الآية ٤٧ من سورة الواقعة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 56 الواقعة > الآية ٤٧ من سورة الواقعة

وَكَانُوا۟ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٧ من سورة الواقعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٧ من سورة الواقعة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يعني أنهم يقولون ذلك مكذبين به مستبعدين لوقوعه.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) يقول تعالى ذكره: وكانوا يقولون كفرا منهم بالبعث، وإنكارًا لإحياء الله خلقه من بعد مماتهم: أئذا كنا ترابا في قبورنا من بعد مماتنا، وعظاما نخرة، أئنا لمبعوثون منها أحياء كما كنا قبل الممات.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

هذا استبعاد منهم لأمر البعث وتكذيب له .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وكانوا ينكرون البعث، فيقولون استبعادا لوقوعه: { أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ } أي: كيف نبعث بعد موتنا وقد بلينا، فكنا ترابا وعظاما؟

[هذا من المحال] { أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ) قرأ أبو جعفر ، ونافع والكسائي ويعقوب : " أئذا " مستفهما " إنا " بتركه ، وقرأ الآخرون بالاستفهام فيهما .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون» في الهمزتين في الموضوعين التحقيق وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكانوا يقولون إنكارًا للبعث: أنُبعث إذا متنا وصرنا ترابًا وعظامًا بالية؟

وهذا استبعاد منهم لأمر البعث وتكذيب له.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - لونا من أقوالهم الباطلة ، وحججهم الداحضة فقال : ( وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ آبَآؤُنَا الأولون ) .أى : أنهم فوق ترفهم وإصرارهم على ارتكاب الآثام كانوا يقولون - على سبيل الإنكار - لمن نصحهم باتباع الحق : أئذا متنا ، وانتهت حياتنا ووضعنا فى القبور ، وصرنا ترابا وعظاما ، أئنا لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآيات لطائف، نذكرها في مسائل: المسألة الأولى: ما الحكمة في بيان سبب كونهم في العذاب مع أنه تعالى لم يذكر سبب كون أصحاب اليمين في النعيم، ولم يقل: إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين؟

فنقول: قد ذكرنا مراراً أن الله تعالى عند إيصال الثواب لا يذكر أعمال العباد الصالحة، وعند إيصال العقاب يذكر أعمال المسيئين لأن الثواب فضل والعقاب عدل، والفضل سواء ذكر سببه أو لم يذكر لا يتوهم في المتفضل به نقص وظلم، وأما العدل فإن لم يعلم سبب العقاب، يظن أن هناك ظلماً فقال: هم فيها بسبب ترفهم، والذي يؤيد هذه اللطيفة أن الله تعالى قال في حق السابقين: ﴿ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ ولم يقل: في حق أصحاب اليمين، ذلك لأنا أشرنا أن أصحاب اليمين هم الناجون بالفضل العظيم، وسنبين ذلك في قوله تعالى: ﴿ فسلام لَّكَ  ﴾ وإذا كان كذلك فالفضل في حقهم متمحض فقال: هذه النعم لكم، ولم يقل جزاء لأن قوله: ﴿ جَزَاء ﴾ في مثل هذا الموضع، وهو موضع العفو عنهم لا يثبت لهم سروراً بخلاف من كثرت حسناته، فيقال له: نعم ما فعلت خذ هذا لك جزاء.

المسألة الثانية: جعل السبب كونهم مترفين وليس كل من هو من أصحاب الشمال يكون مترفاً فإن فيهم من يكون فقيراً؟

نقول قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾ ليس بذم، فإن المترف هو الذي جعل ذا ترف أي نعمة، فظاهر ذلك لا يوجب ذماً، لكن ذلك يبين قبح ما ذكر عنهم بعده وهو قوله تعالى: ﴿ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ ﴾ لأن صدور الكفران ممن عليه غاية الإنعام أقبح القبائح فقال: إنهم كانوا مترفين، ولم يشكروا نعم الله بل أصروا على الذنب وعلى هذا فنقول: النعم التي تقتضي شكر الله وعبادته في كل أحد كثيرة فإن الخلق والرزق وما يحتاج إليه وتتوقف مصالحه عليه حاصل للكل، غاية ما في الباب أن حال الناس في الإتراف متقارب، فيقال في حقل البعض بالنسبة إلى بعض: إنه في ضر، ولو حمل نفسه على القناعة لكان أغنى الأغنياء وكيف لا والإنسان إذا نظر إلى حالة يجدها مفتقرة إلى مسكن يأوي إليه ولباس الحر والبرد وما يسد جوعه من المأكول والمشروب، وغير هذا من الفضلات التي يحمل عليها شح النفس، ثم إن أحداً لا يغلب عن تحصيل مسكن باشتراء أو اكتراء، فإن لم يكن فليس هو أعجز من الحشرات، لا تفقد مدخلاً أو مغارة، وأما اللباس فلو اقتنع بما يدفع الضرورة كان يكفيه في عمره لباس واحد، كلما تمزق منه موضع يرقعه من أي شيء كان، بقي أمر المأكول والمشروب، فإذا نظر الناظر يجد كل أحد في جميع الأحوال غير مغلوب عن كسرة خبز وشربة ماء، غير أن طلب الغنى يورث الفقر فيريد الإنسان بيتاً مزخرفاً ولباساً فاخراً ومأكولاً طيباً، وغير ذلك من أنواع الدواب والثياب، فيفتقر إلى أن يحمل المشاق، وطلب الغنى يورث فقره، وارتياد الارتفاع يحط قدره، وبالجملة شهوة بطنه وفرجه تكسر ظهره على أننا نقول في قوله تعالى: ﴿ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾ لا شك أن أهل القبور لما فقدوا الأيدي الباطشة، والأعين الباصرة، وبان لهم الحقائق، علموا أنهم كانوا قبلو ذلك مترفين بالنسبة إلى تلك الحالة.

المسألة الثالثة: ما الإصرار على الحنث العظيم؟

نقول: الشرك، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ وفيها لطيفة وهي أنه أشار في الآيات الثلاث إلى الأصول الثلاثة فقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾ من حيث الاستعمال يدل على ذمهم بإنكار الرسل، إذ المترف متكبر بسبب الغنى فينكر الرسالة، والمترفون كانوا يقولون: ﴿ أَبَشَرٌ مّنَّا واحدا نَّتَّبِعُهُ  ﴾ وقوله: ﴿ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم ﴾ إشارة إلى الشرك ومخالفة التوحيد، وقوله تعالى: ﴿ وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ﴾ إشارة إلى إنكار الحشر والنشر، وقوله تعالى: ﴿ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم ﴾ فيه مبالغات من وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ كَانُواْ يُصِرُّونَ ﴾ وهو آكد من قول القائل: إنهم قبل ذلك أصروا لأن اجتماع لفظي الماضي والمستقبل يدل على الاستمرار، لأن قولنا: فلان كان يحسن إلى الناس، يفيد كون ذلك عادة له ثانيها: لفظ الإصرار فإن الإصرار مداومة المعصية والغلول، ولا يقال: في الخير أصر ثالثها: الحنث فإنه فوق الذنب فإن الحنث لا يكاد في اللغة يقع على الصغيرة والذنب يقع عليها، وأما الحنث في اليمين فاستعملوه لأن نفس الكذب عند العقلاء قبيح، فإن مصلحة العالم منوطة بالصدق وإلا لم يحصل لأحد بقول أحد ثقة فلا يبنى على كلامه مصالح، ولا يجتنب عن مفاسد، ثم إن الكذب لما وجد في كثير من الناس لأغراض فاسدة أرادوا توكيد الأمر بضم شيء إليه يدفع توهمه فضموا إليه الأيمان ولا شيء فوقها، فإذا حنث لم يبق أمر يفيد الثقة فيلزم منه فساد فوق فساد الزنا والشرب، غير أن اليمين إذا كانت على أمر مستقبل ورأى الحالف غيره جوز الشرع الحنث ولم يجوزه في الكبيرة كالزنا والقتل لكثرة وقوع الأيمان وقلة وقوع القتل والذي يدل على أن الحنث هو الكبيرة قولهم للبالغ: بلغ الحنث، أي بلغ مبلغاً بحيث يرتكب الكبيرة وقبله ما كان ينفي عنه الصغيرة، لأن الولي مأمور بالمعاقبة على إساءة الأدب وترك الصلاة.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ العظيم ﴾ هذا يفيد أن المراد الشرك، فإن هذه الأمور لا تجتمع في غيره.

المسألة الخامسة: كيف اشتهر ﴿ مِتْنَا ﴾ بكسر الميم مع أن استعمال القرآن في المستقبل يموت قال تعالى عن يحيى وعيسى عليهما السلام: ﴿ وَيَوْمَ أَمُوتُ  ﴾ ولم يقرأ أمات على وزن أخاف، وقال تعالى: ﴿ قُلْ مُوتُواْ  ﴾ ولم يقل: قل ماتوا، وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَمُوتُنَّ  ﴾ ولم يقل: ولا تماتوا كما قال: ﴿ ألا تَخَافُواْ  ﴾ أقلنا: فيه وجهان: أحدهما: أن هذه الكلمة خالفت غيرها، فقيل فيها: ﴿ أَموت ﴾ والسماع مقدم على القياس والثاني: مات يمات لغة في مات يموت، فاستعمل ما فيها الكسر لأن الكسر في الماضي يوجد أكثر الأمرين أحدهما: كثرة يفعل على يفعل وثانيهما: كونه على فعل يفعل، مثل خاف يخاف، وفي مستقبلها الضم لأنه يوجد لسببين أحدهما: كون الفعل على فعل يفعل، مثل طال يطول، فإن وصفه بالتطويل دون الطائل يدل على أنه من باب قصر يقصر، وثانيهما: كونه على فعل يفعل، تقول: فعلت في الماضي بالكسر وفي المستقبل بالضم.

المسألة السادسة: كيف أتى باللام المؤكدة في قوله: ﴿ لَمَبْعُوثُونَ ﴾ مع أن المراد هو النفي وفي النفي لا يذكر في خبر إن اللام يقال: إن زيداً ليجيء وإن زيداً لا يجيء، فلا تذكر اللام، وما مرادهم بالاستفهام إلا الإنكار بمعنى إنا لا نبعث؟

نقول: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: عند إرادة التصريح بالنفي يوجد التصريح بالنفي وصيغته ثانيهما: أنهم أرادوا تكذيب من يخبر عن البعث فذكروا أن المخبر عنه يبالغ في الإخبار ونحن نستكثر مبالغته وتأكيده فحكوا كلامهم على طريقة الاستفهام بمعنى الإنكار، ثم إنهم أشاروا في الإنكار إلى أمور اعتقدوها مقررة لصحة إنكارهم فقالوا أولاً: ﴿ أَءِذَا مِتْنَا ﴾ ولم يقتصروا عليه بل قالوا بعده: ﴿ وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما ﴾ أي فطال عهدنا بعد كوننا أمواتاً حتى صارت اللحوم تراباً والعظام رفاتاً، ثم زادوا وقالوا: مع هذا يقال لنا: ﴿ إِنَّكُمْ لَمَبْعُوثُونَ ﴾ بطريق التأكيد من ثلاثة أوجه: أحدها: استعمال كلمة إن ثانيها: إثبات اللام في خبرها ثالثها: ترك صيغة الاستقبال، والإتيان بالمفعول كأنه كائن، فقالوا لنا: ﴿ إِنَّكُمْ لَمَبْعُوثُونَ ﴾ ثم زادوا وقالوا: ﴿ أَوَ ءَابَاؤُنَا الأولون ﴾ يعني هذا أبعد فإنا إذا كنا تراباً بعد موتنا والآباء حالهم فوق حال العظام الرفات فكيف يمكن البعث؟

وقد بينا في سورة والصافات هذا كله وقلنا: إن قوله: ﴿ أَوَ ءَابَاؤُنَا الأولون  ﴾ معناه: أو يقولوا: آباؤنا الأولون، إشارة إلى أنهم في الإشكال أعظم، ثم إن الله تعالى أجابهم ورد عليهم في الجواب في كل مبالغة بمبالغة أخرى فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فِى سَمُومٍ ﴾ في حر نار ينفذ في المسام ﴿ وَحَمِيمٍ ﴾ وماء حار متناه في الحرارة ﴿ وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ ﴾ من دخان أسود بهيم ﴿ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ (44) ﴾ نفي لصفتي الظل عنه، يريد: أنه ظل، ولكن لا كسائر الظلال: سماه ظلاً، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر وذلك كرمه ليمحق ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه.

والمعنى أنه ظلّ حارّ ضارّ إلا أنّ للنفي في نحو هذا شأنا ليس للإثبات.

وفيه تهكم بأصحاب المشأمة، وأنهم لا يستأهلون الظل البارد الكريم الذي هو لأضدادهم في الجنة.

وقرئ: ﴿ لا بارد ولا كريم ﴾ بالرفع، أي: لا هو كذلك و ﴿ الحنث ﴾ الذنب العظيم.

ومنه قولهم: بلغ الغلام الحنث، أي: الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم.

ومنه: حنث في يمينه، خلاف برّ فيها.

ويقال: تحنث إذا تأثم وتحرج ﴿ أَوَ ءَابَآؤُنَا ﴾ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف.

فإن قلت: كيف حسن العطف على المضمر في ﴿ لَمَبْعُوثُونَ ﴾ من غير تأكيد بنحن؟

قلت: حسن للفاصل الذي هو الهمزة، كما حسن في قوله تعالى: ﴿ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا ﴾ لفصل (لا) المؤكدة للنفي.

وقرئ: ﴿ أو آباؤنا ﴾ وقرئ: ﴿ لمجمعون ﴾ ﴿ إلى ميقات يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ إلى ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم والإضافة بمعنى من، كخاتم فضة.

والميقات: ماوقت به الشيء، أي: حدّ.

ومنه مواقيت الإحرام: وهي الحدود التي لا يتجاوزها من يريد دخول مكة إلا محرماً ﴿ أَيُّهَا الضآلون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث، وهم أهل مكة ومن في مثل حالهم ﴿ مِن شَجَرٍ مّن زَقُّومٍ ﴾ من الأولى لابتداء الغاية، والثانية لبيان الشجر وتفسيره.

وأنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في قوله: (منها) و(عليه) ومن قرأ: ﴿ من شجرة من زقوم ﴾ فقد جعل الضميرين للشجرة، وإنما ذكر الثاني على تأويل الزقوم، لأنه تفسيرها وهي في معناه ﴿ شرب الهيم ﴾ وقرئ: بالحركات الثلاث، فالفتح والضم مصدران.

وعن جعفر الصادق رضي الله عنه: أيام أكل وشرب، بفتح الشين.

وأما المكسور فبمعنى المشروب، أي: ما يشربه الهيم وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء تشرب منه فلا تروى: جمع أهيم وهيماء.

قال ذو الرمّة: فَأَصْبَحْتُ كَالْهَيْمَاءِ لاَ المَاءُ مُبْرِدٌ ** صَدَاهَا وَلاَ يَقْضِي عَلَيْهَا هُيَامُهَا وقيل الهيم: الرمال.

ووجهه أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك، جمع على فعل كسحاب وسحب، ثم خفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض.

والمعنى: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرّهم إلى أكل الزقوم الذي هو كالمهل؛ فإذا ملؤا منه البطون يسلط عليهم من العطش ما يضطرّهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم.

فإن قلت: كيف صحّ عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، وصفتان متفقتان، فكان عطفاً للشيء على نفسه؟

قلت: ليستا بمتفقتين، من حيث إنّ كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه: من تناهي الحرارة وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما تشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضاً، فكانتا صفتين مختلفتين.

النزل: الرزق الذي يعدّ للنازل تكرماً له.

وفيه تهكم، كما في قوله تعالى: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: 21] وكقول أبي الشعر الضبي.

وَكُنَّا إِذَا الْجَبَّارُ بِالْجَيْشِ ضَافَنَا ** جَعَلْنَا الْقَنَا وَالمُرْهِفَاتِ لَهُ نُزْلاَ وقرئ: ﴿ نزلهم ﴾ بالتخفيف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ كُرِّرَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى إنْكارِ البَعْثِ مُطْلَقًا وخُصُوصًا في هَذا الوَقْتِ كَما دَخَلَتِ العاطِفَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ أشَدُّ إنْكارًا في حَقِّهِمْ لِتَقادُمِ زَمانِهِمْ ولِلْفَصْلِ بِها حَسُنَ العَطْفُ عَلى المُسْتَكِنِ في لَمَبْعُوثُونَ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ أوْ بِالسُّكُونِ وقَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ، والعامِلُ في الظَّرْفِ ما دَلَّ عَلَيْهِ «مَبْعُوثُونَ» لا هو لِلْفَصْلِ بِأنْ والهَمْزَةِ.

﴿ قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴾ ﴿ لَمَجْمُوعُونَ ﴾ وقُرِئَ «لَمُجْمِعُونَ».

﴿ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ إلى ما وقَّتَ بِهِ الدُّنْيا وحُدَّتْ مِن يَوْمٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومٍ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لَمَبْعُوثُونَ} تقديره أنبعث إذا متنا وهو العامل في الظرف وجاز حذفه إذ مَّبْعُوثُونَ يدل عليه ولا يعمل فيه مبعوثون لان إذا متنا وهو العامل في الظرف وجاز حذفه اذ مبعوثون يدل عليه ولايعمل فيه مبعوثون لأن اذ والاستفهام يمنعان أن يعمل ما بعدهما فيما قبلهما

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا ﴾ إلى آخِرِهِ لِلُزُومِ التَّكْرارِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ وصْفُهم بِالثَّباتِ عَلى القَسَمِ الكاذِبِ وبِالثّانِي وصْفُهم بِالِاسْتِمْرارِ عَلى الإنْكارِ والرَّمْزُ إلى اسْتِدْلالٍ ظاهِرِ الفَسادِ مَعَ أنَّهُ لا مَحْذُورَ في تَكْرارِ ما يَدُلُّ عَلى الإنْكارِ وهو تَوْطِئَةٌ وتَمْهِيدٌ لِبَيانِ فَسادِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِمْ: - كُنّا تُرابًا وعِظامًا - كانَ بَعْضُ أجْزائِنا مِنَ اللَّحْمِ والجِلْدِ ونَحْوِهِما تُرابًا وبَعْضُها عِظامًا نَخِرَةً، وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الحَياةِ الَّتِي يَقْتَضِيها ما هم بِصَدَدِ إنْكارِهِ مِنَ البَعْثِ، - وإذا - مُتَمَحِّضَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإنّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ لا مَبْعُوثُونَ نَفْسُهُ لِتَعَدُّدِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ - وهو نَبْعَثُ - وهو المَرْجِعُ لِلْإنْكارِ وتَقْيِيدُهُ بِالوَقْتِ المَذْكُورِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ إنْكارِهِ بِهِ فَإنَّهم مُنْكِرُونَ لِلْإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ وإنْ كانَ البَدَنُ عَلى حالِهِ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ لِلْبَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلَيْهِ في حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ وهَذا كالِاسْتِدْلالِ عَلى ما يَزْعُمُونَهُ، وتَكْرِيرُ الهَمْزَةِ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَحْلِيَةِ الجُمْلَةِ بِأنَّ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ ﴾ عُطِفَ عَلى مَحَلِّ - إنَّ - واسْمِها أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في مَبْعُوثُونَ وحَسُنَ لِلْفَصْلِ بِالهَمْزَةِ وإنْ كانَتْ حَرْفًا واحِدًا - كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - ولا يَضُرُّ عَمَلُ ما قَبْلَ هَذِهِ الهَمْزَةِ في المَعْطُوفِ بَعْدَها لِأنَّها مُكَرَّرَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وقَدْ زُحْلِقَتْ عَنْ مَكانِها، وقَوْلُهم: الحَرْفُ إذا كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ فَلا بُدَّ أنْ يُعادَ مَعَهُ ما اتَّصَلَ بِهِ أوَّلًا أوْ ضَمِيرٌ لا يُسَلَّمُ اطِّرادُهُ لِوُرُودِ: «ولا - لِلَمّا - بِهِمْ أبَدًا دَواءُ» وأمْثالُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( آباؤُنا ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ أيْ مَبْعُوثُونَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وهو تَكَلُّفٌ يُغْنِي عَنْهُ العَطْفُ المَذْكُورُ والمَعْنى - أيُبْعَثُ أيْضًا آباؤُنا - عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ يَعْنُونَ أنَّهم أقْدَمُ فَبَعْثُهم أبْعَدُ وأبْطَلُ، وقَرَأ قالُونُ وابْنُ عامِرٍ «أوْ آباؤُنا» بِإسْكانِ الواوِ وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يُعْطَفُ عَلى الضَّمِيرِ إذْ لا فاصِلَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

عُرُباً يعني: محبات، عاشقات، لأزواجهن، لا يردن غيرهم قرأ حمزة، وعاصم، في إحدى الروايتين عُرُباً بجزم الراء.

والباقون بالضم.

ومعناهما واحد.

وقال أبو عبيد: نقرأ بالضم لأنها أقيس في العربية، لأن واحدتها عَرُوب، وجمعها عرب، مثل صَبُور وصُبُر، وشكور وشكر.

ثم قال: أَتْراباً يعني: مستويات في السن، كأنهن على ميلاد واحد، بنات ثلاث وثلاثين.

وروي عن عكرمة أنه قال: أهل الجنة ميلاد ثلاثين سنة، رجالهم ونساؤهم، قامة أحدهم ستون ذراعاً على قامة أبيهم آدم  ، شباب جرد مكمولون، أحسنهم يرى كالقمر ليلة البدر، وآخرهم كالكوكب الدري في السماء، يبصر وجهه في وجهها، وكبده في كبدها، وفي مخ ساقها، وتبصر هي وجهها في وجهه، وفي كبده وفي مخ ساقه، ولا يبزقون، ولا يتمخطون، وما كان فوق ذلك من الأذى فهو أبعد، لِأَصْحابِ الْيَمِينِ يعني: هذا الذي ذكر كرامة لأصحاب اليمين.

ثم قال عز وجل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: جماعة من أول هذه الأمة، وجماعة من الآخرين.

فذكر في السابقين أنهم جماعة من الاولين، وقليل من الآخرين، لأن السابق في أخر الأمة قليل، وأما أصحاب اليمين يكون جماعة من أول الأمة، وجماعة من آخر الأمة.

ثم ذكر الصنف الثالث فقال: وَأَصْحابُ الشِّمالِ مَا أَصْحابُ الشِّمالِ يعني: ما لأصحاب الشمال من شدة، وشر، وهوان.

ثم وصف حالهم فقال: فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ والسموم: الزمهرير يقطع الوجوه وسائر الجسوم.

ويقال: السموم: النار الموقدة.

والحميم: الماء الحار الشديد، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ واليحموم الدخان يعني: دخان جهنم أسود لاَّ بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ يعني: لاَّ بارِدٍ شرابهم وَلا كَرِيمٍ منقلبهم.

ثم بين أعمالهم التي استحقوا بها العقوبة بأعمالهم الباطلة فقال: إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ يعني: كانوا في الدنيا متكبرين في ترك أمر الله تعالى.

ويقال: كانوا مشركين وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ يعني: يثبتون على الذنب العظيم، وهو الشرك.

وإنما سمِّي الشرك حنثاً، لأنهم كانوا يحلفون بالله، لاَ يَبْعَثُ الله مَن يموت، وكانوا يصرون على ذلك.

وقال القتبي: الْحِنْثِ الْعَظِيمِ اليمين الغموس.

وقال مجاهد: الذنب العظيم.

وقال ابن عباس: الْحِنْثِ الْعَظِيمِ هو الشرك وَكانُوا يَقُولُونَ مع شركهم أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ يعني: بعد ما صرنا تراباً، وعظاماً باليةً، صرنا أحياء بعد الموت وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ الذين: مضوا قبلنا، وصاروا تراباً.

قال الله تعالى: قل يا محمد قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يعني: الأمم الخالية لَمَجْمُوعُونَ وهذه الأمة لمجموعة إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ في يوم القيامة يجتمعون فيه ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ بالبعث لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ يعني: يملؤون من طلعها البطون، فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ يعني: على إثره يشربون من الحميم فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ يعني: كشرب الهيم، وهي الإبل التي يصيبها داء، فلا تروى من الشراب.

ويقال: الأرض التي أصابتها الشمس وهي أرض سهلة من الرملة.

قرأ نافع، وعاصم، وحمزة شُرْبَ الْهِيمِ بضم الشين.

والباقون: بالنصب.

فمن قرأ بالضم، فهو اسم.

ومن قرأ: بالنصب، فهو المصدر.

ويقال: كلاهما مصدر شربت.

ثم قال: هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ يعني: جزاءهم يوم الجزاء.

ويقال: معناه هو الذي ذكرناه من الزقوم والشراب طعامهم وشربهم يوم الحساب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال الحسن بن أبي الحسن وغيره: الأولون سالف الأُمَمِ، منهم جماعةٌ عظيمة أصحابُ يمين، والآخِرُونَ: هذه الأُمَّةُ، منهم جماعة عظيمة أهلُ يمين «١» ، قال ع «٢» : بل جميعهم إلاَّ مَنْ كان مِنَ السابقين، وقال قوم من المتأولين: هاتان الفرقتان في أُمَّةِ محمد، ورَوَى ابن عبّاس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «الثُّلَّتَانِ مِنْ أُمَّتِي» «٣» ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «إنَّ أُمَّتِي ثُلُثَا أَهْلِ الجَنَّةِ، وَالنَّاسُ يَوْمَئِذٍ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، وَإِنَّ أُمَّتِي مِنْ ذَلِكَ ثَمَانُونَ صَفًّا» «٤» انتهى.

وقوله سبحانه: وَأَصْحابُ الشِّمالِ ...

الآية: في الكلام معنى الإنحاء عليهم/ وتعظيم مصائبهم، والسَّمُومُ: أشد ما يكون من الحَرِّ اليابس الذي لا بَلَلَ معه، والحميم: السخن جِدًّا من الماء الذي في جهنم، واليَحْمُومُ: هو الدخانُ الأسودُ يُظِلُّ أهلَ النار قاله ابن عباس «٥» والجمهور، وقيل: هو سرادق النار المحيط بأهلها فإنَّهُ يرتفع من كل ناحية حتى يُظِلَّهُم، وقيل: هو جبل في النار أسود.

وقوله: وَلا كَرِيمٍ معناه: ليس له صفة مدح، قال الثعلبيُّ: وعن ابن المُسَيِّبِ وَلا كَرِيمٍ أي: ولا حسن «٦» نظيره من كل زوج كريم، وقال قتادة: لاَّ بارِدٍ: النزل وَلا كَرِيمٍ: المنظر «٧» ، وهو الظِلُّ الذي لا يغني من اللهب، انتهى، والمترف: المنعّم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أصْحابُ الشِّمالِ ﴾ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ مِن حالِهِمْ؛ والمَعْنى: ما لَهُمْ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ الشَّرِّ؟!

ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ فَقالَ: "فِي سَمُومٍ" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو حَرُّ النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ظِلٌّ مِن دُخانٍ.

قالَ الفَرّاءُ: اليَحْمُومُ: الدُّخانُ الأسْوَدُ، "لا بارِدٌ ولا كَرِيمٌ" فَوَجْهُ الكَلامِ الخَفْضُ تَبَعًا لِما قَبْلَهُ، ومِثْلُهُ "زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ" [النُّورِ: ٣٥]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴾ ﴿ لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ ﴾ ، ولَوْ رَفَعْتَ ما بَعْدَ "لا" كانَ صَوابًا، والعَرَبُ تَجْعَلُ الكَرِيمَ تابِعًا لِكُلِّ شَيْءٍ نَفَتْ عَنْهُ فِعْلًا يُنْوى [بِهِ] الذَّمُّ، فَتَقُولُ: ما هَذِهِ الدّارُ بِواسِعَةٍ ولا كَرِيمَةٍ، وما هَذا بِسَمِينٍ ولا كَرِيمٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا بارِدُ المَدْخَلِ ولا كَرِيمُ المَنظَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: في الدُّنْيا "مُتْرَفِينَ" أيْ: مُتَنَعِّمِينَ في تَرْكِ أمْرِ اللَّهِ، فَشَغَلَهم تَرَفُهم عَنِ الِاعْتِبارِ والتَّعَبُّدِ.

﴿ وَكانُوا يُصِرُّونَ ﴾ أيْ: يُقِيمُونَ ﴿ عَلى الحِنْثِ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: الذَّنْبُ العَظِيمُ الَّذِي لا يَتُوبُونَ مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وعَنْ قَتادَةَ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اليَمِينُ الغَمُوسُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

والرّابِعُ: الشِّرْكُ والكُفْرُ بِالبَعْثِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواوُ مُتَحَرِّكَةٌ لِأنَّها لَيْسَتْ بِواوِ "أوْ" إنَّما هي "وَآباؤُنا"، فَدَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ فَتُرِكَتْ مَفْتُوحَةً.

وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ: "أوْ آباؤُنا" بِإسْكانِ الواوِ.

وَقَدْ سَبَقَ بَيانُ ما لَمْ يُذْكَرْ ها هُنا [هُودٍ: ١٠٣،الصّافّاتِ: ٦٢، الأنْعامِ: ٧٠ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "شُرْبَ" بِضَمِّ الشِّينِ؛ والباقُونَ بِفَتْحِها.

قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ: شَرِبْتُهُ شُرْبًا، وأكْثَرُ أهْلِ نَجْدٍ يَقُولُونَ: شَرْبًا بِالفَتْحِ، أنْشَدَنِي عامَّتُهُمْ: تَكْفِيهِ حَزَّةُ فِلْذٍ إنْ ألَمَّ بِها مِنَ الشِّواءِ ويَكْفِي شَرْبَهُ الغُمَرُ وَزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ قَوْمًا مِن بَنِي سَعْدِ بْنِ تَمِيمٍ يَقُولُونَ: "شِرْبَ الهِيمِ" بِالكَسْرِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: "الشَّرْبُ" المَصْدَرُ، و"الشُّرْبُ" بِالضَّمِّ: الِاسْمُ، قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ أيْضًا.

وَفِي "الهِيمِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الإبِلُ العِطاشُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الإبِلُ يُصِيبُها داءٌ فَلا تَرْوى مِنَ الماءِ، يُقالُ: بَعِيرٌ أهْيَمُ، وناقَةٌ هَيْماءُ.

والثّانِي: أنَّها الأرْضُ الرَّمْلَةُ الَّتِي لا تَرْوى مِنَ الماءِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهِيمُ: ما لا يَرْوى مِن رَمْلٍ أوْ بَعِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا نُزُلُهُمْ ﴾ أيْ: رِزْقُهم.

ورَواهُ عَبّاسٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "نُزْلُهُمْ" بِسُكُونِ الزّاىِ، أيْ: رِزْقُهم وطَعامُهم.

وفى "الدِّينِ" قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في "الفاتِحَةِ" .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ ﴾ ﴿ فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ ﴾ ﴿ وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ ﴾ ﴿ لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ ﴾ ﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾ ﴿ وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ وَكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ ﴿ أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴾ ﴿ لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ، وفي الكَلامِ هُنا مَعْنى الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِ مُصابِهِمْ.

و"السَمُومُ": أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الحَرِّ اليابِسِ الَّذِي لا بَلَلَ مَعَهُ.

و"الحَمِيمُ": الأسْوَدُ وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الشَيْءِ الأسْوَدِ الَّذِي يُظِلُّ أهْلَ النارِ، ما هُوَ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الدُخانُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: هو سُرادِقُ النارِ المُحِيطِ بِأهْلِها، فَإنَّهُ يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم.

وحَكى النَقّاشُ أنَّ "اليَحْمُومَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وقالَهُ ابْنُ كِيسانَ، وقالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ، وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو جَبَلٌ في النارِ أسْوَدٌ يَفْزَعُ أهْلُ النارِ إلى ذُراهُ فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا كَرِيمٍ" قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: لَيْسَ لَهُ صِفَةُ مَدْحٍ في الظِلالِ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ ونَسَبٌ كَرِيمٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ لَهُ صِفاتِ مَدْحٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَصِفَهُ بِعَدَمِ الكَرَمِ عَلى مَعْنى ألّا كَرامَةَ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ في الدُنْيا قَدْ يَصْبِرُ عَلى سُوءِ المَوْضِعِ لِقَرِينَةِ إكْرامٍ يَنالُهُ فِيهِ مِن أحَدٍ، فَجَمَعَ هَذا الظِلَّ في النارِ أنَّهُ سَيِّئُ الصِفَةِ وهم فِيهِ مُهانُونَ.

و"المُتْرَفُ": المُنَعَّمُ في سَرَفٍ وتَخَوُّضٍ، و"يُصِرُّونَ" مَعْناهُ: يَعْتَقِدُونَ اعْتِقادًا لا يَنْوُونَ عنهُ إقْلاعًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ، و"الحِنْثُ": الإثْمُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَن ماتَ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ..."» الحَدِيثُ، أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فَتَتَعَلَّقُ بِهِمُ الآثامُ، وقالَ الخَطابِيُّ: الحِنْثُ في كَلامِ العَرَبِ العَدْلُ الثَقِيلُ، يُشَبِّهُ الإثْمَ بِهِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذا الإثْمِ - فَقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الشِرْكُ، وهَذا هو الظاهِرُ، وقالَ قَوْمٌ - فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ -: هو الحِنْثُ في قَسَمِهِمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ  ﴾ الآيَةُ في التَكْذِيبِ بِالبَعْثِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الكُفْرَ، فالقَوْلُ بِهِ عَلى عُمُومِهِ أولى، وقالَ الشَعْبِيُّ: الحِنْثُ العَظِيمُ: اليَمِينُ الغَمُوسُ.

وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا"وَ"أئِنّا"، ويُخْتَصُّ مِن ذَلِكَ بِهَذا المَوْضِعِ أنَّ ابْنَ عامِرٍ يُخالِفُ فِيهِ أصْلَهُ فَيَقْرَأُ: أيِذا" "أيِنّا" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ فِيهِما عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورَواهُ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ".

والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَبْعُوثُونَ"، تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ؟

ولا يَعْمَلُ فِيهِ ما بَعْدَهُ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "مُتْنا" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُتْنا" بِكَسْرِها وهَذا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: مِتُّ أمُوتُ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِضَمِّها، ولَمْ يُحْكَ مِنها عَنِ العَرَبِ إلّا هَذِهِ اللَفْظَةُ وأُخْرى هي فَضَلَ يُفَضِّلُ.

وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أو آباؤُنا" بِسُكُونِ الواوِ مِن "أو"، ومَعْنى الآيَةِ اسْتِبْعادُ أنْ يُبْعَثُوا هم وآباؤُهم عَلى حَدٍّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَآباؤُنا" بِتَحْرِيكِ الواوِ عَلى أنَّها واوُ العَطْفِ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها شِدَّةُ الِاسْتِبْعادِ فِي الآباءِ، كَأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثُوا ثُمَّ أتَوْا بِذِكْرٍ مِنَ البَعْثِ فِيهِمْ أبْعَدُ، وهَذا بَيِّنٌ لِأهْلِ العِلْمِ بِلِسانِ العَرَبِ.

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّ العالَمَ مَحْشُورٌ مَبْعُوثٌ لِيَوْمٍ مَعْلُومٍ مُوَقَّتٍ.

و"مِيقاتٍ" مِفْعالٍ مِنَ الوَقْتِ، كَمِيعادٍ مِنَ الوَعْدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تعليل لما يلقاه أصحاب الشمال من العذاب، فيتعيّن أن ما تضمنه هذا التعليل كان من أحوال كفرهم وأنه مما له أثر في إلحاق العذاب بهم بقرينة عطف ﴿ وكانوا يصرون على الحنث...

وكانوا يقولون ﴾ الخ عليه.

فأمّا إصرارهم على الحنث وإنكارهم البعث فلا يخفى تسببه في العذاب لأن الله توعدهم عليه فلم يقلعوا عنه، وإنما يبقى النظر في قوله: ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك مترفين ﴾ فإن الترف في العيش ليس جريمة في ذاته وكم من مؤمن عاش في ترف، وليس كل كافر مُترفاً في عيشه، فلا يكون الترف سبباً مستقلاً في تسبب الجزاء الذي عوملوا به.

فتأويل هذا التعليل: إما بأن يكون الإتراف سبباً باعتبار ضميمة ما ذُكر بعده إليه بأن كان إصرارهم على الحنث وتكذيبهم بالبعث جريمتين عظمتين لأنهما محفوفتان بكفر نعمة الترف التي خولهم الله إياها على نحو قوله تعالى: ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ [الواقعة: 82] فيكون الإِتراف جُزءَ سبب وليس سبباً مستقلاً، وفي هذا من معنى قوله تعالى: ﴿ وذَرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً ﴾ [المزمل: 11].

وإما بأن يراد أن الترف في العيش عَلّق قلوبهم بالدنيا واطمأنوا بها فكان ذلك مُملياً على خواطرهم إنكار الحياة الآخرة، فيكون المراد الترف الذي هذا الإِنكار عارض له وشديد الملازمة له، فوزانه وزان قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ﴾ [محمد: 12].

وفسر ﴿ مترفين ﴾ بمعنى متكبرين عن قبول الحقّ.

والمترف: اسم مفعول من أترفه، أي جعله ذا ترفة بضم التاء وسكون الراء، أي نعمة واسعة، وبناؤه للمجهول لعدم الإحاطة بالفاعل الحقيقي للإتراف كشأن الأفعال التي التزم فيها الإسناد المجازي العقلي الذي ليس لمثله حقيقة عقلية، ولا يقدّر بنحو: أترفه الله، لأن العرب لم يكونوا يقدّرون ذلك فهذا من باب: قال قائل، وسأل سائل.

وإنما جعل أهل الشمال مترَفين لأنهم لا يخلو واحد منهم عن ترف ولو في بعض أحواله وأزمانه من نعم الأكل والشرب والنساء والخمر، وكل ذلك جدير بالشكر لواهبه، وهم قد لابسوا ذلك بالإشراك في جميع أحوالهم، أو لأنهم لما قصروا انظارهم على التفكير في العيشة العاجلة صرفهم ذلك عن النظر والاستدلال على صحة ما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا وجه جعل الترف في الدنيا من أسباب جزائهم الجزاء المذكور.

والإِشارة في قوله: ﴿ قبل ذلك ﴾ إلى ﴿ سموم وحميم وظل من يحموم ﴾ [الواقعة: 42، 43] بتأويلها بالمذكور، أي كانوا قبل اليوم وهو ما كانوا عليه في الحياة الدنيا.

والحِنث: الذنب والمعصية وما يتخرج منه، ومنه قولهم: حنث في يمينه، أي أهمل ما حلف عليه فجر لنفسه حرجاً.

ويجوز أن يكون الحنث حنث اليمين فإنهم كانوا يقسمون على أن لا بَعثَ، قال تعالى: ﴿ وأقسَموا بالله جَهدَ أيمانهم لا يبعثُ الله من يموت ﴾ [النحل: 38]، فذلك من الحنث العظيم، وقال تعالى: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليومنن بها ﴾ [الأنعام: 109] وقد جاءتهم آية إعجاز القرآن فلم يؤمنوا به.

والعظيم: القوي في نوعه، أي الذنب الشديد والحنث العظيم هو الإِشراك بالله.

وفي حديث ابن مسعود أنه قال: «قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟

قال: أن تدعو لله نداً وهو خلقك» وقال تعالى: ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13].

ومعنى ﴿ يصرون ﴾ : يثبتون عليه لا يقبلون زحزحة عنه، أي لا يضعون للدعوة إلى النظر في بطلان عقيدة الشرك.

وصيغة المضارع في ﴿ يصرون ﴾ و ﴿ يقولون ﴾ تفيد تكرر الإصرار والقول منهم.

وذكر فعل ﴿ كانوا ﴾ لإِفادة أن ذلك ديدنهم.

والمراد من قوله: ﴿ وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً ﴾ الخ أنهم كانوا يعتقدون استحالة البعث بعد تلك الحالة.

ويناظرون في ذلك بأن القول ذلك يستلزم أنهم يعتقدون استحالة البعث.

والاستفهام إنكاري كناية عن الإحالة والاستبعاد، وتقدم نظير: ﴿ أإذا متنا وكنا تراباً ﴾ الخ في سورة الصافات.

وقرأ الجمهور ﴿ أإذا متنا ﴾ بإثبات الاستفهام الأول والثاني، أي إذا متنا أإنا.

وقرأه نافع والكسائي وأبو جعفر بالاستفهام في ﴿ أإذا متنا ﴾ والإِخبار في ﴿ إنّا لمبعوثون ﴾ .

وقرأ الجمهور: ﴿ أو آباؤنا ﴾ ، بفتح الواو على أنها واو عطف عطفت استفهاماً على استفهام، وقدمت همزة الاستفهام على حرف العطف لصدارة الاستفهام، وأعيد الاستفهام توكيداً للاستبعاد.

والمراد بالقول في قوله: ﴿ وكانوا يقولون ﴾ الخ انهم يعتقدون استجابة مدلول ذلك الاستفهام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما الدُّخانُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

الثّانِي: أنَّها نارٌ سَوْداءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا بارِدَ المَدْخَلِ، ولا كَرِيمَ المَخْرَجِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: لا كَرامَةَ فِيهِ لِأهْلِهِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يُرِيدَ لا طَيِّبَ ولا نافِعَ.

﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُنَعَّمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مُشْرِكِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ وصْفُهم بِالتَّرَفِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: التِهاؤُهم عَنِ الِاعْتِبارِ وشُغْلُهم عَنِ الِازْدِجارِ.

الثّانِي: لِأنَّ عَذابَ المُتْرَفِ أشَدُّ ألَمًا.

﴿ وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: الذَّنْبُ العَظِيمُ الَّذِي لا يَتُوبُونَ مِنهُ، قالَهُ قَتادَةُ، و مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: هو اليَمِينُ الغَمُوسُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يَكُونَ الحَنْثُ العَظِيمُ نَقْضُ العَهْدِ المُحَصَّنِ بِالكُفْرِ.

﴿ فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الأرْضُ الرَّمْلَةُ الَّتِي لا تُرْوى بِالماءِ، وهي هَيامُ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها الإبِلُ الَّتِي يُواصِلُها الهَيامُ وهو داءٌ يُحْدِثُ عَطَشًا فَلا تَزالُ الإبِلُ تَشْرَبُ الماءَ حَتّى تَمُوتَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ المُلَوَّحِ يُقالُ بِهِ داءُ الهَيامِ أصابَهُ وقَدْ عَلِمَتْ نَفْسِي مَكانَ شِفائِيا الثّالِثُ: أنَّ الهِيمَ الإبِلُ الضَّوالُّ لِأنَّها تَهِيمُ في الأرْضِ لا تَجِدُ ماءً فَإذا وجَدَتْهُ فَلا شَيْءَ أعْظَمُ مِنها شُرْبًا.

الرّابِعُ: أنَّ شُرْبَ الهِيمِ هو أنْ تَمُدَّ الشُّرْبَ مَرَّةً واحِدَةً إلى أنْ تَتَنَفَّسَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ، فَوَصَفَ شُرْبَهُمُ الحَمِيمَ بِأنَّهُ كَشُرْبِ الهِيمِ لِأنَّهُ أكْثَرُ شُرْبًا فَكانَ أزْيَدَ عَذابًا.

﴿ هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ ﴾ أيْ طَعامُهم وشَرابُهم يَوْمَ الجَزاءِ، يَعْنِي في جَهَنَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ﴾ قال: ماذا لهم وماذا أعد لهم؟

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وظل من يحموم ﴾ قال: من دخان أسود، وفي لفظ: من دخان جهنم.

وأخرج هناد وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وظل من يحموم ﴾ قال: من دخان جهنم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وظل من يحموم ﴾ قال: من دخان.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ وظل من يحموم ﴾ قال: الدخان.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه قال: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا بارد ولا كريم ﴾ قال: لا بارد المنزل ولا كريم المنظر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك مترفين ﴾ قال: منعمين ﴿ وكانوا يصرون على الحنث العظيم ﴾ قال: على الذنب العظيم.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي رضي الله عنه ﴿ وكانوا يصرون على الحنث العظيم ﴾ قال: هي الكبائر.

وأخرج ابن عدي والشيرازي في الألقاب والحاكم وصححه وابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص وابن عساكر في تاريخه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الواقعة ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ بفتح الشين من شرب.

وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ شرب الهيم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ شرب الهيم ﴾ قال: الإِبل العطاش.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عزوجل: ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ قال: الإِبل يأخذها داء يقال له الهيم، فلا تروى من الماء، فشبه الله تعالى شرب أهل النار من الحميم بمنزلة الإِبل الهيم، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: أجزت إلى معارفها بشعب ** واطلاح من العبديّ هيم وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي مجلز رضي الله عنه ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ قال: كان المراض تمص الماء مصّاً ولا تروى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ قال: الإِبل المراض تمصّ الماء مصّاً ولا تروى.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ قال: ضراب الإِبل دواب لا تروى.

وأخرج سفيان بن عيينة في جامعه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ قال: هيام الأرض يعني الرمال.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: ﴿ الهيم ﴾ الإِبل العطاش.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ شرب الهيم ﴾ قال: الإِبل الهيم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ شرب الهيم ﴾ قال: داء يأخذ فإذا أخذها لم ترو.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ شرب الهيم ﴾ برفع الشين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم ﴾ معنى يصرون يدومون من غير إقلاع والحنث هو الإثم، وقيل: هو الشرك، وقيل: هو الحنث في اليمين أو اليمين الغموس ﴿ أَإِذَا مِتْنَا ﴾ الآية معناها أنهم أنكروا البعث بعد الموت، وقد ذكرنا قراءة الاستفهامين في الرعد، وآباؤنا في الصافات.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزفون ﴾ من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف.

الباقون: بفتح الزاء ﴿ حور عين ﴾ بجرهما: يزيد وعلي وحمزة ﴿ عرباً ﴾ بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل ﴿ أئذا أئنا ﴾ كما في "الرعد" إلا ابن عامر فإنه تابع عاصماً، وإلا يزيد فإنه تابع قالون ﴿ شرب ﴾ بضم الشين: أبو جعفر نافع وعاصم وحمزة وسهل.

الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ﴿ أئنا لمغرمون ﴾ بهمزتين: أبو بكر وحماد.

الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.

﴿ بموقع ﴾ على الوحدة: حمزة وعلي وخلف.

﴿ تكذبون ﴾ بالتخفيف: المفضل ﴿ فروح ﴾ بضم الراء: قتيبة ويعقوب.

الوقوف: ﴿ الواقعة ﴾ ه لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوباً بإضمار "أذكر" أو كان الجواب محذوفاً أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف ﴿ كاذبة ﴾ ه م لئلا يصير ما بعدها صفة ﴿ رافعة ﴾ ه لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلاً من الأول ﴿ رجاً ﴾ ه لا ﴿ بساً ﴾ ه ﴿ منبثاً ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ ه ط لتناهي استفهام التعجب ﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾ ه ط ﴿ السابقون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ السابقون ﴾ تأكيد والجملة بعده خبر ﴿ المقربون ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم ﴿ جنات النعيم ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ موضونة ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ مخلدون ﴾ ه لا ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ ولا ينزفون ﴾ ه لا ﴿ يتخيرون ﴾ ه لا ﴿ يشتهون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع ﴿ المكنون ﴾ ه ج ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ تأثيماً ﴾ ه لا ﴿ سلاماً ﴾ ه ط ﴿ وما أصحاب اليمين ﴾ ه ط ﴿ مخضود ﴾ ه لا ﴿ منضود ﴾ ه لا ﴿ ممدود ﴾ ه لا ﴿ مسكوب ﴾ ه لا ﴿ كثيرة ﴾ ه لا ﴿ ممنوعة ﴾ ه لا ﴿ مرفوعة ﴾ ه ط ﴿ إنشاء ﴾ ه لا ﴿ أبكاراً ﴾ ه لا ﴿ أتراباً ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الشمال ﴾ ه ط ﴿ وحميم ﴾ ه لا ﴿ يحموم ﴾ ه لا ﴿ ولا كريم ﴾ ه ﴿ مترفين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ والآخرين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ المكذبون ﴾ ه لا ﴿ زقوم ﴾ ه لا ﴿ البطون ﴾ ه ج والوقف أجوز ﴿ الحميم ﴾ ه ج ﴿ الهيم ﴾ ه ط ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تصدقون ﴾ ه ﴿ تمنون ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ﴿ بمسبوقين ﴾ ه لا ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ تحرثون ﴾ ه ط ﴿ الزارعون ﴾ ه ﴿ تفكهون ﴾ ه ﴿ لمغرمون ﴾ ه لا ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ المنزلون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تورون ﴾ ه ط ﴿ المنشؤن ﴾ ه ﴿ للمقوين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ النجوم ﴾ ه لا ﴿ عظيم ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ المطهرون ﴾ ه ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ مدهنون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ الحلقوم ﴾ ه لا ﴿ تنظرون ﴾ ه لا ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ مدينين ﴾ ه لا ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه لا ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ الظالين ﴾ ه لا ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ جحيم ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ ألعظيم ﴾ ه.

التفسير: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ نظير قولك حدثت الحادثة "وكانت الكائنة" وهي القيامة التي تقع لا محالة.

يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله.

واللام في ﴿ لوقعتها ﴾ للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس.

ويجوز أن يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير معقول.

وجوز جار الله أن يكون من قولهم "كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم" إذا شجعته على مباشرته.

وقالت له: إنك تطيقه.

فيكون المراد أن القيامة واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور.

وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول.

وقال في الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم "حمل على قرنه فما كذب" أي فما جبن وما تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له.

والحال من هذا التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد ﴿ خافضة رافعة ﴾ أي هي تخفض أقواماً وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال: وما إن طبنا جبن ولكن *** منايات ودولة آخرينا وإما لإن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله ﴿ إذا رجت الأرض ﴾ أي حركت تحريكاً عنيفاً حتى ينهدم كل بناء عليها ﴿ وبست الجبال بساً ﴾ أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها ﴿ فكانت ﴾ أي صارت غباراً متفرقاً.

ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلاً ﴿ وكنتم ﴾ لفظ الماضي لتحقق الوقوع ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً ﴿ ثلاثة ﴾ ثم فصلها فقال ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ وهو تعجب من شأنهم كقولك "زيد ما زيد" سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم "فلان مني باليمين" إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيهم عليها.

روي أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهمفي الشمال ﴿ والسابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة ﴿ هم السابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله "وشعري شعري" يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف ﴿ السابقون ﴾ ﴿ أولئك المقربون ﴾ إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق إشار إلى ذلك ﴿ في جنات النعيم ﴾ إخفاء حالهم وبيان محل إجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا  .

قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به يحصل الأمة المقتدية به.

﴿ وقليل من الآخرين ﴾ أي من هذه الأمة.

قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي  وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ههنا ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ وفيما بعده قال ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعاً من أمة محمد  .

جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله ﴿ وكنتم أزواجاً ﴾ لأمة محمد  والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله { ﴿ والسابقون الأولون  ﴾ والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين.

وأما أصحاب اليمين فيوجدون في كلا القبيلين كثيراً وعلى هذا يكون الترتيب المذكور ساقطاً ولا نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع.

قال الزجاج وهو قول مجاهد والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي  وعاينه وجماعة ممن آمن به وكان بعده.

وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي  قال " " جميع الثلتين من أمتي " " وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فمازال رسول الله  يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد رسول الله  لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد  سابقين فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في قوله "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" إشارة إلى هذا.

وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن يكونوا أكثر لأن فيض الله  المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سبباً لخاتمة نبينا  أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً هذا ما سنح في الوقت والله  أعلم بمراده.

ثم وصف حال المقربين بقوله ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال المفسرون: أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع أي استقروا على السرر ﴿ متكئين ﴾ وقوله ﴿ ولدان مخلدون ﴾ أي غلمان لا يهرمون ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد.

قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط.

وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.

قال جار الله: روي هذا عن علي  .

والحسن قال الحديث "أولاد الكفار خدام أهل الجنة" " والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه.

والباقي مفسر في "الصافات" إلى قوله ﴿ مما يتخيرون ﴾ أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلاً بين يديه على ما اشتهى.

ومن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور.

ومن خفضهما فعلى العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا.

والكاف في قوله ﴿ كأمثال ﴾ للمبالغة في التشبيه.

قوله ﴿ جزاء ﴾ مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل الجزاء.

قوله ﴿ ولا تأثيماً ﴾ أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم.

وانتصب ﴿ سلاماً ﴾ على البدل من ﴿ قليلاً ﴾ أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون يها إلا أن يقولوا سلاماً عقيبه سلام.

ثم عجب من شأن أصحاب اليمين.

والسدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه.

وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور طيب الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل.

وفي الكشاف أن علياً  أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله ﴿ لها طلع نضيد ﴾ فقيل: أو نحولها؟

قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه.

قلت: وفي هذه الرواية نظر لا يخفى.

والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له ساق بارزة ﴿ وظل ممدود ﴾ أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص.

ويحتمل أن يراد أنه دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع إنه ممدود.

والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير أخدود ﴿ لا مقطوعة ﴾ في بعض الأوقات ﴿ ولا ممنوعة ﴾ عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا ﴿ مرفوعة ﴾ أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قاله علي  .

وقيل: هي النساء المرفوعة على الأرائك.

والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله ﴿ إنا أنشأناهن ﴾ وعلى التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلاً عليهن.

ومعنى الإنشاء أنه ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء.

روى الضحاك عن ابن عباس أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم ﴿ أبكاراً عرباً ﴾ جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أتراباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً من غير وجع.

وقوله ﴿ لأصحاب اليمين ﴾ متعلق بأنشأنا وجعلنا.

ثم عجب من أصحاب الشمال.

ومعنى ﴿ في سموم ﴾ في حر نار ينفذ في المسام.

والحميم الماء الكثير الحرارة.

واليحموم الدخان الأسود "يفعول" من الأحم وهو الأسود.

ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه.

قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.

قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة.

ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا العقاب فقال ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك ﴾ أي في الدنيا ﴿ مترفين ﴾ متنعمين متكبرين عن التوحيد والطاعة والإخلاص ﴿ وكانوا يصرون على الحنث ﴾ وهو الذنب الكبير ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الخنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها.

وخص جمع من المفسرين فقالوا.أعني به الشرك.

وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد مر مثله في "الصافات".

واعلم أنه  ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقاً عجيباً وأسلوباً غريباً.

وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين.

أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.

ثم بعدما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلاً من السابقين ومن أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، وكأن في هذا الطي إشارة إلى الحديث القدسي "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى قوله  " "نحن الآخرون السابقون " ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ذكر السابق من حيث هو سابق.

فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله  أعلم بمراده.

ثم أمر نبيه  بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ﴾ أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت ﴿ يوم معلوم ﴾ عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة.

ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ذكر طرفاً من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال ﴿ ثم إنكم أيها الضالون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث ﴿ لآكلون ﴾ أي في السموم المذكور ﴿ من شجر ﴾ هو للابتداء ﴿ من زقوم ﴾ هو للبيان ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ آنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتباراً وذلك أن شرب الماء المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب.

والهيم الإبل التي بها الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه "فعل" كبيض.

وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب.

ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى يضطروا إلى أكل الزقوم.

ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم كالإبل الهيم ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على البدء كان على الإعادة أقدر.

ثم برهن أنه لا خالق إلا هو فقال ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ أي تقذفونه في الأرحام.

يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله ﴿ من نطفة إذا تمنى  ﴾ ﴿ أءنتم تخلقونه ﴾ تقدّرونه وتصورونه.

ووجه الاستدلال أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال عنها جميعاً.

فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنساناً كاملاً يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء منها وإلى هذا أشار بقوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل ﴾ أي نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه أحد.

يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه.

والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق و ﴿ فيما لا تعلمون ﴾ أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا.

وجوز جار الله أن يكون جمع مثل بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات لا تعلمونها.

ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيراً بعد تذكير فقال ﴿ ولقد علمتم ﴾ الآية.

ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته قائلاً ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ من الطعام أي تبذرون حبه ﴿ أءنتم تزرعونه ﴾ أي تجعلونه بحيث يكون نباتاً كاملاً يستحق اسم الزرع.

وفي الكشاف عن رسول الله  " لا يقولن أحد زرعت وليقل حرثت " والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس.

وقوله ﴿ فظلتم ﴾ أصله فظللتم حذفت إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملاً غير مقس عليه.

ومعنى ﴿ تفكهون ﴾ تعجبون كأنه تكلف الفكاهة.

وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه التعب فيه أو على المعاصي التي تكون سبباً لذلك.

من قرأ ﴿ أنا ﴾ بالخبر فواضح ويحسن تقدير القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول أيضاً.

ومعنى ﴿ لمغرمون ﴾ لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة أي لملزمون غرامة ما أنفقنا ﴿ بل نحن ﴾ قوم ﴿ محرومون ﴾ لا حظ لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ الله منهما.

ثم ذكر دليلاً آخر مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة.

والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب "لو" عن إشاعة الثانية وهي ثابتة في المعنى لأن "لو" شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى اللام التوكيدي.

ويمكن أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا خصت آية المطعوم باللام المفيدة للتأكيد.

وإنما ختم الآية بقوله ﴿ فلولا تشكرون ﴾ لأنه وصف الماء بقوله ﴿ الذي تشربون ﴾ ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال ﴿ أءنتم أنزلتموه من المزن ﴾ وهذا لا عمل للآدمي فيه أصلاً بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود الشكر إلى النعمتين جميعاً ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر.

ومعنى ﴿ تورون ﴾ تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر "يس".

وأعلم أنه  بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم.

ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ وفي الثانية ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ وفي الثالثة ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ تتعظون بها ولا تنسون نار جهنم كما روي عن رسول الله  "ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من جهنم " ﴿ ومتاعاً ﴾ وسبب تمتع ومنفعة ﴿ للمقوين ﴾ للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئاً من أيام.

وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه  بدأ بالوعيد الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتاً فقال ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتاً لا ذاتاً ولهذا حذف اللام في قوله ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو كون "لو" بمعنى "أن" وذلك أن الماء باقٍ ههنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهمياً فافهم.

ثم ختم بتذكير النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه.

أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة.

وأما الثاني فلأن عدم ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة.

وفي قوله ﴿ تذكرة ﴾ إشارة إلى ما قلنا.

ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عما يقول الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ فلا أقسم ﴾ أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد التأكيد.

ومواقع النجوم مساقطعها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة ولهذا قال  ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ وعن سفيان الثوري: إن لله  ريحاً تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار.

وقوله ﴿ وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ اعتراض فيه اعتراض.

ومواقعها منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن المرضي من بين جنس الكتب.

أو كرمه نفعه للمكلفين.

أو هو كرامته على الله عز وجل ﴿ في كتاب مكنون ﴾ مستوراً على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ملائكته المقربين وهو اللوح ﴿ لا يمسه ﴾ إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا يصل إلى ما فيه ﴿ إلا ﴾ عبيده ﴿ المطهرون ﴾ من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث.

ومن الناس من حرم قراءة القرآن عند الحدث الأصغر أيضاً.

وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة عندهم.

ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ أي بالقرآن أو بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن ﴿ أنتم مدهنون ﴾ متهاونون من أدهن في الأمر إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه ﴿ وتجعلون رزقكم ﴾ أي شكر رزقكم ﴿ أنكم تكذبون ﴾ بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ إلى قوله ﴿ للمقوين ﴾ وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله عز وجل وتنسبونه إلى النجوم.

ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته.

وترتيب الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير ﴿ فلولا ﴾ التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون  ﴾ ومنها تقديم الظرف وهو قوله ﴿ إذا بلغت الحلقوم ﴾ أي النفس.

وإنما أضمرت للعلم بها كقوله ﴿ ما ترك على ظهرها  ﴾ وإنما قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه.

ومنها زيادة الجمل المعترضة وهي قوله ﴿ وأنتم ﴾ يا أهل الميت ﴿ حينئذ تنظرون ﴾ إليه ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ بالقدرة والعلم أو بملائكة الموت ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ لا بالبصر ولا بالبصيرة.

ومعنى مدينين مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.

ومنها قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم متمنعين عن الموت، والحلقوم الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه "فعلوم" ويمكن أن يقال: إن فعل ﴿ فلولا ﴾ الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم.

فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟

ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياماً معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة.

ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء نوع من القهر والتسخير.

ويحتمل عندي أن يكون الضمير في ﴿ ترجعونها ﴾ عائداً إلى ملائكة الموت بدليل قوله ﴿ ونحن أقرب ﴾ والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا.

وحين بين أن لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلاً ﴿ فأما إن كان ﴾ المتوفى ﴿ من المقربين ﴾ أي من السابقين من الأزواج الثلاثة ﴿ فروح ﴾ أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن ﴿ وريحان ﴾ أي رزق وهذا للبدن ﴿ وجنة نعيم ﴾ وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر.

ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك ﴾ أيها النبي ﴿ من أصحاب اليمين ﴾ أي أنت سالم من شفاعتهم.

هذا قول كثير من المفسرين.

وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله ﴿ وتحيتهم فيها سلام  ﴾ ﴿ إن هذا ﴾ القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لهو حق اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين.

وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى "من" كقولك "خاتم فضة" وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك "حق الحق".

"وصواب الصواب" أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه.

أو المراد هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر.

هذا ما قاله أكثر المفسرين.

وقيل: الإضافة كما في قولنا "جانب الغربي" و "مسجد الجامع" أي حق الأمر اليقين.

ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا "حق النبي أن يصلي عليه" و "حق المال أن تؤدى زكاته" ومنه قوله  " "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " أي إلا بحق هذه الكلمة.

ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله  في شأن الأزواج الثلاثة.

وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عياناً فليس الخبر كالمعاينة، وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحداً.

ولعله لا يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلأ من ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين.

روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه فقال له: ما تشتكي؟

قال: ذنوبي.

قال: ما تشتهي؟

قال:رحمة ربي.

قال: أفلا ندعو الطبيب؟

قال: الطبيب أمرضني.

قال: افلا نأمر بعطائك؟

قال: لا حاجة لي فيه.

قال: تدفعه إلى بناتك.

قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله  يقول "من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبداً"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ ﴾ ، وذكر في أصحاب اليمين مثله من التعجب، وأخبر عما يكرمهم ويعطيهم من أنواع النعم، وذكر أصحاب الشمال، وذكر على إثره ما أعد لهم من العذاب والهوان بقوله: ﴿ سَمُومٍ وَحَمِيمٍ...

﴾ الآية، ثم ذكر في أول السورة أصحاب الميمنة والمشأمة، ولم يذكر لهم الثواب ولا العذاب؛ وذلك - والله أعلم - لأن في ذكر الميمنة والمشأمة دلالة ما لهم؛ لأن الميمنة من اليمن، والمشأمة من الشؤم، ففي ذكر ذلك بيان [ما] لهم من الكرامات، وما لأولئك من العقوبات، وليس في ذكر اليمين والشمال بيان العقاب؛ فذكر على أثر ذلك؛ ليعرف ما لكل فريق من الجزاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ﴾ قيل: السموم: هو قيح جهنم، والحميم: هو الذي قد انتهى حره غايته.

وقيل: السموم: هو حر النار.

وقيل: هو ريح باردة.

وقيل: ريح حارة.

وأصله: أنه لما أصابهم السموم، اشتد بهم العطش، فعند ذلك يشربون الحميم؛ رجاء أن يسكن به عطشهم، ويذهب ذلك عنهم، فلا يزداد لهم بذلك إلا شدة عطش على ما كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ ﴾ قيل: هو دخان أسود.

وقال بعضهم: اليحموم: هو من الحميم.

وقال أبو بكر: أي: ظل من بخار يجعل اليحموم بخارا.

ثم الظل الذي هاهنا يحتمل أن يكون هو الظل الذي ذكر في قوله: ﴿ ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ  ﴾ ، وقوله: لهم ظلل من النار.

وقيل: هو السرادق من النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ ﴾ ﴿ لاَّ بَارِدٍ ﴾ ؛ لأنه من النار ﴿ وَلاَ كَرِيمٍ ﴾ ؛ لأنه لهوانهم ليس للكرامة.

وقال الحسن وقتادة: ﴿ لاَّ بَارِدٍ ﴾ المنزل، ﴿ وَلاَ كَرِيمٍ ﴾ المنظر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾ أي: هذا الجزاء لهم؛ لأنهم كانوا يقولون في الدنيا: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ ، وإنما قال ذلك مترفوهم دون السفلة والأتباع؛ لقوله  : ﴿ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل : ﴿ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ ، أي: على الإثم العظيم، وهو الشرك.

وقيل: الحنث العظيم.

الكبائر، والإصرار: هو الإدامة عليها.

وقال بعضهم: يصرون على أنهم يقسمون ويحنثون فيه؛ كقوله  : ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ  ﴾ أقسموا: أنهم لا يبعثون، فحنثوا في ذلك؛ لأنه  أخبر أنهم يبعثون؛ حيث قال: ﴿ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً  ﴾ .

ويحتمل أن يكون قسمهم ما ذكر: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ ، وقد جاءهم النذير، فلم يكونوا أهدى، وجاءتهم الآيات، فلم يؤمنوا بها؛ فحنثوا فيها، فإن كان قسمهم بأنهم لا يبعثون حنثوا حين فراغهم من اليمين؛ لأنهم أيسوا عن ذلك.

وفيه دلالة لصحة مذهب أصحابنا: أن من حلف: للمس السماء، أنه يحنث عند فراغه من اليمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا ﴾ قالوا هذا على الاستهزاء والاستبعاد للبعث؛ ألا ترى أنه أجابهم، فقال: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: يجمع الأولين والآخرين في التخليق؛ أي: جمع بين الأولين والآخرين في التخليق؛ حيث خلق الآخرين على إثر الأولين، وإلا لم يكونوا وقتما قال: ﴿ لَمَجْمُوعُونَ ﴾ ؛ إذ الآخرون لم يكونوا مخلوقين بعد.

والثاني: مجموعون في الأرض، أي: في القبور ﴿ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ ﴾ بآيات الله الدالة على توحيده، ورسله، والبعث.

وقوله: ﴿ لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ ﴾ ، أخبر أن المكذبين يكونون آكلين من شجر الزقوم؛ فيكون كما أخبر.

ثم شجرة الزقوم: هي التي ذكر ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ  طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ  ﴾ ، وقد ذكرنا تأويله في موضعه.

وقوله: ﴿ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ﴾ يخبر أن ليس لهم مما يأكلون ويشربون إلا امتلاء البطون، لا يدفع عنهم ما يأكلون من الزقوم وغيره الجوع، ولا ما يشربون من الحميم العطش عنهم، بل يزداد لهم بذلك جوع وعطش على ما كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ ﴾ قيل: الهيم: هو إبل يأخذه الداء، فيشرب حتى يملأ البطن، فلا يروى أبدا؛ للداء الذي فيه؛ فعلى ذلك أهل النار يشربون ويأكلون حتى تمتلئ بطونهم، فلا يروون ولا يشبعون، والله أعلم.

وقيل: الهيم: الإبل الذي يهيم في الأرض ولا يرد الماء أياما، ثم إذا ورد الماء فيشرب، فتمتلئ بطنه حتى يهلك؛ لامتلاء البطن؛ وهو قول الأصم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: الذي ذكر غذاؤهم ورزقهم يوم الدين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكانوا ينكرون البعث فيقولون استهزاءً واستبعادًا له: أإذا متنا وصرنا ترابًا وعظامًا نَخِرة أنبعث بعد ذلك؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.ExGdo"

مزيد من التفاسير لسورة الواقعة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله