الآية ٢٨ من سورة الواقعة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 56 الواقعة > الآية ٢٨ من سورة الواقعة

فِى سِدْرٍۢ مَّخْضُودٍۢ ٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨ من سورة الواقعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة الواقعة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( في سدر مخضود ) .

قال ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، وأبو الأحوص ، وقسامة بن زهير ، والسفر بن نسير ، والحسن ، وقتادة ، وعبد الله بن كثير ، والسدي ، وأبو حرزة ، وغيرهم : هو الذي لا شوك فيه .

وعن ابن عباس : هو الموقر بالثمر .

وهو رواية عن عكرمة ، ومجاهد ، وكذا قال قتادة أيضا : كنا نحدث أنه الموقر الذي لا شوك فيه .

والظاهر أن المراد هذا وهذا فإن سدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر ، وفي الآخرة على عكس من هذا لا شوك فيه ، وفيه الثمر الكثير الذي قد أثقل أصله ، كما قال الحافظ أبو بكر بن سلمان النجاد .

حدثنا محمد بن محمد هو البغوي ، حدثني حمزة بن عباس ، حدثنا عبد الله بن عثمان ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، أخبرنا صفوان بن عمرو ، عن سليم بن عامر ، قال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون : إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم ; قال : أقبل أعرابي يوما فقال : يا رسول الله ، ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها ؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " وما هي ؟

" .

قال : السدر ، فإن له شوكا موذيا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أليس الله يقول : ( في سدر مخضود ) ، خضد الله شوكه ، فجعل مكان كل شوكة ثمرة ، فإنها لتنبت ثمرا تفتق الثمرة منها عن اثنين وسبعين لونا من طعام ، ما فيها لون يشبه الآخر " .

طريق أخرى : قال أبو بكر بن أبي داود : حدثنا محمد بن المصفى ، حدثنا محمد بن المبارك ، حدثنا يحيى بن حمزة ، حدثني ثور بن يزيد ، حدثني حبيب بن عبيد ، عن عتبة بن عبد السلمي قال : كنت جالسا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء أعرابي فقال : يا رسول الله ، أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكا منها ؟

يعني : الطلح ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود ، فيها سبعون لونا من الطعام ، لا يشبه لون آخر " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

ثم ابتدأ الخبر عما ذا أعدّ لهم في الجنة، وكيف يكون حالهم إذا هم دخلوها؟

فقال: هم ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) يعني: في ثمر سدر موقر حملا قد ذهب شوكه.

وقد اختلف في تأويله أهل التأويل، فقال بعضهم: يعني بالمخضود: الذي قد خُضد من الشوك، فلا شوك فيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) قال: خضده وقره من الحمل، ويقال: خُضِد حتى ذهب شوكه فلا شوك فيه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) قال: زعم محمد بن عكرِمة قال: لا شوك فيه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حبيب، عن عكرمة، في قوله: ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) قال: لا شوك فيه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة بن خليفة، قال: ثنا عوف، عن قسامة بن زُهَير في قوله: ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) قال: خُضِد من الشوك، فلا شوك فيه.

حدثنا أبو حُميد الحمصي أحمد بن المغيرة، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا عمرو بن عمرو بن عبد الله الأحموسيّ، عن السفر بن نُسَير في قول الله عزّ وجلّ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) قال: خُضِد شوكه، فلا شوك فيه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) قال: كنا نحدّث أنه المُوقَر الذي لا شوك فيه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا قتادة، في قوله: ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) قال: ليس فيه شوك.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) قال: لا شوك له.

حدثنا مهران، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عكرمة ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) قال: لا شوك فيه.

وحدثني به ابن حُميد مرّة أخرى، عن مهران بهذا الإسناد، عن عكرمة، فقال: لا شوك له، وهو المُوقَر.

وقال آخرون: بل عُنِي به أنه المُوقَر حَمْلا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( مَخْضُودٍ ) قال: يقولون هذا الموقَرُ حَمْلا.

حدثني محمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا أبو حُذَيفة، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) قال: الموقَر.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) قال: الموقَر.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ( سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) يقول: مُوقَر.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) قال: ثمرها أعظم من القِلال.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

في سدر مخضود أي في نبق قد خضد شوكه أي قطع ؛ قاله ابن عباس وغيره .

وذكر ابن المبارك : حدثنا صفوان عن سليم بن عامر قال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم ، قال : أقبل أعرابي يوما ، فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية ، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها ؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما هي قال : السدر فإن له شوكا مؤذيا ، فقال صلى الله عليه وسلم أوليس يقول في سدر مخضود خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة فإنها تنبت ثمرا ، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لونا من الطعام ما فيه لون يشبه الآخر .

وقال أبو العالية والضحاك : نظر المسلمون إلى وج ( وهو واد بالطائف مخصب ) فأعجبهم سدره ، فقالوا : يا ليت لنا مثل هذا ، فنزلت .قال أمية بن أبي الصلت يصف الجنة :إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب سدرها مخضودوقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان : في سدر مخضود وهو الموقر حملا .

وهو قريب مما ذكرنا في الخبر .

سعيد بن جبير : ثمرها أعظم من القلال .

وقد مضى هذا في سورة ( النجم ) عند قوله تعالى : عند سدرة المنتهى وأن ثمرها مثل قلال هجر من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ } أي: مقطوع ما فيه من الشوك والأغصان الرديئة المضرة، مجعول مكان ذلك الثمر الطيب، وللسدر من الخواص، الظل الظليل، وراحة الجسم فيه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( في سدر مخضود ) لا شوك فيه كأنه خضد شوكه ، أي قطع ونزع منه ، هذا قول ابن عباس وعكرمة .

وقال الحسن .

لا يعقر الأيدي .

قال ابن كيسان : هو الذي لا أذى فيه .

قال : وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما يكون في الدنيا من الباقلاء وغيره بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه .

قال الضحاك ومجاهد : هو الموقر حملا .

قال سعيد بن جبير : ثمارها أعظم من القلال .

.

قال أبو العالية والضحاك : نظر المسلمون إلى وج - وهو واد مخصب بالطائف - فأعجبهم سدرها وقالوا يا ليت لنا مثل هذا فأنزل الله هذه الآية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«في سدر» شجر النبق «مخضود» لا شوك فيه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأصحاب اليمين، ما أعظم مكانتهم وجزاءهم!!

هم في سِدْر لا شوك فيه، وموز متراكب بعضه على بعض، وظلٍّ دائم لا يزول، وماء جار لا ينقطع، وفاكهة كثيرة لا تنفَد ولا تنقطع عنهم، ولا يمنعهم منها مانع، وفرشٍ مرفوعة على السرر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ .

.

)والسدر : شجر النبق ، واحده سدرة ، ومخضود .

أى : منزوع الشوك ، يقال : خضد فلان الشجر ، إذا قطع الشوك الذى به فهو خضيد ومخضود ، أو مخضود بمعنى ملىء بالثمر حتى تثنت أغصانه ، من خضدت الغصن ، إذا ثنيته وأملته إلى جهة أخرى .أى : وأصحاب اليمين ، المقول فيهم ما أصحاب اليمين على سبل التفخيم ، مستقرون يوم القيامة فى حدائق ملبئة بالشجر الذى خلا من الشوك وامتلأ بالثمار الطيبة ، التى تثنت أغصانها لكثرتها .

.قال القرطبى : وذكر ابن المبارك قال : حدثنا صفوان عن سليم بن عامر قال : " كان أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - يقولون : إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم .

قال : أقبل أعرابى يوما فقال : يا رسول الله ، لقد ذكر الله فى القرآن : شجرة مؤذية ، وماكنت أرى فى الجنة شجرة تؤذى صاحبها؟فقال - صلى الله عليه وسلم - : وما هى؟

قال : السدر ، فإن له شوكا مؤذيا ، فقال : - صلى الله عليه وسلم - : ألم يقل الله - تعالى - ( فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ ) .

خضد الله - تعالى - شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما بين حال السابقين شرع في شأن أصحاب الميمنة من الأزواج الثلاثة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما الفائدة في ذكرهم بلفظ: ﴿ أصحاب الميمنة  ﴾ عند ذكر الأقسام، وبلفظ: ﴿ أصحاب اليمين ﴾ عند ذكر الإنعام؟

نقول: الميمنة مفعلة إما بمعنى موضع اليمين كالمحكمة لموضع الحكم، أي الأرض التي فيها اليمين وإما بمعنى موضع اليمن كالمنارة موضع النار، والمجمرة موضع الجمر، فكيفما كان الميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميز بعضهم عن بعض، ويتفرقون لقوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ  ﴾ وقال: ﴿ يَصَّدَّعُونَ  ﴾ فيتفرقون بالمكان فأشار في الأول إليهم بلفظ يدل على المكان، ثم عند الثواب وقع تفرقهم بأمر مبهم لا يتشاركون فيه كالمكان، فقال: ﴿ وأصحاب اليمين ﴾ وفيه وجوه: أحدها: أصحاب اليمين الذين يأخذون بأيمانهم كتبهم ثانيها: أصحاب القوة ثالثها: أصحاب النور، وقد تقدم بيانه.

المسألة الثانية: ما الحكمة في قوله تعالى: ﴿ فِى سِدْرٍ ﴾ وأية نعمة تكون في كونهم في سدر، والسدر من أشجار البوادي، لا بمر ولا بحلو ولا بطيب؟

نقول: فيه حكمة بالغة غفلت عنها الأوائل والأواخر، واقتصروا في الجواب والتقريب أن الجنة تمثل بما كان عند العرب عزيزاً محموداً، وهو صواب ولكنه غير فائق، والفائق الرائق الذي هو بتفسير كلام الله لائق، هو أن نقول: إنا قد بينا مراراً أن البليغ يذكر طرفي أمرين، يتضمن ذكرهما الإشارة إلى جميع ما بينهما، كما يقال: فلان ملك الشرق والغرب، ويفهم منه أنه ملكهما وملك ما بينهما، ويقال: فلان أرضى الصغير والكبير، ويفهم منه أنه أرضى كل أحد إلى غير ذلك، فنقول: لا خفاء في أن تزين المواضع التي يتفرج فيها بالأشجار، وتلك الأشجار تارة يطلب منها نفس الورق والنظر إليه والاستظلال به، وتارة يقصد إلى ثمارها، وتارة يجمع بينهما، لكن الأشجار أوراقها على أقسام كثيرة، ويجمعها نوعان: أوراث صغار، وأوراق كبار، والسدر في غاية الصغر، والطلح وهو شجر الموز في غاية الكبر، فقوله تعالى: ﴿ فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ﴾ إشارة إلى ما يكون ورقه في غاية الصغر من الأشجار، وإلى ما يكون ورقه في غاية الكبر منها، فوقعت الإشارة إلى الطرفين جامعة لجميع الأشجار نظراً إلى أوراقها، والورق أحد مقاصد الشجر ونظيره في الذكر ذكر النخل والرمان عند القصد إلى ذكر الثمار، لأن بينهما غاية الخلاف كما بيناه في موضعه، فوقعت الإشارة إليهما جامعة لجميع الأشجار نظراً إلى ثمارها، وكذلك قلنا في النخيل والأعناب، فإن النخل من أعظم الأشجار المثمرة، والكرم من أصغر الأشجار المثمرة، وبينهما أشجار فوقعت الإشارة إليهما جامعة لسائر الأشجار، وهذا جواب فائق وفقنا الله تعالى له.

المسألة الثالثة: ما معنى المخضود؟

نقول فيه وجهان: أحدهما: مأخوذ الشوك، فإن شوك السدر يستقصف ورقها، ولولاه لكان منتزه العرب، ذلك لأنها تظل لكثرة أوراقها ودخول بعضها في بعض وثانيهما: مخضود أي متعطف إلى أسفل، فإن رؤوس أغصان السدر في الدنيا تميل إلى فوق بخلاف أشجار الثمار، فإن رؤوسها تتدلى، وحينئذ معناه أنه يخالف سدر الدنيا، فإن لها ثمراً كثيراً.

المسألة الرابعة: ما الطلح؟

نقول: الظاهر أنه شجر الموز، وبه يتم ما ذكرنا من الفائدة روي أن علياً عليه السلام سمع من يقرأ: ﴿ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ﴾ فقال: ما شأن الطلح؟

إنما هو (وطلع)، واستدل بقوله تعالى: ﴿ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ  ﴾ فقالوا: في المصاحف كذلك، فقال: لا تحول المصاحف، فنقول: هذا دليل معجزة القرآن، وغزارة علم علي رضي الله عنه.

أما المعجزة فلأن علياً كان من فصحاء العرب ولما سمع هذا حمله على الطلع واستمر عليه، وما كان قد اتفق حرفه لمبادرة ذهنه إلى معنى، ثم قال في نفسه: إن هذا الكلام في غاية الحسن، لأنه تعالى ذكر الشجر المقصود منه الورق للاستظلال به، والشجر المقصود منه الثمر للاستغلال به، فذكر النوعين، ثم إنه لما اطلع على حقيقة اللفظ علم أن الطلح في هذا الموضع أولى، وهو أفصح من الكلام الذي ظنه في غاية الفصاحة فقال: المصحف بين لي أنه خير مما كان في ظني فالمصحف لا يحول.

والذي يؤيد هذا أنه لو كان طلع لكان قوله تعالى: ﴿ وفاكهة كَثِيرَةٍ  ﴾ تكرار أحرف من غير فائدة، وأما على الطلح فتظهر فائدة قوله تعالى: ﴿ وفاكهة ﴾ وسنبينها إن شاء الله تعالى.

المسألة الخامسة: ما المنضود؟

فنقول: إما الورق وإما الثمر، والظاهر أن المراد الورق، لأن شجر الموز من أوله إلى أعلاه يكون ورقاً بعد ورق، وهو ينبت كشجر الحنطة ورقاً بعد ورق وساقه يغلظ وترتفع أوراقه، ويبقى بعضها دون بعض، كما في القصب، فموز الدنيا إذا ثبت كان بين القصب وبين بعضها فرجة، وليس عليها ورق، وموز الآخرة يكون ورقه متصلاً بعضه ببعض فهو أكثر أوراقاً، وقيل: المنضود المثمر، فإن قيل: إذا كان الطلح شجراً فهو لا يكون منضوداً وإنما يكون له ثمر منضود، فكيف وصف به الطلح؟

نقول: هو من باب حسن الوجه وصف بسبب اتصاف ما يتصل به، يقال: زيد حسن الوجه، وقد يترك الوجه ويقال: زيد حسن والمراد حسن الوجه ولا يترك إن أوهم فيصح أن يقال: زيد مضروب الغلام، ولا يجوز ترك الغلام لأنه يوهم الخطأ، وأما حسن الوجه فيجوز ترك الوجه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

السدر: شجر النبق.

والمخضود: الذي لا شوك له، كأنما خضد شوكه.

وعن مجاهد: الموقر الذي تثنى أغصانه كثرة حمله، من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب.

والطلح: شجر الموز.

وقيل: هو شجر أم غيلان، وله نوار كثير طيب الرائحة.

وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل.

وعن علي رضي الله عنه أنه قرأ: ﴿ وطلع ﴾ (فقال)، وما شأن الطلح، وقرأ قوله: ﴿ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴾ [ق: 10] فقيل له: أَوَ تُحوِّلها؟

فقال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحوّل.

وعن ابن عباس نحوه.

والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه؛ فليست له ساق بارزة ﴿ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30) ﴾ ممتدّ منبسط لا يتقلص، كظلّ ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ﴿ مَّسْكُوبٍ ﴾ يسكب لهم أين شاؤوا وكيف شاؤوا لا يتعنون فيه.

وقيل: دائم الجرية لا ينقطع.

وقيل: مصبوب يجري على الأرض في غير أخدود ﴿ لاَّ مَقْطُوعَةٍ ﴾ هي دائمة لا تنقطع في بعض الأوقات كفواكه الدنيا ﴿ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ ﴾ لا تمنع عن متناولها بوجه، ولا يحظر عليها كما يحظر على بساتين الدنيا.

وقرئ: ﴿ فاكهة كثيرة ﴾ ، بالرفع على: وهناك فاكهة، كقوله: ﴿ وحور عين ﴾ [الواقعة: 22] ﴿ وَفُرُشٍ ﴾ جمع فراش.

وقرئ: ﴿ وفرش ﴾ بالتخفيف ﴿ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ نضدت حتى ارتفعت.

أو مرفوعة على الأسرة.

وقيل: هي النساء، لأن المرأة يكنى عنها بالفراش مرفوعة على الأرائك.

قال الله تعالى: ﴿ هُمْ وأزواجهم فِي ظلال عَلَى الارائك مُتَّكِئُونَ ﴾ [يس: 56] ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أنشأناهن إِنشآءَ (35) ﴾ وعلى التفسير الأول أضمر لهنّ، لأنّ ذكر الفرش وهي المضاجع دلّ عليهن ﴿ أنشأناهن إِنشَاء ﴾ أي ابتدأنا خلقهن ابتداء جديداً من غير ولادة، فإما أن يراد.

اللاتي ابتدئ إنشاؤهن؛ أو اللاتي أعيد إنشاؤهن.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنّ أمّ سلمة رضي الله عنها سألته عن قول الله تعالى: ﴿ إِنَّا أنشأناهن ﴾ فقال: «يا أم سلمة هنّ اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا رمصا، جعلهنّ الله بعد الكبر» ﴿ أَتْرَاباً ﴾ على ميلاد واحد في الاستواء، كلما أتاهنَّ أزواجهنّ وجدوهنّ أبكارا؛ فلما سمعت عائشة رضي الله عنها ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: واوجعاه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس هناك وجع» وقالت عجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: «إنّ الجنة لا تدخلها العجائز» ، فولت وهي تبكي، فقال عليه الصلاة والسلام: «أخبروها أنها ليست يومئذٍ بعجوز» وقرأ الآية ﴿ عُرُباً ﴾ وقرئ: ﴿ عربا ﴾ بالتخفيف جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أَتْرَاباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهنّ أيضاً كذلك.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً بيضاً جعاداً مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين» واللام في ﴿ لأصحاب اليمين (38) ﴾ من صلة أنشأنا وجعلنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ لا شَوْكَ فِيهِ مِن خَضَدَ الشَّوْكَ إذا قَطَعَهُ، أوْ مَثْنِيٌّ أغْصانُهُ مِن كَثْرَةِ حَمْلِهِ مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا ثَناهُ وهو رَطْبٌ.

﴿ وَطَلْحٍ ﴾ وشَجَرِ مَوْزٍ، أوْ أُمِّ غَيْلانَ ولَهُ أنْوارٌ كَثِيرَةٌ طَيِّبَةُ الرّائِحَةِ، وقُرِئَ بِالعَيْنِ.

﴿ مَنضُودٍ ﴾ نُضِدَ حَمَلَهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ.

﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ مُنْبَسِطٍ لا يَتَقَلَّصُ ولا يَتَفاوَتُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} السدر شجر النبق والمخضود الذ لا شوك له كانما خذ شوكه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأصْحابُ اليَمِينِ ﴾ إلَخْ شُرُوعٌ في بَيانِ تَفاصِيلِ شُؤُونِهِمْ بَعْدَ بَيانِ تَفاصِيلِ شُؤُونِ السّابِقِينَ «وأصْحابُ» مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿ ما أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُشْعِرَةٌ بِتَفْخِيمِهِمْ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ وهي عَلى ما قالُوا: إمّا خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لَهُ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم في سِدْرٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ما ( أصْحابُ اليَمِينِ ) مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ، وإمّا مُعْتَرِضَةٌ والخَبَرُ هو قَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ فِي سِدْرٍ ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ والخَبَرُ هو هَذا الجارُّ والمَجْرُورُ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى في شَرْحِ أحْوالِ السّابِقَيْنِ: ﴿ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ ﴾ ﴿ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ  ﴾ أيْ ﴿ وأصْحابُ اليَمِينِ ﴾ المَقُولُ فِيهِمْ ما ﴿ أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ كائِنُونَ ﴿ فِي سِدْرٍ ﴾ إلَخْ، والظّاهِرُ أنَّ التَّعْبِيرَ بِالمَيْمَنَةِ فِيما مَرَّ، وبِاليَمِينِ هُنا لِلتَّفَنُّنِ، وكَذا يُقالُ في المَشْأمَةِ والشِّمالِ فِيما بَعْدُ، وقالَ الإمامُ: الحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ في المَيْمَنَةِ وكَذا المَشْأمَةِ دَلالَةً عَلى المَوْضِعِ والمَكانِ والأزْواجِ الثَّلاثَةِ في أوَّلِ الأمْرِ يَتَمَيَّزُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ ويَتَفَرَّقُونَ بِالمَكانِ فَلِذا جِيءَ أوَّلًا بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلى المَكانِ وفِيما بَعْدُ يَكُونُ التَّمَيُّزُ والتَّفَرُّقُ بِأمْرٍ فِيهِمْ فَلِذا لَمْ يُؤْتَ بِذَلِكَ اللَّفْظِ ثانِيًا، والسِّدْرُ شَجَرُ النَّبْقِ، والمَخْضُودُ الَّذِي خُضِدَ أيْ قُطِعَ شَوْكُهُ، أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: ««كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْفَعُنا بِالأعْرابِ ومَسائِلِهِمْ أقْبَلَ أعْرابِيٌّ يَوْمًا فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ شَجَرَةً مُؤْذِيَةً وما كُنْتُ أرى أنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صاحِبَها قالَ: وما هي ؟

قالَ: السِّدْرُ فَإنَّ لَهُ شَوْكًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ خَضَدَ اللَّهُ شَوْكَهُ فَجَعَلَ مَكانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً وأنَّ الثَّمَرَةَ مِن ثَمَرِهِ تَفَتَّقُ عَنِ اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ لَوْنًا مِنَ الطَّعامِ ما فِيها لَوْنٌ يُشْبِهُ الآخَرَ»».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ أنَّهُ المُوقَرُ حِمْلًا عَلى أنَّهُ في خَضْدِ الغُصْنِ إذا ثَناهُ وهو رَطْبٌ فَمَخْضُودٌ مَثْنِيُّ الأغْصانِ كُنِّيَ بِهِ عَنْ كَثِيرِ الحِمْلِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ يَزِيدَ الرُّقّاشِيِّ أنَّ النَّبْقَةَ أعْظَمُ مِنَ القِلالِ والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ لِلْمُبالَغَةِ في تَمَكُّنِهِمْ مِنَ التَّنَعُّمِ والِانْتِفاعِ بِما ذُكِرَ ﴿ وطَلْحٍ مَنضُودٍ ﴾ قَدْ نُضِدَ حِمْلُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ لَيْسَتْ لَهُ ساقٌ بارِزَةٌ وهو شَجَرُ المَوْزِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ، وقِيلَ: هو شَجَرٌ مِن عِظامِ العِضاهِ، وقِيلَ: شَجَرُ أمْ غِيلانَ ولَهُ نَوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ ﴿ وظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ مُمْتَدٍّ مُنْبَسِطٍ لا يَتَقَلَّصُ ولا يَتَفاوَتُ كَظِلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ، وظاهِرُ الآثارِ يَقْتَضِي أنَّهُ ظِلُّ الأشْجارِ.

أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: ««إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ لا يَقْطَعُها اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿ وظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ »».

وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ  في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ لا يَقْطَعُها وذَلِكَ الظِّلُّ المَمْدُودُ»».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: الظِّلُّ المَمْدُودُ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ عَلى ساقٍ ظِلُّها قَدْرُ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ في كُلِّ نَواحِيها مِائَةَ عامٍ يَخْرُجُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ الغُرَفِ وغَيْرُهم فَيَتَحَدَّثُونَ في ظِلِّها فَيَشْتَهِي بَعْضُهم ويَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيا فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى رِيحًا مِنَ الجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ في الدُّنْيا وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أنَّهُ قالَ: الظِّلُّ المَمْدُودُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴿ وماءٍ مَسْكُوبٍ ﴾ قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ مِن غَيْرِ أخادِيدَ، وقِيلَ: مُنْسابٌ حَيْثُ شاؤُوا لا يَحْتاجُونَ فِيهِ إلى سانِيَةٍ ولا رِشاءٍ وذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ لِما أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لِبَداوَتِهِمْ تَمَنَّوْها، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ وظِلالِهِ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ إلَخْ، وفي رِوايَةٍ عَنِ الضَّحّاكِ «نَظَرَ المُسْلِمُونَ إلى وجٍّ فَأعْجَبَهم سِدْرُهُ وقالُوا: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ هَذا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ».

وقِيلَ: كَأنَّهُ لَمّا شَبَّهَ حالَ السّابِقِينَ بِأقْصى ما يُتَصَوَّرُ لِأهْلِ المُدُنِ مِن كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ خُدّامُهم بِأنْواعِ المَلاذِّ شَبَّهَ حالَ أصْحابِ اليَمِينِ بِأكْمَلِ ما يُتَصَوَّرُ لِأهْلِ البَوادِي مِن نُزُولِهِمْ في أماكِنَ مُخْصِبَةٍ فِيها مِياهٌ وأشْجارٌ وظِلالٌ إيذانًا بِأنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ كالتَّفاوُتِ بَيْنَ أهْلِ المُدُنِ والبَوادِي، وذَكَرَ الإمامُ مُدَّعِيًا أنَّهُ مِمّا وُفِّقَ لَهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ ﴿ وطَلْحٍ مَنضُودٍ ﴾ مِن بابِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ رَبُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ﴾ ) [الشُّعَراءَ: 28، المُزَّمِّلَ: 9] لِأنَّ السِّدْرَ أوْراقُهُ في غايَةِ الصِّغَرِ والطَّلْحَ يَعْنِي المَوْزَ أوْراقُهُ في غايَةِ الكِبَرِ فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ فَيُرادُ جَمِيعُ الأشْجارِ لِأنَّها نَظَرًا إلى أوْراقِها مَحْصُورَةٌ بَيْنَهُما وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم «وطَلْعٍ» بِالعَيْنِ بَدَلَ ﴿ وطَلْحٍ ﴾ بِالحاءِ، وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ﴿ وطَلْحٍ مَنضُودٍ ﴾ فَقالَ: ما بالُ الطَّلْحِ ؟

أما تَقْرَأُ وطَلْعٍ، ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ  ﴾ فَقِيلَ لَهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أنَحْكِها مِنَ المُصْحَفِ ؟

فَقالَ: لا يُهاجُ القُرْآنُ اليَوْمَ وهي رِوايَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ كَما نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الطَّيِّبِيُّ، وكَيْفَ يُقِرُّ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ تَحْرِيفًا في كِتابِ اللَّهِ تَعالى المُتَداوَلِ بَيْنَ النّاسِ، أوْ كَيْفَ يُظَنُّ بِأنَّ نَقَلَةَ القُرْآنِ ورُواتِهِ وكُتّابَهُ مِن قَبْلُ تَعَمَّدُوا ذَلِكَ أوْ غَفَلُوا عَنْهُ ؟

هَذا واللَّهُ تَعالى قَدْ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ.

ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ: حَمْلُ ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ إلَخْ عَلى مَعْنى التَّظْلِيلِ، وتَكاثُفِ الأشْجارِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي لِأنَّ الفَواكِهَ مُسْتَغْنى عَنْها بِما بَعْدُ ولِيُقابِلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ ﴾ ﴿ فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ ﴾ ﴿ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ  ﴾ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأصْحابُ اليَمِينِ ﴾ إلَخْ فَإذَنْ لا مَدْخَلَ لِحَدِيثِ الطَّلْعِ في مَعْنى الظِّلِّ وما يَتَّصِلُ بِهِ لَكِنْ قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ وصْفَ الطَّلْحِ بِكَوْنِهِ مَنضُودًا لا يَظْهَرُ لَهُ كَثِيرُ مُلاءَمَةٍ لِكَوْنِ المَقْصُودِ مَنفَعَةَ التَّظْلِيلِ ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ الطَّلْحُ عَلى أنَّهُ مِن عِظامِ العِضاهِ عَلى ما ذَكَرَهُ في الصِّحاحِ فَشَجَرُ أُمِّ غِيلانَ والمَوْزِ لا ظِلَّ لَهُما يُعْتَدُّ بِهِ، ثُمَّ قالَ ولَوْ حُمِلَ الطَّلْحُ عَلى المَشْمُومِ لَكانَ وجْهًا انْتَهى، وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ خَبَرَ سَبَبِ النُّزُولِ فَلا تَغْفُلْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ يعني: السابقين إلى الإيمان، والجهاد، والطاعات السَّابِقُونَ يعني: هم السَّابِقُونَ إلى الجنة.

فذكر الأصناف الثلاثة.

أحدها أصحاب اليمين، الثاني أصحاب الشمال، والثالث السابقون.

ثم وصف كل صنف منهم بصفة، فبدأ بصفة السابقين فقال: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ يعني: المقربين عند الله في الدرجات فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ يعني: في جنات عدن ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: إن السابقين تكون جماعة من الأولين.

يعني: من أول هذه الأمة مثل الصحابة، والتابعين وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: إن السابقين في آخر هذه الأمة يكون قليلاً.

وقال بعضهم: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني جميعاً من الأمم الخالية، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: من هذه الأمة.

فحزن المسلمون بذلك حتى نزلت ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فطابت أنفسهم.

والطريق الأول أصح.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «كِلْتَا الثُّلَّتَيْنِ مِنْ أُمَّتِي» .

وروي عن عبد الله بن يزيد قال: قال رسول الله  : «أَهْلَ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةَ صِنْفٍ هذه الأُمّةِ مِنْهَا ثَمَانُونَ صِنْفاً» .

ثم قال: عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ يعني: إن السابقين في الجنة على سرر منسوجة بالدر والياقوت.

وقال مجاهد: مَوْضُونَةٍ بالذهب.

وقال القتبي: مَوْضُونَةٍ أي: منسوجة.

كأن بعضها أدخل في بعض، أو نضد بعضها على بعض، ومنه قيل للدرع مَوْضُونَةٍ.

ثم قال: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ يعني: ناعمين على سرر متقابلين في الزيادة.

وروي عن عبد الله بن مسعود  أنه قرأ: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعمين.

وقال مجاهد: مُتَقابِلِينَ يعني: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.

ثم قال عز وجل: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ يعني: في الخدمة وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ يعني: غلماناً خلدوا في الجنة.

ويقال: على سن واحد لا يتغيرون، لأنهم خلقوا للبقاء ومن خلق للبقاء، لا يتغير.

ويقال: مُخَلَّدُونَ يعني: لا يكبرون.

ويقال: هم أولاد الكفار لم يكن لهم ذنب يعذبون، ولا طاعة يثابون، فيكونون خداماً لأهل الجنة.

قوله تعالى: بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ هي التي لها عرى.

ثم قال: وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ يعني: خمراً بيضاء من نهر جار لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْها يعني: لا يصدع رؤوسهم بشرب الخمر في الآخرة وَلا يُنْزِفُونَ يعني: لا تذهب عقولهم، ولا ينفد شرابهم.

ثم قال: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يعني: ما يتمنون، ويختارون من ألوان الفاكهة وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يعني: إن شاء مشويّاً، وإن شاء مطبوخاً.

ثم قال عز وجل: وَحُورٌ عِينٌ قرأ حمزة، والكسائي وَحُورٌ عِينٌ بالكسر عطفاً على قوله: بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ والباقون وَحُورٌ عِينٌ بالضم.

ومعناها: ولهم حور عين، والحور: البيض، والعين: الحسان الأعين كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ يعني: اللؤلؤ الذي في الصدف، لم تمسه الأيدي، ولم تره الأعين، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: هذه الجنة مع هذه الكرامات، ثواباً لأعمالهم.

ثم قال: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً يعني: في الجنة حلفاً، وكذباً، وَلا تَأْثِيماً يعني: كلاماً فيها عند الشرب كما يكون في الدنيا ويقال ولا تأثيماً يعني: ولا إثم عليهم فيما شربوا إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً يعني: إلا قولاً وكلاماً يسلم بعضهم على بعض، ويبعث الله تعالى إليهم الملائكة بالسلام، فهذا كله نعت السابقين.

ثم ذكر الصنف الثاني فقال: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحابُ الْيَمِينِ يعني: ما لأصحاب اليمين من الخير، والكرامة، على وجه التعجب.

ثم وصف حالهم فقال: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ يعني: لا شوك له كالدر الذي يكون في الدنيا.

وقال قتادة: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ يعني: كثير الحمل.

أي: ليس له شوك.

وقال القتبي: كأنه نضد شوكه.

يعني: قطع.

وروي في الخبر: أنه لما نزل ذكر السدر، قال أهل الطائف: إنها سِدْرنا هذا.

فنزل مَخْضُودٍ يعني: موقر بلا شوك.

ثم قال: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وقال مقاتل: يعني: الموز المتراكم بعضه على بعض.

وقال قتادة: هو الموز، وهذا روي عن ابن عباس.

والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره.

ويروى عن علي بن أبي طالب  أنه قرأ: وطلع مَّنْضُودٍ كقوله تعالى: طَلْعٌ نَضِيدٌ كقوله تعالى: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ يعني: دائماً لا يزول.

وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة  : قال: في الجنة شجرة يسير الراكب، في ظلها مائة عام، ما يقطعها اقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ.

ثم قال: وَماءٍ مَسْكُوبٍ يعني: منصباً كثيراً.

ويقال: يعني منصباً من ساق العرش وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ يعني: الفاكهة كثيرة لاَّ مَقْطُوعَةٍ يعني: لاَّ مَقْطُوعَةٍ يعني: لا تنقطع عنهم في حين كما يكون في فواكه الدنيا، بل توجد في جميع الأوقات وَلا مَمْنُوعَةٍ يعني: لا تمنع منهم، والممنوعة أن ينظر إليها، ولا يقدر أن يأكلها كأشجار الدنيا.

وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ بعضها فوق بعض مرتفعة.

ثم قال عز وجل: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً يعني: الجواري، والزوجات.

يقال: نساء الدنيا خلقناهن خلقاً بعد خلق الدنيا.

ويقال: إنهن أفضل، وأحسن من حور الجنة، لأنهن عملن في الدنيا، والحور لم يعملن.

وعن أنس بن مالك، قال النبيّ  : إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً قال: «إنَّ مِنَ المُنْشِآتِ الَّتِي كُنَّ فِي الدُّنْيَا عَجِائِزَ عُمْشاً رُمْصاً زُمْناً» .

ثم قال: فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً يعني: خلقناهن أبكارا عذارى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

دخول الجنة هو برحمة اللَّه وفضله، لا بعمل عامل كما جاء في الصحيح «١» .

وقوله تعالى: إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً قال أبو حيان «٢» : «إلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً» الظاهر أَنَّ الاستثناءَ مُنْقَطِعٌ لأَنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في اللغو والتأثيم، وقيل مُتَّصِلٌ، وهو بعيد، انتهى، قال الزّجّاج «٣» : وسَلاماً مصدر، كأَنَّهُ يذكر أَنَّهُ يقول بعضهم لبعض: سلاماً سلاماً.

ت: قال الثعلبيُّ: والسِّدْرُ: شجر النبق ومَخْضُودٍ أي: مقطوع الشوك، قال- عليه السلام «٤» : ولأهل تحرير النظر هنا إشارةٌ في أَنَّ هذا الخضد بإزاء أعمالهم التي سلموا منها إذ أهل اليمين تَوَّابُونَ لهم سلام، وليسوا بسابقين، قال الفخر: وقد بان لي بالدليل أَنَّ المراد بأصحاب اليمين: الناجون الذين أذنبوا وأسرفوا، وعفا اللَّه تعالى عنهم بسبب أدنى حَسَنَةٍ لا الذين غلبت حسناتُهُم وكَثُرَتْ، انتهى.

والطلح (من العِضَاهِ) شَجَرٌ عظيم، كثيرُ الشوك، وصفه في الجنة على صفة مباينة لحال الدنيا، ومَنْضُودٍ معناه: مُرَكَّبٌ ثمره بعضُه على بعض من أرضه إلى أعلاه، وقرأ علي- رضي اللَّه عنه- وغيره: «وَطَلْعٍ» «٥» فقيل لعليِّ: إنَّما هو: «وطَلْحٍ» فقال: ما للطلح والجنة؟!

قيل له: أَنُصْلِحُهَا في المصحف؟

فقال: إنَّ المصحفَ اليومَ لا يهاج ولا يغيّر.

وقال عليُّ أيضاً وابن عباس «١» : الطلح الموز، والظل الممدود: معناه: الذي لا تنسخه شمس، وتفسير ذلك في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ الجَوَادُ المُضَمَّر في ظِّلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ لاَ يَقْطَعْها» «٢» ، واقرؤوا إنْ شِئْتُمْ: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ، إلى غير هذا من الأحاديث في هذا المعنى.

ت: وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ في الجَنَّةِ شَجْرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ لاَ يَقْطَعُهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوْ تَغْرُبُ» »

انتهى.

وَماءٍ مَسْكُوبٍ أي: جارٍ في غير أُخْدُودٍ.

لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ أي: لا مقطوعة بالأزمان كحال فاكهة الدنيا، ولا ممنوعةٌ بوجه من الوجوه التي تمتنع بها فاكهةُ الدنيا، والفُرُشُ: الأَسِرَّةُ وعن أبي سعيد الخُدْرِيِّ «٤» : إنَّ في ارْتِفَاعِ السَّرِيرِ مِنْهَا مَسِيرَةَ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ.

ت: وهذا إنْ ثبت فلا بُعْدَ/ فيه، إذْ أحوال الآخرة كلها خَرْقُ عادة، وقال أبو عبيدةَ وغيره: أراد بالفرش النساء «٥» ، ومَرْفُوعَةٍ معناه: في الأقدار والمنازل، وأَنْشَأْناهُنَّ معناه: خلقناهن شيئاً بَعْدَ شيء وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في تفسير هذه الآية: «هنّ

عّجائِزُكُنَّ في الدُّنْيَا عُمْشاً رُمْصاً جَعَلَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ أَتْرَاباً» «١» ، وَقَالَ لِلْعَجُوزِ: «إنَّ الْجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا الْعَجُوزُ، فَحَزِنَتْ، فَقَالَ: إنَّكِ إذَا [دَخَلْتِ الْجَنَّةَ أُنْشِئْتِ خَلْقاً آخَرَ «٢» » .

وقوله سبحانه: فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً قيل: معناه: دائمة البكارة، متى عاود الوطء] «٣» وجدها بكراً، والعُرُبُ: جمع عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زوجها بإِظهار محبته قاله ابن عباس «٤» ، وعبر عنهنَّ ابن عباس أيضاً بالعواشق «٥» ، وقال زيد: العروب: الحسنة الكلام «٦» .

ت: قال البخاريُّ: والعروب يسميها أَهْلُ مَكَّةَ العَرِبَةَ، وأهل المدينة: الغَنِجَة، وأَهل العراق: الشَّكِلَة، انتهى.

وقوله: أَتْراباً معناه: في الشكل والقَدِّ، قال قتادة «٧» : أَتْراباً يعني: سِنًّا واحدة، ويُرْوَى أَنَّ أَهل الجنة هم على قَدِّ ابن أربعةَ عَشَرَ عاماً في الشباب، والنُّضْرَةِ، وقيل: على مثال أبناء ثلاثٍ وثلاثين سنةً، مُرْداً بيضاً، مُكَحَّلِينَ، زاد الثعلبيُّ: على خَلْقِ آدَم، طولُه ستون ذراعا في سبعة أذرع.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

وَقَدْ شَرَحْنا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَأصْحابُ اليَمِينِ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ  ﴾ .

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أصْحابُ اليَمِينِ: أطْفالُ المُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ المُسْلِمِينَ نَظَرُوا إلى وجٍّ.

وهو وادٍ بِالطّائِفِ مُخْصِبٌ.

فَأعْجَبَهم سِدْرُهُ، فَقالُوا: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ هَذا؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ.

وَفِي المَخْضُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي لا شَوْكَ فِيهِ، رَواهُ أبُو طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وقُسامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّهُ خُضِدَ شَوْكُهُ، أيْ: قُلِعَ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  في المَدِينَةِ: «لا يُخْضَدُ شَوْكُها" .» والثّانِي: أنَّهُ المُوقَرُ حِمْلًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المُوقَرُ الَّذِي لاشَوْكَ فِيهِ، ذَكَرَهُ قَتادَةُ.

وَفِي الطَّلْحِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْزُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، [والحَسَنُ]، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ شَجَرٌ عِظامٌ كِبارُ الشَّوْكِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا هو الطَّلْحُ عِنْدَ العَرَبِ، قالَ الحادِي: بَشَّرَها دَلِيلُها وقالا غَدًا تَرَيْنَ الطَّلْحَ والجِبالا فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في الطَّلْحِ؟

.

فالجَوابُ أنَّ لَهُ نَوْرًا ورِيحًا طَيِّبَةً، فَقَدْ وعَدَهم ما يَعْرِفُونَ ويَمِيلُونَ إلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَقَعِ التَّساوِي بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في الدُّنْيا.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَعْجَبُونَ بِـ "وَجٍّ" وظِلالِهِ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ.

فَأمّا المَنضُودُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الَّذِي قَدْ نُضِدَ بِالحَمْلِ أوْ بِالوَرَقِ والحَمْلُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، فَلَيْسَ لَهُ ساقٌ بارِزَةٌ، وقالَ مَسْرُوقٌ: شَجَرُ الجَنَّةِ نَضِيدٌ مِن أسْفَلِها إلى أعْلاها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ أيْ: دائِمٌ لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ.

﴿ وَماءٍ مَسْكُوبٍ ﴾ أيْ: جارٍ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا مَقْطُوعَةٌ في حِينٍ دُونَ حِينٍ، ولا مَمْنُوعَةٌ بِالحِيطانِ والنَّواطِيرِ، إنَّما هي مُطْلَقَةٌ لِمَن أرادَها، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

ولَخَّصَهُ بَعْضُهم فَقالَ: لا مَقْطُوعَةٌ بِالأزْمانِ، ولا مَمْنُوعَةٌ بِالأثْمانِ.

والثّانِي: لا تَنْقَطِعُ إذا جُنِيَتْ، ولا تُمْنَعُ مِن أحَدٍ إذا أُرِيدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لا مَقْطُوعَةٌ بِالفَناءِ، ولا مَمْنُوعَةٌ بِالفَسادِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الحَشايا المَفْرُوشَةُ لِلْجُلُوسِ والنَّوْمِ.

وفي رَفْعِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّها] مَرْفُوعَةٌ فَوْقَ السُّرُرِ.

والثّانِي: أنَّ رَفْعَها: زِيادَةُ حَشْوِها لِيَطِيبَ الِاسْتِمْتاعُ بِها.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالفِراشِ: النِّساءُ؛ والعَرَبُ تُسَمِّي المَرْأةَ: فِراشًا وإزارًا ولِباسًا؛ وفي مَعْنى رَفْعِهِنَّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُنَّ رُفِعْنَ بِالجَمالِ عَلى نِساءِ أهْلِ الدُّنْيا، والثّانِي: رُفِعْنَ عَنِ الأدْناسِ.

والثّالِثُ: في القُلُوبِ لِشِدَّةِ المَيْلِ إلَيْهِنَّ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً ﴾ يَعْنِي النِّساءَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اكْتَفى بِذِكْرِ الفُرُشِ لِأنَّها مَحَلُّ النِّساءِ عَنْ ذِكْرِهِنَّ.

وفي المُشارِ إلَيْهِنَّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُنَّ نِساءُ أهْلِ الدُّنْيا المُؤْمِناتُ؛ ثُمَّ في إنْشائِهِنَّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إنْشاؤُهُنَّ مِنَ القُبُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إعادَتُهُنَّ بَعْدَ الشَّمَطِ والكِبَرِ أبْكارًا صِغارًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُنَّ الحُورُ العِينُ، وإنْشاؤُهُنَّ: إيجادُهُنَّ عَنْ غَيْرِ وِلادَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والصَّوابُ أنْ يُقالَ: إنَّ الإنْشاءَ عَمَّهُنَّ كُلَّهُنَّ، فالحُورُ أُنْشِئْنَ ابْتِداءً، والمُؤْمِناتُ أُنْشِئْنَ بِالإعادَةِ وتَغْيِيرِ الصِّفاتِ؛ وقَدْ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ مِنَ المُنْشَآتِ اللّاتِي كُنَّ في الدُّنْيا عَجائِزَ عُمْشًا رُمْصًا" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا ﴾ أيْ: عَذارى.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَأْتِيها زَوْجُها إلّا وجَدَها بِكْرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُرُبًا ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ: بِإسْكانِ الرّاءِ؛ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرٍ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى "عُرُبًا" خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُنَّ المُتَحَبِّباتُ إلى أزْواجِهِنَّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُنَّ العَواشِقُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والمُبَرِّدُ؛ وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: الحَسَنَةُ التَّبَعُّلِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.

والرّابِعُ: الغَنِجاتُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسَةُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

فَأمّا الأتْرابُ فَقَدْ ذَكَرْناهُنَّ في [ص: ٥٢] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ هَذا مِن نَعْتِ أصْحابِ اليَمِينِ.

وفي الأوَّلِينَ والآخِرِينَ خِلافٌ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ [الواقِعَةِ: ١٣] .

وقَدْ زَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى، وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ وجَدَ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ وجْدًا شَدِيدًا حَتّى أُنْزِلَتْ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ فَنَسَخَتْها.

ورُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ نَحْوُ هَذا المَعْنى.

قُلْتُ: وادِّعاءُ النَّسْخِ ها هُنا لا وجْهَ لَهُ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ.

أحَدُها: أنَّ عُلَماءَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ لَمْ يُوافِقُوا عَلى هَذا.

والثّانِي: أنَّ الكَلامَ في الآيَتَيْنِ خَبَرٌ، والخَبَرُ لا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ، [فَهُوَ ها هُنا لا وجْهَ لَهُ] .

والثّالِثُ: أنَّ الثُّلَّةَ بِمَعْنى الفِرْقَةِ والفِئَةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُما مِنَ القِطْعَةِ، والثَّلُّ: الكَسْرُ والقَطْعُ.

فَعَلى هَذا قَدْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثُّلَّةُ في مَعْنى القَلِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ ﴿ وَطَلْحٍ مَنضُودٍ ﴾ ﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ ﴿ وَماءٍ مَسْكُوبٍ ﴾ ﴿ وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴾ ﴿ لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ ﴾ ﴿ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ﴾ ﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً ﴾ ﴿ فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا ﴾ ﴿ عُرُبًا أتْرابًا ﴾ ﴿ لأصْحابِ اليَمِينِ ﴾ ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ.

و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟

فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟

فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ.

وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ.

و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ  : « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ.

و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ  في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا ﴾ ، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا.

و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ.

وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عود إلى نشر ما وقع لفُّه في قوله: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ [الواقعة: 7] كما تقدم عند قوله: ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ [الواقعة: 8].

وعبر عنهم هنا ب ﴿ أصحاب اليمين ﴾ وهنالك ب ﴿ أصحاب الميمنة ﴾ للتفنن.

فجملة ﴿ وأصحاب اليمين ﴾ عطف على جملة ﴿ أولئك المقربون ﴾ [الواقعة: 8] عطف القصة على القصة.

وجملة ﴿ ما أصحاب اليمين ﴾ خبر عن ﴿ أصحاب اليمين ﴾ بإبهام يفيد التنويه بهم كما تقدم في قوله: ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ [الواقعة: 8].

وأتبع هذا الإِبهام بما يبين بعضه بقوله: ﴿ في سدر مخضود ﴾ الخ.

والسدر: شجر من شجر العِضاه ذو ورق عريض مدوَّر وهو صنفان: عُبْرِي بضم العين وسكون الموحدة وياء نسب نسبة إلى العِبر بكسر العين وسكون الموحدة على غير قياس وهو عِبر النهي، أي ضفته، له شوك ضعيف في غصونه لا يضير.

والصنف الثاني الضَّالُ (بضاد ساقطة ولام مخففة) وهو ذُو شوك.

وأجود السدر الذي ينبت على الماء وهو يشبه شجر العُناب، وورقه كورق العناب وورقه يجعل غسولاً ينظف به، يخرج مع الماء رغوة كالصابون.

وثمر هذا الصنف هو النبق بفتح النون وكسر الموحدة وقاف يشبه ثمر العناب إلا أنه أصفر مُزّ (بالزاي) يفوح الفم ويفوح الثياب ويتفكه به، وأما الضال وهو السدر البري الذي لا ينبت على الماء فلا يصلح ورقه للغسول وثمره عَفِصٌ لا يسوغ في الحلق ولا ينتفع به ويخبِط الرعاةُ ورقه للراعية، وأجود ثمر السدر ثمر سدر هَجَر أشد نَبِق حلاوة وأطيبه رائحة.

ولما كان السدر من شجر البادية وكان محبوباً للعرب ولم يكونوا مستطيعين أن يجعلوا منه في جناتهم وحوائطهم لأنه لا يعيش إلا في البادية فلا ينبت في جناتهم خص بالذكر من بين شجر الجنة إغراباً به وبمحاسنه التي كان محروماً منها من لا يسكن البوادي وبوفرة ظله وتهدل أغصانه ونكهة ثمره.

ووصف بالمخضود، أي المزال شوكه فقد كملت محاسنه بانتفاء ما فيه من أذًى.

والطلح: شجر من شجر العضاه واحدهُ طلحة، وهو من شجر الحجاز ينبت في بطون الأودية، شديد الطُّول، غليظ الساق.

من أصلب شجر العِضاه عُوداً، وأغصانه طوال عظام شديدة الارتفاع في الجو ولها شوك كثير قليلةُ الورق شديدة الخُضرة كثيرة الظل من التفاف أغصانها، وصمغها جيّد وشوكها أقل الشوك أذًى، ولها نَور طيب الرائحة، وتسمى هذه الشجرة أمّ غَيلان، وتسمى في صفاقس غيلان وفي أحواز تونس تسمى مِسْكَ صَنادِق.

والمنضود: المتراصّ المتراكب بالأغصان ليست له سوق بارزة، أو المنضد بالحمل، أي النُوَّار فتكثر رائحته.

وعلى ظاهر هذا اللفظ يكون القول في البشارة لأصحاب اليمين بالطلح على نحو ما قرر في قوله: ﴿ في سدر مخضود ﴾ ويعتاض عن نعمة نكهة ثمر السدر بنعمة عَرْف نَوْر الطلح.

وفُسر الطلح بشجر الموز روي ذلك عن ابن عباس وابن كثير، ونسب إلى علي بن أبي طالب.

والامتنان به على هذا التفسير امتنان بثمره لأنه ثمر طيب لذيد ولشجره من حسن المنظر، ولم يكن شائعاً في بلاد العرب لاحتياجه إلى كثرة الماء.

والظل الممدود: الذي لا يتقلص كظل الدنيا، وهو ظل حاصل من التفاف أشجار الجنة وكثرة أوراقها.

وسَكْب الماء: صبّه، وأطلق هنا على جريه بقوة يشبه السَّكْب وهو ماء أنهار الجنة.

والفاكهة: تقدمت آنفاً.

ووصفت ب ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة ﴾ وصفاً بانتفاء ضد المطلوب إذ المطلوب أنها دائمة مبذولة لهم.

والنفي هنا أوقع من الإثبات لأنه بمنزلة وصففٍ وتوكيده، وهم لا يصفون بالنفي إلا مع التكرير بالعطف كقوله تعالى: ﴿ زيتونة لا شَرقِيَّة ولا غربية ﴾ [النور: 35].

وفي حديث أم زرع: «قالت المرأة الرابعة: زوجي كلَيل تِهامة لاَ حَرّ ولا قُرٌّ ولا مَخافةٌ ولا سآمةٌ».

ثم تارة يقصد به إثبات حالة وسطى بين حالي الوصفين المنفيين كما في قول أم زرع: «لا حَرّ ولا قَرّ»، وفي آية: ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ [النور: 35] وهذا هو الغالب وتارة يقصد به نفي الحالين لإثبات ضديهما كما في قوله: ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة ﴾ وقوله الآتي: ﴿ لا بارد ولا كريم ﴾ [الواقعة: 44]، وقول المرأة الرابعة في حديث أمّ زرع: «ولا مخافة ولا سآمة».

وجمع بين الوصفين لأن فاكهة الدنيا لا تخلو من أحد ضدي هذين الوصفين فإن أصحابها يمنعونها فإن لم يمنعوها فإن لها إباناً تنقطع فيه.

والفُرش: جمع فِراش بكسر الفاء وهو ما يفرش وتقدم في سورة الرحمن.

و ﴿ مرفوعة ﴾ : وصف ل ﴿ فرش ﴾ ، أي مرفوعة على الأسرة، أي ليست مفروشة في الأرض.

ويجوز أن يراد بالفُرُش الأسرّة من تسمية الشيء باسم ما يحل فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أصْحابُ الحَقِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهم دُونَ مَنزِلَةِ المُقَرَّبِينَ، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.

الثّالِثُ: أنَّهم مَن أُعْطِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، قالَهُ يَعْقُوبُ بْنُ مُجاهِدٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ مِمَّنْ لَمْ يُدْرِكِ الأنْبِياءَ مِنَ الأُمَمِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: ما رَواهُ أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ اللَّهَ تَعالى مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ فَمَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُمْنى فَأخْرَجَ ذَرِّيَّةً كَهَيْئَةِ الذَّرِّ بَيْضاءَ فَقالَ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ ولا أُبالِي، ومَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُسْرى فَأخْرَجَ ذُرِّيَّةً كَهَيْئَةِ الذَّرِّ سَوْداءَ، فَقالَ لَهُمُ ادْخُلُوا النّارَ ولا أُبالِي، فَذَلِكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأصْحابُ اليَمِينِ ﴾ ، وقَوْلُهُ ﴿ وَأصْحابُ الشِّمالِ ﴾ السّادِسُ: ما رَواهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (أصْحابُ اليَمِينِ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ثُمَّ تابُوا بَعْدَ ذَلِكَ وأصْلَحُوا).» ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ والسِّدْرُ النَّبْقُ، وفي مَخْضُودٍ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اللَّيِّنُ الَّذِي لا شَوْكَ فِيهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقالَ غَيْرُهُ لا عُجْمَ لِنَبْقِهِ، يُقالُ خُضْدَتِ الشَّجَرَةُ إذا حَذَفَتْ شَوْكَها.

الثّانِي: أنَّهُ المُوَقَّرُ حِمْلًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: المُدَلّاةُ الأغْصانِ، وخَصَّ السِّدْرَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ ثَمَرَهُ أشْهى الثَّمَرِ إلى النُّفُوسِ طَمَعًا وألَذَّهُ رِيحًا.

﴿ وَطَلْحٍ مَنضُودٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الطَّلْحَ المَوْزُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّها شَجَرَةٌ تَكُونُ بِاليَمَنِ وبِالحِجازِ كَثِيرًا تُسَمّى طَلْحَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ، وقِيلَ إنَّها مِن أحْسَنِ الشَّجَرِ مَنظَرًا، لِيَكُونَ بَعْضُ شَجَرِهِمْ مَأْكُولًا وبَعْضُهُ مَنظُورًا، قالَ الحادِي بَشَّرَها دَلِيلُها وقالا غَدًا تَرَيْنَ الطَّلْحَ والأحْبالا الثّالِثُ: أنَّهُ الطَّلْعُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وحَكى أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: وطَلْعٍ مَنضُودٍ، وفي المَنضُودِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَصْفُوفُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: المُتَراكِمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ أيْ دائِمٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّهُ التّامُّ.

﴿ وَماءٍ مَسْكُوبٍ ﴾ أيْ مُنْصَبٍّ في غَيْرِ أُخْدُودٍ.

وَيَحْتَمِلُ آخَرَ: أنَّهُ الَّذِي يَنْسَكِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصُّعُودِ والهُبُوطِ بِخِلافِ الدُّنْيا، قالَ الضَّحّاكُ: مِن جَنَّةِ عَدْنٍ إلى أهْلِ الخِيامِ.

﴿ وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴾ ﴿ لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا مَقْطُوعَةٍ بِالفَناءِ ولا مَمْنُوعَةٍ مِنَ اليَدِ بِشَوْكٍ أوْ بُعْدٍ.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: لا مَقْطُوعَةٍ بِالزَّمانِ ولا مَمْنُوعَةٍ بِالأشْجارِ.

﴿ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الحَشايا المَفْرُوشَةُ لِلْجُلُوسِ والنَّوْمِ، مَرْفُوعَةٌ بِكَثْرَةِ حَشْوِها زِيادَةً في الِاسْتِمْتاعِ بِها.

الثّانِي: أنَّهُمُ الزَّوْجاتُ لِأنَّ الزَّوْجَةَ تُسَمّى فُرُاشًا، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  : «الوَلَدُ لِلْفِراشِ ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ» قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

فَعَلى هَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مَرْفُوعاتٌ في القُلُوبِ لِشِدَّةِ المَيْلِ إلَيْهِنَّ.

الثّانِي: مَرْفُوعاتٌ عَنِ الفَواحِشِ والأدْناسِ.

﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً ﴾ يَعْنِي نِساءَ أهْلِ الدُّنْيا، وفي إنْشائِهِنَّ في الجَنَّةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إنْشاءَهُنَّ في القُبُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: إعادَتُهُنَّ بَعْدَ الشَّمْطِ والكِبَرِ صِغارًا أبْكارًا، قالَهُ الضَّحّاكُ، ورَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: ﴿ فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَذارى بَعْدَ أنْ كُنَّ غَيْرَ عَذارى، قالَهُ يَعْقُوبُ بْنُ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: لا يَأْتِيها إلّا وجَدَها بِكْرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أبْكارًا مِنَ الزَّوْجاتِ، وهُنَّ الأوائِلُ لِأنَّهُنَّ في النُّفُوسِ أحْلى والمَيْلُ إلَيْهِنَّ أقْوى، كَما قالَ الشّاعِرُ أتانِي هَواها قَبْلَ أنْ أعْرِفَ الهَوى ∗∗∗ فَصادَفَ قَلْبًا فارِغًا فَتَمَكَّنا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ عُرُبًا أتْرابًا ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ العُرْبَ المُنْحَبِساتُ عَلى أزْواجِهِنَّ المُتَحَبِّباتُ إلَيْهِمْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُنَّ المُتَحَبِّباتُ مِنَ الضَّرائِرِ لِيَقِفْنَ عَلى طاعَتِهِ ويَتَساعَدْنَ عَلى إشاعَتِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: الشَّكْلَةُ بِلُغَةِ أهْلِ مَكَّةَ، والغَنْجَةُ بِلُغَةِ أهْلِ المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ وفي الخِباءِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يَعْشى دُونَها البَصَرُ الرّابِعُ: هُنَّ الحَسَناتُ الكَلامِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

[أيْضًا] الخامِسُ: أنَّها العاشِقَةُ لِزَوْجِها لِأنَّ عِشْقَها لَهُ يَزِيدُهُ مَيْلًا إلَيْها وشَغَفًا بِها.

السّادِسُ: أنَّها الحَسَنَةُ التَّبَعُّلِ، لِتَكُونَ ألَذَّ اسْتِمْتاعًا.

السّابِعُ: ما رَواهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (عُرُبًا كَلامُهُنَّ عَرَبِيٌّ)» ﴿ أتْرابًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي أقْرانَ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

وَقالَ الكَلْبِيُّ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، يُقالُ في النِّساءِ أتْرابٌ، وفي الرِّجالِ أقْرانٌ، وأمْثالٌ، وأشْكالٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أتْرابٌ في الأخْلاقِ لا تَباغُضَ بَيْنَهُنَّ ولا تَحاسُدَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ ولحم طير مما يشتهون ﴾ قال: لا يشتهي منها شيئاً إلا صار بين يديه، فيصيب منه حاجته ثم يطير فيذهب.

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبزار وابن مردويه والبهيقي في البعث عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشوياً» وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم طير الجنة فقال أبو بكر: إنها لناعمة.

قال: ومن يأكل منها أنعم منها وإني لأرجو أن تأكل منها» .

وأخرج الخطيب عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: في هذه الآية ﴿ وفرش مرفوعة ﴾ قال: غلظ كل فراش منها كما بين السماء والأرض» .

وأخرج أحمد والترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه الطيور لناعمة، فقال: آكلها أنعم منها وإني لأرجو أن تكون ممن يأكلها» .

وأخرج البهيقي في البعث عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة طيراً أمثال البخائي، قال أبو بكر: إنها لناعمة يا رسول الله، قال: أنعم منها من يأكلها وأنت ممن يأكلها وأنت ممن يأكل منها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة طيراً كأمثال البخت تأتي الرجل فيصيب منها، ثم تذهب كأن لم ينقص منها شيء» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن أبي أمامة قال: إن الرجل ليشتهي الطير في الجنة من طيور الجنة فيقع في يده مقلياً نضيجاً.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليشتهي الطير في الجنة فيجيء مثل البختي حتى يقع على خوانه لم يصبه دخان ولم تمسه نار، فيأكل منه حتى يشبع ثم يطير» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن في الجنة طيراً له سبعون ألف ريشة فإذا وضع الخوان قدام وليّ الله جاء الطير فسقط عليه فانتفض فخرج من كل ريشة لون ألذ من الشهد وألين من الزبد وأحلى من العسل ثم يطير» .

وأخرج هناد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة لطيراً فيه سبعون ألف ريشة فيجيء فيقع على صحفة الرجل من أهل الجنة، ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه، ثم يطير فيذهب» .

قوله تعالى: ﴿ وحور عين ﴾ الآية.

أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عاصم بن بهدلة قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي ﴿ وحور عين ﴾ يعني بالجر.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع فيهما وينوّن.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد في قوله: ﴿ وحور عين ﴾ قال: يحار فيهن البصر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأمثال اللؤلؤ المكنون ﴾ قال: الذي في الصدف لم يحور عليه الأيدي.

وأخرج هناد بن السري عن الضحاك في قوله: ﴿ كأمثال اللؤلؤ المكنون ﴾ قال: اللؤلؤ العظام الذي قد أكن من أن يمسه شيء.

قوله تعالى: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ الآية.

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال: باطلاً ﴿ ولا تأثيماً ﴾ قال: كذباً.

وأخرج هناد عن الضحاك ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال: الهدر من القول، والتأثيم الكذب.

قوله تعالى: ﴿ وأصحاب اليمين ﴾ الآيات.

أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في البعث من طريق حصين عن عطاء ومجاهد قال: لما سأل أهل الطائف الوادي يحمي لهم وفيه عسل ففعل وهو واد معجب، فسمعوا الناس يقولون في الجنة كذا وكذا!

قالوا: يا ليت لنا في الجنة مثل هذا الوادي، فأنزل الله: ﴿ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في البعث من وجه آخر عن مجاهد رضي الله عنه قال: كانوا يعجبون من وج وظلاله من طلحة وسدرة فأنزل الله: ﴿ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود ﴾ .

وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ﴿ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ﴾ فقبض يديه قبضتين فقال: «هذه في الجنة ولا أبالي وهذه في النار ولا أبالي» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي أمامة قال: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إن الله ينفعنا بالأعراب ومسائلهم أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما هي؟

قال: السدر فإن لها شوكاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس يقول الله: ﴿ في سدر مخضود ﴾ يخضده الله من شوكة فيجعل مكان كل شوكة ثمرة إنها تنبت ثمراً يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام ما فيها لون يشبه الآخر» .

وأخرج ابن أبي داود في البعث والطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه عن عقبة بن عبد الله السلمي قال: «كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: يا رسول، أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكاً منها، يعني الطلح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصية التيس الملبود يعني المخصيّ فيها سبعون لوناً من الطعام لا يشبه لون الآخر» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ في سدر مخضود ﴾ قال: خضده وقره من الحمل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ في سدر مخضود ﴾ قال: المخضود الذي لا شوك فيه.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المخضود الموقر الذي لا شوك فيه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن يزيد الرقاشي رضي الله عنه ﴿ وسدر مخضود ﴾ قال: نبقها أعظم من القلال.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى: ﴿ في سدر مخضود ﴾ قال: الذي ليس له شوك.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت: إن الحدائق في الجنان ظليلة ** فيها الكواعب سدرها مخضود وأخرج عبد الرزاق والفريابي وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ وطلح منضود ﴾ قال: هو الموز.

وأخرج الفريابي وهناد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ﴿ وطلح منضود ﴾ قال: الموز.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وقتادة مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وطلع منضود ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن قيس بن عباد قال: قرأت على عليّ ﴿ وطلح منضود ﴾ فقال: عليّ ما بال الطلح؟

أما تقرأ ﴿ وطلع ﴾ ثم قال: ﴿ وطلع نضيد ﴾ فقيل له: يا أمير المؤمنين، أنحكها من المصاحف؟

فقال: لا يهاج القرآن اليوم.

وأخرج ابن جريرعن ابن عباس في قوله: ﴿ منضود ﴾ قال: بعضه على بعض.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث عن مجاهد رضي الله عنه في قوله في ﴿ سدر مخضود ﴾ قال: الموقر حملا ﴿ وطلح منضود ﴾ يعني الموز المتراكم.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وقاع الجنة ذهب، ورضاضها اللؤلؤ، وطينها مسك، وترابها الزعفران، وخلال ذلك سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها اقرأوا إن شئتم ﴿ وظل ممدود ﴾ » .

وأخرج أحمد والبخاري والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب فيه ظلها مائة عام لا يقطعها، وإن شئتم فاقرأوا ﴿ وظل ممدود ﴾ وماء مسكوب» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها وذاك الظل الممدود» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في كل نواحيه مائة عام فيخرج إليها أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا فيرسل الله ريحاً من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: في الجنة شجر لا يحمل يستظل به.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمرو بن ميمون ﴿ وظل ممدود ﴾ قال: مسيرة سبعين ألف سنة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وماء مسكوب ﴾ قال: جار.

وأخرج هناد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سعف نخل الجنة منها مقطعاتهم وكسوتهم.

وأخرج هناد وابن المنذر عن عبد الله بن عمرو قال: عناقيد الجنة ما بينك وبين صنعاء، وهو بالشام.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ تفسير السدر قد تقدم في سورتين [[عند تفسيره الآية [سبأ: 16] حيث قال: السدر من الشجر سدران.

أحدهما: سدر بري لا ينتفع بثمره، ولا يصلح ورقه لغسول، وربما خبط للراعية، وله ثمر عفص لا يؤكل، والعرب تسميه الضال ..

يتفكه به.

وقال الفراء: ذكروا أنه السمر.]].

والمخضود المنزوع الشوك في قول جميع أهل اللغة، والخضد: كسر (١) (٢) قال ابن عباس في رواية الكلبي، ومجاهد، ومقاتل، وقتادة، وأبو الأحوص، وقسامة بن زهير (٣) (٤) (٥) (٦) (٧)  -: "وما هي؟

" قال: السدر، فقال رسول الله: "أو ليس يقول (في سدر مخضود) خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة، تنفتق الثمرة عن اثنتين وسبعين لونًا من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر" (٨) وذكر جماعة من المفسرين في تفسير المخضود: أنه الموقر حملا (٩) (١٠) (١) في (ك): (بكسر).

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 97، و"اللسان" 1/ 846 (خضد).

(٣) قسامة بن زهير المازني البصري، ثقة، حدث عن أبي موسى وأبي هريرة وروى عنه قتادة وهشام ابن حسان.

قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله.

وتوفي في إمرة الحجاج.

انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 126، و"تاريخ الإسلام" 5/ 457، و"طبقات ابن سعد" 7/ 152، و"تهذب التهذيب" 8/ 378.

(٤) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 270، و"تنوير المقباس" 5/ 335، و"تفسير مقاتل" 138 أ، و"جامع البيان" 27/ 103، و"الثعلبي" 12/ 51 ب، و"ابن كثير" 4/ 288.

(٥) في (ك): (سليمان).

(٦) هو: سليم بن عامر الكلاعي، تقدمت ترجمته في سورة النور.

(٧) (تؤذي) ساقطة من (ك).

(٨) ذكره ابن كثير من رواية البغوي، و"تفسير ابن كثير" 4/ 288.

وأخرجه الحاكم في التفسير، سورة الواقعة 2/ 476 وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي عن أبي أمامة قال: ..

وذكر الحديث.

وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" (74)، عن صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر مرسلاً من غير ذكر لأبي أمامة.

وانظر: "إحياء علوم الدين" 4/ 538، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" 6/ 103، والهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 414 عن الطبراني.

(٩) روي عن مجاهد، والضحاك، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان.

انظر: "جامع البيان" 27/ 103، و"الثعلبي" 12/ 54 ب، و"القرطبي" 17/ 207.

(١٠) انظر: "الكشف والبيان" للثعلبي 12/ 54 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين ﴾ هذا مبتدأ وخبره قصد به التعظيم فيوقف عليه، ويبتدأ بما بعده ويحتمل أن يكون الخبر في ﴿ سِدْرٍ ﴾ ، ويكون ﴿ مَآ أَصْحَابُ اليمين ﴾ اعتراضاً، والأول أحسن، وكذلك إعراب أصحاب الشمال ﴿ فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ ﴾ السدر شجر معروف، قال ابن عطية هو الذي يقال له شجر أم غيلان النبق وهو كثير في بلاد المشرق وهي في بعض بلاد الأندلس دون بعض، والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه، وذلك أن سدر الدنيا له شوك، فوصف سدر الجنة بضد ذلك وقيل: المخضود هو الموقَر الذي انثنت أغصانه من كثرة حمله، فهو على هذا من خضد الغصن إذا ثناه ﴿ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ﴾ الطلح شجر عظيم كثير الشوك، قاله ابن عطية وقال الزمخشري هو شجر الموز، وحكى ابن عطية هذا عن علي بن أبي طالب وابن عباس وقرأ على بن أبي طالب: وطلح منضود بالعين فقيل له إنما هو، وطلح بالحاء فقال: ما للطلح والجنة فقيل له أنصلحها في المصحف فقال: المصحف فقال: المصحف اليوم لا يغيّر، والمنضود الذي تنضد بالثمر من أعلاه إلى أسفله، حتى لايظهر له ساق ﴿ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ ﴾ أي منبسط لا يزول لأنه لا تنسخه الشمس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» اقرؤوا إن شئتم ﴿ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ ﴾ .

﴿ وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ ﴾ : أي مصبوب، وذلك عبارة عن كثرته وقيل: المعنى أنه جار في غير أخاديد وقيل: المعنى أنه يجري من غير ساقية ولا دلو ولا تعب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزفون ﴾ من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف.

الباقون: بفتح الزاء ﴿ حور عين ﴾ بجرهما: يزيد وعلي وحمزة ﴿ عرباً ﴾ بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل ﴿ أئذا أئنا ﴾ كما في "الرعد" إلا ابن عامر فإنه تابع عاصماً، وإلا يزيد فإنه تابع قالون ﴿ شرب ﴾ بضم الشين: أبو جعفر نافع وعاصم وحمزة وسهل.

الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ﴿ أئنا لمغرمون ﴾ بهمزتين: أبو بكر وحماد.

الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.

﴿ بموقع ﴾ على الوحدة: حمزة وعلي وخلف.

﴿ تكذبون ﴾ بالتخفيف: المفضل ﴿ فروح ﴾ بضم الراء: قتيبة ويعقوب.

الوقوف: ﴿ الواقعة ﴾ ه لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوباً بإضمار "أذكر" أو كان الجواب محذوفاً أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف ﴿ كاذبة ﴾ ه م لئلا يصير ما بعدها صفة ﴿ رافعة ﴾ ه لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلاً من الأول ﴿ رجاً ﴾ ه لا ﴿ بساً ﴾ ه ﴿ منبثاً ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ ه ط لتناهي استفهام التعجب ﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾ ه ط ﴿ السابقون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ السابقون ﴾ تأكيد والجملة بعده خبر ﴿ المقربون ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم ﴿ جنات النعيم ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ موضونة ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ مخلدون ﴾ ه لا ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ ولا ينزفون ﴾ ه لا ﴿ يتخيرون ﴾ ه لا ﴿ يشتهون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع ﴿ المكنون ﴾ ه ج ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ تأثيماً ﴾ ه لا ﴿ سلاماً ﴾ ه ط ﴿ وما أصحاب اليمين ﴾ ه ط ﴿ مخضود ﴾ ه لا ﴿ منضود ﴾ ه لا ﴿ ممدود ﴾ ه لا ﴿ مسكوب ﴾ ه لا ﴿ كثيرة ﴾ ه لا ﴿ ممنوعة ﴾ ه لا ﴿ مرفوعة ﴾ ه ط ﴿ إنشاء ﴾ ه لا ﴿ أبكاراً ﴾ ه لا ﴿ أتراباً ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الشمال ﴾ ه ط ﴿ وحميم ﴾ ه لا ﴿ يحموم ﴾ ه لا ﴿ ولا كريم ﴾ ه ﴿ مترفين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ والآخرين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ المكذبون ﴾ ه لا ﴿ زقوم ﴾ ه لا ﴿ البطون ﴾ ه ج والوقف أجوز ﴿ الحميم ﴾ ه ج ﴿ الهيم ﴾ ه ط ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تصدقون ﴾ ه ﴿ تمنون ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ﴿ بمسبوقين ﴾ ه لا ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ تحرثون ﴾ ه ط ﴿ الزارعون ﴾ ه ﴿ تفكهون ﴾ ه ﴿ لمغرمون ﴾ ه لا ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ المنزلون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تورون ﴾ ه ط ﴿ المنشؤن ﴾ ه ﴿ للمقوين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ النجوم ﴾ ه لا ﴿ عظيم ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ المطهرون ﴾ ه ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ مدهنون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ الحلقوم ﴾ ه لا ﴿ تنظرون ﴾ ه لا ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ مدينين ﴾ ه لا ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه لا ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ الظالين ﴾ ه لا ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ جحيم ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ ألعظيم ﴾ ه.

التفسير: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ نظير قولك حدثت الحادثة "وكانت الكائنة" وهي القيامة التي تقع لا محالة.

يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله.

واللام في ﴿ لوقعتها ﴾ للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس.

ويجوز أن يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير معقول.

وجوز جار الله أن يكون من قولهم "كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم" إذا شجعته على مباشرته.

وقالت له: إنك تطيقه.

فيكون المراد أن القيامة واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور.

وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول.

وقال في الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم "حمل على قرنه فما كذب" أي فما جبن وما تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له.

والحال من هذا التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد ﴿ خافضة رافعة ﴾ أي هي تخفض أقواماً وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال: وما إن طبنا جبن ولكن *** منايات ودولة آخرينا وإما لإن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله ﴿ إذا رجت الأرض ﴾ أي حركت تحريكاً عنيفاً حتى ينهدم كل بناء عليها ﴿ وبست الجبال بساً ﴾ أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها ﴿ فكانت ﴾ أي صارت غباراً متفرقاً.

ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلاً ﴿ وكنتم ﴾ لفظ الماضي لتحقق الوقوع ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً ﴿ ثلاثة ﴾ ثم فصلها فقال ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ وهو تعجب من شأنهم كقولك "زيد ما زيد" سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم "فلان مني باليمين" إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيهم عليها.

روي أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهمفي الشمال ﴿ والسابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة ﴿ هم السابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله "وشعري شعري" يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف ﴿ السابقون ﴾ ﴿ أولئك المقربون ﴾ إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق إشار إلى ذلك ﴿ في جنات النعيم ﴾ إخفاء حالهم وبيان محل إجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا  .

قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به يحصل الأمة المقتدية به.

﴿ وقليل من الآخرين ﴾ أي من هذه الأمة.

قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي  وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ههنا ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ وفيما بعده قال ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعاً من أمة محمد  .

جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله ﴿ وكنتم أزواجاً ﴾ لأمة محمد  والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله { ﴿ والسابقون الأولون  ﴾ والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين.

وأما أصحاب اليمين فيوجدون في كلا القبيلين كثيراً وعلى هذا يكون الترتيب المذكور ساقطاً ولا نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع.

قال الزجاج وهو قول مجاهد والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي  وعاينه وجماعة ممن آمن به وكان بعده.

وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي  قال " " جميع الثلتين من أمتي " " وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فمازال رسول الله  يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد رسول الله  لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد  سابقين فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في قوله "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" إشارة إلى هذا.

وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن يكونوا أكثر لأن فيض الله  المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سبباً لخاتمة نبينا  أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً هذا ما سنح في الوقت والله  أعلم بمراده.

ثم وصف حال المقربين بقوله ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال المفسرون: أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع أي استقروا على السرر ﴿ متكئين ﴾ وقوله ﴿ ولدان مخلدون ﴾ أي غلمان لا يهرمون ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد.

قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط.

وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.

قال جار الله: روي هذا عن علي  .

والحسن قال الحديث "أولاد الكفار خدام أهل الجنة" " والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه.

والباقي مفسر في "الصافات" إلى قوله ﴿ مما يتخيرون ﴾ أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلاً بين يديه على ما اشتهى.

ومن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور.

ومن خفضهما فعلى العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا.

والكاف في قوله ﴿ كأمثال ﴾ للمبالغة في التشبيه.

قوله ﴿ جزاء ﴾ مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل الجزاء.

قوله ﴿ ولا تأثيماً ﴾ أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم.

وانتصب ﴿ سلاماً ﴾ على البدل من ﴿ قليلاً ﴾ أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون يها إلا أن يقولوا سلاماً عقيبه سلام.

ثم عجب من شأن أصحاب اليمين.

والسدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه.

وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور طيب الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل.

وفي الكشاف أن علياً  أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله ﴿ لها طلع نضيد ﴾ فقيل: أو نحولها؟

قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه.

قلت: وفي هذه الرواية نظر لا يخفى.

والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له ساق بارزة ﴿ وظل ممدود ﴾ أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص.

ويحتمل أن يراد أنه دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع إنه ممدود.

والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير أخدود ﴿ لا مقطوعة ﴾ في بعض الأوقات ﴿ ولا ممنوعة ﴾ عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا ﴿ مرفوعة ﴾ أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قاله علي  .

وقيل: هي النساء المرفوعة على الأرائك.

والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله ﴿ إنا أنشأناهن ﴾ وعلى التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلاً عليهن.

ومعنى الإنشاء أنه ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء.

روى الضحاك عن ابن عباس أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم ﴿ أبكاراً عرباً ﴾ جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أتراباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً من غير وجع.

وقوله ﴿ لأصحاب اليمين ﴾ متعلق بأنشأنا وجعلنا.

ثم عجب من أصحاب الشمال.

ومعنى ﴿ في سموم ﴾ في حر نار ينفذ في المسام.

والحميم الماء الكثير الحرارة.

واليحموم الدخان الأسود "يفعول" من الأحم وهو الأسود.

ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه.

قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.

قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة.

ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا العقاب فقال ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك ﴾ أي في الدنيا ﴿ مترفين ﴾ متنعمين متكبرين عن التوحيد والطاعة والإخلاص ﴿ وكانوا يصرون على الحنث ﴾ وهو الذنب الكبير ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الخنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها.

وخص جمع من المفسرين فقالوا.أعني به الشرك.

وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد مر مثله في "الصافات".

واعلم أنه  ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقاً عجيباً وأسلوباً غريباً.

وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين.

أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.

ثم بعدما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلاً من السابقين ومن أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، وكأن في هذا الطي إشارة إلى الحديث القدسي "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى قوله  " "نحن الآخرون السابقون " ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ذكر السابق من حيث هو سابق.

فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله  أعلم بمراده.

ثم أمر نبيه  بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ﴾ أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت ﴿ يوم معلوم ﴾ عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة.

ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ذكر طرفاً من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال ﴿ ثم إنكم أيها الضالون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث ﴿ لآكلون ﴾ أي في السموم المذكور ﴿ من شجر ﴾ هو للابتداء ﴿ من زقوم ﴾ هو للبيان ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ آنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتباراً وذلك أن شرب الماء المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب.

والهيم الإبل التي بها الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه "فعل" كبيض.

وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب.

ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى يضطروا إلى أكل الزقوم.

ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم كالإبل الهيم ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على البدء كان على الإعادة أقدر.

ثم برهن أنه لا خالق إلا هو فقال ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ أي تقذفونه في الأرحام.

يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله ﴿ من نطفة إذا تمنى  ﴾ ﴿ أءنتم تخلقونه ﴾ تقدّرونه وتصورونه.

ووجه الاستدلال أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال عنها جميعاً.

فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنساناً كاملاً يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء منها وإلى هذا أشار بقوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل ﴾ أي نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه أحد.

يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه.

والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق و ﴿ فيما لا تعلمون ﴾ أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا.

وجوز جار الله أن يكون جمع مثل بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات لا تعلمونها.

ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيراً بعد تذكير فقال ﴿ ولقد علمتم ﴾ الآية.

ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته قائلاً ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ من الطعام أي تبذرون حبه ﴿ أءنتم تزرعونه ﴾ أي تجعلونه بحيث يكون نباتاً كاملاً يستحق اسم الزرع.

وفي الكشاف عن رسول الله  " لا يقولن أحد زرعت وليقل حرثت " والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس.

وقوله ﴿ فظلتم ﴾ أصله فظللتم حذفت إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملاً غير مقس عليه.

ومعنى ﴿ تفكهون ﴾ تعجبون كأنه تكلف الفكاهة.

وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه التعب فيه أو على المعاصي التي تكون سبباً لذلك.

من قرأ ﴿ أنا ﴾ بالخبر فواضح ويحسن تقدير القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول أيضاً.

ومعنى ﴿ لمغرمون ﴾ لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة أي لملزمون غرامة ما أنفقنا ﴿ بل نحن ﴾ قوم ﴿ محرومون ﴾ لا حظ لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ الله منهما.

ثم ذكر دليلاً آخر مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة.

والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب "لو" عن إشاعة الثانية وهي ثابتة في المعنى لأن "لو" شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى اللام التوكيدي.

ويمكن أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا خصت آية المطعوم باللام المفيدة للتأكيد.

وإنما ختم الآية بقوله ﴿ فلولا تشكرون ﴾ لأنه وصف الماء بقوله ﴿ الذي تشربون ﴾ ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال ﴿ أءنتم أنزلتموه من المزن ﴾ وهذا لا عمل للآدمي فيه أصلاً بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود الشكر إلى النعمتين جميعاً ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر.

ومعنى ﴿ تورون ﴾ تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر "يس".

وأعلم أنه  بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم.

ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ وفي الثانية ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ وفي الثالثة ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ تتعظون بها ولا تنسون نار جهنم كما روي عن رسول الله  "ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من جهنم " ﴿ ومتاعاً ﴾ وسبب تمتع ومنفعة ﴿ للمقوين ﴾ للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئاً من أيام.

وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه  بدأ بالوعيد الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتاً فقال ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتاً لا ذاتاً ولهذا حذف اللام في قوله ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو كون "لو" بمعنى "أن" وذلك أن الماء باقٍ ههنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهمياً فافهم.

ثم ختم بتذكير النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه.

أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة.

وأما الثاني فلأن عدم ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة.

وفي قوله ﴿ تذكرة ﴾ إشارة إلى ما قلنا.

ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عما يقول الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ فلا أقسم ﴾ أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد التأكيد.

ومواقع النجوم مساقطعها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة ولهذا قال  ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ وعن سفيان الثوري: إن لله  ريحاً تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار.

وقوله ﴿ وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ اعتراض فيه اعتراض.

ومواقعها منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن المرضي من بين جنس الكتب.

أو كرمه نفعه للمكلفين.

أو هو كرامته على الله عز وجل ﴿ في كتاب مكنون ﴾ مستوراً على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ملائكته المقربين وهو اللوح ﴿ لا يمسه ﴾ إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا يصل إلى ما فيه ﴿ إلا ﴾ عبيده ﴿ المطهرون ﴾ من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث.

ومن الناس من حرم قراءة القرآن عند الحدث الأصغر أيضاً.

وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة عندهم.

ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ أي بالقرآن أو بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن ﴿ أنتم مدهنون ﴾ متهاونون من أدهن في الأمر إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه ﴿ وتجعلون رزقكم ﴾ أي شكر رزقكم ﴿ أنكم تكذبون ﴾ بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ إلى قوله ﴿ للمقوين ﴾ وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله عز وجل وتنسبونه إلى النجوم.

ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته.

وترتيب الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير ﴿ فلولا ﴾ التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون  ﴾ ومنها تقديم الظرف وهو قوله ﴿ إذا بلغت الحلقوم ﴾ أي النفس.

وإنما أضمرت للعلم بها كقوله ﴿ ما ترك على ظهرها  ﴾ وإنما قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه.

ومنها زيادة الجمل المعترضة وهي قوله ﴿ وأنتم ﴾ يا أهل الميت ﴿ حينئذ تنظرون ﴾ إليه ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ بالقدرة والعلم أو بملائكة الموت ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ لا بالبصر ولا بالبصيرة.

ومعنى مدينين مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.

ومنها قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم متمنعين عن الموت، والحلقوم الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه "فعلوم" ويمكن أن يقال: إن فعل ﴿ فلولا ﴾ الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم.

فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟

ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياماً معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة.

ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء نوع من القهر والتسخير.

ويحتمل عندي أن يكون الضمير في ﴿ ترجعونها ﴾ عائداً إلى ملائكة الموت بدليل قوله ﴿ ونحن أقرب ﴾ والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا.

وحين بين أن لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلاً ﴿ فأما إن كان ﴾ المتوفى ﴿ من المقربين ﴾ أي من السابقين من الأزواج الثلاثة ﴿ فروح ﴾ أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن ﴿ وريحان ﴾ أي رزق وهذا للبدن ﴿ وجنة نعيم ﴾ وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر.

ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك ﴾ أيها النبي ﴿ من أصحاب اليمين ﴾ أي أنت سالم من شفاعتهم.

هذا قول كثير من المفسرين.

وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله ﴿ وتحيتهم فيها سلام  ﴾ ﴿ إن هذا ﴾ القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لهو حق اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين.

وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى "من" كقولك "خاتم فضة" وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك "حق الحق".

"وصواب الصواب" أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه.

أو المراد هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر.

هذا ما قاله أكثر المفسرين.

وقيل: الإضافة كما في قولنا "جانب الغربي" و "مسجد الجامع" أي حق الأمر اليقين.

ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا "حق النبي أن يصلي عليه" و "حق المال أن تؤدى زكاته" ومنه قوله  " "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " أي إلا بحق هذه الكلمة.

ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله  في شأن الأزواج الثلاثة.

وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عياناً فليس الخبر كالمعاينة، وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحداً.

ولعله لا يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلأ من ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين.

روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه فقال له: ما تشتكي؟

قال: ذنوبي.

قال: ما تشتهي؟

قال:رحمة ربي.

قال: أفلا ندعو الطبيب؟

قال: الطبيب أمرضني.

قال: افلا نأمر بعطائك؟

قال: لا حاجة لي فيه.

قال: تدفعه إلى بناتك.

قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله  يقول "من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبداً"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ...

﴾ الآية: أصحاب اليمين هم المؤمنون على ما ذكرنا.

ثم اختلف في ذكر شجر السدر لهم، وما ذكر من الطلح، وغير ذلك.

فمنهم من قال: إنما ذكر هذا لهم لتفضيل المقربين على أصحاب اليمين؛ لأنه قال في المقربين: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ  أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ  فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر من عظيم الكرامات التي ذكر لهم، ثم ذكر لأصحاب اليمين دون ذلك؛ ليعلم تفضيل المقربين على أصحاب اليمين.

ومنهم من قال: إن قوما من العرب ينتفعون بذلك؛ لأن لها ثمرة، لكن ليست بمرغوبة، ولها شوك، فأخبر الله  أن لهم في الجنة ذلك بلا شوك ولا أذى؛ بل رغب فيه، وهو كما وعد لهم من الخمور، ثم نفى عن خمورها الآفات؛ فعلى ذلك جائز أن يكون شجر السدر فيها بغير آفات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ﴾ ، منهم من قال: هو طلع منضود متراكم؛ كما ذكر في آية أخرى ﴿ طَلْعٌ نَّضِيدٌ  ﴾ ذكر في إحدى الآيتين فعيل، وفي الأخرى مفعول، وذلك جائز في اللغة.

وقيل: طلح: بالحاء: هو الموز.

وذكر أن عليا -  - سمع قارئا يقرأ: ﴿ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ﴾ ، فقال علي -  -: ما شأن الطلح؟

إنما هو طلع؛ فقيل له: إن في المصحف ﴿ وَطَلْحٍ ﴾ أفلا نغيره؟

فقال: إن المصحف لا يغير اليوم؛ وهذا يؤيد التأويل.

وقال أبو معاذ: الطلح في كلام العرب: شجر عظام، كثير الأغصان، وأحدها: طلحة، وقال مخضود: أي: مقطوع الشوك؛ خلقت هنالك هكذا بلا شوك، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - في شجر الحرم: "لا يخضد شوكها، ولا يعضد شجرها" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ ﴾ يصف أنه ليس فيها شمس يؤذي حرها، ولا برد يؤذي، بل ظل؛ لأن الظل شيء لطيف لا أذى فيه، ولا شيء يثقل على الأبدان؛ بل هو شيء يوافق البدن، ويخف عليه.

وقيل: ممدود؛ لأنه لا شمس فيها فتنسخه، وبالشمس يعرف الظل هاهنا، وظل الآخرة ممدود أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ ﴾ قيل: جار غير منقطع؛ وهو قول القتبي.

وقال أبو عوسجة: أي: مصبوب.

والأول كأنه أقرب؛ أي: جار أبدا، ليس كمياه الدنيا؛ إلا أن يراد بالانصباب صبه من الأعلى إلى الأسفل، وذلك مما رغب إليه في الدنيا.

ثم قوله: ﴿ وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ ﴾ جائز أن يكون ذكر هذا لأصحاب اليمين، وما ذكر من قوله  : ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ  ﴾ ؛ فيكون للمقربين قوله: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ  ﴾ ، ولأصحاب اليمين ﴿ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ  ﴾ ، وكذلك ما ذكر من ﴿ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ  ﴾ للمقربين يكونون في العليين، وتكون الأنهار تحتهم، وما ينسكب وينصب من الأعلى لأصحاب اليمين؛ لأنهم يكونون دونهم في الدرجة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ ﴾ فواكه الدنيا، يخبر أنها لا تنقطع في الجنة في وقت من الأوقات، وأنها كلما قطعت مرة خرجت أخرى مكانها بهيئة الأكل من غير أن يحتاج فيه إلى وقت النضج كما في الدنيا تنقطع من وقت خروجها إلى وقت نضجها، وبعد النضج والإدراك تنقطع إلى وقت وجود حمل آخر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ ﴾ أي: لا آفة بها تصير ممنوعة؛ كفواكه الدنيا، إذ هي ربما تمتنع بآفة تصيبها.

وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ لاَّ مَقْطُوعَةٍ ﴾ أي: لا تحبس، كما يمنع في الدنيا بعضهم من بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ أي: مرفوعة القدر والمنزلة، أو مرفوعة بنفسها في القيامة، وهو ما ذكرنا في قوله  : ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا  ﴾ ، وقيل: ﴿ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ مرفوعة النساء، يقال: امرأة فريش ونساء فرش.

وقوله عز وجل: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً ﴾ قال: الأصم وغيره: إن هذا صلة قوله: ﴿ وَحُورٌ عِينٌ  كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ  ﴾ كأنه قال على أثره.

وقال القتبي: إنه لما ذكر على إثر قوله: ﴿ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ : ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ ﴾ دل أن الفرش كناية عن الأزواج؛ إذ هن اللؤلؤ يفرش وواحدة الفرش: فريش.

وقيل: قد استفرشت الناقة إذا اشتهيت العمل.

والأشبه أن يكون هذا على صلة ﴿ وَحُورٌ عِينٌ  كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ  ﴾ ، إذ ذكر في قوله ﴿ وَحُورٌ عِينٌ ﴾ على أثر ذكر أثر المجالس والزوجات لا معنى لذكرهن في هذا الموضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً ﴾ أي: أنشأهن في الابتداء على هيئة الاستمتاع ليس كنساء الدنيا، وهو كما ذكرنا في قوله في صفة الفواكه: إنها غير مقطوعة ولا ممنوعة؛ أي: إنها تخرج أول ما تخرج على هيئة الأكل، لا كثمامر الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً ﴾ قيل: أي: خلقناهن كذلك، ويكن أبدا كذلك، كلما ذهبت عذريتهن عادت؛ فيكن أبدا على تلك اللذة؛ لأنهن أنشئن هكذا، والله أعلم.

وقال عامة أهل التأويل في قوله  : ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً ﴾ أي: خلقنا نساء الدنيا من الثيبات والأبكار خلقا جديدا سوى الخلق الذي كان في الدنيا، ﴿ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً ﴾ ، وكن في الدنيا عجائز وثيبات، وروي على ذلك خبر عن النبي  - إن ثبت - أنه قال في قوله: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً ﴾ : "الثيب والبكر".

وفي بعض الأخبار قال: "إن العجوز لا تدخل الجنة".

ثم قوله: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً ﴾ من قال: هو صلة قوله: ﴿ وَحُورٌ عِينٌ  ﴾ هو لسِنِّ نساء الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عُرُباً أَتْرَاباً ﴾ بجزم الراء مخففة ومضمومة.

وقال أبو عبيد: تقرؤها بالضم لوجهين: أحدهما: التفخيم.

والثاني: أنها أقيس في العربية؛ لأن واحدها: عروب، مثل صبور وصبر، وشكور وشكر.

وأما الوجه الآخر التخفيف.

وقيل في تأويل: ﴿ عُرُباً ﴾ : عاشقات لأزواجهن.

وقال أبو عوسجة: العروب: المراحة.

وقال القتبي: هي المتحببة إلى زوجها.

وقيل: الغنجات لأزواجهن.

وقيلأ: إن أهل مكة يسمونها: العربة، وأهل المدينة الغنجة، وأهل العراق: الشكلة.

وقال سعيد بن جبير: عربا: ضبعات، والضبعات: هي التي تعرض للزوج من الشهوة، ويقال للناقة إذا اشتهت الضراب: ضبعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتْرَاباً ﴾ ، أي: مستويات الأسنان.

وقال القتبي: الترب واللذة واحد، وهو بالفارسية: همزاد.

وأصله: أنهن أنشئن بلا ولاد يتقدم ويتأخر كما يكون في الدنيا يتفاضلن في الأسنان؛ فصرن في الآخرة أترابا.

ثم قال: ﴿ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ قد ذكرنا تأويله: أنه يخرج على الوجهين: وروي عن ابن عباس -  - عن النبي  أنه قال: "هما جميعا من أمتي" ، وكذلك تأويل قوله  : ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ  وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

في سِدْر مقطوع الشوك، لا أذى فيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.Nz1pd"

مزيد من التفاسير لسورة الواقعة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد