الإسلام > القرآن > سور > سورة 56 الواقعة > الآية ٧٠ من سورة الواقعة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 68 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٠ من سورة الواقعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
لو نشاء جعلناه أجاجا ) أي : زعاقا مرا لا يصلح لشرب ولا زرع ، ( فلولا تشكرون ) أي : فهلا تشكرون نعمة الله عليكم في إنزاله المطر عليكم عذبا زلالا !
( لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) [ النحل : 10 ، 11 ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عثمان بن سعيد بن مرة ، حدثنا فضيل بن مرزوق ، عن جابر ، عن أبي جعفر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه إذا شرب الماء قال : " الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته ، ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا " .
وقوله: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا ) يقول تعالى ذكره: لو نشاء جعلنا ذلك الماء الذي أنـزلناه لكم من المزن مِلحًا، وهو الأجاج، والأجاج من الماء: ما اشتدّت ملوحته، يقول: لو نشاء فعلنا ذلك به فلم تنتفعوا به في شرب ولا غرس ولا زرع.
وقوله: (فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ) يقول تعالى ذكره: فهلا تشكرون ربكم على إعطائه ما أعطاكم من الماء العذب لشربكم ومنافعكم، وصلاح معايشكم، وتركه أن يجعله أجاجًا لا تنتفعون به.
لو نشاء جعلناه أجاجا أي : ملحا شديد الملوحة ؛ قاله ابن عباس .
الحسن : مرا قعاعا لا تنتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما .فلولا أي : فهلا تشكرون الذي صنع ذلك بكم .
ولو شاء لجعله ملحا أجاجا مكروها للنفوس.
لا ينتفع به { فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ } الله تعالى على ما أنعم به عليكم.
( لو نشاء جعلناه أجاجا ) قال ابن عباس : شديد الملوحة ، قال الحسن : مرا .
( فلولا تشكرون )
«لو نشاء جعلناه أجاجا» ملحا لا يمكن شربه «فلولا» هلا «تشكرون».
لو نشاء جعلنا هذا الماء شديد الملوحة، لا يُنتفع به في شرب ولا زرع، فهلا تشكرون ربكم على إنزال الماء العذب لنفعكم.
وقوله - سبحانه - : ( لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً .
.
) بيان لمظهر من مظاهر رحمته - سبحانه - .ومفعولى المشيئة هنا وفى ما قبله إلى قوله ( لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً .
.
.
) محذوف ، للاكتفاء عنه بجواب الشرط .والماء الأجاج : هو الماء الشديد الملوحة والمرارة فى وقت واحد .أى : لو نشاء أن نجعل هذا الماء النازل من المزن لشربكم ، ماء جامعا بين الملوحة والمرارة لفعلنا ، ولكنا لم نشأ ذلك رحمة بكم ، وفضلا منا عليكم .وقوله : ( فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ ) حض على الشكر لله - تعالى - أى : فهلا شكرتم الله - تعالى - على هذه النعم ، وأخلصتم له العبادة والطاعة ووضعتم نعمه فى مواضعها .فالمراد بالشكر هنا : أن يواظب العبد على شكر ربه ، وعلى المداومة على ما يرضيه وعلى استعمال النعم فيما خلقت له .أما شكر الرب - عز وجل - لعبده فمعناه : منحه الثواب الجزيل ، على عمله الصالح : ومنه قوله - تعالى - : ( وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) قال بعض العلماء : واعلم أن مادة الشكر تتعدى إلى النعمة تارة ، وإلى النعم أخرى .فإن عديت إلى النعمة ، تعدت إليها بنفسها دون حرف الجر ، كقوله - تعالى - : ( رَبِّ أوزعني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ .
.
.
) وإن عديت إلى المنعم تعدت إليه بحرف الجر الذى هو اللام ، كقوله - تعالى - : ( واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ .
.
.
) وقال - سبحانه - هنا : ( لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً ) وقال فى الآيات السابقة : ( لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً .
.
) بلام التأكيد ، لأن إنزال الماء من السماء وتحويله من ماء عذب إلى ماء ملح ، مما لا يتوهم أن لأحد قدرة عليه سوى الله - تعالى - لذا لم يحتج الأمر إلى تأكيد .
.
.أما جفاف الزرع بعد نضارته ، حتى يعود حطاما ، فمما يحتمل أنه من فعل الزارع ، أو لأى سبب آخر ، كآفة زراعية ، لذا أكد - سبحانه - أنه هو الفاعل لذلك على الحقيقة ، وأنه - تعالى - قادر على تحطيمه بعد نموه وريعانه .
خصه بالذكر لأنه ألطف وأنظف أو تذكيراً لهم بالإنعام عليهم، والمزن السحاب الثقيل بالماء لا بغيره من أنواع العذاب يدل على ثقله قلب اللفظ وعلى مدافعة الأمر وهو التزم في بعض اللغات السحاب الذي مس الأرض وقد تقدم تفسير الأجاج أنه الماء المر من شدة الملوحة، والظاهر أنه هو الحار من أجيج النار كالحطام من الحطيم، وقد ذكرناه في قوله تعالى: ﴿ هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ ذكر في الماء الطيب صفتين إحداهما عائدة إلى طعمه والأخرى عائدة إلى كيفية ملمسه وهي البرودة واللطافة، وفي الماء الآخر أيضاً صفتين إحداهما عائدة إلى طعمه والأخرى عائدة إلى كيفية لمسه وهي الحرارة، ثم قال تعالى: ﴿ فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ ﴾ لم يقل عند ذكر الطعام الشكر وذلك لوجهين: أحدهما: أنه لم يذكر في المأكول أكلهم، فلما لم يقل: تأكلون لم يقل: تشكرون وقال في الماء: ﴿ تَشْرَبُونَ ﴾ فقال: ﴿ تَشْكُرُونَ ﴾ والثاني: أن في المأكول قال: ﴿ تَحْرُثُونَ ﴾ فأثبت لهم سعياً فلم يقل: تشكرون وقال في الماء: ﴿ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن ﴾ لا عمل لكم فيه أصلاً فهو محض النعمة فقال: ﴿ فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ ﴾ وفيه وجه ثالث: وهو الأحسن أن يقال: النعمة لا تتم إلا عند الأكل والشرب ألا ترى أن في البراري التي لا يوجد فيها الماء لا يأكل الإنسان شيئاً مخافة العطش، فلما ذكر المأكول أولاً وأتمه بذكر المشروب ثانياً قال: ﴿ فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ ﴾ على هذه النعمة التامة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ المآء الذى تَشْرَبُونَ ﴾ يريد: الماء العذب الصالح للشرب.
و ﴿ المزن ﴾ السحاب: الواحدة مزنة.
وقيل: هو السحاب الأبيض خاصة، وهو أعذب ماء ﴿ أُجَاجاً ﴾ ملحاً زعاقاً لا يقدر على شربه.
فإن قلت: لم أدخلت اللام على جواب (لو) في قوله: ﴿ لَجَعَلْنَاهُ حطاما ﴾ [الواقعة: 65] ونزعت منه ههنا؟
قلت: إنّ (لو) لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط، ولم تكن مخلصة للشرط كإن ولا عاملة مثلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقاً من حيث إفادتها في مضموني جملتيها أنّ الثاني امتنع لامتناع الأوّل افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علماً على هذا التعلق، فزيدت هذه اللام لتكون علماً على ذلك، فإذا حذفت بعد ما صارت علماً مشهوراً مكانه، فلأن الشيء إذا علم وشهر موقعه وصار مألوفاً ومأنوساً به: لم يبال بإسقاطه عن اللفظ، استغناء بمعرفة السامع.
ألا ترى إلى ما يحكى عن رؤبة أنه كان يقول: خير، لمن قال له: كيف أصبحت؟
فحذف الجار لعلم كل أحد بمكانه.
وتساوي حالي حذفه وإثباته لشهرة أمره.
وناهيك بقول أوس: حَتى إذَا الْكلاَّبُ قَالَ لَهَا ** كَالْيَوْمِ مَطْلُوباً وَلاَ طَلَبَا وحذفه (لم أر) فإذن حذفها اختصار لفظي وهي ثابتة في المعنى، فاستوى الموضعان بلا فرق بينهما؛ على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة مغن عن ذكرها ثانية ونائب عنه.
ويجوز أن يقال: إنّ هذه اللام مفيدة معنى التوكيد لا محالة، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب، للدلالة على أن أمر المطعوم مقدّم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعاً للمطعوم.
ألا ترى أنك إنما تسقى ضيفك بعد أن تطعمه، ولو عكست قعدت تحت قول أبي العلاء: إذَا سُقِيَتْ ضُيُوفُ النَّاسِ مَحْضاً ** سَقَوْا أَضْيَافَهُمْ شَبَماً زَلاَلاَ وسقى بعض العرب فقال: أنا لا أشرب إلا على ثميلة؛ ولهذا قدّمت آية المطعوم على آية المشروب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴾ أيِ العَذْبَ الصّالِحَ لِلشُّرْبِ.
﴿ أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ ﴾ مِنَ السَّحابِ واحِدُهُ مُزْنَةٌ، وقِيلَ: المُزْنُ السَّحابُ الأبْيَضُ وماؤُهُ أعْذَبُ.
﴿ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ ﴾ بِقُدْرَتِنا والرُّؤْيَةُ إنْ كانَتْ بِمَعْنى العِلْمِ فَمُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِفْهامِ.
﴿ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا ﴾ مِلْحًا أوْ مِنَ الأجِيجِ فَإنَّهُ يَحْرِقُ الفَمَ، وحَذْفُ اللّامِ الفاصِلَةِ بَيْنَ جَوابِ ما يَتَمَحَّضُ لِلشَّرْطِ وما يَتَضَمَّنُ مَعْناهُ لِعِلْمِ السّامِعِ بِمَكانِها، أوِ الِاكْتِفاءِ بِسَبْقِ ذِكْرِها أوْ يَخْتَصُّ ما يُقْصَدُ لِذاتِهِ ويَكُونُ أهَمَّ وفَقْدُهُ أصْعَبُ بِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ.
﴿ فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ﴾ أمْثالَ هَذِهِ النِّعَمِ الضَّرُورِيَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
{لَوْ نَشَاء جعلناه أُجَاجاً} ملحاً أو مراً لا يقدر على شربه {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} فهلا تشكرون ودخلت اللام على جواب لو في قوله لجلعناه حطاما ونزعت منه هنا لأن لو ما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط ولم تكن مخلصة للشرط كان ولا عاملة مثلها وانما سرى فيه معنى الشرط اتفاقاً من حيث إفادتها في مضمر في جملتيها ان الثاني امتنع لامتناع الاولافتقرت في جوابها إلى ما ينصب علماً على هذا التعلق فزيدت هذه اللام لتكون علماً على ذلك ولما شهر موقعه لم يبال باسقاطه عن اللفظ لعلم على هذا التعلق فزيدت هذه اللام لتكون علماً على ذلك ولما شهر موقعه لم يبال بإسقاطه عن اللفظ لعلم كل أحد به وتساوي حالي حذفه وإثباته على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة مغنٍ عن ذكرها ثانية ولأن هذه اللام تفيدمعنى التأكيد لا محالة فأدخلت في آية المطعوم دون أية المشروب للدلالة على ان امرالمعلوم مقدم على امرالمشروب وان الوعيد بفقده اشدوا صعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعاً للمطعوم ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب
﴿ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا ﴾ مِلْحًا ذُعاقًا لا يُمْكِنُ شُرْبُهُ مِنَ الأجِيجِ وهو تَلَهُّبُ النّارِ.
وقِيلَ: الأُجاجُ كُلُّ ما يَلْذَعُ الفَمَ ولا يُمْكِنُ شُرْبُهُ فَيَشْمَلُ المِلْحَ والمُرَّ والحارَّ، فَإمّا أنْ يُرادَ ذَلِكَ، أوِ المِلْحُ بِقَرِينَةِ المَقامِ وحُذِفَتِ اللّامُ مِن جَوابِ لَوْ ها هُنا لِلْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ والحالِيَّةِ ومَتى جازَ حَذْفٌ - لَمْ أرَ - في قَوْلِ أوْسٍ: حَتّى إذا الكِلابُ قالَ لَها كاليَوْمِ مَطْلُوبًا ولا طَلَبا والقَرِينَةُ حالِيَّةٌ فَأوْلى أنْ يَجُوزَ حَذْفُها وحْدَها لِذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَرَّرَ وجْهًا آخَرَ حاصِلُهُ أنَّ اللّامَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ فَتُناسِبُ مَقامَ التَّأْكِيدِ فَأُدْخِلَتْ في آيَةِ المَطْعُومِ دُونَ المَشْرُوبِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أمْرَهُ مُقَدَّمٌ عَلى أمْرِهِ، وأنَّ الوَعِيدَ بِفَقْدِهِ أشَدُّ وأصْعَبُ مِن قَبْلِ أنَّ المَشْرُوبَ تَبَعٌ لَهُ ألا يَرى أنَّ الضَّيْفَ يُسْقى بَعْدَ أنْ يُطْعَمَ، وقَدْ ذَكَرَ الأطِبّاءُ أنَّ الماءَ مُبَذْرَقٌ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَقْدِيمُهُ عَلى المَشْرُوبِ في النَّظْمِ الجَلِيلِ، ولِلْإمامِ في هَذا المَقامِ كَلامٌ طَوِيلٌ اعْتَرَضَ بِهِ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ وبَيَّنَ فِيهِ وجْهَ الذِّكْرِ أوَّلًا والحَذْفِ ثانِيًا، ولَمْ أرَهُ أتى بِما يَشْرَحُ الصَّدْرَ، وخَيْرٌ مِنهُ عِنْدِي قَوْلُ ابْنِ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ: إنَّ اللّامَ أُدْخِلَتْ في المَطْعُومِ دُونَ المَشْرُوبِ لِأنَّ جَعْلَ الماءِ العَذْبِ مِلْحًا أسْهَلَ إمْكانًا في العُرْفِ والعادَةِ والمَوْجُودُ مِنَ الماءِ المِلْحِ أكْثَرُ مِنَ الماءِ العَذْبِ، وكَثِيرًا ما إذا جَرَتِ المِياهُ العَذْبَةُ عَلى الأراضِي المُتَغَيِّرَةِ التُّرْبَةِ أحالَتْها إلى المُلُوحَةِ فَلَمْ يَحْتَجْ في جَعْلِ الماءِ العَذْبِ مِلْحًا إلى زِيادَةِ تَأْكِيدٍ فَلِذا لَمْ تَدْخُلْ لامُ التَّأْكِيدِ المُفِيدَةُ لِزِيادَةِ التَّحْقِيقِ، وأمّا المَطْعُومُ فَإنَّ جَعْلَهُ حُطامًا مِنَ الأشْياءِ الخارِجَةِ عَنِ المُعْتادِ وإذا وقَعَ يَكُونُ عَنْ سُخْطٍ شَدِيدٍ، فَلِذا قُرِنَ بِاللّامِ لِتَقْرِيرِ إيجادِهِ وتَحْقِيقِ أمْرِهِ انْتَهى.
﴿ فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ﴾ تَحْضِيضٌ عَلى شُكْرِ الكُلِّ لِأنَّهُ أفْيَدُ دُونَ عُذُوبَةِ الماءِ فَقَطْ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ.
نَعْمَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ««أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا شَرِبَ الماءَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقانا عَذْبًا فُراتًا بِرَحْمَتِهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجاجًا بِذُنُوبِنا»» <div class="verse-tafsir"
ثم قال: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ يعني: خلقناكم، ولم تكونوا شيئاً، وأنتم تعلمون فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ يعني: أفلا تصدقون بالبعث وبالرسل.
ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا فقال: أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ يعني: ما خرج منكم من النطفة، ويقع في الأرحام أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ يعني: منه بشراً في بطون النساء ذكراً أو أنثى أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ يعني: بل نحن نخلقه نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ يعني: نحن قسمنا بينكم الآجال، فمنكم من يموت صغيراً، ومنكم من يموت شاباً، ومنكم من يموت شيخاً.
قرأ ابن كثير: نَحْنُ قَدَّرْنا بالتخفيف وقرأ الباقون: قَدَّرْنا بالتشديد، ومعناهما واحد لأن التشديد للتكثير.
ثم قال: وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ يعني: وما نحن بعاجزين إن أردنا أن نأتي بخلق مثلكم، وأمثل منكم، وأطوع لله تعالى: وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ يعني: ونخلقكم سوى خلقكم من الصور فيما لا تعلمون من الصور، مثل القردة، والخنازير.
ويقال: وما نحن بعاجزين على أن نرد أرواحكم إلى أجسامكم بعد الموت.
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى يعني: علمتم ابتداء خلقكم إذا خلقناكم في بطون أمهاتكم، ثم أنكرتم البعث فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ يعني: فهل لا تتعظون، وتعتبرون بالخلق الأول، أنه قادر على أن يبعثكم كما خلقكم أول مرة، ولم تكونوا شيئاً.
ثم قال: أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تَحْرُثُونَ يعني: فهل لا تعتبرون بالزرع الذي تزرعونه في الأرض أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ يعني: تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ يعني: أم نحن المنبتون.
يعني: بل الله تعالى أنبته لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً يعني: يابساً، هالكاً، بعد ما بلغ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ يعني: فصرتم تندمون.
ويقال: يعني: تتعجبون من يبسه بعد خضرته إِنَّا لَمُغْرَمُونَ يعني: معذبون بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ يعني: حرمنا منفعة زرعنا.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بهمزتين على الاستفهام وقرأ الباقون: بهمزة واحدة على معنى الخبر.
ثم قال: أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ يعني: من السماء أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ يعني: بل نحن المنزلون عليكم لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً يعني: مرّاً، مالحاً، لا تقدرون على شربه فَلَوْلا تَشْكُرُونَ يعني: هلا تشكرون رب هذه النعمة، وتوحدونه حين سقاكم ماء عذباً.
ثم قال عز وجل: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ يعني: تقدحون، والعرب تقدح بالزند والزند خشبة يحك بعضه على بعض، فيخرج منه النار أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها يعني: خلقتم شجرها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ يعني: الخالقون.
يعني: الله أنشأها، وخلقها لمنفعة الخلق، نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً يعني: النار موعظة وعبرة في الدنيا من نار جهنم.
وقال مجاهد: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً يعني: النار الصغرى للنار الكبرى وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ يعني: منفعة لمن كان ساخراً.
وقال قتادة: المقوي الذي قد فني زاده.
وقال الزجاج: المقوي الذي قد نزل بالقوى، وهي الأرض الخالية.
<div class="verse-tafsir"
أَنْ يكون بمعنى: سَوَّيْنَا، قال الثعلبيُّ عنِ الضحاك «١» : أي: سَوَّيْنَا بين أهل السماء وأهل الأرض.
وقوله: وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ أي: على تبديلكم إنْ أردناه، وأَنْ نُنْشِئَكُمْ بأوصاف لا يصلها علمُكُم، ولا يُحيطُ بها فكركم، قال الحسن «٢» : من كونهم قردةً وخنازيرَ لأَنَّ الآية تنحو إلى الوعيد، والنَّشْأَةَ الْأُولى: قال أكثر المفسرين: إشارة إلى خلق آدم، وقيل: المراد: نشأة الإنسان في طفولته، وهذه الآية نَصٌّ في استعمال القياس والحَضِّ عليه، وعبارة الثعلبي: ويقال: النَّشْأَةَ الْأُولى نطفة، ثم عَلَقَةٌ، ثم مُضْغَةٌ، ولم يكونوا شيئاً فَلَوْلا أي: فهلا تذكرون أَنِّي قادر على إعادتكم كما قَدَرْتُ على إبدائكم، وفيه دليل على صِحَّةِ القياس لأَنَّهُ عَلَّمَهُمْ سبحانه الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، انتهى.
أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣)
وقوله سبحانه: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أي: زرعاً يتم أَمْ نَحْنُ: وروى أبو هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «لاَ تَقُلْ: زَرَعْتُ، وَلَكِنْ قُلْ حَرَثْتُ، ثُمَّ تَلاَ أَبُو هُرَيْرَةَ هَذِهِ الآية» «٣» والحطام: اليابس المُتَفَتِّتُ من النبات الصائر إلى ذهاب، وبه شبّه حطام الدنيا/ وتَفَكَّهُونَ قال ابن عباس وغيره «٤» : معناه تعجبون، أي: ممّا نزل بكم، وقال ابن
﴿ أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ﴾ أيْ: ما تَعْمَلُونَ في الأرْضِ مِن إثارَتِها، وإلْقاءِ البُذُورِ فِيها، ﴿ أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ ﴾ أيْ: تُنْبِتُونَهُ؟!
وقَدْ نَبَّهَ هَذا الكَلامُ عَلى أشْياءَ مِنها إحْياءُ المَوْتى، ومِنها الِامْتِنانُ بِإخْراجِ القُوتِ، ومِنها القُدْرَةُ العَظِيمَةُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَجَعَلْناهُ ﴾ يَعْنِي الزَّرْعَ "حُطامًا" قالَ عَطاءٌ: تِبْنًا لا قَمْحَ فِيهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: أبْطَلْناهُ حَتّى يَكُونَ مُحْتَطِمًا لا حِنْطَةَ فِيهِ ولا شَيْءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَظَلْتُمْ ﴾ وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَظِلْتُمْ" بِكَسْرِ الظّاءِ؛ وقَدْ بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿ ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَفَكَّهُونَ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وعُرْوَةُ: "تَفَكَّنُونَ" بِالنُّونِ.
وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: تَعْجَبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، ومُقاتِلٌ.
قالَ الفَرّاءُ: تَتَعَجَّبُونَ مِمّا نَزَلَ بِكم في زَرْعِكم.
والثّانِي: تَنْدَمُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، والزَّجّاجُ.
وعَنْ قَتادَةَ كالقَوْلَيْنِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: "تَفَكَّهُونَ": تَنْدَمُونَ، ومِثْلُها: تَفَكَّنُونَ، وهي لُغَةٌ لِعُكْلٍ.
والثّالِثُ: تَتَلاوَمُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والرّابِعُ: تَتَفَجَّعُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا لَمُغْرَمُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: تَقُولُونَ قَدْ غَرِمْنا وذَهَبَ زَرْعُنا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "لَمُغْرَمُونَ" أيْ: لَمُعَذَّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ أيْ: حُرِمْنا ما كُنّا نَطْلُبُهُ مِنَ الرِّيعِ في الزَّرْعِ.
وقَدْ نَبَّهَ بِهَذا عَلى أمْرَيْنِ.
أحَدُهُما: إنْعامُهُ عَلَيْهِمْ إذْ لَمْ يَجْعَلْ زَرْعَهم حُطامًا.
والثّانِي: قُدْرَتُهُ عَلى إهْلاكِهِمْ كَما قَدَرَ عَلى إهْلاكِ الزَّرْعِ.
فَأمّا المُزْنُ، فَهي السَّحابُ، واحِدَتُها: مُزْنَةٌ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ تُورُونَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَسْتَخْرِجُونَ، مِن أوْرَيْتُ، وأكْثَرُ ما يُقالُ: ورَيْتُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الَّتِي تَسْتَخْرِجُونَ مِنَ الزُّنُودِ.
قالَ الزَّجّاجُ: "تُورُونَ" أيْ: تَقْدَحُونَ، تَقُولُ: أوْرَيْتُ النّارَ: إذا قَدَحْتَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها ﴾ في المُرادِ بِشَجَرَتِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الحَدِيدُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها الشَّجَرَةُ الَّتِي تُتَّخَذُ مِنها الزُّنُودُ، وهو خَشَبٌ يُحَكُّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَتَخْرُجُ مِنهُ النّارُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.
والثّالِثُ: أنَّ شَجَرَتَها: أصْلُها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا رَآها الرّائِي ذَكَرَ نارَ جَهَنَّمَ، وما يَخافُ مِن عَذابِها، فاسْتَجارَ بِاللَّهِ مِنها "وَمَتاعًا" أيْ: مَنفَعَةً "لِلْمُقْوِينَ" وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ المُسافِرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمُوا بِذَلِكَ لِنُزْلِهِمُ القَوى، وهو القَفْرُ.
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُسافِرُونَ أكْثَرُ حاجَةً إلَيْها مِنَ المُقِيمِينَ، لِأنَّهم إذا أوْقَدُوها هَرَبَتْ مِنهُمُ السِّباعُ واهْتَدى بِهِ الضّالُّ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُسافِرُونَ والحاضِرُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الجائِعُونَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُقْوِي: الجائِعُ في كَلامِ العَرَبِ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ لا زادَ مَعَهم ولا مَرَدَّ لَهُمْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ، وقُدْرَتِهِ، وإنْعامِهِ، قالَ: "فَسَبِّحْ" أيْ: بَرِّئِ اللَّهَ ونَزِّهْهُ عَمّا يَقُولُونَ في وصْفِهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ: فَصَلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ: اسْتَفْتِحِ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: سَبِّحْ بِذِكْرِ رَبِّكَ وتَسْمِيَتِهِ.
وقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ.
والِاسْمُ يَكُونُ بِمَعْنى الذّاتِ، والمَعْنى: فَسَبِّحْ رَبَّكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ﴾ ﴿ أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزارِعُونَ ﴾ ﴿ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾ ﴿ إنّا لَمُغْرَمُونَ ﴾ ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ ﴿ أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴾ ﴿ أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ ﴾ ﴿ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ ﴾ ﴿ أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ ﴾ ﴿ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ ﴾ ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ ﴾ وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى أمْرِ الزَرْعِ الَّذِي هو قِوامُ العَيْشِ، وبَيَّنَ لِكُلِّ مَفْطُورٍ أنَّ الحِراثَ الَّذِي يُثِيرُ الأرْضَ ويَفْرِقُ الحَبَّ لَيْسَ يَفْعَلُ في نَباتِ الزَرْعِ شَيْئًا، وقَدْ يُسَمّى الإنْسانُ زارِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يُعْجِبُ الزُرّاعَ"، لَكِنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ زَرْعًا يَتِمُّ أمْ نَحْنُ؟
ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ.
و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ مِنَ النَباتِ الصائِرِ إلى ذَهابٍ، وبِهِ شُبِّهَ حُطامُ الدُنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: تَبْتًا لا قَمْحَ فِيهِ، "تَفَكَّهُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلاوِمُونَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: تَتَفَجَّعُونَ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، والَّذِي يَخُصُّ اللَفْظَ، هُوَ: تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي المَسَرَّةُ والجَزْلَ، ورَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ مُنْبَسِطَ النَفْسِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالشَيْءِ، و"تَفَكَّهَ" مِن أخَواتِ "تَحَرَّجَ" و"تَحَوَّبَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَظَلْتُمْ" بِفَتْحِ الظاءِ، ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ كَسْرَ الظاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: طُرِحَتْ عَلَيْها حَرَكَةُ اللامِ المَحْزُوفَةِ، وذَلِكَ رَدِيءٌ في القِياسِ، وهي قِراءَةُ أبُو حَيْوَةَ، ورَوى أحْمَدُ بْنُ مُوسى: "فَظَلَلْتُمْ" بِلامَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ عَنِ الجَحْدَرِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِكَسْرِ اللامِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا لَمُغْرَمُونَ ﴾ قَبْلَهُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "أئِنّا لَمُغْرَمُونَ" بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ مِنَ الغَرامِ، وهو أشَدُّ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنَّ يُعْـ ـطَ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا لَمُحَمَّلُونَ الغَرامَ، أيْ: غَرِمْنا في النَفَقَةِ وذِهابِ زَرْعِنا، تَقُولُ: "غَرِمَ الرَجُلُ وأغْرَمْتُهُ فَهو مُغْرَمٌ"، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "المَحْرُومُ" وأنَّهُ المَحْدُودُ والمُحارِفُ.
و"المُزْنِ": السَحابُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ونَحْنُ كَماءِ المُزْنِ ما في نِصابِنا ∗∗∗ كَهامٍّ ولا فِينا يُعَدُّ بِخَيْلٍ و"الأُجاجُ" أشَدُّ المِياهِ مُلُوحَةُ، وهو ماءُ البَحْرِ الأخْضَرِ.
و"تُورُونَ" مَعْناهُ: تَقْتَدِحُونَ مِنَ الأزْنُدِ، تَقُولُ: أوُرِيتُ النارَ مِنَ الزِنادِ، ورَوى الزِنادُ نَفْسُهُ، والزِنادُ قَدْ يَكُونُ مِن حَجَرَيْنِ ومِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في بِلادِ العَرَبِ، فَإنَّ أزْنُدَهم مِن شَجَرٍ ولا سِيَّما في الشَجَرِ الرَخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْخِ وما أشْبَهَ، ولِعادَةِ العَرَبِ في أنَّ زِنادَهم مِن شَجَرٍ قالَ تَعالى: ﴿ أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها ﴾ ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ النَظَرِ: أرادَ بِالشَجَرَةِ نَفْسَ النارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: نَوْعُها أو جِنْسُها، فاسْتَعارَ الشَجَرَةَ لِذَلِكَ، وهو قَوْلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْتُمْ" بِالمَدِّ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى: "أنْتُمْ" بِغَيْرِ مَدٍّ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
و"تَذْكِرَةً" مَعْناهُ: تُذَكِّرُ نارَ جَهَنَّمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، و"المَتاعُ" ما يُنْتَفَعُ بِهِ، و"المُقْوِينَ" بِأشْياءَ ضَعِيفَةٍ، كَقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الخائِفُونَ ونَحْوُهُ، ولا يَقُومُ مِنها إلّا ما ذَكَرْناهُ، ومَن قالَ مَعْناهُ: المُسافِرُونَ فَهو نَحْوُ ما قُلْناهُ، وهي عِبارَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ لِلَّهِ عنهُما، تَقُولُ: "أصْبَحَ الرَجُلُ" دَخَلَ في الصَباحِ، و"أصْحَرَ" دَخَلَ في الصَحْراءِ، و"أقْوى" دَخَلَ في الأرْضِ القِواءِ، ومِنهُ "أقْوَتِ الدارُ، أقْوى الطَلَلُ" أيْ: صارَ قِواءً، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: ...................
∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ وَقَوْلُ الآخَرِ: ...............
∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ والفَقِيرُ والغَنِيُّ إذًا أقْوَيا، سَواءٌ في الحاجَةِ إلى النارِ، ولا شَيْءَ يُغْنِي غِناها في البَرْدِ، ومَن قالَ: "إنَّ أقْوى مِنَ الأضْدادِ مِن حَيْثُ يُقالُ أقْوى الرَجُلُ إذا قَوِيَتْ دابَّتُهُ" فَقَدْ أخْطَأ، وذَلِكَ فِعْلٌ آخَرُ كَأتْرَبَ إذا أثْرى.
ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَنْزِيهِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْزِيهِ أسْمائِهِ العُلى عَمّا يَقُولُهُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ حَجُّوا في هَذِهِ الآياتِ.
<div class="verse-tafsir"
موقعها كموقع جملة ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ [الواقعة: 65] والمعنى: لو نشاء جعلناه غير نافع لكم.
فهذا استدلال بأنه قادر على نقض ما في الماء من الصلاحية للنفع بعد وجود صورة المائية فيه.
فوزان هذا وزانُ قوله: ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ [الواقعة: 60] وقوله: ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ [الواقعة: 65].
وتخلص من هذا التتميم إلى الامتنان بقوله: ﴿ فلولا تشكرون ﴾ تحْضيضاً لهم على الشكر ونبذ الكفر والشرك.
وحذفت اللام التي شأنها أن تدخل على جواب ﴿ لو ﴾ الماضي المثبت لأنها لام زائدة لا تفيد إلا التوكيد فكان حذفها إيجازاً في الكلام.
وذكّر الشيخ محمد بن سعيد الحجري التونسي في حاشيته على شرح الأشموني للألفية المسماة «زواهر الكواكب» عن كتاب «البرهان في إعجاز القرآن» هذا الاسم سمي به كتابان أحدهما لكمال الدين محمد المعروف بابن الزملكاني والثاني: لابن أبي الأصبع أنه قال: فإن قيل لِمَ أكد الفعل باللام في الزرع ولم يؤكد، في الماء؟
قلت: لأن الزرع ونباته وجفافه بعد النضارة حتى يعود حطاماً مما يحتمل أنه من فعل الزارع أو أنه من سَقي الماء، وجفافه من عدم السقي، فأخبر سبحانه أنه الفاعل لذلك على الحقيقة وأنه قادر على جعله حُطاماً في حال نموه لو شاء، وإنزالُ الماء من السماء مما لا يتوهم أن لأحد قدرة عليه غير الله تعالى اه.
وحذفُ هذه اللام قليل إلا إذا وقعت ﴿ لو ﴾ وشرطها صلة لموصول فيكثر حذف هذه اللام للطول وهو الذي جزم به ابن مالك في «التسهيل» وتبعه الرضي كقوله تعالى: ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم ﴾ [النساء: 9] وإن قال المرادي والدماميني في «شرحيهما»: إن هذا لا يعرف لغير المصنف، قال الرضي: وكذلك إذا طال الشرط بذيوله كقوله تعالى: ﴿ ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ﴾ [لقمان: 27]، أي وأما في غير ذلك فحذف اللام قليل ولكنه تكرر في القرآن في عدة مواضع منها هذه الآية.
وللفخر كلام في ضابط حذف هذه اللام، ليس له تمام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ﴾ الآيَةَ.
فَأضافَ الحَرْثَ إلَيْهِمْ والزَّرْعَ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّ الحَرْثَ فِعْلُهم ويَجْرِي عَلى اخْتِيارِهِمْ، والزَّرْعُ مِن فِعْلِ اللَّهِ ويَنْبُتُ عَلى اخْتِيارِهِ لا عَلى اخْتِيارِهِمْ، وكَذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ : « (لا يَقُولَنَّ أحَدُكم زَرَعْتُ ولَكِنْ لِيَقُلْ حَرَثْتُ)» .
وتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ بِأنْ أنْبَتَ زَرْعَهم حَتّى عاشُوا بِهِ لِيَشْكُرُوهُ عَلى نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: البُرْهانُ المُوجِبُ لِلِاعْتِبارِ بِأنَّهُ لَمّا أنْبَتَ زَرْعَهم بَعْدَ تَلاشِي بُذُورِهِ وانْتِقالِهِ إلى اسْتِواءِ حالِهِ، [مِنَ العَفِنِ إلى التَّرْتِيبِ] حَتّى صارَ زَرْعًا أخْضَرَ، ثُمَّ جَعَلَهُ قَوِيًّا مُشْتَدًّا أضْعافَ ما كانَ عَلَيْهِ، فَهو بِإعادَةِ مَن ماتَ أحَقُّ وعَلَيْهِ أقْدَرُ، وفي هَذا البُرْهانِ مَقْنَعٌ لِذَوِي الفِطَرِ السَّلِيمَةِ.
ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا ﴾ يَعْنِي الزَّرْعَ، والحُطامُ الهَشِيمُ الهالِكُ الَّذِي لا يَنْتَفِعُ بِهِ، فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: ما أوْلاهم مِنَ النِّعَمِ في زَرْعِهِمْ إذْ لَمْ يَجْعَلْهُ حُطامًا لِيَشْكُرُوهُ.
الثّانِي: لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ في أنْفُسِهِمْ، كَما أنَّهُ يَجْعَلُ الزَّرْعَ حُطامًا إذا شاءَ كَذَلِكَ يُهْلِكُهم إذا شاءَ لِيَتَّعِظُوا فَيَنْزَجِرُوا.
﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾ بَعْدَ مَصِيرِ الزَّرْعِ حُطامًا، وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَنْدَمُونَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ، ويُقالُ إنَّها لُغَةُ عُكْلٍ وتَمِيمٍ.
الثّانِي: تَحْزَنُونَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
الثّالِثُ: تُلاوِمُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: تَعْجَبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَإذا نالَكم هَذا في هَلاكِ زَرْعِكم كانَ ما يَنالُكم في هَلاكِ أنْفُسِكم أعْظَمَ.
﴿ إنّا لَمُغْرَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمُعَذَّبُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ المُحَلَّمِ وثِقْتَ بِأنَّ الحِفْظَ مِنِّي سَجِيَّةً وأنَّ فُؤادِيَ مُبْتَلًى بِكَ مُغْرَمُ الثّانِي: مُولَعٌ بِنا، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ سَلا عَنْ تَذَكُّرِهِ تَكَتُّمًا ∗∗∗ وكانَ رَهِينًا بِها مُغْرَمًا أيْ مُولَعٌ.
الثّالِثُ: مَحْرُومُونَ مِنَ الحَظِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَوْمَ النِّسارِ ويَوْمَ الجِفا ∗∗∗ رِ كانا عَذابًا وكانا غَرامًا ﴿ أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴾ أيْ تَسْتَخْرِجُونَ بِزِنادِكم مِن شَجَرٍ أوْ حَدِيدٍ أوْ حَجَرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ فَإنَّ النّارَ بِالزِّنْدَيْنِ تُورى ∗∗∗ وإنَّ الشَّرَّ يَقْدُمُهُ الكَلامُ ﴿ أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها ﴾ أيْ أخَذْتُمْ أصْلَها.
﴿ أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ ﴾ يَعْنِي المُحْدِثُونَ.
﴿ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَذْكِرَةً لِنارِ [الآخِرَةِ] الكُبْرى، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: تَبْصِرَةً لِلنّاسِ مِنَ الظَّلامِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَنفَعَةً لِلْمُسافِرِينَ قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ الفَرّاءُ: إنَّما يُقالُ لِلْمُسافِرِينَ إذا نَزَلُوا القِيُّ وهي الأرْضُ القَفْرُ الَّتِي لا شَيْءَ فِيها.
الثّانِي: المُسْتَمْتِعِينَ مِن حاضِرٍ ومُسافِرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: لِلْجائِعِينَ في إصْلاحِ طَعامِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: الضِّعَفاءُ والمَساكِينُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ أقْوَتِ الدّارُ إذا خَلَتْ مِن أهْلِها، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
والعَرَبُ تَقُولُ قَدْ أقْوى الرَّجُلُ إذا ذَهَبَ مالُهُ، قالَ النّابِغَةُ يَقْوى بِها الرَّكْبُ حَتّى ما يَكُونُ لَهم ∗∗∗ إلّا الزِّنادُ وقِدْحُ القَوْمِ مُقْتَبَسٌ الخامِسُ: أنَّ المُقْوِي الكَثِيرُ المالِ، مَأْخُوذٌ مِنَ القُوَّةِ فَيَسْتَمْتِعُ بِها الغَنِيُّ والفَقِيرُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه عن حجر المرادي رضي الله عنه قال: كنت عند عليّ رضي الله عنه فسمعته وهو يصلي بالليل يقرأ فمر بهذه الآية ﴿ أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ﴾ قال: بل أنت يا رب ثلاثاً ثم قرأ ﴿ أأنتم تزرعونه ﴾ قال: بل أنت يا رب ثلاثاً، ثم قرأ ﴿ أأنتم أنزلتموه من المزن ﴾ قال: بل أنت يا رب ثلاثاً، ثم قرأ ﴿ أأنتم أنشأتم شجرتها ﴾ قال: بل أنت يا رب ثلاثاً.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ قال: تقدير أن جعل أهل الأرض وأهل السماء فيه سواء شريفهم وضعيفهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ قال: المتأخر والمعجل وأي في قوله: ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون ﴾ قال: في خلق شئنا وفي قوله: ﴿ ولقد علمتم النشأة الأولى ﴾ إذ لم تكونوا شيئاً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد علمتم النشأة الأولى ﴾ قال: خلق آدم عليه السلام.
وأخرج البزار وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم زرعت ولكن ليقل حرثت، قال أبو هريرة رضي الله عنه: ألم تسمعوا الله يقول: ﴿ أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبد الرحمن رضي الله عنه أنه كره أن يقول: زرعت، ويقول: حرثت.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أأنتم تزرعونه ﴾ قال: تنبتونه.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فظلتم تفكهون ﴾ قال: تعجبون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فظلتم تفكهون ﴾ قال: تندمون.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا لمغرمون ﴾ قال: ملقون للشر ﴿ بل نحن محرومون ﴾ قال: محدودون، وفي قوله: ﴿ أأنتم أنزلتموه من المزن ﴾ قال: السحاب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أأنتم أنزلتموه من المزن ﴾ قال: السحاب.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وقتادة رضي الله عنهما مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر رضي الله عنه «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا شرب الماء قال: الحمد لله الذي سقانا عذباً فراتاً برحمته ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا» .
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ قال: هذه لنا تذكرة للنار الكبرى ﴿ ومتاعاً للمقوين ﴾ قال: للمستمتعين الناس أجمعين وفي لفظ للحاضر والبادي.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ قال: تذكرة للنار الكبرى ﴿ ومتاعاً للمقوين ﴾ قال: للمسافرين.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ قال: تذكرة للنار الكبرى ﴿ ومتاعاً للمقوين ﴾ قال: للمسافرين، كم من قوم قد سافروا ثم أرملوا فأحجبوا ناراً فاستدفؤوا بها، وانتفعوا بها.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ ومتاعاً للمقوين ﴾ قال: للمسافرين.
وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا عباد الله فضل الله الماء ولا كلأ ولا ناراً، فإن الله تعالى جعلها متاعاً للمقوين وقوة للمستضعفين، ولفظ ابن عساكر وقواماً للمستمتعين» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِنَ المزن ﴾ هي السحاب، والأُجاج الشديد الملوحة، فإن قيل: لم تثبت اللام في قوله: ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً ﴾ [الواقعة: 65] وسقطت في قوله: ﴿ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً ﴾ ؟
فالجواب من وجهين أحدهما أنه أغنى اثباتها أولاً عن إثباتها ثانياً مع قرب الموضعين.
والآخر أن هذه اللام تدخل للتأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدلالة على أن الطعام أوكد من الشراب، لأن الإنسان لا يشرب إلا بعد أن يأكل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ينزفون ﴾ من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف.
الباقون: بفتح الزاء ﴿ حور عين ﴾ بجرهما: يزيد وعلي وحمزة ﴿ عرباً ﴾ بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل ﴿ أئذا أئنا ﴾ كما في "الرعد" إلا ابن عامر فإنه تابع عاصماً، وإلا يزيد فإنه تابع قالون ﴿ شرب ﴾ بضم الشين: أبو جعفر نافع وعاصم وحمزة وسهل.
الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ﴿ أئنا لمغرمون ﴾ بهمزتين: أبو بكر وحماد.
الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.
﴿ بموقع ﴾ على الوحدة: حمزة وعلي وخلف.
﴿ تكذبون ﴾ بالتخفيف: المفضل ﴿ فروح ﴾ بضم الراء: قتيبة ويعقوب.
الوقوف: ﴿ الواقعة ﴾ ه لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوباً بإضمار "أذكر" أو كان الجواب محذوفاً أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف ﴿ كاذبة ﴾ ه م لئلا يصير ما بعدها صفة ﴿ رافعة ﴾ ه لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلاً من الأول ﴿ رجاً ﴾ ه لا ﴿ بساً ﴾ ه ﴿ منبثاً ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ ه ط لتناهي استفهام التعجب ﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾ ه ط ﴿ السابقون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ السابقون ﴾ تأكيد والجملة بعده خبر ﴿ المقربون ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم ﴿ جنات النعيم ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ موضونة ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ مخلدون ﴾ ه لا ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ ولا ينزفون ﴾ ه لا ﴿ يتخيرون ﴾ ه لا ﴿ يشتهون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع ﴿ المكنون ﴾ ه ج ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ تأثيماً ﴾ ه لا ﴿ سلاماً ﴾ ه ط ﴿ وما أصحاب اليمين ﴾ ه ط ﴿ مخضود ﴾ ه لا ﴿ منضود ﴾ ه لا ﴿ ممدود ﴾ ه لا ﴿ مسكوب ﴾ ه لا ﴿ كثيرة ﴾ ه لا ﴿ ممنوعة ﴾ ه لا ﴿ مرفوعة ﴾ ه ط ﴿ إنشاء ﴾ ه لا ﴿ أبكاراً ﴾ ه لا ﴿ أتراباً ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الشمال ﴾ ه ط ﴿ وحميم ﴾ ه لا ﴿ يحموم ﴾ ه لا ﴿ ولا كريم ﴾ ه ﴿ مترفين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ والآخرين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ المكذبون ﴾ ه لا ﴿ زقوم ﴾ ه لا ﴿ البطون ﴾ ه ج والوقف أجوز ﴿ الحميم ﴾ ه ج ﴿ الهيم ﴾ ه ط ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تصدقون ﴾ ه ﴿ تمنون ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ﴿ بمسبوقين ﴾ ه لا ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ تحرثون ﴾ ه ط ﴿ الزارعون ﴾ ه ﴿ تفكهون ﴾ ه ﴿ لمغرمون ﴾ ه لا ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ المنزلون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تورون ﴾ ه ط ﴿ المنشؤن ﴾ ه ﴿ للمقوين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ النجوم ﴾ ه لا ﴿ عظيم ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ المطهرون ﴾ ه ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ مدهنون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ الحلقوم ﴾ ه لا ﴿ تنظرون ﴾ ه لا ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ مدينين ﴾ ه لا ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه لا ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ الظالين ﴾ ه لا ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ جحيم ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ ألعظيم ﴾ ه.
التفسير: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ نظير قولك حدثت الحادثة "وكانت الكائنة" وهي القيامة التي تقع لا محالة.
يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله.
واللام في ﴿ لوقعتها ﴾ للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس.
ويجوز أن يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير معقول.
وجوز جار الله أن يكون من قولهم "كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم" إذا شجعته على مباشرته.
وقالت له: إنك تطيقه.
فيكون المراد أن القيامة واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور.
وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول.
وقال في الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم "حمل على قرنه فما كذب" أي فما جبن وما تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له.
والحال من هذا التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد ﴿ خافضة رافعة ﴾ أي هي تخفض أقواماً وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال: وما إن طبنا جبن ولكن *** منايات ودولة آخرينا وإما لإن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله ﴿ إذا رجت الأرض ﴾ أي حركت تحريكاً عنيفاً حتى ينهدم كل بناء عليها ﴿ وبست الجبال بساً ﴾ أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها ﴿ فكانت ﴾ أي صارت غباراً متفرقاً.
ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلاً ﴿ وكنتم ﴾ لفظ الماضي لتحقق الوقوع ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً ﴿ ثلاثة ﴾ ثم فصلها فقال ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ وهو تعجب من شأنهم كقولك "زيد ما زيد" سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم "فلان مني باليمين" إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيهم عليها.
روي أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهمفي الشمال ﴿ والسابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة ﴿ هم السابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله "وشعري شعري" يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف ﴿ السابقون ﴾ ﴿ أولئك المقربون ﴾ إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق إشار إلى ذلك ﴿ في جنات النعيم ﴾ إخفاء حالهم وبيان محل إجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا .
قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به يحصل الأمة المقتدية به.
﴿ وقليل من الآخرين ﴾ أي من هذه الأمة.
قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ههنا ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ وفيما بعده قال ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعاً من أمة محمد .
جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله ﴿ وكنتم أزواجاً ﴾ لأمة محمد والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله { ﴿ والسابقون الأولون ﴾ والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين.
وأما أصحاب اليمين فيوجدون في كلا القبيلين كثيراً وعلى هذا يكون الترتيب المذكور ساقطاً ولا نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع.
قال الزجاج وهو قول مجاهد والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي وعاينه وجماعة ممن آمن به وكان بعده.
وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي قال " " جميع الثلتين من أمتي " " وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فمازال رسول الله يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد رسول الله لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد سابقين فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في قوله "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" إشارة إلى هذا.
وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن يكونوا أكثر لأن فيض الله المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سبباً لخاتمة نبينا أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً هذا ما سنح في الوقت والله أعلم بمراده.
ثم وصف حال المقربين بقوله ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال المفسرون: أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع أي استقروا على السرر ﴿ متكئين ﴾ وقوله ﴿ ولدان مخلدون ﴾ أي غلمان لا يهرمون ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد.
قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط.
وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.
قال جار الله: روي هذا عن علي .
والحسن قال الحديث "أولاد الكفار خدام أهل الجنة" " والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه.
والباقي مفسر في "الصافات" إلى قوله ﴿ مما يتخيرون ﴾ أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلاً بين يديه على ما اشتهى.
ومن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور.
ومن خفضهما فعلى العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا.
والكاف في قوله ﴿ كأمثال ﴾ للمبالغة في التشبيه.
قوله ﴿ جزاء ﴾ مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل الجزاء.
قوله ﴿ ولا تأثيماً ﴾ أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم.
وانتصب ﴿ سلاماً ﴾ على البدل من ﴿ قليلاً ﴾ أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون يها إلا أن يقولوا سلاماً عقيبه سلام.
ثم عجب من شأن أصحاب اليمين.
والسدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه.
وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور طيب الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل.
وفي الكشاف أن علياً أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله ﴿ لها طلع نضيد ﴾ فقيل: أو نحولها؟
قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه.
قلت: وفي هذه الرواية نظر لا يخفى.
والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له ساق بارزة ﴿ وظل ممدود ﴾ أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص.
ويحتمل أن يراد أنه دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع إنه ممدود.
والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير أخدود ﴿ لا مقطوعة ﴾ في بعض الأوقات ﴿ ولا ممنوعة ﴾ عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا ﴿ مرفوعة ﴾ أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قاله علي .
وقيل: هي النساء المرفوعة على الأرائك.
والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله ﴿ إنا أنشأناهن ﴾ وعلى التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلاً عليهن.
ومعنى الإنشاء أنه ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء.
روى الضحاك عن ابن عباس أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم ﴿ أبكاراً عرباً ﴾ جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أتراباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً من غير وجع.
وقوله ﴿ لأصحاب اليمين ﴾ متعلق بأنشأنا وجعلنا.
ثم عجب من أصحاب الشمال.
ومعنى ﴿ في سموم ﴾ في حر نار ينفذ في المسام.
والحميم الماء الكثير الحرارة.
واليحموم الدخان الأسود "يفعول" من الأحم وهو الأسود.
ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه.
قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.
قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة.
ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا العقاب فقال ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك ﴾ أي في الدنيا ﴿ مترفين ﴾ متنعمين متكبرين عن التوحيد والطاعة والإخلاص ﴿ وكانوا يصرون على الحنث ﴾ وهو الذنب الكبير ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الخنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها.
وخص جمع من المفسرين فقالوا.أعني به الشرك.
وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد مر مثله في "الصافات".
واعلم أنه ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقاً عجيباً وأسلوباً غريباً.
وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين.
أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.
ثم بعدما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلاً من السابقين ومن أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، وكأن في هذا الطي إشارة إلى الحديث القدسي "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى قوله " "نحن الآخرون السابقون " ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ذكر السابق من حيث هو سابق.
فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله أعلم بمراده.
ثم أمر نبيه بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ﴾ أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت ﴿ يوم معلوم ﴾ عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة.
ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ذكر طرفاً من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال ﴿ ثم إنكم أيها الضالون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث ﴿ لآكلون ﴾ أي في السموم المذكور ﴿ من شجر ﴾ هو للابتداء ﴿ من زقوم ﴾ هو للبيان ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ آنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتباراً وذلك أن شرب الماء المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب.
والهيم الإبل التي بها الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه "فعل" كبيض.
وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب.
ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى يضطروا إلى أكل الزقوم.
ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم كالإبل الهيم ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على البدء كان على الإعادة أقدر.
ثم برهن أنه لا خالق إلا هو فقال ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ أي تقذفونه في الأرحام.
يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله ﴿ من نطفة إذا تمنى ﴾ ﴿ أءنتم تخلقونه ﴾ تقدّرونه وتصورونه.
ووجه الاستدلال أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال عنها جميعاً.
فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنساناً كاملاً يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء منها وإلى هذا أشار بقوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل ﴾ أي نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه أحد.
يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه.
والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق و ﴿ فيما لا تعلمون ﴾ أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا.
وجوز جار الله أن يكون جمع مثل بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات لا تعلمونها.
ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيراً بعد تذكير فقال ﴿ ولقد علمتم ﴾ الآية.
ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته قائلاً ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ من الطعام أي تبذرون حبه ﴿ أءنتم تزرعونه ﴾ أي تجعلونه بحيث يكون نباتاً كاملاً يستحق اسم الزرع.
وفي الكشاف عن رسول الله " لا يقولن أحد زرعت وليقل حرثت " والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس.
وقوله ﴿ فظلتم ﴾ أصله فظللتم حذفت إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملاً غير مقس عليه.
ومعنى ﴿ تفكهون ﴾ تعجبون كأنه تكلف الفكاهة.
وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه التعب فيه أو على المعاصي التي تكون سبباً لذلك.
من قرأ ﴿ أنا ﴾ بالخبر فواضح ويحسن تقدير القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول أيضاً.
ومعنى ﴿ لمغرمون ﴾ لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة أي لملزمون غرامة ما أنفقنا ﴿ بل نحن ﴾ قوم ﴿ محرومون ﴾ لا حظ لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ الله منهما.
ثم ذكر دليلاً آخر مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة.
والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب "لو" عن إشاعة الثانية وهي ثابتة في المعنى لأن "لو" شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى اللام التوكيدي.
ويمكن أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا خصت آية المطعوم باللام المفيدة للتأكيد.
وإنما ختم الآية بقوله ﴿ فلولا تشكرون ﴾ لأنه وصف الماء بقوله ﴿ الذي تشربون ﴾ ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال ﴿ أءنتم أنزلتموه من المزن ﴾ وهذا لا عمل للآدمي فيه أصلاً بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود الشكر إلى النعمتين جميعاً ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر.
ومعنى ﴿ تورون ﴾ تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر "يس".
وأعلم أنه بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم.
ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ وفي الثانية ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ وفي الثالثة ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ تتعظون بها ولا تنسون نار جهنم كما روي عن رسول الله "ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من جهنم " ﴿ ومتاعاً ﴾ وسبب تمتع ومنفعة ﴿ للمقوين ﴾ للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئاً من أيام.
وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه بدأ بالوعيد الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتاً فقال ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتاً لا ذاتاً ولهذا حذف اللام في قوله ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو كون "لو" بمعنى "أن" وذلك أن الماء باقٍ ههنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهمياً فافهم.
ثم ختم بتذكير النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه.
أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة.
وأما الثاني فلأن عدم ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة.
وفي قوله ﴿ تذكرة ﴾ إشارة إلى ما قلنا.
ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عما يقول الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ فلا أقسم ﴾ أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد التأكيد.
ومواقع النجوم مساقطعها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة ولهذا قال ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ وعن سفيان الثوري: إن لله ريحاً تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار.
وقوله ﴿ وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ اعتراض فيه اعتراض.
ومواقعها منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن المرضي من بين جنس الكتب.
أو كرمه نفعه للمكلفين.
أو هو كرامته على الله عز وجل ﴿ في كتاب مكنون ﴾ مستوراً على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ملائكته المقربين وهو اللوح ﴿ لا يمسه ﴾ إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا يصل إلى ما فيه ﴿ إلا ﴾ عبيده ﴿ المطهرون ﴾ من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث.
ومن الناس من حرم قراءة القرآن عند الحدث الأصغر أيضاً.
وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة عندهم.
ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ أي بالقرآن أو بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن ﴿ أنتم مدهنون ﴾ متهاونون من أدهن في الأمر إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه ﴿ وتجعلون رزقكم ﴾ أي شكر رزقكم ﴿ أنكم تكذبون ﴾ بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ إلى قوله ﴿ للمقوين ﴾ وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله عز وجل وتنسبونه إلى النجوم.
ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته.
وترتيب الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير ﴿ فلولا ﴾ التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون ﴾ ومنها تقديم الظرف وهو قوله ﴿ إذا بلغت الحلقوم ﴾ أي النفس.
وإنما أضمرت للعلم بها كقوله ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ وإنما قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه.
ومنها زيادة الجمل المعترضة وهي قوله ﴿ وأنتم ﴾ يا أهل الميت ﴿ حينئذ تنظرون ﴾ إليه ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ بالقدرة والعلم أو بملائكة الموت ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ لا بالبصر ولا بالبصيرة.
ومعنى مدينين مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.
ومنها قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم متمنعين عن الموت، والحلقوم الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه "فعلوم" ويمكن أن يقال: إن فعل ﴿ فلولا ﴾ الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم.
فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟
ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياماً معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة.
ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء نوع من القهر والتسخير.
ويحتمل عندي أن يكون الضمير في ﴿ ترجعونها ﴾ عائداً إلى ملائكة الموت بدليل قوله ﴿ ونحن أقرب ﴾ والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا.
وحين بين أن لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلاً ﴿ فأما إن كان ﴾ المتوفى ﴿ من المقربين ﴾ أي من السابقين من الأزواج الثلاثة ﴿ فروح ﴾ أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن ﴿ وريحان ﴾ أي رزق وهذا للبدن ﴿ وجنة نعيم ﴾ وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر.
ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك ﴾ أيها النبي ﴿ من أصحاب اليمين ﴾ أي أنت سالم من شفاعتهم.
هذا قول كثير من المفسرين.
وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ﴿ إن هذا ﴾ القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لهو حق اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين.
وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى "من" كقولك "خاتم فضة" وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك "حق الحق".
"وصواب الصواب" أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه.
أو المراد هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر.
هذا ما قاله أكثر المفسرين.
وقيل: الإضافة كما في قولنا "جانب الغربي" و "مسجد الجامع" أي حق الأمر اليقين.
ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا "حق النبي أن يصلي عليه" و "حق المال أن تؤدى زكاته" ومنه قوله " "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " أي إلا بحق هذه الكلمة.
ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله في شأن الأزواج الثلاثة.
وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عياناً فليس الخبر كالمعاينة، وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحداً.
ولعله لا يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلأ من ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين.
روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه فقال له: ما تشتكي؟
قال: ذنوبي.
قال: ما تشتهي؟
قال:رحمة ربي.
قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني.
قال: افلا نأمر بعطائك؟
قال: لا حاجة لي فيه.
قال: تدفعه إلى بناتك.
قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله يقول "من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبداً"
قوله - عز وجل -: ﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: لما صدقتموني ورسلي بأنا خلقناكم في الابتداء، فهلا صدقتمونا ورسلنا بأنا نعيدكم تارة أخرى؛ إذ الأعجوبة في ابتداء الأشياء أكثر منها في الإعادة، وهو ما قال: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ .
والثاني: إنكم صدقتموه ورسله: أنه أنشأكم في بطون أمهاتكم في الظلمات الثلاث، ونقلكم من حال إلى حال، لا يحتمل أن يترككم سدى بلا عاقبة؛ فيكون فيه إثبات البعث؛ إذ لولا ذلك لكان خلقهم وتحويلهم من حال إلى حال عبثا؛ كما قال : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ قد علموا أنهم لم يخلقوا ما يمنون، ولا خلقوا أنفسهم، فيقول - والله أعلم -: قد أقررتم أنكم لم تخلقوا ما أمنيتم، ولا أنفسكم، ولا تملكون ذلك، فق دعرفتم أن الله هو خالقكم وخالق ذلك كله، وهو المالك لذلك؛ فإذا عرفتم ذلك، وأنتم أهل تمييز، وأكمل عقلا من غيرككم، فإذا لم تملكوا خلق أنفسكم، فالذين هم دونكم أحق ألا يملكوا خلق أنفسكم وخلق ما ذكر ثبت أن الله هو خالق ذلك كله؛ فكيف عبدتم غيره، وصرفتم الألوهية إلى غيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: أنه لما كان هو الذي خلقكم وما ذكر، ثم قدر بينكم الموت، وفيكم الولي له والعدو، وقد سوى في الدنيا بين الولي والعدو، وفي الحكمة التفريق بينهما؛ دل أن هنالك دارا أخرى يفرق بينهما.
والثاني: ﴿ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ ﴾ ، أي: المعجل والمؤجل؛ أي: لم يجعل موت جميعكم في وقت واحد، بل جعل أجلا مؤجلا في الأصل، وقدر أن تكون مدة أجل هذا أكثر من مدة أجل الآخر.
وقيل: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ ﴾ أي سوينا بينكم في الموت بين عزيزكم وذليلكم، ورفيعكم ووضيعكم، لا يسلم أحد عنه.
ويحتمل وجها آخر هو - أولى -: وهو أنه قدر بينكم الموت، وكل واحد منكم يكره الموت، ثم لم تملكوا دفع الموت عن أنفسكم؛ دل أن هاهنا قاهرا يجب القول بوجوه، والانقياد لأوامره ونواهيه.
وقوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ أي: وما نحن بمغلوبين في تبديل أمثالكم.
أو يقول: وما نحن بعاجزين على أن نبدل أمثالكم.
وقوله: ﴿ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ قال أبو بكر الأصم: فيما لا تعلمون من تبديلكم إلى صورة ذميمة قبيحة؛ كصورة القدرة والخنازير، ونحوها.
وقيل: ﴿ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ في أي خلق شاء؛ وهو أقرب من الأول.
وجائز أن يكون معناه ﴿ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ في ظلمات ثلاث الذي لا يبلغه علم البشر، ولا تدبير الحكماء إلى أن بلغوا ما بلغوا، فمن ملك ذلك لا يحتمل أن يعجز عن بعث أو غيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ ﴾ ، فهو على ما ذكرنا: إنكم لما عرفتم أنه هو الذي أنشأكم النشأة الأولى لا عن أصل سبق، لا يحتمل أ، يعجز عن النشأة الآخرة؛ لأنها مثل الأولى؛ بل في وهمكم أسهل وأهون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ يخرج على ما ذكرنا: هلا تذكرون وحدانيته وربوبيته.
أو هلا تذكرون أن قادر على البعث.
أو هلا تذكرون أنه هو المستوجب لشكر ما أنعم عليكم، وهلا تذكرون نعمه وإحسانه.
ومن الناس من قال: النشأة الأولى هاهنا نشأة آدم - - وخلقه؛ أي: علمتم نشأته لا عن أصل ولا احتذاء لغير، فمن قدر على ذلك فهو على النشأة الآخرة لقادر، وعلى تقدير وهمكم أقدر، والله الموفق.
وقوله - عزو جل -: ﴿ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ ﴾ جائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ ﴾ ، كأنه يقول: أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تخلقون الزرع أم نحن الخالقون له؟
فيكون فيه الذي ذكرنا في ذلك، والله أعلم.
والثاني: أفرأيتم ما تحرثون أأنتم جعلتم الحراثة بحيث تنبت أم نحن الجاعلون بحيث تنبت؟
ثم قال: ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً ﴾ ، أي: يابساز وقال أبو عوسجة: أي: متكسر؛ يذكر نعمته التي أنعهما عليهم؛ يقول: هو الذي جعله بحيث ينتفع [به]، ويبقى، ولو شاء لجعله بحيث لا ينتفع به، ويخبر عن قدرته: أنه قادر على الإنبات، وعلى الإهلاك؛ فعلى ذلك قادر على الإنشاء والإعادة.
وأهل التأويل يقولون: أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون، وأصله ما ذكرنا.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾ قيل: تعجبون.
وقيل: تندمون، وهي لغة عكيل.
وقال أبو بكر الأصم: أي: صرتم تنعمون وتتلذون؛ كما يقول الرجل الآخر: لو أخذت مالك أو سلبته صرت غنيا أو استغنيت.
ولكن لا ندري أيقال ما ذكر أم لا؟
فإن كان يقال ذلك، يصير تقديره كأه يتلذذ؛ لكثرة ما يذكره في كل وقت؛ لأن الرجل إذا ذهب ماله لا يزال يذكره كالمتلذذ به والمتنعم.
وعن ابن عباس - -: ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾ ، أي: تلاومون.
وفي حرف ابن مسعود - -: (فصرتم تفكهون)، وقوله: ﴿ فَظَلْتُمْ ﴾ يستعمل في زمان النهار دون الليل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ أي: فظلتم تقولون: إنا لمغرمون.
ثم اختلف فيه: قيل: إنا لمعذبون بقوله: ﴿ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴾ .
وقيل: إنا المذمومون الملقون للشر، ونحون ذلك، لكنه من الغرم الظاهر؛ لأن مرتجعه خسران في ماله، أو هلاك يلحقه الغرامة؛ لما يحتاج إلى غيره، وأصله كأنه يقول - والله أعلم -: لو جعله حطاما يابسا لا تنتعفون به، ظلمتم تقولون: ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ قيل: المحروم: هو الذي ينتفى عنه المال او ما ينتفع به.
وقال بعضهم: محدودون.
وقيل: محاربون.
لكن المحروم ظاهر، لا يحتاج إلى التفسير ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ ﴾ يذكر نعمه عليهم بما أنزل لهم من الماء العذب فيشربون، وأخبر أنه لو شاء، لجعله أجاجا مالحاً ما يهلك الأنفس، ولا تقوم به، وكذلك قوله: ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاما ﴾ حتى يخرج من أن يكون غذاء فيه، ولكن يفضله ورحمته أبقى لهم ذلك أغذية وأشربة؛ ولذلك قال في آخرة: ﴿ فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ ﴾ \[أي\]: هلا تشكرون ما أنعم عليكم؟
ثم في هذه الآية دلالة نقض قول المعتزلة في أفعال العباد؛ حتيث قال: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ ، والإمناء: هو فعل العبد؛ إذ هو دفق المني، ثم أخبر أنه هو خالق ذلك؛ حيث قال: ﴿ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ ﴾ ، وكذلك الحراثة والزراعة فعل العباد، وأخبر أنه خالق ذلك.
[و] في قوله : ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاما ﴾ و ﴿ أُجَاجاً ﴾ نقض قولهم في الأصلح؛ فإنه يقال لهم: إن قوله: لو شاء لجعله كذا، ثم لم يفعل ذلك، فقد ترك الأصلح لهم، أو يكون الأصلح لهم في إبقاء ذلك؛ فيصير كأنه قال: لو شاء لجعل ما هو حق وعدل جورا، ولا يجوز أن يقال: إن الله لو شاء أن يجور لجار؛ فعلى أي الوجهين حمل، كان في ذلك نقض مذهبهم.
وفي قوله : ﴿ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ ﴾ نقض قولهم من أن المقتول لم يمت بأجله؛ لأنه - - أخبر أنه قدر الموت بينهم، وعندهم: أن من قتل لم يمت بما قدر الله ، ولم يمت بأجله، وقد أخبر أنه هو قدر ذلك، وأنه لا يسبق في ذلك قوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ ، ولو كان على ما تقوله المعتزلة يموت قبل أجله، فقد قالوا: إنه لم يقدر له الموت، وأن القاتل قد سبقه ومنعه عن وفاء ما جعل له من الأجل والبلوغ إلى ذلك الأجل الذي جعل له وكذبه في خبره: أنه يبلغ إلى ذلك الأجل، والله الموفق.
ثم قوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ ﴾ اختلف في تأويل المزن: قال عامة أهل التأويل والأدب: المزن: هو السحاب.
وقال أبو بكر الأصم: المزن: هو الماء العذب؛ فعلى قوله يكون حرف ﴿ مِنَ ﴾ صلة، كأنه قال: أأنتم أنزلتم المزن.
والظاهر ما ذهب إليه أولئك: أنه ينزل من السحاب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ ﴾ قال بعضهم: توقدون.
وقال بعضهم: تقدحون، يقال: قدحت النار، وأوريتها: أي أخرجتها؛ يقال: ورت الناس ترى وريا؛ فهي وراية، أي: أضاءت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ ﴾ قيل: هي الشجرة التي تجعل حطبا، وتوقد بها النار وتحرق.
وقيل: هي الشجرة التي فيها النار، وهي التي يتخذ منها الزيوت، والأول أقرب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ﴾ قال بعض أهل التأويل: أي: جعلنا هذه النار تذكرة للنار الكبرى: وهي نار الآخرة.
ويحتمل أن يكون ﴿ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا ﴾ ، أي: هذه النعم الحاضرة تذكرة للنعم الموعودة.
أو جعلنا هذه الشدائد والبلايا في الدنيا تذكرة لما أوعدنا في الآخرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ ﴾ قال بعض أهل التأويل: أي متاعا للمسافرين، خص المسافرين، لنزولهم القواء، وهو القفر؛ وهو قول القتبي.
وقيل: المقوين: المستمتعين.
وقال أبو عوسجة: المقوي: الذي لا زاد له.
وقيل: الذي يقع في أرض قواء، والقواء: الأرض الخالية من الناس.
وقال أبو عبيد: أرى الذي لا زاد له ليس أولى بالنار، ولا أحوج إليها من الذي معه الزاد؛ بل صاحب الزاد إليها أحوج، ويقال: رجل مقوٍ: إذا كانت معه مطية قوية.
<div class="verse-tafsir"
لو نشاء جعْل ذلك الماء شديد الملوحة لا يُنْتَفع به شربًا ولا سقيًا لجعلناه شديد الملوحة، فلولا تشكرون الله على إنزاله عَذْبًا رحمة بكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.L1J48"