الآية ٤ من سورة الواقعة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 56 الواقعة > الآية ٤ من سورة الواقعة

إِذَا رُجَّتِ ٱلْأَرْضُ رَجًّۭا ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة الواقعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة الواقعة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( إذا رجت الأرض رجا ) أي : حركت تحريكا فاهتزت واضطربت بطولها وعرضها .

ولهذا قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وغير واحد في قوله : ( إذا رجت الأرض رجا ) أي : زلزلت زلزالا [ شديدا ] .

وقال الربيع بن أنس : ترج بما فيها كرج الغربال بما فيه .

وهذه كقوله تعالى : ( إذا زلزلت الأرض زلزالها ) [ الزلزلة : 1 ] ، وقال تعالى : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) [ الحج : 1 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ) يقول تعالى ذكره: إذا زلزلت الأرض فحرّكت تحريكا من قولهم السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى: يهتزّ ويضطرب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ) يقول: زلزلها.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قول الله ( إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ) قال: زلزلت.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ) يقول: زلزلت زلزلة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ) قال: زلزلت زلزالا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إذا رجت الأرض رجا أي زلزلت وحركت عن مجاهد وغيره ، يقال : رجه يرجه رجا أي حركه وزلزله .

وناقة رجاء أي عظيمة السنام .

وفي الحديث : من ركب البحر حين يرتج فلا ذمة له يعني إذا اضطربت أمواجه .

قال الكلبي : وذلك أن الله تعالى إذا أوحى إليها اضطربت فرقا من الله تعالى .

قال المفسرون : ترتج كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها ، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها .

وعن ابن عباس : الرجة الحركة الشديدة يسمع لها صوت .

وموضع " إذا " نصب على البدل من " إذا وقعت " .

ويجوز أن ينتصب ب خافضة رافعة أي تخفض وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال ، لأن عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع ، ويرتفع ما هو منخفض .

وقيل : أي وقعت الواقعة إذا رجت الأرض ؛ قاله الزجاج والجرجاني .

وقيل : أي : اذكر إذا رجت الأرض رجا مصدر وهو دليل على تكرير الزلزلة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا } أي: حركت واضطربت.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إذا رجت الأرض رجا ) حركت وزلزلت زلزالا قال الكلبي : إن الله إذا أوحى إليها اضطربت فرقا .

قال المفسرون : ترج كما يرج الصبي في المهد حتى ينهدم كل بناء عليها وينكسر كل ما عليها من الجبال وغيرها ، وأصل " الرج " في اللغة : التحريك يقال : رججته فارتج .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إذا رجت الأرض رجا» حركت حركة شديدة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إذا حُرِّكت الأرض تحريكًا شديدًا، وفُتِّتت الجبال تفتيتًا دقيقًا، فصارت غبارًا متطايرًا في الجو قد ذَرَتْه الريح.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والمراد بالرج فى قوله - تعالى - بعد ذلك : ( إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً .

.

.

) التحريك الشديد ، والاضطراب الواضح .

يقال : رج فلان الشىء رجا ، إذا حركه بعنف وزلزلزه بقوة .

.

.أى : إذا رجت الأرض وزلزت زلزالا شديدا ، وفتتت الجبال تفتيتا حتى صارت كالسويق الملتوت .

.

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي كانت الأرض كثيباً مرتفعاً والجبال مهيلاً منبسطاً، وقوله تعالى: ﴿ فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً ﴾ كقوله تعالى في وصف الجبال: ﴿ كالعهن المنفوش  ﴾ وقد تقدم بيان فائدة ذكر المصدر وهي أنه يفيد أن الفعل كان قولاً معتبراً ولم يكن شيئاً لا يلتفت إليه، ويقال فيه: إنه ليس بشيء فإذا قال القائل: ضربته ضرباً معتبراً لا يقول القائل فيه: ليس بضرب محتقراً له كما يقال: هذا ليس بشيء، والعامل في: ﴿ إِذَا رُجَّتِ ﴾ يحتمل وجوهاً أحدها: أن يكون إذا رجت بدلاً عن إذا وقعت فيكون العامل فيها ما ذكرنا من قبل ثانيها: أن يكون العامل في: ﴿ إِذَا وَقَعَتِ  ﴾ هو قوله: ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا  ﴾ والعامل في: ﴿ إِذَا رُجَّتِ ﴾ هو قوله: ﴿ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ  ﴾ تقديره تخفض الواقعة وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال والفاء للترتيب الزماني لأن الأرض مالم تتحرك والجبال مالم تنبس لا تكون هباء منبثاً، والبس التقليب، والهباء هو الهواء المختلط بأجزاء أرضية تظهر في خيال الشمس إذا وقع شعاعها في كوة، وقال: الذين يقولون: إن بين الحروف والمعاني مناسبة إن الهواء إذا خالطه أجزاء ثقيلة أرضية ثقل من لفظه حرف فأبدلت الواو الخفيفة بالباء التي لا ينطق بها إلا بإطباق الشفتين بقوة ما لو في الباء ثقل ما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَقَعَتِ الواقعة ﴾ كقولك: كانت الكائنة، وحدثت الحادثة، والمراد القيامة: وصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنه قيل: إذا وقعت التي لابد من وقوعها، ووقوع الأمر: نزوله.

يقال: وقع ما كنت أتوقعه، أي: نزل ما كنت أترقب نزوله.

فإن قلت: بم انتصب إذا؟

قلت: بليس.

كقولك يوم الجمعة ليس لي شغل.

أو بمحذوف، يعني: إذا وقعت كان كيت وكيت، أو بإضمار اذكر ﴿ كَاذِبَةٌ ﴾ نفس كاذبة، أي: لا تكون حين تقع نفس تكذب على الله وتكذب في تكذيب الغيب؛ لأنّ كل نفس حينئذٍ مؤمنة صادقة مصدّقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، كقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءامَنَّا بالله وَحْدَهُ ﴾ [غافر: 84] ، ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم ﴾ [الشعراء: 201] ، ﴿ وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً ﴾ [الحج: 55] واللام مثلها في قوله تعالى: ﴿ ياليتنى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى ﴾ [الفجر: 24] أو: ليس لها نفس تكذبها وتقول لها: لم تكوني كما لها اليوم نفوس كثيرة يكذبنها، يقلن لها: لن تكوني.

أو هي من قولهم: كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم، إذا شجعته على مباشرته وقالت له: إنك تطيقه وما فوقه فتعرّض له ولا تبال به، على معنى: أنها وقعة لا تطاق شدّة وفظاعة.

وأن لا نفس حينئذٍ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور وتزين له احتمالها وإطاقتها، لأنهم يومئذٍ أضعف من ذلك وأذل.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ كالفراش المبثوث ﴾ [القارعة: 4] والفراش مثل في الضعف.

وقيل: ﴿ كَاذِبَةٌ ﴾ مصدر كالعاقبة بمعنى التكذيب، من قولك: حمل على قرنه فما كذب، أي: فما جبن وماتثبط.

وحقيقته: فما كذب نفسه فيما حدثته به.

من إطاقته له وإقدامه عليه.

قال زهير: ..................

إذَا ** مَا اللَّيْثُ كَذَّبَ عَنْ أَقْرَانِهِ صَدَقَا أي: إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد ﴿ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3) ﴾ على: هي خافضة رافعة، ترفع أقواماً وتضع آخرين: إما وصفاً لها بالشدّة؛ لأنّ الواقعات العظام كذلك، يرتفع فيها ناس إلى مراتب ويتضع ناس، وإما لأنّ الأشقياء يحطون إلى الدركات، والسعداء يرفعون إلى الدرجات؛ وإما أنها تزلزل الأشياء وتزيلها عن مقارّها، فتخفض بعضاً وترفع بعضاً: حيث تسقط السماء كسفاً وتنتثر الكواكب وتنكدر وتسير الجبال فتمرّ في الجوّ مرّ السحاب، وقرئ: ﴿ خافضة رافعة ﴾ بالنصب على الحال ﴿ رُجَّتِ ﴾ حرّكت تحريكاً شديداً حتى ينهدم كل شيء فوقها من جبل وبناء ﴿ وَبُسَّتِ الجبال ﴾ وفتت حتى تعود كالسويق، أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها.

كقوله: ﴿ وَسُيّرَتِ الجبال ﴾ [النبأ: 20] ، ﴿ منبثاً ﴾ متفرقاً.

وقرئ بالتاء أي: منقطعاً.

وقرئ: ﴿ رجت وبست ﴾ أي: ارتجت وذهبت.

وفي كلام بنت الخس: عينها هاج، وصلاها راج.

وهي تمشي تفاج.

فإن قلت: بم انتصب إذا رجت؟

قلت: هو بدل من إذا وقعت.

ويجوز أن ينتصب بخافضة رافعة.

أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، وبس الجبال لأنه عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع ويرتفع ما هو منخفض ﴿ أزواجا ﴾ أصنافاً، يقال للأصناف التي بعضها مع بعض أو يذكر بعضها مع بعض أزواج.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ﴾ حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا شَدِيدًا بِحَيْثُ يَنْهَدِمُ ما فَوْقَها مِن بِناءٍ وجَبَلٍ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِ خافِضَةٌ أوْ بَدَلٌ مِن إذا وقَعَتِ.

﴿ وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا ﴾ أيْ فُتِّتَتْ حَتّى صارَتْ كالسَّوِيقِ المَلْتُوتِ مِن بَسَّ السَّوِيقَ إذا لَتَّهُ، أوْ سِيقَتْ وسُيِّرَتْ مَن بَسَّ الغَنَمَ إذا ساقَها، ﴿ فَكانَتْ هَباءً ﴾ غُبارًا.

﴿ مُنْبَثًّا ﴾ مُنْتَشِرًا.

﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ﴾ أصْنافًا.

﴿ ثَلاثَةً ﴾ وكُلُّ صِنْفٍ يَكُونُ أوْ يُذْكَرُ مَعَ صِنْفٍ آخَرَ زَوْجٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً} حركت تحريكاً شديداً حتى ينهدم كل شيء فوقها من جبل وبناء وهو بدل من إِذَا وَقَعَتِ ويجوز ان ينتصب بخافضة رَّافِعَةٌ أي تخفض وترفع وقت رجّ الأرض وبس الجبال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ﴾ أيْ زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ تَحْرِيكًا شَدِيدًا بِحَيْثُ يَنْهَدِمُ ما فَوْقَها مِن بِناءٍ وجَبَلٍ مُتَعَلِّقٍ - بِخافِضَةٍ - أوْ - بِرافِعَةٍ - عَلى أنَّهُ مِن بابِ الأعْمالِ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿ إذا وقَعَتِ ﴾ كَما قالَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ ابْنُ جِنِّيِّ وأبُو الفَضْلِ الرّازِّيِّ: ﴿ إذا رُجَّتِ ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿ إذا وقَعَتِ ﴾ ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شَرْطِيَّةٌ بَلْ هي بِمَعْنى وقْتٍ أيْ وقْتِ وُقُوعِها وقْتِ رَجِّ الأرْضِ، وادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ ( إذا ) تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هو بَدَلٌ مِن ﴿ إذا وقَعَتِ ﴾ وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتَبِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ، وفِيهِ بَعْدُ ﴿ وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا ﴾ أيْ فُتَّتْ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ حَتّى صارَتْ كالسَّوِيقِ المَلْتُوتِ مِن بَسَّ السَّوِيقَ إذا لَتَّهُ، وقِيلَ: سِيقَتْ وسُيِّرَتْ مِن أماكِنِها مِن بَسَّ الغَنَمَ إذا ساقَها فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وسُيِّرَتِ الجِبالُ  ﴾ .

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ( رُجَّتْ، وبُسَّتْ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ أيِ ارْتَجَّتْ وتَفَتَّتَتْ، وفي كَلامِ هِنْدِ بِنْتِ الخَسِّ تَصِفُ ناقَةً بِما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى حَمْلِها: - عَيْنُها هاجُ وصَلّاها راجُ، وهي تَمْشِي وتَفاجُّ - ﴿ فَكانَتْ ﴾ فَصارَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ هَباءً ﴾ غُبارًا ﴿ مُنْبَثًّا ﴾ مُتَفَرِّقًا، والمُرادُ مُطْلَقُ الغُبارِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ.

وقَرَأ النَّخَعِيُّ - مَنبَتًّا - بِالتّاءِ المَنطُوقَةِ بِنُقْطَتَيْنِ مِن فَوْقِ مَنِ البَتِّ بِمَعْنى القَطْعِ، والمُرادُ بِهِ ما ذُكِرَ مِنَ اللَّيْثِ بِالمُثَلَّثَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا يعني: زلزلت الأرض زلزلة، وحركت تحريكاً شديداً، لا تسكن حتى تلقي جميع ما في بطنها على ظهرها.

ثم قال: وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا يعني: فتتت الجبال فتاً.

ويقال: قُلِعت الجبال قَلْعاً.

ويقال: كُسِرت الجبال كسراً.

فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا يعني: تراباً وهو ما يسطع من سنابك الخيل.

ويقال: الغبار الذي في شعاع الكوة.

وقال القتبي: وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا يعني: فتتت حتى صارت كالدقيق، والسويق المبثوث.

ثم وصف حال الخلق في يوم القيامة وأخبر أنهم ثلاثة أصناف.

اثنان في الجنة، وواحدة في النار.

ثم نعت كل صنف من الثلاثة على حدة، فقال: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً يعني: تكونون يوم القيامة ثلاث أصناف فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ يعني: الذين يعطون كتابهم بأيمانهم مَا أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ يعني: ما تدري ما لأصحاب الميمنة من الخير، والكرامات: وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ يعني: الذين يعطون كتابهم بشمالهم مَا أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ يعني: ما تدري ما لأصحاب المشئمة من الشرب، والعذاب.

ويقال: أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ يعني: الذين كانوا يوم الميثاق على يمين آدم  ، ويقال: على يمين العرش وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ الذين كانوا على شمال آدم  .

ويقال: على شمال العرش.

ويقال: أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ الذين يكونون يوم القيامة على يمين العرش، ويأخذون طريق الجنة وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ الذين يأخذون طريق الشمال، فيفضي بهم إلى النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة الواقعة]

وهي مكّيّة بإجماع ممّن يعتدّ بقوله روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم/ أنّه قال: «من دام على قراءة سورة الواقعة، لم يفتقر» أو قال:

«لم تصبه فاقة أبدا» «١» ، قال ع «٢» : لأنّ فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله سبحانه: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ الآية، الواقعةُ: اسْمٌ من أسماء القيامة قاله ابن عباس «٣» ، وقال الضَّحَّاكُ «٤» : الواقعة: الصيحة، وهي النفخة في الصور، وكاذِبَةٌ:

يحتمل أَنْ يكون مصدراً، فالمعنى: ليس لها تكذيب ولا رَدٌّ ولا مَثْنَوِيَّةٌ وهذا قول مجاهد والحسن «٥» ، ويحتمل أَنْ يكونَ صفة لِمُقَدَّر، كأَنَّهُ قال: ليس لوقعتها حال كاذبة.

وقوله سبحانه: خافِضَةٌ رافِعَةٌ قال قتادة وغيره «٦» : يعني القيامة تَخْفضُ أقواماً إلى النار، وترفع أقواماً إلى الجنة، وقيل: إنَّ بانفطار السموات والأرض والجبال وانهدام هذه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الواقِعَةِ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وجابِرٌ، ومُقاتِلٌ.

وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ  ﴾ والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَمّا قالَ المُشْرِكُونَ: مَتى هَذا الوَعْدُ، مَتى هَذا الفَتْحُ؟!

نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ .

فالمَعْنى يَكُونُ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ: القِيامَةُ، وكُلُّ آتٍ يُتَوَقَّعُ، يُقالُ لَهُ إذا كانَ: قَدْ وقَعَ، والمُرادُ بِها ها هُنا: النَّفْخَةُ في الصُّورِ لِقِيامِ السّاعَةِ.

﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِها ﴾ أيْ: لِظُهُورِها ومَجِيئِها "كاذِبَةٌ" أيْ: كَذِبٌ،كَقَوْلِهِ: ﴿ لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً  ﴾ أيْ: لَغْوًا.

قالَ الزَّجّاجُ: و"كاذِبَةٌ" مَصْدَرٌ، كَقَوْلِكَ: عافاهُ اللَّهُ عافِيَةً، وكَذَبَ كاذِبَةً، فَهَذِهِ أسْماءٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ.

وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا رَجْعَةَ لَها ولا ارْتِدادَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: لَيْسَ الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِها كَذِبًا، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خافِضَةٌ ﴾ أيْ: هي خافِضَةٌ ﴿ رافِعَةٌ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وأبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ، واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَّصْبِ فِيهِما.

وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها خَفَضَتْ فَأسْمَعَتِ القَرِيبَ، ورَفَعَتْ فَأسْمَعَتِ البَعِيدَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالواقِعَةِ: صَيْحَةُ القِيامَةِ.

والثّانِي: أنَّها خَفَضَتْ ناسًا، ورَفَعَتْ آخَرِينَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: تَخْفِضُ أقْوامًا إلى أسْفَلِ السّافِلِينَ في النّارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى عِلِّيِّينَ في الجَنَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ﴾ أيْ: حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً وزُلْزِلَتْ، وذَلِكَ أنَّها تَرْتَجُّ حَتّى يَنْهَدِمَ ما عَلَيْها مِن بِناءٍ، ويَتَفَتَّتُ ما عَلَيْها مِن جَبَلٍ.

وفي ارْتِجاجِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لِإماتَةِ مَن عَلَيْها مِنَ الأحْياءِ.

والثّانِي لِإخْراجِ مَن في بَطْنِها مِنَ المَوْتى.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فُتِّتَتْ فَتًّا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فُتِّتَتْ حَتّى صارَتْ كالدَّقِيقِ والسَّوِيقِ المَبْسُوسِ.

والثّانِي: لُتَّتْ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: خُلِطَتْ ولُتَّتْ.

قالَ الشّاعِرُ: لا تَخْبِزُوا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وَفِي "الهَباءِ" أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [الفُرْقانِ: ٢٣] .

وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ الهَباءَ المُنْبَثَّ: ما سَطَعَ مِن سَنابِكِ الخَيْلِ، وهو مِنَ "الهَبْوَةِ"، والهَبْوَةُ: الغُبارُ.

والمَعْنى: كانَتْ تُرابًا مُنْتَشِرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ﴾ أيْ: أصْنافًا "ثَلاثَةً" .

"فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ " فِيهِمْ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: [أنَّهُمُ] الَّذِينَ كانُوا عَلى يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن صُلْبِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والقُرَظِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا مَيامِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ، أيْ: مُبارَكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والخامِسُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ مَنزِلَتُهم عَنِ اليَمِينِ، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.

والسّادِسُ: أنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّابِعُ: أنَّهم أصْحابُ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّامِنُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ يُؤْخَذُ [بِهِمْ] ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: عَجَّبَ نَبِيَّهُ  مِنهُمْ؛ والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هُمْ؟!

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا اللَّفْظُ في العَرَبِيَّةِ مَجْراهُ مَجْرى التَّعَجُّبِ، ومَجْراهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مُخاطَبَةِ العِبادِ ما يُعَظَّمُ بِهِ الشَّأْنُ عِنْدَهُمْ، ومِثْلُهُ: ﴿ ما الحاقَّةُ  ﴾ ، ﴿ ما القارِعَةُ  ﴾ ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِثْلُهُ أنْ يَقُولَ: زَيْدٌ ما زَيْدٌ!

أيْ: أيُّ رَجُلٍ هُوَ!

﴿ وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ \[أيْ: أصْحابُ\] الشِّمالِ، والعَرَبُ تُسَمِّي اليَدَ اليُسْرى: الشُّؤْمى، والجانِبَ الأيْسَرَ: الأشْأمَ، ومِنهُ قِيلَ: اليُمْنُ والشُّؤْمُ، فاليُمْنُ: كَأنَّهُ [ما] جاءَ عَنِ اليَمِينِ، والشُّؤْمُ [ما جاءَ] عَنِ الشِّمالِ، ومِنهُ سُمِّيَتِ "اليَمَنُ" و "الشَّأْمُ" لِأنَّها عَنْ يَمِينِ الكَعْبَةِ وشِمالِها.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ: هُمُ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ، ويُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ؛ وتَفْسِيرُ أصْحابِ المَشْأمَةِ عَلى ضِدٍّ تَفْسِيرِ أصْحابِ المَيْمَنَةِ سَواءً؛ والمَعْنى: أيُّ قَوْمٍ هُمْ؟!

ماذا أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ؟!

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والسّابِقُونَ السّابِقُونَ ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا [إلى] القِبْلَتَيْنِ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

والثّالِثُ: أهْلُ القُرْآنِ، قالَهُ كَعْبٌ.

والرّابِعُ: الأنْبِياءُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والخامِسُ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ وإلى الخُرُوجِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ.

وَفِي إعادَةِ ذِكْرِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ ذَلِكَ لِلتَّوْكِيدِ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: السّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: يَعْنِي عِنْدَ اللَّهِ في ظِلِّ عَرْشِهِ وجِوارِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الواقِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّ فِيها آياتٍ مَدَنِيَّةً أو مِمّا نَزَلَ في السَفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "مَن داوَمَ عَلى قِراءَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا"،»«وَدَعا عُثْمانُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى عَطائِهِ فَأبى أنْ يَأْخُذَ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ لِلْعِيالِ فَقالَ: إنَّهم يَقْرَؤُونَ سُورَةَ الواقِعَةِ، سَمِعْتُ النَبِيَّ  يَقُولُ: "مَن قَرَأها لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِيها ذِكْرُ القِيامَةِ وحُظُوظُ النَفْسِ في الآخِرَةِ، وفَهْمُ ذَلِكَ غِنًى لا فَقْرَ مَعَهُ، مِن فَهِمَهُ شَغَلَ بِالِاسْتِعْدادِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ﴾ ﴿ خافِضَةٌ رافِعَةٌ ﴾ ﴿ إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ﴾ ﴿ وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا ﴾ ﴿ فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ﴾ ﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً ﴾ ﴿ فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ ﴿ وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ ﴿ والسابِقُونَ السابِقُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ ﴾ ﴿ فِي جَنّاتِ النَعِيمِ ﴾ "الواقِعَةُ" اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالصاخَّةِ والآزِفَةِ والطامَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ تَقْتَضِي تَعْظِيمَها وتَشْنِيعَ أمْرِها، وقالَ الضَحّاكُ: الواقِعَةُ: الصَيْحَةُ، وهي النَفْخَةُ في الصُورِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الواقِعَةُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ عِنْدَ القِيامَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَعانٍ لِأجْلِ القِيامَةِ.

و"كاذِبَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وخائِنَةَ الأعْيُنِ، فالمَعْنى: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ ولا رَدٌّ مَثْنَوِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والحَسَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حالٌ كاذِبَةٌ، ويُحْتَمَلُ -الكَلامُ عَلى هَذا- مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما كاذِبَةٌ أيْ: مَكْذُوبَةٌ فِيما أخْبَرَ بِهِ عنها، وسَمّاها كاذِبَةً لِهَذا، كَما تَقُولُ: قِصَّةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: مَكْذُوبٌ فِيها، والثانِي حالَةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا يَمْضِي وُقُوعُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَمَلَ لَمْ يَكْذِبْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خافِضَةٌ رافِعَةٌ ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ بَعْدَ الحالِ الَّتِي هي "لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ"، ولَكَ أنْ تُتابِعَ الأحْوالَ كَما لَكَ أنْ تُتابِعَ أخْبارَ المُبْتَدَأِ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ وأبْرَعُ مَعْنًى، وذَلِكَ أنَّ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكَلامِ مَوْقِعُ ما لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاسْتُغْنِيَ عنهُ، ومَوْقِعُ الجُمَلِ الَّتِي يَجْزِمُ الخَبَرُ بِها مَوْقِعُ ما يَتَهَمَّمُ بِهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الخَفْضِ والرَفْعِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُراقَةَ: القِيامَةُ تَخْفِضُ أقْوامًا إلى النارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الصَيْحَةُ تَخْفِضُ صَوْتَها لِتَسْمَعَ الأدْنى، وتَرْفَعُهُ لِتَسْمَعَ الأقْصى، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القِيامَةُ بِتَفَطُّرِ السَماءِ والأرْضِ والجِبالِ، وانْهِدامِ هَذِهِ البِنْيَةِ يَرْفَعُ طائِفَةً مِنَ الأجْرامِ ويَخْفِضُ أُخْرى، فَكَأنَّها عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ والِاضْطِرابِ.

والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إذا رُجَّتِ" "وَقَعَتِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ بَدَلٌ مِن "إذا" الأُولى، وقَدْ قالُوا: إنَّ "وَقَعَتْ" هو العامِلُ في الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ فِيهِما قَوِيٌّ، فَهي كَمَن وما في الشَرْطِ يَعْمَلُ فِيها ما بَعْدَها مِنَ الأفْعالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "وَقَعَتْ" فَلا يَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ فِيها، وإنَّما العامِلُ فِيها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ.

ومَعْنى "رُجَّتْ" زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِنهُ ارْتَجَّ السَهْمُ في الغَرَضِ، إذا اضْطَرَبَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، والرَجَّةُ في الناسِ الأمْرُ المُحَرِّكُ.

واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في مَعْنى "بُسَّتْ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: فُتِّتَتْ كَما تُبَسُّ البَسِيسَةُ، وهي السَوِيقُ، ويُقالُ: بَسَسْتُ الدَقِيقَ إذا ثَرَيْتُهُ بِالماءِ وبَقِيَ مُتَفَتِّتًا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في هَذا: .

لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وقالَ هَذا قَوْلُ لِصٍّ أعْجَلَهُ الخَوْفُ عَنِ العَجِينِ فَقالَ هَذا لِصاحِبَيْهِ.

وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "بُسَّتْ" مَعْناهُ: سُيِّرَتْ، قالُوا: والخُبْزُ: السَيْرُ الشَدِيدُ وضَرْبُ الأرْضِ بِالأيْدِي، والبَسُّ: السَيْرُ الرَفِيقُ، وأنْشَدُوا البَيْتَ: لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ وجَنَّباها نَهْشَلًا وعَبْسا ذَكَرَ هَذا أبُو عُثْمانَ اللُغَوِيُّ في كِتابِ "الأفْعالِ".

وَ "الهَباءُ": ما يَتَطايَرُ في الهَواءِ مِنَ الأجْزاءِ الدَقِيقَةِ ولا يَكادُ يُرى إلّا في الشَمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن يَبَسِ النَباتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ والدَوابِّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الهَباءُ ما يَتَطايَرُ مِن شَرَرِ النارِ فَإذا طُفِيَ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ.

و"المُنْبَثُّ": -بِالتاءِ المُثَلَّثَةِ-: الشائِعُ في جَمِيعِ الهَواءِ، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "مَنبَتًّا" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، أيْ: مُتَقَطِّعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ في الهَباءِ أحْسَنُ الأقْوالِ.

والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكُنْتُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِينَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ لَيْسُوا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  و"الأزْواجُ": الأنْواعُ والضُرُوبُ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ مَنازِلُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ ابْتِداءٌ، و"ما" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ المَيْمَنَةِ" خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وفي الكَلامِ مَعْنى التَعْظِيمِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ ما زِيدٌ"، ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، و"المَيْمَنَةِ" أظْهَرُ ما في اشْتِقاقِها أنَّها مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِنَ اليُمْنِ، وكَذَلِكَ "المَشْأمَةُ" إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اليَدِ الشُؤْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الشُؤْمِ، وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والرَبِيعُ، ويُشْبِهُ أنَّ اليُمْنَ والشُؤْمَ إنَّما اشْتُقّا مِنَ اليَمِينِ والشَمالِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ في السانِحِ والبارِحِ، وكَذَلِكَ اليُمْنُ والشامُ اشْتُقّا مِنَ اليُمْنى والشُؤْمى.

وقَوْلُهُ تَعالى: "والسابِقُونَ" ابْتِداءٌ، و"السابِقُونَ" الثانِي قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الناسُ الناسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى مَعْنى التَفْخِيمِ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى هو أنْ تَقُولَ: السابِقُونَ إلى الإيمانِ السابِقُونَ إلى الجَنَّةِ والرَحْمَةِ، أُولَئِكَ...، ويَتَّجِهُ هَذا المَعْنى عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: "السابِقُونَ" الثانِي صِفَةٌ، و"المُقَرَّبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ العالَمَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: مُؤْمِنُونَ هم عَلى يَمِينِ العَرْشِ وهُنالِكَ الجَنَّةُ، وكافِرُونَ، هم عَلى شَمالِ العَرْشِ وهُنالِكَ هي النارُ، والقَوْلُ في يَمِينِ العَرْشِ وشَمالِهِ نَحْوٌ مَنِ الَّذِي مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ في اليَمِينِ والشَمالِ، وقَدْ قِيلَ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ واليَمِينِ: إنَّهم مَن أخَذَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وُفي أصْحابِ المَشْأمَةِ والشَمالِ: إنَّهم مَن أخَذَهُ بِشَمالِهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتْ نِسْبَةُ اليَمِينِ والشَمالِ إلى العَرْشِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ أطْفالُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مَيْمَنَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَشْأمَتُهُ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ.

و"السابِقُونَ" مَعْناهُ: قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ وكانَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا سَبْقًا إلى أعْمالِ البِرِّ وإلى تَرْكِ المَعاصِي، فَهَذا عُمُومٌ في جَمِيعِ الناسِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذا أشْياءَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: هُمُ السابِقُونَ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هم غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ  سُئِلَ عَنِ السابِقِينَ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ"،» وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فِي جَنَّةِ النَعِيمِ" عَلى الإفْرادِ، و: "المُقَرَّبُونَ" عِبارَةٌ عن أعْلى مَنازِلِ البَشَرِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ لِعامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ في يَوْمِ حَلْبَةٍ: مَن سَبَقَ؟

فَقالَ: المُقَرَّبُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ إذا رجت الأرض ﴾ بدل من جملة ﴿ إذ وقعت الواقعة ﴾ [الواقعة: 1] وهو بدل اشتمال.

والرّج: الاضطراب والتحرك الشديد، فمعنى: ﴿ رجت ﴾ رَجّهَا رَاجٌّ، وهو ما يطرأ فيها من الزلازل والخسف ونحو ذلك.

وتأكيده بالمصدر للدلالة على تحققه وليتأتى التنوين المشعر بالتعظيم والتهويل.

والبَسُّ يطلق بمعنى التفتت وهو تفرّق الأجزاء المجموعة، ومنه البسيسة من أسماء السويق أي فتِّتَتْ الجبال ونسفت فيكون كقوله تعالى: ﴿ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً فيذَرها قاعاً صفصفاً ﴾ [طه: 105، 106].

ويطلق البسّ أيضاً على السّوق للماشية، يقال: بَسّ الغنم، إذا ساقها.

وفي الحديث: «فيأتي قوم يَبِسُّون بأموالهم وأهليهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» فهو في معنى قوله تعالى: ﴿ ويوم نسيّر الجبال ﴾ [الكهف: 47]، وقوله: ﴿ وسيرت الجبال ﴾ [النبأ: 20] وتأكيده بقوله: ﴿ بساً ﴾ كالتأكيد في قوله: ﴿ رجاً ﴾ لإِفادة التعظيم بالتنوين.

وتفريع ﴿ فكانت هباءً منبثاً ﴾ على ﴿ بُسّت الجبال ﴾ لائق بمعنيي البسّ لأن الجبال إذا سيّرت فإنما تُسيّر تسييراً يفتتها ويفرقها، أي تسييرَ بَعْثَرَة وارتطام.

والهباء: ما يلوح في خيوط شعاع الشمس من دقيق الغبار، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فجعلناه هباء منثوراً ﴾ في سورة الفرقان (23).

والمنْبَثُّ: اسم فاعل انبثَّ، مطاوع بثَّه، إذا فرّقه.

واختير هذا المطاوع لمناسبته مع قوله: وبست الجبال } في أن المبني للنائب معناه كالمطاوعة، وقوله: ﴿ فكانت هباءً منبثاً ﴾ تشبيه بليغ، أي فكانت كالهباء المنبث.

والخطاب في: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ للناس كلهم، وهذا تخلص للمقصود من السورة وهو الموعظة.

والأزواج: الأصناف.

والزوج يطلق على الصنف والنوع كقوله تعالى: ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ [الرحمن: 52] ووجه ذلك أن الصنف إذا ذكر يذكر معه نظيره غالباً فيكون زوجاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الواقِعَةِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الصَّيْحَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: السّاعَةُ وقَعَتْ بِحَقٍّ فَلَمْ تُكَذَّبْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها القِيامَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

وَسُمِّيَتِ الواقِعَةَ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ.

﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَيْسَ لَها مَرْدُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لا رَجْعَةَ فِيها ولا مَشُورَةَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لَيْسَ لَها مُكَذِّبٌ مِن مُؤْمِنٍ ولا مِن كافِرٍ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

الرّابِعُ: لَيْسَ الخَبْرُ عَنْ وُقُوعِها كَذِبًا.

﴿ خافِضَةٌ رافِعَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَخْفِضُ رِجالًا كانُوا في الدُّنْيا مُرْتَفِعِينَ، وتَرْفَعُ رِجالًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّانِي: خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ في النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ في الجَنَّةِ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.

الثّالِثُ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتِ الأدْنى، ورَفَعَتْ فَأسْمَعَتِ الأقْصى، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها خَفَضَتْ بِالنَّفْخَةِ الأُولى مَن أماتَتْ، ورَفَعَتْ بِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ مَن أحْيَتْ.

﴿ إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: رُجِفَتْ وزُلْزِلَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَهُ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ ألَيْسَ يَوْمٌ سُمِّيَ الخُرُوجا أعْظَمَ يَوْمٍ رَجَّهُ رُجُوجًا ∗∗∗ يَوْمًا يَرى مُرْضَعَةً خَلُوجًا الثّانِي: أنَّها تُرَجُّ بِما فِيها كَما يُرَجُّ الغُرْبالُ بِما فِيهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ فَيَكُونُ تَأْوِيلُها عَلى القَوْلِ الأوَّلِ أنَّها تُرَجُّ بِإماتَةِ ما عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ، وتَأْوِيلُها عَلى القَوْلِ الثّانِي أنَّها تُرَجُّ لِإخْراجِ مَن في بَطْنِها مِنَ المَوْتى.

﴿ وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: سالَتْ سَيْلًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: هُدَّتْ هَدًّا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: سُيِّرَتْ سَيْرًا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأغْلَبِ العِجْلِيِّ نَحْنُ بَسَسْنا بِأثَرٍ أطارا ∗∗∗ أضاءَ خَمْسًا ثَمَّتْ سارا الرّابِعُ: قُطِّعَتْ قِطَعًا، قالَهُ الحَسَنُ.

.

الخامِسُ: إنَّها بُسَّتْ كَما يُبَسُّ السَّوِيقُ أيْ بُلَّتْ، البَسِيسَةُ هي الدَّقِيقُ يُلَتُّ ويُتَّخَذُ زادًا، قالَ لِصٌّ مِن غَطْفانَ لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ ولا تُطِيلا بِمُناخٍ حَبْسًا ﴿ فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ رَهَجُ الغُبارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَجَعَلَ اللَّهُ أعْمالَهم كَذَلِكَ، قالَهُ عَلِيٌّ.

الثّانِي: أنَّها شُعاعُ الشَّمْسِ الَّذِي مِنَ الكُوَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَبَتْ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ما يَبِسَ مِن ورَقِ الشَّجَرِ تَذْرُوهُ الرِّيحُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفي المُنْبَثِّ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: المُنْتَشِرُ.

الثّالِثُ: المَنثُورُ.

﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً ﴾ يَعْنِي أصْنافًا ثَلاثًةً، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: اثْنانِ في الجَنَّةِ وواحِدٌ في النّارِ.

وَفِيهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّها الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا ﴾ الثّانِي: ما رَواهُ النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: ﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً ﴾ الآيَةَ.

» وَيَحْتَمِلُ جَعْلَهم أزْواجًا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ الصِّنْفَ مِنهم مُسْتَكْثِرٌ ومُقَصِّرٌ، فَصارَ زَوْجًا.

الثّانِي: أنَّ في كُلِّ صِنْفٍ مِنهم رِجالًا ونِساءً، فَكانَ زَوْجًا.

﴿ فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْسَرَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَسارِهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّالِثُ: أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الرّابِعُ: أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ أهْلُ الجَنَّةِ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ أهْلُ النّارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَقَوْلُهُ ﴿ وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ لِتَكْثِيرِ ما لَهم مِنَ العِقابِ.

﴿ والسّابِقُونَ السّابِقُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّانِي: أنَّهُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ صَلُّوا إلى القِبْلَتَيْنِ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

الرّابِعُ: هم أوَّلُ النّاسِ رَواحًا إلى المَساجِدِ وأسْرَعُهم خُفُوفًا في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوادَةَ.

الخامِسُ: أنَّهم أرْبَعَةٌ: مِنهم سابِقُ أُمَّةِ مُوسى وهو حَزْقِيلُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وسابِقُ أُمَّةِ عِيسى وهو حَبِيبٌ النَّجّارُ صاحِبُ أنْطاكِيَّةِ، وسابِقانِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  وهُما: أبُو بَكْرٍ وعُمَرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا بِمَكَّةَ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ  وبِالمَدِينَةِ قَبْلَ هِجْرَتِهِ إلَيْهِمْ لِأنَّهم سَبَقُوا بِالإسْلامِ قَبْلَ زَمانِ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.

وَفي تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ والسّابِقُونَ السّابِقُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: السّابِقُونَ في الدُّنْيا إلى الإيمانِ، السّابِقُونَ في الآخِرَةِ إلى الجَنَّةِ هُمُ المُقَرَّبُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: يَحْتَمِلُ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِالأنْبِياءِ في زَمانِهِمْ، وسابِقُوهم بِالإيمانِ هُمُ المُقَرَّبُونَ المُقَدَّمُونَ مِنهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت سورة الواقعة بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس والحرث بن أبي أسامة وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سورة الواقعة سورة الغنى فاقرأوها وعلموها أولادكم» .

وأخرج الديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علموا نساءكم سورة الواقعة فإنها سورة الغنى» .

وأخرج أبو عبيد عن سليمان التيمي قال: قالت عائشة للنساء: لا تعجز إحداكن أن تقرأ سورة الواقعة.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والطبراني في الأوسط عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور.

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: «ألظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الواقعة والحاقة وعم يتساءلون والنازعات وإذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت فاستطار فيه الفقر فقال له أبو بكر: قد أسرع فيك الفقر، قال: شيبتني هود وصواحباتها هذه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ ليس لوقعتها كاذبة ﴾ قال: ليس لها مرد يرد ﴿ خافضة رافعة ﴾ قال: تخفض ناساً وترفع آخرين.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ خافضة رافعة ﴾ قال: أسمعت القريب والبعيد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عثمان بن سراقة عن خاله عمر بن الخطاب في قوله: ﴿ خافضة رافعة ﴾ قال: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ خافضة رافعة ﴾ قال: تخفض رجالاً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالاً كانوا في الدنيا منخفضين.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ خافضة رافعة ﴾ قال: خفضت المتكبرين، ورفعت المتواضعين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ قال: نزلت ﴿ ليس لوقعتها كاذبة ﴾ قال: مثنوية ﴿ خافضة رافعة ﴾ قال: خفضت قوماً في عذاب الله ورفعت قوماً في كرامة الله ﴿ إذا رجت الأرض رجّاً ﴾ قال: زلزلت زلزلة ﴿ وبست الجبال بسّاً ﴾ قال: حتت حتّاً ﴿ فكانت هباء منبثاً ﴾ كيابس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ خافضة رافعة ﴾ قال: من انخفض يومئذ لم يرتفع ابداً، ومن ارتفع يومئذ لم ينخفض ابداً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذا رجت الأرض رجّاً ﴾ قال: زلزلت ﴿ وبست الجبال بسّاً ﴾ قال: فتت ﴿ فكانت هباء منبثاً ﴾ قال: كشعاع الشمس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذا رجت الأرض رجّاً ﴾ يقول: ترجف الأرض تزلزل ﴿ وبست الجبال بسّاً ﴾ يقول: فتت فتاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ إذا رجت الأرض رجّاً ﴾ قال: زلزلت ﴿ وبست الجبال بسّاً ﴾ قال: فتتت.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فكانت هباء منبثاً ﴾ قال: الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منها الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فكانت هباء منبثاً ﴾ قال: الهباء يثور مع شعاع الشمس، وانبثاثه تفرقه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: الهباء المنبث رهج الذوات، والهباء المنثور غبار الشمس الذي تراه في شعاع الكوّة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك في قوله: ﴿ هباء منبثاً ﴾ قال: الغبار الذي يخرج من الكوة مع شعاع الشمس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ هباء منبثاً ﴾ قال: الشعاع الذي يكون في الكوّة.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ هباء منبثاً ﴾ قال: هو الذي تراه في الشمس إذا دخلت من الكوة إلى البيت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ﴾ الوجه أن تجعل إذا مضمنًا بالذكر كما قلنا في ﴿ إِذَا وَقَعَتِ ﴾ وقال الجرجاني: إذا ظرف لقوله: ﴿ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴾ لأنه وقت لها، أي أن الواقعة تقع إذا رجت الأرض رجًا، قال: وفي هذا دليل على أن تأويل قوله: ﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴾ ستقع الواقعة إذا رجت (١) (٢) (٣) (٤) وقال الكلبي وجماعة المفسرين: ترج كما يرج الصبي في المهد حتى يتهدم كل بناء عليها وينكسر كل ما عليها من الجبال (٥) (١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 142، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 196.

(٢) انظر: "معاني القرآن" 5/ 108.

(٣) الرَّجُّ: التحريك؛ والرجرجة: الاضطراب.

والرَّجُّ: تحريكك شيئًا كحائط إذا حركته "اللسان" 1/ 1125 (رَجج).

(٤) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 269، و"تفسير مقاتل" 137 أ.

(٥) انظر: "الوسيط" 4/ 232، و"معالم التنزيل" 4/ 279، و"زاد الميسر" 8/ 131.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً ﴾ أي زلزلت وحركت تحريكاً شديداً وإذا هنا بدل من إذا وقعت ويحتمل أن يكون العامل فيه خافضة رافعة ﴿ وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً ﴾ أي فتت وقيل: سيرت ﴿ هَبَآءً مُّنبَثّاً ﴾ الهباء ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا تكاد ترى إلا في الشمس إذا دخلت على كوّة قاله ابن عباس.

وقال عليّ بن أبي طالب: هو ما يتطاير من حوافر الدواب من التراب، وقيل: ما تطاير من شرر النار، فإذا طفى لم يوجد شيئاً والمنبث المتفرق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزفون ﴾ من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف.

الباقون: بفتح الزاء ﴿ حور عين ﴾ بجرهما: يزيد وعلي وحمزة ﴿ عرباً ﴾ بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل ﴿ أئذا أئنا ﴾ كما في "الرعد" إلا ابن عامر فإنه تابع عاصماً، وإلا يزيد فإنه تابع قالون ﴿ شرب ﴾ بضم الشين: أبو جعفر نافع وعاصم وحمزة وسهل.

الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ﴿ أئنا لمغرمون ﴾ بهمزتين: أبو بكر وحماد.

الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.

﴿ بموقع ﴾ على الوحدة: حمزة وعلي وخلف.

﴿ تكذبون ﴾ بالتخفيف: المفضل ﴿ فروح ﴾ بضم الراء: قتيبة ويعقوب.

الوقوف: ﴿ الواقعة ﴾ ه لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوباً بإضمار "أذكر" أو كان الجواب محذوفاً أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف ﴿ كاذبة ﴾ ه م لئلا يصير ما بعدها صفة ﴿ رافعة ﴾ ه لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلاً من الأول ﴿ رجاً ﴾ ه لا ﴿ بساً ﴾ ه ﴿ منبثاً ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ ه ط لتناهي استفهام التعجب ﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾ ه ط ﴿ السابقون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ السابقون ﴾ تأكيد والجملة بعده خبر ﴿ المقربون ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم ﴿ جنات النعيم ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ موضونة ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ مخلدون ﴾ ه لا ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ ولا ينزفون ﴾ ه لا ﴿ يتخيرون ﴾ ه لا ﴿ يشتهون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع ﴿ المكنون ﴾ ه ج ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ تأثيماً ﴾ ه لا ﴿ سلاماً ﴾ ه ط ﴿ وما أصحاب اليمين ﴾ ه ط ﴿ مخضود ﴾ ه لا ﴿ منضود ﴾ ه لا ﴿ ممدود ﴾ ه لا ﴿ مسكوب ﴾ ه لا ﴿ كثيرة ﴾ ه لا ﴿ ممنوعة ﴾ ه لا ﴿ مرفوعة ﴾ ه ط ﴿ إنشاء ﴾ ه لا ﴿ أبكاراً ﴾ ه لا ﴿ أتراباً ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الشمال ﴾ ه ط ﴿ وحميم ﴾ ه لا ﴿ يحموم ﴾ ه لا ﴿ ولا كريم ﴾ ه ﴿ مترفين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ والآخرين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ المكذبون ﴾ ه لا ﴿ زقوم ﴾ ه لا ﴿ البطون ﴾ ه ج والوقف أجوز ﴿ الحميم ﴾ ه ج ﴿ الهيم ﴾ ه ط ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تصدقون ﴾ ه ﴿ تمنون ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ﴿ بمسبوقين ﴾ ه لا ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ تحرثون ﴾ ه ط ﴿ الزارعون ﴾ ه ﴿ تفكهون ﴾ ه ﴿ لمغرمون ﴾ ه لا ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ المنزلون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تورون ﴾ ه ط ﴿ المنشؤن ﴾ ه ﴿ للمقوين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ النجوم ﴾ ه لا ﴿ عظيم ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ المطهرون ﴾ ه ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ مدهنون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ الحلقوم ﴾ ه لا ﴿ تنظرون ﴾ ه لا ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ مدينين ﴾ ه لا ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه لا ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ الظالين ﴾ ه لا ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ جحيم ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ ألعظيم ﴾ ه.

التفسير: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ نظير قولك حدثت الحادثة "وكانت الكائنة" وهي القيامة التي تقع لا محالة.

يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله.

واللام في ﴿ لوقعتها ﴾ للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس.

ويجوز أن يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير معقول.

وجوز جار الله أن يكون من قولهم "كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم" إذا شجعته على مباشرته.

وقالت له: إنك تطيقه.

فيكون المراد أن القيامة واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور.

وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول.

وقال في الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم "حمل على قرنه فما كذب" أي فما جبن وما تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له.

والحال من هذا التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد ﴿ خافضة رافعة ﴾ أي هي تخفض أقواماً وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال: وما إن طبنا جبن ولكن *** منايات ودولة آخرينا وإما لإن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله ﴿ إذا رجت الأرض ﴾ أي حركت تحريكاً عنيفاً حتى ينهدم كل بناء عليها ﴿ وبست الجبال بساً ﴾ أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها ﴿ فكانت ﴾ أي صارت غباراً متفرقاً.

ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلاً ﴿ وكنتم ﴾ لفظ الماضي لتحقق الوقوع ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً ﴿ ثلاثة ﴾ ثم فصلها فقال ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ وهو تعجب من شأنهم كقولك "زيد ما زيد" سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم "فلان مني باليمين" إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيهم عليها.

روي أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهمفي الشمال ﴿ والسابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة ﴿ هم السابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله "وشعري شعري" يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف ﴿ السابقون ﴾ ﴿ أولئك المقربون ﴾ إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق إشار إلى ذلك ﴿ في جنات النعيم ﴾ إخفاء حالهم وبيان محل إجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا  .

قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به يحصل الأمة المقتدية به.

﴿ وقليل من الآخرين ﴾ أي من هذه الأمة.

قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي  وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ههنا ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ وفيما بعده قال ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعاً من أمة محمد  .

جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله ﴿ وكنتم أزواجاً ﴾ لأمة محمد  والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله { ﴿ والسابقون الأولون  ﴾ والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين.

وأما أصحاب اليمين فيوجدون في كلا القبيلين كثيراً وعلى هذا يكون الترتيب المذكور ساقطاً ولا نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع.

قال الزجاج وهو قول مجاهد والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي  وعاينه وجماعة ممن آمن به وكان بعده.

وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي  قال " " جميع الثلتين من أمتي " " وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فمازال رسول الله  يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد رسول الله  لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد  سابقين فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في قوله "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" إشارة إلى هذا.

وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن يكونوا أكثر لأن فيض الله  المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سبباً لخاتمة نبينا  أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً هذا ما سنح في الوقت والله  أعلم بمراده.

ثم وصف حال المقربين بقوله ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال المفسرون: أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع أي استقروا على السرر ﴿ متكئين ﴾ وقوله ﴿ ولدان مخلدون ﴾ أي غلمان لا يهرمون ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد.

قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط.

وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.

قال جار الله: روي هذا عن علي  .

والحسن قال الحديث "أولاد الكفار خدام أهل الجنة" " والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه.

والباقي مفسر في "الصافات" إلى قوله ﴿ مما يتخيرون ﴾ أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلاً بين يديه على ما اشتهى.

ومن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور.

ومن خفضهما فعلى العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا.

والكاف في قوله ﴿ كأمثال ﴾ للمبالغة في التشبيه.

قوله ﴿ جزاء ﴾ مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل الجزاء.

قوله ﴿ ولا تأثيماً ﴾ أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم.

وانتصب ﴿ سلاماً ﴾ على البدل من ﴿ قليلاً ﴾ أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون يها إلا أن يقولوا سلاماً عقيبه سلام.

ثم عجب من شأن أصحاب اليمين.

والسدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه.

وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور طيب الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل.

وفي الكشاف أن علياً  أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله ﴿ لها طلع نضيد ﴾ فقيل: أو نحولها؟

قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه.

قلت: وفي هذه الرواية نظر لا يخفى.

والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له ساق بارزة ﴿ وظل ممدود ﴾ أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص.

ويحتمل أن يراد أنه دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع إنه ممدود.

والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير أخدود ﴿ لا مقطوعة ﴾ في بعض الأوقات ﴿ ولا ممنوعة ﴾ عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا ﴿ مرفوعة ﴾ أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قاله علي  .

وقيل: هي النساء المرفوعة على الأرائك.

والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله ﴿ إنا أنشأناهن ﴾ وعلى التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلاً عليهن.

ومعنى الإنشاء أنه ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء.

روى الضحاك عن ابن عباس أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم ﴿ أبكاراً عرباً ﴾ جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أتراباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً من غير وجع.

وقوله ﴿ لأصحاب اليمين ﴾ متعلق بأنشأنا وجعلنا.

ثم عجب من أصحاب الشمال.

ومعنى ﴿ في سموم ﴾ في حر نار ينفذ في المسام.

والحميم الماء الكثير الحرارة.

واليحموم الدخان الأسود "يفعول" من الأحم وهو الأسود.

ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه.

قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.

قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة.

ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا العقاب فقال ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك ﴾ أي في الدنيا ﴿ مترفين ﴾ متنعمين متكبرين عن التوحيد والطاعة والإخلاص ﴿ وكانوا يصرون على الحنث ﴾ وهو الذنب الكبير ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الخنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها.

وخص جمع من المفسرين فقالوا.أعني به الشرك.

وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد مر مثله في "الصافات".

واعلم أنه  ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقاً عجيباً وأسلوباً غريباً.

وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين.

أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.

ثم بعدما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلاً من السابقين ومن أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، وكأن في هذا الطي إشارة إلى الحديث القدسي "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى قوله  " "نحن الآخرون السابقون " ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ذكر السابق من حيث هو سابق.

فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله  أعلم بمراده.

ثم أمر نبيه  بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ﴾ أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت ﴿ يوم معلوم ﴾ عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة.

ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ذكر طرفاً من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال ﴿ ثم إنكم أيها الضالون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث ﴿ لآكلون ﴾ أي في السموم المذكور ﴿ من شجر ﴾ هو للابتداء ﴿ من زقوم ﴾ هو للبيان ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ آنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتباراً وذلك أن شرب الماء المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب.

والهيم الإبل التي بها الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه "فعل" كبيض.

وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب.

ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى يضطروا إلى أكل الزقوم.

ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم كالإبل الهيم ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على البدء كان على الإعادة أقدر.

ثم برهن أنه لا خالق إلا هو فقال ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ أي تقذفونه في الأرحام.

يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله ﴿ من نطفة إذا تمنى  ﴾ ﴿ أءنتم تخلقونه ﴾ تقدّرونه وتصورونه.

ووجه الاستدلال أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال عنها جميعاً.

فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنساناً كاملاً يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء منها وإلى هذا أشار بقوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل ﴾ أي نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه أحد.

يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه.

والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق و ﴿ فيما لا تعلمون ﴾ أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا.

وجوز جار الله أن يكون جمع مثل بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات لا تعلمونها.

ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيراً بعد تذكير فقال ﴿ ولقد علمتم ﴾ الآية.

ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته قائلاً ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ من الطعام أي تبذرون حبه ﴿ أءنتم تزرعونه ﴾ أي تجعلونه بحيث يكون نباتاً كاملاً يستحق اسم الزرع.

وفي الكشاف عن رسول الله  " لا يقولن أحد زرعت وليقل حرثت " والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس.

وقوله ﴿ فظلتم ﴾ أصله فظللتم حذفت إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملاً غير مقس عليه.

ومعنى ﴿ تفكهون ﴾ تعجبون كأنه تكلف الفكاهة.

وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه التعب فيه أو على المعاصي التي تكون سبباً لذلك.

من قرأ ﴿ أنا ﴾ بالخبر فواضح ويحسن تقدير القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول أيضاً.

ومعنى ﴿ لمغرمون ﴾ لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة أي لملزمون غرامة ما أنفقنا ﴿ بل نحن ﴾ قوم ﴿ محرومون ﴾ لا حظ لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ الله منهما.

ثم ذكر دليلاً آخر مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة.

والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب "لو" عن إشاعة الثانية وهي ثابتة في المعنى لأن "لو" شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى اللام التوكيدي.

ويمكن أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا خصت آية المطعوم باللام المفيدة للتأكيد.

وإنما ختم الآية بقوله ﴿ فلولا تشكرون ﴾ لأنه وصف الماء بقوله ﴿ الذي تشربون ﴾ ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال ﴿ أءنتم أنزلتموه من المزن ﴾ وهذا لا عمل للآدمي فيه أصلاً بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود الشكر إلى النعمتين جميعاً ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر.

ومعنى ﴿ تورون ﴾ تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر "يس".

وأعلم أنه  بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم.

ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ وفي الثانية ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ وفي الثالثة ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ تتعظون بها ولا تنسون نار جهنم كما روي عن رسول الله  "ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من جهنم " ﴿ ومتاعاً ﴾ وسبب تمتع ومنفعة ﴿ للمقوين ﴾ للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئاً من أيام.

وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه  بدأ بالوعيد الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتاً فقال ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتاً لا ذاتاً ولهذا حذف اللام في قوله ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو كون "لو" بمعنى "أن" وذلك أن الماء باقٍ ههنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهمياً فافهم.

ثم ختم بتذكير النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه.

أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة.

وأما الثاني فلأن عدم ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة.

وفي قوله ﴿ تذكرة ﴾ إشارة إلى ما قلنا.

ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عما يقول الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ فلا أقسم ﴾ أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد التأكيد.

ومواقع النجوم مساقطعها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة ولهذا قال  ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ وعن سفيان الثوري: إن لله  ريحاً تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار.

وقوله ﴿ وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ اعتراض فيه اعتراض.

ومواقعها منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن المرضي من بين جنس الكتب.

أو كرمه نفعه للمكلفين.

أو هو كرامته على الله عز وجل ﴿ في كتاب مكنون ﴾ مستوراً على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ملائكته المقربين وهو اللوح ﴿ لا يمسه ﴾ إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا يصل إلى ما فيه ﴿ إلا ﴾ عبيده ﴿ المطهرون ﴾ من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث.

ومن الناس من حرم قراءة القرآن عند الحدث الأصغر أيضاً.

وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة عندهم.

ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ أي بالقرآن أو بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن ﴿ أنتم مدهنون ﴾ متهاونون من أدهن في الأمر إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه ﴿ وتجعلون رزقكم ﴾ أي شكر رزقكم ﴿ أنكم تكذبون ﴾ بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ إلى قوله ﴿ للمقوين ﴾ وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله عز وجل وتنسبونه إلى النجوم.

ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته.

وترتيب الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير ﴿ فلولا ﴾ التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون  ﴾ ومنها تقديم الظرف وهو قوله ﴿ إذا بلغت الحلقوم ﴾ أي النفس.

وإنما أضمرت للعلم بها كقوله ﴿ ما ترك على ظهرها  ﴾ وإنما قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه.

ومنها زيادة الجمل المعترضة وهي قوله ﴿ وأنتم ﴾ يا أهل الميت ﴿ حينئذ تنظرون ﴾ إليه ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ بالقدرة والعلم أو بملائكة الموت ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ لا بالبصر ولا بالبصيرة.

ومعنى مدينين مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.

ومنها قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم متمنعين عن الموت، والحلقوم الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه "فعلوم" ويمكن أن يقال: إن فعل ﴿ فلولا ﴾ الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم.

فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟

ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياماً معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة.

ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء نوع من القهر والتسخير.

ويحتمل عندي أن يكون الضمير في ﴿ ترجعونها ﴾ عائداً إلى ملائكة الموت بدليل قوله ﴿ ونحن أقرب ﴾ والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا.

وحين بين أن لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلاً ﴿ فأما إن كان ﴾ المتوفى ﴿ من المقربين ﴾ أي من السابقين من الأزواج الثلاثة ﴿ فروح ﴾ أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن ﴿ وريحان ﴾ أي رزق وهذا للبدن ﴿ وجنة نعيم ﴾ وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر.

ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك ﴾ أيها النبي ﴿ من أصحاب اليمين ﴾ أي أنت سالم من شفاعتهم.

هذا قول كثير من المفسرين.

وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله ﴿ وتحيتهم فيها سلام  ﴾ ﴿ إن هذا ﴾ القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لهو حق اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين.

وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى "من" كقولك "خاتم فضة" وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك "حق الحق".

"وصواب الصواب" أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه.

أو المراد هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر.

هذا ما قاله أكثر المفسرين.

وقيل: الإضافة كما في قولنا "جانب الغربي" و "مسجد الجامع" أي حق الأمر اليقين.

ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا "حق النبي أن يصلي عليه" و "حق المال أن تؤدى زكاته" ومنه قوله  " "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " أي إلا بحق هذه الكلمة.

ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله  في شأن الأزواج الثلاثة.

وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عياناً فليس الخبر كالمعاينة، وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحداً.

ولعله لا يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلأ من ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين.

روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه فقال له: ما تشتكي؟

قال: ذنوبي.

قال: ما تشتهي؟

قال:رحمة ربي.

قال: أفلا ندعو الطبيب؟

قال: الطبيب أمرضني.

قال: افلا نأمر بعطائك؟

قال: لا حاجة لي فيه.

قال: تدفعه إلى بناتك.

قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله  يقول "من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبداً"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ هذا مما لم يبتدأ به الخطاب، وإنما هو جواب سؤال وخطاب لم يذكر؛ فيحتمل أن يكون المؤمنون ذكروا كرامتهم التي وعدوا في الآخرة، فقال لهم أولئك الكفرة: متى يكون ذلك لكم؟

فقالوا: إذا وقعت والواقعة؛ كما يسأل الرجل: متى يكون أمر كذا؟

فيقول: إذا كان كذا، فهو حرف جواب لسؤاله، وعلى هذا يخرج جميع ما ذكر في القرآن من هذا النوع؛ من نحو قوله  : ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا  ﴾ ونحو ذلك، وقوله: ﴿ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ كناية عنها، جائز أن يكون تأويله: إذا وقعت المثوية والعقوبة؛ فتكمون الواقعة كناية عنها.

وجائز أن تكون الواقعة: اسما من أسماء البعث: كالقيامة والساعة، وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴾ ، قال ب عضهم: أي: ليس لوقعتها مَثْنَويَّة ولا ترداد، يقال: حمل عليه فما كذب، أي: فما رجع.

وقال بعضهم: أي: هي حق، ليست بكذب.

وقال بعضهم: أي: لا يكذب بها أحد إذا وقعت، ليست كالآيات التي عاينوها في الدنيا مع ما عرفوا أنها آيات كذبوها؛ كقوله  : ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ  لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ  ﴾ ، وغير ذلك يكذبونها مع العلم بأنها آيات، يقول  : إذا عاينوا القيامة يقرون بها؛ ويصدقونها، ولا يكذبون بها؛ كقوله: ﴿ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ  ﴾ ، ونحوه.

ويحتلم أن يكون قوله: ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴾ ، اي: ليست الأنباء والأخبار التي جاءت على وقوعها وقيامها كاذبة بل هي صادقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴾ ، قال بعضهم: خافضة: تسمع القريب، رافعة: تسمع البعيد؛ وقال صاحب هذا التأويل: إن تفسير الواقعة هي الصيحة، وتلك خافضة رافعة.

وقال بعضهم: خافضة أناسا في النار ورافعة أناسا في الجنة.

ويحتمل خافضة لمن تكبر وتعظم على الخلق ورده، ورافعة لمن تواضع للخلق وانقاد له وقبله.

وقيل: خافضة لأهل النار في النار، كقوله  : ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ  ﴾ ، ورافعة لأهل الجنة، كقوله: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ  ﴾ .

وقوله: - عز وجل -: ﴿ إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً ﴾ يخرج على السؤال، كأنهم لما سمعوا وصف القيامة والواقعة من المؤمنين، فقالوا عند ذلك: متى تكون الواقعة؟

فعند ذلك قال: ﴿ إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا  ﴾ ، فزلزلت حتى تلقي ما في بطنها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً ﴾ قيل: فتنت حتى تصير كالدقيق، ومنه يقال للطعام المبسوس والبسيسة: سويق يلت به الزيت والخلط.

وقال الحسن: ﴿ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ ﴾ أي: سيرت تسييرا.

وقوله: ﴿ فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً ﴾ قيل: الهباء الذي يكون فوق النار إذا خمدت، لا يكون غيره ﴿ مُّنبَثّاً ﴾ ؛ أي: متفرقا.

وقيل: ﴿ هَبَآءً مُّنبَثّاً ﴾ أي: ترابا.

وقيلِ: الهباء المنبث، هو ما يسطع من سنابك الخيل.

وقيل: الهباء: الغبار الذي تراه في الشمس إذا دخلت في الكوة؛ يخبر  عن شدة ذلك اليوم وهو له أنه يفعل بالجبال مع صلابتها وطاعتها لله  ، فكيف يفعل بكم يا بني آدم مع ضعفكم ومعصيتكم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً ﴾ ، أي: أصنافا ثلاثة: ما فسر عقيبه؛ حيث قال: ﴿ فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ * وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ الآية.

وقيل: الأصناف الثلاثة: المذكبون، والمصدقون، والسابقون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أصحاب الميمنة من اليمن، وأصحاب المشأمة من الشؤم.

والثاني: سموا: أصحاب الميمنة؛ لأنهم أصحاب اليمين، وهي التي تستعمل في الطيبات، والكفرة أصحاب الشمال؛ لأنهم أصحاب الخبائث، والشمال تستعمل في الخبائث.

وهو كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ  ﴾ ؛ لأن في كتبهم طيبات وخيرات، وفي كتب الكفرة خبائث فتؤتى بشمالهم.

وقيل: أصحاب الميمنة والمشأمة؛ لما ذكر الله  : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ  فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ...

 ﴾ ، فكذا؛ فكل من أوتي كتابه بيمنيه فهو من أصحاب اليمين، ومن أوي كتابه بشماله فهو من أصحاب الشمال.

وقوله  : ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: السابقون في الخيرات، يسبقون الناس في كل خير.

والثاني: السابقون في الإجابة لله ورسوله إلى ما دعاهم إليه.

ثم جائز أن يكون الخطاب به للناس كافة: الأولين والآخرين؛ فيكون جميعهم أصنافا ثلاثة: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.

وجائز أن يكون الخطاب بهذه الآية لهذه الأمة: ففيهم السباقون، وفيهم أصحاب اليمين، وهم أصحاب النظر في الحجج والآيات والتأمل فيها [وفيهم] اصحاب الشمال، وهم الكفرة.

وقوله  : ﴿ فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ ﴾ على التعجب لرسول الله  بما يكرمهم، أو على التعظيم لأولئك لعظم منزلتهم.

وكذلك قوله: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ ﴾ يخرج على هذين الوجهين: على التعجب والتعظيم لما يحل بهم.

وقوله: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ ﴾ يخرج على هذا أيضا: فلان ما أمر فلان، فيقال: فلان فلان؛ على تعظيم أمره وشأنه.

ثم في قوله  : ﴿ وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً ﴾ \[دليل\] لقول أصحابنا - رحمهم الله - في جعلهم الكفر كله واحدة؛ لأنه جعل الله  الكفرة على اختلاف مذاهبم وأديانهم زوجا، وأهل الإسلام زوجين، حيث جعل الكل أزواجا ثلاثة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ يحتمل أن يكون وصف القرب لهم لمسابقتهم في الخيرات في الدنيا.

ويحتمل: أنهم مقربون في الآخرة والمنزلة، لسبقهم في الخيرات، أو: في الإجابة، والسبق فعلهم، والتقريب بلطف من الله  وفضل منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ جميع الجنات نعيم؛ لأن فيها نعيما، وله أن يسمى واحدة منها: نعيما، والأخرى: عدنا، والفردوس والمأوى، يسمى ما شاء بما شاء وكيف شاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ اختلف في ذلك: قال بعضهم: ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ممن شهد رسول الله، وقربوا منه، ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ ممن بعد من هذه الأمة من رسول الله  بنفسه وإدراك زمانه، وقليل من المقربين من الآخرين، وهو ما روي عن رسول الله  أنه قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم" ، وعلى ذلك قوله  : ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ  ﴾ على ما يذكر، والله أعلم.

ومنهم من قال: ﴿ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، أي: جماعة من المؤمنين الذين كانوا في الأمم الماضية، ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ أي: من هذه الأمة، وهكذا يكون عدد أهل الإيمان من هذه الأمة مع الأمم الماضية يكون هؤلاء أقل منهم.

ويحتمل - أيضا - أن السابقين المقربين من الأمم السابقة أكثر من السابقين المقربين من هذه الأمة؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كلهم من الأمم السالفة.

وقال أهل التأويل لما نزلت: ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ ، وجد أصحاب رسول الله  وحدا شديدا، وقالوا: لن يدخل الجنة منا إلا قليل؛ فنزل قوله  : ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ  وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ  ﴾ .

لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه خبر، ولا يرد في الأخبار نسخ، وما قالوه لا يصحن والوجه فيه ما ذكرنا.

ويحتمل قوله  : ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ  وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ  ﴾ هم أصحاب اليمين من الأولين والآخرين، وهم جماعة كثيرة من الأولين، وجماعة كثيرة من الآخرين في في المقربين خاصة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ  ﴾ ، والسرر قد تكون في الدنيا مصفوفة، ولكن لا تكون موضونة؛ أي: منسوجة؛ والوضن - هو النسج - لا يكون بين السرر في الآخرة انفصال ولا فروج، كما يكون في الدنيا، لكن موصولة بعضها ببعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: على السرر التي ذكر أنها مصفوفة موضونة.

وقوله: ﴿ مُتَقَابِلِينَ ﴾ ، أي: يقابل [بعضهم] بعضا، ولا يعرضون، ولا ينظر بعضهم إل بعض باحتقار كماي جعل أهل المجالس في الدنيا يعرض بعضهم على بعض ويحقر بعضهم بعضا يخبر أنهم يكونون في الآخرة خلاف ما في الدنيا، لا يتأذى بعض من بعض بوجه ما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ﴾ فيه أنهم يعطون في الجنة ما يستحبون في الدنيا من الشرف وطواف الولدان، وكذلك ما ذكر من السرر والفرش، وغير ذلك من أنواع ما ترغب أنفسهم فيه.

ثم ذكر أنهم ولدان، وإن لم يكن في الجنة ولاد؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكونوا على هيئة الولدان وإن لم يولدوا.

والثاني: سماهم: ولدانا؛ لولادهم في الدنيا وإن لم يولدوا في الجنة؛ لأن التولد في الدنيا لحاجة البقاء وأهل الجنة باقون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّخَلَّدُونَ ﴾ قال بعضهم: أي: المقرطون، والخَلَدَة: القرط، وجمعه: الجِلَدَة.

قال بعضهم: هو من الخلود، كقوله  : ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا  ﴾ ، أي: باقون.

وقيل: مسورون من السوار.

وقوله: ﴿ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ ﴾ \[الأكواب\]: هي الكيزان المدورة الرءوس التي لا عرى لها، والأباريق التي لها عرى وخراطيم، وهم يسمون الأكواب: القداح التي يشربون بها؛ لأن في الدنيا يكون لأهل الأباريق والأقداح يصبون من الأباريق في القدح، ويشربون ولا يشربون من الأباريق، فعلى ذلك وعدوا في الجنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ﴾ : الكأس: هو القدح المملوء من الشراب.

وأما المعين: قال بعضهم: هو الظاهر من الماء، يقع عليه البصر، فوعد لأهل الجنة ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ ﴾ ، قرئ بكسر الزاي ونصبه؛ أي: لا تصدع خمورهم في الجنة رءوسهم كما تصدع خمور الدنيا أهلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُنزِفُونَ ﴾ قيل بكسر الزاي: لا ينفد شرابهم، وبالفتح: لا يسكرون؛ فيه أنه ليس في خمورهم الآفات التي تكون في خمور الدنيا من ذهاب العقل، والصداع والنفاد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ جميع فواكه الجنة مختارة، لكن يخرج على وجهين: أحدهما: أن جميع فواكهها مما يتخيرون.

والثاني: العرف في الفواكه أن تقدم من أجناس مختلفة وألوان، لا من لون واحد ونزع واحد، فيتخيرون من أي نوع اشتهوا أو شاءوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ إن أهل الجنة إنما يتناولون ما يتناولون على الشهوة، لا على الحاجة وسد الجوع، وهو كما ذكر: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ ﴾ يحتمل تشبيه الحور العين باللؤلؤ وجهين: أحدهما: لما لا شيء أصفى من اللؤلؤ والياقوت، فضرب مثلهن بذلك؛ لصفاته وبياضه، وإلا ما خطر اللؤلؤ حتى يشبه أن الموعود في الجنة من الجواري به؟!.

والثاني: أن للؤلؤ فضلا ومنزلة عند العرب، وليس الخطر لغيره من الأشياء، فيشبه ضرب مثلهن به لفضل خطر ذلك عندهم، ليس ذلك لغيره، وهو كقوله  : ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ضرب مثل من يشرك بالله بالذي يخر من السماء، والشرك بالله أعظم مما ذكر، لكن ليس شيء أعظم وأبعد من الخر من فوق السماء السابعة؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ إن الله  ذكر للأعمال جزاء كأنهم عملوا له فضلا منه وكرما في حق عباده، وإن كانوا في الحقيقة عاملين لأنفسهم؛ كقوله  : ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ  ﴾ ، وكذلك ما ذكر من شرائه أنفسهم وأموالهم منهم، وما ذكر من الإقراض في قوله  : ﴿ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً  ﴾ وإن كانت أنفسهم وأموالهم له، وإن كان عام عباده في أنفسهم وأموالهم كأنها ليست له، فضلا وكرما؛ فعلى ذلك [ذكر] لأعمالهم جزاء؛ كان منهم إلى الله -  - صنعا وإحساناً، وإن كانوا عاملين لأنفسهم ومنافع أعمالهم ترجع إليهم بفضله وكرمه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً ﴾ هذا يرجع إلى وصف خمور أهل الجنة؛ أي: ليس فيها الآفات التي تكون في خمور الدنيا من ذهاب العقل، وقول اللغو، والهذيان، مثل ما يجري على ألسنتهم في الدنيا حين يشربون الخمور، وما يأثمون به، وذكر لهم هذه الخمور في الجنة؛ لأن قوما يرغبون فيها في الدنيا، فوعد لهم؛ ليرغبوا فيها فيطلبوها بالامتناع عن شربها في الدنيا من الخمور المحرمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إلا كلاما فيه سلامة عن جميع الآفات التي ذكر.

والثاني: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام؛ كقوله  : ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إذا حُرِّكت الأرض تحريكًا عظيمًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.5wY2z"

مزيد من التفاسير لسورة الواقعة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر