الإسلام > القرآن > سور > سورة 56 الواقعة > الآية ٢٦ من سورة الواقعة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 108 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٦ من سورة الواقعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( إلا قيلا سلاما سلاما ) أي : إلا التسليم منهم بعضهم على بعض ، كما قال : ( تحيتهم فيها سلام ) [ إبراهيم : 23 ] وكلامهم أيضا سالم من اللغو والإثم .
وقوله: ( إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا ) يقول: لا يسمعون فيها من القول إلا قيلا سلاما: أي أسلم مما تكره.
وفي نصب قوله: ( سَلامًا سَلامًا ) وجهان: إن شئت جعلته تابعا للقيل، ويكون السلام حينئذ هو القيل؛ فكأنه قيل: لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما، إلا سلاما سلاما، ولكنهم يسمعون سلاما سلاما.
والثاني: أن يكون نصبه بوقوع القيل عليه، فيكون معناه حينئذ: إلا قيلَ سلامٍ فإن نوّن نصب قوله: ( سَلامًا سَلامًا ) بوقوع قِيلٍ عليه.
إلا قيلا سلاما سلاما " قيلا " منصوب ب " يسمعون " أو استثناء منقطع أي : لكن يقولون قيلا أو يسمعون .
و سلاما سلاما منصوبان بالقول ، أي إلا أنهم يقولون الخير .
أو على المصدر أي إلا أن يقول بعضهم لبعض : سلاما .
أو يكون وصفا ل " قيلا " ، والسلام الثاني بدل من الأول ، والمعنى : إلا قيلا يسلم فيه من اللغو .
ويجوز الرفع على تقدير : سلام عليكم .
قال ابن عباس : أي يحيي بعضهم بعضا .
وقيل : تحييهم الملائكة أو يحييهم ربهم عز وجل
{ إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا } أي: إلا كلاما طيبا، وذلك لأنها دار الطيبين، ولا يكون فيها إلا كل طيب، وهذا دليل على حسن أدب أهل الجنة في خطابهم فيما بينهم، وأنه أطيب كلام، وأسره للنفوس وأسلمه من كل لغو وإثم، نسأل الله من فضله.
( إلا قيلا ) أي قولا ( سلاما سلاما ) نصبهما اتباعا لقوله " قيلا " أي يسمعون قيلا سلاما سلاما .
قال عطاء : يحيي بعضهم بعضا بالسلام .
«إلا» لكن «قيلا» قولا «سلاما» سلاما بدل من قيلا فإنهم يسمعونه.
لا يسمعون في الجنة باطلا ولا ما يتأثمون بسماعه، إلا قولا سالمًا من هذه العيوب، وتسليم بعضهم على بعض.
ولفظ ( سَلاَماً ) الأول ، بدل من قوله ( قِيلاً ) أو نعت له .
.
.
أى : سالما من العيوب .
والتكرير لهذا اللفظ القصد منه التأكيد ، والإشعاربكثرة تحيتهم بهذا اللفظ الدال على المحبة والوئام .أى : لا يسمعون فى الجنة إلا سلاما إثر سلام ، وتحية فى أعقاب تحية ، ومودة تتلوها مودة .والاستثناء منقطع ، لأن السلام لا يندرج تحت اللغو ، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم ، و ( قِيلاً ) بمعنى : قولا ، وهو منصوب على الاستثناء .
.وإلى هنا نجد الآيات الكريمة ، قد بينت أقسام الناس يوم القيامة ، وفصلت ما أعده - سبحانه - للسابقين ، من عطاء جزيل ، وفضل عميم .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما الحكمة في تأخير ذكره عن الجزاء مع أنه من النعم العظيمة؟
نقول فيه لطائف الأولى: أن هذا من أتم النعم، فجعلها من باب الزيادة التي منها الرؤية عند البعض ولا مقابل لها من الأعمال، وإنما قلنا: إنها من أتم النعم، لأنها نعمة سماع كلام الله تعالى على ما سنبين أن المراد من قوله: ﴿ سَلاَماً ﴾ هو ما قال في سورة يس: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ ﴾ فلم يذكرها فيما جعله جزاء، وهذا على قولنا: ﴿ أولئك المقربون ﴾ ليس فيه دلالة على الرؤية الثانية: أنه تعالى بدأ بأتم النعم وهي نعمة الرؤيا، وهي الرؤية بالنظر كما مر وختم بمثلها، وهي نعمة المخاطبة الثالثة: هي أنه تعالى لما ذكر النعم الفعلية وقابلها بأعمالهم حيث قال: ﴿ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ذكر النعم القولية في مقابلة أذكارهم الحسنة ولم يذكروا اللذات العقلية التي في مقابلة أعمال قلوبهم من إخلاصهم واعتقادهم، لأن العمل القلبي لم ير ولم يسمع، فما يعطيهم الله تعالى من النعمة تكون نعمة لم ترها عين ولا سمعتها أذن، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم فيها: «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
وقوله عليه السلام: «ولا خطر» إشارة إلى الزيادة، والذي يدل على النعمة القولية في مقابلة قولهم الطيب قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَٰمُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ﴾ .
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً ﴾ نفي للمكروه لما أن اللغو كلام غير معتبر، لأنه عند المعتبرين من الرجال مكروه، ونفي المكروه لا يعد من النعم العظيمة التي مر ذكرها، كيف وقد ذكرت أن تأخير هذه النعمة لكونها أتم، ولو قال: إن فلاناً في بلدة كذا محترم مكرم لا يضرب ولا يشتم فهو غير مكرم وهو مذموم والواغل مذموم وهو الذي يدخل على قوم يشربون ويأكلون فيأكل ويشرب معهم من غير دعاء ولا إذن فكأنه بالنسبة إليهم في عدم الاعتبار كلام غير معتبر وهو اللغو، وكذلك ما يتصرف منه مثل الولوغ لا يقال إلا إذا كان الوالغ كلباً أو ما يشبهه من السباع، وأما التأثيم فهو النسبة إلى الإثم ومعناه لا يذكر إلا باطلاً ولا ينسبه أحد إلا إلى الباطل، وأما التقديم فلأن اللغو أعم من التأثيم أي يجعله آثماً كما تقول: إنه فاسق أو سارق ونحو ذلك وبالجملة فالمتكلم ينقسم إلى أن يلغو وإلى أن لا يلغو والذي لا يلغو يقصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيأخذ الناس بأقوالهم وهو لا يؤخذ عليه شيء، فقال تعالى: لا يلغو أحد ولا يصدر منه لغو ولا ما يشبه اللغو فيقول له: الصادق لا يلغو ولا يأثم ولا شك في أن الباطل أقبح ما يشبهه فقال: لا يأثم أحد.
المسألة الثالثة: قال تعالى في سورة النبأ: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذاباً ﴾ فهل بينهما فرق؟
قلنا: نعم الكذاب كثير التكذيب ومعناه هناك أنهم لا يسمعون كذباً ولا أحداً يقول لآخر: كذبت وفائدته أنهم لا يعرفون كذباً من معين من الناس ولا من واحد منهم غير معين لتفاوت حالهم وحال الدنيا فإنا نعلم أن بعض الناس بأعيانهم كذابون فإن لم نعرف ذلك نقطع بأن في الناس كذاباً لأن أحدهم يقول لصاحبه: كذبت فإن صدق فصاحبه كذاب، وإن لم يصدق فهو كاذب فيعلم أن في الدنيا كذاباً بعينه أو بغير عينه ولا كذلك في الآخرة فلا كذب فيها، وقال هاهنا: ﴿ وَلاَ تَأْثِيماً ﴾ وهو أبلغ من التكذيب فإن من يقول في حق من لا يعرفه: إنه زان أو شارب الخمر مثلاً فإنه يأثم وقد يكون صادقاً، فالذي ليس عن علم إثم فلا يقول أحد لأحد: قلت مالا علم لك به فالكلام هاهنا أبلغ لأنه قصر السورة على بيان أحوال الأقسام لأن المذكورين هنا هم السابقون وفي سورة النبأ هم المتقون، وقد بينا أن السابق فوق المتقي.
المسألة الرابعة: ﴿ إِلاَّ قِيلاً ﴾ استثناء متصل منقطع، فنقول: فيه وجهان: أحدهما: وهو الأظهر أنه منقطع لأن السلام ليس من جنس اللغو تقديره لكن يسمعون: قيلا سلاماً سلاماً ثانيهما: أنه متصل ووجهه أن نقول: المجاز قد يكون في المعنى، ومن جملته أنك تقول: مالي ذنب إلا أحبك، فلهذا تؤذيني فتستثني محبته من الذنب ولا تريد المنقطع لأنك لا تريد بهذا القول بيان أنك تحبه إنما تريد في تبرئتك عن الذنوب ووجهه هو أن بينهما غاية الخلاف وبينهما أمور متوسطة، مثاله: الحار والبارد وبينهما الفاتر الذي هو أقرب إلى الحار من البارد وأقرب إلى البارد من الحار، والمتوسط يطلق عليه اسم البارد عند النسبة إلى الحار فيقال: هذا بارد ويخبر عنه بالنسبة إلى البارد فيقال: إنه حار، إذا ثبت هذا فنقول قول القائل: مالي ذنب إلا أني أحبك، معناه لا تجد ما يقرب من الذنب إلا المحبة فإن عندي أموراً فوقها إذا نسبتها إلى الذنب تجد بينها غاية الخلاف فيكون ذلك كقوله: درجات الحب عندي طاعتك وفوقها إن أفضل جانب أقل أمر من أمورك على جانب الحفظ لروحي، إشارة إلى المبالغة كما يقول القائل: ليس هذا بشيء مستحقراً بالنسبة إلى ما فوقه فقوله: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً ﴾ أي يسمعون فيها كلاماً فائقاً عظيم الفائدة كامل اللذة أدناها وأقربها إلى اللغو قول بعضهم لبعض: سلام عليك فلا يسمعون ما يقرب من اللغو إلا سلاماً، فما ظنك بالذين يبعد منه كما يبعد الماء البارد الصادق والماء الذي كسرت الشمس برودته وطلب منه ماء حار ليس عندي ماء حار إلا هذا أي ليس عندي ما يبعد من البارد الصادق البرودة ويقرب من الحار إلا هذا وفيه المبالغة الفائقة والبلاغة الرائقة وحينئذ يكون اللغو مجازاً، والاستثناء متصلاً فإن قيل: إذا لم يكن بد من مجاز وحمل اللغو على ما يقرب منه بالنسبة إليه فليحمل إلا على لكن لأنهما مشتركان في إثبات خلاف ما تقدم، نقول: المجاز في الأسماء أولى من المجاز في الحروف لأنها تقبل التغير في الدلالة وتتغير في الأحوال، ولا كذلك الحروف لأن الحروف لا تصير مجازاً إلا بالاقتران باسم والإسم يصير مجازاً من غير الاقتران بحرف فإنك تقول: رأيت أسداً يرمي ويكون مجازاً ولا اقتران له بحرف، وكذلك إذا قلت لرجل: هذا أسد وتريد بأسد كامل الشجاعة، ولأن عرض المتكلم في قوله مالي ذنب إلا أني أحبك، لا يحصل بما ذكرت من المجاز، ولأن العدول عن الأصل لا يكون له فائدة من المبالغة والبلاغة.
المسألة الخامسة: في قوله تعالى: ﴿ قِيلاً ﴾ قولان: أحدهما: إنه مصدر كالقول فيكون قيلا مصدراً، كما أن القول مصدر لكن لا يظهر له في باب فعل يفعل إلا حرف ثانيهما: إنه اسم والقول مصدر فهو كالسدل والستر بكسر السين اسم وبفتحها مصدر وهو الأظهر، وعلى هذا نقول: الظاهر أنه اسم مأخوذ من فعل هو: قال وقيل، لما لم يذكر فاعله، وما قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القيل والقال، يكون معناه نهى عن المشاجرة، وحكاية أمور جرت بين أقوام لا فائدة في ذكرها، وليس فيها إلا مجرد الحكاية من غير وعظ ولا حكمة لقوله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله عبداً قال خيراً فغنم، أو سكت فسلم».
وعلى هذا فالقيل اسم لقول لم يعلم قائله، والقال اسم للقول مأخوذ من قيل لما لم يذكر فاعله، تقول: قال فلان كذا، ثم قيل له: كذا، فقال: كذا، فيكون حاصل كلامه قيل وقال، وعلى هذا فالقيل اسم لقول لم يعلم قائله، والقال مأخوذ من قيل هو قال، ولقائل أن يقول: هذا باطل لقوله تعالى: ﴿ وَقِيلِهِ يارب إِنَّ هَؤُلاَء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ فإن الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم أي يعلم الله قيل محمد: يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، كما قال نوح عليه السلام: ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ ﴾ ، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿ فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سلام ﴾ إرشاد له لئلا يدعو على قومه عند يأسه منهم كما دعا عليهم نوح عنده، وإذا كان القول مضافاً إلى محمد صلى الله عليه وسلم فلا يكون القيل اسماً لقول لم يعلم قائله؟
فنقول: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: إن قولنا: إنه اسم مأخوذ من قيل الموضوع لقول لم يعلم قائله في الأصل لا ينافي جواز استعماله في قول من علم بغير الموضوع وثانيهما: وهو الجواب الدقيق أن نقول: الهاء في: ﴿ وَقِيلِهِ ﴾ ضمير كما في ربه وكالضمير المجهول عند الكوفيين وهو ضمير الشأن، وعند البصريين قال: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تعمى الأبصار ﴾ والهاء غير عائد إلى مذكور، غير أن الكوفيين جعلوه لغير معلوم والبصريين جعلوه ضمير القصة، والظاهر في هذه المسألة قول الكوفيين، وعلى هذا معنى عبارتهم بلغ غاية علم الله تعالى قيل القائل منهم: ﴿ يا رب إِنَّ هَؤُلآء ﴾ ، إشارة إلى أن الاختصاص بذلك القول في كل أحد إنهم لا يؤمنون لعلمه أنهم قائلون بهذا وأنهم عالمون، وأهل السماء علموا بأن عند الله علم الساعة يعلمها فيعلم قول من يقول: ﴿ يارب إِنَّ هَؤُلاَء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ من غير تعيين قول لاشتراك الكل فيه، ويؤيد هذا أن الضمير لو كان عائداً إلى معلوم فإما أن يكون إلى مذكور قبله، ولا شيء فيما قبله يصح عود الضمير إليه، وإما إلى معلوم غير مذكور وهو محمد صلى الله عليه وسلم لكن الخطاب بقوله: ﴿ فاصفح ﴾ كان يقتضي أن يقول، وقيلك يا رب لأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو المخاطب أولاً بكلام الله، وقد قال قبله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ ﴾ وقال من قبل: ﴿ قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ وكان هو المخاطب أولاً، إذا تحقق هذا؟
نقول: إذا تفكرت في استعمال لفظ القيل في القرآن ترى ما ذكرنا ملحوظاً مراعى، فقال هاهنا: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما ﴾ لعدم اختصاص هذا القول بقائل دون قائل فيسمع هذا القول دائماً من الملائكة والناس كما قال تعالى: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴾ وقال تعالى: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ ﴾ حيث كان المسلم منفرداً، وهو الله كأنه قال: سلام قولاً منا، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صالحا ﴾ وقال: ﴿ هِيَ أَشَدُّ وَطئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾ لأن الداعي معين وهم الرسل ومن اتبعهم من الأمة وكل من قام ليلاً فإن قوله: قويم، ونهجه مستقيم، وقال تعالى: ﴿ وَقِيلِهِ يارب ﴾ لأن كل أحد يقول: إنهم لا يؤمنون.
أما هم فلاعترافهم ولإقرارهم وأما غيرهم فلكفرانهم بإسرافهم وإصرارهم، ويؤيد ما ذكرنا أنه تعالى قال: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً ﴾ والاستثناء المتصل يقرب إلى المعنى بالنسبة إلى غيره وهو قول لا يعرف قائله، فقال: ﴿ إِلاَّ قِيلاً ﴾ وهو سلام عليك، وأما قول من يعرف وهو الله فهو الأبعد عن اللغو غاية البعد وبينهما نهاية الخلاف فقال: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً ﴾ .
المسألة السادسة: ﴿ سلام ﴾ ، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه صفة وصف الله تعالى بها ﴿ قِيلاً ﴾ كما يوصف الشيء بالمصدر حيث يقال: رجل عدل، وقوم صوم، ومعناه إلا قيلا سالماً عن العيوب.
وثانيها: هو مصدر تقديره، إلا أن يقولوا سلاماً.
وثالثها: هو بدل من ﴿ قِيلاً ﴾ ، تقديره: إلا سلاماً.
المسألة السابعة: تكرير السلام هل فيه فائدة؟
نقول: فيه إشارة إلى تمام النعمة، وذلك لأن أثر السلام في الدنيا لا يتم إلا بالتسليم ورد السلام، فكما أن أحد المتلاقيين في الدنيا يقول للآخر: السلام عليك، فيقول الآخر: وعليك السلام، فكذلك في الآخرة يقولون: ﴿ سلاما سلاما ﴾ ثم إنه تعالى لما قال: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ ﴾ لم يكن له رد لأن تسليم الله على عبده مؤمن له، فأما الله تعالى فهو منزه عن أن يؤمنه أحد، بل الرد إن كان فهو قول المؤمن: سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
المسألة الثامنة: ما الفرق بين قوله تعالى: ﴿ سلاما سلاما ﴾ بنصبهما، وبين قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ سلاما قَالَ سلام ﴾ قلنا: قد ذكرنا هناك أن قوله: (سلام عليك) أتم وأبلغ من قولهم سلاماً عليك فإبراهيم عليه السلام أراد أن يتفضل عليهم بالذكر ويجيبهم بأحسن ما حيوا، وأما هنا فلا يتفضل أحد من أهل الجنة على الآخر مثل التفضل في تلك الصورة إذ هم من جنس واحد، وهم المؤمنون ولا ينسب أحد إلى أحد تقصيراً.
المسألة التاسعة: إذا كان قول القائل: (سلام عليك) أتم وأبلغ فما بال القراءة المشهورة صارت بالنصب، ومن قرأ (سلام) ليس مثل الذي قرأ بالنصب، نقول ذلك من حيث اللفظ والمعنى، أما اللفظ فلأنه يستثنى من المسموع وهو مفعول منصوب، فالنصب بقوله: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً ﴾ وأما المعنى فلأنا بينا أن الاستثناء متصل، وقولهم: ﴿ سلام ﴾ أبعد من اللغو من قولهم: ﴿ سَلاَماً ﴾ فقال: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سلاما ﴾ ليكون أقرب إلى اللغو من غيره، وإن كان في نفسه بعيداً عنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والسابقون ﴾ المخلصون الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه وشقوا الغبار في طلب مرضاة الله عز وجل وقيل: الناس ثلاثة فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا؛ فهذا السابق المقرَّب، ورجل ابتكر عمره بالذنب وطول الغفلة، ثم تراجع بتوبة؛ فهذا صاحب اليمين، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه، ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا صاحب الشمال (ما أصحاب الميمنة).
(ما أصحاب المشأمة) تعجيب من حال الفريقين في السعادة والشقاوة.
والمعنى: أي شيء هم؟
والسابقون السابقون، يريد: والسابقون من عرفت حالهم وبلغك وصفهم، كقوله وعبد الله عبد الله.
وقول أبي النجم: وشعري شعري كأنه قال: وشعري ما انتهى إليك وسمعت بفصاحته وبراعته، وقد جعل السابقون تأكيداً.
وأولئك المقرّبون: خبراً وليس بذاك: ووقف بعضهم على: والسابقون؛ وابتدأ السابقون أولئك المقرّبون، والصواب أن يوقف على الثاني، لأنه تمام الجملة، وهو في مقابلة: ما أصحاب الميمنة، وما أصحاب المشأمة ﴿ المقربون فِي جنات النعيم (12) ﴾ الذين قربت درجاتهم في الجنة من العرش وأعليت مراتبهم.
وقرئ: ﴿ في جنة النعيم ﴾ والثلة: الأمة من الناس الكثيرة.
قال: وَجَاءَتْ إلَيْهِمْ ثُلَّةٌ خِنْدِفِيَّة ** بِجَيْشٍ كَتَيَّارٍ مِن السَّيّلِ مُزْبِدِ وقوله عز وجل: ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ الأخرين (14) ﴾ كفى به دليلاً على الكثرة، وهي من الثل وهو الكسر، كما أنّ الأمّة من الأمّ وهو الشج، كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم.
والمعنى: أنّ السابقين من الأوّلين كثير، وهم الأمم من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ الأخرين (14) ﴾ وهم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل: ﴿ مِّنَ الأولين ﴾ من متقدّمي هذه الأمة، و ﴿ مِّنَ الأخرين ﴾ من متأخريها.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «الثلتان جميعاً من أمّتي» فإن قلت: كيف قال: ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَثُلَّةٌ مّنَ الأخرين (40) ﴾ ؟
قلت: هذا في السابقين وذلك في أصحاب اليمين؛ وأنهم يتكاثرون من الأولين والآخرين جميعاً.
فإن قلت: فقد روى أنها لما نزلت شق ذلك على المسلمين، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثَلة من الأولين وثلة من الأخرين ﴾ [الواقعة: 39- 40].
قلت: هذا لا يصح لأمرين، أحدهما: أنّ هذه الآية واردة في السابقين وروداً ظاهراً، وكذلك الثانية في أصحاب اليمين.
ألا ترى كيف عطف أصحاب اليمين ووعدهم، على السابقين ووعدهم، والثاني: أنّ النسخ في الأخبار غير جائز وعن الحسن رضي الله عنه: سابقو الأمم أكثر من سابقي أمّتنا، وتابعو الأمم مثل تابعي هذه الأمّة.
وثلة: خبر مبتدإ محذوف، أي: هم ثلة ﴿ مَّوْضُونَةٍ ﴾ مرمولة بالذهب، مشبكة بالدرّ والياقوت، قد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع.
قال الأعشى: وَمِنْ نَسْجِ دَاوُدَ مَوْضُونَة وقيل: متواصلة، أدنى بعضها من بعض.
﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ حال من الضمير في على، وهو العامل فيها، أي: استقرّوا عليها متكئين ﴿ متقابلين ﴾ لا ينظر بعضهم في أقفاء بعض.
وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق والآداب ﴿ مُّخَلَّدُونَ ﴾ مبقون أبداً على شكل الولدان وحدّ الوصافة لا يتحوّلون عنه.
وقيل: مقرّطون، والخلدة: القرط.
وقيل: هم أولاد أهل الدنيا: لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.
روى عن علي رضي الله عنه وعن الحسن.
وفي الحديث: «أولاد الكفار خدّام أهل الجنة» الأكواب: أوان بلا عرى وخراطيم، والأباريق، ذوات الخراطيم ﴿ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا ﴾ أي بسببها، وحقيقته: لا يصدر صداعهم عنها.
أو لا يفرّقون عنها.
وقرأ مجاهد: ﴿ لا يصدعون ﴾ ، بمعنى: لا يتصدعون لا يتفرقون، كقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ [الروم: 43] ويصدعون، أي: لا يصدع بعضهم بعضاً، لا يفرّقونهم ﴿ يَتَخَيَّرُونَ ﴾ يأخذون خيره وأفضله ﴿ يَشْتَهُونَ ﴾ يتمنون.
وقرئ: ﴿ ولحوم طير ﴾ قرئ: ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع على: وفيها حور عين، كبيت الكتاب: إِلاَّ رَوَاكِدُ جَمْرُهُنَّ هَبَاء ** وَمُشَجَّجٌ............
أو للعطف على ولدان، وبالجر: عطفاً على جنات النعيم، كأنه قال: هم في جنات النعيم، وفاكهة ولحم وحور.
أو على أكواب، لأن معنى ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولدان مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ ﴾ ينعمون بأكواب، وبالنصب على: ويؤتون حورا ﴿ جَزَآءً ﴾ مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك كله جزاء بأعمالهم ﴿ سلاما سلاما ﴾ إما بدل من ﴿ قِيلاً ﴾ بدليل قوله ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سلاما ﴾ [مريم: 62] وإما مفعول به لقيلا، بمعنى: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما.
والمعنى: أنهم يفشون السلام بينهم، فيسلمون سلاماً بعد سلام.
وقرئ: ﴿ سلام سلام ﴾ ، على الحكاية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ﴾ باطِلًا.
﴿ وَلا تَأْثِيمًا ﴾ ولا نِسْبَةً إلى الإثْمِ أيْ لا يُقالُ لَهم أثِمْتُمْ.
﴿ إلا قِيلا ﴾ أيْ قَوْلًا.
﴿ سَلامًا سَلامًا ﴾ بَدَلٌ مِن قِيلًا كَقَوْلِهِ: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا ﴾ أوْ صِفَتُهُ أوْ مَفْعُولُهُ بِمَعْنى إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا، أوْ مَصْدَرٌ والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ بَيْنَهم.
وقُرِئَ «سَلامٌ سَلامٌ» عَلى الحِكايَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما} إلا قولاً ذا سلامة والاستثناء منقطع وسلاما بدل من قيلا او مفعول به لقيلا أي لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما والمعنى انه يفشون السلام بينهم فيسلمون سلاماً بعد سلام
﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ﴾ ما لا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الكَلامِ وهو الَّذِي يُورَدُ لا عَنْ رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ فَيَجْرِي مَجْرى اللَّغا - وهو صَوْتُ العَصافِيرِ ونَحْوِها مِنَ الطَّيْرِ - وقَدْ يُسَمّى كُلُّ كَلامٍ قَبِيحٍ لَغْوًا ﴿ ولا تَأْثِيمًا ﴾ أيْ ولا نِسْبَةً إلى الإثْمِ أيْ لا يُقالُ لَهم أثِمْتُمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ تَفْسِيرَهُ بِالكَذِبِ، وأخْرَجَهُ هَنّادٌ عَنِ الضَّحّاكِ - وهو مِنَ المَجازِ كَما لا يَخْفى - والكَلامُ مِن بابِ ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ ﴿ إلا قِيلا ﴾ أيْ قَوْلًا فَهو مَصْدَرٌ مِثْلُهُ ﴿ سَلامًا سَلامًا ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ قِيلا ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: هو صِفَةٌ لَهُ بِتَأْوِيلِهِ بِالمُشْتَقِّ أيْ سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ أوْ مَفْعُولُهُ، والمُرادُ لَفْظُهُ فَلِذا جازَ وُقُوعُهُ مَفْعُولًا لِلْقَوْلِ مَعَ إفْرادِهِ، والمَعْنى إلّا أنْ يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ( سَلاما)، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِهِ وهو مَقُولُ القَوْلِ ومَفْعُولُهُ حِينَئِذٍ أيْ نُسَلِّمُ سَلامًا، والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ وكَثْرَتِهِ فِيما بَيْنَهم لِأنَّ المُرادَ سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ وهو مِن تَأْكِيدِ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ مُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونَ مِنَ الضَّرْبِ الأوَّلِ مِنهُ، وهو أنْ يُسْتَثْنى مِن صِفَةِ ذَمٍّ مَنفِيَّةٍ عَنِ الشَّيْءِ صِفَةَ مَدْحٍ لَهُ بِتَقْدِيرِ دُخُولِها فِيها بِأنْ يُقَدَّرَ السَّلامُ هُنا داخِلًا فِيما قِيلَ فَيُفِيدُ التَّأْكِيدَ مِن وجْهَيْنِ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الضَّرْبِ الثّانِي مِنهُ وهو أنْ يُثْبِتَ لِشَيْءٍ صِفَةَ مَدْحٍ ويُعَقِّبَ بِأداةِ اسْتِثْناءٍ يَلِيها صِفَةُ مَدْحٍ أُخْرى بِأنْ لا يُقَدِّرَ ذَلِكَ، ويَجْعَلُ الِاسْتِثْناءَ مِن أصْلِهِ مُنْقَطِعًا فَيُفِيدُ التَّأْكِيدَ مِن وجْهٍ، ولَوْلا ذِكْرُ التَّأْثِيمِ - عَلى ما قالَهُ السَّعْدُ - جازَ جَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا حَقِيقَةً لِأنَّ مَعْنى السَّلامِ الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ وأهْلُ الجَنَّةِ أغْنِياءُ عَنْ ذَلِكَ فَكانَ ظاهِرُهُ مِن قَبِيلِ اللَّغْوِ وفُضُولِ الكَلامِ لَوْلا ما فِيهِ مِن فائِدَةِ الإكْرامِ، وإنَّما مُنِعَ التَّأْثِيمُ الَّذِي هو النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ جَعْلُ السَّلامِ مِن قَبِيلِهِ ولَيْسَ لَكَ في الكَلامِ أنْ تَذْكُرَ مُتَعَدِّدَيْنِ ثُمَّ تَأْتِي بِالِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ مِنَ الأوَّلِ مِثْلَ أنْ تَقُولَ: ما جاءَ مِن رَجُلٍ ولا امْرَأةٍ إلّا زَيْدًا ولَوْ قَصَدْتَ ذَلِكَ كانَ الواجِبُ أنْ تُؤَخِّرَ ذِكْرَ الرَّجُلِ، وقُرِئَ - سَلامٌ سَلامٌ - بِالرَّفْعِ عَلى الحِكايَةِ، <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ يعني: السابقين إلى الإيمان، والجهاد، والطاعات السَّابِقُونَ يعني: هم السَّابِقُونَ إلى الجنة.
فذكر الأصناف الثلاثة.
أحدها أصحاب اليمين، الثاني أصحاب الشمال، والثالث السابقون.
ثم وصف كل صنف منهم بصفة، فبدأ بصفة السابقين فقال: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ يعني: المقربين عند الله في الدرجات فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ يعني: في جنات عدن ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: إن السابقين تكون جماعة من الأولين.
يعني: من أول هذه الأمة مثل الصحابة، والتابعين وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: إن السابقين في آخر هذه الأمة يكون قليلاً.
وقال بعضهم: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني جميعاً من الأمم الخالية، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: من هذه الأمة.
فحزن المسلمون بذلك حتى نزلت ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فطابت أنفسهم.
والطريق الأول أصح.
وروي عن النبيّ أنه قال: «كِلْتَا الثُّلَّتَيْنِ مِنْ أُمَّتِي» .
وروي عن عبد الله بن يزيد قال: قال رسول الله : «أَهْلَ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةَ صِنْفٍ هذه الأُمّةِ مِنْهَا ثَمَانُونَ صِنْفاً» .
ثم قال: عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ يعني: إن السابقين في الجنة على سرر منسوجة بالدر والياقوت.
وقال مجاهد: مَوْضُونَةٍ بالذهب.
وقال القتبي: مَوْضُونَةٍ أي: منسوجة.
كأن بعضها أدخل في بعض، أو نضد بعضها على بعض، ومنه قيل للدرع مَوْضُونَةٍ.
ثم قال: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ يعني: ناعمين على سرر متقابلين في الزيادة.
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعمين.
وقال مجاهد: مُتَقابِلِينَ يعني: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.
ثم قال عز وجل: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ يعني: في الخدمة وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ يعني: غلماناً خلدوا في الجنة.
ويقال: على سن واحد لا يتغيرون، لأنهم خلقوا للبقاء ومن خلق للبقاء، لا يتغير.
ويقال: مُخَلَّدُونَ يعني: لا يكبرون.
ويقال: هم أولاد الكفار لم يكن لهم ذنب يعذبون، ولا طاعة يثابون، فيكونون خداماً لأهل الجنة.
قوله تعالى: بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ هي التي لها عرى.
ثم قال: وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ يعني: خمراً بيضاء من نهر جار لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْها يعني: لا يصدع رؤوسهم بشرب الخمر في الآخرة وَلا يُنْزِفُونَ يعني: لا تذهب عقولهم، ولا ينفد شرابهم.
ثم قال: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يعني: ما يتمنون، ويختارون من ألوان الفاكهة وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يعني: إن شاء مشويّاً، وإن شاء مطبوخاً.
ثم قال عز وجل: وَحُورٌ عِينٌ قرأ حمزة، والكسائي وَحُورٌ عِينٌ بالكسر عطفاً على قوله: بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ والباقون وَحُورٌ عِينٌ بالضم.
ومعناها: ولهم حور عين، والحور: البيض، والعين: الحسان الأعين كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ يعني: اللؤلؤ الذي في الصدف، لم تمسه الأيدي، ولم تره الأعين، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: هذه الجنة مع هذه الكرامات، ثواباً لأعمالهم.
ثم قال: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً يعني: في الجنة حلفاً، وكذباً، وَلا تَأْثِيماً يعني: كلاماً فيها عند الشرب كما يكون في الدنيا ويقال ولا تأثيماً يعني: ولا إثم عليهم فيما شربوا إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً يعني: إلا قولاً وكلاماً يسلم بعضهم على بعض، ويبعث الله تعالى إليهم الملائكة بالسلام، فهذا كله نعت السابقين.
ثم ذكر الصنف الثاني فقال: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحابُ الْيَمِينِ يعني: ما لأصحاب اليمين من الخير، والكرامة، على وجه التعجب.
ثم وصف حالهم فقال: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ يعني: لا شوك له كالدر الذي يكون في الدنيا.
وقال قتادة: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ يعني: كثير الحمل.
أي: ليس له شوك.
وقال القتبي: كأنه نضد شوكه.
يعني: قطع.
وروي في الخبر: أنه لما نزل ذكر السدر، قال أهل الطائف: إنها سِدْرنا هذا.
فنزل مَخْضُودٍ يعني: موقر بلا شوك.
ثم قال: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وقال مقاتل: يعني: الموز المتراكم بعضه على بعض.
وقال قتادة: هو الموز، وهذا روي عن ابن عباس.
والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره.
ويروى عن علي بن أبي طالب أنه قرأ: وطلع مَّنْضُودٍ كقوله تعالى: طَلْعٌ نَضِيدٌ كقوله تعالى: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ يعني: دائماً لا يزول.
وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة : قال: في الجنة شجرة يسير الراكب، في ظلها مائة عام، ما يقطعها اقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ.
ثم قال: وَماءٍ مَسْكُوبٍ يعني: منصباً كثيراً.
ويقال: يعني منصباً من ساق العرش وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ يعني: الفاكهة كثيرة لاَّ مَقْطُوعَةٍ يعني: لاَّ مَقْطُوعَةٍ يعني: لا تنقطع عنهم في حين كما يكون في فواكه الدنيا، بل توجد في جميع الأوقات وَلا مَمْنُوعَةٍ يعني: لا تمنع منهم، والممنوعة أن ينظر إليها، ولا يقدر أن يأكلها كأشجار الدنيا.
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ بعضها فوق بعض مرتفعة.
ثم قال عز وجل: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً يعني: الجواري، والزوجات.
يقال: نساء الدنيا خلقناهن خلقاً بعد خلق الدنيا.
ويقال: إنهن أفضل، وأحسن من حور الجنة، لأنهن عملن في الدنيا، والحور لم يعملن.
وعن أنس بن مالك، قال النبيّ : إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً قال: «إنَّ مِنَ المُنْشِآتِ الَّتِي كُنَّ فِي الدُّنْيَا عَجِائِزَ عُمْشاً رُمْصاً زُمْناً» .
ثم قال: فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً يعني: خلقناهن أبكارا عذارى.
<div class="verse-tafsir"
دخول الجنة هو برحمة اللَّه وفضله، لا بعمل عامل كما جاء في الصحيح «١» .
وقوله تعالى: إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً قال أبو حيان «٢» : «إلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً» الظاهر أَنَّ الاستثناءَ مُنْقَطِعٌ لأَنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في اللغو والتأثيم، وقيل مُتَّصِلٌ، وهو بعيد، انتهى، قال الزّجّاج «٣» : وسَلاماً مصدر، كأَنَّهُ يذكر أَنَّهُ يقول بعضهم لبعض: سلاماً سلاماً.
ت: قال الثعلبيُّ: والسِّدْرُ: شجر النبق ومَخْضُودٍ أي: مقطوع الشوك، قال- عليه السلام «٤» : ولأهل تحرير النظر هنا إشارةٌ في أَنَّ هذا الخضد بإزاء أعمالهم التي سلموا منها إذ أهل اليمين تَوَّابُونَ لهم سلام، وليسوا بسابقين، قال الفخر: وقد بان لي بالدليل أَنَّ المراد بأصحاب اليمين: الناجون الذين أذنبوا وأسرفوا، وعفا اللَّه تعالى عنهم بسبب أدنى حَسَنَةٍ لا الذين غلبت حسناتُهُم وكَثُرَتْ، انتهى.
والطلح (من العِضَاهِ) شَجَرٌ عظيم، كثيرُ الشوك، وصفه في الجنة على صفة مباينة لحال الدنيا، ومَنْضُودٍ معناه: مُرَكَّبٌ ثمره بعضُه على بعض من أرضه إلى أعلاه، وقرأ علي- رضي اللَّه عنه- وغيره: «وَطَلْعٍ» «٥» فقيل لعليِّ: إنَّما هو: «وطَلْحٍ» فقال: ما للطلح والجنة؟!
قيل له: أَنُصْلِحُهَا في المصحف؟
فقال: إنَّ المصحفَ اليومَ لا يهاج ولا يغيّر.
وقال عليُّ أيضاً وابن عباس «١» : الطلح الموز، والظل الممدود: معناه: الذي لا تنسخه شمس، وتفسير ذلك في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ الجَوَادُ المُضَمَّر في ظِّلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ لاَ يَقْطَعْها» «٢» ، واقرؤوا إنْ شِئْتُمْ: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ، إلى غير هذا من الأحاديث في هذا المعنى.
ت: وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ في الجَنَّةِ شَجْرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ لاَ يَقْطَعُهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوْ تَغْرُبُ» »
انتهى.
وَماءٍ مَسْكُوبٍ أي: جارٍ في غير أُخْدُودٍ.
لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ أي: لا مقطوعة بالأزمان كحال فاكهة الدنيا، ولا ممنوعةٌ بوجه من الوجوه التي تمتنع بها فاكهةُ الدنيا، والفُرُشُ: الأَسِرَّةُ وعن أبي سعيد الخُدْرِيِّ «٤» : إنَّ في ارْتِفَاعِ السَّرِيرِ مِنْهَا مَسِيرَةَ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ.
ت: وهذا إنْ ثبت فلا بُعْدَ/ فيه، إذْ أحوال الآخرة كلها خَرْقُ عادة، وقال أبو عبيدةَ وغيره: أراد بالفرش النساء «٥» ، ومَرْفُوعَةٍ معناه: في الأقدار والمنازل، وأَنْشَأْناهُنَّ معناه: خلقناهن شيئاً بَعْدَ شيء وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في تفسير هذه الآية: «هنّ
عّجائِزُكُنَّ في الدُّنْيَا عُمْشاً رُمْصاً جَعَلَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ أَتْرَاباً» «١» ، وَقَالَ لِلْعَجُوزِ: «إنَّ الْجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا الْعَجُوزُ، فَحَزِنَتْ، فَقَالَ: إنَّكِ إذَا [دَخَلْتِ الْجَنَّةَ أُنْشِئْتِ خَلْقاً آخَرَ «٢» » .
وقوله سبحانه: فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً قيل: معناه: دائمة البكارة، متى عاود الوطء] «٣» وجدها بكراً، والعُرُبُ: جمع عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زوجها بإِظهار محبته قاله ابن عباس «٤» ، وعبر عنهنَّ ابن عباس أيضاً بالعواشق «٥» ، وقال زيد: العروب: الحسنة الكلام «٦» .
ت: قال البخاريُّ: والعروب يسميها أَهْلُ مَكَّةَ العَرِبَةَ، وأهل المدينة: الغَنِجَة، وأَهل العراق: الشَّكِلَة، انتهى.
وقوله: أَتْراباً معناه: في الشكل والقَدِّ، قال قتادة «٧» : أَتْراباً يعني: سِنًّا واحدة، ويُرْوَى أَنَّ أَهل الجنة هم على قَدِّ ابن أربعةَ عَشَرَ عاماً في الشباب، والنُّضْرَةِ، وقيل: على مثال أبناء ثلاثٍ وثلاثين سنةً، مُرْداً بيضاً، مُكَحَّلِينَ، زاد الثعلبيُّ: على خَلْقِ آدَم، طولُه ستون ذراعا في سبعة أذرع.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ الثُّلَّةُ: الجَماعَةُ غَيْرُ مَحْصُورَةِ العَدَدِ.
وَفِي الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الأوَّلِينَ: الَّذِينَ كانُوا مِن زَمَنِ آدَمَ إلى زَمَنِ نَبِيِّنا ، والآخِرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ.
والثّانِي: [أنَّ الأوَّلِينَ]: أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ، والآخِرِينَ: التّابِعُونَ.
والثّالِثُ: أنَّ الأوَّلِينَ [والآخِرِينَ: مِن] أصْحابِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ .
فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: إنَّ الأوَّلِينَ السّابِقَيْنِ جَماعَةٌ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ الَّذِينَ سَبَقُوا بِالتَّصْدِيقِ لِأنْبِيائِهِمْ مَن جاءَ بَعْدَهم مُؤْمِنًا، وقَلِيلٌ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، لِأنَّ الَّذِينَ عايَنُوا الأنْبِياءَ أجْمَعِينَ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ نَبِيَّنا وصَدَّقَ بِهِ.
وَعَلى الثّانِي: أنَّ السّابِقَيْنِ: جَماعَةٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ، وهُمُ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقَلِيلٌ مِنَ التّابِعَيْنِ وهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ.
وَعَلى الثّالِثِ: أنَّ السّابِقَيْنِ: الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقَلِيلٌ مِمَّنْ جاءَ بِعْدَهم لِعَجْزِ المُتَأخِّرِينَ أنْ يَلْحَقُوا الأوَّلِينَ، فَقَلِيلٌ مِنهم مَن يُقارِبُهم في السَّبْقِ.
وَأمّا "المَوْضُونَةٌ" فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي المَنسُوجَةُ، كَأنَّ بَعْضَها أُدْخِلَ في بَعْضٍ، أوْ نُضِّدَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، ومِنهُ قِيلَ لِلدِّرْعِ: مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قِيلَ: وضِينُ النّاقَةِ، وهو بِطانٌ مِن سُيُورٍ يُدْخَلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ.
قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: الآجُرُّ مَوْضُونٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، أيْ: مُشْرَجٌ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى "مَوْضُونَةٍ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ، وهَذا مَعْنى ما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: مَصْفُوفَةٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [الكَهْفِ: ٣٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ الوِلْدانُ: الغِلْمانُ.
وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: هَؤُلاءِ أطْفالٌ لَمْ يَكُنْ لَهم حَسَناتٌ فَيُجْزَوْنَ بِها، ولا سَيِّئاتٌ فَيُعاقَبُونَ عَلَيْها، فَوُضِعُوا بِهَذا المَوْضِعِ.
وَفِي المُخَلَّدِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الخُلْدِ؛ والمَعْنى: أنَّهم مَخْلُوقُونَ لِلْبَقاءِ لا يَتَغَيَّرُونَ، وهم عَلى سِنٍّ واحِدٍ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلْإنْسانِ إذا كَبُرَ ولَمْ يَشْمَطْ: أوْ لَمْ تَذْهَبْ أسْنانُهُ عَنِ الكِبَرِ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُقَرَّطُونَ، ويُقالُ: المُسَوَّرُونَ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأكْوابٍ وأبارِيقَ ﴾ الكُوبُ: إناءٌ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في [الزُّخْرُفِ: ٧٢]؛ والأبارِيقُ: آنِيَةٌ لَها عُرًى وخَراطِيمُ؛ وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: الإبْرِيقُ: فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وتَرْجَمَتُهُ مِنَ الفارِسِيَّةِ أحَدُ شَيْئَيْنِ، إمّا أنْ يَكُونَ: طَرِيقَ الماءِ، أوْ: صَبَّ الماءِ عَلى هِينَةٍ، وقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ قَدِيمًا، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: ودَعا بِالصَّبُوحِ يَوْمًا فَجاءَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ وَباقِي الآياتِ في [الصّافّاتِ: ٤٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَلْحَقُهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ شارِبِي خَمْرِ الدُّنْيا.
و"عَنْها" كِنايَةٌ عَنِ الكَأْسِ المَذْكُورِ، والمُرادُ بِها: الخَمْرُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: لا يَتَفَرَّقُونَ عَنْها، مِن قَوْلِكَ: صَدَّعْتُهُ فانْصَدَعَ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
﴿ وَلا "يُنْزِفُونَ" ﴾ مُفَسَّرٌ في [الصّافّاتِ: ٤٧] .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ أيْ: يَخْتارُونَ، تَقُولُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ: إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَحْمِ طَيْرٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَخْطُرُ عَلى قَلْبِهِ الطَّيْرُ، فَيَصِيرُ مُمَثَّلًا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى ما اشْتَهى.
وقالَ مُغِيثُ بْنُ سُمَيٍّ: تَقَعُ عَلى أغْصانِ شَجَرَةِ طُوبى طَيْرٌ كَأمْثالِ البُخْتِ، فَإذا اشْتَهى الرَّجُلُ طَيْرًا دَعاهُ، فَيَجِيءُ حَتّى يَقَعَ عَلى خِوانِهِ، فَيَأْكُلُ مِن أحَدِ جانِبَيْهِ قَدِيدًا والآخَرِ شِواءً، ثُمَّ يَعُودُ طَيْرًا فَيَطِيرُ فَيَذْهَبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحُورٌ عِينٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَحُورٌ عِينٌ" بِالرَّفْعِ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: بِالخَفْضِ فِيهِما.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَّصْبِ فِيهِما.
قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِينَ رَفَعُوا كَرِهُوا الخَفْضَ، لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ﴾ ، قالُوا: والحُورُ لَيْسَ مِمّا يُطافُ بِهِ، ولَكِنَّهُ مَخْفُوضٌ عَلى غَيْرِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَؤُلاءِ، لِأنَّ المَعْنى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأكْوابٍ يَنْعَمُونَ بِها، وكَذَلِكَ يَنْعَمُونَ بِلَحْمِ طَيْرٍ، فَكَذَلِكَ يَنْعَمُونَ بِحُورِ عِينٍ، والرَّفْعُ أحْسَنُ، والمَعْنى: ولَهم حُورٌ عِينٌ؛ ومَن قَرَأ "وَحُورًا عِينًا" حَمَلَهُ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: يُعْطَوْنَ هَذِهِ الأشْياءَ ويُعْطَوْنَ حُورًا عِينًا، إلّا أنَّها تُخالِفُ المُصْحَفَ فَتُكْرَهُ.
ومَعْنى ﴿ كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ ﴾ أيْ: صَفاؤُهُنَّ وتَلَأْلُؤُهُنَّ كَصَفاءِ اللُّؤْلُؤِ وتَلَأْلُئِهِ.
والمَكْنُونُ: الَّذِي لَمْ يُغَيِّرْهُ الزَّمانُ واخْتِلافُ أحْوالِ الِاسْتِعْمالِ، فَهُنَّ كاللُّؤْلُؤِ حِينَ يَخْرُجُ مِن صَدَفِهِ.
"جَزاءً" مَنصُوبٌ مَفْعُولٌ لَهُ؛ والمَعْنى: يُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ جَزاءً بِأعْمالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، لِأنَّ مَعْنى ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ : يُجازَوْنَ جَزاءً بِأعْمالِهِمْ؛ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ عَلى هَذا الوَجْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ﴾ قَدْ فَسَّرْنا مَعْنى اللَّغْوِ والسَّلامِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: ٦٢] ومَعْنى التَّأْثِيمِ في [الطُّورِ: ٢٣] ومَعْنى ﴿ ما أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ [الواقِعَةِ: ٩] .
فَإنْ قِيلَ: التَّأْثِيمُ لا يُسْمَعُ فَكَيْفَ ذَكَرَهُ مَعَ المَسْمُوعِ؟
فالجَوابُ: أنَّ العَرَبَ يُتْبِعُونَ آخِرَ الكَلامِ أوَّلَهُ، وإنْ لَمْ يَحْسُنْ في أحَدِهِما ما يَحْسُنُ في الآخَرِ، فَيَقُولُونَ: أكَلْتُ خُبْزًا ولَبَنًا، واللَّبَنُ لا يُؤْكَلُ، إنَّما حَسُنَ هَذا لِأنَّهُ كانَ مَعَ ما يُؤْكَلُ، قالَ الفَرّاءُ: أنْشَدَنِي بَعْضُ العَرَبِ: إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعَيُونا قالَ: والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ إنَّما تُكَحَّلُ، فَرَدَّها عَلى الحاجِبِ لِأنَّ المَعْنى يُعْرَفُ، وأنْشَدَنِي آخَرُ: ولَقِيتُ زَوْجَكِ في الوَغى ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وَأنْشَدَنِي آخَرُ: عَلَفَتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا والماءُ لا يُعْلَفُ وإنَّما يُشْرَبُ، فَجَعَلَهُ تابِعًا لِلتِّبْنِ؛ قالَ الفَرّاءُ: وهَذا [هُوَ] وَجْهُ قِراءَةِ مَن قَرَأ، "وَحُورٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، لِإتْباعِ آخَرِ الكَلامِ أوَّلَهُ، وهو وجْهُ العَرَبِيَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ ﴿ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ ﴾ ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ ﴿ بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ ﴾ ﴿ لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ ﴾ ﴿ وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ ﴿ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ ﴾ ﴿ وَحُورٌ عِينٌ ﴾ ﴿ كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ ﴾ ﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا ﴾ ﴿ إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا ﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ.
ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ فَرَضُوا، ورُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ".
وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ.
ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى.
و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُصَدَّعُونَ عنها ﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .............
∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ.
وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ".
وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ".
قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ".
وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ".
وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ : « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» ، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ.
و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.
<div class="verse-tafsir"
الجار والمجرور خبر ثالث عن ﴿ أولئك المقربون ﴾ [الواقعة: 11] أو حال ثانية من اسم الإِشارة.
وهذا تبشير ببعض ما لهم من النعيم مما تشتاق إليه النفوس في هذه الحياة الدنيا لتشويقهم إلى هذا المصير فيسعوا لنواله بصالح الأعمال، وليس الاقتصار على المذكور هنا بمقتض حصر النعيم فيما ذكر فقد قال الله تعالى: ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين ﴾ [الزخرف: 71].
والسُرر: جمع سرير، وهو كرسي طويل متسع يجلس عليه المتكئ والمضطجع، له سُوق أربع مرتفع على الأرض بنحو ذراع يُتخذ من مختلف الأعواد ويتخذه الملوك من ذهب ومن فضة ومن عاج ومن نفيس العود كالأبنوس ويتخذه العظماء المترفهون من الحديد الصرف ومن الحديد الملون أو المزين بالذهب.
والسرير مجلس العظماء والملوك.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ على سرر متقابلين ﴾ في سورة الصافات (44).
والموضونة: المسبوك بعضها ببعض كما تسبك حلق الدروع وإنما توضن سطوحها وهي ما بين سوقها الأربع حيث تلقى عليها الطنافس أو الزرابي للجلوس والاضطجاععِ ليكون ذلك المَفْرَش وثيراً فلا يؤلم المضطجع ولا الجالس.
وفسر بعضهم موضونة} بمرمولة، أي منسوجة بقضبان الذهب.
والاتكاء: اضطجاع مع تباعد أعلى الجنب، والاعتمادِ على المرفق، وتقدم في سورة الرحمن.
والتقابل: من تمام النعيم لما فيه من الأنس بمشاهدة الأصحاب والحديث معهم.
وقوله: ﴿ يطوف عليهم ولدان مخلدون ﴾ بيان لجملة ﴿ في جنات النعيم ﴾ [الواقعة: 12] وتقدم قريب منه في سورة الصافات.
والطواف: المشي المكرر حول شيء وهو يقتضي الملازمة للشيء.
ووصف الولدان بالمخلدين، أي دائمين على الطواف عليهم ومناولتهم لا ينقطعون عن ذلك.
وإذ قد ألفوا رؤيتهم فمن النعمة دوامهم معهم.
وقد فسر ﴿ مخلدون ﴾ بأنهم مخلدون في صفة الولدان، أي بالشباب والغضاضة، أي ليسوا كولدان الدنيا يصيرون قريباً فتياناً فكهولاً فشيوخاً.
وفسره أبو عبيدة بأنهم مقرطون بالأقراط.
والقرط يسمى خُلْداً وخَلَدا وجمعه خِلَدَة كقِردة وهي لغة حميرية استعملها العرب كلهم وكانوا يحسِّنون غلمانهم بالأقراط في الآذان.
والأكواب: جمع كوب، وهو إناء الخمر لا عروة له وله خرطوم وفيه استدارة متسعٌ موضعُ الشرب منه فهو كالقَدَح.
والأباريق: جمع إبريق وهو إناء تحمل فيه الخمر للشاربين فتُصب في الأكواب، والإِبريق له خرطوم وعروة.
والكأس: إناء للخمر كالكوب إلا أنه مستطيل ضيق المَشرب وتقدم في سورة الصافات.
والكأس جنس يصدق بالواحد والمتعدد فليس إفراده هنا للوحدة فإن المراد كؤوس كثيرة كما اقتضاه جمع أكواب وأباريق، فإذا كانت آنية حمل الخمر كثيرة كانت كؤوس الشاربين أكثر، وإنما أوثرت صيغة المفرد لأن في لفظ كؤوس ثقلاً بوجود همزة مضمومة في وسطه مع ثقل صيغة الجمع.
والمعين: الجاري، والمراد به الخمر التي لكثرتها تجري في المجاري كما يجري الماء وليست قليلة عزيزة كما هي في الدنيا، قال تعالى: ﴿ وأنهارٌ من خمر لذة للشاربين ﴾ [محمد: 15].
وليس المراد بالمَعين الماء لأن الكأس ليست من آنية الماء وإنما آنيتهما الأقداح، وقد تقدم في سورة الصافات (45، 47) ﴿ يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غَول ولا هم عنها ينزفون ﴾ وتلك صفات الخمر.
والتصديع: الإِصابة بالصُداع، وهو وجع الرأس من الخُمار الناشئ عن السكر، أي لا تصيبهم الخمر بصُداع.
ومعنى (عنها) مجاوزين لها، أي لا يقع لهم صداع ناشئ عنها، أي فهي منزهة عن ذلك بخلاف خمور الدنيا فاستعملت (عن) في معنى السببية.
وعُطف ولا ينزفون } على ﴿ لا يصدعون عنها ﴾ فيقدر له متعلق دل عليه متعلق ﴿ لا يصدعون ﴾ فقد قال في سورة الصافات (47)، ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ أي لا يعتريهم نَزْف بسببها كما يحصل للشاربين في الدنيا.
والنزْف: اختلاط العقل، وفعله مبني للمجهول يقال: نُزف عقله مثل: عُني فهو منزوف.
وقرأ الجمهور يُنزَفون} بفتح الزاي من أنزف الذي همزته للتعدية.
وقرأه حمزة والكسائي وخلف بكسر الزاي من أنزف المهموز القاصر إذا سَكر وذهر عقله.
والفاكهة: الثمار والنقول كاللوز والفستق، وتقدم في سورة الرحمن.
وعطف ﴿ فاكهة ﴾ على ﴿ أكواب ﴾ ، أي ويطوفون عليهم بفاكهة وذلك أَدْخل في الدعة وألذّ من التناول بأيديهم، على أنهم إن اشتهوا اقتطافها بالأيدي دنت لهم الأغصان فإن المرء قد يشتهي تناول الثمرة من أغصانها.
و ﴿ ما يتخيرون ﴾ : الجنس الذي يختارونه ويشتهونه، أي يطوفون عليهم بفاكهة من الأنواع التي يختارونها، ففعل ﴿ يتخيرون ﴾ يفيد قوة الاختيار.
و«لحم الطير»: هو أرفع اللحوم وأشْهاها وأعزها.
وعطف ﴿ ولحم طير ﴾ على ﴿ فاكهة ﴾ كعطف ﴿ فاكهة ﴾ على (أكواب).
والاشتهاء: مصدر اشتهى، وهو افتعال من الشهوة التي هي محبة نيل شيء مرغوب فيه من محسوسات ومعنويات، يقال: شَهِي كَرضِي، وشَهَا كدعا.
والأكثر أن يقال: اشتهى، والافتعال فيه للمبالغة.
وتقديم ذكر الفاكهة على ذكر اللحم قد يكون لأن الفواكه أعزّ.
وبهذا يظهر وجه المخالفة بين الفاكهة ولحم طير فجُعل التخيُّر للأول.
والاشتهاءُ للثاني ولأن الاشتهاء أعلق بالطعام منه بالفواكه، فلذة كَسْر الشاهية بالطعام لذة زائدة على لذة حسن طَعمه، وكثرة التخيّر للفاكهة هي لذة تلوين الأصناف.
و ﴿ حور عين ﴾ عطف على ﴿ ولدان مخلدون ﴾ ، أي ويطوف عليهم حور عين.
والحور العين: النساء ذوات الحَوَر، وتقدم في سورة الرحمن.
وذوات العَين وهو سعة العين وتقدم في سورة الصافات.
وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر ﴿ وحورٍ عينٍ ﴾ بالكسر فيهما على أن ﴿ حور ﴾ عطف على ﴿ أكواب ﴾ عطفَ معنى من باب قوله: وزجَّجن الحَواجب والعيونا *** بتقدير: وكَحَّلْن العيون، أو يعطف على ﴿ جنات ﴾ ، أي وفي حور عين، أي هم في حور عين أو محاطون بهن ومحدقون بهن.
والمراد: أزواج السابقين في الجنة وهن المقصورات في الخيام.
والأمثال: الأشباه.
ودخول كاف التشبيه على (أمثال) للتأكيد مثل قوله تعالى: ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ [الشورى: 11].
والمعنى: هن أمثالُ اللؤلؤ المكنون.
و ﴿ اللؤلؤ ﴾ : الدرّ، وتقدم تبيينه عند قوله تعالى: ﴿ يُحَلَّون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ﴾ في سورة الحج (23).
والمكنون}: المخزون المخبأ لنفاسته، وتقدم في سورة الصافات.
وانتصب ﴿ جزاء ﴾ على المفعول لأجله لفعل مقدر دل عليه قوله: ﴿ المقربون ﴾ [الواقعة: 11]، أي أعطيناهم ذلك جزاء، ويجوز أن يكون ﴿ جزاء ﴾ مصدراً جاء بدلاً عن فعله، والتقدير: جازيناهم جزاءً.
والجملة على التقديرين اعتراض تفيد إظهار كرامتهم بحيث جعلت أصناف النعيم الذين حُظُوا به جزاء على عمل قدّموه وذلك إتمام لكونهم مقربين.
ثم أكمل وصف النعيم بقوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً ﴾ ، وهي نعمة روحية فإن سلامة النفس من سماع ما لا يُحَب سماعه ومن سماع ما يكره سماعه من الأذى نعمة براحة البال وشغله بسماع المحبوب.
واللغو: الكلام الذي لا يعتدّ به كالهذيان، والكلام الذي لا محصل له.
والتأثيم: اللَّوم والإِنكار، وهو مصدر أَثَّم، إذا نسب غيره إلى الإثم.
وضمير ﴿ فيها ﴾ عائد إلى ﴿ جنات النعيم ﴾ [الواقعة: 12].
وأتبع ذكر هذه النعمة بذكر نعمة أخرى من الأنعام بالمسموع الذي يفيد الكرامة لأن الإِكرام لذة رُوحية يُكسب النفس عزة وإدلالاً بقوله: ﴿ إلا قيلاً سلاماً سلاماً ﴾ .
وهو استثناء من ﴿ لغواً وتأثيماً ﴾ بطريقة تأكيد الشيء بما يشبه ضده المشتهر في البديع باسم تأكيد المدح لما يشبه الذم، وله موقع عظيم من البلاغة كقوله النابغة: ولا عيب فيهم غيرَ أنّ سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب فالاستثناء متصل إدعاءً وهو المعبر عنه بالاستثناء المنقطع بحسب حاصل المعنى، وعليه فإن انتصاب ﴿ قيلاً ﴾ على الاستثناء لا على البدلية من ﴿ لغواً ﴾ .
و ﴿ سلاماً ﴾ الأول مقول ﴿ قيلاً ﴾ أي هذا اللفظ الذي تقديره: سَلمنا سَلاماً، فهو جملة محكية بالقول.
و ﴿ سلاماً ﴾ الثاني تكرير ل ﴿ سلاماً ﴾ الأول تكريراً ليس للتأكيد بل لإِفادة التعاقب، أي سلاماً إثر سلام، كقوله تعالى: ﴿ كلا إذا دكت الأرض دَكَّاً دَكاً ﴾ [الفجر: 21] وقولهم: قرأت النحو باباً باباً، أو مشاراً به إلى كثرة المسلِّمين فهو مؤذن مع الكرامة بأنهم معظمون مبجلون، والفرق بين الوجهين أن الأول يفيد التكرير بتكرير الأزمنة، والثاني يفيد التكرار بتكرار المسلِّمين.
وهذا القيل يتلقونه من الملائكة الموكلين بالجنة، قال تعالى: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ﴾ [الرعد: 23، 24] ويتلقاه بعضهم من بعض كما قال تعالى: ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ [يونس: 10].
وإنما جيء بلفظ: ﴿ سلاماً ﴾ منصوباً دون الرفع مع كون الرفع أدل على المبالغة كما ذكروه في قوله: ﴿ قالوا سَلاماً قال سلام ﴾ في سورة هود (69) وسورة الذاريات (25) لأنه أريد جعله بدلاً من ﴿ قيلاً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الجَماعَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ولَسْتَ ذَلِيلًا في العَشِيرَةِ كُلِّها تُحاوِلُ مِنها ثُلَّةٌ لا يَسُودُها الثّانِي: الشَّطْرُ وهو النِّصْفُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّها الفِئَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ ذَرِينِي أسِيرُ في البِلادِ لَعَلَّنِي ∗∗∗ أُلاقِي لِبِشْرٍ ثُلَّةً مِن مُحارِبٍ وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ، قالَهُ أبُو بَكْرَةَ.
الثّانِي: أنَّهم قَوْمُ نُوحٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ إسْلامُهم قَبْلَ أنْ يَتَكامَلُوا، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ النَّبِيِّ فَنَزَلَتْ ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: « (إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ بَلْ ثُلُتَ أهْلِ الجَنَّةِ بَلْ أنْتُمْ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهم في النِّصْفِ الثّانِي» .
﴿ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ﴾ يَعْنِي الأسِرَّةَ، واحَدُها سَرِيرٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مَجْلِسُ السُّرُورِ.
وَفِي المَوْضُونَةِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها المَوْصُولَةُ بِالذَّهَبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها المُشَبَّكَةُ النَّسْجِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ إنْ يَفْزَعُوا فَسَرا مَعَ مَوْضُونَةٍ ∗∗∗ والبِيضُ تَبْرُقُ كالكَواكِبِ لامُها الثّالِثُ: أنَّها المَضْفُورَةُ، قالَهُ أبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجاهِدٍ، ومِنهُ وضِينُ النّاقَةِ وهو البِطانُ العَرِيضُ المَضْفُورُ مِنَ السُّيُورِ.
الرّابِعُ: أنَّها المُسْنَدَةُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ.
﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ الوِلْدانُ: جَمْعُ ولِيدٍ وهُمُ الوُصَفاءُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ مُخَلَّدُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: [مُسَوَّرُونَ] بِالأسْوِرَةِ، [مُقَرَّطُونَ] بِالأقَرِاطِ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ الشّاعِرُ ومُخَلَّداتٍ بِاللَّجِينِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ الثّانِي: أنَّهُمُ الباقُونَ عَلى صِغَرِهِمْ لا يَمُوتُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ وهَلْ يَنْعَمَنَّ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُمُ الباقُونَ مَعَهم لا يُبْصِرُونَ عَلَيْهِمْ ولا يَنْصَرِفُونَ عَنْهم بِخِلافِهِمْ في الدُّنْيا.
﴿ بِأكْوابٍ وأبارِيقَ ﴾ فِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأكْوابَ الَّتِي لَيْسَ لَها عُرًى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّ الأكْوابَ مُدَوَّرَةُ الأفْواهِ، والأبارِيقَ الَّتِي يُغْتَرَفُ بِها، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ فَعَدَوْا عَلَيَّ بِقَرْقَفٍ ∗∗∗ يَنْصَبُّ مِن أكْوابِها ﴿ وَكَأْسٍ مِن مَعِينٍ ﴾ والكَأْسُ اسْمٌ لِلْإناءِ إذا كانَ فِيهِ شَرابٌ، والمَعِينُ الجارِي مِن ماءٍ أوْ خَمْرٍ، غَيْرَ أنَّ المُرادَ بِهِ في هَذا المَوْضُوعِ الخَمْرُ، وصَفَ الخَمْرَ بِأنَّهُ الجارِي مِن عَيْنِهِ بِغَيْرِ عَصْرٍ كالماءِ المَعِينِ.
﴿ لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ لا يُمْنَعُونَ مِنها، قالَهُ أبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: لا يَفْرَقُونَ عَنْها، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الرّاجِزِ: صَدَّ عَنْهُ فانْصَدَعَ.
الثّالِثُ: لا يَنالُهم مِن شُرْبِها وجَعُ الرَّأْسِ وهو الصُّداعُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يُنْزِفُونَ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا تُنْزَفُ عُقُولُهم فَيَسْكَرُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ.
الثّانِي: لا يَمَلُّونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: لا يَتَقَيَّئُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ وثّابٍ.
الرّابِعُ: وهو تَأْوِيلِ مَن قَرَأ بِكَسْرِ الزّايِ لا يُفْنى خَمْرُهم، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرَدِ لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى أنْتُمْ آلَ أبْجَرا وَرَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في الخَمْرِ أرْبَعُ خِصالٍ: السُّكْرُ، والصُّداعُ، والقَيْءُ، والبَوْلُ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الجَنَّةِ فَنَزَّهَها عَنْ هَذِهِ الخِصالِ.
﴿ وَحُورٌ عِينٌ ﴾ والحُورُ البِيضُ سُمِّينَ لِبَياضِهِنَّ، وفي العِينِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ كِبارُ الأعْيُنِ، كَما قالَ الشّاعِرُ إذا كَبُرَتْ عُيُونٌ مِنَ النِّساءِ ∗∗∗ ومِن غَيْرِ النِّساءِ فَهُنَّ عِينٌ الثّانِي: أنَّهُنَّ اللّاتِي سَوادُ أعْيُنُهُنَّ حالِكٌ، وبَياضُ أعْيُنُهُنَّ نَقِيٌّ، كَما قالَ الشّاعِرُ إذا ما العِينُ كانَ بِها احْوِرارٌ ∗∗∗ عَلامَتُها البَياضُ عَلى السَّوادِ ﴿ كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في نَضارَتِها وصَفاءِ ألْوانِها.
الثّانِي: أنَّهُنَّ كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ في تَشاكُلِ أجْسادِهِنَّ في الحُسْنِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِنَّ، كَما قالَ الشّاعِرُ كَأنَّما خُلِقَتْ في قِشْرِ لُؤْلُؤَةٍ ∗∗∗ فَكُلُّ أكْنافِها وجْهٌ لِمِرْصادِ ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا يَسْمَعُونَ في الجَنَّةِ باطِلًا ولا كَذِبًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لا يَسْمَعُونَ فِيها خُلْفًا، أيْ لا يَتَخالَفُونَ عَلَيْها كَما يَتَخالَفُونَ في الدُّنْيا، ولا يَأْثَمُونَ بِشُرْبِها، كَما يَأْثَمُونَ في الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: لا يَسْمَعُونَ فِيها شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
يَحْتَمِلُ رابِعًا: لا يَسْمَعُونَ مانِعًا لَهم مِنها، ولا مُشَنِّعًا لَهم عَلى شُرْبِها.
﴿ إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَكِنْ يَسْمَعُونَ قَوْلًا سارًّا وكَلامًا حَسَنًا.
الثّانِي: لَكِنْ يَتَداعُونَ بِالسَّلامِ عَلى حُسْنِ الأدَبِ وكَرِيمِ الأخْلاقِ.
الثّالِثُ: يَعْنِي قَوْلًا يُؤَدِّي إلى السَّلامَةِ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يُقالَ لَهم هَنِيئًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ ولحم طير مما يشتهون ﴾ قال: لا يشتهي منها شيئاً إلا صار بين يديه، فيصيب منه حاجته ثم يطير فيذهب.
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبزار وابن مردويه والبهيقي في البعث عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشوياً» وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم طير الجنة فقال أبو بكر: إنها لناعمة.
قال: ومن يأكل منها أنعم منها وإني لأرجو أن تأكل منها» .
وأخرج الخطيب عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: في هذه الآية ﴿ وفرش مرفوعة ﴾ قال: غلظ كل فراش منها كما بين السماء والأرض» .
وأخرج أحمد والترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه الطيور لناعمة، فقال: آكلها أنعم منها وإني لأرجو أن تكون ممن يأكلها» .
وأخرج البهيقي في البعث عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة طيراً أمثال البخائي، قال أبو بكر: إنها لناعمة يا رسول الله، قال: أنعم منها من يأكلها وأنت ممن يأكلها وأنت ممن يأكل منها» .
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة طيراً كأمثال البخت تأتي الرجل فيصيب منها، ثم تذهب كأن لم ينقص منها شيء» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن أبي أمامة قال: إن الرجل ليشتهي الطير في الجنة من طيور الجنة فيقع في يده مقلياً نضيجاً.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليشتهي الطير في الجنة فيجيء مثل البختي حتى يقع على خوانه لم يصبه دخان ولم تمسه نار، فيأكل منه حتى يشبع ثم يطير» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن في الجنة طيراً له سبعون ألف ريشة فإذا وضع الخوان قدام وليّ الله جاء الطير فسقط عليه فانتفض فخرج من كل ريشة لون ألذ من الشهد وألين من الزبد وأحلى من العسل ثم يطير» .
وأخرج هناد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة لطيراً فيه سبعون ألف ريشة فيجيء فيقع على صحفة الرجل من أهل الجنة، ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه، ثم يطير فيذهب» .
قوله تعالى: ﴿ وحور عين ﴾ الآية.
أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عاصم بن بهدلة قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي ﴿ وحور عين ﴾ يعني بالجر.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع فيهما وينوّن.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد في قوله: ﴿ وحور عين ﴾ قال: يحار فيهن البصر.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأمثال اللؤلؤ المكنون ﴾ قال: الذي في الصدف لم يحور عليه الأيدي.
وأخرج هناد بن السري عن الضحاك في قوله: ﴿ كأمثال اللؤلؤ المكنون ﴾ قال: اللؤلؤ العظام الذي قد أكن من أن يمسه شيء.
قوله تعالى: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ الآية.
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال: باطلاً ﴿ ولا تأثيماً ﴾ قال: كذباً.
وأخرج هناد عن الضحاك ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال: الهدر من القول، والتأثيم الكذب.
قوله تعالى: ﴿ وأصحاب اليمين ﴾ الآيات.
أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في البعث من طريق حصين عن عطاء ومجاهد قال: لما سأل أهل الطائف الوادي يحمي لهم وفيه عسل ففعل وهو واد معجب، فسمعوا الناس يقولون في الجنة كذا وكذا!
قالوا: يا ليت لنا في الجنة مثل هذا الوادي، فأنزل الله: ﴿ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في البعث من وجه آخر عن مجاهد رضي الله عنه قال: كانوا يعجبون من وج وظلاله من طلحة وسدرة فأنزل الله: ﴿ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود ﴾ .
وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ﴿ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ﴾ فقبض يديه قبضتين فقال: «هذه في الجنة ولا أبالي وهذه في النار ولا أبالي» .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي أمامة قال: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إن الله ينفعنا بالأعراب ومسائلهم أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما هي؟
قال: السدر فإن لها شوكاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس يقول الله: ﴿ في سدر مخضود ﴾ يخضده الله من شوكة فيجعل مكان كل شوكة ثمرة إنها تنبت ثمراً يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام ما فيها لون يشبه الآخر» .
وأخرج ابن أبي داود في البعث والطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه عن عقبة بن عبد الله السلمي قال: «كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: يا رسول، أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكاً منها، يعني الطلح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصية التيس الملبود يعني المخصيّ فيها سبعون لوناً من الطعام لا يشبه لون الآخر» .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ في سدر مخضود ﴾ قال: خضده وقره من الحمل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ في سدر مخضود ﴾ قال: المخضود الذي لا شوك فيه.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المخضود الموقر الذي لا شوك فيه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن يزيد الرقاشي رضي الله عنه ﴿ وسدر مخضود ﴾ قال: نبقها أعظم من القلال.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى: ﴿ في سدر مخضود ﴾ قال: الذي ليس له شوك.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت: إن الحدائق في الجنان ظليلة ** فيها الكواعب سدرها مخضود وأخرج عبد الرزاق والفريابي وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ وطلح منضود ﴾ قال: هو الموز.
وأخرج الفريابي وهناد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ﴿ وطلح منضود ﴾ قال: الموز.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وقتادة مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وطلع منضود ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن قيس بن عباد قال: قرأت على عليّ ﴿ وطلح منضود ﴾ فقال: عليّ ما بال الطلح؟
أما تقرأ ﴿ وطلع ﴾ ثم قال: ﴿ وطلع نضيد ﴾ فقيل له: يا أمير المؤمنين، أنحكها من المصاحف؟
فقال: لا يهاج القرآن اليوم.
وأخرج ابن جريرعن ابن عباس في قوله: ﴿ منضود ﴾ قال: بعضه على بعض.
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث عن مجاهد رضي الله عنه في قوله في ﴿ سدر مخضود ﴾ قال: الموقر حملا ﴿ وطلح منضود ﴾ يعني الموز المتراكم.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وقاع الجنة ذهب، ورضاضها اللؤلؤ، وطينها مسك، وترابها الزعفران، وخلال ذلك سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها اقرأوا إن شئتم ﴿ وظل ممدود ﴾ » .
وأخرج أحمد والبخاري والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب فيه ظلها مائة عام لا يقطعها، وإن شئتم فاقرأوا ﴿ وظل ممدود ﴾ وماء مسكوب» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها وذاك الظل الممدود» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في كل نواحيه مائة عام فيخرج إليها أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا فيرسل الله ريحاً من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: في الجنة شجر لا يحمل يستظل به.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمرو بن ميمون ﴿ وظل ممدود ﴾ قال: مسيرة سبعين ألف سنة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وماء مسكوب ﴾ قال: جار.
وأخرج هناد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سعف نخل الجنة منها مقطعاتهم وكسوتهم.
وأخرج هناد وابن المنذر عن عبد الله بن عمرو قال: عناقيد الجنة ما بينك وبين صنعاء، وهو بالشام.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِلَّا قِيلًا ﴾ من الاستثناء المنقطع، المعنى: لكن يقولون قيلا أو يسمعون قيلا ﴿ سَلَامًا سَلَامًا ﴾ وانتصب سلامًا على النعت لقوله: قيلا، والسلام الآخر بدل الثاني، والمعنى: إلا قيلا يسلم فيه من اللغو والإثم، وإن شئت جعلت القيل يعمل في السلام الأول والآخر بدل، والمعنى: إلا أنهم يقولون الخير، هذا قول الأخفش والفراء والزجاج (١) قال عطاء عن ابن عباس: يريد: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام (٢) (٣) وقال مقاتل: يعني كثرة السلام من الملائكة (٤) فالمفسرون: جعلوا السلام هاهنا بمعنى التحية والوجه ما قال الزجاج من أن المراد بالسلام أن قولهم يسلم من اللغو (٥) (٦) (١) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 401 - 702، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 124، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 112.
(٢) انظر: "الوسيط" 4/ 234، و"معالم التنزيل" 4/ 282.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 335، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 206.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 138 أ.
(٥) انظر: "معاني القرآن" 5/ 112.
(٦) قلت: وهو أيضًا ما اختاره ابن جرير 27/ 102، حيث قال: (لا يسمعون فيها من القول إلا قليلاً سلامًا.
أي: أسلم مما تكره).
ويرى ابن كثير 4/ 288 شمول الآية للمعنيين حيث قال: (أي إلا التسليم منهم بعضهم على بعض، كما قال تعالى ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾ وكلامهم أيضًا سالم من اللغو، الإثم).
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً ﴾ اللغو الكلام الساقط كالفحش وغيره، والتأثيم مصدر بمعنى لا يؤثم أحد هناك نفسه ولا غيره ﴿ إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ انتصب سلاماً على أنه بدل من قيلاً أو صفة له أو مفعول به لقيلا، لأن معناه قولاً، ومعنى السلام على هذا التحية، والمعنى أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاماً بعد سلام، ويحتمل أن يكون معناه السلامة، فينتصب بفعل مضمر تقديره إسلموا سلاماً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ينزفون ﴾ من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف.
الباقون: بفتح الزاء ﴿ حور عين ﴾ بجرهما: يزيد وعلي وحمزة ﴿ عرباً ﴾ بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل ﴿ أئذا أئنا ﴾ كما في "الرعد" إلا ابن عامر فإنه تابع عاصماً، وإلا يزيد فإنه تابع قالون ﴿ شرب ﴾ بضم الشين: أبو جعفر نافع وعاصم وحمزة وسهل.
الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ﴿ أئنا لمغرمون ﴾ بهمزتين: أبو بكر وحماد.
الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.
﴿ بموقع ﴾ على الوحدة: حمزة وعلي وخلف.
﴿ تكذبون ﴾ بالتخفيف: المفضل ﴿ فروح ﴾ بضم الراء: قتيبة ويعقوب.
الوقوف: ﴿ الواقعة ﴾ ه لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوباً بإضمار "أذكر" أو كان الجواب محذوفاً أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف ﴿ كاذبة ﴾ ه م لئلا يصير ما بعدها صفة ﴿ رافعة ﴾ ه لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلاً من الأول ﴿ رجاً ﴾ ه لا ﴿ بساً ﴾ ه ﴿ منبثاً ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ ه ط لتناهي استفهام التعجب ﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾ ه ط ﴿ السابقون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ السابقون ﴾ تأكيد والجملة بعده خبر ﴿ المقربون ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم ﴿ جنات النعيم ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ موضونة ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ مخلدون ﴾ ه لا ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ ولا ينزفون ﴾ ه لا ﴿ يتخيرون ﴾ ه لا ﴿ يشتهون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع ﴿ المكنون ﴾ ه ج ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ تأثيماً ﴾ ه لا ﴿ سلاماً ﴾ ه ط ﴿ وما أصحاب اليمين ﴾ ه ط ﴿ مخضود ﴾ ه لا ﴿ منضود ﴾ ه لا ﴿ ممدود ﴾ ه لا ﴿ مسكوب ﴾ ه لا ﴿ كثيرة ﴾ ه لا ﴿ ممنوعة ﴾ ه لا ﴿ مرفوعة ﴾ ه ط ﴿ إنشاء ﴾ ه لا ﴿ أبكاراً ﴾ ه لا ﴿ أتراباً ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الشمال ﴾ ه ط ﴿ وحميم ﴾ ه لا ﴿ يحموم ﴾ ه لا ﴿ ولا كريم ﴾ ه ﴿ مترفين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ والآخرين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ المكذبون ﴾ ه لا ﴿ زقوم ﴾ ه لا ﴿ البطون ﴾ ه ج والوقف أجوز ﴿ الحميم ﴾ ه ج ﴿ الهيم ﴾ ه ط ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تصدقون ﴾ ه ﴿ تمنون ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ﴿ بمسبوقين ﴾ ه لا ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ تحرثون ﴾ ه ط ﴿ الزارعون ﴾ ه ﴿ تفكهون ﴾ ه ﴿ لمغرمون ﴾ ه لا ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ المنزلون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تورون ﴾ ه ط ﴿ المنشؤن ﴾ ه ﴿ للمقوين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ النجوم ﴾ ه لا ﴿ عظيم ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ المطهرون ﴾ ه ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ مدهنون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ الحلقوم ﴾ ه لا ﴿ تنظرون ﴾ ه لا ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ مدينين ﴾ ه لا ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه لا ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ الظالين ﴾ ه لا ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ جحيم ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ ألعظيم ﴾ ه.
التفسير: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ نظير قولك حدثت الحادثة "وكانت الكائنة" وهي القيامة التي تقع لا محالة.
يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله.
واللام في ﴿ لوقعتها ﴾ للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس.
ويجوز أن يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير معقول.
وجوز جار الله أن يكون من قولهم "كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم" إذا شجعته على مباشرته.
وقالت له: إنك تطيقه.
فيكون المراد أن القيامة واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور.
وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول.
وقال في الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم "حمل على قرنه فما كذب" أي فما جبن وما تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له.
والحال من هذا التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد ﴿ خافضة رافعة ﴾ أي هي تخفض أقواماً وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال: وما إن طبنا جبن ولكن *** منايات ودولة آخرينا وإما لإن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله ﴿ إذا رجت الأرض ﴾ أي حركت تحريكاً عنيفاً حتى ينهدم كل بناء عليها ﴿ وبست الجبال بساً ﴾ أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها ﴿ فكانت ﴾ أي صارت غباراً متفرقاً.
ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلاً ﴿ وكنتم ﴾ لفظ الماضي لتحقق الوقوع ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً ﴿ ثلاثة ﴾ ثم فصلها فقال ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ وهو تعجب من شأنهم كقولك "زيد ما زيد" سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم "فلان مني باليمين" إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيهم عليها.
روي أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهمفي الشمال ﴿ والسابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة ﴿ هم السابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله "وشعري شعري" يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف ﴿ السابقون ﴾ ﴿ أولئك المقربون ﴾ إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق إشار إلى ذلك ﴿ في جنات النعيم ﴾ إخفاء حالهم وبيان محل إجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا .
قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به يحصل الأمة المقتدية به.
﴿ وقليل من الآخرين ﴾ أي من هذه الأمة.
قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ههنا ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ وفيما بعده قال ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعاً من أمة محمد .
جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله ﴿ وكنتم أزواجاً ﴾ لأمة محمد والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله { ﴿ والسابقون الأولون ﴾ والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين.
وأما أصحاب اليمين فيوجدون في كلا القبيلين كثيراً وعلى هذا يكون الترتيب المذكور ساقطاً ولا نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع.
قال الزجاج وهو قول مجاهد والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي وعاينه وجماعة ممن آمن به وكان بعده.
وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي قال " " جميع الثلتين من أمتي " " وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فمازال رسول الله يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد رسول الله لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد سابقين فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في قوله "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" إشارة إلى هذا.
وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن يكونوا أكثر لأن فيض الله المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سبباً لخاتمة نبينا أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً هذا ما سنح في الوقت والله أعلم بمراده.
ثم وصف حال المقربين بقوله ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال المفسرون: أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع أي استقروا على السرر ﴿ متكئين ﴾ وقوله ﴿ ولدان مخلدون ﴾ أي غلمان لا يهرمون ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد.
قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط.
وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.
قال جار الله: روي هذا عن علي .
والحسن قال الحديث "أولاد الكفار خدام أهل الجنة" " والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه.
والباقي مفسر في "الصافات" إلى قوله ﴿ مما يتخيرون ﴾ أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلاً بين يديه على ما اشتهى.
ومن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور.
ومن خفضهما فعلى العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا.
والكاف في قوله ﴿ كأمثال ﴾ للمبالغة في التشبيه.
قوله ﴿ جزاء ﴾ مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل الجزاء.
قوله ﴿ ولا تأثيماً ﴾ أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم.
وانتصب ﴿ سلاماً ﴾ على البدل من ﴿ قليلاً ﴾ أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون يها إلا أن يقولوا سلاماً عقيبه سلام.
ثم عجب من شأن أصحاب اليمين.
والسدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه.
وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور طيب الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل.
وفي الكشاف أن علياً أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله ﴿ لها طلع نضيد ﴾ فقيل: أو نحولها؟
قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه.
قلت: وفي هذه الرواية نظر لا يخفى.
والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له ساق بارزة ﴿ وظل ممدود ﴾ أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص.
ويحتمل أن يراد أنه دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع إنه ممدود.
والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير أخدود ﴿ لا مقطوعة ﴾ في بعض الأوقات ﴿ ولا ممنوعة ﴾ عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا ﴿ مرفوعة ﴾ أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قاله علي .
وقيل: هي النساء المرفوعة على الأرائك.
والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله ﴿ إنا أنشأناهن ﴾ وعلى التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلاً عليهن.
ومعنى الإنشاء أنه ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء.
روى الضحاك عن ابن عباس أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم ﴿ أبكاراً عرباً ﴾ جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أتراباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً من غير وجع.
وقوله ﴿ لأصحاب اليمين ﴾ متعلق بأنشأنا وجعلنا.
ثم عجب من أصحاب الشمال.
ومعنى ﴿ في سموم ﴾ في حر نار ينفذ في المسام.
والحميم الماء الكثير الحرارة.
واليحموم الدخان الأسود "يفعول" من الأحم وهو الأسود.
ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه.
قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.
قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة.
ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا العقاب فقال ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك ﴾ أي في الدنيا ﴿ مترفين ﴾ متنعمين متكبرين عن التوحيد والطاعة والإخلاص ﴿ وكانوا يصرون على الحنث ﴾ وهو الذنب الكبير ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الخنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها.
وخص جمع من المفسرين فقالوا.أعني به الشرك.
وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد مر مثله في "الصافات".
واعلم أنه ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقاً عجيباً وأسلوباً غريباً.
وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين.
أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.
ثم بعدما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلاً من السابقين ومن أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، وكأن في هذا الطي إشارة إلى الحديث القدسي "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى قوله " "نحن الآخرون السابقون " ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ذكر السابق من حيث هو سابق.
فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله أعلم بمراده.
ثم أمر نبيه بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ﴾ أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت ﴿ يوم معلوم ﴾ عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة.
ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ذكر طرفاً من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال ﴿ ثم إنكم أيها الضالون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث ﴿ لآكلون ﴾ أي في السموم المذكور ﴿ من شجر ﴾ هو للابتداء ﴿ من زقوم ﴾ هو للبيان ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ آنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتباراً وذلك أن شرب الماء المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب.
والهيم الإبل التي بها الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه "فعل" كبيض.
وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب.
ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى يضطروا إلى أكل الزقوم.
ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم كالإبل الهيم ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على البدء كان على الإعادة أقدر.
ثم برهن أنه لا خالق إلا هو فقال ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ أي تقذفونه في الأرحام.
يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله ﴿ من نطفة إذا تمنى ﴾ ﴿ أءنتم تخلقونه ﴾ تقدّرونه وتصورونه.
ووجه الاستدلال أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال عنها جميعاً.
فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنساناً كاملاً يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء منها وإلى هذا أشار بقوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل ﴾ أي نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه أحد.
يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه.
والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق و ﴿ فيما لا تعلمون ﴾ أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا.
وجوز جار الله أن يكون جمع مثل بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات لا تعلمونها.
ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيراً بعد تذكير فقال ﴿ ولقد علمتم ﴾ الآية.
ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته قائلاً ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ من الطعام أي تبذرون حبه ﴿ أءنتم تزرعونه ﴾ أي تجعلونه بحيث يكون نباتاً كاملاً يستحق اسم الزرع.
وفي الكشاف عن رسول الله " لا يقولن أحد زرعت وليقل حرثت " والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس.
وقوله ﴿ فظلتم ﴾ أصله فظللتم حذفت إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملاً غير مقس عليه.
ومعنى ﴿ تفكهون ﴾ تعجبون كأنه تكلف الفكاهة.
وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه التعب فيه أو على المعاصي التي تكون سبباً لذلك.
من قرأ ﴿ أنا ﴾ بالخبر فواضح ويحسن تقدير القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول أيضاً.
ومعنى ﴿ لمغرمون ﴾ لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة أي لملزمون غرامة ما أنفقنا ﴿ بل نحن ﴾ قوم ﴿ محرومون ﴾ لا حظ لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ الله منهما.
ثم ذكر دليلاً آخر مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة.
والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب "لو" عن إشاعة الثانية وهي ثابتة في المعنى لأن "لو" شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى اللام التوكيدي.
ويمكن أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا خصت آية المطعوم باللام المفيدة للتأكيد.
وإنما ختم الآية بقوله ﴿ فلولا تشكرون ﴾ لأنه وصف الماء بقوله ﴿ الذي تشربون ﴾ ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال ﴿ أءنتم أنزلتموه من المزن ﴾ وهذا لا عمل للآدمي فيه أصلاً بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود الشكر إلى النعمتين جميعاً ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر.
ومعنى ﴿ تورون ﴾ تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر "يس".
وأعلم أنه بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم.
ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ وفي الثانية ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ وفي الثالثة ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ تتعظون بها ولا تنسون نار جهنم كما روي عن رسول الله "ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من جهنم " ﴿ ومتاعاً ﴾ وسبب تمتع ومنفعة ﴿ للمقوين ﴾ للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئاً من أيام.
وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه بدأ بالوعيد الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتاً فقال ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتاً لا ذاتاً ولهذا حذف اللام في قوله ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو كون "لو" بمعنى "أن" وذلك أن الماء باقٍ ههنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهمياً فافهم.
ثم ختم بتذكير النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه.
أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة.
وأما الثاني فلأن عدم ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة.
وفي قوله ﴿ تذكرة ﴾ إشارة إلى ما قلنا.
ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عما يقول الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ فلا أقسم ﴾ أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد التأكيد.
ومواقع النجوم مساقطعها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة ولهذا قال ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ وعن سفيان الثوري: إن لله ريحاً تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار.
وقوله ﴿ وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ اعتراض فيه اعتراض.
ومواقعها منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن المرضي من بين جنس الكتب.
أو كرمه نفعه للمكلفين.
أو هو كرامته على الله عز وجل ﴿ في كتاب مكنون ﴾ مستوراً على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ملائكته المقربين وهو اللوح ﴿ لا يمسه ﴾ إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا يصل إلى ما فيه ﴿ إلا ﴾ عبيده ﴿ المطهرون ﴾ من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث.
ومن الناس من حرم قراءة القرآن عند الحدث الأصغر أيضاً.
وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة عندهم.
ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ أي بالقرآن أو بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن ﴿ أنتم مدهنون ﴾ متهاونون من أدهن في الأمر إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه ﴿ وتجعلون رزقكم ﴾ أي شكر رزقكم ﴿ أنكم تكذبون ﴾ بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ إلى قوله ﴿ للمقوين ﴾ وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله عز وجل وتنسبونه إلى النجوم.
ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته.
وترتيب الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير ﴿ فلولا ﴾ التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون ﴾ ومنها تقديم الظرف وهو قوله ﴿ إذا بلغت الحلقوم ﴾ أي النفس.
وإنما أضمرت للعلم بها كقوله ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ وإنما قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه.
ومنها زيادة الجمل المعترضة وهي قوله ﴿ وأنتم ﴾ يا أهل الميت ﴿ حينئذ تنظرون ﴾ إليه ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ بالقدرة والعلم أو بملائكة الموت ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ لا بالبصر ولا بالبصيرة.
ومعنى مدينين مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.
ومنها قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم متمنعين عن الموت، والحلقوم الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه "فعلوم" ويمكن أن يقال: إن فعل ﴿ فلولا ﴾ الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم.
فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟
ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياماً معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة.
ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء نوع من القهر والتسخير.
ويحتمل عندي أن يكون الضمير في ﴿ ترجعونها ﴾ عائداً إلى ملائكة الموت بدليل قوله ﴿ ونحن أقرب ﴾ والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا.
وحين بين أن لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلاً ﴿ فأما إن كان ﴾ المتوفى ﴿ من المقربين ﴾ أي من السابقين من الأزواج الثلاثة ﴿ فروح ﴾ أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن ﴿ وريحان ﴾ أي رزق وهذا للبدن ﴿ وجنة نعيم ﴾ وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر.
ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك ﴾ أيها النبي ﴿ من أصحاب اليمين ﴾ أي أنت سالم من شفاعتهم.
هذا قول كثير من المفسرين.
وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ﴿ إن هذا ﴾ القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لهو حق اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين.
وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى "من" كقولك "خاتم فضة" وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك "حق الحق".
"وصواب الصواب" أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه.
أو المراد هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر.
هذا ما قاله أكثر المفسرين.
وقيل: الإضافة كما في قولنا "جانب الغربي" و "مسجد الجامع" أي حق الأمر اليقين.
ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا "حق النبي أن يصلي عليه" و "حق المال أن تؤدى زكاته" ومنه قوله " "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " أي إلا بحق هذه الكلمة.
ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله في شأن الأزواج الثلاثة.
وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عياناً فليس الخبر كالمعاينة، وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحداً.
ولعله لا يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلأ من ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين.
روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه فقال له: ما تشتكي؟
قال: ذنوبي.
قال: ما تشتهي؟
قال:رحمة ربي.
قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني.
قال: افلا نأمر بعطائك؟
قال: لا حاجة لي فيه.
قال: تدفعه إلى بناتك.
قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله يقول "من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبداً"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ هذا مما لم يبتدأ به الخطاب، وإنما هو جواب سؤال وخطاب لم يذكر؛ فيحتمل أن يكون المؤمنون ذكروا كرامتهم التي وعدوا في الآخرة، فقال لهم أولئك الكفرة: متى يكون ذلك لكم؟
فقالوا: إذا وقعت والواقعة؛ كما يسأل الرجل: متى يكون أمر كذا؟
فيقول: إذا كان كذا، فهو حرف جواب لسؤاله، وعلى هذا يخرج جميع ما ذكر في القرآن من هذا النوع؛ من نحو قوله : ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾ ونحو ذلك، وقوله: ﴿ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ كناية عنها، جائز أن يكون تأويله: إذا وقعت المثوية والعقوبة؛ فتكمون الواقعة كناية عنها.
وجائز أن تكون الواقعة: اسما من أسماء البعث: كالقيامة والساعة، وغير ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴾ ، قال ب عضهم: أي: ليس لوقعتها مَثْنَويَّة ولا ترداد، يقال: حمل عليه فما كذب، أي: فما رجع.
وقال بعضهم: أي: هي حق، ليست بكذب.
وقال بعضهم: أي: لا يكذب بها أحد إذا وقعت، ليست كالآيات التي عاينوها في الدنيا مع ما عرفوا أنها آيات كذبوها؛ كقوله : ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ ، وغير ذلك يكذبونها مع العلم بأنها آيات، يقول : إذا عاينوا القيامة يقرون بها؛ ويصدقونها، ولا يكذبون بها؛ كقوله: ﴿ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ ﴾ ، ونحوه.
ويحتلم أن يكون قوله: ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴾ ، اي: ليست الأنباء والأخبار التي جاءت على وقوعها وقيامها كاذبة بل هي صادقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴾ ، قال بعضهم: خافضة: تسمع القريب، رافعة: تسمع البعيد؛ وقال صاحب هذا التأويل: إن تفسير الواقعة هي الصيحة، وتلك خافضة رافعة.
وقال بعضهم: خافضة أناسا في النار ورافعة أناسا في الجنة.
ويحتمل خافضة لمن تكبر وتعظم على الخلق ورده، ورافعة لمن تواضع للخلق وانقاد له وقبله.
وقيل: خافضة لأهل النار في النار، كقوله : ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ ﴾ ، ورافعة لأهل الجنة، كقوله: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ .
وقوله: - عز وجل -: ﴿ إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً ﴾ يخرج على السؤال، كأنهم لما سمعوا وصف القيامة والواقعة من المؤمنين، فقالوا عند ذلك: متى تكون الواقعة؟
فعند ذلك قال: ﴿ إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾ ، فزلزلت حتى تلقي ما في بطنها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً ﴾ قيل: فتنت حتى تصير كالدقيق، ومنه يقال للطعام المبسوس والبسيسة: سويق يلت به الزيت والخلط.
وقال الحسن: ﴿ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ ﴾ أي: سيرت تسييرا.
وقوله: ﴿ فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً ﴾ قيل: الهباء الذي يكون فوق النار إذا خمدت، لا يكون غيره ﴿ مُّنبَثّاً ﴾ ؛ أي: متفرقا.
وقيل: ﴿ هَبَآءً مُّنبَثّاً ﴾ أي: ترابا.
وقيلِ: الهباء المنبث، هو ما يسطع من سنابك الخيل.
وقيل: الهباء: الغبار الذي تراه في الشمس إذا دخلت في الكوة؛ يخبر عن شدة ذلك اليوم وهو له أنه يفعل بالجبال مع صلابتها وطاعتها لله ، فكيف يفعل بكم يا بني آدم مع ضعفكم ومعصيتكم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً ﴾ ، أي: أصنافا ثلاثة: ما فسر عقيبه؛ حيث قال: ﴿ فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ * وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ الآية.
وقيل: الأصناف الثلاثة: المذكبون، والمصدقون، والسابقون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أصحاب الميمنة من اليمن، وأصحاب المشأمة من الشؤم.
والثاني: سموا: أصحاب الميمنة؛ لأنهم أصحاب اليمين، وهي التي تستعمل في الطيبات، والكفرة أصحاب الشمال؛ لأنهم أصحاب الخبائث، والشمال تستعمل في الخبائث.
وهو كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ ؛ لأن في كتبهم طيبات وخيرات، وفي كتب الكفرة خبائث فتؤتى بشمالهم.
وقيل: أصحاب الميمنة والمشأمة؛ لما ذكر الله : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ...
﴾ ، فكذا؛ فكل من أوتي كتابه بيمنيه فهو من أصحاب اليمين، ومن أوي كتابه بشماله فهو من أصحاب الشمال.
وقوله : ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: السابقون في الخيرات، يسبقون الناس في كل خير.
والثاني: السابقون في الإجابة لله ورسوله إلى ما دعاهم إليه.
ثم جائز أن يكون الخطاب به للناس كافة: الأولين والآخرين؛ فيكون جميعهم أصنافا ثلاثة: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.
وجائز أن يكون الخطاب بهذه الآية لهذه الأمة: ففيهم السباقون، وفيهم أصحاب اليمين، وهم أصحاب النظر في الحجج والآيات والتأمل فيها [وفيهم] اصحاب الشمال، وهم الكفرة.
وقوله : ﴿ فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ ﴾ على التعجب لرسول الله بما يكرمهم، أو على التعظيم لأولئك لعظم منزلتهم.
وكذلك قوله: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ ﴾ يخرج على هذين الوجهين: على التعجب والتعظيم لما يحل بهم.
وقوله: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ ﴾ يخرج على هذا أيضا: فلان ما أمر فلان، فيقال: فلان فلان؛ على تعظيم أمره وشأنه.
ثم في قوله : ﴿ وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً ﴾ \[دليل\] لقول أصحابنا - رحمهم الله - في جعلهم الكفر كله واحدة؛ لأنه جعل الله الكفرة على اختلاف مذاهبم وأديانهم زوجا، وأهل الإسلام زوجين، حيث جعل الكل أزواجا ثلاثة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ يحتمل أن يكون وصف القرب لهم لمسابقتهم في الخيرات في الدنيا.
ويحتمل: أنهم مقربون في الآخرة والمنزلة، لسبقهم في الخيرات، أو: في الإجابة، والسبق فعلهم، والتقريب بلطف من الله وفضل منه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ جميع الجنات نعيم؛ لأن فيها نعيما، وله أن يسمى واحدة منها: نعيما، والأخرى: عدنا، والفردوس والمأوى، يسمى ما شاء بما شاء وكيف شاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ اختلف في ذلك: قال بعضهم: ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ممن شهد رسول الله، وقربوا منه، ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ ممن بعد من هذه الأمة من رسول الله بنفسه وإدراك زمانه، وقليل من المقربين من الآخرين، وهو ما روي عن رسول الله أنه قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم" ، وعلى ذلك قوله : ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ ﴾ على ما يذكر، والله أعلم.
ومنهم من قال: ﴿ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، أي: جماعة من المؤمنين الذين كانوا في الأمم الماضية، ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ أي: من هذه الأمة، وهكذا يكون عدد أهل الإيمان من هذه الأمة مع الأمم الماضية يكون هؤلاء أقل منهم.
ويحتمل - أيضا - أن السابقين المقربين من الأمم السابقة أكثر من السابقين المقربين من هذه الأمة؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كلهم من الأمم السالفة.
وقال أهل التأويل لما نزلت: ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ ، وجد أصحاب رسول الله وحدا شديدا، وقالوا: لن يدخل الجنة منا إلا قليل؛ فنزل قوله : ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ .
لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه خبر، ولا يرد في الأخبار نسخ، وما قالوه لا يصحن والوجه فيه ما ذكرنا.
ويحتمل قوله : ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ هم أصحاب اليمين من الأولين والآخرين، وهم جماعة كثيرة من الأولين، وجماعة كثيرة من الآخرين في في المقربين خاصة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ﴾ ، والسرر قد تكون في الدنيا مصفوفة، ولكن لا تكون موضونة؛ أي: منسوجة؛ والوضن - هو النسج - لا يكون بين السرر في الآخرة انفصال ولا فروج، كما يكون في الدنيا، لكن موصولة بعضها ببعض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: على السرر التي ذكر أنها مصفوفة موضونة.
وقوله: ﴿ مُتَقَابِلِينَ ﴾ ، أي: يقابل [بعضهم] بعضا، ولا يعرضون، ولا ينظر بعضهم إل بعض باحتقار كماي جعل أهل المجالس في الدنيا يعرض بعضهم على بعض ويحقر بعضهم بعضا يخبر أنهم يكونون في الآخرة خلاف ما في الدنيا، لا يتأذى بعض من بعض بوجه ما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ﴾ فيه أنهم يعطون في الجنة ما يستحبون في الدنيا من الشرف وطواف الولدان، وكذلك ما ذكر من السرر والفرش، وغير ذلك من أنواع ما ترغب أنفسهم فيه.
ثم ذكر أنهم ولدان، وإن لم يكن في الجنة ولاد؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكونوا على هيئة الولدان وإن لم يولدوا.
والثاني: سماهم: ولدانا؛ لولادهم في الدنيا وإن لم يولدوا في الجنة؛ لأن التولد في الدنيا لحاجة البقاء وأهل الجنة باقون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّخَلَّدُونَ ﴾ قال بعضهم: أي: المقرطون، والخَلَدَة: القرط، وجمعه: الجِلَدَة.
قال بعضهم: هو من الخلود، كقوله : ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ ، أي: باقون.
وقيل: مسورون من السوار.
وقوله: ﴿ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ ﴾ \[الأكواب\]: هي الكيزان المدورة الرءوس التي لا عرى لها، والأباريق التي لها عرى وخراطيم، وهم يسمون الأكواب: القداح التي يشربون بها؛ لأن في الدنيا يكون لأهل الأباريق والأقداح يصبون من الأباريق في القدح، ويشربون ولا يشربون من الأباريق، فعلى ذلك وعدوا في الجنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ﴾ : الكأس: هو القدح المملوء من الشراب.
وأما المعين: قال بعضهم: هو الظاهر من الماء، يقع عليه البصر، فوعد لأهل الجنة ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ ﴾ ، قرئ بكسر الزاي ونصبه؛ أي: لا تصدع خمورهم في الجنة رءوسهم كما تصدع خمور الدنيا أهلها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُنزِفُونَ ﴾ قيل بكسر الزاي: لا ينفد شرابهم، وبالفتح: لا يسكرون؛ فيه أنه ليس في خمورهم الآفات التي تكون في خمور الدنيا من ذهاب العقل، والصداع والنفاد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ جميع فواكه الجنة مختارة، لكن يخرج على وجهين: أحدهما: أن جميع فواكهها مما يتخيرون.
والثاني: العرف في الفواكه أن تقدم من أجناس مختلفة وألوان، لا من لون واحد ونزع واحد، فيتخيرون من أي نوع اشتهوا أو شاءوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ إن أهل الجنة إنما يتناولون ما يتناولون على الشهوة، لا على الحاجة وسد الجوع، وهو كما ذكر: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ ﴾ يحتمل تشبيه الحور العين باللؤلؤ وجهين: أحدهما: لما لا شيء أصفى من اللؤلؤ والياقوت، فضرب مثلهن بذلك؛ لصفاته وبياضه، وإلا ما خطر اللؤلؤ حتى يشبه أن الموعود في الجنة من الجواري به؟!.
والثاني: أن للؤلؤ فضلا ومنزلة عند العرب، وليس الخطر لغيره من الأشياء، فيشبه ضرب مثلهن به لفضل خطر ذلك عندهم، ليس ذلك لغيره، وهو كقوله : ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ ضرب مثل من يشرك بالله بالذي يخر من السماء، والشرك بالله أعظم مما ذكر، لكن ليس شيء أعظم وأبعد من الخر من فوق السماء السابعة؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ إن الله ذكر للأعمال جزاء كأنهم عملوا له فضلا منه وكرما في حق عباده، وإن كانوا في الحقيقة عاملين لأنفسهم؛ كقوله : ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ ﴾ ، وكذلك ما ذكر من شرائه أنفسهم وأموالهم منهم، وما ذكر من الإقراض في قوله : ﴿ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ وإن كانت أنفسهم وأموالهم له، وإن كان عام عباده في أنفسهم وأموالهم كأنها ليست له، فضلا وكرما؛ فعلى ذلك [ذكر] لأعمالهم جزاء؛ كان منهم إلى الله - - صنعا وإحساناً، وإن كانوا عاملين لأنفسهم ومنافع أعمالهم ترجع إليهم بفضله وكرمه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً ﴾ هذا يرجع إلى وصف خمور أهل الجنة؛ أي: ليس فيها الآفات التي تكون في خمور الدنيا من ذهاب العقل، وقول اللغو، والهذيان، مثل ما يجري على ألسنتهم في الدنيا حين يشربون الخمور، وما يأثمون به، وذكر لهم هذه الخمور في الجنة؛ لأن قوما يرغبون فيها في الدنيا، فوعد لهم؛ ليرغبوا فيها فيطلبوها بالامتناع عن شربها في الدنيا من الخمور المحرمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إلا كلاما فيه سلامة عن جميع الآفات التي ذكر.
والثاني: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام؛ كقوله : ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
لا يسمعون إلا سلام الملائكة عليهم، وسلام بعضهم على بعض.
<div class="verse-tafsir" id="91.55Exw"