر، فمرّ به نفر من أشراف جن نصيبين، لأن إبليس بعثهم ليعرفوا السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم، فسمعوا القرآن وعرفوا أن ذلك هو السبب والقول الثاني: أن الله تعالى أمر رسوله أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله إليه نفراً من الجن ليستمعوا منه القرآن وينذروا قومهم.

ويتفرع على ما ذكرناه فروع الأول: نقل عن القاضي في تفسيره الجن أنه قال: إنهم كانوا يهوداً، لأن في الجن مللاً كما في الإنس من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام، وأطبق المحققون على أن الجن مكلفون، سئل ابن عباس: هل للجن ثواب؟

فقال نعم لهم ثواب وعليهم عقاب، يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها الفرع الثاني: قال صاحب الكشاف: النفر دون العشرة ويجمع على أنفار، ثم روى محمد بن جرير الطبري عن ابن عباس: أن أولئك الجن كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم، وعن زر ابن حبيش كانوا تسعة أحدهم ذوبعة، وعن قتادة ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من ساوة الفرع الثالث: اختلفوا في أنه هل كان عبد الله بن مسعود مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟

والروايات فيه مختلفة ومشهورة الفرع الرابع: روى القاضي في تفسيره عن أنس قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبال مكة إذ أقبل شيخ متوكئ على عكازة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مشية جني ونغمته» فقال أجل، فقال: «من أي الجن أنت؟» فقال أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس، فقال: «لا أرى بينك وبين إبليس إلا أبوين فكم أتى عليك؟» فقال أكلت عمر الدنيا إلا أقلها، وكنت وقت قتل قابيل هابيل أمشي بين الآكام، وذكر كثيراً مما مرّ به، وذكر في جملته أن قال: قال لي عيسى بن مريم إن لقيت محمداً فأقرئه مني السلام، وقد بلغت سلامه وآمنت بك، فقال عليه السلام: «وعلى عيسى السلام، وعليك يا هامة ما حاجتك؟» فقال إن موسى عليه السلام علمني التوراة، وعيسى علمني الإنجيل، فعلمني القرآن، فعلمه عشر سور، وقبض صلى الله عليه وسلم ولم ينعه قال عمر بن الخطاب ولا أراه إلا حياً واعلم أن تمام الكلام في قصة الجن مذكور في سورة الجن.

المسألة الثانية: اختلفوا في تفسير قوله: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن ﴾ فقال بعضهم: لما لم يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم قراءة القرآن عليهم، فهو تعالى ألقى في قلوبهم ميلا وداعية إلى استماع القرآن، فلهذا السبب قال: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا حَضَرُوهُ ﴾ الضمير للقرآن أو لرسول الله ﴿ قَالُواْ ﴾ أي قال بعضهم لبعض ﴿ أَنصِتُواْ ﴾ أي اسكتوا مستمعين، يقال أنصت لكذا واستنصت له، فلما فرغ من القراءة ﴿ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ﴾ ينذرونهم، وذلك لا يكون إلا بعد إيمانهم، لأنهم لا يدعون غيرهم إلى استماع القرآن والتصديق به إلا وقد آمنوا، فعنده ﴿ قَالُواْ يا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كتابا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى ﴾ ووصفوه بوصفين الأول: كونه ﴿ مُصَدِّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي مصدقاً لكتب الأنبياء، والمعنى أن كتب سائر الأنبياء كانت مشتملة على الدعوة إلى التوحيد والنبوّة والمعاد والأمر بتطهير الأخلاق فكذلك هذا الكتاب مشتمل على هذه المعاني الثاني: قوله: ﴿ يَهْدِي إِلَى الحق وإلى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

واعلم أن الوصف الأول يفيد أن هذا الكتاب يماثل سائر الكتب الإلهية في الدعوة إلى هذه المطالب العالية الشريفة، والوصف الثاني يفيد أن هذه المطالب التي اشتمل القرآن عليها مطلب حقة صدق في أنفسها، يعلم كل أحد بصريح عقله كونها كذلك، سواء وردت الكتب الإلهية قبل ذلك بها أو لم ترد، فإن قالوا كيف قالوا: ﴿ مِن بَعْدِ موسى ﴾ ؟

قلنا قد نقلنا عن الحسن إنه قال إنهم كانوا على اليهودية، وعن ابن عباس أن الجن ما سمعت أمر عيسى فلذلك قالوا من بعد موسى، ثم إن الجن لما وصفوا القرآن بهذه الصفات الفاضلة قالوا: ﴿ ياقومنا أَجِيبُواْ دَاعِيَ الله ﴾ واختلفوا في أنه هل المراد بداعي الله الرسول أو الواسطة التي تبلغ عنه؟

والأقرب أنه هو الرسول لأنه هو الذي يطلق عليه هذا الوصف.

واعلم أن قوله: ﴿ أَجِيبُواْ دَاعِيَ الله ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجن كما كان مبعوثاً إلى الإنس قال مقاتل، ولم يبعث الله نبياً إلى الإنس والجن قبله.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ أَجِيبُواْ دَاعِيَ الله ﴾ أمر بإجابته في كل ما أمر به، فيدخل فيه الأمر بالإيمان إلا أنه أعاد ذكر الإيمان على التعيين، لأجل أنه أهم الأقسام وأشرفها، وقد جرت عادة القرآن بأنه يذكر اللفظ العام، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه كقوله: ﴿ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ  ﴾ ولما أمر بالإيمان به ذكر فائدة ذلك الإيمان وهي قوله: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال بعضهم كلمة ﴿ مِنْ ﴾ هاهنا زائدة والتقدير: يغفر لكم ذنوبكم، وقيل بل الفائدة فيه أن كلمة ﴿ مِنْ ﴾ هاهنا لابتداء الغاية، فكان المعنى أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب، ثم ينتهي إلى غفران ما صدر عنكم من ترك الأولى والأكمل.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟

فقيل لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، ثم يقال لهم كونوا تراباً مثل البهائم، واحتجوا على صحة هذا المذهب بقوله تعالى: ﴿ وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ وهو قول أبي حنيفة، والصحيح أنهم في حكم بني آدم فيستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وهذا القول قول ابن أبي ليلى ومالك، وجرت بينه وبين أبي حنيفة في هذا الباب مناظرة، قال الضحاك يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، والدليل على صحة هذا القول أن كل دليل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق الجن، والفرق بين البابين بعيد جداً.

واعلم أن ذلك الجني لما أمر قومه بإجابة الرسول والإيمان به حذرهم من تلك الإجابة فقال: ﴿ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرض ﴾ أي لا ينجي منه مهرب ولا يسبق قضاءه سابق، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ الله فِي الأرض وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً  ﴾ ولا نجد له أيضاً ولياً ولا نصيراً، ولا دافعاً من دون الله ثم بيّن أنهم في ضلال مبين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

«وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى صرط مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين» ﴿ صرفنا إليك نفرا ﴾ أملناهم إليك وأقبلنا بهم نحوك.

وقرئ: صرفنا بالتشديد لأنهم جماعة.

والنفر: دون العشرة.

ويجمع أنفارا.

وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا ﴿ فلما حضروه ﴾ الضمير للقرآن.

أي: فلما كان بمسمع منهم.

أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتعضده قراءة من قرأ فلما قضى أي أتم قراءته وفرغ منها ﴿ قالوا ﴾ قال بعضهم لبعض ﴿ أنصتوا ﴾ اسكتوا مستمعين.

يقال: أنصت لكذا واسنتصت له.

روى: أن الجن كانت تسترق السمع فلما حرست السماء ورجموا بالشهب قالوا: ما هذا إلا لنبأ حدث فنهض سبعة نفر أو تسعة من أشراف جن نصيبين أو نينوى: منهم زوبعة فضربوا حتى بلغوا تهامة ثم اندفعوا إلى وادي نخلة فوافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم في جوف الليل يصلي أو في صلاة الفجر فاستمعوا لقراءته وذلك عند منصرفه من الطائف حين خرج إليهم يستنصرهم فلم يجيبوه إلى طلبته وأغروا به سفهاء ثقيف.

وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم وإنما كان يتلو في صلاته فمروا به فوقفوا مستمعين وهو لا يشعر فأنبأه الله باستماعهم.

وقيل: بل أمر الله رسوله أن ينذر الجن ويقرأ عليهم فصرف إليه نفرا منهم جمعهم له فقال: إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فمن يتبعني: قالها ثلاثا فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لم يحضره ليلة الجن أحد غيري فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة في شعب الحجون فخط لي خطا وقال: لا تخرج منه حتى أعود إليك ثم افتتح القرآن وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ثم انقطعوا كقطع السحاب فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت شيئا؟

قلت: نعم رجالا سودا مستثفري ثياب بيض فقال: اولئك جن نصيبين وكانوا اثنى عشر ألفاً والسورة التي قرأها عليهم ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ ﴾ [العلق 1] فإن قلت كيف قالوا مِن بَعْدِ مُوسَى قلت عن عطاء رضي الله عنه أنهم كانوا على اليهودية وعن ابن عباس رضي الله عنهما إنّ الجنّ لم تكن سمعت بأمر عيسى عليه السلام فلذلك قالت مِن بَعْدِ مُوسَى فإن قلت لم بعَّض في قوله مّن ذُنُوبِكُمْ قلت لأن من الذنوب مالا يغفر بالإيمان كذنوب المظالم ونحوها ونحوه قوله عزّ وجل: ﴿ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ [نوح 34] فإن قلت هل للجن ثواب كما للإنس قلت اختلف فيه فقيل لا ثواب لهم إلا النجاة من النار لقوله تعالى وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وإليه كان يذهب أبو حنيفة رحمه الله والصحيح أنهم في حكم بني آدم لأنهم مكلفون مثلهم فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الاْرْضَ أي لا ينجي منه مهرب ولا يسبق قضاءه سابق ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الاْرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً ﴾ [الجن 12].

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ ﴾ أمَلْناهم إلَيْكَ والنَّفَرُ دُونَ العَشَرَةِ وجَمْعُهُ أنْفارٌ.

﴿ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ ﴾ حالٌ مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى.

﴿ فَلَمّا حَضَرُوهُ ﴾ أيِ القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ.

﴿ قالُوا أنْصِتُوا ﴾ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْكُتُوا لِنَسْمَعَهُ.

﴿ فَلَمّا قُضِيَ ﴾ أُتِمَّ وفُرِغَ مِن قِراءَتِهِ، وقُرِئَ عَلى بِناءِ الفاعِلِ وهو ضَمِيرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ أيْ مُنْذِرِينَ إيّاهم بِما سَمِعُوا.

رُوِيَ أنَّهم وافَوْا رَسُولَ اللَّهِ  بِوادِي النَّخْلَةِ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنَ الطّائِفِ يَقْرَأُ في تَهَجُّدِهِ.

قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى قِيلَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَهُودًا أوْ ما سَمِعُوا بِأمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ ﴾ مِنَ العَقائِدِ.

﴿ وَإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذ صرفنا إليك نفرا} أملنا هم اليك واقبلنا بهم نحوك والنفر دون العشرة {من الجن} جن نصيبين {يستمعون القرآن} منه عليه الصلاة والسلام {فلما حضروه} اى الرسول صلى الله عليه وسلم أو القرآن أي كانوا منه بحيث يسمعون {قَالُواْ} أي قال بعضهم لبعض {أَنصِتُواْ} اسكتوا مستمعين رُوي أن الجن كانت تسترق السمع فلما حرست السماء ورجموا بالشهب قالوا ما هذا إلا لنبأ حدث فنهض سبعة نفر أو تسعة من أشراف جن

نصيبين أو نينوى منهم زويعة فضربوا حتى بلغوا تهامة ثم اندفعوا إلى وادى نخلة فوافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم في جوف الليل يصلي أو في صلاة الفجر فاستمعوا لقراءته وعن سعيد بن جبير ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم وإنما كان يتلو في صلاته فمروا به فوقفوا مستمعين وهو لا يشعر فأنبأه الله باستماعهم وقيل بل الله أمر رسوله أن ينذر الجن ويقرأ عليهم فصرف إليه نفراً منهم فقال إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فمن يتبعني قالها ثلاثاً فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال لم يحضره ليلة الجن أحد غيري فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة في شعب الحجون فخط لي خطاً وقال لا تخرج منه حتى اعود اليك ثم افتتح القرآن وسمعت لعطا شديدا فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت شيئاً قلت نعم رجالاً سوداً فقال اولئك جن نصيبين وكانوا اثنى عشر الفا والسورة التى قرأها عليهم اقرأ باسم ربك

{فلما قضى} اى فرغ النبى صلى الله عليه وسلم من القراءة {ولوا إلى قومهم منذرين} اياهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ ﴾ أيْ أمَّلْناهم إلَيْكَ ووَجَّهْناهم لَكَ، والنَّفَرُ عَلى المَشْهُورِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ مِنَ الرِّجالِ لِأنَّهُ مِنَ النَّفِيرِ والرِّجالُ هُمُ الَّذِينَ إذا حَزَبَهم أمْرٌ نَفَرُوا لِكِفايَتِهِ، والحَقُّ أنَّ هَذا بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلى ما فَوْقَ العَشْرَةِ في الفَصِيحِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ جَمْعٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وفي المُجْمَلِ الرَّهْطُ والنَّفَرُ يُسْتَعْمَلُ إلى الأرْبَعِينَ، وفي كَلامِ الشَّعْبِيِّ حَدَّثَنِي بِضْعَةَ عَشَرَ نَفَرًا، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَفْسِيرُهُ هُنا بِما زادَ عَلى العَشْرَةِ ولا يَخْتَصُّ بِالرِّجالِ، والأخْذُ مِنَ النَّفِيرِ لا يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ بِهِمْ بَلْ ولا بِالنّاسِ لِإطْلاقِهِ عَلى الجِنِّ هُنا.

والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ ( نَفَرًا ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنهُ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ أوْ صِفَةٌ لَهُ أُخْرى وضَمِيرُ الجَمْعِ لِأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ فَهو في المَعْنى جَمْعٌ، ولِذا قُرِئَ (( صَرَّفْنا)) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ، ( وإذْ ) مَعْمُولَةٌ لِمُقَدَّرٍ لا عَطْفٌ عَلى ﴿ أخا عادٍ ﴾ أيْ واذْكُرْ لِقَوْمِكَ وقْتَ صَرْفَنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ مُقَدِّرًا اسْتِماعَهُمُ القُرْآنَ لَعَلَّهم يَتَنَبَّهُونَ لِجَهْلِهِمْ وغَلَطِهِمْ وقُبْحِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِالقُرْآنِ والإعْراضِ عَنْهُ حَيْثُ إنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَهِلُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وهم أهْلُ اللِّسانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ومِن جِنْسِ الرَّسُولِ الَّذِي جاءَ بِهِ وأُولَئِكَ اسْتَمَعُوهُ وعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِهِ تَعالى وآمَنُوا بِهِ ولَيْسُوا مِن أهْلِ لِسانِهِ ولا مِن جِنْسِ رَسُولِهِ فَفي ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ تَوْبِيخٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبٍ، ووُقُوعُها إثْرَ قِصَّةِ هُودٍ وقَوْمِهِ وإهْلاكِ مَن أُهْلِكَ مِن أهْلِ القُرى لِأنَّ أُولَئِكَ كانُوا ذَوِي شِدَّةٍ وقُوَّةٍ كَما حُكِيَ عَنْهم في غَيْرِ آيَةٍ والجِنُّ تُوصَفُ بِذَلِكَ أيْضًا كَما قالَ تَعالى: ﴿ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنَ مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ ﴾ ووَصْفُهم بِذَلِكَ مَعْرُوفٌ بَيْنَ العَرَبِ فَناسَبَتْ ما قَبْلَها لِذَلِكَ مَعَ ما قِيلَ أنَّ قِصَّةَ عادٍ مُتَضَمِّنَةٌ ذِكْرَ الرِّيحِ وهَذِهِ مُتَضَمِّنَةٌ ذِكْرَ الجِنِّ وكِلاهُما مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ، وسَيَأْتِي الكَلامُ في حَقِيقَتِهِمْ.

﴿ فَلَمّا حَضَرُوهُ ﴾ أيِ القُرْآنَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ، وهو الظّاهِرُ وإنْ كانَ فِيهِ تَجَوُّزٌ، وقِيلَ: الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ لَهُ فَفِيهِ التِفاتٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ وذلك، أن النبيّ  لما بعث، خرت الأصنام على وجوهها في تلك الليلة.

فصاح إبليس صيحة، فاجتمع إليه جنوده، فقال لهم: قد عرض أمر عظيم، امضوا فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها.

يعني: امشوا وانظروا ماذا حدث من الأمر.

وروى ابن عباس: أنه لما بعث النبي  حيل بين الشياطين وبين السماء، وأرسل عليهم الشهب، فجاؤوا إلى إبليس، فأخبروه بذلك، قال: هذا الأمر حادث، اضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فجاء نفر منهم، فوجدوا النبيّ  يصلي تحت نخلة في سوق عكاظ، ومعه ابن مسعود وأصحابه، وكان يقرأ سورة طه في الصلاة.

وروى وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن رجل، عن زر بن حبيش، في قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ قال: كانوا تسعة أحدهم: زوبعة أتوه ببطن نخلة يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا وروى عكرمة، عن الزبير قال: كان النبيّ  يقرأ في العشاء الأخيرة، فلما حضروا النبيّ  ، قال بعضهم، لبعض أنصتوا للقرآن واستمعوا فَلَمَّا قُضِيَ يعني: فرغ النبيّ  من القراءة والصلاة وَلَّوْا يعني: رجعوا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قال مقاتل: يعني: المؤمنين.

وقال الكلبي: يعني: مخوفين.

وقال مجاهد: ليس في الجن رسل، وإنما الرسل في الإنس، والنذارة في الجن.

ثم قرأ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ يعني: أنذروا قومهم من الجن قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا من محمد  كِتاباً يعني: قراءة القرآن أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى يعني: أنزل على النبي  مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: موافقاً لما قبله من الكتب يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ يعني: يدعو إلى توحيد الله تعالى من الشرك، كما هو في سائر الكتب وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ لا عوج فيه، يعني: دين الله تعالى، وهو الإسلام يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ يعني: النبيّ  وَآمِنُوا بِهِ يعني: صدقوا به وبكتابه يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ومن صلة في الكلام.

يعني: يغفر لكم ذنوبكم إن صدقتم.

وآمنتم وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ يعني: يؤمنكم من عذاب النار وَمَنْ لاَّ يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ يعني: من لم يجب رسول الله  ، بما يدعو إليه من الإيمان فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ يعني: لا يستطيع أن يهرب في الأرض، من عذاب الله تعالى.

ويقال: معناه فلن يجد الله عاجزاً عن طلبه وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ يعني: ليس له أنصار يمنعونه، مما نزل به من العذاب أُولئِكَ فِي ضَلالٍ يعني: في خطأ مُبِينٍ وذكر في الخبر، أنهم لما أنذرهم وخوفهم، جاء جماعة منهم إلى النبيّ  بمكة، فلقيهم بالبطحاء فقرأ عليهم القرآن، فأمرهم ونهاهم، وكان معه عبد الله بن مسعود، وَخَطَّ لَهُ النبيّ  خطاً، وقال له: «لاَ تَخْرُجْ مِنْ هَذَا الخَطِّ، فَإِنَّكَ إنْ خَرَجْتَ لَنْ تَرَانِي إلَى يَوْمِ القِيَامَة، فلما رجع إليه قال: يا نبي الله سمعت هَدَّتين أي: صوتين فقال النبيّ  : أمَّا إِحْدَاهُمَا: فَإنِّي سَلَّمْتُ عَليْهِمْ فَرَدُّوا عَلَيَّ السَّلاَم، وأمّا الثَّانِيَة: فَإِنَّهُمْ سَأَلُوا الرِّزْقَ فَأَعْطَيْتُهُمْ عَظْماً رِزْقاً لهم، وَأَعْطَيْتَهُم رَوْثاً رِزْقاً لِدَوَابِّهِمْ» .

ثم قال تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا يعني: أولم يعتبروا ويتفكروا.

ويقال: أو لم يخبروا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ يعني: لم يعجز عن خلق السموات والأرض، فكيف يعجز عن بعث الموتى.

ويقال: وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ يعني: لم يعيه خلقهن، ولم يعى بخلقهن بقادر عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى لأنهم كانوا مقرين بأن الله، هو الذي خلق السموات والأرض، وكانوا منكرين للبعث بعد مماتهم، فأخبرهم الله تعالى، بأن الذي كان قادراً على خلق السموات والأرض، يكون قادراً على إحيائهم بعد الموت.

ثم قال بَلى يعني: هو قادر على البعث إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الإحياء والبعث.

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ يعني: يكشف الغطاء عنها.

ويقال: يساق الذين كفروا إلى النار.

ويقال لهم: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ يعني: أليس هذا العذاب الذي ترون حقاً، وكنتم تكذبون به قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنه الحق، وَرَبّنَا هو الله.

ويقال: والله إنه لحق، فيقرون حين لا ينفعهم إقرارهم.

قال: فيقال لهم: قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي: تجحدون فَاصْبِرْ يا محمد، يعني: اصبر على أذى أهل مكة، وتكذيبهم.

كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ يعني: أولو الحزم، وهو أن يصبر في الأمور، ويثبت عليها، وذلك أن النبيّ  ، أراد أن يدعو عليهم، فأمره الله تعالى بالصبر، كما صبر نوح، وكما صبر إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب ويوسف وغيرهم من الأنبياء، صلوات الله عليهم أجمعين.

وقال السدي: أولو العزم، الذين أمروا بالقتال من الرسل.

وقال أبو العالية: أولو العزم من الرسل، كانوا ثلاثة والنبي  رابعهم، إبراهيم وهود ونوح، فأمره الله تعالى أن يصبر كما صبروا.

وقال مقاتل: أولو العزم من الرسل اثني عشر نبياً في بيت المقدس، فأوحى الله إليهم ثلاث مرات، أن اخرجوا من بين أقوامكم، فلم يخرجوا.

فقال الله تعالى: يمضي العذاب عليكم مع قومكم فتشاوروا فاختاروا هلاك أنفسهم بينهم وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ يعني: لا تستعجل لهم بالعذاب كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ يعني: العذاب قد أتاهم من قريب في الآخرة، فلقربه كأنهم يرونه في الحال.

ويقال: في الآية تقديم وتأخير، كأنهم لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً في الدنيا يعني: إذا أتاهم ذلك اليوم، يرون أنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا القليل.

فذلك قوله: لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ يعني: من نهار الدنيا.

ويقال: يعني: في القبور.

وقال أبو العالية: معناه كأنهم يرون، حين يظنون أنهم لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً من نهار.

ثم قال بَلاغٌ يعني: ذلك بلاغ وبلغه وأجل، فإذا بلغوا أجلهم ذلك فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ يعني: هل يهلك في العذاب، إذا جاء العذاب إلا القوم العاصون.

ويقال: معناه لا يهلك مع رحمة الله وفضله، إلا القوم الفاسقون.

ويقال: بلاغ يعني: هذا الذي ذكر بلاغ.

أي: تمام العظة.

ويقال: هو من الإبلاغ، أي: هذا إرسال وبيان لهم كقوله هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تُهْلِكُ، و «والدمار» : الهلاك، وقوله: كُلَّ شَيْءٍ ظاهره العموم، ومعناه الخُصُوصُ في كُلِّ ما أُمِرَتْ بتدميره، وروي أَنَّ هذه الريح رمتهم أجمعين في البَحْرِ.

ثم خاطب جلَّ وعلا قريشاً على جهة الموعظة بقوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ فَ «مَا» بمعنى «الذي» ، و «إن» نافية وقعتْ مكان «مَا» لمختلف اللفظ، ومعنى الآية:

ولقد أعطيناهُمْ من القُوَّةِ والغنى والبَسْطِ في الأموال والأجسامِ- ما لم نُعْطِكُمْ، ونالهم بسَبَبِ كُفْرِهِمْ هذا العَذَابُ فأنتم أحرى بذلك إذا تماديتم في كفركم، وقالت فرقة: «إنْ» شرطية، والجواب محذوف، تقديره: في الذي إنْ مَكَّنَّاكم فيه طغيتم، وهذا تَنَطُّعٌ في التأويل، و «ما» نافية في قوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ ويقوِّي ذلك دخولُ «مِنْ» في قوله:

مِنْ شَيْءٍ، وقالت فرقةٌ: بل هي استفهام على جهة التقرير ومِنْ شَيْءٍ- على هذا- تأكيدٌ وهذا على غير مذهب سيبَوَيْهِ في دخول «مِنْ» في الجواب.

وقوله عز وجل: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى ...

الآية، مخاطبة لقريشٍ على جهة التمثيلِ وَصَرَّفْنَا الْآياتِ يعني: لهذه القرى.

وقوله سبحانه: فَلَوْلا نَصَرَهُمُ ...

الآية، يعني: فهلا نَصَرَتْهُمْ أصنامُهُمْ، بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ أي: انتلفوا عنهم وقت/ الحاجة وَذلِكَ إِفْكُهُمْ إشارةٌ إلى قولهم في الأصنامِ: إنها آلهةٌ.

وقوله: وَما كانُوا يَفْتَرُونَ يحتمل أَنْ تكون «ما» مصدريةً، فلا تحتاج إلى عائد، ويحتمل أَنْ تكون بمعنى «الذي» فهناك عائد محذوف، تقديره: يفترونه.

وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لاَّ يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)

وقوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ ...

الآية، ابتداءُ وَصْفِ قِصَّةِ الجِنِّ ووفادتهم على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد اختلفت الرُّوَاةُ هِنَا: هَلْ هذا الجِنُّ هُمُ الوَفْدُ أوِ

المُتَجَسِّسُونَ؟

واختلفتِ الرواياتُ أيضاً عنِ ابنِ مَسْعُودٍ وغيرهِ في هذا الباب.

والتحرير في هذا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جاءه نَفَرٌ من الجِنِّ دون أَنْ يَشْعُرَ بهم، وهم المتجسِّسون المتفرِّقون من أَجْلِ رَجْمِ الشُّهُبِ الذي حَلَّ «١» بِهِمْ، وهؤلاءِ هُمُ المرادُ بقوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ ...

[الجن: ١] الآية، ثم بعد ذلك وفد عليه وَفْدُهُمْ حَسْبَمَا وَرَدَ في ذلك من الآثار «٢» .

وقوله: نَفَراً يقتضي أَنَّ المصروفين كانوا رجالاً لا أنثى فيهم، والنَّفَرُ والرَّهْطُ هم:

القوم الذين لا أنثى فيهم.

وقوله تعالى: فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فيه تَأَدُّبٌ مع العلم، وتعليم كيف يُتَعَلَّمُ فَلَمَّا قُضِيَ أي: فرغ من تلاوة القرآنِ واستماع الجن، قال جابر بن عبد الله وغيره: إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم لمّا قرأ عليهم سورة «الرحمن» فكان إذَا قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن: ١٣] قالوا: لا بشَيْءٍ مِنْ آلائك نُكَذِّبُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، ولَمَّا وَلَّتْ هذه الجملةُ تفرَّقَتْ/ على البلاد مُنْذِرَةً لِلْجِنِّ، وقولهم: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً يَعْنُونَ: القرآن.

ت: وقولهم: مِنْ بَعْدِ مُوسى يحتمل أَنَّهُمْ لم يعلموا بِعِيسَى قاله ابن عباس «٣» ، أوْ أَنَّهم على دِينِ اليهودِ، قاله عطاء «٤» نقل هذا الثعلبيّ، ويحتمل ما تقدّم ذكره

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ ﴾ وبَخَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ كَفّارَ قُرَيْشٍ بِما آمَنَتْ بِهِ الجِنُّ.

وفي سَبَبِ صَرْفِهِمْ إلى النَّبِيِّ  ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم صُرِفُوا إلَيْهِ بِسَبَبِ ما حَدَثَ مِن رَجْمِهِمْ بِالشُّهُبِ.

رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ  في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ، فَقالُوا: ما لَكُمْ؟

قالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا: ما ذاكَ إلّا مِن شَيْءٍ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها فانْظُرُوا ما هَذا الأمْرُ، فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ بِالنَّبِيِّ  وهو بِـ "نَخْلَةَ" وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ تَسَمَّعُوا لَهُ، فَقالُوا: هَذا الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُنالِكَ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ ﴿ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا ﴾ ﴿ يَهْدِي إلى الرُّشْدِ  ﴾ .

فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﴿ قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ ﴾ » [الجِنِّ: ١] .

ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ  عَلى الجِنِّ، ولا رَآهُمْ، وإنَّما أتَوْهُ وهو بِـ "نَخْلَةَ" فَسَمِعُوا القُرْآنَ.» والثّانِي: أنَّهم صُرِفُوا إلَيْهِ لِيُنْذِرَهُمْ، وأُمِرَ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، هَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ، مِنهم قَتادَةُ.

وفي أفْرادِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَلْقَمَةَ قالَ: «قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ: مَن كانَ مِنكم مَعَ النَّبِيِّ  لَيْلَةَ الجِنِّ؟

فَقالَ: ما كانَ مِنّا مَعَهُ أحَدٌ، فَقَدْناهُ ذاتَ لَيْلَةٍ ونَحْنُ بِمَكَّةَ، فَقُلْنا: اِغْتِيلَ رَسُولُ اللَّهِ  أوِ اسْتُطِيرَ، فانْطَلَقْنا نَطْلُبُهُ في الشِّعابِ، فَلَقِيناهُ مُقْبِلًا مِن نَحْوِ حِراءَ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْنَ كُنْتَ؟

لَقَدْ أشْفَقْنا عَلَيْكَ، وقُلْنا لَهُ: بِتْنا اللَّيْلَةَ بِشَّرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ حِينَ فَقَدْناكَ، فَقالَ: "إنَّهُ أتانِي داعِي الجِنِّ، فَذَهَبْتُ أُقْرِئُهُمُ القُرْآنَ"، فَذَهَبَ بِنا، فَأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانِهِمْ.

وقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: "إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ، فَأيُّكم يَتْبَعُنِي؟" فَأطْرَقُوا، ثُمَّ اسْتَتْبَعَهم فَأطْرَقُوا، ثُمَّ اسْتَتْبَعَهُمُ الثّالِثَةَ فَأطْرَقُوا، فَأتْبَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَدَخَلَ نَبِيُّ اللَّهِ  شِعْبًا يُقالُ لَهُ: "شِعْبُ الحَجُونِ"، وخَطَّ عَلى عَبْدِ اللَّهِ خَطًّا لِيُثْبِتَهُ بِهِ، قالَ: فَسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا حَتّى خِفْتُ عَلى نَبِيِّ اللَّهِ  ، فَلَمّا رَجَعَ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، ما اللَّغَطُ الَّذِي سَمِعْتُ؟

قالَ: "اجْتَمَعُوا إلَيَّ في قَتِيلٍ كانَ بَيْنَهُمْ، فَقَضَيْتُ بَيْنَهم بِالحَقِّ"» والثّالِثُ: أنَّهم مَرُّوا بِهِ وهو يَقْرَأُ، فَسَمِعُوا القُرْآنَ.

فَذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لَمّا يَئِسَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ يُجِيبُوهُ، خَرَجَ إلى الطّائِفِ لِيَدْعُوَهم إلى الإسْلامِ- وقِيلَ: لِيَلْتَمِسَ نَصْرَهُمْ- وذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أبِي طالِبٍ، فَلَمّا كانَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ قامَ يَقْرَأُ القُرْآنَ في صَلاةِ الفَجْرِ، فَمَرَّ بِهِ نَفَرٌ مِن أشْرافِ جِنِّ نَصِيبِينَ، فاسْتَمَعُوا القُرْآنَ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ والقَوْلِ الأوَّلِ، لَمْ يَعْلَمْ بِحُضُورِهِمْ حَتّى أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى؛ وعَلى القَوْلِ الثّانِي، عَلِمَ بِهِمْ حِينَ جاءُوا.

وفي المَكانِ الَّذِي سَمِعُوا فِيهِ تِلاوَةَ النَّبِيِّ  قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الحَجُونَ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّانِي: بَطْنُ نَخْلَةَ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

وَأمّا النَّفَرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: إنَّ النَّفَرَ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في عَدَدِ هَؤُلاءِ النَّفَرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا سَبْعَةً، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، ومُجاهِدٌ، ورَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تِسْعَةً، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ النَّفَرَ لا يُطْلَقُ عَلى الكَثِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا حَضَرُوهُ ﴾ أيْ: حَضَرُوا اسْتِماعَهُ، و ﴿ قُضِيَ ﴾ يَعْنِي: فَرَغَ مِن تِلاوَتِهِ ﴿ وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ أيْ: مُحَذِّرِينَ عَذابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.

وَهَلْ أنْذَرُوا قَوْمَهم مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، أمْ جَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

قالَ عَطاءٌ: كانَ دِينُ أُولَئِكَ الجِنِّ اليَهُودِيَّةَ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿ مِن بَعْدِ مُوسى ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا  .

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أُرْسِلَ إلى الجِنِّ والإنْسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ "مِن" هاهُنا صِلَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ﴾ أيْ: لا يُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى ﴿ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ ﴾ أيْ: أنْصارٌ يَمْنَعُونَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لا يُجِيبُونَ الرُّسُلَ في ضَلالٍ مُبِينٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عنهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى ﴾ مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ لَهم بِمَأْرِبٍ وسَدُومَ وحِجْرِ ثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَرَّفْنا الآياتِ ﴾ يَعْنِي لِهَذِهِ القُرى المُهْلِكَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا ﴾ الآيَةُ،:يَعْنِي هَلّا نَصَرَتْهم أصْنامُهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوها.

و ﴿ "قُرْبانًا" ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي بِـ "اتَّخَذُوا" و"آلِهَةً" بَدَلٌ مِنهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ حالًا.

و"آلِهَةً" المَفْعُولُ الثانِي، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو الضَمِيرُ العائِدُ عَلى: ﴿ "الَّذِينَ اتَّخَذُوا"، ﴾ والتَقْدِيرُ: اتَّخَذُوهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ ضَلُّوا عنهُمْ ﴾ مَعْناهُ: أتْلَفُوا لَهم حَتّى لَمْ يَجِدُوهم في وقْتِ حاجَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَذَلِكَ" تَخْتَلِفُ الإشارَةُ بِهِ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القِراءاتِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "إفْكُهُمْ"، ﴾ فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ، فالإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى قَوْلِهِمْ في الأصْنامِ: إنَّها آلِهَةٌ، وذَلِكَ هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وكَذَلِكَ هي الإشارَةُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أفْكُهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ في الإفْكِ، وهُما بِمَعْنى الكَذِبِ، وكَذَلِكَ هي الإشارَةُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أفْكُهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ والكافِ عَلى الفِعْلِ الماضِي، بِمَعْنى: صَرَفَهُمْ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبِي عِياضٍ، وعِكْرِمَةَ، وحَنْظَلَةَ بْنِ النُعْمانِ، وقَرَأ أبُو عِياضٍ أيْضًا، وعِكْرِمَةُ -فِيما حَكى الثَعْلَبِيُّ -: "أفَّكَهُمْ" بِشَدِّ الفاءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ والكافِ، وذَلِكَ عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالتَضْعِيفِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ: "آفَكَهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ، وفَتْحِ الفاءِ والكافِ عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، قالَ الزَجّاجُ: جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، كَما يُقالُ: أُكَفِّرُهُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رَوى قُطْرُبٌ: "آفَكَهُمْ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَمْدُودَةٍ وفاءٍ مَكْسُورَةٍ، وكافٍ مَضْمُومَةٍ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، بِمَعْنى: صارَفَهُمْ، وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يَقْرَأُ: "أفَكَهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ في "الإفْكِ"، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" عَلى هَذِهِ القِراءاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مَصْدَرًا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى الأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً فَلا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي" فَهُناكَ عائِدٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَفْتَرُونَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ ﴾ ابْتِداءُ قِصَّةِ الجِنِّ ووَفادَتُهم عَلى النَبِيِّ  .

و"صَرَفْنا" مَعْناهُ: رَدَدْناهم عن حالٍ ما، ويُحْتَمَلُ أنَّها الِاسْتِماعُ في السَماءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُفْرَهم قَبْلَ الوِفادَةِ، وذَلِكَ بِحَسَبِ الِاخْتِلافِ هُنا، هَلْ هُمُ الوَفْدُ أوِ المُتَجَسِّسُونَ؟

ورُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ  تَسْتَرِقُ السَمْعَ مِنَ السَماءِ، فَلَمّا بُعِثَ النَبِيُّ  حُرِسَتْ بِالشُهُبِ الراجِمَةِ، فَضاقَتِ الجِنُّ ذَرْعًا بِذَلِكَ، وأتى رَأْيُ مَلَئِهِمْ عَلى الِافْتِراقِ في أقْطارِ الأرْضِ وطَلَبِ السَبَبِ المُوجِبِ لِهَذا الرَجْمِ والمَنعِ مِنِ اسْتِراقِ السَمْعِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ.

واخْتَلَفَ الرُواةُ بَعْدُ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: «جاءَتْ طائِفَةٌ مِنَ الجِنِّ إلى النَبِيِّ  وهو لا يَشْعُرُ، فَسَمِعُوا القُرْآنَ، ووَلُّوا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، ولَمْ يَعْرِفِ النَبِيُّ  بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ حَتّى عَرَّفَهُ اللهُ تَعالى بِذَلِكَ كُلِّهِ، وكانَ سَماعُهم لِقِراءَتِهِ وهو بِنَخْلَةٍ عِنْدَ سُوقِ عُكاظٍ، وهو يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أشْعَرَهُ اللهُ تَعالى بِوِفادَةِ الجِنِّ عَلَيْهِ واسْتَعَدَّ لِذَلِكَ، ووَفَدَ عَلَيْهِ أهْلُ نَصِيبِينَ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَحْرِيرُ في هَذا أنَّ النَبِيَّ  جاءَهُ جِنٌّ دُونَ أنْ يَعْرِفَ بِهِمْ، وهُمُ المُتَفَرِّقُونَ مِن أجْلِ الرَجْمِ، وهَذا هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ  ﴾ الآيَةُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وفَدَ عَلَيْهِ وفْدٌ، وهو المَذْكُورُ صَرْفُهُ في هَذِهِ الآيَةِ.

قالَ قَتادَةُ: صَرَفُوا إلَيْهِ مِن نِينَوى، أشْعُرُ بِهِ قَبْلَ وُرُودِهِ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَشْعُرْ بِهِ، واخْتَلَفَ في عَدَدِهِمُ اخْتِلافًا مُتَباعِدًا فاخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ في ذَلِكَ، أمّا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَقالَ: كانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مَن أهْلِ نَصِيبِينَ، وقالَ زِرُّ: كانُوا تِسْعَةً فِيهِمْ زَوْبَعَةُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أحادِيثٌ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "إنِّي خارِجٌ إلى وفْدِ الجِنِّ، فَمَن شاءَ يَتْبَعُنِي"، فَسَكَتَ أصْحابُهُ، فَقالَها ثانِيَةً، فَسَكَتُوا، فَقالَ عَبْدُ اللهِ: أنا أتْبَعُكَ، قالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتّى جاءَ شِعْبَ الحُجُونَ، فَأدارَ لِي دائِرَةً وقالَ: "لا تَخْرُجُ مِنها"، ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَسَمِعْتُ لَغَطًا ودَوِيًّا كَدَوِيِّ النُسُورِ الكاسِرَةِ، ثُمَّ في آخِرِ اللَيْلِ جاءَ رَسُولُ اللهِ  بَعْدَ أنْ قَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وعَلَّمَهُمْ، وأعْطاهم زادًا في كُلِّ عَظْمٍ ورَوْثَةٍ، فَقالَ: "يا عَبْدَ اللهِ، ما رَأيْتَ؟" قالَ: فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: "لَقَدْ كُنْتُ أخْشى أنْ تَخْرُجَ فَيَخْطَفُكَ بَعْضُهُمْ"، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، سَمِعْتُ لَهم لَغَطًا، فَقالَ: "إنَّهم تَدارَءُوا في قَتِيلٍ لَهُمْ، فَحَكَمْتُ بِالحَقِّ بَيْنَهُمْ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واضْطَرَبَتِ الرِواياتُ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ عنهُ ما ذَكَرْنا.

ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ رَأى رِجالًا مِنَ الجِنِّ وهم شَبَهُ رِجالِ الزُطِّ السُودِ الطِوالِ حِينَ رَآهم بِالكُوفَةِ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: ما شاهَدَ أحَدٌ مِنّا لَيْلَةَ الجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللهِ  ، فاخْتُصِرَتْ هَذِهِ الرِواياتُ وتَطْوِيلُها لِعَدَمِ صِحَّتِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ المَصْرُوفِينَ رِجالًا لا أُنْثى فِيهِمْ، فالنَفَرُ والرَهْطُ والقَوْمُ الَّذِينَ لا أُنْثى فِيهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا ﴾ فِيهِ تَأدُّبٌ مَعَ العِلْمِ وتَعْلِيمٌ كَيْفَ يَتَعَلَّمُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "قُضِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ، وأبُو مَجْلَزٍ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيْ: قَضى مُحَمَّدٌ  القِراءَةَ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: «قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، فَكانَ إذا قالَ: "فَبِأيِ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالُوا: لا شَيْءَ مِن آلائِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ،» ولَمّا ولَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفَرَّقَتْ عَلى البِلادِ مُنْذِرَةً لِلْجِنِّ، قالَ قَتادَةُ: ما أسْرَعَ ما عَقَلَ القَوْمُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهُنالِكَ وقَعَتْ قِصَّةُ سَوادَ وشِصارَ وخَنافَرَ وأشْباهَهم صَلّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ وسَلَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا تأييد للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن سخر الله الجن للإيمان به وبالقرآن فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدّقاً عند الثقلين ومعظَّماً في العالَمَيْن وذلك ما لم يحصل لرسول قبله.

والمقصود من نزول القرآن بخبر الجن توبيخ المشركين بأن الجن وهم من عالم آخر عَلِموا القرآن وأيقنوا بأنه من عند الله والمشركون وهم من عالم الإنس ومن جنس الرسول صلى الله عليه وسلم المبعوث بالقرآن وممن يتكلم بلغة القرآن لم يزالوا في ريب منه وتكذيب وإصرار، فهذا موعظة للمشركين بطريق المضادة لأحوالهم بعد أن جرت موعظتهم بحال مماثليهم في الكفر من جنسهم.

ومناسبة ذكر إيمان الجن ما تقدم من قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ﴾ [الأحقاف: 18].

فالجملة معطوفة على جملة ﴿ واذكر أخا عاد ﴾ [الأحقاف: 21] عطف القصة على القصة ويتعلق قوله هنا ﴿ إذْ صرفنا ﴾ بفعل يدل عليه قوله: ﴿ واذكر أخا عاد ﴾ والتقدير: واذكر إذ صرفنا إليك نفراً من الجن.

وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بذكر هذا للمشركين وإن كانوا لا يصدقونه لتسجيل بلوغ ذلك إليهم لينتفع به من يهتدي ولتكتب تبعته على الذين لا يهتدون.

وليس في هذه الآية ما يقتضي أن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الجن واختلف المفسرون لِهذه الآية في أن الجن حضروا بعلم من النبي صلى الله عليه وسلم أو بدون علمه.

ففي «جامع الترمذي» عن ابن عباس قال: «ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ فلما كانوا بنخْلة، اسم موضع وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر وكان نفر من الجن فيه فلما سمعوا القرآن رجعوا إلى قومهم، فقالوا: إنا سمعنا قرآناً عجباً».

وفي «الصحيح» عن ابن مسعود «افتقدْنا النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وهو بمكة فقلنا ما فَعل به اغتيل أو واستطيرَ فبتنا بشرِّ ليلة حتى إذا أصبحنا إذا نحن به من قِبَل حِراء فقال " أتاني دَاعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن " وأيًّا مَّا كان فهذا الحادث خارق عادة وهو معجزة للنبيء صلى الله عليه وسلم وقد تقدم قوله تعالى: ﴿ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ﴾ في سورة الأنعام (130).

والصرف: البعث.

والنفر: عدد من الناس دون العشرين.

وإطلاقه على الجن لتنزيلهم منزلة الإنس وبيانه بقوله: من الجن}.

وجملة ﴿ يستمعون القرآن ﴾ في موضع الحال من الجن وحيث كانت الحال قيداً لعاملها وهو ﴿ صرفنا ﴾ كان التقدير: يستمعون منك إذا حضروا لديك فصار ذلك مؤديا مؤدَّى المفعول لأجله.

فالمعنى: صرفناهم إليك ليستمعوا القرآن.

وضمير ﴿ حضروه ﴾ عائد إلى القرآن، وتعدية فعل حضروا إلى ضمير القرآن تعدية مجازية لأنهم إنما حضروا قارئ القرآن وهو الرسول صلى الله عليه وسلم و ﴿ أنصتوا ﴾ أمر بتوجيه الأسماع إلى الكلام اهتماماً به لئلا يفوت منه شيء.

وفي حديث جابر بن عبد الله في حجة الوداع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «استنصت الناس»، أي قبل أن يبدأ في خطبته.

وفي الحديث: " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنْصِت والإمام يخطب فقد لغوت "، أي قالوا كلُّهم: أنصتوا، كل واحد يقولها للبقية حرصاً على الوعي فنطق بها جميعهم.

و ﴿ قُضِي ﴾ مِبني للنائب.

والضمير للقرآن بتقدير مضاف، أي قضيت قراءته، أي انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من القراءة حين حضروا وبانتهائه من القراءة تمّ مراد الله من صرف الجن ليستمعوا القرآن ف (ولَّوا)، أي انصرفوا من مكان الاستماع ورجعوا إلى حيث يكون جنسهم وهو المعبر عنه ب ﴿ قومهم ﴾ على طريقة المجاز، نزل منزلة الإنس لأجل هذه الحالة الشبيهة بحالة الناس، فإطلاق القوم على أمة الجن نظير إطلاق النفر على الفريق من الجن المصروف إلى سماع القرآن.

والمنذر: المخبر بخبر مخيف.

ومعنى ﴿ ولوا إلى قومهم منذرين ﴾ رجعوا إلى بني جنسهم بعد أن كانوا في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم يتسمعون القرآن فأبلغوهم ما سمعوا من القرآن مما فيه التخويف من بأس الله تعالى لمن لا يؤمن بالقرآن.

والتبشير لمن عمِل بما جاء به القرآن.

ولا شك أن الله يسّر لهم حضورهم لقراءة سورة جامعة لما جاء به القرآن كفاتحة الكتاب وسورة الإخلاص.

وجملة ﴿ قالوا يا قومنا ﴾ إلى آخرها مبينة لقوله: ﴿ منذرين ﴾ .

وحكاية تخاطب الجن بهذا الكلام الذي هو من كلام عربي حكاية بالمعنى إذ لا يعرف أن للجن معرفة بكلام الإنس، وكذلك فعل ﴿ قالوا ﴾ مجاز عن الإفادة، أي أفادوا جنسهم بما فهموا منه بطرق الاستفادة عندهم معانيَ ما حكي بالقول في هذه الآية كما في قوله تعالى: ﴿ قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم ﴾ [النمل: 18].

وابتدأوا إفادتهم بأنهم سمعوا كتاباً تمهيداً للغرض من الموعظة بذكر الكتاب ووصفه ليستشرفَ المخاطبون لما بعد ذلك.

ووصْف الكتاب بأنه ﴿ أنزل من بعد موسى ﴾ دون: أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن «التوراة» آخر كتاب من كتب الشرائع نزل قبل القرآن، وأما ما جاء بعده فكتب مكملة للتوراة ومبينة لها مثل «زبور داود» و«إنجيل عيسى»، فكأنه لم ينزل شيء جديد بعد «التوراة» فلما نَزل القرآن جاء بهدي مستقل غير مقصود منه بيان التوراة ولكنه مصدق للتوراة وهادٍ إلى أزيد مما هدت إليه «التوراة».

و ﴿ ما بين يديه ﴾ : ما سبقه من الأديان الحق.

ومعنى ﴿ يهدي إلى الحق ﴾ : يهدي إلى الاعتقاد الحق ضد الباطل من التوحيد وما يجب لله تعالى من الصفات وما يستحيل وصفه به.

والمراد بالطريق المستقيم: ما يسلك من الأعمال والمعاملة.

وما يترتب على ذلك من الجزاء، شبه ذلك بالطريق المستقيم الذي لا يضل سالكه عن القصد من سيره.

ويجوز أن يراد ب ﴿ الحق ﴾ ما يشمل الاعتقاد والأعمال الصالحة ويراد بالطريق المستقيم الدلائل الدالة على الحق وتزييف الباطل فإنها كالصراط المستقيم في إبلاغ متبعها إلى معرفة الحق.

وإعادتهم نداءَ قومهم للاهتمام بما بعد النداء وهو ﴿ أجيبوا داعي الله ﴾ إلى آخره لأنه المقصود من توجيه الخطاب إلى قومهم وليس المقصود إعلام قومهم بما لقوا من عجيب الحوادث وإنما كان ذلك توطئة لهذا، ولأن اختلاف الأغراض وتجدّد الغرض مما يقتضي إعادة مثل هذا النداء كما يعيد الخطيب قوله: «أيها الناس» كما وقع في خطبة حجة الوداع.

واستعير ﴿ أجيبوا ﴾ لمعنى: اعملوا وتقلدوا تشبيهاً للعمل بما في كلام المتكلم بإجابة نداء المنادي كما في الآية: ﴿ إلا أن دعوتُكم فاستَجَبْتُم لي ﴾ [إبراهيم: 22] أي إلا أن أمرتكم فأطعتموني لأن قومهم لم يدعهم داع إلى شيء، أي أطيعوا ما طلب منكم أن تعملوه.

وداعي الله يجوز أن يكون القرآن لأنه سبق في قولهم: ﴿ إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى ﴾ .

وأطلق على القرآن ﴿ داعي الله ﴾ مجازاً لأنه يشتمل على طلب الاهتداء بهدي الله، فشبه ذلك بدعاء إلى الله واشتق منه وصف للقرآن بأنه ﴿ داعي الله ﴾ على طريقة التّبعيّة وهي تابعة لاستعارة الإجابة لمعنى العمل.

ويجوز أن يكون ﴿ داعي الله ﴾ محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه يدعو إلى الله بالقرآن.

وعطف ﴿ وآمنوا به ﴾ على ﴿ أجيبوا داعي الله ﴾ عطف خاص على عام.

وضمير ﴿ به ﴾ عائد إلى ﴿ الله ﴾ ، أي وآمنوا بالله، وهو المناسب لتناسق الضمائر مع ﴿ يغفر لكم ﴾ و ﴿ يُجرْكم من عذاب أليم ﴾ أو عائد إلى داعي الله، أي آمنوا بما فيه أو آمنوا بما جاء به، وعلى الاحتمالين الأخيرين يقتضي أن هؤلاء الجن مأمورون بالإسلام.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ من ذنوبكم ﴾ الأظهر أنها للتعليل فتتعلق بفعل ﴿ أجيبوا ﴾ باعتبار أنه مجاب بفعل ﴿ يغفر ﴾ ، ويجوز أن تكون تبعيضية، أي يغفر لكم بعض ذنوبكم فيكون ذلك احترازاً في الوعد لأنهم لم يتحققوا تفصيل ما يغفر من الذنوب وما لا يغفر إذ كانوا قد سمعوا بعض القرآن ولم يحيطوا بما فيه.

ويجوز أن تكون زائدة للتوكيد على رأي جماعة ممن يرون زيادة ﴿ من ﴾ في الإثبات كما تزاد في النفي.

وأما ﴿ مِن ﴾ التي في قوله: ﴿ ويُجِرْكُم من عذاب أليم ﴾ فهي لتعدية فعل ﴿ يجركم ﴾ لأنه يقال: أجاره من ظلم فلان، بمعنى منعه وأبعده.

وحكاية الله هذا عن الجن تقرير لما قالوه فيدل على أن للجن إدراكاً للمعاني وعلى أن ما تدل عليه أدلة العقل من الإلهيات واجب على الجن اعتقاده لأن مناط التكليف بالإلهيات العقلية هو الإدراك، وأنه يجب اعتقاد المدركات إذا توجهت مداركهم إليها أو إذا نبهوا إليها كما دلت عليه قصة إبليس.

وهؤلاء قد نبهوا إليها بصَرْفهم إلى استماع القرآن وهم قد نبَّهوا قومهم إليها بإبلاغ ما سمعوه من القرآن وعلى حسب هذا المعنى يترتب الجزاء بالعقاب كما قال تعالى: ﴿ لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ [السجدة: 13]، وقال في خطاب الشيطان ﴿ لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ﴾ [ص: 85]، فأما فروع الشريعة فغير لائقة بجنس الجنّ.

وظاهر الآية أن هؤلاء الذين بلغتهم دعوة القرآن مؤاخذون إذا لم يعملوا بها وأنهم يعذبون.

واختلفوا في جزاء الجن على الإحسان فقال أبو حنيفة: ليس للجن ثواب إلا أن يُجَاروا من عذاب النار ثم يقال لهم كونوا تراباً مثل البهائم، وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والضحاك: كما يجازَون على الإساءة يجازون على الإحسان فيدخلون الجنة.

وحكى الفخر أن مناظرة جرت في هذه المسألة بين أبي حنيفة ومالك ولم أرَه لغيره.

وهذه مسألة لا جدوى لها ولا يجب على المسلم اعتقاد شيء منها سوى أن العالِم إذا مرّت بها الآيات يتعيّن عليه فهمها.

ومعنى ﴿ فليس بمُعْجِزِ في الأرض ﴾ أنه لا ينجو من عقاب الله على عدم إجابته داعيه، فمفعول ﴿ معجز ﴾ مقدر دلّ عليه المضاف إليه في قوله: ﴿ داعي الله ﴾ أي فليس بمعجز الله، وقال في سورة الجن (12) ﴿ أن لن نُعْجِز الله في الأرض ولن نُعْجِزه هرباً ﴾ وهو نفي لأن يكون يعجز طالبه، أي ناجياً من قدرة الله عليه.

والكلام كناية عن المؤاخذة بالعقاب.

والمقصود من قوله: في الأرض } تعميم الجهات فجرى على أسلوب استعمال الكلام العربي وإلا فإن مكان الجن غير معيّن.

و ﴿ ليس له من دونه أولياء ﴾ ، أي لا نَصير ينصره على الله ويحميه منه، فهو نفي أن يكون له سبيل إلى النجاة بالاستعصام بمكان لا تبلغ إليه قدرة الله، ولا بالاحتماء بمن يستطيع حمايته من عقاب الله.

وذكر هذا تعريض للمشركين.

واسم الإشارة في ﴿ أولئك في ضلال مبين ﴾ للتنبيه على أن مَن هذه حالهم جديرون بما يرد بعد اسم الإشارة من الحكم لتسبب ما قبل اسم الإشارة فيه كما في قوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [لقمان: 5].

والظرفية المستفادة من ﴿ في ضلال مبين ﴾ مجازية لإفادة قوة تلبسهم بالضلال حتى كأنهم في وعاء هو الضلال.

والمبين: الواضح، لأنه ضلال قامت الحجج والأدلة على أنه باطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم صُرِفُوا عَنِ اسْتِراقِ سَمْعِ السَّماءِ بِرُجُوُمِ الشُّهُبِ ولَمْ يَكُونُوا بَعْدَ عِيسى صُرِفُوا عَنْهُ إلّا عِنْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ  ، فَقالُوا: ما هَذا الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ؟

فَضَرَبُوا في الأرْضِ حَتّى وقَفُوا عَلى النَّبِيِّ  بِبَطْنِ نَخْلَةٍ عائِدًا إلى عُكاظَ وهو يُصَلِّي الفَجْرَ، فاسْتَمَعُوا القُرْآنَ ونَظَرُوا كَيْفَ يُصَلِّي ويَقْتَدِي بِهِ أصْحابُهُ، فَرَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَحَكى عِكْرِمَةُ أنَّ السُّورَةَ الَّتِي كانَ يَقْرَأُها بِبَطْنِ نَخْلَةٍ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ  ﴾ وحَكى ابْنُ عَبّاسٍ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ ﴿ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ الثّانِي: أنَّهم صُرِفُوا عَنْ بِلادِهِمْ بِالتَّوْفِيقِ هِدايَةً مِنَ اللَّهِ لَهم حَتّى أتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ بِبَطْنِ نَخْلَةٍ.

وَفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم جِنٌّ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهم مِن أهْلِ نِينَوى، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهم مِن جَزِيرَةِ المَوْصِلِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: مِن أهْلِ نَجْرانَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مِن جَزِيرَةِ المَوْصِلِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّهم كانُوا تِسْعَةً أحَدُهم زَوْبَعَةُ، قالَهُ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ.

الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا سَبْعَةً: ثَلاثَةً مِن أهْلِ نَجْرانَ وأرْبَعَةً مِن أهْلِ نَصِيبِينَ، وكانَتْ أسْماؤُهم حَسى ومَسى وشاصِرَ وناصِرَ والأُرْدُنَّ وأنْيانَ الأحْقَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

واخْتُلِفَ في عِلْمِ النَّبِيِّ  عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما شَعَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ فِيهِمْ وأخْبَرَهُ عَنْهم، قالَهُابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ قَدْ كانَ أعْلَمَهُ بِهِمْ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ.

رَوى شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ  قالَ: « (إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ فَأيُّكم يَتْبَعُنِي فَأطْرَقُوا فاتَّبَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَدَخَلَ نَبِيُّ اللَّهِ  شِعْبًا يُقالُ لَهُ شِعْبُ الحُجُونِ وخَطَّ عَلَيْهِ وخَطَّ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ لِيُثَبِّتَهُ بِذَلِكَ، قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: (لا تَبْرَحْ حَتّى آتِيكَ فَلَمّا خَشِيَهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ كادَ أنْ يَذْهَبَ فَذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ  فَلَمْ يَبْرَحْ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ  : (لَوْ ذَهَبْتَ ما التَقَيْنا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَمّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ  إلَيْهِمْ تَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وقَضى بَيْنَهم في قَتِيلٍ مِنهم.

» وَرَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم سَألُوهُ الزّادَ فَقالَ: « (كُلُّ عَظْمٍ لَكم عِرْقٌ، وكُلُّ رَوْثَةٍ لَكم خَضِرَةٌ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ يُقَذِّرُها النّاسُ عَلَيْنا، فَنَهى رَسُولُ اللَّهِ  أنْ يُسْتَنْجى بِأحَدِهِما.

» رَوىَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ غَيْلانَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ وفْدَ الجِنِّ سَألُونِي المَتاعَ، - والمَتاعُ: الزّادُ - فَمَتَّعْتُهم بِكُلِّ عَظْمٍ حائِلٍ وبَعْرَةٍ أوْ رَوْثَةٍ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ عَنْهُمْ؟

فَقالَ: (إنَّهم لا يَجِدُونَ عَظْمًا إلّا وجَدُوا عَلَيْهِ لَحْمَهُ يَوْمَ أُكِلُ، ولا رَوَثَةً ولاْ بَعْرَةً إلّا وجَدُوا فِيها حَبَّها يَوْمَ أُكِلَتْ، فَلا يَسْتَنْجِيَنَّ أحَدُكم إذا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ بِعَظْمٍ ولا بَعْرَةٍ ولا رَوَثَةٍ» .

﴿ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَلَمّا حَضَرُوا قِراءَةَ القُرْآنِ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أنْصِتُوا لِسَماعِ القُرْآنِ.

الثّانِي: لَمّا حَضَرُوا رَسُولَ اللَّهِ  قالُوا أنْصِتُوا لِسَماعِ قَوْلِهِ.

﴿ فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ  ، قالَ الكَلْبِيُّ: مُخَوِّفِينَ: قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: فَلَمّا فَرَغَ مِن قِرَءاةِ القُرْآنِ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ ﴾ أيْ نَبِيَّ اللَّهِ يَعْنِي مُحَمَّدًا  .

﴿ وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ ﴾ أيْ نَبِيَّ اللَّهِ يَعْنِي مُحَمَّدًا  .

﴿ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ﴾ أيْ سابِقٍ لِلَّهِ فَيَفُوتُهُ هَرَبًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الزبير ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن ﴾ قال: بنخلة، قال: ورسوله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء الآخرة كادوا يكونون عليه لبداً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن منيع والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا قالوا: صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ إلى قوله: ﴿ ضلال مبين ﴾ .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن ﴾ الآية قال: كانوا تسعة عشر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم.

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صُرِفَتِ الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، وكان أشراف الجن بنصيبين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ قال: كانوا من أهل نصيبين أتوه ببطن نخلة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بت الليلة أقرأ على الجن رفقاً بالحجون» .

وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن مسروق قال: سألت ابن مسعود من آذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن قال: آذنته بهم شجرة.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل أين قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن فقال: قرأ عليهم بشعب يقال له الحجون.

وأخرج عبد بن حميد وأحمد ومسلم والترمذي عن علقمة قال: قلت لابن مسعود رضي الله عنه: هل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد؟

قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة فقلنا اغتيل استطير ما فعل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما كان في وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حرا، فأخبرناه فقال: إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ قال: هم اثنا عشر ألفاً من جزيرة الموصل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ قال: كانوا سبعة ثلاثة من أهل حران وأربعة من نصيبين، وكانت أسماؤهم حسى ومسى وشاصر وماصر والارد واينان والأقحم وسرق.

وأخرج الطبراني والحاكم وابن مردويه عن صفوان بن المعطل قال: خرجنا حجاجاً فلما كنا بالعرج إذا نحن بحية تضطرب فما لبث أن ماتت فلفها رجل في خرقة ودفنها، ثم قدمنا مكة فإنا لبالمسجد الحرام إذ وقف علينا شخص فقال: أيكم صاحب عمرو؟

قلنا: ما نعرف عمراً.

قال: أيكم صاحب الجان؟

قالوا: هذا.

قال: أما أنه آخر التسعة موتاً الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمعون القرآن.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل والواقدي عن أبي جفعر رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن في ربيع الأول سنة إحدى عشر من النبوة.

وأخرج الواقدي وأبو نعيم عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: لما انصرف النفر التسعة من أهل نصيبين من بطن نخلة وهم فلان وفلان وفلان والأرد واينان والأحقب جاؤوا قومهم منذرين فخرجوا بعد وافدين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ثلثمائة فانتهوا إلى الحجون، فجاء الأحقب فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن قومنا قد حضروا الحجون يلقونك فواعده رسول الله صلى الله عليه وسلم لساعة من الليل بالحجون والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ﴾ قال المفسرون: لما أيس رسول الله -  - من قومه أهل مكة أن يجيبوه خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام، فلما انصرف إلى مكة فكان ببطن نخلة (١)  - وهو يصلي فاستمعوا لقراءته، وهذا قول ابن عباس في رواية مجاهد والكلبي وقول عبد الله وسعيد بن جبير ومقاتل (٢) وقال آخرون: بل أمر رسول الله -  - أن ينذر الجِنَّة ويدعوهم إلى الله ويقرأ عليهم القرآن، فصرف إليه نفر من الجن ليستمعوا منه وينذروا قومهم، وهذا معنى قول قتادة (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ﴾ من صفة النكرة، وهذا يدل على أنهم أتوا لاستماع القرآن؛ لأن المعنى: نفرًا مستمعين القرآن، أي طالبين سماعه، فهذا يدل على صحة القول الثاني.

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا حَضَرُوهُ ﴾ إن عاد الضمير إلى النبي -  - فهو من تلوين الخطاب، وإن عاد إلى القرآن وهو الظاهر، فالمعنى: فلما حضروا استماعه (٧) (٨) قال ابن عباس والمفسرون: قال بعضهم لبعض اسكتوا (٩)  - القرآن ليلة الجن غشيته أسودة كثيرة (١٠) قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا قُضِيَ ﴾ قال أبو إسحاق: أي فلما تلى عليهم القرآن حتى فرغ منه (١١) ﴿ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد بما أمرهم به رسول الله -  - من توحيده وفرائضه وأحكامه (١٢) والمعنى: أن هؤلاء الذين استمعوا القرآن انصرفوا إلى قومهم بعد الاستماع محذرين إياهم بأس الله إن لم يؤمنوا، وهذا يدل على أن هؤلاء آمنوا بالنبي -  - ولو لم يؤمنوا لم يخبر عنهم بإنذار قومهم، ولهذا قال مقاتل في تفسير (منذرين): مؤمنين (١٣) (١) هي: قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة، ينهما الطرف على الطريق وهو بعد أبرق العزّاف للقاصد إلى مكة، انظر: "معجم البلدان" 1/ 449 - 450، وقال ابن حجر: هي موضع بين مكة وطائف.

قال البكري: على ليلة من مكة وهي التي ينسب إليها بطن نخلة ووقع في رواية مسلم بنخل بلا هاء والصواب إثباتها، انظر: "فتح الباري" / 674.

(٢) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 30، و"تفسير مجاهد" ص 603، و"تنوير المقباس" ص 506 و"تفسير مقاتل" 4/ 27، و"الدر المنثور" 7/ 452، و"تفسير الوسيط" 4/ 115.

(٣) انظر: "زاد المسير" 7/ 388، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 212.

(٤) أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس، انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 30، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس، انظر: 4/ 115.

(٥) انظر: "تنوير المقباس" ص 506، و"تفسير مقاتل" 4/ 27، ونسبه الهيثمي في مجمع الزوائد لابن عباس، انظر: 7/ 106، ونسبه في "الوسيط" للكلبي ومقاتل، انظر: 4/ 115.

(٦) أخرج ذلك الطبري عن زر بن حبيش، انظر: تفسيره 13/ 2/ 31، ونسبه الهيثمي في "مجمع الزوائد" لزر بن حبيش وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.

انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 106، وهو في "كشف الأستار" 3/ 68 عن زر.

(٧) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 215، و"الدر المصون" 6/ 144.

(٨) أخرج ذلك الطبري عن زر.

انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 33، وأخرجه الهيثمي في "كشف الأستار" عن زر.

انظر: "كشف الأستار" 3/ 68.

(٩) ذكر المعنى من غير نسبة البغوي في "تفسيره" 75/ 269، والقرطبي في "الجامع" 16/ 215.

(١٠) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 212.

(١١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 447.

(١٢) أخرج الطبري عن ابن عباس يقول: انصرفوا منذرين عذاب الله على الكفر به.

انظر: "تفسير الطبري" 13/ 33.

(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 27.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن ﴾ أي أملناهم نحوها، والنفر دون العشرة، وروي أن الجن كانوا سبعة وكانوا كلهم ذكراناً، لأن النفر الرجال دون النساء، وكانوا من أهل نصيبين، وقيل من أهل الجزيرة، واختلف هل رآهم النبي صلى الله عليه وسلم؟

قيل: إنه لم يرهم، ولم يعلم باستماعهم حتى أعلمه الله بذلك، وقيل: بل علم بهم واستعد لهم واجتمع معهم، وقد ورد في ذلك عن عبد الله بن مسعود أحاديث مضطربة، وسبب استماع الجن أنهم لما طردوا من استراق السمع من السماء برجم النجوم قالوا: ما هذا إلا لأمر حدث، فطافوا بالأرض ما أوجب ذلك، حتى سمعوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر في سوق عكاظ، فاستمعوا إليه وآمنوا به ﴿ أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى ﴾ في هذا دلالة على أنهم على دين اليهود، وقيل: كانوا لم يعلموا ببعث عيسى ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ذكر في [البقرة: 89] ﴿ دَاعِيَ الله ﴾ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ من هنا للتبعيض على الأصح، أي يغفر لكم الذنوب التي فعلتم قبل الإسلام، وأما التي بعد الإسلام فهي في مشيئة الله، وقيل: معنى التبعيض أن المظالم لا تغفر وقيل: إن من زائدة ﴿ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي من النار، واختلف الناس هل للجن ثواب زائد على النجاة من النار، أم ليس لهم ثواب إلا النجاة خاصة ﴿ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ الله ﴾ الآية: يحتمل أن يكون من كلام الجن، أو من كلام الله تعالى، ومعنى ليس بمعجز أي لا يفوت.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وخلف.

﴿ لا يرى ﴾ بالياء التحتانية مبنياً للمفعول ﴿ إلا مساكنهم ﴾ بالرفع: عاصم وحمزة وخلف وسهل ويعقوب.

والباقون ﴿ لا ترى ﴾ على خطاب كل راء ﴿ مساكنهم ﴾ بالنصب ﴿ بل ضلوا ﴾ بإدغام اللام في الضاد: عليّ.

﴿ وإذا صرفنا ﴾ بإدغام الذال في الصاد وكذا ما يشبهه: أبو عمرو وعليّ وهشام وحمزة في رواية خلاد وابن سعدان وأبي عمرو ﴿ يقدر ﴾ فعلاً مضارعاً من القدرة: سهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ عاد ﴾ ط لأن "إذ" يتعلق بأذكر محذوفاً وهو مفعول به.

هذا قول السجاوندي، وعندي أن لا وقف.

وقوله "إذ" بدل الاشتمال من ﴿ أخا عاد ﴾ .

﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ آلهتنا ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تقيب الفاء ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ز لاختلاف الجملتين لفظاً ولكن التقدير وأنا أبلغكم ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ ممطرنا ﴾ ط لتقدير القول ﴿ به ﴾ ط لأن التقدير هذه ريح ﴿ أليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ وأفئدة ﴾ ز لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى للفاء واتحاد الكلام ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ج لتمام الاستفهام ﴿ عنهم ﴾ ج لعطف الجملتين ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ القرآن ﴾ ج لكلمة المجازاة مع الفاء ﴿ أنصتوا ﴾ ج لذلك ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط لتقدير القول ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر "كأن" ﴿ نهار ﴾ ط ﴿ بلاغ ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ الفاسقون ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد حكاية شبه المكذبين والأجوبة عنها، وبعد إتمام ما انجر الكلام إليه، أمر نبيه  أن يذكر قومه بقصة هود أعني أخا عاد لأنه واحد منهم.

والأحقاف جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج، ويقال له الشحر من بلاد اليمن.

وقيل: بين عمان ومهرة.

والنذر جمع نذير مصدر أو صفة.

الواو في قوله ﴿ وقد خلت ﴾ إما أن تكون للحال والمعنى أنذرهم وهم عالمون بإنذار الرسل من قبل ومن بعده، وإما أن يكون اعتراضاً والمعنى واذكروا وقت إنذار هود قومه ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك فأذكرهم قوله ﴿ لتأفكنا ﴾ أي لتصرفنا عن عبادة آلهتنا.

قوله ﴿ إنما العلم عند الله ﴾ أي لا علم لي بالوقت الذي عينه الله لتعذيبكم فلا معنى لاستعجالكم ولهذا نسبهم إلى الجهالة، وأيّ جهل أعظم من نسبة نبي الله إلى الكذب.

ومن ترك طريقة الاحتياط ومن استعجال ما فيه هلاكهم، والضمير في قوله ﴿ فلما رأوه ﴾ عائد إلى الموعود، أو هو مبهم يوضحه قوله ﴿ عارض ﴾ أي سحاب عرض في نواحي السماء.

والإضافة في قوله ﴿ مستقبل أوديتهم ﴾ و ﴿ ممطر ﴾ لفظية ولهذا صح وقوعها صفة للنكرة.

والتدمير الإهلاك والاستئصال.

وفي قوله ﴿ بأمر ربها ﴾ إشارة إلى إبطال قول من زعم أن مثل هذه الآثار مستند إلى تأثيرات الكواكب بالاستقلال.

ثم زاد في تخويف كفار مكة وذكر فضل عاد في القوة الجسمانية وفي الأسباب الخارجية عليهم فقال ﴿ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ﴾ قال المبرد:"ما" موصولة و "إن" نافية أي في الذي لم نمكنكم فيه.

وقال ابن قتيبة: "إن" زائدة وهذا فيه ضعف لأن الأصل حمل الكلام على وجه لا يلزم منه زيادة في اللفظ، ولأن المقصود فضل أولئك القوم على هؤلاء حتى يلزم المبالغة في التخويف، وعند تساويهما يفوت هذا المقصود.

وقيل: "إن" للشرط والجزاء مضمر أي في الذي إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر.

وقوله ﴿ من شيء ﴾ أي شيئاً من الإغناء وهو القليل منه.

وقوله ﴿ إذ كانوا ﴾ ظرف لما أغنى وفيه معنى التعليل كقولك "ضربته إذ أساء" قوله ﴿ من القرى ﴾ يريد من قريات عاد وثمود ولوط وغيرهم بالشام والحجاز واليمن، وتصريف الآيات أي تكريرها.

قيل: للعرب المخاطبين والأظهر أنه للماضين لقوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ عن شركهم، والأوّلون حملوه على الالتفات.

ثم وبخهم بأن أصنامهم لم يقدروا على نصرتهم وشفاعتهم.

فقوله ﴿ آلهة ﴾ مفعول ثانٍ ﴿ لا تخذوا ﴾ والمفعول الأول محذوف وهو الراجع إلى ﴿ الذين ﴾ و ﴿ قرباناً ﴾ حال أو مفعول له أي متقربين إلى الله، أو لأجل القربة بزعمهم.

والقربان مصدر أو اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل.

ويجوز أن يكون ﴿ قرباناً ﴾ مفعولاً ثانياً و ﴿ آلهة ﴾ بدلاً أو بياناً.

قوله ﴿ وذلك إفكهم ﴾ أي عدم نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم وقت الحاجة محصول إفكهم وافترائهم، أو عاقبة شركهم وثمرة كذبهم على الله.

وحين بّين أن الإنس من آمن وفيهم من كفر، أراد أن يبين أن نوع الجن أيضاً كذلك.

وفي كيفية الواقعة قولان: أحدهما عن سعيد بن جبير وعليه الجمهور: كانت الجن تسترق فلما رجموا قالوا: هذا إنما حدث في السماء لشيء حدث في الأرض.

فذهبوا يطلبون السبب فوافوا النبي  بمكة يصلي بأصحابه أو منفرداً.

فمنهم من قال صلاة العشاء الآخرة ومنهم من قال صلاة الصبح، فقرأ فيها سورة "اقرأ" فسمعوا القرآن وعرفوا أن ذلك هو السبب.

وعلى هذا لم يكن ذلك بعلم منه  حتى أوحى الله إليه.

والقول الثاني "أنه  أمر بذلك فقال لأصحابه: إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجن فأيكم يتبعني؟

فأتبعه ابن مسعود، فدخل رسول الله  شعب الحجون وخط على ابن مسعود وقال: لا تبرح حتى آتيك.

قال: فسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على النبي  ، ثم علا بالقرآن أصواتهم.

فلما رجع رسول الله  سألته عن اللغط فقال: اختصموا إليّ في قتيل كان بينهم فقضيت فيهم." وفي رواية أخرى "عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله  : أمعك ماء؟

قلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر.

فاستدعاه فصببت على يده فتوضأ فقال: تمرة طيبة وماء طهور." واختلفوا في عددهم: عن ابن عباس: كانوا تسعة من جن نصيبين أو نينوى.

وقال عكرمة: كانوا عشرة من جزيرة الموصل، وزر بن حبيش: كانوا تسعة ومنهم زوبعة.

وقيل: اثني عشر ألفاً.

ولنرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ وإذ صرفنا ﴾ معطوف على قوله ﴿ أذكر أخا عاد إذ أنذر ﴾ ومعنى صرفنا أملناهم إليك، والنفر ما دون العشرة ويجمع على أنفار.

والضمير في ﴿ حضروه ﴾ للنبي  أو القرآن ﴿ قالوا ﴾ أي قال بعضهم لبعض ﴿ أنصتوا ﴾ والإنصات السكوت لاستماع الكلام ﴿ فلما قضى ﴾ أي فرغ النبي  من القراءة.

وإنما قالوا ﴿ أنزل من بعد موسى ﴾ لأنهم كانوا يهوداً أو لأنهم لم يسمعوا أمر عيسى قاله ابن عباس ﴿ أجيبوا داعي الله ﴾ عنوا رسول الله أو أنفسهم بناء على أنهم رسل رسول الله  إلى قومهم، ومنه يعلم أنه  كان مبعوثاً إلى الجن أيضاً وهذا من جملة خصائصه.

وحين عمموا الأمر بإجابة الداعي خصصوه بقولهم ﴿ وآمنوا به ﴾ لأن الإيمان أشرف أقسام التكاليف.

و"من" في قوله ﴿ من ذنوبكم ﴾ للتبعيض فمن الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كالمظالم وقد مر في "إبراهيم".

واختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟

فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار بقوله ﴿ ويجركم من عذاب أليم ﴾ وهو قول أبي حنيفة.

والصحيح أنهم في حكم بني آدم يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون.

وقد جرت بين مالك وأبي حنيفة مناظرة في هذا الباب.

قوله ﴿ فليس بمعجز ﴾ أي لا يفوته هارب.

قوله ﴿ ولم يعي ﴾ يقال: عييت بالأمر إذا لم يعرف وجهه.

قوله ﴿ بقادر ﴾ في محل الرفع لأنه خبر "أن" وإنما دخلت الباء لاشتمال الآية على النفي كأنه قيل: أليس الله بقادر؟

والمقصود تأكيد ما مر في أول السورة من دلائل البعث والنبوّة.

ثم سلى نبيه  بقوله ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم ﴾ وقوله ﴿ من الرسل ﴾ بيان لأن جميع الرسل أرباب عزم وجد في تبليغ ما أمروا بأدائه، أو هو للتبعيض فنوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم على النار وذبح الولد، وإسحق على الذبح، ويعقوب على فراق الولد، ويوسف على السجن، وأيوب على الضر، وموسى على سفاهة قومه وجهالاتهم، وأما يونس فلم يصبر على دعاء القوم فذهب مغاضباً، وقال الله  في حق آدم ﴿ ولم نجد له عزماً  ﴾ ﴿ ولا تستعجل لهم ﴾ أي لا تدع لكفار قريش بتعجيل العذاب فإنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر، وإنهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا حتى ظنوا أنها ساعة من نهار ﴿ هذا ﴾ الذي وعظهم به كفاية في بابه وقد مر في آخر سورة "إبراهيم"  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ ﴾ أي: فرغ من قراءته ﴿ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ﴾ .

قال بعضهم: إن النفر من الجن والإنس، والنذر من الإنس، فإن كان ما ذكر فجائز على هذا أن يكون النفر الذي ذكر أنه صرفهم إلى رسول الله  ليستمعوا القرآن منه هم النذر، يدل على ذلك قوله: ﴿ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ﴾ .

وفي ظاهر قوله -  -: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا  ﴾ أن قد يكون من الجن الرسل كما يكون من البشر، إلا أن يقال بأنه قد يذكر الاثنان والمراد به أحدهما، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله -  -: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ  ﴾ وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم يحتمل ﴿ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ ﴾ أي: ألهمناهم وقذفنا في قلوبهم حتى صاروا إلى رسول الله  وتوجهوا إليه؛ ليستمعوا القرآن منه.

ويحتمل أنه أمرهم في الكتب التي أعطوا معرفتها بالتوجه إلى رسول الله  ليستمعوا منه القرآن؛ لأنه قال - عز وجل - على إثره خبراً عنهم: ﴿ قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ هذا يدل على أنهم قد عرفوا الكتب قبل هذا الكتاب؛ حيث قالوا: ﴿ سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ فجائز أن يكونوا أمروا بتلك الكتب استماع هذا الكتاب والعمل به.

ويحتمل أن يكونوا عرفوا بذلك لما كانوا يسترقون السمع إلى السماء فيستمعون أخبار السماء، ثم ينزلون فيخبرون أهل الأرض بذلك؛ ليكون العلم لهم بذلك من الوجوه الثلاثة التي ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ ﴾ .

فيه دلالة لزوم العمل بخبر الواحد؛ لأن النفر الذين حضروا رسول الله  من الجن سمعوا القرآن منه وصدقوه كانوا قليلي العدد لما رجعوا إلى قومهم فإنما يرجع كل إلى قومه، وقد يحتمل الاجتماع والتواصل على ذلك، ودعا كل قومه إلى إجابة داعي الله -  - وحذرهم مخالفته، وأنه يحتمل ما ذكرنا من الأفراد والآحاد، دل أن خبر الواحد حجة في حق العمل، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ  ﴾ فكان العمل بخبر الآحاد والأفراد ظاهراً مشهوراً في الإنس والجن؛ حيث ذكر ما ذكرنا وألزمهم الإجابة والحذر، والله أعلم.

ثم قوله -  -: ﴿ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل الإجابة له في الاعتقاد والإيمان به.

ويحتمل في المعاملة في كل أمر، وفي كل شيء، فكذلك قوله: ﴿ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ ﴾ فيما دعاه ﴿ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: ليس بسابق ولا هارب من عذابه؛ يقول - والله أعلم -: أن ليس يقدر أحد التخلص من عذابه بهربه منه والفرار عنه كما يقدر الفرار والهرب بعض من عذاب بعض في الدنيا ربما؛ ولذلك ما قال: ﴿ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ ﴾ أي: ليس لهم من دونه أولياء ينفعونه ويدفعون العذاب عنهم كما يقوم بعض في دفع ما يلحقهم من البلايا والشدائد في الدنيا؛ إذ ليس قوله: ﴿ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ ﴾ أن لا ولاية لهم؛ إذ قال في موضع آخر: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ ولكن لا تنفع ولايتهم يومئذ كما لا تنفع في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: من لم يجب داعي الله فهم في ضلال مبين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها الرسول- حين أرسلنا إليك فريقًا من الجن يستمعون القرآن المنزل عليك، فلما حضروا لسماعه قال بعضهم لبعض: أنصتوا حتى نتمكن من سماعه، فلما أنهى الرسول  قراءته رجعوا إلى قومهم ينذرونهم من عذاب الله إن لم يؤمنوا بهذا القرآن.

<div class="verse-tafsir" id="91.rAwrE"

مزيد من التفاسير لسورة الأحقاف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله