الآية ٩٣ من سورة الواقعة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 56 الواقعة > الآية ٩٣ من سورة الواقعة

فَنُزُلٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ ٩٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٣ من سورة الواقعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٣ من سورة الواقعة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم ) أي : وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحق ، الضالين عن الهدى ، ( فنزل ) أي : فضيافة ) من حميم ) وهو المذاب الذي يصهر به ما في بطونهم والجلود ، ( وتصلية جحيم ) أي : وتقرير له في النار التي تغمره من جميع جهاته .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

فله نـزل من حميم قد أغلي حتى انتهى حرّه، فهو شرابه

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فنزل من حميم أي : فلهم رزق من حميم ، كما قال : ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون وكما قال : ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } أي: ضيافتهم يوم قدومهم على ربهم تصلية الجحيم التي تحيط بهم، وتصل إلى أفئدتهم، وإذا استغاثوا من شدة العطش والظمأ { يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"فنزل من حميم"، فالذي يعد لهم حميم جهنم.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(فنزل من حميم) من إضافة الموصوف إلى صفته.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأما إن كان الميت من المكذبين بالبعث، الضالين عن الهدى، فله ضيافة من شراب جهنم المغلي المتناهي الحرارة، والنار يحرق بها، ويقاسي عذابها الشديد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ) أى : فله نزل - أى : مكان - ( مِّنْ حَمِيمٍ ) أى : من ماء قد بلغ أقصى درجات الحرارة وعبر عن المكان الذى ينزل فيه بالنزل ، على سبل التهكم ، إذا النزل فى الأصل يطلق على ما يقدم للضيف على سبل التكريم .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال هاهنا: ﴿ مِنَ المكذبين الضالين ﴾ وقال من قبل: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضالون المكذبون  ﴾ وقد بينا فائدة التقديم والتأخير هناك.

المسألة الثانية: ذكر الأزواج الثلاثة في أول السورة بعبارة وأعادهم بعبارة أخرى فقال: ﴿ فأصحاب الميمنة  ﴾ ثم قال: ﴿ وأصحاب اليمين  ﴾ وقال: ﴿ وأصحاب المشئمة  ﴾ ثم قال: ﴿ وأصحاب الشمال  ﴾ وأعادهم هاهنا، وفي المواضع الثلاثة ذكر أصحاب اليمين بلفظ واحد أو بلفظين مرتين، أحدهما غير الآخر، وذكر السابقين في أول السورة بلفظ السابقين، وفي آخر السورة بلفظ المقربين، وذكر أصحاب النار في الأول بلفظ ﴿ وأصحاب المشئمة ﴾ ثم بلفظ ﴿ الشمال ﴾ ثم بلفظ ﴿ المكذبين ﴾ فما الحكمة فيه؟

نقول: أما السابق فله حالتان إحداهما في الأولى، والأخرى في الآخرة، فذكره في المرة الأولى بماله في الحالة الأولى، وفي الثانية بماله في الحالة الآخرة، وليس له حالة هي واسطة بين الوقوف للعرض وبين الحساب، بل هو ينقل من الدنيا إلى أعلى عليين، ثم ذكر أصحاب اليمين بلفظين متقاربين، لأن حالهم قريبة من حال السابقين، وذكر الكفار بألفاظ ثلاثة كأنهم في الدنيا ضحكوا عليهم بأنهم أصحاب موضع شؤم، فوصفوهم بموضع الشؤم، فإن المشأمة مفعلة وهي الموضع، ثم قال: ﴿ أصحاب الشمال ﴾ فإنهم في الآخرة يؤتون كتابهم بشمالهم، ويقفون في موضع هو شمال، لأجل كونهم من أهل النار، ثم إنه تعالى لما ذكر حالهم في أول الحشر بكونهم من أصحاب الشمال ذكر ما يكون لهم من السموم والحميم، ثم لم يقتصر عليه، ثم ذكر السبب فيه، فقال: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ  وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ  ﴾ فذكر سبب العقاب لما بينا مراراً أن العادل يذكر للعقاب سبباً، والمتفضل لا يذكر للإنعام والتفضل سبباً، فذكرهم في الآخرة ما عملوه في الدنيا، فقال: ﴿ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المكذبين ﴾ ليكون ترتيب العقاب على تكذيب الكتاب فظهر العدل، وغير ذلك ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ترتيب الآية: فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين.

و(فلولا) الثانية مكررة للتوكيد، والضمير في ﴿ تَرْجِعُونَهَا ﴾ للنفس وهي الروح، وفي ﴿ أَقْرَبُ إِلَيْهِ ﴾ للمحتضر ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ غير مربوبين، من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.

﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ﴾ يا أهل الميت بقدرتنا وعلمنا، أو بملائكة الموت.

والمعنى: إنكم في جحودكم أفعال الله تعالى وآياته في كل شيء إن أنزل عليكم كتاباً معجزاً قلتم: سحر وافتراء.

وإن أرسل إليكم رسولاً قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقكم مطراً يحييكم به قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب يؤدي إلى الإهمال والتعطيل فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثم قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت المبدئ المعيد ﴿ فَأَمَّا إِن كَانَ ﴾ المتوفى ﴿ مِنَ المقربين ﴾ من السابقين من الأزواج الثلاثة المذكورة في أوّل السورة ﴿ فَرَوْحٌ ﴾ فله استراحة.

وروت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَرُوح ﴾ ، بالضم.

وقرأ به الحسن وقال: الروح الرحمة، لأنها كالحياة للمرحوم.

وقيل: البقاء، أي: فهذان له معاً، وهو الخلود مع الرزق والنعيم.

والريحان: الرزق ﴿ فسلام لَّكَ مِنْ أصحاب اليمين (91) ﴾ فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك.

كقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما ﴾ [الواقعة: 26] ﴿ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ (93) ﴾ كقوله تعالى: ﴿ هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدين ﴾ [الواقعة: 56] وقرئ بالتخفيف ﴿ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) ﴾ قرئت بالرفع والجر عطفاً على نزل وحميم ﴿ إِنَّ هذا ﴾ الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لَهُوَ حَقُّ اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين.

عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ ﴾ يَعْنِي أصْحابَ الشِّمالِ، وإنَّما وصَفَهم بِأفْعالِهِمْ زَجْرًا عَنْها وإشْعارًا بِما أوْجَبَ لَهم ما أوْعَدَهم بِهِ.

﴿ فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ ﴾ ﴿ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﴾ وذَلِكَ ما يَجِدُ في القَبْرِ مِن سَمُومِ النّارِ ودُخانِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)

{فَنُزُلٌ مّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} أي إدخال فيه وفي هذه الآيات إشارة إلى أن الكفر كله ملة واحدة وأن أصحاب الكبائر من أصحاب اليمين لأنهم غير مكذبين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنُزُلٌ ﴾ بِتَقْدِيرِ فَلَهُ نُزُلٌ أوْ فَجَزاؤُهُ نُزُلٌ كائِنٌ ﴿ مِن حَمِيمٍ ﴾ قِيلَ: يَشْرَبُ بَعْدَ أكْلِ الزَّقُّومِ كَما فُصِّلَ فِيما قَبْلُ ﴿ وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﴾ أيْ إدْخالٌ في النّارِ، وقِيلَ: إقامَةٌ فِيها ومُقاساةٌ لِألْوانِ عَذابِها وكُلُّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بَيانُ ما لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: هَذا مَحْمُولٌ عَلى ما يَجِدُهُ في القَبْرِ مِن حَرارَةِ النّارِ ودُخانِها لِأنَّ الكَلامَ في حالِ التَّوَفِّي وعَقِبَ قَبْضِ الأرْواحِ والأنْسَبُ بِذَلِكَ كَوْنُ ما ذُكِرَ في البَرْزَخِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لا يَخْرُجُ الكافِرُ حَتّى يَشْرَبَ كَأْسًا مِن حَمِيمٍ، وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى والمُنْقِرِيُّ واللُّؤْلُؤِيُّ عَنْ أبِي عَمْرو «وتَصْلِيَةِ» بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ( حَمِيمٍ ) <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ يعني: اذكر التوحيد باسم ربك يا محمد  الرب العظيم.

ويقال: صلِّ بأمر ربك.

ويقال: سبح لله، واذكره.

قوله عز وجل: فَلا أُقْسِمُ قال بعضهم: يعني: أقسم و (لا) زيادة في الكلام.

وقال بعضهم: لا رد لقول الكفار.

ثم قال: بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني: بنزول القرآن، نزل نجوماً آية بعد آية، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني: بحكم القرآن وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ يعني: القسم بالقرآن عظيم لَوْ تَعْلَمُونَ ذلك.

ويقال: لَوْ تَعْلَمُونَ يعني: لو تصدقون ذلك.

قرأ حمزة، والكسائي: بموقع النجوم بغير ألف.

وقرأ الباقون: بِمَواقِعِ النُّجُومِ بلفظ الجماعة.

فمن قرأ: بموقع فهو واحد دل على الجماعة.

ويقال: بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني: بمساقط النجوم.

يعني: الكواكب.

ثم قال عز وجل: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ يعني: الذي يقرأ عليك يا محمد، لقرآن شريف، كريم على ربه، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ يعني: مستور من خلق الله، وهو اللوح المحفوظ لاَّ يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ يعني: اللوح المحفوظ.

ويقال: لا تمسه إلا الملائكة المطهرون من الذنب، ولا يقرؤه إلا الطاهرون.

ويقال: لا يمس المصحف إلا الطاهر.

وروى معمر، عن محمد بن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه  : إن النبيّ  كتب كتاباً فيه «لا يُمَسُّ القُرْآنُ إلاَّ عَلَى طُهُورٍ» .

وروى إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال: «كنا مع سلمان فخرج، يقضي حاجته، ثم جاء، فقلنا: يا عبد الله لو توضأت، لعلنا نسألك عن آيات الله؟

فقال: إني لست أمسه، لأنه لا يمسه إلا المطهرون.

فقرأ علينا ما نسينا.

يعني: يجوز للمحدث أن يقرأ، ولا يجوز أن يمس المصحف.

وأما الجنب لا يجوز له أن يمس المصحف، ولا يقرأ آية تامة.

ثم قال: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني: أنزل الله تعالى جبريل  على محمد  بهذا القرآن يقرأه عليه من رَبَّ العالمين.

ثم قال عز وجل: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ يعني: تكفرون.

وقال الزجاج: المدهن والمداهن: الكذاب المنافق.

وقال بعض أهل اللغة: أصله من الدهن، لأنه يلين في دينه.

يعني: ينافق، ويرى كل واحد أنه على دينه.

ويقال: أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ يعني: مكذبون وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ يعني: شكر رِزْقكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ يعني: تقولون للمطر إذا مطرتم مُطِرْنا بنوء كذا.

وروي عن عاصم في بعض الروايات: أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ بالتخفيف.

يعني: تجعلون شكر رزقكم الكذب، وهو أن يقولوا: مُطِرنا بنوء كذا.

وقرأ الباقون: تُكَذِّبُونَ بالتشديد.

يعني: تجعلون شكر رزقكم التكذيب، ولا تنسبون السقيا إلى الله تعالى الذي رزقكم.

ثم قال: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ يعني: بلغ الروح الحلقوم وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ إلى الميت وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ يعني: أمر الله تعالى وهو ملك الموت أقرب إليه منكم، حين أتاه لقبض روحه وَلكِنْ لاَّ تُبْصِرُونَ ما حضر الميت فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ يعني: غير محاسبين.

ويقال: غير مملوكين، أذلاء عن قولك، دِنْتُ له بالطاعة، وإنما سمي يَوْمِ الدين لأنه يوم الإذلال، والهوان.

ويقال: غَيْرَ مَدِينِينَ يعني: غير مجزيين تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعني: إنكم غير محاسبين، فهلا رددتهم عنه الموت؟

ثم ذكر الأصناف الثلاثة الذين ذكرهم في أول السورة فقال: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ يعني: إذا كان هذا الميت من المقربين عند الله من السابقين فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ قرأ الحسن: فَرَوْحٌ بضم الراء المهملة، وقراءة العامة: بالنصب.

وقال أبو عبيد: لولا خلاف الأمة لقرأته بالضم.

وروت عائشة  ا عن رسول الله  ، أنه قرأ: بالضم.

وقال القتبي: الروح يعبر عن معان.

فالروح روح الأجسام الذي يقبض عند الممات وفيه حياة النفس، والروح جبريل، وكلام الله روح، لأنه حياة من الجهل، وموت الكفر، ورحمة الله روح كقوله وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: 22] أي: برحمة.

والروح: الرحمة، والرزق.

ويقال: الروح حياة دائمة لا موت فيها والريحان الرزق.

ويقال: هي النبات بعينها.

ومن قرأ: بالنصب.

فهو الفرح.

ويقال: الراحة.

ويقال: هي الرحمة.

ثم قال: وَجَنَّةُ نَعِيمٍ يعني: لا انقطاع وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ يعني: إن كان الميت من أصحاب اليمين فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ يعني: سلام الله لهم.

ويقال: يسلمون عليك من الجنة.

ويقال: سلام عليك منهم.

ويقال: ترى منهم ما تحب من السلام.

ويقال: فَسَلامٌ لَكَ يعني: يقال له ثوابه عند الموت، وفي القبر، وعلى الصراط، وعند الميزان، بشارة لك إنك من أهل الجنة.

ثم قال عز وجل: وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ يعني: إن كان الميت مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بالبعث الضَّالِّينَ عن الهدى فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ يعني: جزاؤهم، وثوابهم، من حميم وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ يعني: يدخلون الجحيم وهي ما عظم من النار إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ يعني: إن هذا الذي قصصنا عليك في هذه السورة من الأقاصيص، وما أعد الله لأوليائه وأعدائه، وما ذكر مما يدل على وحدانيته، لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ يعني: اذكر اسم ربك بالتوحيد.

ويقال: نزه الله تعالى عن السوء.

يعني: قل سبحان الله.

ويقال: أثن على الله تعالى.

ويقال: صلى الله تعالى.

وروي عن عبد الله بن مسعود (  ) أنه قال: سمعت رسول الله  قال: «من قرأ سورة الوَاقِعَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ» .

والله أعلم بالصواب.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

المقربين الدنيا حتى يُؤْتَى بغصنٍ من ريحان الجنة فَيَشُمُّهُ، ثم يُقْبَضُ روحه فيه، ونحوه عن الحسن «١» ، انتهى.

فإنْ أردت يا أخي اللحوق بالمقربين والكون في زمرة السابقين، فاطرح عنك دنياك وأقبلْ/ على ذكر مولاك، واجعل الآن الموت نصب عينيك، قال الغزاليُّ: وإنَّما علامةُ التوفيق أَنْ يكون الموت نصبَ عينيك، ولا تغفل عنه ساعة، فليكنِ الموتُ على بالك يا مسكين فإنَّ السير حاثٌّ بك، وأنت غافل عن نفسك، ولعلك قد قاربت المنزلَ، وقطعت المسافة فلا يكن اهتمامُك إلاَّ بمبادرة العمل، اغتناماً لكل نَفَسٍ أمهلتَ فيه، انتهى من «الإحياء» ، قال ابن المبارك في «رقائقه» : أخبرنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد قال: ما مِنْ مَيِّتٍ يموت، إلاَّ عرض عليه أهل مجلسه: إنْ كان من أهل الذِّكْرِ فمن أهل الذكر، وإِنْ كان من أهل اللهو فمن أهل اللهو، انتهى «٢» .

وقوله تعالى: فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ: عبارة تقتضي جملةَ مدحٍ وصفةَ تخلُّصٍ، وحصولَ عالٍ من المراتب، والمعنى: ليس في أمرهم إلاَّ السلامُ والنجاةُ من العذاب وهذا كما تقول في مدح رجل: أَمَّا فلان فناهيك به، فهذا يقتضي جملةً غيرَ مفصلة من مدحه، وقدِ اضطربت عباراتُ المُتَأَوِّلِينَ في قوله تعالى: فَسَلامٌ لَكَ فقال قوم: المعنى: فيقال له سلام لك إنَّكَ من أصحاب اليمين، وقال الطبريُّ «٣» : فَسَلامٌ لَكَ: أنت من أصحاب اليمين، وقيل: المعنى: فسلام لك يا محمد، أي: لا ترى فيهم إلاَّ السلامة من العذاب.

ت: ومن حصلت له السلامةُ من العذاب فقد فاز دليله فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [آل عمران: ١٨٥] قال ع «٤» : فهذه الكاف في لَكَ إمَّا أن تكون للنبي صلّى الله عليه وسلّم وهو الأظهر، ثم لكل مُعْتَبِرٍ فيها من أُمَّتِهِ، وإمَّا أَنْ تكونَ لمن يخاطب من

أصحاب اليمين، وغيرُ هذا- مِمَّا قيل- تَكَلُّفٌ، ونقل الثعلبيُّ/ عن الزَّجَّاج: فَسَلامٌ لَكَ أي: إنَّك ترى فيهم ما تحب من السلامة، وقد علمتَ ما أَعَدَّ اللَّه لهم من الجزاء بقوله:

فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ الآيات ...

والمكذبون الضالُّون: هم الكفار، أصحابُ الشمال والمشأَمة، والنُّزُلُ: أول شيء يقدم للضيف، والتصلية: أنْ يباشر بهم النار، والجحيم معظم النار وحيث تراكمها.

إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ المعنى: إنَّ هذا الخبرَ هو نفس اليقين وحقيقتُه.

وقوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ عبارة تقتضي الأمر بالإِعراض عن أقوال الكفار وسائر أمور الدنيا المختصة بها، وبالإقبال على أمور الآخرة وعبادة اللَّه تعالى، والدعاء إليه.

ت: وعن جابر بن عبد اللَّه قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ [الْعَظِيمِ] وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ في الْجَنَّةِ» «١» .

رواه الترمذي، والنسائِيُّ، والحاكمُ، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحيهما» ، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وعند النسائِيِّ:

«شَجَرَةَ» بدل «نَخْلَةَ» ، وعنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ مِمَّا تَذْكُرُونَ مِنْ جَلاَلِ اللَّهِ التَسْبِيحَ، وَالتَّهْلِيلَ، وَالتَّحْمِيدَ يَنْعَطِفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، تُذَكِّرُ بِصَاحِبِهَا، أَمَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ أَوْ لاَ يَزَالَ لَهُ مَنْ يذكّر به» «٢» ، ورواه

أيضاً ابن المبارك في «رقائقه» عن كعب، وفيه أيضاً عن كعب أَنَّهُ قال: «إنَّ لِلْكَلاَمِ الطَّيِّبِ حَوْلَ الْعَرْشِ دَوِيًّا كَدَوِيِّ النَّحْلِ يُذَكِّرْنَ بِصَاحِبِهِنَّ» انتهى، وعن أبي هريرةَ «أَنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم مَرَّ بِهِ وَهُوَ يَغْرِسُ غَرْساً فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا الَّذِي تَغْرِسُ؟

قُلْتُ: غِرَاساً، قَالَ: أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى غِرَاسٍ خَيْرٍ مِنْ هذا؟

سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إله إلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ يُغْرَسْ لَكَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ/ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ» روى هذين الحديثين ابن ماجه واللفظ له، والحاكم في «المستدرك» ، وقال في الأول: صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ، انتهى من «السلاح» ، ورَوَى عُقْبَةُ بن عامر قال: «لَمَّا نزلتْ: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: اجْعَلُوهَا في رُكُوعِكُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قَالَ: اجْعَلُوهَا في سُجُودِكُمْ» «١» ، فيحتمل أنْ يكونَ المعنى: سبح اللَّه بذكر أسمائه العلا، والاسم هنا بمعنى: الجنس، أي:

بأسماء ربك، والعظيم: صفة للرب سبحانه، وقد يحتمل أَنْ يكون الاسم هنا واحداً مقصوداً، ويكون «العظيم» صفة له، فكأَنَّه أمره أَنْ يسبِّحَهُ باسمه الأعظم، وإنْ كان لم يَنُصَّ عليه، ويؤيِّدُ هذا ويشير إليه اتصالُ سورة الحديد وأوَّلُها فيها التسبيح، وجملة من أسماء اللَّه تعالى، وقد قال ابن عباس «٢» : اسم اللَّه الأعظم موجود في سَتِّ آيات من أَوَّلِ سورة الحديد، فتأمَّل هذا، فإنَّهُ من دقيق النظر، وللَّه تعالى في كتابه العزيز غوامضُ لا تكاد الأذهان تدركها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا ﴾ أيْ: فَهَلّا ﴿ إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ ﴾ يَعْنِي: النَّفْسُ، فَتُرِكَ ذِكْرُها لِدَلالَةِ الكَلامِ، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ: إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ المَيِّتِ "تَنْظُرُونَ" إلى سُلْطانِ اللَّهِ وأمْرِهِ.

والثّانِي: تَنْظُرُونَ إلى الإنْسانِ في تِلْكَ الحالَةِ، ولا تَمْلِكُونَ لَهُ شَيْئًا ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَلَكُ المَوْتِ أدْنى إلَيْهِ مِن أهْلِهِ "وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ" المَلائِكَةَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ والرُّؤْيَةِ ﴿ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ أيْ: لا تَعْلَمُونَ، والخِطابُ لِلْكُفّارِ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مُحاسَبِينَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: مُوقِنِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: مَبْعُوثِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: مَجْزِيِّينَ.

ومِنهُ يُقالُ: دِنْتُهُ، وكَما تَدِينُ تُدانُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والخامِسُ: مَمْلُوكِينَ أذِلّاءَ مِن قَوْلِكَ: دِنْتُ لَهُ بِالطّاعَةِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرْجِعُونَها ﴾ أيْ: تَرُدُّونَ النَّفْسَ.

والمَعْنى: إنْ جَحَدْتُمُ الإلَهَ الَّذِي يُحاسِبُكم ويُجازِيكُمْ، فَهَلّا تَرُدُّونَ هَذِهِ النَّفْسَ؟!

فَإذا لَمْ يُمْكِنُكم ذَلِكَ، فاعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ لِغَيْرِكم.

قالَ الفَرّاءُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرْجِعُونَها ﴾ هو جَوابٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ ﴾ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ فَإنَّهُما أُجِيبَتا بِجَوابٍ واحِدٍ.

ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ  ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ طَبَقاتِ الخَلْقِ عِنْدَ المَوْتِ فَقالَ تَعالى: ﴿ فَأمّا إنْ كانَ ﴾ يَعْنِي: الَّذِي بَلَغَتْ نَفْسُهُ الحُلْقُومَ مِنَ "المُقَرَّبِينَ" عِنْدَ اللَّهِ.

قالَ أبُو العالِيَةِ: هُمُ السّابِقُونَ ﴿ فَرَوْحٌ ﴾ أيْ: فَلَهُ رَوْحٌ.

والجُمْهُورُ يَفْتَحُونَ الرّاءَ.

وفي مَعْناها سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الفَرَحُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الرّاحَةُ، رَواهُ أبُو طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: رَوْحٌ مِنَ الغَمِّ الَّذِي كانُوا فِيهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والسّادِسُ: رَوْحٌ في القَبْرِ، أيْ: طِيبُ نَسِيمٍ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وأبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وقَتادَةُ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وابْنُ أبِي سُرَيْجٍ عَنِ الكِسائِيِّ: "فَرُوحٌ" بِرَفْعِ الرّاءِ.

وفي مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناها: فَرَحْمَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: فَحَياةٌ وبَقاءٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَحَياةٌ دائِمَةٌ لا مَوْتَ مَعَها.

وفي "الرَّيْحانِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الرِّزْقُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المُسْتَراحُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّيْحانُ المَشْمُومُ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: لا يَخْرُجُ أحَدٌ مِنَ المُقَرَّبِينَ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُؤْتى بِغُصْنٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ، فَيَشُمُّهُ، ثُمَّ تُقْبَضُ فِيهِ رُوحُهُ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ.

وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: بَلَغَنا أنَّ المُؤْمِنَ إذا قُبِضَ رُوحُهُ تُلْقى بِضَبائِرِ الرَّيْحانِ مِنَ الجَنَّةِ، فَتُجْعَلُ رُوحُهُ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَسَلامَةٌ لَكَ مِنَ العَذابِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تُسَلِّمُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: أنَّكَ تَرى فِيهِمْ ما تُحِبُّ مِنَ السَّلامَةِ.

وقَدْ عَلِمْتَ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ الجَزاءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ "الضّالِّينَ" عَنِ الهُدى ﴿ فَنُزُلٌ ﴾ وقَدْ بَيَّنّاهُ في هَذِهِ السُّورَةِ [الواقِعَةِ: ٥٦] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا ﴾ يَعْنِي: ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿ لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ ﴾ أيْ: هو اليَقِينُ حَقًّا، فَأضافَهُ إلى نَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: صَلاةُ الأُولى، وصَلاةُ العَصْرِ، ومِثْلُهُ: ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ  ﴾ وقَدْ سَبَقَ هَذا المَعْنى وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: وإنَّهُ لِلْمُتَّقِينَ حَقًّا.

وقِيلَ لِلْحَقِّ: اليَقِينُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في هَذِهِ السُّورَةِ [الواقِعَةِ: ٧٤] .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ ﴿ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ ﴾ ﴿ وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴾ ﴿ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴾ ﴿ وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضالِّينَ ﴾ ﴿ فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ ﴾ ﴿ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﴾ ﴿ إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ ﴾ ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حالَ الأزْواجِ الثَلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُورَةِ، وحالَ كُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ، فَأمّا المَرْءُ مِنَ السابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَسَيَلْقى عِنْدَ مَوْتِهِ رُوحًا ورَيْحانًا، و"الرُوحُ": الرَحْمَةُ والسِعَةُ والفَرَجُ والفَرَحُ، ومِنهُ: رَوْحُ اللهِ، و"الرَيْحانُ": الطَيِّبُ، وهو دَلِيلُ النَعِيمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَيْحانُ: الرِزْقُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: الرَيْحانُ هو الشَجَرُ المَعْرُوفُ في الدُنْيا، يَلْقى المُقَرَّبُ رَيْحانًا مِنَ الجَنَّةِ، وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: رُوحُهُ يَخْرُجُ في رَيْحانِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: الرَيْحانُ: الِاسْتِراحَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الرَيْحانُ ما تَنْبَسِطُ إلَيْهِ النُفُوسُ، وقالَ الخَلِيلُ: هو طَرَفُ كُلٍّ بِقِلَّةٍ طَيِّبَةٍ فِيها أوائِلُ النُورِ، وقَدْ «قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُما: "هُما رَيْحانَتايْ مِنَ الدُنْيا"،» وقالَ النَمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  يَقْرَأُ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي جُمْلَةَ مَدْحٍ، وصِفَةَ تَخَلُّصٍ وحَصُولًا في عالٍ مِنَ المَراتِبِ، والمَعْنى لَيْسَ في أمْرِهِمْ إلّا السَلامُ والنَجاةُ مِنَ العَذابِ، وهَذا كَما تَقُولُ في مَدْحِ رَجُلٍ: أما فُلانٌ فَناهِيكَ بِهِ، أو بِحَسْبِكَ أمْرُهُ، فَهَذا يَقْتَضِي جُمْلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ مِن مَدْحِهِ، وقَدِ اضْطَرَبَتْ عِباراتُ المُتَأوِّلِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَلامٌ لَكَ ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: فَيُقالُ لَهُ: " مُسَلَّمٌ لَكَ إَنَّكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أيْ: لا تَرى فِيهِمْ إلّا السَلامَةَ مِنَ العَذابِ، فَهَذِهِ الكافُ في "ذَلِكَ" إمّا أنْ تَكُونَ لِلنَّبِيِّ  -وَهُوَ الأظْهَرُ- ثُمَّ لِكُلِّ مُعْتَبَرٍ فِيها مَن أُمَّتِهِ، وإمّا أنْ تَكُونَ لِمَن يُخاطِبُهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وغَيْرِ هَذا مِمّا قِيلَ فِيهِ تَكَلُّفٌ.

و"المُكَذِّبُونَ الضالُّونَ" هُمُ الكُفّارُ أصْحابُ الشِمالِ والمَشْأمَةِ، و"النُزُلُ": أوَّلُ شَيْءٍ يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ، و"التَصْلِيَةُ" أنْ تُباشِرَ بِهِمُ النارُ، و"الجَحِيمُ" مُعْظَمُ النارِ وحَيْثُ تَراكُمُها.

ولَمّا كَمُلَ تَقْسِيمُ أحْوالِهِمْ وانْقَضى الخَبَرُ بِذَلِكَ أكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِأنْ قالَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ  مُخاطَبَةً تُدْخِلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ فِيها: إنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكَ بِهِ لَهو حَقُّ اليَقِينِ، وإضافَةُ الحَقِّ إلى اليَقِينِ عِبارَةٌ فِيها مُبالَغَةٌ لِأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، فَذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ مِن بابِ "دارِ الآخِرَةِ" و"مَسْجِدِ الجامِعِ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مَنِ الحُذّاقِ إلى أنَّهُ كَما تَقُولُ في أمْرٍ تُؤَكِّدُهُ: هَذا يَقِينُ اليَقِينِ أو صَوابُ الصَوابِ، بِمَعْنى أنَّهُ نِهايَةُ الصَوابِ، وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ "دارَ الآخِرَةِ" وما أشْبَهَها يُحْتَمَلُ أنْ تُقَدِّرَ شَيْئًا أضْفَتِ الدارُ إلَيْهِ ووَصَفَتْهُ بِالآخِرَةِ ثُمَّ حَذَفَتْهُ وأقَمْتَ الصِفَةَ مَقامَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "دارُ الرَجْعَةِ الآخِرَةِ"، أو دارُ النَشْأةِ الآخِرَةِ"، أو "الحَلْقَةُ الآخِرَهُ"، وهُنا لا يَتَّجِهُ هَذا، وإنَّما هي عِبارَةٌ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدُ مَعْناها أنَّ هَذا الخَبَرَ هو نَفْسُ اليَقِينِ وحَقِيقَتُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي الأمْرَ بِالإعْراضِ عن أقْوالِ الكَفَرَةِ وسائِرِ أُمُورِ الدُنْيا المُخْتَصَّةِ بِها، والإقْبالِ عَلى أُمُورِ الآخِرَةِ، وعِبادَةِ اللهِ تَعالى والدُعاءِ إلَيْهِ، ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ ﴾ قالَ النَبِيُّ  : "اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ"، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى  ﴾ قالَ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَبَّحَ لِلَّهِ تَعالى بِذِكْرِ أسْمائِهِ العُلى، و"الِاسْمُ" هُنا بِمَعْنى الجِنْسِ، أيْ: بِأسْماءِ رَبِّكَ، و"العَظِيمِ" صِفَةٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ويُشِيرُ إلَيْهِ إيصالُ سُورَةِ الحَدِيدِ وأوَّلُها فِيهِ التَسْبِيحُ وجُمْلَةٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ مَوْجُودٌ في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ"، فَتَأمَّلْ هَذا فَإنَّهُ مِن دَقِيقِ النَظَرِ، ولِلَّهِ تَعالى في كِتابِهِ العَزِيزِ غَوامِضُ لا تَكادُ الأذْهانُ تُدْرِكُها.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الواقِعَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما اقتضى الكلام بحذافره أن الإِنسان صاحب الروح صائر إلى الجزاء فرع عليه إجمال أحوال الجزاء في مراتب الناس إجمالاً لما سبق تفصيله بقوله: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة إلى قوله: لا بارد ولا كريم ﴾ [الواقعة: 7 44] ليكون هذا فذلكة للسورة وردّاً لعجزها على صدرها.

فضمير ﴿ إن كان ﴾ عائد إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ إليه ﴾ من قوله: ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ [الواقعة: 85].

والمقربون هم السابقون الذين تقدم ذكرهم في قوله تعالى: ﴿ والسابقون السابقون أولئك المقربون ﴾ [الواقعة: 85] وأصحاب اليمين قد تقدم والمكذبون الضالون: هم أصحاب الشمال المتقدم ذكرهم.

وقد ذكر لكل صنف من هؤلاء جزاء لم يُذكر له فيما تقدم ليضم إلى ما أعدّ له فيما تقدم على طريقة القرآن في توزيع القصة.

والرَّوْح: بفتح الراء في قراءة الجمهور، وهو الراحة، أي فرَوْح له، أي هو في راحة ونعيم، وتقدم في قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ في سورة يوسف (87).

وقرأه رويس عن يعقوب بضم الراء.

ورويت هذه القراءة عن عائشة عن النبي عند أبي داود والترمذي والنسائي، أي أن رسول الله روي عنه الوجهان، فالمشهور روي متواتراً، والآخر روي متواتراً وبالآحاد، وكلاهما مراد.

ومعنى الآية على قراءة ضم الراء: أن روحه معها الريحان وهو الطيب وجنة النعيم.

وقد ورد في حديث آخر: أن رُوح المؤمن تخرج طيبة.

وقيل: أطلق الرُّوح بضم الراء على الرحمة لأن من كان في رحمة الله فهو الحيّ حقاً، فهو ذو روح، أما من كان في العذاب فحياته أقل من الموت، قال تعالى: ﴿ لا يموت فيها ولا يحيى ﴾ [الأعلى: 13]، أي لأنه يتمنى الموت فلا يجده.

والريحان: شجر لورقة وقضبانه رائحة ذكية شديد الخضرة كانت الأمم تزين به مجالس الشراب.

قال الحريري «وطوراً يستبزل الدنان، ومرة يستنثق الريحان» وكانت ملوك العرب تتخذهُ، قال النابغة: يُحَيَّوْن بالريحان يوم السباسب *** وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ والحب ذو العصف والريحان ﴾ في سورة الرحمن (12)، فتخصيصه بالذكر قبل ذكر الجنة التي تحتوي عليه إيماء إلى كرامتهم عند الله، مثل قوله: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾ [الرعد: 23، 24].

وجملة ﴿ فروح وريحان ﴾ جواب (أما) التي هي بمعنى: مهما يكن شيء.

وفُصل بين (ما) المتضمنة معنى اسم شرط وبين فعل شرط وبين الجواب بشرط آخر هو ﴿ إن كان من المقربين ﴾ لأن الاستعمال جرى على لزوم الفصل بين (أمّا) وجوابها بفاصل كراهية اتصال فاء الجواب بأداة الشرط لما التزموا حذف فعل الشرط فأقاموا مقامه فاصلاً كيفَ كان.

وجواب (إن) الشرطية محذوف أغنى عنه جواب (أمَّا).

وكذلك قوله: ﴿ فسلام لك من أصحاب اليمين ﴾ .

والسلام: اسم للسلامة من المكروه، ويطلق على التحية، واللام في قوله: ﴿ لك ﴾ للاختصاص.

والكلام إجمال للتنويه بهم وعلوّ مرتبتهم وخلاصهم من المكدرات لتذهب نفس السامع كل مذهب.

واختلف المفسرون في قوله: ﴿ فسلام لك من أصحاب اليمين ﴾ فقيل: كاف الخطاب موجهة لغير معين، أي لكل من يسمع هذا الخبر.

والمعنى: أن السلامة الحاصلة لأصحاب اليمين تسر من يبلغه أمرها.

وهذا كما يقال: ناهيك به، وحسبك به، و(من) ابتدائية، واللفظ جرى مجرى المثل فطوي منه بعضه، وأصله: فلهم السلامة سلامة تسرّ من بلغه حديثها.

وقيل: الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وتقرير المعنى كما تقدم لأن النبي صلى الله عليه وسلم يُسرّ بما يناله أهل الإسلام من الكرامة عند الله وهم ممن شملهم لفظ ﴿ أصحاب اليمين ﴾ .

وقيل: الكلام على تقدير القول، أي فيقال له: سلام لك، أي تقول له الملائكة.

و ﴿ من أصحاب اليمين ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي أنت من أصحاب اليمين، و ﴿ من ﴾ على هذا تبعيضية، فهي بشارة للمخاطب عند البعث على نحو قوله تعالى: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾ [الرعد: 23، 24].

وقيل: الكاف خطاب لمن كان من أصحاب اليمين على طريقة الالتفات.

ومقتضى الظاهر أن يقال: فسلام له، فعدل إلى الخطاب لاستحضار تلك الحالة الشريفة، أي فيسلم عليه أصحاب اليمين على نحو قوله تعالى: ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ [يونس: 10] أي يبادرونه بالسلام، وهذا كناية عن كونه من أهل منزلتهم، و ﴿ من ﴾ على هذا ابتدائية.

فهذه محامل لهذه الآية يستخلص من مجموعها معنى الرفعة والكرامة.

والمكذبون الضالون: هم أصحاب الشمال في القسم السابق إلى أزواج ثلاثة.

وقدم هنا وصف التكذيب على وصف الضلال عكس ما تقدم في قوله: ﴿ ثم إنكم أيها الضالون المكذبون ﴾ [الواقعة: 51]، لمراعاة سبب ما نالهم من العذاب وهو التكذيب، لأن الكلام هنا على عذاب قد حان حينه وفات وقت الحذر منه فبُينّ سبب عذابهم وذكروا بالذي أوقعهم في سببه ليحصل لهم ألم التندم.

والنزل: ما يُقدم للضيف من القرى، وإطلاقه هنا تهكم، كما تقدم قريباً في هذه السورة كقوله تعالى: ﴿ هذا نزلهم يوم الدين ﴾ [الواقعة: 56].

والتصلية: مصدر صلاَّه المشدّد، إذا أحرقه وشواه، يقال: صلى اللحم تصلية، إذا شواه، وهو هنا من الكلام الموجه لإِيهامه أنه يُصلّى له الشواء في نزله على طريقة التهكم، أي يحرّق بها.

والجحيم: يطلق على النار المؤججة، ويطلق عَلَماً على جهنّم دار العذاب الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ فِيهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ، قالَهُ يَعْقُوبُ بْنُ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: أنَّهُمُ السّابِقُونَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

﴿ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ ﴾ في الرَّوْحِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الرّاحَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الفَرَحُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الرَّحْمَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الرَّخاءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الخامِسُ: أنَّهُ الرَّوْحُ مِنَ الغَمِّ والرّاحَةِ مِنَ العَمَلِ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ غَمٌّ ولا عَمَلٌ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

السّادِسُ: أنَّهُ المَغْفِرَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

السّابِعُ: التَّسْلِيمُ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.

الثّامِنُ: ما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ  كانَ يَقْرَأُ ) فَرُوحٌ ) بِضَمِّ الرّاءِ»، وفي تَأْوِيلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَقاءُ رُوحِهِ بَعْدَ مَوْتِ جَسَدِهِ.

الثّانِي: ما قالَهُ الفَرّاءُ أنَّ تَأْوِيلَهُ حَياةٌ لا مَوْتَ بَعْدَها في الجَنَّةِ.

وَأمّا الرَّيْحانُ فَفِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الِاسْتِراحَةُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الرَّحْمَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الخَيْرُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الخامِسُ: أنَّهُ الرَّيْحانُ المَشْمُومُ يُتَلَقّى بِهِ العَبْدُ عِنْدَ المَوْتِ، رَواهُ عَبْدُ الوَهّابِ.

السّادِسُ: هو أنْ تَخْرُجَ رُوحُهُ رَيْحانَةً، قالَهُ الحَسَنُ.

واخْتُلِفَ في مَحِلِّ الرَّوْحِ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: عِنْدَ المَوْتِ.

الثّانِي: قَبْرُهُ ما بَيْنَ مَوْتِهِ وبَعْثِهِ.

الثّالِثُ: الجَنَّةُ زِيادَةٌ عَلى الثَّوابِ والجَزاءِ، لِأنَّهُ قَرَنَهُ بِذِكْرِ الجَنَّةِ فاقْتَضى أنْ يَكُونَ فِيها.

الرّابِعُ: أنَّ الرَّوْحَ في القَبْرِ، والرَّيْحانُ في الجَنَّةِ.

الخامِسُ: أنَّ الرَّوْحَ لِقُلُوبِهِمْ، والرَّيْحانَ لِنُفُوسِهِمْ، والجَنَّةُ لِأبْدانِهِمْ.

﴿ وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴾ ﴿ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَلامَتُهُ مِنَ الخَوْفِ وتَبْشِيرُهُ بِالسَّلامَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ يَحْيا بِالسَّلامِ إكْرامًا، فَعَلى هَذا في مَحِلِّ السَّلامِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عِنْدَ قَبْضِ رُوحِهِ في الدُّنْيا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مَلَكُ المَوْتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: عِنْدَ مُساءَلَتِهِ في القَبْرِ، يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ.

الثّالِثُ: عِنْدَ بَعْثِهِ في القِيامَةِ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْها.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ غير مدينين ﴾ قال: غير محاسبين.

وأخرج عبد حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله تعالى عنه ﴿ فلولا إن كنتم غير مدينين ﴾ قال: غير محاسبين ﴿ ترجعونها ﴾ قال: النفس.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه والحسن وقتادة مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ غير مدينين ﴾ قال: غير موقنين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فلولا إن كنتم غير مدينين ﴾ قال: غير مبعوثين يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن خيثم في قوله: ﴿ فأما إن كان من المقربين فروح وريحان ﴾ قال: هذا له عند الموت ﴿ وجنة نعيم ﴾ قال: تخبأ له الجنة إلى يوم يبعث ﴿ وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم ﴾ قال: هذا عند الموت ﴿ وتصلية جحيم ﴾ قال: تخبأ له الجحيم إلى يوم يبعث.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحكيم الترميذي في نوادر الأصول والحاكم وصححه وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ فروح وريحان ﴾ برفع الراء.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: «قرأت على رسو ل الله صلى الله عليه وسلم سورة الواقعة فلما بلغت ﴿ فروح وريحان ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فروح وريحان ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد عن عوف عن الحسن أنه كان يقرأها ﴿ فروح وريحان ﴾ برفع الراء.

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر عن قتادة أنه كان يقرأ ﴿ فروح ﴾ قال: رحمة، قال: وكان الحسن يقرأ ﴿ فروح ﴾ يقول: راحة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فروح ﴾ قال: راحة ﴿ وريحان ﴾ قال: استراحة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يعني بالريحان المستريح من الدنيا ﴿ وجنة نعيم ﴾ يقول: مغفرة ورحمة.

وأخرج مالك وأحمد وعبد بن حميد في مسنده والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي قتادة قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرت جنازة فقال: مستريح ومستراح منه، فقلنا يا رسول الله: ما المستريح وما المستراح منه؟

قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله سبحانه وتعالى، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب» .

وأخرج القاسم بن مندة في كتاب الأحوال والإِيمان بالسؤال عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما يبشر به المؤمن عند الوفاة بروح وريحان وجنة نعيم، وإن أول ما يبشر به المؤمن في قبره أن يقال: أبشر برضا الله تعالى والجنة، قدمت خير مقدم قد غفر الله لمن شيعك إلى قبرك وصدق من شهد لك واستجاب لمن استغفر لك» .

وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فروح وريحان ﴾ قال: الروح الفرح، والريحان الرزق.

وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ فروح وريحان ﴾ .

قال: فرج من الغم الذي كانوا فيه، واستراحة من العمل، لا يصلون ولا يصومون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير الضحاك قال: الروح الاستراحة، والريحان الرزق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو القاسم بن منده في كتاب السؤال عن الحسن في قوله: ﴿ فروح وريحان ﴾ قال: ذاك في الآخرة فاستفهمه بعض القوم فقال: أما والله إنهم ليسرون بذلك عند الموت.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فروح وريحان ﴾ قال: الريحان الرزق.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: الروح الرحمة، والريحان هو هذا الريحان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فروح وريحان ﴾ قال: الروح الرحمة والريحان يتلقى به عند الموت.

وأخرج المروزي في الجنائز وابن جرير عن الحسن قال: تخرج روح المؤمن من جسده في ريحانة، ثم قرأ ﴿ فأما إن كان من المقربين فروح وريحان ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذكر الموت وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي عمران الجوني في قوله: ﴿ فأما إن كان من المقربين فروح وريحان ﴾ قال: بلغني أن المؤمن إذا نزل به الموت تلقى بضبائر الريحان من الجنة فيجعل روحه فيها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: لم يكن أحد من المقربين يفارق الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت عن بكر بن عبدالله قال: إذا أمر ملك الموت بقبض روح المؤمن أتى بريحان من الجنة، فقيل له: اقبض روحه فيه، وإذا أمر بقبض روح الكافر أتى ببجاد من النار فقيل له: أقبضه فيه.

وأخرج البزار وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن المؤمن إذا حضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر ريحان، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين، ويقال: أيتها النفس الطيبة أخرجي راضية مرضيّاً عنك إلى روح الله وكرامته، فإذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان وطويت عليها الحريرة وذهب به إلى عليين، وإن الكافر إذا حضر أتته الملائكة بمسح فيه جمر فتنزع روحه انتزاعاً شديداً، ويقال: أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة مسخوطاً عليك إلى هوان الله وعذابه، فإذا خرجت روحه وضعت على تلك الجمرة، فإن لها نشيشاً ويطوى عليها المسح ويذهب به إلى سجين» .

وأخرج أبن أبي الدنيا في ذكر الموت عن إبراهيم النخعي قال: بلغنا أن المؤمن يستقبل عند موته بطيب من طيب الجنة، وريحان من ريحان الجنة، فتقبض روحه فتجعل في حرير الجنة، ثم ينضح بذلك الطيب، ويلف في الريحان ثم ترتقي به ملائكة الرحمة حتى يجعل في عليين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فسلام لك من أصحاب اليمين ﴾ قال: تأتيه الملائكة بالسلام من قبل الله تسلم عليه وتخبره أنه من أصحاب اليمين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فسلام لك من أصحاب اليمين ﴾ قال: سلام من عذاب الله، وسلمت عليه ملائكة الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم ﴾ قال: لا يخرج الكافر من دار الدنيا حتى يشرب كأساً من حميم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: من مات وهو يشرب الخمر شج في وجهه من جمر جهنم.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: « ﴿ فأما إن كان من المقربين فروح وريحان ﴾ قال: هذا في الدنيا ﴿ وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم ﴾ قال: هذا في الدنيا» .

وأخرج أحمد وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثني فلان بن فلان سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره الله لقاءه، فأكب القوم يبكون فقالوا: إنا نكره الموت، قال: ليس ذاك، ولكنه إذا حضر ﴿ فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم ﴾ فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله والله للقائه أحب ﴿ وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم ﴾ فإذا بشر بذلك كره لقاء الله والله للقائه أكره» .

وأخرج آدم ابن أبي اياس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيات ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم ﴾ إلى قوله: ﴿ فروح وريحان وجنة نعيم ﴾ إلى قوله: ﴿ فنزل من حميم وتصلية جحيم ﴾ ثم قال: إذا كان عند الموت قيل له هذا فإن كان من أصحاب اليمين أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن كان من أصحاب الشمال كره لقاء الله وكره الله لقاءه» .

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقالت عائشة رضي الله عنها: إنا لنكره الموت، فقال: ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضر الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، وأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه وكره لقاء الله وكره الله لقاءه» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من ميت يموت إلا وهو يعرف غاسله ويناشد حامله إن كان بخير ﴿ فروح وريحان وجنة نعيم ﴾ أن يعجله وإن كان بشر ﴿ فنزل من حميم وتصلية جحيم ﴾ أن يحبسه» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن هذا لهو حق اليقين ﴾ قال: ما قصصنا عليك في هذه السورة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن هذا لهو حق اليقين ﴾ قال: إن الله عز وجل ليس تاركاً أحداً من خلقه حتى يقفه على اليقين من هذا القرآن فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فنفعه ذلك يوم القيامة، وأما الكافر فأيقن يوم القيامة حين لا ينفعه اليقين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إن هذا لهو حق اليقين ﴾ قال: الخبر اليقين.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مسروق رضي الله عنه قال: من أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ الدنيا والآخرة، ونبأ الجنة والنار، فليقرأ ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ قال: فصل لربك.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: «لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ قال: اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: اجعلوها في سجودكم» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قالوا يا رسول الله كيف نقول في ركوعنا؟

فأنزل الله الآية التي في آخر سورة الواقعة ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ فأمرنا أن نقول: سبحان ربي العظيم وتراً» .

قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبدالله بن إبراهيم الشافعي، أنبأنا الحسين بن عبدالله بن يزيد، أنبأنا محمد بن عبدالله بن سابور، أنبأنا الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي مالك، أو عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ قال: الساعة ليس لوقعتها كاذبة يقول: من كذب بها في الدنيا فإنه لا يكذب بها في الآخرة إذا وقعت ﴿ خافضة رافعة ﴾ قال: القيامة خافضة، يقول: خفضت فأسمعت الأذنين، ورفعت فأسمعت الأقصى، كان القريب والبعيد فيها سواء، قال: وخفضت أقواماً قد كانوا في الدنيا مرتفعين، ورفعت أقواماً حتى جعلتهم في أعلى عليين ﴿ إذا رجت الأرض رجّاً ﴾ قال: هي الزلزلة ﴿ وبست الجبال بسّاً ﴾ ﴿ فكانت هباء منبثّاً ﴾ قال: الحكم والسدي قال: على هذا الهرج هرج الدواب الذي يحرك الغبار ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ قال: العباد يوم القيامة على ثلاثة منازل ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ هم: الجمهور جماعة أهل الجنة ﴿ وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة ﴾ هم أصحاب الشمال يقول: ما لهم وما أعد لهم ﴿ والسابقون السابقون ﴾ هم مثل النبيين والصديقين والشهداء بالأعمال من الأولين والآخرين ﴿ أولئك المقربون ﴾ قال: هم أقرب الناس من دار الرحمن من بطنان الجنة وبطنانها وسطها في جنات النعيم ﴿ ثلة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة ﴾ قال: الموضونة الموصولة بالذهب المكللة بالجوهر والياقوت ﴿ متكئين عليها متقابلين ﴾ قال ابن عباس: ما ينظر الرجل منهم في قفا صاحبه، يقول: حلقاً حلقاً ﴿ يطوف عليهم ولدان مخلدون ﴾ قال: خلقهم الله في الجنة كما خلق الحور العين لا يموتون لا يشيبون ولا يهرمون ﴿ بأكواب وأباريق ﴾ والأكواب التي ليس لها آذان مثل الصواع والأباريق التي لها الخراطم والأعناق ﴿ وكأس من معين ﴾ قال: الكأس من الخمر بعينها ولا يكون كأس حتى يكون فيها الخمر، فإذا لم يكن فيها خمر فإنما هو إناء والمعين يقول: من خمر جار ﴿ لا يصدعون عنها ﴾ عن الخمر ﴿ ولا ينزفون ﴾ لا تذهب بعقولهم ﴿ وفاكهة مما يتخيرون ﴾ يقول: مما يشتهون يقول: يجيئهم الطير حتى يقع فيبسط جناحه فيأكلون منه ما اشتهوا نضجاً لم تنضجه النار، حتى إذا شبعوا منه طار فذهب كما كان ﴿ وحور عين ﴾ قال: الحور البيض، والعين العظام الأعين حسان ﴿ كأمثال اللؤلؤ ﴾ قال: كبياض اللؤلؤ التي لم تمسه الأيدي ولا الدهر المكنون الذي في الأصداف، ثم قال: ﴿ جزاء بما كانوا يعملون لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال: اللغو الحلف لا والله، وبلى والله ﴿ ولا تأثيماً ﴾ قال: قال لا يموتون ﴿ إلا قيلاً سلاماً سلاماً ﴾ يقول: التسليم منهم وعليهم، بعضهم على بعض قال: هؤلاء المقربون، ثم قال: ﴿ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ﴾ وما أعد لهم ﴿ في سدر مخضود ﴾ والمخضود الموقر الذي لا شوك فيه ﴿ وطلح منضود وظل ممدود ﴾ يقول: ظل الجنة لا ينقطع ممدود عليهم أبداً ﴿ وماء مسكوب ﴾ يقول: مصبوب ﴿ وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ﴾ قال: لا تنقطع حيناً وتجيء حيناً مثل فاكهة الدنيا، ولا ممنوعة كما تمنع في الدنيا إلا بثمن ﴿ وفرش مرفوعة ﴾ يقول: بعضها فوق بعض ثم قال: ﴿ إنا أنشأناهن إنشاء ﴾ قال: هؤلاء نساء أهل الجنة وهؤلاء العجز الرمص يقول: خلقهم خلقاً ﴿ فجعلناهن أبكاراً ﴾ يقول: عذارى ﴿ عرباً أتراباً ﴾ والعرب المتحببات إلى أزواجهن، والأتراب المصطحبات اللاتي لا تغرن ﴿ لأصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ يقول: طائفة من الأولين وطائفة من الآخرين ﴿ وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ﴾ ما لهم وما أعد لهم ﴿ في سموم ﴾ قال: فيح نار جهنم ﴿ وحميم ﴾ الماء الجار الذي قد انتهى حره، فليس فوقه حر ﴿ وظل من يحموم ﴾ قال: من دخان جهنم ﴿ لا بارد ولا كريم ﴾ إنهم كانوا قبل ذلك مترفين قال: مشركين جبارين ﴿ وكانوا يصرون ﴾ يقيمون ﴿ على الحنث العظيم ﴾ قال: على الإِثم العظيم، قال: هو الشرك ﴿ وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً ﴾ إلى قوله: ﴿ أو آباؤنا الأوّلون ﴾ قال: قل يا محمد إن الأولين والآخرين لمجموعون ﴿ إلى ميقات يوم معلوم ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ ثم إنكم أيها الضالون ﴾ قال: المشركون المكذبون ﴿ لآكلون من شجر من زقوم ﴾ قال: والزقوم إذا أكلوا منه خصبوا والزقوم شجرة ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ قال: يملأون من الزقوم بطونهم ﴿ فشاربون عليه من الحميم ﴾ يقول: على الزقوم الحميم ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ هي الرمال لو مطرت عليها السماء أبداً لم ير فيها مستنقع ﴿ هذا نزلهم يوم الدين ﴾ كرامة يوم الحساب ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ يقول: أفلا تصدقون ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ يقول: هذا ماء الرجل ﴿ أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ﴾ ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ في المتعجل والمتأخر ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ فيقول: نذهب بكم ونجيء بغيركم ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون ﴾ يقول: نخلقكم فيها لا تعلمون، إن نشأ خلقناكم قردة وإن نشأ خلقناكم خنازير ﴿ ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ﴾ يقول: فهلا تذكرون، ثم قال: ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ يقول: ما تزرعون ﴿ أم نحن الزارعون ﴾ يقول: أليس نحن الذي ننبته أم أنتم المنبتون ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون ﴾ يقول: تندمون ﴿ إنا لمغرمون ﴾ يقول: إنا لمواريه ﴿ بل نحن محرومون أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن ﴾ يقول: من السحاب ﴿ أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ يقول: مرّاً ﴿ فلولا تشكرون ﴾ يقول: فهلا تشكرون ﴿ أفرأيتم النار التي تورون ﴾ يقول: تقدحون ﴿ أأنتم أنشأتم ﴾ يقول: خلقتم ﴿ شجرتها أم نحن المنشئون ﴾ قال: وهي من كل شجرة إلا في العناب وتكون في الحجارة ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ يقول: يتذكر بها نار الآخرة العليا ﴿ ومتاعاً للمقوين ﴾ قال: والمقوي هو الذي لا يجد ناراً فيخرج زنده فيستنور ناره فهي متاع له ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ يقول: فصل لربك العظيم ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ قال: أتى ابن عباس علبة بن الأسود، أو نافع بن الحكم فقال له: يا ابن عباس إني أقرأ آيات من كتاب الله أخشى أن يكون قد دخلني منها شيء.

قال ابن عباس: ولم ذلك؟

قال: لأني أسمع الله يقول: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ [ القدر: 2] ويقول: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ﴾ [ الدخان: 3] ويقول في آية أخرى: ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ [ البقرة: 185] وقد نزل في الشهور كلها شوال وغيره.

قال ابن عباس: ويلك إن جملة القرآن أنزل من السماء في ليلة القدر إلى ﴿ بمواقع النجوم ﴾ يقول: إلى سماء الدنيا فنزل به جبريل في ليلة منه وهي ليلة القدر المباركة، وفي رمضان، ثم نزل به على محمد صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة الآية والآيتين والأكثر، فذلك قوله: ﴿ لا أقسم ﴾ يقول: أقسم ﴿ بمواقع النجوم ﴾ ﴿ وإنه لقسم ﴾ والقسم قسم وقوله: ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ وهم السفرة والسفرة هم الكتبة، ثم قال: ﴿ تنزيل من رب العالمين ﴾ ﴿ أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ﴾ يقول: تولون أهل الشرك وتجعلون رزقكم قال ابن عباس رضي الله عنهما: سافر النبي صلى الله عليه وسلم في حر، فعطش الناس عطشاً شديداً حتى كادت أعناقهم أن تنقطع من العطش، فذكر ذلك له قالوا: يا رسول الله لو دعوت الله فسقانا، قال لعلّي إن دعوت الله فسقاكم لقلتم هذا بنوء كذا وكذا قالوا: يا رسول الله ما هذا بحين أنواء، ذهبت حين الأنواء، فدعا بماء في مطهرة فتوضأ ثم ركع ركعتين، ثم دعا الله فهبت رياح وهاج سحاب، ثم أرسلت فمطروا حتى سال الوادي، فشربوا وسقوا دوابهم، ثم مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل وهو يغترف بقعب معه من الوادي وهو يقول: نوء كذا وكذا سقطت الغداة، قال: نزلت هذه الآية ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون فلولا إذا بلغت الحلقوم ﴾ يقول: النفس ﴿ وأنتم حينئذ تنظرون ﴾ ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ يقول: الملائكة ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ يقول: لا تبصرون الملائكة ﴿ فلولا ﴾ يقول: هلا ﴿ إن كنتم غير مدينين ﴾ غير محاسبين ﴿ ترجعونها ﴾ يقول: إن ترجعوا النفس ﴿ إن كنتم صادقين فأما إن كان من المقربين ﴾ مثل النبيين والصديقين والشهداء بالأعمال ﴿ فروح ﴾ الفرح مثل قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ [ يوسف: 87] ﴿ وريحان ﴾ الرزق قال ابن عباس: لا تخرج روح المؤمن من بدنه حتى يأكل من ثمار الجنة قبل موته ﴿ وجنة نعيم ﴾ يقول: حققت له الجنة والآخرة ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين ﴾ يقول: جمهور أهل الجنة ﴿ فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين ﴾ وهم المشركون ﴿ فنزل من حميم ﴾ قال: ابن عباس رضي الله عنهما لا يخرج الكافر من بيته في الدنيا حتى يسقى كأساً من حميم ﴿ وتصلية جحيم ﴾ يقول: في الآخرة ﴿ إن هذا لهو حق اليقين ﴾ يقول: هذا القول الذي قصصنا عليك لهو حق اليقين يقول القرآن الصادق، والله أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ﴾ أي فالذي يعد له حميم جهنم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضآلين ﴾ يعني الكفار وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة ﴿ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ﴾ النزل أول شيء يقدّم للضيف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزفون ﴾ من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف.

الباقون: بفتح الزاء ﴿ حور عين ﴾ بجرهما: يزيد وعلي وحمزة ﴿ عرباً ﴾ بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل ﴿ أئذا أئنا ﴾ كما في "الرعد" إلا ابن عامر فإنه تابع عاصماً، وإلا يزيد فإنه تابع قالون ﴿ شرب ﴾ بضم الشين: أبو جعفر نافع وعاصم وحمزة وسهل.

الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ﴿ أئنا لمغرمون ﴾ بهمزتين: أبو بكر وحماد.

الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.

﴿ بموقع ﴾ على الوحدة: حمزة وعلي وخلف.

﴿ تكذبون ﴾ بالتخفيف: المفضل ﴿ فروح ﴾ بضم الراء: قتيبة ويعقوب.

الوقوف: ﴿ الواقعة ﴾ ه لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوباً بإضمار "أذكر" أو كان الجواب محذوفاً أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف ﴿ كاذبة ﴾ ه م لئلا يصير ما بعدها صفة ﴿ رافعة ﴾ ه لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلاً من الأول ﴿ رجاً ﴾ ه لا ﴿ بساً ﴾ ه ﴿ منبثاً ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ ه ط لتناهي استفهام التعجب ﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾ ه ط ﴿ السابقون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ السابقون ﴾ تأكيد والجملة بعده خبر ﴿ المقربون ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم ﴿ جنات النعيم ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ موضونة ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ مخلدون ﴾ ه لا ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ ولا ينزفون ﴾ ه لا ﴿ يتخيرون ﴾ ه لا ﴿ يشتهون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع ﴿ المكنون ﴾ ه ج ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ تأثيماً ﴾ ه لا ﴿ سلاماً ﴾ ه ط ﴿ وما أصحاب اليمين ﴾ ه ط ﴿ مخضود ﴾ ه لا ﴿ منضود ﴾ ه لا ﴿ ممدود ﴾ ه لا ﴿ مسكوب ﴾ ه لا ﴿ كثيرة ﴾ ه لا ﴿ ممنوعة ﴾ ه لا ﴿ مرفوعة ﴾ ه ط ﴿ إنشاء ﴾ ه لا ﴿ أبكاراً ﴾ ه لا ﴿ أتراباً ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الشمال ﴾ ه ط ﴿ وحميم ﴾ ه لا ﴿ يحموم ﴾ ه لا ﴿ ولا كريم ﴾ ه ﴿ مترفين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ والآخرين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ المكذبون ﴾ ه لا ﴿ زقوم ﴾ ه لا ﴿ البطون ﴾ ه ج والوقف أجوز ﴿ الحميم ﴾ ه ج ﴿ الهيم ﴾ ه ط ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تصدقون ﴾ ه ﴿ تمنون ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ﴿ بمسبوقين ﴾ ه لا ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ تحرثون ﴾ ه ط ﴿ الزارعون ﴾ ه ﴿ تفكهون ﴾ ه ﴿ لمغرمون ﴾ ه لا ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ المنزلون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تورون ﴾ ه ط ﴿ المنشؤن ﴾ ه ﴿ للمقوين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ النجوم ﴾ ه لا ﴿ عظيم ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ المطهرون ﴾ ه ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ مدهنون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ الحلقوم ﴾ ه لا ﴿ تنظرون ﴾ ه لا ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ مدينين ﴾ ه لا ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه لا ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ الظالين ﴾ ه لا ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ جحيم ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ ألعظيم ﴾ ه.

التفسير: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ نظير قولك حدثت الحادثة "وكانت الكائنة" وهي القيامة التي تقع لا محالة.

يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله.

واللام في ﴿ لوقعتها ﴾ للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس.

ويجوز أن يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير معقول.

وجوز جار الله أن يكون من قولهم "كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم" إذا شجعته على مباشرته.

وقالت له: إنك تطيقه.

فيكون المراد أن القيامة واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور.

وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول.

وقال في الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم "حمل على قرنه فما كذب" أي فما جبن وما تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له.

والحال من هذا التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد ﴿ خافضة رافعة ﴾ أي هي تخفض أقواماً وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال: وما إن طبنا جبن ولكن *** منايات ودولة آخرينا وإما لإن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله ﴿ إذا رجت الأرض ﴾ أي حركت تحريكاً عنيفاً حتى ينهدم كل بناء عليها ﴿ وبست الجبال بساً ﴾ أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها ﴿ فكانت ﴾ أي صارت غباراً متفرقاً.

ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلاً ﴿ وكنتم ﴾ لفظ الماضي لتحقق الوقوع ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً ﴿ ثلاثة ﴾ ثم فصلها فقال ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ وهو تعجب من شأنهم كقولك "زيد ما زيد" سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم "فلان مني باليمين" إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيهم عليها.

روي أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهمفي الشمال ﴿ والسابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة ﴿ هم السابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله "وشعري شعري" يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف ﴿ السابقون ﴾ ﴿ أولئك المقربون ﴾ إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق إشار إلى ذلك ﴿ في جنات النعيم ﴾ إخفاء حالهم وبيان محل إجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا  .

قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به يحصل الأمة المقتدية به.

﴿ وقليل من الآخرين ﴾ أي من هذه الأمة.

قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي  وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ههنا ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ وفيما بعده قال ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعاً من أمة محمد  .

جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله ﴿ وكنتم أزواجاً ﴾ لأمة محمد  والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله { ﴿ والسابقون الأولون  ﴾ والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين.

وأما أصحاب اليمين فيوجدون في كلا القبيلين كثيراً وعلى هذا يكون الترتيب المذكور ساقطاً ولا نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع.

قال الزجاج وهو قول مجاهد والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي  وعاينه وجماعة ممن آمن به وكان بعده.

وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي  قال " " جميع الثلتين من أمتي " " وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فمازال رسول الله  يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد رسول الله  لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد  سابقين فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في قوله "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" إشارة إلى هذا.

وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن يكونوا أكثر لأن فيض الله  المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سبباً لخاتمة نبينا  أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً هذا ما سنح في الوقت والله  أعلم بمراده.

ثم وصف حال المقربين بقوله ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال المفسرون: أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع أي استقروا على السرر ﴿ متكئين ﴾ وقوله ﴿ ولدان مخلدون ﴾ أي غلمان لا يهرمون ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد.

قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط.

وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.

قال جار الله: روي هذا عن علي  .

والحسن قال الحديث "أولاد الكفار خدام أهل الجنة" " والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه.

والباقي مفسر في "الصافات" إلى قوله ﴿ مما يتخيرون ﴾ أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلاً بين يديه على ما اشتهى.

ومن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور.

ومن خفضهما فعلى العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا.

والكاف في قوله ﴿ كأمثال ﴾ للمبالغة في التشبيه.

قوله ﴿ جزاء ﴾ مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل الجزاء.

قوله ﴿ ولا تأثيماً ﴾ أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم.

وانتصب ﴿ سلاماً ﴾ على البدل من ﴿ قليلاً ﴾ أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون يها إلا أن يقولوا سلاماً عقيبه سلام.

ثم عجب من شأن أصحاب اليمين.

والسدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه.

وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور طيب الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل.

وفي الكشاف أن علياً  أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله ﴿ لها طلع نضيد ﴾ فقيل: أو نحولها؟

قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه.

قلت: وفي هذه الرواية نظر لا يخفى.

والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له ساق بارزة ﴿ وظل ممدود ﴾ أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص.

ويحتمل أن يراد أنه دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع إنه ممدود.

والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير أخدود ﴿ لا مقطوعة ﴾ في بعض الأوقات ﴿ ولا ممنوعة ﴾ عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا ﴿ مرفوعة ﴾ أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قاله علي  .

وقيل: هي النساء المرفوعة على الأرائك.

والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله ﴿ إنا أنشأناهن ﴾ وعلى التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلاً عليهن.

ومعنى الإنشاء أنه ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء.

روى الضحاك عن ابن عباس أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم ﴿ أبكاراً عرباً ﴾ جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أتراباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً من غير وجع.

وقوله ﴿ لأصحاب اليمين ﴾ متعلق بأنشأنا وجعلنا.

ثم عجب من أصحاب الشمال.

ومعنى ﴿ في سموم ﴾ في حر نار ينفذ في المسام.

والحميم الماء الكثير الحرارة.

واليحموم الدخان الأسود "يفعول" من الأحم وهو الأسود.

ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه.

قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.

قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة.

ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا العقاب فقال ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك ﴾ أي في الدنيا ﴿ مترفين ﴾ متنعمين متكبرين عن التوحيد والطاعة والإخلاص ﴿ وكانوا يصرون على الحنث ﴾ وهو الذنب الكبير ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الخنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها.

وخص جمع من المفسرين فقالوا.أعني به الشرك.

وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد مر مثله في "الصافات".

واعلم أنه  ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقاً عجيباً وأسلوباً غريباً.

وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين.

أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.

ثم بعدما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلاً من السابقين ومن أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، وكأن في هذا الطي إشارة إلى الحديث القدسي "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى قوله  " "نحن الآخرون السابقون " ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ذكر السابق من حيث هو سابق.

فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله  أعلم بمراده.

ثم أمر نبيه  بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ﴾ أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت ﴿ يوم معلوم ﴾ عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة.

ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ذكر طرفاً من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال ﴿ ثم إنكم أيها الضالون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث ﴿ لآكلون ﴾ أي في السموم المذكور ﴿ من شجر ﴾ هو للابتداء ﴿ من زقوم ﴾ هو للبيان ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ آنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتباراً وذلك أن شرب الماء المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب.

والهيم الإبل التي بها الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه "فعل" كبيض.

وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب.

ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى يضطروا إلى أكل الزقوم.

ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم كالإبل الهيم ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على البدء كان على الإعادة أقدر.

ثم برهن أنه لا خالق إلا هو فقال ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ أي تقذفونه في الأرحام.

يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله ﴿ من نطفة إذا تمنى  ﴾ ﴿ أءنتم تخلقونه ﴾ تقدّرونه وتصورونه.

ووجه الاستدلال أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال عنها جميعاً.

فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنساناً كاملاً يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء منها وإلى هذا أشار بقوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل ﴾ أي نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه أحد.

يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه.

والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق و ﴿ فيما لا تعلمون ﴾ أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا.

وجوز جار الله أن يكون جمع مثل بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات لا تعلمونها.

ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيراً بعد تذكير فقال ﴿ ولقد علمتم ﴾ الآية.

ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته قائلاً ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ من الطعام أي تبذرون حبه ﴿ أءنتم تزرعونه ﴾ أي تجعلونه بحيث يكون نباتاً كاملاً يستحق اسم الزرع.

وفي الكشاف عن رسول الله  " لا يقولن أحد زرعت وليقل حرثت " والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس.

وقوله ﴿ فظلتم ﴾ أصله فظللتم حذفت إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملاً غير مقس عليه.

ومعنى ﴿ تفكهون ﴾ تعجبون كأنه تكلف الفكاهة.

وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه التعب فيه أو على المعاصي التي تكون سبباً لذلك.

من قرأ ﴿ أنا ﴾ بالخبر فواضح ويحسن تقدير القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول أيضاً.

ومعنى ﴿ لمغرمون ﴾ لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة أي لملزمون غرامة ما أنفقنا ﴿ بل نحن ﴾ قوم ﴿ محرومون ﴾ لا حظ لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ الله منهما.

ثم ذكر دليلاً آخر مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة.

والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب "لو" عن إشاعة الثانية وهي ثابتة في المعنى لأن "لو" شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى اللام التوكيدي.

ويمكن أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا خصت آية المطعوم باللام المفيدة للتأكيد.

وإنما ختم الآية بقوله ﴿ فلولا تشكرون ﴾ لأنه وصف الماء بقوله ﴿ الذي تشربون ﴾ ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال ﴿ أءنتم أنزلتموه من المزن ﴾ وهذا لا عمل للآدمي فيه أصلاً بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود الشكر إلى النعمتين جميعاً ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر.

ومعنى ﴿ تورون ﴾ تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر "يس".

وأعلم أنه  بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم.

ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ وفي الثانية ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ وفي الثالثة ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ تتعظون بها ولا تنسون نار جهنم كما روي عن رسول الله  "ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من جهنم " ﴿ ومتاعاً ﴾ وسبب تمتع ومنفعة ﴿ للمقوين ﴾ للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئاً من أيام.

وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه  بدأ بالوعيد الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتاً فقال ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتاً لا ذاتاً ولهذا حذف اللام في قوله ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو كون "لو" بمعنى "أن" وذلك أن الماء باقٍ ههنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهمياً فافهم.

ثم ختم بتذكير النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه.

أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة.

وأما الثاني فلأن عدم ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة.

وفي قوله ﴿ تذكرة ﴾ إشارة إلى ما قلنا.

ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عما يقول الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ فلا أقسم ﴾ أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد التأكيد.

ومواقع النجوم مساقطعها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة ولهذا قال  ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ وعن سفيان الثوري: إن لله  ريحاً تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار.

وقوله ﴿ وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ اعتراض فيه اعتراض.

ومواقعها منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن المرضي من بين جنس الكتب.

أو كرمه نفعه للمكلفين.

أو هو كرامته على الله عز وجل ﴿ في كتاب مكنون ﴾ مستوراً على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ملائكته المقربين وهو اللوح ﴿ لا يمسه ﴾ إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا يصل إلى ما فيه ﴿ إلا ﴾ عبيده ﴿ المطهرون ﴾ من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث.

ومن الناس من حرم قراءة القرآن عند الحدث الأصغر أيضاً.

وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة عندهم.

ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ أي بالقرآن أو بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن ﴿ أنتم مدهنون ﴾ متهاونون من أدهن في الأمر إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه ﴿ وتجعلون رزقكم ﴾ أي شكر رزقكم ﴿ أنكم تكذبون ﴾ بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ إلى قوله ﴿ للمقوين ﴾ وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله عز وجل وتنسبونه إلى النجوم.

ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته.

وترتيب الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير ﴿ فلولا ﴾ التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون  ﴾ ومنها تقديم الظرف وهو قوله ﴿ إذا بلغت الحلقوم ﴾ أي النفس.

وإنما أضمرت للعلم بها كقوله ﴿ ما ترك على ظهرها  ﴾ وإنما قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه.

ومنها زيادة الجمل المعترضة وهي قوله ﴿ وأنتم ﴾ يا أهل الميت ﴿ حينئذ تنظرون ﴾ إليه ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ بالقدرة والعلم أو بملائكة الموت ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ لا بالبصر ولا بالبصيرة.

ومعنى مدينين مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.

ومنها قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم متمنعين عن الموت، والحلقوم الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه "فعلوم" ويمكن أن يقال: إن فعل ﴿ فلولا ﴾ الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم.

فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟

ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياماً معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة.

ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء نوع من القهر والتسخير.

ويحتمل عندي أن يكون الضمير في ﴿ ترجعونها ﴾ عائداً إلى ملائكة الموت بدليل قوله ﴿ ونحن أقرب ﴾ والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا.

وحين بين أن لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلاً ﴿ فأما إن كان ﴾ المتوفى ﴿ من المقربين ﴾ أي من السابقين من الأزواج الثلاثة ﴿ فروح ﴾ أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن ﴿ وريحان ﴾ أي رزق وهذا للبدن ﴿ وجنة نعيم ﴾ وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر.

ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك ﴾ أيها النبي ﴿ من أصحاب اليمين ﴾ أي أنت سالم من شفاعتهم.

هذا قول كثير من المفسرين.

وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله ﴿ وتحيتهم فيها سلام  ﴾ ﴿ إن هذا ﴾ القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لهو حق اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين.

وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى "من" كقولك "خاتم فضة" وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك "حق الحق".

"وصواب الصواب" أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه.

أو المراد هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر.

هذا ما قاله أكثر المفسرين.

وقيل: الإضافة كما في قولنا "جانب الغربي" و "مسجد الجامع" أي حق الأمر اليقين.

ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا "حق النبي أن يصلي عليه" و "حق المال أن تؤدى زكاته" ومنه قوله  " "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " أي إلا بحق هذه الكلمة.

ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله  في شأن الأزواج الثلاثة.

وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عياناً فليس الخبر كالمعاينة، وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحداً.

ولعله لا يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلأ من ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين.

روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه فقال له: ما تشتكي؟

قال: ذنوبي.

قال: ما تشتهي؟

قال:رحمة ربي.

قال: أفلا ندعو الطبيب؟

قال: الطبيب أمرضني.

قال: افلا نأمر بعطائك؟

قال: لا حاجة لي فيه.

قال: تدفعه إلى بناتك.

قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله  يقول "من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبداً"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ عن ابن مسعود وإبراهيم أنهما قرآ: (بموقع النجوم)، على الوحدان.

وعن الحسن: أنه قرأها بمواقع على الجمع، وربه أخذ أبو عبيد، وقال إن بعض أهل التأويل يتأولونها على منازل القرآن، وبعضهم على مغايب الكواكب ومساقطها، وأي: الوجهين كان، فالجمع فيه أولى من الوجدان.

ثم اختلف في قوله: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ ﴾ : منهم من قال: إن حرف (لا) هاهنا صلة؛ كأنه قال: أقسم بمواقع النجوم، وذلك جائز في اللغة، كقوله: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ  ﴾ ونحوه، يكون لى الصلة والزيادة على التوكيد.

ومنهم من قال: على إثبات حرف (لا)، لكنه جعل ذكره لرد قول كان من أولئك الكفرة، ولدفع منازعة كانت منهم، لكن لم يكذر ذلك؛ لما كنت معروفة بينهم، فرد ذلك بقوله: ﴿ فَلاَ ﴾ ثم ابتدأ القسم بقوله: ﴿ أُقْسِمُ ﴾ ، كأنه قال: أقسم قسما بمواقع النجوم.

ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ على الوجهين اللذين ذكرناهما.

وقال بعضههم: ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ أي: بمواقع نزول القرآن نجوماً؛ دليله: ما ذكر على أثره: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴾ .

والثاني: ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ النجوم المعروفة؛ على ما قال بعضهم.

ثم ن كان المراد منه: الكواكب، فالقسم بها يكون على وجوه.

أحدها: لعظم موقع النجوم ومحلها في القلوب، وجليل قدرها عند الناس حتى يجعلها بعض الملحدة مدبرة العالم.

أو لكثرة منافع الخلق بها من معرفة الطرق بها والسبل، ومعرفة كثرة الأنواء والمياه، ومعرفة الأوقات والأزمنة، وغيرها مما يكثر ذكرها.

أو ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ أي: مساقطها، وفي ذلك إخبار وإنباء عن شدة طاعة النجوم وتسخيره إياها للخلق؛ حيث تملك قطع مسيرة خمسمائة يوم في ليلة واحدة ما لا يتوهم قطع ذلك من سواها من ذوي الأرواح والأجنحة التي هي أسرع لقطع المسافات والوصول إلى مقاصدها، والله أعلم.

ثم قال أهل التأويل بأجمعهم بأن القسم بها من الله  .

وجائز أن يكون القسم من الرسول  ، لكن أضافه إلى نفسه؛ تعليما منه لرسول الله  أن يقسم برب هذه الأشياء؛ وكذلك تعليما لغيره من الرسل القسم برب هذه الأشياء؛ إذ لا تنازع بينهم وبين الله  ؛ ليقسم وإنما وضع القسم لتأكيد الخبر عند الإنكار والتنازع، ولكن التنازع فيما بينهم وبين الرسل، وكذلك ما ذك: ﴿ فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ  ﴾ ، ليس من الله  ، ولكن من الرسول؛ إلا يحتمل أن يكن الرب - عز وجل - هو المقسم، ويقول: ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ  ﴾ ؛ فظاهره أن يكون الرسول هو المقسم بها، فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

ومن الناس من قال: إن الأقسام التي جرى ذكرها في القرآن بالأشياء التي ذكرها لو لم يكن القسم بها، لكانت تلك الأشياء تؤكد وتوجب القسم، وتؤكد أو لو وقع بها القسم؛ لأن الأقسام فيه إنما جرى أكثرها في إيجاب البعث والتوحيد، وإثبات الرسالة، ونحوها، وما جرى ذكرها لو لم يكن القسم بها، لكانت توجب ما يوجب القسم؛ لأن في هذه الأشياء دلالات على البعث والتوحيد والرسالة، والله الموفق.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ على قول من يجعل القسم بالقرآن، فهو ظاهر: أن يقول: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ ، أي: الذي أقسم به وأنزله نجوماً هو كريم.

وعلى التأويل الذي يجعل القسم بالنجوم المعروفة، يجعل قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ ابتداء ذكر منه له.

ثم تسميته القرآن: كريما، يخرج على وجوه: أحدها: وصفه بالكرم؛ لما هو محل لقضاء الحوائج الدنيوية والأخروية، وفي العرف: الكريم: من نصب نفسه وأعدها لقضاء حوائج الخلق والقيام لإنجازها.

أو وصفه بالكرم؛ لأن من اتبعه، كرم وشرف.

أو كريم عند الله عظيم: لذلك وصفه بالكرم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴾ قال أهل التأويل: في اللوح المحفوظ؛ سماه مكنون: لأنه مستور على خلقه عند الله.

وقال - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ ﴾ يقول: لا يمس ذلك إلا المطهرون.

وقال بعضهم: هم الملائكة الذين يجري ذلك على أيديهمه؛ كقوله  : ﴿ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ  كِرَامٍ بَرَرَةٍ  ﴾ طهروا من الذنوب والآثام، وكأنه ذكر هذا ليأمنوا عن تحريف هذا الكتاب وتبديله، وهو ما قال على أثره: ﴿ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، أي: أنه مكنون عمن يحرفه ويبدله، وأنه لا يمسه إلا المطهرون من الذنوب، والتحريف: إثم وذنب من رب العالمين، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ  ﴾ ، وقال: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ  ﴾ ، أخبر أن الذي نزل به من السماء أمين، لا يكون منه التحريف ولا التبديل، وأنه قوي، لا يقدر أحد من جني وإنسي أخذه من يده، ولا تحريفه، ثم تمام الأمن بقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ ، وكل حفظة إلى نفسه؛ لا إلى من خلقه؛ فصار محفوظا عن التبديل والتحريف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ قال بعضهم: أفبهذا القرآن أنت كافرون؟

﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ الله  جعل هذا القرآن حياة الدين وقوامه، والرزق حياة الأبدان وما به قوامها، فكذبوا الأمرين جميعا، ما به حياة الدين والأبدان جميعا.

ثم يخرج ما ذكر من تكذيب الرزق على وجوه: أحدها: ما ذكر بعض الناس أهل التأويل: أنهم كانوا يقولون: رزقنا بنوء كذا؛ كانوا ينسبون الرزق لذلك النوء؛ فهذايخرج على قول المنجمة: إن النجوم هي مدبرة العالم ورازقتهمه؛ لا يجعلون لله  في ذلك تدبيرا.

فأما من نسب الرزق إلى الله  ، ويقول: رزقنا الله بنوء كذا، فليس في ذلك تكذيبه؛ إنما يخرج ذكر النوء ذكر سبب من الأسباب التي يرزق الله  بها، وكذلك من رأى الرزق من الأسباب خاصة، وأما من يقول: رزقنا  بسبب كذا، فذلك جائز القول به.

وقال بعضهم: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ أي: تجعلون شكر الرزق التكذيب؛ وبه قال أبو عبيدة.

وجائز أن يكون تكذيبهم الرزق: صرف تسمية الألوهية إلى غير الذي رزقهم، والعبادة لغير المستحق لها، والله أعلم.

وقال الحسن: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ بئسما أخذ القوم لأنفسهم؛ حتى لم يرزقوا من كتاب الله  إلا التكذيب؛ يقول: صار حظكم من القرآن التكذيب، ويجعل هذه الآية مع الآية الأولى: ﴿ أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ .

وقال أبو بكر الأصم في هذه الآية: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ﴾ ، وهو هذا القرآن الذي خصكم به دون آبائكم، ورزقتم به ما لم يرزق آباؤكم منه، ثم جعلتم تكذبون بذلك الرزق الذي خصصتم به ورزقتم، أو كلام من نحوه، وهو كقوله  : ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ  ﴾ .

وقال في قوله  : ﴿ أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ : هو الذي يرى الموافقة، ويحتال في دفع حجة ما يلزمه ويرد عليه، أو كلام يشبه معناه هذا، والله أعلم.

وقال أبو معاذ: مُدَّهِن وَمُدْهِن لغتان، ثم أصل المداهنة؛ لطمع له فيه مخادعة حتى يصل إلى ما يطمع، والمداراة الشفقة، يداريه إشفاقاً عليه ليتحقق له عليه الحق؛ ليسلم له دينه، وإلا هما الظاهر واحد، وهما الملاينة وخفض الجناح، لكن الفرق بينهما ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ ، ليس هذا الكلام صلة ما تقدم من الكلام.

ثم يشبه أن يكون صلة ما قال أولئك للمؤمنين: ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ  ﴾ ، يقول - والله أعلم -: لو كانوا عندكم لم يموتوا ولم يقتلوا على ما زعمتم، فهلا إذا كانوا عندكم؛ وقد بلغت الأرواح الحلقوم أن ترجعوها، وتردوها إلى الأجساد التي كانت لو كنتم صادقين في قولكم: ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ...

﴾ الآية [آل عمران: 156]، على هذا جائز أن يخرج تأويل الآية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ تَنظُرُونَ ﴾ أي: تنتظرون خروج الروح أنها متى تخرج؟

لا تملكون ردها إلى حيث كانت، ولكن تنتظرون خروجها متى تخرج؟

والثاني: ﴿ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ على حقيقة النظر؛ أي: تنظرون إلى سلطاني وقدرتي.

وقيل: هو من الانتظار؛ أي: تنتظرون أن يحل بكم الموت، [و]هو ما ذكرنا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ ؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تشفع لهم في ضيق الحال، وإنما يضيق الحال عليهم الأمر عند حلول الموت؛ إذ لا بعث عندهم، فيقول: فلولا إذا بلغت الأرواح الحلقوم فتنفع لهم الأصنام التي يعبدونها، وترد الأرواح إلى المكان الذي كانت، فإذا لم تملك ذلك فكيف عبدتموها؟

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ ﴾ ، قال بعض اهل التأويل: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ﴾ أي: ملائكتي ورسلي في ذلك الوقت أقرب إليه منكم ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ ﴾ الملائكة، لكن أضاف إلى نفسه؛ لما أن الملائكة بأمره وتسليطه يعملون.

وقيل: نحن أقرب إ ليه منكم، أي: أولى به في ذلك الوقت؛ لما يعلم هو خطأه، ويتبين له الحق في ذلك الوقت من الباطل: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ ﴾ أنتم، أي: لا تعلمون ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، قال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ أي: لو كنتم غير مملوكين لله  على ما زعمتم، ترجعون الأرواح، وتردونها إلى الأجساد التي كانت فيها؛ إن كنتم صادقين: أنكم غير مملوكين، فإذا كنتم عندكم غير مملوكين، تكونون مالكين؛ إذ ليس إلا المملوك والمالك، فإذا لم تكونوا مملوكين تكونون مالكين فتملكون ردها إلى ما فيها، فإذا لم تملكوا كتنم مملوكين، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ أي: غير محاسبين ولا مجزيين، فردوا النشأة الأولى، واجعلوها بأنفسكم حتى تكون النشأة الأولى الحكمة؛ إذ لم تملكوا رد هذه الأرواح إلى الأنفس، أو اجعلوا النشأة الأولى حكمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ...

﴾ إلى آخره، اختلف في وقت ما ذكر [و]لمن ذكر ذلك؟

قال بعضهم: إن ذلك يقال لهم عند الموت؛ بشارة لهم بما يكومن لهم في الجنة.

ومنهم من يقول: إنما يقال ذلك إذا دخل هؤلاء الجنة، وأولئك النار؛ أعني: الكافرين، وهو ما ذكر، ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ ﴾ .

وجائز أن يكون يقال ذلك لهم عند رسول الله  في الجنة، وصفاً لرسول الله  عنده في الجنة، ومكانهم لديه، على ما كانوا عنده في الدنيا السابقين كانوا في الدنيا المقربين عنده، ومكانهم لديه أقرب من مكان غيرهم من المؤمنين؛ فعلى ذلك يخبر أن السابقين في الإجابة يكونون في الآخرة عنده أقرب، ويكون قوله: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ أي: يستأنس هو بهم ويستأنسون به، لا يفارقونه ولا يفارقهم، على ما كانوا في الدنيا، وسائ المؤمنين يسلمون عليه في أوقات، وهو ما ذكر: و ﴿ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ ﴾ على ما كانوا يفعلون في الدنيا، وهو أقرب من الوجهين اللذين ذكرناهما.

ويحتمل ما ذكروا من البشارة عند الموت - أعني للمؤمنين والكافرين - في حق المؤمنين: ﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ ، ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ...

﴾ كذا، وفي حق الكفرة: ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ...

﴾ الآية.

ويحتمل [ما] ذكر بعضهم: أن ذلك يقال لهم بعدما دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، والله أعلم.

قوله - عز وجل -: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ﴾ اختلف في تأويله وتلاوته: أما تلاوته: روي عن عائشة -  ا - قالت: كان رسول الله  يقرأ هذا الحرف ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ تعني: بضم الراء.

وعن الحسن: أنه قرأها بالضم أيضا.

وعن الضحاك: بفتح الراء، [و]عليه جميع القراء.

وقال أبو عبيد: لولا كراهة خلاف الأمة، وإلا ما قرأتها إلا الضم، ولكن لا أجد أحداً عليها، فأستوحش من مفارقة الناس، ولا يجمع الله  أمة محمد  على الضلالة.

وأما تأويله: فعلى قراءة الرفع، عن الحسن قال: الروح: الرحمة، والريحان: ريحاننا.

وعن أبي عبيد قال:ِ بالرفع: هو الحياة والبقاء.

وعن الضحاك: بالفتح: الروح: الاستراحة، والريحان: الرزق.

وقال بعضهم: الروح: كناية عن دوام النعمة والسعة، يقال: فلان في روح؛ إذا كان في سعة ونعمة، والريحان: كناية عن الشرف والمنزلة، يقل: فلان ريحاني؛ وذلك لشرفه ومنزلته عنده.

ومنهم من قال: الروح: الراحة، والريحان: الرزق في الجنة.

وقال بعضهم: الورح - بالرفع -: من الرحمة، وبالنصب: الراحة.

ونحن نقول: جائز أن يكونا جميعا بالنصب والرفع من الرحمة؛ لقوله: ﴿ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ ، أي: من رحمته، وقال في موضع آخر: ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ  ﴾ أي: برحمة منه، يخبر الله  أن المقربين يكونون في الجنة في رحمة الله ونعمته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ * فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ ﴾ يحتمل ما وصفنا أن أصحاب اليمين يسلمون على النبي  ، ويحيي بضعهم بعضا بالسلام.

ويحتمل ﴿ فَسَلاَمٌ لَّكَ ﴾ أي: السلامة لك منهم من جميع الآفات والأذى.

وذكر في حرف ابن مسعود -  - (فسلام إنك من أصحاب اليمين)، فهذا إن ثبت فهو يخرج على البشارة له عند الموت، والله أعلم.

وقيلأ: يسلم عليهم الملائكة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ ﴾ يقول: هذا الذي ذكرنا للمقربين، ولأصحاب اليمين، وللمكذبين هو حق اليقين؛ أي كائن لا محالة، لا شك فيه؛ مثل هذا يقال على التأكيد وتحقيق ما سبق ذكره ووصفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ ﴾ يقول - والله أعلم - فسبح ربك باسم لا سيمى به غيره؛ أي: نزهه عن جميع ما قالت الملاحدة فيه من الولد والشريك، وتسمية من دونه: إلها وغير ذلك، والله الموفق للسداد وإليه المرجع والمآب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فضيافته التي يستقبل بها ماء حارٌّ شديد الحرارة.

<div class="verse-tafsir" id="91.LKn5g"

مزيد من التفاسير لسورة الواقعة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر