الإسلام > القرآن > سور > سورة 56 الواقعة > الآية ٦٢ من سورة الواقعة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 73 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٢ من سورة الواقعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ) أي : قد علمتم أن الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا ، فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة - وهي البداءة - قادر على النشأة الأخرى ، وهي الإعادة بطريق الأولى والأحرى ، وكما قال : ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) [ الروم : 27 ] ، وقال : ( أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ) [ مريم : 67 ] ، وقال : ( أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) [ يس : 77 - 79 ] ، وقال تعالى : ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) ؟
[ القيامة : 36 - 40 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (62) يقول تعالى ذكره: ولقد علمتم أيها الناس الإحداثة الأولى التي أحدثناكموها، ولم تكونوا من قبل ذلك شيئًا.
وبنحو الذين قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (النَّشْأَةَ الأولَى ) قال: إذ لم تكونوا شيئًا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولَى ) يعني خلق آدم لستَ سائلا أحدًا من الخلق إلا أنبأك أن الله خلق آدم من طين.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولَى ) قال: هو خلق آدم.
حدثني محمد بن موسى الحرسي، قال: ثنا جعفر بن سليمان، قال: سمعت أبا عمران الجوني يقرأ هذه الآية (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولَى ) قال: هو خلق آدم.
وقوله: (فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ ) يقول تعالى ذكره: فهلا تذكرون أيها الناس، فتعلموا أن الذي أنشأكم النشأة الأولى، ولم تكونوا شيئا، لا يتعذّر عليه أن يعيدكم من بعد مماتكم وفنائكم أحياء.
قوله تعالى : ولقد علمتم النشأة الأولى أي : إذ خلقتم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ولم تكونوا شيئا ، عن مجاهد وغيره .
قتادة والضحاك : يعني خلق آدم عليه السلام .[ ص: 197 ] فلولا تذكرون أي : فهلا تذكرون .
وفي الخبر : عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى ، وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة وهو لا يسعى لدار القرار .
وقراءة العامة النشأة بالقصر .
وقرأ مجاهد والحسن وابن كثير وأبو عمرو : " النشاءة " بالمد ، وقد مضى في ( العنكبوت ) بيانه .
أحالهم الله تعالى على الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، فقال: { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ } أن القادر على ابتداء خلقكم، قادر على إعادتكم.
( ولقد علمتم النشأة الأولى ) الخلقة الأولى ولم تكونوا شيئا .( فلولا تذكرون ) أني قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم .
«ولقد علمتم النّشاءَةَ الأولى» وفي قراءة بسكون الشين «فلولا تذكرون» فيه إدغام التاء الثانية في الأصل في الذال.
ولقد علمتم أن الله أنشأكم النشأة الأولى ولم تكونوا شيئًا، فهلا تذكَّرون قدرة الله على إنشائكم مرة أخرى.
ثم لفت - سبحانه - أنظارهم إلى ما يعلمونه من حالهم فقال : ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ ) .أى : والله لقد علمتم النشأة الأولى من خلقكم ، حيث أوجدناكم من نطفة فعلقة فمضغة .
.
فهلا تذكرتم ذلك وعقلتموه ، وعرفتم أن من قدر على خلقكم ولم تكونوا شيئا مذكورا .
.
.
قادر على إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى؟فالمقصود بهذه الآيات الكريمة إقامة الأدلة الساطعة ، على إمكانية البعث وعلى أن من قدر على خلق الإنسان مع العدم قادر على إعادته .قال القرطبى : وفى الخبر : عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الأخرى ، وهو يرى النشأة الأولى .
وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة ، وهو لا يسعى لدار القرار .
وفيه مسائل.
المسألة الأولى: في الترتيب فيه وجهان: أحدهما: أنه تقرير لما سبق وهو كقوله تعالى: ﴿ الذى خَلَقَ الموت والحياة ﴾ فقال: ﴿ نَحْنُ خلقناكم ﴾ ثم قال: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت ﴾ فمن قدر على الإحياء والإماتة وهما ضدان ثبت كونه مختاراً فيمكن الإحياء ثانياً منه بعد الإماتة بخلاف ما لو كان الإحياء منه ولم يكن له قدرة على الإماتة فيظن به أنه موجب لا مختار، والموجب لا يقدر على كل شيء ممكن فقال: نحن خلقناكم وقدرنا الموت بينكم فانظروا فيه واعلموا أنا قادرون أن ننشئكم، ثانيهما: أنه جواب عن قول مبطل يقول: إن لم تكن الحياة والموت بأمور طبيعية في الأجسام من حرارات ورطوبات إذا توفرت بقيت حية، وإذا نقصت وفنيت ماتت لم يقع الموت وكيف يليق بالحكيم أن يخلق شيئاً يتقن خلقه ويحسن صورته ثم يفسده ويعدمه ثم يعيده وينشئه، فقال تعالى: نحن قدرنا الموت، ولا يرد قولكم: لماذا أعدم ولماذا أنشأ، ولماذا هدم، لأن كمال القدرة يقتضي ذلك وإنما يقبح من الصائغ والباني صياغة شيء وبناؤه وكسره وإفناؤه لأنه يحتاج إلى صرف زمان إليه وتحمل مشقة وما مثله إلا مثل إنسان ينظر إلى شيء فيقطع نظره عنه طرفة عين، ثم يعاوده ولا يقال له: لم قطعت النظر ولم نظرت إليه، ولله المثل الأعلى من هذا، لأن هنا لابد من حركة وزمان ولو توارد على الإنسان أمثاله لتعب لكن في المرة الواحدة لا يثبت التعب والله تعالى منزه عن التعب ولا افتقار لفعله إلى زمان ولا زمان لفعله ولا إلى حركة بجرم، وفيه وجه آخر ألطف منها، وهو أن قوله تعالى: ﴿ أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ ﴾ معناه أفرأيتم ذلك ميتاً لا حياة فيه وهو مني، ولو تفكرتم فيه لعلمتم أنه كان قبل ذلك حياً متصلاً بحي وكان أجزاء مدركة متألمة متلذذة ثم إذا أمنيتموه لا تستريبون في كونه ميتاً كالجمادات، ثم إن الله تعالى يخلقه آدمياً ويجعله بشراً سوياً فالنطفة كانت قبل الانفصال حية، ثم صارت ميتة ثم أحياها الله تعالى مرة أخرى فاعلموا أنما إذا خلقناكم أولاً ثم قدرنا بينكم الموت ثانياً ثم ننشئكم مرة أخرى فلا تستبعدوا ذلك كما في النطف.
المسألة الثانية: ما الفرق بين هذا الموضع وبين أول سورة تبارك حيث قال هناك: ﴿ خَلَقَ الموت والحياة ﴾ بتقديم ذكر الموت؟
نقول: الكلام هنا على الترتيب الأصلي كما قال تعالى في مواضع منها قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ ﴾ ثم قال بعد ذلك: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيّتُونَ ﴾ وأما في سورة الملك فنذكر إن شاء الله تعالى فائدتها ومرجعها إلى ما ذكرنا أنه قال: خلق الموت في النطف بعد كونها حية عند الاتصال ثم خلق الحياة فيها بعد الموت وهو دليل الحشر، وقيل: المراد من الموت هنا الموت الذي بعد الحياة، والمراد هناك الذي قبل الحياة.
المسألة الثالثة: قال هاهنا: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا ﴾ وقال في سورة الملك: ﴿ خَلَقَ الموت والحياة ﴾ فذكر الموت والحياة بلفظ الخلق، وهاهنا قال: ﴿ خلقناكم ﴾ وقال: ﴿ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت ﴾ فنقول: كان المراد هناك بيان كون الموت والحياة مخلوقين مطلقاً لا في الناس على الخصوص، وهنا لما قال: ﴿ خلقناكم ﴾ خصصهم بالذكر فصار كأنه قال: خلقنا حياتكم، فلو قال: نحن قدرنا موتكم، كان ينبغي أنه يوجد موتهم في الحال ولم يكن كذلك، ولهذا قال: ﴿ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ﴾ وأما هناك فالموت والحياة كانا مخلوقين في محلين ولم يكن ذلك بالنسبة إلى بعض مخصوص.
المسألة الرابعة: هل في قوله تعالى: ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ بدلاً عن غيره من الألفاظ فائدة؟
نقول: نعم فائدة جليلة، وهي تبين بالنظر إلى الألفاظ التي تقوم مقامها فنقول: قدرنا لكم الموت، وقدرنا فيكم الموت، فقوله: قدرنا فيكم يفيد معنى الخلق لأن تقدير الشيء في الشيء يستدعي كونه ظرفاً له إما ظرف حصول فيه أو ظرف حلول فيه كما يقال: البياض في الجسم والكحل في العين، فلو قال: قدرنا فيكم الموت لكان مخلوقاً فينا وليس كذلك، وإن قلنا: قدرنا لكم الموت كان ذلك ينبئ عن تأخره عن الناس فإن القائل إذا قال: هذا معد لك كان معناه أنه اليوم لغيرك وغداً لك، كما قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس ﴾ .
المسألة الخامسة: قوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ المشهور أن المراد منه: وما نحن بمغلوبين عاجزين عن خلق أمثالكم وإعادتكم بعد تفرق أوصالكم، يقال: فاته الشيء إذا غلبه ولم يقدر عليه ومثله سبقه وعلى هذا نعيد ما ذكرناه من الترتيب، ونقول: إذا كان قوله: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ﴾ لبيان أنه خلق الحياة وقدر الموت، وهما ضدان وخالق الضدين يكون قادراً مختاراً فقال: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ عاجزين عن الشيء بخلاف الموجب الذي لا يمكنه من إيقاع كل واحد من الضدين فيسبقه ويفوته، فإن النار لا يمكنها التبريد لأن طبيعتها موجبة للتسخين، وأما إن قلنا بأنه ذكره رداً عليهم حيث قالوا: لو لم يكن الموت من فناء الرطوبات الأصلية وانطفاء الحرارة الغريزية وكان بخلق حكيم مختار ما كان يجوز وقوعه لأن الحكيم كيف يبني ويهدم ويوجد ويعدم فقال: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ أي عاجزين بوجه من الوجوه التي يستبعدونها من البناء والصائغ فإنه يفتقر في الإيجاد إلى زمان ومكان وتمكين من المفعول وإمكان ويلحقه تعب من تحريك وإسكان والله تعالى يخلق بكن فيكون، فهو فوق ما ذكرنا من المثل من قطع النظر وإعادته في أسرع حين حيث لا يصح من القائل أن يقول: لم قطعت النظر في ذلك الزمان اللطيف الذي لا يدرك ولا يحس بل ربما يكون مدعى القدرة التامة على الشيء في الزمان اليسير بالحركة السريعة يأتي بشيء ثم يبطله ثم يأتي بمثله ثم يبطله يدلك عليه فعل أصحاب خفة اليد، حيث يوهم أنه يفعل شيئاً ثم يبطله، ثم يأتي بمثله إراءة من نفسه القدرة، وعلى هذا فنقول قوله في سورة تبارك: ﴿ خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ معناه أمات وأحيا لتعلموا أنه فاعل مختار، فتعبدونه وتعتقدون الثواب والعقاب فيحسن عملكم ولو اعتقدتموه موجباً لما عملتم شيئاً على هذا التفسير المشهور، والظاهر أن المراد من قوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ حقيقته وهي أنا ما سبقنا وهو يحتمل شيئين أحدهما: أن يكون معناه أنه هو الأول لم يكن قبله شيء وثانيهما: في خلق الناس وتقدير الموت فيهم ما سبق وهو على طريقة منع آخر وفيه فائدتان أما إذا قلنا: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ معناه ما سبقنا شيء فهو إشارة إلى أنكم من أي وجه تسلكون طريق النظر تنتهون إلى الله وتقفون عنده ولا تجاوزونه، فإنكم إن كنتم تقولون: قبل النطفة أب وقبل الأب نطفة فالعقل يحكم بانتهاء النطف والآباء إلى خالق غير مخلوق، وأنا ذلك فإني لست بمسبوق وليس هناك خالق ولا سابق غيري، وهذا يكون على طريقة التدرج والنزول من مقام إلى مقام، والعاقل الذي هداه الله تعالى الهداية القوية يعرف أولاً والذي دونه يعرف بعد ذلك برتبة، والمعاند لابد من أن يعرف إن عاد إلى عقله بعد المراتب، ويقول: لابد للكل من إله، وهو ليس بمسبوق فيما فعله، فمعناه أنه فعل ما فعل، ولم يكن لمفعوله مثال، وأما إن قلنا: إنه ليس بمسبوق، وأي حاجة في إعادته له بمثال هو أهون فيكون كقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ ويؤيده قوله تعالى: ﴿ على أَن نُّبَدّلَ أمثالكم وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ فإن قيل: هذا لا يصح، لأن مثل هذا ورد في سؤال سائل، والمراد ما ذكرنا كأنه قال: وإنا لقادرون على أن نبدل أمثالكم وما نحن بمسبوقين، أي لسنا بعاجزين مغلوبين فهذا دليلنا، وذلك لأن قوله تعالى: ﴿ إِنَّا لقادرون ﴾ أفاد فائدة انتفاء العجز عنه، فلابد من أن يكون لقوله تعالى: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ فائدة ظاهرة، ثم قال تعالى: ﴿ على أَن نُّبَدّلَ أمثالكم ﴾ في الوجه المشهور، قوله تعالى: ﴿ على أَن نُّبَدّلَ ﴾ يتعلق بقوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ أي على التبديل، ومعناه وما نحن عاجزين عن التبديل.
والتحقيق في هذا الوجه أن من سبقه الشيء كأنه غلبه فعجز عنه، وكلمة على في هذا الوجه مأخوذة من استعمال لفظ المسابقة فإنه يكون على شيء، فإن من سبق غيره على أمر فهو الغالب، وعلى الوجه الآخر يتعلق بقوله تعالى: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا ﴾ وتقديره: نحن قدرنا بينكم على وجه التبديل لا على وجه قطع النسل من أول الأمر، كما يقول القائل: خرج فلان على أن يرجع عاجلاً، أي على هذا الوجه خرج، وتعلق كلمة على هذا الوجه أظهر، فإن قيل: على ما ذهب إليه المفسرون لا إشكال في تبديل أمثالكم، أي أشكالكم وأوصافكم، ويكون الأمثال جمع مثل، ويكون معناه وما نحن بعاجزين على أن نمسخكم، ونجعلكم في صورة قردة وخنازير، فيكون كقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ نَشَاء لمسخناهم على مكانتهم ﴾ وعلى ما قلت في تفسير المسبوقين، وجعلت المتعلق لقوله: ﴿ على أَن نُّبَدّلَ أمثالكم ﴾ هو قوله: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا ﴾ فيكون قوله: ﴿ نُّبَدّلَ أمثالكم ﴾ معناه على أن نبدل أمثالهم لا على عملهم، نقول: هذا إيراد وارد على المفسرين بأسرهم إذا فسروا الأمثال بجمع المثل، وهو الظاهر كما في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أمثالهم تَبْدِيلاً ﴾ فإن قوله: ﴿ إِذَا ﴾ دليل الوقوع، وتغير أوصافهم بالمسخ ليس أمراً يقع والجواب أن يقال: الأمثال إما أن يكون جمع مثل، وإما جمع مثل، فإن كان جمع مثل فنقول معناه قدرنا بينكم الموت على هذا الوجه، وهو أن نغير أوصافكم فتكونوا أطفالاً، ثم شباناً، ثم كهولاً، ثم شيوخاً، ثم يدرككم الأجل، وما قدرنا بينكم الموت على أن نهلككم دفعة واحدة إلا إذا جاء وقت ذلك فتهلكون بنفخة واحدة وإن قلنا: هو جمع مثل فنقول معنى: ﴿ نُّبَدّلَ أمثالكم ﴾ نجعل أمثالكم بدلاً وبدله بمعنى جعله بدلاً، ولم يحسن أن يقال: بدلناكم على هذا الوجه، لأنه يفيد أنا جعلنا بدلاً فلا يدل على وقوع الفناه عليهم، غاية ما في الباب أن قول القائل: جعلت كذا بدلاً لا تتم فائدته إلا إذا قال: جعلته بدلاً عن كذا لكنه تعالى لما قال: ﴿ نُّبَدّلَ أمثالكم ﴾ فالمثل يدل على المثل، فكأنه قال: جعلنا أمثالكم بدلاً لكم، ومعناه على ما ذكرنا أنه لم نقدر الموت على أن نفني الخلق دفعة بل قدرناه على أن نجعل مثلهم بدلهم مدة طويلة ثم نهلكهم جميعاً ثم ننشئهم، وقوله تعالى: ﴿ فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ على الوجه المشهور في التفسير أنه فيما لا تعلمون من الأوصاف والأخلاق، والظاهر أن المراد: ﴿ فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ من الأوصاف والزمان، فإن أحداً لا يدري أنه متى يموت ومتى ينشأ أو كأنهم قالوا: ومتى الساعة والإنشاء؟
فقال: لا علم لكم بهما، هذا إذا قلنا: إن المراد ما ذكر فيه على الوجه المشهور وفيه لطيفة: وهي أن قوله: ﴿ فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ تقرير لقوله: ﴿ أأنتم تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون ﴾ وكأنه قال: كيف يمكن أن تقولوا هذا وأنتم تنشأون في بطون أمهاتكم على أوصاف لا تعلمون وكيف يكون خالق الشيء غير عالم به؟
وهو كقوله تعالى: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أمهاتكم ﴾ وعلى ما ذكرنا فيه فائدة وهي التحريض على العمل الصالح، لأن التبديل والإنشاء وهو الموت والحشر إذا كان واقعاً في زمان لا يعلمه أحد فينبغي أن لا يتكل الإنسان على طول المدة ولا يغفل عن إعداد العدة، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى ﴾ تقريراً لإمكان النشأة الثانية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ ﴾ تحضيض على التصديق: إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدّقين به، إلا أنهم لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق، فكأنهم مكذبون به.
وإما بالبعث؛ لأنّ من خلق أولاً لم يمتنع عليه أن يخلق ثانياً ﴿ ما تمنون ﴾ ما تمنونه، أي: تقذفونه في الأرحام من النطف وقرأ أبو السّمّال بفتح التاء يقال: أمنى النطفة ومناها.
قال الله تعالى: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى ﴾ [النجم: 46] .
﴿ تَخْلُقُونَهُ ﴾ تقدرونه تصوّرونه ﴿ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت ﴾ تقديراً وقسمناه عليكم قسمة الرزق على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا، فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط.
وقرئ: ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف.
سبقته على الشيء: إذا أعجزته عنه وغلبته عليه ولم تمكنه منه، فمعنى قوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أَن نُّبَدِّلَ أمثالكم ﴾ أنا قادرون على ذلك لا تغلبوننا عليه، وأمثالكم جمع مثل: أي على أن نبدل منكم ومكانكم أشباهكم من الخلق، وعلى أن (ننشأكم) في خلق لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يعني: أنا نقدر على الأمرين جميعاً: على خلق ما يماثلكم، وما لا يماثلكم؛ فكيف نعجز عن إعادتكم.
ويجوز أن يكون ﴿ أمثالكم ﴾ جمع مثل، أي: على أن نبدّل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها في خلقكم وأخلاقكم، وننشئكم في صفات لا تعلمونها.
قرئ: ﴿ النشأة ﴾ والنشاءة.
وفي هذا دليل على صحة القياس حيث جهَّلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ ﴾ قَسَّمْناهُ عَلَيْكم وأقَّتْنا مَوْتَ كُلٍّ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَخْفِيفِ الدّالِ.
﴿ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ لا يَسْبِقُنا أحَدٌ فَيَهْرُبُ مِنَ المَوْتِ أوْ يُغَيِّرُ وقْتَهُ، أوْ لا يَغْلِبُنا أحَدٌ مِن سَبَقْتُهُ عَلى كَذا إذا غَلَبْتَهُ عَلَيْهِ.
﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ ﴾ عَلى الأوَّلِ حالٌ أوْ عِلَّةٌ لِ قَدَّرْنا وعَلى بِمَعْنى اللّامِ، وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ اعْتِراضٌ وعَلى الثّانِي صِلَةٌ، والمَعْنى عَلى أنْ نُبَدِّلَ مِنكم أشْباهَكم فَنَخْلُقُ بَدَلَكُمْ، أوْ نُبَدِّلَ صِفاتِكم عَلى أنَّ أمْثالَكم جَمْعُ مَثَلٍ بِمَعْنى صِفَةٍ.
﴿ وَنُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ في خَلْقٍ أوْ صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها.
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ ﴾ أنَّ مَن قَدَرَ عَلَيْها قَدَرَ عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى فَإنَّها أقَلُّ صُنْعًا لِحُصُولِ المَوادِّ وتَخْصِيصِ الأجْزاءِ وسَبَقَ المِثالُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ القِياسِ.
<div class="verse-tafsir"
{ولقد علمتم النشأة الأولى} النشأ مكي وأبو عمرو {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} أن من قدر على شيء مرة لم يمتنع عليه ثانياً وفيه دليل صحة القياس حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى
﴿ ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى ﴾ مِن خَلْقِكم مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ وقالَ قَتادَةُ: هي فِطْرَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التُّرابِ ولا يُنْكِرُها أحَدٌ مِن ولَدِهِ ﴿ فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ ﴾ فَهَلّا تَتَذَكَّرُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلَيْها فَهو عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى أقْدَرُ وأقْدَرُ فَإنَّها أقَلُّ صُنْعًا لِحُصُولِ المَوادِّ وتَخْصِيصِ الأجْزاءِ وسَبْقِ المِثالِ، وهَذا - عَلى ما قالُوا - دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ القِياسِ لَكِنْ قِيلَ: لا يَدُلُّ إلّا عَلى قِياسِ الأوْلى لِأنَّهُ الَّذِي في الآيَةِ، وفي الخَبَرِ عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُكَذِّبِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ وهو يَرى النَّشْأةَ الأُولى، وعَجَبًا لِلْمُصَدِّقِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ تَذْكُرُونَ بِالتَّخْفِيفِ وضَمِّ الكافِ <div class="verse-tafsir"
ثم قال: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ يعني: خلقناكم، ولم تكونوا شيئاً، وأنتم تعلمون فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ يعني: أفلا تصدقون بالبعث وبالرسل.
ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا فقال: أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ يعني: ما خرج منكم من النطفة، ويقع في الأرحام أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ يعني: منه بشراً في بطون النساء ذكراً أو أنثى أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ يعني: بل نحن نخلقه نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ يعني: نحن قسمنا بينكم الآجال، فمنكم من يموت صغيراً، ومنكم من يموت شاباً، ومنكم من يموت شيخاً.
قرأ ابن كثير: نَحْنُ قَدَّرْنا بالتخفيف وقرأ الباقون: قَدَّرْنا بالتشديد، ومعناهما واحد لأن التشديد للتكثير.
ثم قال: وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ يعني: وما نحن بعاجزين إن أردنا أن نأتي بخلق مثلكم، وأمثل منكم، وأطوع لله تعالى: وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ يعني: ونخلقكم سوى خلقكم من الصور فيما لا تعلمون من الصور، مثل القردة، والخنازير.
ويقال: وما نحن بعاجزين على أن نرد أرواحكم إلى أجسامكم بعد الموت.
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى يعني: علمتم ابتداء خلقكم إذا خلقناكم في بطون أمهاتكم، ثم أنكرتم البعث فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ يعني: فهل لا تتعظون، وتعتبرون بالخلق الأول، أنه قادر على أن يبعثكم كما خلقكم أول مرة، ولم تكونوا شيئاً.
ثم قال: أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تَحْرُثُونَ يعني: فهل لا تعتبرون بالزرع الذي تزرعونه في الأرض أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ يعني: تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ يعني: أم نحن المنبتون.
يعني: بل الله تعالى أنبته لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً يعني: يابساً، هالكاً، بعد ما بلغ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ يعني: فصرتم تندمون.
ويقال: يعني: تتعجبون من يبسه بعد خضرته إِنَّا لَمُغْرَمُونَ يعني: معذبون بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ يعني: حرمنا منفعة زرعنا.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بهمزتين على الاستفهام وقرأ الباقون: بهمزة واحدة على معنى الخبر.
ثم قال: أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ يعني: من السماء أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ يعني: بل نحن المنزلون عليكم لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً يعني: مرّاً، مالحاً، لا تقدرون على شربه فَلَوْلا تَشْكُرُونَ يعني: هلا تشكرون رب هذه النعمة، وتوحدونه حين سقاكم ماء عذباً.
ثم قال عز وجل: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ يعني: تقدحون، والعرب تقدح بالزند والزند خشبة يحك بعضه على بعض، فيخرج منه النار أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها يعني: خلقتم شجرها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ يعني: الخالقون.
يعني: الله أنشأها، وخلقها لمنفعة الخلق، نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً يعني: النار موعظة وعبرة في الدنيا من نار جهنم.
وقال مجاهد: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً يعني: النار الصغرى للنار الكبرى وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ يعني: منفعة لمن كان ساخراً.
وقال قتادة: المقوي الذي قد فني زاده.
وقال الزجاج: المقوي الذي قد نزل بالقوى، وهي الأرض الخالية.
<div class="verse-tafsir"
أَنْ يكون بمعنى: سَوَّيْنَا، قال الثعلبيُّ عنِ الضحاك «١» : أي: سَوَّيْنَا بين أهل السماء وأهل الأرض.
وقوله: وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ أي: على تبديلكم إنْ أردناه، وأَنْ نُنْشِئَكُمْ بأوصاف لا يصلها علمُكُم، ولا يُحيطُ بها فكركم، قال الحسن «٢» : من كونهم قردةً وخنازيرَ لأَنَّ الآية تنحو إلى الوعيد، والنَّشْأَةَ الْأُولى: قال أكثر المفسرين: إشارة إلى خلق آدم، وقيل: المراد: نشأة الإنسان في طفولته، وهذه الآية نَصٌّ في استعمال القياس والحَضِّ عليه، وعبارة الثعلبي: ويقال: النَّشْأَةَ الْأُولى نطفة، ثم عَلَقَةٌ، ثم مُضْغَةٌ، ولم يكونوا شيئاً فَلَوْلا أي: فهلا تذكرون أَنِّي قادر على إعادتكم كما قَدَرْتُ على إبدائكم، وفيه دليل على صِحَّةِ القياس لأَنَّهُ عَلَّمَهُمْ سبحانه الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، انتهى.
أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣)
وقوله سبحانه: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أي: زرعاً يتم أَمْ نَحْنُ: وروى أبو هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «لاَ تَقُلْ: زَرَعْتُ، وَلَكِنْ قُلْ حَرَثْتُ، ثُمَّ تَلاَ أَبُو هُرَيْرَةَ هَذِهِ الآية» «٣» والحطام: اليابس المُتَفَتِّتُ من النبات الصائر إلى ذهاب، وبه شبّه حطام الدنيا/ وتَفَكَّهُونَ قال ابن عباس وغيره «٤» : معناه تعجبون، أي: ممّا نزل بكم، وقال ابن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ ﴾ أيْ: أوَجَدْناكم ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، وأنْتُمْ تُقِرُّونَ بِهَذا "فَلَوْلا" أيْ: فَهَلّا "تُصَدِّقُونَ" بِالبَعْثِ؟!
ثُمَّ احْتَجَّ عَلى بَعْثِهِمْ بِالقُدْرَةِ عَلى ابْتِدائِهِمْ فَقالَ: ﴿ أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ما يَكُونُ مِنكم مِنَ المَنِيِّ، يُقالُ: أمْنى الرَّجُلُ يُمْنِي، ومَنى يَمْنِي، فَيَجُوزُ عَلى هَذا "تَمْنُونَ" بِفَتْحِ التّاءِ إنْ ثَبَتَتْ بِهِ رِوايَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ ﴾ أيْ: تَخْلُقُونَ ما تُمْنُونَ بَشَرًا؟!
وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى شَيْئَيْنِ.
أحَدُهُما: الِامْتِنانُ، إذْ خَلَقَ مِنَ الماءِ المَهِينِ بَشَرًا سَوِيًّا.
والثّانِي: أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ ما شاهَدْتُمُوهُ مِن أصْلِ وُجُودِكم كانَ أقْدَرَ عَلى خَلْقِ ما غابَ عَنْكم مِن إعادَتِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدّالِ.
وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: قَضَيْنا عَلَيْكم بِالمَوْتِ.
والثّانِي: سَوَّيْنا بَيْنَكم في المَوْتِ "وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ" قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنْ أرَدْنا أنْ نَخْلُقَ خَلْقًا غَيْرَكم لَمْ يَسْبِقْنا سابِقٌ، ولا يَفُوتُنا ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَسْنا مَغْلُوبِينَ عَلى أنْ نَسْتَبْدِلَ بِكم أمْثالَكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: نُبَدِّلُ صِفاتِكم ونَجْعَلُكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ كَما فَعَلْنا بِمَن كانَ قَبْلَكُمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: نُنْشِئُكم في حَواصِلِ طَيْرٍ سُودٍ تَكُونُ بِـ "بَرْهُوتَ" كَأنَّها الخَطاطِيفُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.
والثّالِثُ: نَخْلُقُكم في أيِّ خَلْقٍ شِئْنا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: نَخْلُقُكم في سِوى خَلْقِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قالَ مُقاتِلٌ: نَخْلُقُكم سِوى خَلْقِكم في ما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الصُّوَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى ﴾ وهي ابْتِداءٌ خَلَقَكم مِن نُطْفَةٍ وعَلَقَةٍ ﴿ فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ فَهَلّا تَعْتَبِرُونَ فَتَعْلَمُوا قُدْرَة اللَّهِ فَتُقِرُّوا بِالبَعْثِ <div class="verse-tafsir"
وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ ﴾ ﴿ لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ ﴾ ﴿ فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ ﴾ ﴿ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ ﴾ ﴿ فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ ﴾ ﴿ هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ ﴾ ﴿ نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ ﴾ ﴿ أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ ﴾ ﴿ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ ﴾ ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ.
و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ: الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ.
وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ.
و"الدِينُ": الجَزاءُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟
فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟
الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟
وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ.
وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ : « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"».
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ.
ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
أعقب دليل إمكان البعث المستند للتنبيه على صلاحية القدرة الإِلهية لذلك ولسد منافذ الشبهة بدليل من قياس التمثيل، وهو تشبيه النشأة الثانية بالنشأة الأولى المعلومة عندهم بالضرورة، فنبهوا ليقيسوا عليها النشأة الثانية في أنها إنشاء من أثر قدرة الله وعلمه، وفي أنهم لا يحيطون علماً بدقائق حصولها.
فالعلم المنفي في قوله: ﴿ فيما لا تعلمون ﴾ [الواقعة: 61]، هو العلم التفصيلي، والعلم المثبت في قوله: ﴿ ولقد علمتم النشأة الأولى ﴾ هو العلم الإجمالي، والإجمالي كاففٍ في الدلالة على التفصيلي إذ لا أثر للتفصيل في الاعتقاد.
وفي المقابلة بين قوله: ﴿ في ما لا تعلمون ﴾ [الواقعة: 61] بقوله: ﴿ ولقد علمتم ﴾ محسّن الطباق.
ولما كان علمهم بالنشأة الأولى كافياً لهم في إبطال إحالتهم النشأة الثانية رتب عليه من التوبيخ ما لم يرتب مثله على قوله: ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ﴾ [الواقعة: 60، 61] فقال: ﴿ فلولا تذكرون ﴾ ، أي هلا تذكرتم بذلك فأمسكتم عن الجحد، وهذا تجهيل لهم في تركهم قياس الأشباه على أشباهها، ومثله قوله آنفاً: ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ [الواقعة: 57].
وجيء بالمضارع في قوله: ﴿ تذكرون ﴾ للتنبيه على أن باب التذكر مفتوح فإن فاتهم التذكر فيما مضى فليتداركوه الآن.
وقرأ الجمهور ﴿ النشأة ﴾ بسكون الشين تليها همزة مفتوحة مصدر نشأ على وزن المرة وهي مرة للجنس.
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحده بفتح الشين بعدها ألف تليها همزة، وهو مصدر على وزن الفَعَالة على غير قياس، وقد تقدم في سورة العنكبوت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: نَحْنُ خَلَقْنا رِزْقَكم أفَلا تُصَدِّقُونَ أنَّ هَذا طَعامُكم.
الثّانِي: نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أنَّنا بِالجَزاءِ: بِالثَّوابِ والعِقابِ أرَدْناكم.
﴿ أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ ﴾ يَعْنِي نُطْفَةَ المَنِيِّ، قالَ الفَرّاءُ، يُقالُ أمْنى يُمْنِي ومَنِيَ يُمْنِي بِمَعْنًى واحِدٍ.
وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أنْ يَخْتَلِفَ مَعْناهُما فَيَكُونُ أمْنى إذا أنْزَلَ عَنْ جِماعٍ، ومَنِيَ إذا عَنِ احْتِلامِ.
وَفِي تَسْمِيَةِ المَنِيِّ مَنِيًّا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِإمْنائِهِ وهو إراقَتِهِ.
الثّانِي: لِتَقْدِيرِهِ ومِنهُ المِناءُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ فَإنَّهُ مِقْدارٌ لِذَلِكَ فَكَذَلِكَ المَنِيُّ مِقْدارٌ صَحِيحٌ لِتَصْوِيرِ الخِلْقَةِ.
﴿ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أيْ نَحْنُ خَلَقْنا مِنَ المَنِيِّ المُهِينِ بَشَرًا سَوِيًّا، فَيَكُونُ ذَلِكَ خارِجًا مَخْرَجَ الِامْتِنانِ.
الثّانِي: أنَّنا خَلَقْنا مِمّا شاهَدْتُمُوهُ مِنَ المَنِيِّ بَشَرًا فَنَحْنُ عَلى خَلْقِ ما غابَ مِن إعادَتِكم أقْدَرُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خارِجًا مَخْرَجَ البُرْهانِ، لِأنَّهم عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مُعْتَرِفُونَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مُنْكِرُونَ.
﴿ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَضَيْنا عَلَيْكم بِالمَوْتِ.
الثّانِي: كَتَبْنا عَلَيْكُمُ المَوْتَ.
الثّالِثُ: سَوَّيْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ.
فَإذا قِيلَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ بِمَعْنى قَضى فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما قَضى بِالفَناءِ ثُمَّ الجَزاءِ.
الثّانِي: لِيَخْلِفَ الأبْناءُ الآباءُ.
وَإذا قِيلَ بِالوَجْهِ الثّانِي أنَّهُ بِمَعْنى كَتَبْنا فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَتَبْنا مِقْدارَهُ فَلا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: كَتَبْنا وقْتَهُ فَلا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَإذا قِيلَ بِالوَجْهِ الثّالِثِ أنَّهُ بِمَعْنى سَوَّيْنا فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَوَّيْنا بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي.
الثّانِي: سَوَّيْنا بَيْنَ أهْلِ السَّماءِ وأهْلِ الأرْضِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى ما قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ حَتّى لا تَمُوتُوا.
الثّانِي: وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ تَزِيدُوا في مِقْدارِهِ وتُؤَخِّرُوهُ عَنْ وقْتِهِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ يَتَّصِلُ بِهِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ فَعَلى هَذا في تَأْوِيلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمّا لَمْ نُسْبَقْ إلى خَلْقِ غَيْرِكم كَذَلِكَ لا نَعْجَزُ عَنْ تَغْيِيرِ أحْوالِكم بَعْدَ مَوْتِكم.
الثّانِي: كَما لَمْ نَعْجَزْ عَنْ خَلْقِ غَيْرِكم كَذَلِكَ لا نَعْجَزُ عَنْ تَغْيِيرِ أحْوالِكم بَعْدَ مَوْتِكم كَما لَمْ نَعْجَزْ عَنْ تَغْيِيرِها في حَياتِكم.
فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ في الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ، وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ يَكُونُ جَمِيعُهُ مُظْهَرًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه عن حجر المرادي رضي الله عنه قال: كنت عند عليّ رضي الله عنه فسمعته وهو يصلي بالليل يقرأ فمر بهذه الآية ﴿ أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ﴾ قال: بل أنت يا رب ثلاثاً ثم قرأ ﴿ أأنتم تزرعونه ﴾ قال: بل أنت يا رب ثلاثاً، ثم قرأ ﴿ أأنتم أنزلتموه من المزن ﴾ قال: بل أنت يا رب ثلاثاً، ثم قرأ ﴿ أأنتم أنشأتم شجرتها ﴾ قال: بل أنت يا رب ثلاثاً.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ قال: تقدير أن جعل أهل الأرض وأهل السماء فيه سواء شريفهم وضعيفهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ قال: المتأخر والمعجل وأي في قوله: ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون ﴾ قال: في خلق شئنا وفي قوله: ﴿ ولقد علمتم النشأة الأولى ﴾ إذ لم تكونوا شيئاً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد علمتم النشأة الأولى ﴾ قال: خلق آدم عليه السلام.
وأخرج البزار وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم زرعت ولكن ليقل حرثت، قال أبو هريرة رضي الله عنه: ألم تسمعوا الله يقول: ﴿ أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبد الرحمن رضي الله عنه أنه كره أن يقول: زرعت، ويقول: حرثت.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أأنتم تزرعونه ﴾ قال: تنبتونه.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فظلتم تفكهون ﴾ قال: تعجبون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فظلتم تفكهون ﴾ قال: تندمون.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا لمغرمون ﴾ قال: ملقون للشر ﴿ بل نحن محرومون ﴾ قال: محدودون، وفي قوله: ﴿ أأنتم أنزلتموه من المزن ﴾ قال: السحاب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أأنتم أنزلتموه من المزن ﴾ قال: السحاب.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وقتادة رضي الله عنهما مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر رضي الله عنه «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا شرب الماء قال: الحمد لله الذي سقانا عذباً فراتاً برحمته ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا» .
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ قال: هذه لنا تذكرة للنار الكبرى ﴿ ومتاعاً للمقوين ﴾ قال: للمستمتعين الناس أجمعين وفي لفظ للحاضر والبادي.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ قال: تذكرة للنار الكبرى ﴿ ومتاعاً للمقوين ﴾ قال: للمسافرين.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ قال: تذكرة للنار الكبرى ﴿ ومتاعاً للمقوين ﴾ قال: للمسافرين، كم من قوم قد سافروا ثم أرملوا فأحجبوا ناراً فاستدفؤوا بها، وانتفعوا بها.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ ومتاعاً للمقوين ﴾ قال: للمسافرين.
وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا عباد الله فضل الله الماء ولا كلأ ولا ناراً، فإن الله تعالى جعلها متاعاً للمقوين وقوة للمستضعفين، ولفظ ابن عساكر وقواماً للمستمتعين» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ ﴾ هذه الآية وما بعدها تتضمن إقامة براهين على الوحداينة، وعلى البعث وتتضمن أيضاً وعيداً وتعديدَ نِعم.
ومعنى تمنون: تقذفون المني ﴿ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون ﴾ هذا توقيف يقتضي أن يجيبوا عليه بأن الله هو الخالق لا إله إلا هو ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت ﴾ أي جعلناه مقدراً بآجال معلومة وأعمار منها طويل وقصير ومتوسط ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ المسبوق على الشيء هو المغلوب عليه؛ بحيث لا يقدر عليه ﴿ نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ ﴾ : معناه نهلككم ونستبدل قوماً غيركم، وقيل: نمسخكم قردة وخنازير ﴿ وَنُنشِئَكُمْ ﴾ معناه نبعثكم بعد هلاككم و ﴿ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ معناه ننشئكم في خلقة لا تعلمونها على وجه لا تصل عقولكم إلى فهمه.
فمعنى الآية أن الله قادر على أن يهلكهم وعلى أن يبعثهم ففيها تهديد واحتجاج على البعث ﴿ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ تحضيض على التذكير والاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، وفي هذه دليل على صحة القياس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ينزفون ﴾ من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف.
الباقون: بفتح الزاء ﴿ حور عين ﴾ بجرهما: يزيد وعلي وحمزة ﴿ عرباً ﴾ بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل ﴿ أئذا أئنا ﴾ كما في "الرعد" إلا ابن عامر فإنه تابع عاصماً، وإلا يزيد فإنه تابع قالون ﴿ شرب ﴾ بضم الشين: أبو جعفر نافع وعاصم وحمزة وسهل.
الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ﴿ أئنا لمغرمون ﴾ بهمزتين: أبو بكر وحماد.
الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.
﴿ بموقع ﴾ على الوحدة: حمزة وعلي وخلف.
﴿ تكذبون ﴾ بالتخفيف: المفضل ﴿ فروح ﴾ بضم الراء: قتيبة ويعقوب.
الوقوف: ﴿ الواقعة ﴾ ه لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوباً بإضمار "أذكر" أو كان الجواب محذوفاً أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف ﴿ كاذبة ﴾ ه م لئلا يصير ما بعدها صفة ﴿ رافعة ﴾ ه لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلاً من الأول ﴿ رجاً ﴾ ه لا ﴿ بساً ﴾ ه ﴿ منبثاً ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ ه ط لتناهي استفهام التعجب ﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾ ه ط ﴿ السابقون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ السابقون ﴾ تأكيد والجملة بعده خبر ﴿ المقربون ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم ﴿ جنات النعيم ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ موضونة ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ مخلدون ﴾ ه لا ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ ولا ينزفون ﴾ ه لا ﴿ يتخيرون ﴾ ه لا ﴿ يشتهون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع ﴿ المكنون ﴾ ه ج ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ تأثيماً ﴾ ه لا ﴿ سلاماً ﴾ ه ط ﴿ وما أصحاب اليمين ﴾ ه ط ﴿ مخضود ﴾ ه لا ﴿ منضود ﴾ ه لا ﴿ ممدود ﴾ ه لا ﴿ مسكوب ﴾ ه لا ﴿ كثيرة ﴾ ه لا ﴿ ممنوعة ﴾ ه لا ﴿ مرفوعة ﴾ ه ط ﴿ إنشاء ﴾ ه لا ﴿ أبكاراً ﴾ ه لا ﴿ أتراباً ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الشمال ﴾ ه ط ﴿ وحميم ﴾ ه لا ﴿ يحموم ﴾ ه لا ﴿ ولا كريم ﴾ ه ﴿ مترفين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ والآخرين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ المكذبون ﴾ ه لا ﴿ زقوم ﴾ ه لا ﴿ البطون ﴾ ه ج والوقف أجوز ﴿ الحميم ﴾ ه ج ﴿ الهيم ﴾ ه ط ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تصدقون ﴾ ه ﴿ تمنون ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ﴿ بمسبوقين ﴾ ه لا ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ تحرثون ﴾ ه ط ﴿ الزارعون ﴾ ه ﴿ تفكهون ﴾ ه ﴿ لمغرمون ﴾ ه لا ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ المنزلون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تورون ﴾ ه ط ﴿ المنشؤن ﴾ ه ﴿ للمقوين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ النجوم ﴾ ه لا ﴿ عظيم ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ المطهرون ﴾ ه ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ مدهنون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ الحلقوم ﴾ ه لا ﴿ تنظرون ﴾ ه لا ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ مدينين ﴾ ه لا ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه لا ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ الظالين ﴾ ه لا ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ جحيم ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ ألعظيم ﴾ ه.
التفسير: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ نظير قولك حدثت الحادثة "وكانت الكائنة" وهي القيامة التي تقع لا محالة.
يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله.
واللام في ﴿ لوقعتها ﴾ للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس.
ويجوز أن يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير معقول.
وجوز جار الله أن يكون من قولهم "كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم" إذا شجعته على مباشرته.
وقالت له: إنك تطيقه.
فيكون المراد أن القيامة واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور.
وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول.
وقال في الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم "حمل على قرنه فما كذب" أي فما جبن وما تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له.
والحال من هذا التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد ﴿ خافضة رافعة ﴾ أي هي تخفض أقواماً وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال: وما إن طبنا جبن ولكن *** منايات ودولة آخرينا وإما لإن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله ﴿ إذا رجت الأرض ﴾ أي حركت تحريكاً عنيفاً حتى ينهدم كل بناء عليها ﴿ وبست الجبال بساً ﴾ أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها ﴿ فكانت ﴾ أي صارت غباراً متفرقاً.
ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلاً ﴿ وكنتم ﴾ لفظ الماضي لتحقق الوقوع ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً ﴿ ثلاثة ﴾ ثم فصلها فقال ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ وهو تعجب من شأنهم كقولك "زيد ما زيد" سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم "فلان مني باليمين" إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيهم عليها.
روي أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهمفي الشمال ﴿ والسابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة ﴿ هم السابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله "وشعري شعري" يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف ﴿ السابقون ﴾ ﴿ أولئك المقربون ﴾ إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق إشار إلى ذلك ﴿ في جنات النعيم ﴾ إخفاء حالهم وبيان محل إجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا .
قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به يحصل الأمة المقتدية به.
﴿ وقليل من الآخرين ﴾ أي من هذه الأمة.
قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ههنا ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ وفيما بعده قال ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعاً من أمة محمد .
جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله ﴿ وكنتم أزواجاً ﴾ لأمة محمد والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله { ﴿ والسابقون الأولون ﴾ والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين.
وأما أصحاب اليمين فيوجدون في كلا القبيلين كثيراً وعلى هذا يكون الترتيب المذكور ساقطاً ولا نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع.
قال الزجاج وهو قول مجاهد والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي وعاينه وجماعة ممن آمن به وكان بعده.
وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي قال " " جميع الثلتين من أمتي " " وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فمازال رسول الله يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد رسول الله لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد سابقين فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في قوله "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" إشارة إلى هذا.
وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن يكونوا أكثر لأن فيض الله المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سبباً لخاتمة نبينا أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً هذا ما سنح في الوقت والله أعلم بمراده.
ثم وصف حال المقربين بقوله ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال المفسرون: أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع أي استقروا على السرر ﴿ متكئين ﴾ وقوله ﴿ ولدان مخلدون ﴾ أي غلمان لا يهرمون ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد.
قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط.
وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.
قال جار الله: روي هذا عن علي .
والحسن قال الحديث "أولاد الكفار خدام أهل الجنة" " والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه.
والباقي مفسر في "الصافات" إلى قوله ﴿ مما يتخيرون ﴾ أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلاً بين يديه على ما اشتهى.
ومن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور.
ومن خفضهما فعلى العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا.
والكاف في قوله ﴿ كأمثال ﴾ للمبالغة في التشبيه.
قوله ﴿ جزاء ﴾ مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل الجزاء.
قوله ﴿ ولا تأثيماً ﴾ أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم.
وانتصب ﴿ سلاماً ﴾ على البدل من ﴿ قليلاً ﴾ أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون يها إلا أن يقولوا سلاماً عقيبه سلام.
ثم عجب من شأن أصحاب اليمين.
والسدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه.
وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور طيب الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل.
وفي الكشاف أن علياً أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله ﴿ لها طلع نضيد ﴾ فقيل: أو نحولها؟
قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه.
قلت: وفي هذه الرواية نظر لا يخفى.
والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له ساق بارزة ﴿ وظل ممدود ﴾ أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص.
ويحتمل أن يراد أنه دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع إنه ممدود.
والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير أخدود ﴿ لا مقطوعة ﴾ في بعض الأوقات ﴿ ولا ممنوعة ﴾ عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا ﴿ مرفوعة ﴾ أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قاله علي .
وقيل: هي النساء المرفوعة على الأرائك.
والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله ﴿ إنا أنشأناهن ﴾ وعلى التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلاً عليهن.
ومعنى الإنشاء أنه ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء.
روى الضحاك عن ابن عباس أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم ﴿ أبكاراً عرباً ﴾ جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أتراباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً من غير وجع.
وقوله ﴿ لأصحاب اليمين ﴾ متعلق بأنشأنا وجعلنا.
ثم عجب من أصحاب الشمال.
ومعنى ﴿ في سموم ﴾ في حر نار ينفذ في المسام.
والحميم الماء الكثير الحرارة.
واليحموم الدخان الأسود "يفعول" من الأحم وهو الأسود.
ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه.
قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.
قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة.
ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا العقاب فقال ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك ﴾ أي في الدنيا ﴿ مترفين ﴾ متنعمين متكبرين عن التوحيد والطاعة والإخلاص ﴿ وكانوا يصرون على الحنث ﴾ وهو الذنب الكبير ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الخنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها.
وخص جمع من المفسرين فقالوا.أعني به الشرك.
وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد مر مثله في "الصافات".
واعلم أنه ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقاً عجيباً وأسلوباً غريباً.
وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين.
أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.
ثم بعدما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلاً من السابقين ومن أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، وكأن في هذا الطي إشارة إلى الحديث القدسي "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى قوله " "نحن الآخرون السابقون " ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ذكر السابق من حيث هو سابق.
فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله أعلم بمراده.
ثم أمر نبيه بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ﴾ أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت ﴿ يوم معلوم ﴾ عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة.
ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ذكر طرفاً من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال ﴿ ثم إنكم أيها الضالون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث ﴿ لآكلون ﴾ أي في السموم المذكور ﴿ من شجر ﴾ هو للابتداء ﴿ من زقوم ﴾ هو للبيان ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ آنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتباراً وذلك أن شرب الماء المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب.
والهيم الإبل التي بها الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه "فعل" كبيض.
وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب.
ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى يضطروا إلى أكل الزقوم.
ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم كالإبل الهيم ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على البدء كان على الإعادة أقدر.
ثم برهن أنه لا خالق إلا هو فقال ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ أي تقذفونه في الأرحام.
يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله ﴿ من نطفة إذا تمنى ﴾ ﴿ أءنتم تخلقونه ﴾ تقدّرونه وتصورونه.
ووجه الاستدلال أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال عنها جميعاً.
فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنساناً كاملاً يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء منها وإلى هذا أشار بقوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل ﴾ أي نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه أحد.
يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه.
والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق و ﴿ فيما لا تعلمون ﴾ أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا.
وجوز جار الله أن يكون جمع مثل بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات لا تعلمونها.
ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيراً بعد تذكير فقال ﴿ ولقد علمتم ﴾ الآية.
ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته قائلاً ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ من الطعام أي تبذرون حبه ﴿ أءنتم تزرعونه ﴾ أي تجعلونه بحيث يكون نباتاً كاملاً يستحق اسم الزرع.
وفي الكشاف عن رسول الله " لا يقولن أحد زرعت وليقل حرثت " والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس.
وقوله ﴿ فظلتم ﴾ أصله فظللتم حذفت إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملاً غير مقس عليه.
ومعنى ﴿ تفكهون ﴾ تعجبون كأنه تكلف الفكاهة.
وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه التعب فيه أو على المعاصي التي تكون سبباً لذلك.
من قرأ ﴿ أنا ﴾ بالخبر فواضح ويحسن تقدير القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول أيضاً.
ومعنى ﴿ لمغرمون ﴾ لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة أي لملزمون غرامة ما أنفقنا ﴿ بل نحن ﴾ قوم ﴿ محرومون ﴾ لا حظ لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ الله منهما.
ثم ذكر دليلاً آخر مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة.
والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب "لو" عن إشاعة الثانية وهي ثابتة في المعنى لأن "لو" شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى اللام التوكيدي.
ويمكن أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا خصت آية المطعوم باللام المفيدة للتأكيد.
وإنما ختم الآية بقوله ﴿ فلولا تشكرون ﴾ لأنه وصف الماء بقوله ﴿ الذي تشربون ﴾ ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال ﴿ أءنتم أنزلتموه من المزن ﴾ وهذا لا عمل للآدمي فيه أصلاً بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود الشكر إلى النعمتين جميعاً ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر.
ومعنى ﴿ تورون ﴾ تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر "يس".
وأعلم أنه بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم.
ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ وفي الثانية ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ وفي الثالثة ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ تتعظون بها ولا تنسون نار جهنم كما روي عن رسول الله "ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من جهنم " ﴿ ومتاعاً ﴾ وسبب تمتع ومنفعة ﴿ للمقوين ﴾ للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئاً من أيام.
وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه بدأ بالوعيد الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتاً فقال ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتاً لا ذاتاً ولهذا حذف اللام في قوله ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو كون "لو" بمعنى "أن" وذلك أن الماء باقٍ ههنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهمياً فافهم.
ثم ختم بتذكير النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه.
أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة.
وأما الثاني فلأن عدم ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة.
وفي قوله ﴿ تذكرة ﴾ إشارة إلى ما قلنا.
ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عما يقول الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ فلا أقسم ﴾ أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد التأكيد.
ومواقع النجوم مساقطعها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة ولهذا قال ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ وعن سفيان الثوري: إن لله ريحاً تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار.
وقوله ﴿ وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ اعتراض فيه اعتراض.
ومواقعها منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن المرضي من بين جنس الكتب.
أو كرمه نفعه للمكلفين.
أو هو كرامته على الله عز وجل ﴿ في كتاب مكنون ﴾ مستوراً على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ملائكته المقربين وهو اللوح ﴿ لا يمسه ﴾ إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا يصل إلى ما فيه ﴿ إلا ﴾ عبيده ﴿ المطهرون ﴾ من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث.
ومن الناس من حرم قراءة القرآن عند الحدث الأصغر أيضاً.
وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة عندهم.
ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ أي بالقرآن أو بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن ﴿ أنتم مدهنون ﴾ متهاونون من أدهن في الأمر إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه ﴿ وتجعلون رزقكم ﴾ أي شكر رزقكم ﴿ أنكم تكذبون ﴾ بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ إلى قوله ﴿ للمقوين ﴾ وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله عز وجل وتنسبونه إلى النجوم.
ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته.
وترتيب الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير ﴿ فلولا ﴾ التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون ﴾ ومنها تقديم الظرف وهو قوله ﴿ إذا بلغت الحلقوم ﴾ أي النفس.
وإنما أضمرت للعلم بها كقوله ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ وإنما قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه.
ومنها زيادة الجمل المعترضة وهي قوله ﴿ وأنتم ﴾ يا أهل الميت ﴿ حينئذ تنظرون ﴾ إليه ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ بالقدرة والعلم أو بملائكة الموت ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ لا بالبصر ولا بالبصيرة.
ومعنى مدينين مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.
ومنها قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم متمنعين عن الموت، والحلقوم الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه "فعلوم" ويمكن أن يقال: إن فعل ﴿ فلولا ﴾ الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم.
فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟
ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياماً معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة.
ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء نوع من القهر والتسخير.
ويحتمل عندي أن يكون الضمير في ﴿ ترجعونها ﴾ عائداً إلى ملائكة الموت بدليل قوله ﴿ ونحن أقرب ﴾ والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا.
وحين بين أن لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلاً ﴿ فأما إن كان ﴾ المتوفى ﴿ من المقربين ﴾ أي من السابقين من الأزواج الثلاثة ﴿ فروح ﴾ أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن ﴿ وريحان ﴾ أي رزق وهذا للبدن ﴿ وجنة نعيم ﴾ وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر.
ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك ﴾ أيها النبي ﴿ من أصحاب اليمين ﴾ أي أنت سالم من شفاعتهم.
هذا قول كثير من المفسرين.
وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ﴿ إن هذا ﴾ القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لهو حق اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين.
وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى "من" كقولك "خاتم فضة" وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك "حق الحق".
"وصواب الصواب" أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه.
أو المراد هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر.
هذا ما قاله أكثر المفسرين.
وقيل: الإضافة كما في قولنا "جانب الغربي" و "مسجد الجامع" أي حق الأمر اليقين.
ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا "حق النبي أن يصلي عليه" و "حق المال أن تؤدى زكاته" ومنه قوله " "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " أي إلا بحق هذه الكلمة.
ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله في شأن الأزواج الثلاثة.
وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عياناً فليس الخبر كالمعاينة، وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحداً.
ولعله لا يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلأ من ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين.
روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه فقال له: ما تشتكي؟
قال: ذنوبي.
قال: ما تشتهي؟
قال:رحمة ربي.
قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني.
قال: افلا نأمر بعطائك؟
قال: لا حاجة لي فيه.
قال: تدفعه إلى بناتك.
قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله يقول "من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبداً"
قوله - عز وجل -: ﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: لما صدقتموني ورسلي بأنا خلقناكم في الابتداء، فهلا صدقتمونا ورسلنا بأنا نعيدكم تارة أخرى؛ إذ الأعجوبة في ابتداء الأشياء أكثر منها في الإعادة، وهو ما قال: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ .
والثاني: إنكم صدقتموه ورسله: أنه أنشأكم في بطون أمهاتكم في الظلمات الثلاث، ونقلكم من حال إلى حال، لا يحتمل أن يترككم سدى بلا عاقبة؛ فيكون فيه إثبات البعث؛ إذ لولا ذلك لكان خلقهم وتحويلهم من حال إلى حال عبثا؛ كما قال : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ قد علموا أنهم لم يخلقوا ما يمنون، ولا خلقوا أنفسهم، فيقول - والله أعلم -: قد أقررتم أنكم لم تخلقوا ما أمنيتم، ولا أنفسكم، ولا تملكون ذلك، فق دعرفتم أن الله هو خالقكم وخالق ذلك كله، وهو المالك لذلك؛ فإذا عرفتم ذلك، وأنتم أهل تمييز، وأكمل عقلا من غيرككم، فإذا لم تملكوا خلق أنفسكم، فالذين هم دونكم أحق ألا يملكوا خلق أنفسكم وخلق ما ذكر ثبت أن الله هو خالق ذلك كله؛ فكيف عبدتم غيره، وصرفتم الألوهية إلى غيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: أنه لما كان هو الذي خلقكم وما ذكر، ثم قدر بينكم الموت، وفيكم الولي له والعدو، وقد سوى في الدنيا بين الولي والعدو، وفي الحكمة التفريق بينهما؛ دل أن هنالك دارا أخرى يفرق بينهما.
والثاني: ﴿ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ ﴾ ، أي: المعجل والمؤجل؛ أي: لم يجعل موت جميعكم في وقت واحد، بل جعل أجلا مؤجلا في الأصل، وقدر أن تكون مدة أجل هذا أكثر من مدة أجل الآخر.
وقيل: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ ﴾ أي سوينا بينكم في الموت بين عزيزكم وذليلكم، ورفيعكم ووضيعكم، لا يسلم أحد عنه.
ويحتمل وجها آخر هو - أولى -: وهو أنه قدر بينكم الموت، وكل واحد منكم يكره الموت، ثم لم تملكوا دفع الموت عن أنفسكم؛ دل أن هاهنا قاهرا يجب القول بوجوه، والانقياد لأوامره ونواهيه.
وقوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ أي: وما نحن بمغلوبين في تبديل أمثالكم.
أو يقول: وما نحن بعاجزين على أن نبدل أمثالكم.
وقوله: ﴿ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ قال أبو بكر الأصم: فيما لا تعلمون من تبديلكم إلى صورة ذميمة قبيحة؛ كصورة القدرة والخنازير، ونحوها.
وقيل: ﴿ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ في أي خلق شاء؛ وهو أقرب من الأول.
وجائز أن يكون معناه ﴿ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ في ظلمات ثلاث الذي لا يبلغه علم البشر، ولا تدبير الحكماء إلى أن بلغوا ما بلغوا، فمن ملك ذلك لا يحتمل أن يعجز عن بعث أو غيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ ﴾ ، فهو على ما ذكرنا: إنكم لما عرفتم أنه هو الذي أنشأكم النشأة الأولى لا عن أصل سبق، لا يحتمل أ، يعجز عن النشأة الآخرة؛ لأنها مثل الأولى؛ بل في وهمكم أسهل وأهون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ يخرج على ما ذكرنا: هلا تذكرون وحدانيته وربوبيته.
أو هلا تذكرون أن قادر على البعث.
أو هلا تذكرون أنه هو المستوجب لشكر ما أنعم عليكم، وهلا تذكرون نعمه وإحسانه.
ومن الناس من قال: النشأة الأولى هاهنا نشأة آدم - - وخلقه؛ أي: علمتم نشأته لا عن أصل ولا احتذاء لغير، فمن قدر على ذلك فهو على النشأة الآخرة لقادر، وعلى تقدير وهمكم أقدر، والله الموفق.
وقوله - عزو جل -: ﴿ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ ﴾ جائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ ﴾ ، كأنه يقول: أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تخلقون الزرع أم نحن الخالقون له؟
فيكون فيه الذي ذكرنا في ذلك، والله أعلم.
والثاني: أفرأيتم ما تحرثون أأنتم جعلتم الحراثة بحيث تنبت أم نحن الجاعلون بحيث تنبت؟
ثم قال: ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً ﴾ ، أي: يابساز وقال أبو عوسجة: أي: متكسر؛ يذكر نعمته التي أنعهما عليهم؛ يقول: هو الذي جعله بحيث ينتفع [به]، ويبقى، ولو شاء لجعله بحيث لا ينتفع به، ويخبر عن قدرته: أنه قادر على الإنبات، وعلى الإهلاك؛ فعلى ذلك قادر على الإنشاء والإعادة.
وأهل التأويل يقولون: أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون، وأصله ما ذكرنا.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾ قيل: تعجبون.
وقيل: تندمون، وهي لغة عكيل.
وقال أبو بكر الأصم: أي: صرتم تنعمون وتتلذون؛ كما يقول الرجل الآخر: لو أخذت مالك أو سلبته صرت غنيا أو استغنيت.
ولكن لا ندري أيقال ما ذكر أم لا؟
فإن كان يقال ذلك، يصير تقديره كأه يتلذذ؛ لكثرة ما يذكره في كل وقت؛ لأن الرجل إذا ذهب ماله لا يزال يذكره كالمتلذذ به والمتنعم.
وعن ابن عباس - -: ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾ ، أي: تلاومون.
وفي حرف ابن مسعود - -: (فصرتم تفكهون)، وقوله: ﴿ فَظَلْتُمْ ﴾ يستعمل في زمان النهار دون الليل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ أي: فظلتم تقولون: إنا لمغرمون.
ثم اختلف فيه: قيل: إنا لمعذبون بقوله: ﴿ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴾ .
وقيل: إنا المذمومون الملقون للشر، ونحون ذلك، لكنه من الغرم الظاهر؛ لأن مرتجعه خسران في ماله، أو هلاك يلحقه الغرامة؛ لما يحتاج إلى غيره، وأصله كأنه يقول - والله أعلم -: لو جعله حطاما يابسا لا تنتعفون به، ظلمتم تقولون: ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ قيل: المحروم: هو الذي ينتفى عنه المال او ما ينتفع به.
وقال بعضهم: محدودون.
وقيل: محاربون.
لكن المحروم ظاهر، لا يحتاج إلى التفسير ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ ﴾ يذكر نعمه عليهم بما أنزل لهم من الماء العذب فيشربون، وأخبر أنه لو شاء، لجعله أجاجا مالحاً ما يهلك الأنفس، ولا تقوم به، وكذلك قوله: ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاما ﴾ حتى يخرج من أن يكون غذاء فيه، ولكن يفضله ورحمته أبقى لهم ذلك أغذية وأشربة؛ ولذلك قال في آخرة: ﴿ فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ ﴾ \[أي\]: هلا تشكرون ما أنعم عليكم؟
ثم في هذه الآية دلالة نقض قول المعتزلة في أفعال العباد؛ حتيث قال: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ ، والإمناء: هو فعل العبد؛ إذ هو دفق المني، ثم أخبر أنه هو خالق ذلك؛ حيث قال: ﴿ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ ﴾ ، وكذلك الحراثة والزراعة فعل العباد، وأخبر أنه خالق ذلك.
[و] في قوله : ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاما ﴾ و ﴿ أُجَاجاً ﴾ نقض قولهم في الأصلح؛ فإنه يقال لهم: إن قوله: لو شاء لجعله كذا، ثم لم يفعل ذلك، فقد ترك الأصلح لهم، أو يكون الأصلح لهم في إبقاء ذلك؛ فيصير كأنه قال: لو شاء لجعل ما هو حق وعدل جورا، ولا يجوز أن يقال: إن الله لو شاء أن يجور لجار؛ فعلى أي الوجهين حمل، كان في ذلك نقض مذهبهم.
وفي قوله : ﴿ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ ﴾ نقض قولهم من أن المقتول لم يمت بأجله؛ لأنه - - أخبر أنه قدر الموت بينهم، وعندهم: أن من قتل لم يمت بما قدر الله ، ولم يمت بأجله، وقد أخبر أنه هو قدر ذلك، وأنه لا يسبق في ذلك قوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ ، ولو كان على ما تقوله المعتزلة يموت قبل أجله، فقد قالوا: إنه لم يقدر له الموت، وأن القاتل قد سبقه ومنعه عن وفاء ما جعل له من الأجل والبلوغ إلى ذلك الأجل الذي جعل له وكذبه في خبره: أنه يبلغ إلى ذلك الأجل، والله الموفق.
ثم قوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ ﴾ اختلف في تأويل المزن: قال عامة أهل التأويل والأدب: المزن: هو السحاب.
وقال أبو بكر الأصم: المزن: هو الماء العذب؛ فعلى قوله يكون حرف ﴿ مِنَ ﴾ صلة، كأنه قال: أأنتم أنزلتم المزن.
والظاهر ما ذهب إليه أولئك: أنه ينزل من السحاب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ ﴾ قال بعضهم: توقدون.
وقال بعضهم: تقدحون، يقال: قدحت النار، وأوريتها: أي أخرجتها؛ يقال: ورت الناس ترى وريا؛ فهي وراية، أي: أضاءت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ ﴾ قيل: هي الشجرة التي تجعل حطبا، وتوقد بها النار وتحرق.
وقيل: هي الشجرة التي فيها النار، وهي التي يتخذ منها الزيوت، والأول أقرب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ﴾ قال بعض أهل التأويل: أي: جعلنا هذه النار تذكرة للنار الكبرى: وهي نار الآخرة.
ويحتمل أن يكون ﴿ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا ﴾ ، أي: هذه النعم الحاضرة تذكرة للنعم الموعودة.
أو جعلنا هذه الشدائد والبلايا في الدنيا تذكرة لما أوعدنا في الآخرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ ﴾ قال بعض أهل التأويل: أي متاعا للمسافرين، خص المسافرين، لنزولهم القواء، وهو القفر؛ وهو قول القتبي.
وقيل: المقوين: المستمتعين.
وقال أبو عوسجة: المقوي: الذي لا زاد له.
وقيل: الذي يقع في أرض قواء، والقواء: الأرض الخالية من الناس.
وقال أبو عبيد: أرى الذي لا زاد له ليس أولى بالنار، ولا أحوج إليها من الذي معه الزاد؛ بل صاحب الزاد إليها أحوج، ويقال: رجل مقوٍ: إذا كانت معه مطية قوية.
<div class="verse-tafsir"
ولقد علمتم كيف خلقناكم الخلق الأول، أفلا تعتبرون وتعلمون أن الذي خلقكم أول مرة قادر على بعثكم بعد موتكم؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.ZYQZp"