الآية ١١٤ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١١٤ من سورة الأنعام

أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًۭا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلًۭا ۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌۭ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ١١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٤ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٤ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المشركين بالله الذين يعبدون غيره : ( أفغير الله أبتغي حكما ) أي : بيني وبينكم ، ( وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ) أي : مبينا ، ( والذين آتيناهم الكتاب ) أي : من اليهود والنصارى ، ( يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) ، أي : بما عندهم من البشارات بك من الأنبياء المتقدمين ، ( فلا تكونن من الممترين ) كقوله ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) [ يونس : 94 ] ، وهذا شرط ، والشرط لا يقتضي وقوعه; ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا أشك ولا أسأل "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام, القائلين لك: " كفَّ عن آلهتنا، ونكف عن إلهك ": إن الله قد حكم عليّ بذكر آلهتكم بما يكون صدًّا عن عبادتها=(أفغير الله أبتغي حكمًا)، أي: قل: فليس لي أن أتعدَّى حكمه وأتجاوزه, لأنه لا حَكَم أعدل منه، ولا قائل أصدق منه (17) =(وهو الذي أنـزل إليكم الكتاب مفصلا) يعني القرآن=" مفصَّلا ", يعني: مبينًا فيه الحكم فيما تختصمون فيه من أمري وأمركم .

* * * وقد بينا معنى: " التفصيل "، فيما مضى قبل .

(18) القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن أنكر هؤلاء العادلون بالله الأوثان من قومك توحيدَ الله, وأشركوا معه الأندادَ, وجحدوا ما أنـزلته إليك, وأنكروا أن يكون حقًا وكذَّبوا به = فالذين آتيناهم الكتاب ، وهو التوراة والإنجيل ، من بني إسرائيل=(يعلمون أنه منـزل من ربّك)، يعني: القرآن وما فيه =(بالحق) يقول: فصلا بين أهل الحق والباطل, يدلُّ على صدق الصادق في علم الله, (19) وكذبِ الكاذب المفتري عليه =(فلا تكونن من الممترين)، يقول: فلا تكونن، يا محمد، من الشاكين في حقيقة الأنباء التي جاءتك من الله في هذا الكتاب، وغيرِ ذلك مما تضمنه، لأن الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنَّه منـزل من ربك بالحق .

* * * وقد بيَّنا فيما مضى ما وجه قوله: (فلا تكونن من الممترين)، بما أغنى عن إعادته، مع الرواية المروية فيه ، (20) وقد: 13788- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: (فلا تكونن من الممترين)، يقول: لا تكونن في شك مما قصَصنا عليك .

--------------------- الهوامش : (17) انظر تفسير (( الحكم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) .

(18) انظر تفسير (( التفصيل )) فيما سلف 11 : 394 .

(19) في المطبوعة : (( الصادق في علم الله )) ، وفي المخطوطة : (( الصادق علم الله )) ، والصواب ما أثبت .

(20) انظر تفسير (( الأمتراء )) فيما سلف 3 : 190 - 192 / 6 : 472 ، 473 / 11 : 260

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترينقوله تعالى أفغير الله أبتغي حكما " غير " نصب ب " أبتغي " .

حكما نصب على البيان ، وإن شئت على الحال .

والمعنى : أفغير الله أطلب لكم حاكما وهو كفاكم مئونة المسألة في الآيات بما أنزله إليكم من الكتاب المفصل ، أي المبين .

ثم قيل : الحكم أبلغ من الحاكم ; إذ لا يستحق التسمية بحكم إلا من يحكم بالحق ، لأنها صفة تعظيم في مدح .

والحاكم صفة جارية على الفعل ، فقد يسمى بها من يحكم بغير الحق .والذين آتيناهم الكتاب يريد اليهود والنصارى .

وقيل : من أسلم منهم كسلمان وصهيب وعبد الله بن سلام .يعلمون أنه أي القرآن .منزل من ربك بالحق أي أن كل ما فيه من الوعد والوعيد لحق .فلا تكونن من الممترين أي من الشاكين في أنهم يعلمون أنه منزل من عند الله .

وقال عطاء : الذين آتيناهم الكتاب وهم رؤساء أصحاب محمد عليه السلام : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قل يا أيها الرسول { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا } أحاكم إليه، وأتقيد بأوامره ونواهيه.

فإنَّ غير الله محكوم عليه لا حاكم.

وكل تدبير وحكم للمخلوق فإنه مشتمل على النقص، والعيب، والجور، وإنما الذي يجب أن يتخذ حاكما، فهو الله وحده لا شريك له، الذي له الخلق والأمر.

{ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا } أي: موضَّحا فيه الحلال والحرام، والأحكام الشرعية، وأصول الدين وفروعه، الذي لا بيان فوق بيانه، ولا برهان أجلى من برهانه، ولا أحسن منه حكما ولا أقوم قيلا، لأن أحكامه مشتملة على الحكمة والرحمة.

وأهل الكتب السابقة، من اليهود والنصارى، يعترفون بذلك { ويَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ } ولهذا، تواطأت الإخبارات { فَلَا } تشُكَّنَّ في ذلك ولا { تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( أفغير الله ) فيه إضمار أي : قل لهم يا محمد أفغير الله ، ( أبتغي ) أطلب ( حكما ) قاضيا بيني وبينكم ، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : اجعل بيننا وبينك حكما فأجابهم به ، ( وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ) مبينا فيه أمره ونهيه ، يعني : القرآن ، وقيل : مفصلا أي خمسا خمسا وعشرا وعشرا ، كما قال : ( لنثبت به فؤادك ) ( الفرقان ، 32 ) ، ( والذين آتيناهم الكتاب ) يعني : علماء اليهود والنصارى الذين آتيناهم التوراة والإنجيل ، وقيل : هم مؤمنو أهل الكتاب ، وقال عطاء : هم رءوس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالكتاب هو القرآن ، ( يعلمون أنه منزل ) يعني : القرآن ، قرأ ابن عامر [ وحفص ] " منزل " بالتشديد من التنزيل لأنه أنزل نجوما متفرقة ، وقرأ الآخرون بالتخفيف من الإنزال ، لقوله تعالى : " وهو الذي أنزل إليكم الكتاب " ، ( من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ) من الشاكين أنهم يعلمون ذلك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل لما طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل بينه وبينهم حكما، قل «أفغير الله أبتغي» أطلب «حكما» قاضيا بيني وبينكم «وهو الذي أنزل إليكم الكتاب» القرآن «مفصّلا» مبينا في الحق من الباطل «والذين آتيناهم الكتاب» التوراة كعبد الله بن سلام وأصحابه «يعلمون أنه منزَل» بالتخفيف والتشديد «من ربَّك بالحق فلا تكونن من الممترين» الشاكين فيه والمراد بذلك التقرير للكفار أنه حق.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أغير الله إلهي وإلهكم أطلب حَكَمًا بيني وبينكم، وهو سبحانه الذي أنزل إليكم القرآن مبينًا فيه الحكم فيما تختصمون فيه من أمري وأمركم؟

وبنو إسرائيل الذين آتاهم الله التوراة والإنجيل يعلمون علمًا يقينًا أن هذا القرآن منزل عليك -أيها الرسول- من ربك بالحق، فلا تكونن من الشاكِّين في شيء مما أوحينا إليك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصارح المشركين بأن الله وحده هو الحكم الحق ، وإن كتابه هو الآية الكبرى الدالة على صدقه فيما يبلغه عنه فقال - تعالى- : { أَفَغَيْرَ الله .

.

.

.

} .روى أن مشركى مكة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم واجعل بيننا حكما من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما فى كتابهم من أمرك فنزل قوله - تعالى - { أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً } الآية .وقوله : { أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً } كلام مستأنف على إرادة القول ، والهمزة للإنكار ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام .والحكم - بفتحتين - وهو من يتحاكم إليه الناس ويرضون بحكمه ، وقالوا : إنه أبلغ من الحاكم " وأدل على الرسوخ ، كما أنه لا يطلق إلا على العادل وعلى من تكرر منه الحكم بخلاف الحاكم .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين ، أأميل إلى زخارف الشياطين ، فأطلب معبودا سوى الله - تعالى - ليحكم بينى وبينكم ، ويفصل المحق منها من المبطل .وأسند صلى الله عليه وسلم الابتغاء لنفسه لا إلى المشركين ، لإظهار كمال النصفة أو لمراعاة قولهم : إجعل بيننا وبينك حكما .و ( غير ) مفعول ل { أَبْتَغِي } و { حَكَماً } إما أن يكون حالا لغير أو تمييزا له .

وجملة { وَهُوَ الذي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب مُفَصَّلاً } حالية مؤكدة للإنكار أى : أفغير الله أطلب من يحكم بينى وبينكم ، والحال أنه - سبحانه - هو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا ، أى مبينا فيه الحق والباطل ، والحلال والحرام ، والخير والشر ، وغير ذلك من الأحكام التى أنتم فى حاجة إليها فى دينكم ودنياكم ، وأسند الإنزال إليهم لاستمالتهم نحو المنزل واستدعائهم إلى قبول حكمه ، لأن من نزل الشىء من أجله ، من الواجب عليه أن يتقبل حكمه .ثم ساق - سبحانه - دليلا آخر على أن القرآن حق فقال : { والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بالحق } .أى : والذين آتيناهم الكتاب أى التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى يعلمون علم اليقين أن هذا القرآن منزل عليك من ربك بالحق .

لأنهم يجدون فى كتبهم البشارات التى تبشر بك ، ولأن هذ القرآن الذى أنزله الله عليك مصدق لكتبهم ومهيمن عليها .فهذه الجملة الكريمة تقرير لكون القرآن منزلا من عند الله ، لأن الذين وثق بهم المشركون من علما أهل الكتاب عالمون بحقيقته وأنه منزل من عند الله .وقوله : { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } أى : فلا تكونن من الشاكين فى أن أهل الكتاب يعلمون أن القرآن منزل من عند ربك بالحق ، لأن عدم اعتراف بعضهم بذلك مرده إلى الحسد والجحود ، وهذا النهى إنما هو زيادة فى التوكيد ، وتثبيت لليقين ، كى لا يجول فى خاطره طائف من التردد فى هذا اليقين .قال ابن كثير : وهذا كقوله - تعالى - { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين }قال : وهذا شرط ، والشرط لا يتقضى وقوعه ، ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا أشك ولا أسأل " .وقيل : الخطاب لكل من يتأتى له الخطاب على معنى أنه إذا تعاضدت الأدلة على صحته وصدقه فلا ينبغى أن يشك فى ذلك أحد .وقيل : الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والمقصود أمته ، لأنه صلى الله عليه وسلم حاشاه من الشك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، أجاب عنه بأنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات، لأنه تعالى لو أظهرها لبقوا مصرين على كفرهم.

ثم إنه تعالى بين في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل، فكان ما يطلبونه طلباً للزيادة وذلك مما لا يجب الالتفات إليه، وإنما قلنا: إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين: الوجه الأول: أن الله قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل إليه الكتاب المفصل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة، وقد عجز الخلق عن معارضته فظهور مثل هذا المعجز عليه يدل على أنه تعالى قد حكم بنبوته، فقوله: ﴿ أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَماً ﴾ يعني قل يا محمد: إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكماً؟

فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز.

ثم قل: إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الإعجاز.

والوجه الثاني: من الأمور الدالة على نبوته اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على أن محمداً عليه الصلاة والسلام رسول حق، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله تعالى، وهو المراد من قوله: ﴿ والذين ءاتيناهم الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بالحق ﴾ وبالجملة فالوجهان مذكوران في قوله تعالى: ﴿ قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب  ﴾ .

أما قوله تعالى في آخر الآية: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين ﴾ ففيه وجوه: الأول: أن هذا من باب التهييج والإلهاب كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين ﴾ والثاني: التقدير ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين ﴾ في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق.

والثالث: يجوز أن يكون قوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ ﴾ خطاباً لكل واحد والمعنى أنه لما ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيها أحد.

الرابع: قيل هذا الخطاب وإن كان في الظاهر للرسول إلا أن المراد منه أمته.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ والذين ءاتيناهم الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بالحق ﴾ قرأ ابن عامر وحفص ﴿ مُنَزَّلٌ ﴾ بالتشديد والباقون بالتخفيف، والفرق بين التنزيل والإنزال قد ذكرناه مراراً.

المسألة الثالثة: قال الواحدي: ﴿ أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَماً ﴾ الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة، غير أن بعض أهل التأويل قال الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم.

وأما الحكم فهو الذي لا يحكم إلا بالحق والمعنى أنه تعالى حكم حق لا يحكم إلا بالحق.

فلما أظهر المعجز الواحد وهو القرآن فقد حكم بصحة هذه النبوة، ولا مرتبة فوق حكمه فوجب القطع بصحة هذه النبوة.

فأما أنه هل يظهر سائر المعجزات أم لا؟

فلا تأثير له في هذا الباب بعد أن ثبت أنه تعالى حكم بصحة هذه النبوة بواسطة إظهار المعجز الواحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَماً ﴾ على إرادة القول، أي قل يا محمد: أفغير الله أطلب حاكماً يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل ﴿ وهُوَ الذى أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب ﴾ المعجز ﴿ مُفَصَّلاً ﴾ مبيناً فيه الفصل بين الحق والباطل، والشهادة لي بالصدق وعليكم بالافتراء.

ثم عضد الدلالة على أنّ القرآن حق بعلم أهل الكتاب أنه حق لتصديقه ما عندهم وموافقته له ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين ﴾ من باب التهييج والإلهاب، كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين ﴾ [الأنعام: 14] أو ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين ﴾ في أنّ أهل الكتاب يعلمون أنه منزل بالحق، ولا يريبك جحود أكثرهم وكفرهم به.

ويجوز أن يكون ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ ﴾ خطاباً لكل أحد، على معنى أنه إذا تعاضدت الأدلة على صحته وصدقه، فما ينبغي أن يمتري فيه أحد.

وقيل: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أفَغَيْرَ اللَّهِ أطْلُبُ مَن يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكم ويَفْصِلُ المُحِقَّ مِنّا مِنَ المُبْطِلِ، و «غَيْرَ» مَفْعُولُ أبْتَغِي وحَكَمًا حالٌ مِنهُ ويَحْتَمِلُ عَكْسَهُ، وحَكَمًا أبْلَغُ مِن حاكِمٍ ولِذَلِكَ لا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُ العادِلِ.

﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ ﴾ القُرْآنَ المُعْجِزَ.

﴿ مُفَصَّلا ﴾ مُبَيَّنًا فِيهِ الحَقُّ والباطِلُ بِحَيْثُ يَنْفِي التَّخْلِيطَ والِالتِباسَ.

وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ بِإعْجازِهِ وتَقْرِيرِهِ مُغْنٍ عَنْ سائِرِ الآياتِ.

﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ ﴾ تَأْيِيدٌ لِدَلالَةِ الإعْجازِ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، يَعْلَمُ أهْلُ الكِتابِ بِهِ لِتَصْدِيقِهِ ما عِنْدَهم مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُمارِسْ كُتُبَهم ولَمْ يُخالِطْ عُلَماءَهُمْ، وإنَّما وُصِفَ جَمِيعُهم بِالعِلْمِ لِأنَّ أكْثَرَهم يَعْلَمُونَ ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ بِأدْنى تَأمُّلٍ.

وقِيلَ المُرادُ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ مُنَزَّلٌ بِالتَّشْدِيدِ.

﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ في أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوْ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ لِجُحُودِ أكْثَرِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ، فَيَكُونُ مِن بابِ التَّهْيِيجِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ خِطابُ الرَّسُولِ  لِخِطابِ الأُمَّةِ.

وقِيلَ الخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ عَلى مَعْنى أنَّ الأدِلَّةَ لَمّا تَعاضَدَتْ عَلى صِحَّتِهِ فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَمْتَرِيَ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً} أي قل يا محمد أفغير الله أطلب حاكماً يحكم بيني وبينكم ويفصل المحق منا من المبطل {وَهُوَ الذي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب} المعجز {مُفَصَّلاً} حال من الكتاب أي مبيناً فيه الفصل بين الحق والباطل والشهادة لي بالصدق وعليكم بالافتراء ثم عضد الدلالة على أن القرآن حق بعلم أهل الكتاب أنه حق لتصديقه

الأنعام (١١٤ _ ١١٩)

ماعندهم وموافقته له بقوله {والذين آتيناهم الكتاب} أي عبد الله بن سلام وأصحابه {يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ} شامي وحفص {مِّن رَّبِّكَ بالحق فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين} الشاكين فيه أيها السماع

أو فلا تكونن من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل بالحق ولا يربك جحودا اكثرهم وكفرهم به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عَلى إرادَةِ القَوْلِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ: أأُمِيلُ إلى زَخارِفِ الشَّياطِينِ أوْ أعْدِلُ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ فَأطْلُبُ حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكم ويَفْصِلُ المُحِقَّ مِنّا عَنِ المُبْطِلِ وقِيلَ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ أوْ مِن أساقِفَةِ النَّصارى لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ فَنَزَلَتْ وإسْنادُ الِابْتِغاءِ المُنْكَرِ لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ  لا إلى المُشْرِكِينَ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ مَعَ أنَّهُمُ الباغُونَ لِإظْهارِ كَمالِ النَّصَفَةِ أوْ لِمُراعاةِ قَوْلِهِمُ اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا و( غَيْرَ ) مَفْعُولُ ﴿ أبْتَغِي ﴾ و( حَكَمًا ) حالٌ مِنهُ وقِيلَ: تَمْيِيزٌ لِما في ( غَيْرَ ) مِنَ الإبْهامِ كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا إبِلًا غَيْرَها وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ وأُولى المَفْعُولِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ دُونَ الفِعْلِ لِأنَّ الإنْكارَ إنَّما هو في ابْتِغاءِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى حَكَمًا لا في مُطْلَقِ الِابْتِغاءِ فَكانَ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ وأهَمَّ وقِيلَ: تَقْدِيمُهُ لِلتَّخْصِيصِ وحُمِلَ عَلى أنَّ المُرادَ تَخْصِيصُ الإنْكارِ لا إنْكارُ التَّخْصِيصِ وقِيلَ في تَقْدِيمِهِ إيماءٌ إلى وُجُوبِ تَخْصِيصِهِ تَعالى بِالِابْتِغاءِ والرِّضى بِكَوْنِهِ حَكَمًا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( غَيْرَ ) حالًا مِن ( حَكَمًا ) وحَكَمًا مَفْعُولَ ﴿ أبْتَغِي ﴾ والتَّقْدِيمُ لِكَوْنِهِ مَصَبَّ الإنْكارِ والحَكَمُ يُقالُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ كَما قالَ الرّاغِبُ وصَرَّحَ هو وغَيْرُهُ بِأنَّهُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ لا مُساوٍ لَهُ كَما نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ وعَلَّلَ بِأنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ تُفِيدُ ثُبُوتَ مَعْناها ولِذا لا يُوصَفُ بِهِ إلّا العادِلُ أوْ مَن تَكَرَّرَ مِنهُ الحُكْمُ.

﴿ وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ ونِسْبَةُ الإنْزالِ إلَيْهِمْ خاصَّةً مَعَ أنَّ مُقْتَضى المَهامِّ إظْهارُ تَساوِي نِسْبَتِهِ إلى المُتَحاكِمِينَ لِاسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ المُنَزَّلِ واسْتِنْزالِهِمْ إلى قَبُولِ حُكْمِهِ بِإيهامِ قُوَّةِ نَسَبْتِهِ إلَيْهِمْ وقِيلَ: لِأنَّ ذَلِكَ أوْفَقُ بِصَدْرِيَّةِ الآيَةِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِها الإنْكارُ عَلَيْهِمْ وإنْ عُبِّرَ بِما عُبِدَ إظْهارًا لِلنَّصَفَةِ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .

ومَعْنى الآيَةِ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أغَيْرَهُ تَعالى أبْتَغِي حَكَمًا والحالُ أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ وأنْتُمْ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا تَدْرُونَ ما تَأْتُونَ وما تَدْرُونَ القُرْآنَ النّاطِقَ بِالحَقِّ والصَّوابِ الحَقِيقَ بِأنْ يُخُصَّ بِهِ اسْمُ الكِتابِ.

﴿ مُفَصَّلا ﴾ أيْ مُبَيَّنًا فِيهِ الحَقُّ والباطِلُ والحَلالُ والحَرامُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ في أمْرِ الدِّينِ شَيْءٌ مِنَ التَّخْلِيطِ والإبْهامِ فَأيُّ حاجَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الحُكْمِ ثُمَّ قالَ: وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ كافٍ في أمْرِ الدِّينِ مُغْنٍ عَنْ غَيْرِهِ بِبَيانِهِ وتَفْصِيلِهِ وأمّا أنْ يَكُونَ لِإعْجازِهِ دَخَلَ في ذَلِكَ كَما قِيلَ فَلا.

.

انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ مُلاحَظَةَ الإعْجازِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الآيَةِ مُرْتَبِطَةً مَعْنًى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ الآيَةَ وبَيانُ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ الإمامُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكَفّارِ أنَّهم أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أتَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها أجابَ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إظْهارِ تِلْكَ الآياتِ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أظْهَرَها لَبَقَوْا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ حَصَلَ وكَمُلَ فَكانَ ما يَطْلُبُونَهُ طَلَبًا لِلزِّيادَةِ وذَلِكَ مِمّا لا يَجِبُ الِالتِفاتُ إلَيْهِ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى حُصُولِ الدَّلِيلِ مِن هَذِهِ الآيَةِ بِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ إلَيْهِ الكِتابَ المُفَصَّلَ المُبَيَّنَ المُشْتَمِلَ عَلى العُلُومِ الكَثِيرَةِ والفَصاحَةِ الكامِلَةِ وقَدْ عَجَزَ الخَلْقُ عَنْ مُعارَضَتِهِ فَيَكُونُ ظُهُورُ هَذا المُعْجِزِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ بِنُبُوَّتِهِ فَمَعْنى الآيَةِ قُلْ يا مُحَمَّدُ: إنَّكم تَتَحَكَّمُونَ في طَلَبِ سائِرِ المُعْجِزاتِ فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ أنْ يُطْلَبَ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ حَكَمًا فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ ثُمَّ قُلْ: إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِي حَيْثُ خَصَّنِي بِمِثْلِ هَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ الكامِلِ البالِغِ إلى حَدِّ الإعْجازِ الثّانِي اشْتِمالُهُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ عَلى الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ  رَسُولٌ حَقٌّ وعَلى أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وهَذا هو المُرادُ مِنَ الآيَةِ بَعْدُ.

.

انْتَهى.

ووَجَّهَ بَعْضُهم مَدْخَلِيَّةَ الإعْجازِ بِأنَّهُ لا يَتِمُّ الإلْزامُ إلّا بِالعِلْمِ يَكُونُ المُنَزَّلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وهو يَتَوَقَّفُ عَلى الإعْجازِ بِحَيْثُ يُسْتَغْنى عَنْ آيَةٍ أُخْرى دالَّةٍ عَلى صِدْقِ دَعْواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لَكِنْ قالَ: إنَّ في دَلالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى ذَلِكَ خَفاءً إلّا أنْ يُقالَ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الحالِيَّةُ تُفِيدُهُ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثُبُوتِهِ وتَقَرُّرِهِ في نَفْسِهِ أوْ يُجْعَلُ الكِتابُ بِمَعْنى المَعْهُودِ إعْجازُهُ وذَكَرَ أنَّ هَذا مِن عَدَمِ تَدَبُّرِ الآيَةِ إذِ المَعْنى لا أبْتَغِي حَكَمًا في شَأْنِي وشَأْنِ غَيْرِي إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ لِذَلِكَ وهو إنَّما يَحْكُمُ لَهُ  بِصِدْقِ مُدَّعاهُ بِالإعْجازِ فَإنَّهم لَمّا طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأقْسَمُوا إنْ جاءَتْهم آيَةٌ آمَنُوا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ وأمَرَهُ أنْ يُوَبِّخَهم ويُنْكِرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَغَيْرَ اللَّهِ ﴾ ..

إلَخْ.

أيْ أأزِيغُ عَنِ الطَّرِيقِ السَّوِيِّ فَأخَصُّ غَيْرَهُ بِالحُكْمِ وهو الَّذِي أنْزَلَ هَذا الكِتابَ المُعْجِزَ الَّذِي أفْحَمَكُمَ وألْزَمَكُمُ الحُجَّةَ فَكَفى بِهِ سُبْحانَهُ حاكِمًا بَيْنِي وبَيْنَكم بِإنْزالِ هَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ بِالآياتِ البَيِّناتِ مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وغَيْرِهِما الَّذِي أعْجَزَكم عَنْ آخِرِكم ويُؤَوَّلُ هَذا إلى أنَّهُ  أجابَهم بِالقَوْلِ بِالمُوجَبِ لِأنَّهم طَعَنُوا في مُعْجِزاتِهِ فَكَبَتَهم عَلى أحْسَنِ وجْهٍ وضَمَّ إلَيْهِ عِلْمَ أهْلِ الكِتابِ وعَلى هَذا فَكَوْنُهُ مُعْجِزًا مَأْخُوذٌ مِن كَوْنِهِ مُغْنِيًا عَمّا عَداهُ في شَأْنِهِ وشَأْنِ غَيْرِهِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ وهَذا لَهُ نَوْعُ قُرْبٍ مِمّا ذَكَرَهُ الإمامُ وما أشارَ إلَيْهِ مِنَ ارْتِباطِ الآيَةِ مَعْنًى بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ ..

إلَخْ.

لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ إلّا أنَّ دَعْوى خَفاءِ دَلالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى الإعْجازِ مِمّا لا خَفاءَ في صِحَّتِها عِنْدِي ولَمْ يَظْهَرْ مِمّا ذَكَرَ ما يُزِيلُ ذَلِكَ الخَفاءَ وكَوْنُ سَوْقِ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى مُلاحَظَةِ ذَلِكَ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنِ المَأْخَذِ الَّذِي سَمِعْتُهُ فَتَدَبَّرْ.

ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ التَّوْراةُ أيْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بَيْنِي وبَيْنَكم بِما أنْزَلَ فِيهِ مُفَصَّلًا حَيْثُ أخْبَرَكم بِنُبُوَّتِي وفَصَّلَ فِيهِ عَلاماتِي وهو كَما تَرى والحَقُّ ما تَقَدَّمَ.

﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ المُقَدَّرِ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ الكِتابِ الَّذِي نِيطَ بِإنْزالِهِ أمْرُ الحُكَمِيَّةِ وتَقْرِيرُ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الِاسْتِدْلالَ عَلى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ  كَما يَلُوحُ مِن كَلامِ الإمامِ والمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِذَلِكَ لِلْإيماءِ إلى ما بَيْنَهُما وبَيْنَ القُرْآنِ مِنَ المُجانَسَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلِاشْتِراكِ في الحَقِّيَّةِ والنُّزُولِ مِن عِنْدِهِ تَعالى مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيجازِ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى وإمّا الفَرِيقانِ مُطْلَقًا والعُلَماءُ داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا والإيتاءُ عَلى الأوَّلِ التَّفْهِيمُ بِالفِعْلِ وعَلى الثّانِي أعَمُّ مِنهُ ومِنَ التَّفْهِيمِ بِالقُوَّةِ وإيرادُ الطّائِفَتَيْنِ بِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم عَلِمُوا ما عَلِمُوا مِن جِهَةِ كِتابِهِمْ وقِيلَ المُرادُ بِالمَوْصُولِ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ.

وعَنْ عَطاءٍ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ القُرْآنُ وبِالمَوْصُولِ كُبَراءُ الصَّحابَةِ وأهْلُ بَدْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ ولا يَخْفى أنَّهُ أبْعَدُ مِنَ الثُّرَيّا والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَشْرِيفِهِ  مَعَ الإيذانِ بِأنَّ نُزُولَهُ مِن آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ مُنَزَّلٌ ﴾ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في ﴿ مُنَزَّلٌ ﴾ أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ وقَرَأ غالِبُ السَّبْعَةِ ( مُنْزَلٌ ) بِالتَّخْفِيفِ مَنِ الإنْزالِ والفَرْقُ بَيْنَ أنْزَلَ ونَزَّلَ قَدْ أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ وأنَّ الأوَّلَ دَفْعِيٌّ والثّانِي تَدْرِيجِيٌّ وأنَّهُ أكْثَرِيٌّ والقِراءَةُ بِهِما تَدُلُّ عَلى قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الفَرْقِ ولَيْسَ إشارَةً إلى المَعْنَيَيْنِ بِاعْتِبارِ إنْزالِهِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا ثُمَّ إنْزالِهِ إلى الأرْضِ لِأنَّ إنْزالَهُ دَفْعَةً إلى السَّماءِ عَلى ما قِيلَ لا يَعْلَمُهُ أهْلُ الكِتابِ.

﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ (114) أيِ المُتَرَدِّدِينَ في أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لِما لا يُشاهِدُ مِنهم آثارَ العِلْمِ وأحْكامَ المَعْرِفَةِ فالفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى الأخْبارِ بِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ أوْ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ النَّهْيِ لَهُ  عَنِ الِامْتِراءِ في ذَلِكَ بَلْ تَبْهِيجُهُ وتَحْرِيضُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في الحَقِيقَةِ لِلْأُمَّةِ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ وإنْ كانَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صُورَةٌ وأنْ يَكُونَ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنهُ الِامْتِراءُ بِناءً عَلى ما تَقَرَّرَ أنَّ أصْلَ الخِطابِ أنْ يَكُونَ مَعَ مُعَيَّنٍ وقَدْ يُتْرَكُ لِغَيْرِهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ﴾ والفاءُ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى نَفْسِ عِلْمِهِمْ بِحالِ القُرْآنِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً يعني: أعْبُدُ غير الله؟

ويقال: أأطلب القضاء من غير الله؟

وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا يعني: مبيناً فيه أمره ونهيه بلغة يعرفونها.

ويقال: مفرقاً سورة سورة وآية آية.

وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني: مؤمني أهل الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ يعني: القرآن منزل من الله بالعدل.

قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص مُنَزَّلٌ بتشديد الزاي، وقرأ الباقون بالتخفيف.

ثم قال: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ يعني: الشاكين في أنه الحق وأنه من الله تعالى.

خاطبه بذلك وأراد به غيره من المؤمنين لكي لا يشكوا فيه.

قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ يقول وجب قول ربك بأنه ناصر محمد  وأن عاقبة الأمر به صِدْقاً وَعَدْلًا يعني: صِدْقاً فيما وعد الله له من النصرة وَعَدْلًا فيما حكم به لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يقول: لا مغيّر لوعده كقوله لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [غافر: 51] ويقال: لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يعني: لا ينقض بعضها بعضاً ولا يشبه كلام البشر.

وروى أنس بن مالك عن رسول الله  أنه قال: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا قال: «هُوَ قَوْلُ لاَ إله إِلاَّ الله» وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ السَّمِيعُ بما سألوا الْعَلِيمُ بهم.

ثم قال: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يعني: أهل أرض مكة فيما يدعونه إلى ملة آبائه.

ويقال: وإن تطع أكثر من في الأرض يعني: الكفار لأن أكثر من في الأرض كانوا الكفار.

يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: يصرفوك عن دين الإسلام إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني: أن أكثرهم يتبعون أكابرهم بالظن، ويتبعونهم فيما لا يعلمون أنهم على الحق فإن قيل: كيف يعذبون وهم ظانون على غير يقين؟

قيل لهم: لأنهم اقتصروا على الظن والجهل، لأنهم اتبعوا أهواءهم ولم يتفكروا في طلب الحق.

ويقال: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني في أكل الميتة واستحلالها وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يعني: ما هم إلا كاذبون باستحلالهم الميتة، لأنهم كانوا يقولون: ما قتل الله فهو أولى بالحل وبأكله مما نذبحه بأيدينا.

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ يعني: عن دينه وعن شرائع الإسلام.

وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ لدينه قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ وقرأ الباقون كلمات بلفظ الجماعة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال قتادة: كُلُّ «ذَرْ» في كتاب اللَّه- منسوخ بالقتال «١» .

وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)

وقوله سبحانه: وَلِتَصْغى: معناه: لِتَمِيلَ، قال «٢» الفَخْر: والضميرُ في قوله:

وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ- يعود على زُخْرفِ القولِ، وكذلك في قوله: وَلِيَرْضَوْهُ والاقترافُ: معناه الاكتساب.

وقال الزجّاج: ولِيَقْتَرِفُوا، أي: يختلقوا ويَكْذِبوا، والأول أفصحُ.

انتهى.

والقُرَّاء على كسر اللامِ في الثلاثةِ الأفعالِ على أنها لام كي معطوفة على غرورا وحَكَماً أبلغُ من حاكِمٍ إذ هي صيغةٌ للعَدْلِ من الحكام، والحاكم جَارٍ على الفعل، فقَدْ يقال للجائر، ومُفَصَّلًا: معناه: مزالُ الإشكال، والكتاب أولاً هو القرآن، وثانياً اسم جنسٍ للتوراةِ والإنجيلِ والزبورِ والصُّحُفِ.

وقوله تعالى: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ: تثبيتٌ ومبالغةٌ وطَعْنٌ على الممترين.

قلتُ: وقد تقدَّم التنبيه على أنه صلّى الله عليه وسلّم مَعْصُومٌ، وأنَّ الخطاب له، والمراد غيره ممَّنْ يمكن منه الشّكّ.

وقوله سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا ...

الآية: تَمَّتْ في هذا الموضع: بمعنى: استمرت وصحَّتْ في الأزل صدقاً وعدلاً، وليس بتمامٍ مِنْ نقصٍ، ومثله ما وقَع في كتب «السِّيرة» مِنْ قولهم: وتَمَّ حَمْزَةُ على إسْلاَمِهِ، في الحديثِ مع أبي جهل، والكلمات: ما أنزل على عباده، ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ: معناه: في معانيها.

وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لَلنَّبِيِّ  : اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حُكْمًا، إنْ شِئْتَ مِن أحْبارِ اليَهُودِ، وإنْ شِئْتَ مِن أحْبارِ النَّصارى، لَيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَأمّا الحُكْمُ، فَهو بِمَعْنى الحاكِمِ؛ والمَعْنى: أفَغَيْرَ اللَّهِ أطْلُبُ قاضِيًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ؟!

و"الكِتابُ": القُرْآَنُ، و"المُفَصَّلُ" المُبَيَّنُ الَّذِي بانَ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والأمْرُ مِنَ النَّهْيِ، والحَلالُ مِنَ الحَرامِ.

﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عُلَماءُ أهْلِ الكِتابَيْنِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: رُؤَساءُ أصْحابِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ  ، كَأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلَيٍّ، وأشْباهِهِمْ، قالَهُ عَطاءٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "مُنَزَّلٌ" بِالتَّشْدِيدِ؛ وخَفَّفَها الباقُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ ﴾ ﴿ أفَغَيْرَ اللهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِن المُمْتَرِينَ ﴾ ﴿ وَلِتَصْغى إلَيْهِ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "لِتَمِيلَ"؛ يُقالُ: "صَغى؛ يَصْغى"؛ وأصْلُها "يُصْغِي"؛ بِكَسْرِ الغَيْنِ؛ لَكِنْ رُدَّ حَرْفُ الحَلْقِ إلى الفَتْحِ؛ ويُقالُ: "صَغا؛ يَصْغُو"؛ و"أصْغى؛ يُصْغِي"؛ و"صَغِيَ؛ يَصْغى".

وَ"أفْئِدَةُ": جَمْعُ "فُؤادٌ"؛ و"يَقْتَرِفُونَ"؛ مَعْناهُ: "يُواقِعُونَ؛ ويَجْتَرِحُونَ"؛ وهي مُسْتَعْمَلَةٌ أكْثَرَ ذَلِكَ في الشَرِّ؛ والذُنُوبِ؛ ونَحْوِها.

والقُرّاءُ عَلى كَسْرِ اللامِ في الثَلاثَةِ الأفْعالِ؛ عَلى أنَّها لامُ "كَيْ"؛ فَإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى "غُرُورًا"؛ وإمّا أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَعَلُوا ذَلِكَ"؛ أو: "جَعَلَنا ذَلِكَ"؛ فَهي لامُ صَيْرُورَةٍ؛ قالَهُ الزَجّاجُ ؛ ولا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللاماتُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - لامَ الأمْرِ؛ وضِمْنَها الوَعِيدُ؛ وتَبْقى في "وَلِتَصْغى"؛ عَلى نَحْوِ ما جاءَ مِن ذَلِكَ في قَوْلِ الشاعِرِ: ألَمْ يَأْتِيكَ............

∗∗∗..................؟

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا قَدْ قُرِئَ بِهِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: قَرَأها الحَسَنُ بِالتَسْكِينِ في الثَلاثَةِ؛ وهي لامُ "كَيْ"؛ وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى "غُرُورًا"؛ والتَقْدِيرُ: "لِأجْلِ الغُرُورِ؛ ولِتَصْغى..."؛ وإسْكانُ هَذِهِ اللامِ شاذٌّ في الِاسْتِعْمالِ؛ قَوِيٌّ في القِياسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَظْهَرُ أنْ تُحْمَلَ قِراءَةُ الحَسَنِ - بِسُكُونِ اللاماتِ الثَلاثَةِ - عَلى أنَّها لامُ الأمْرِ المُضَمَّنِ الوَعِيدَ والتَهْدِيدَ؛ والخَطُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: "وَلْتَصْغَ"؛ ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ تَسْكِينَهُ في اللاماتِ الثَلاثَةِ؛ وكَذَلِكَ قالَ أبُو الفَتْحِ؛ وذَكَرَ أنَّ الحَسَنَ إنَّما يُسَكِّنُ اللامَيْنِ الثانِيَةَ والثالِثَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ يُخالِفُهُ خَطُّ المُصْحَفِ فِي: "وَلِتَصْغى".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَحَصَّلُ أنْ تُسَكَّنَ اللامُ في "وَلِتَصْغى"؛ عَلى ما ذَكَرْناهُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ قالَ أبُو عَمْرٍو: وقِراءَةُ الحَسَنِ إنَّما هِيَ: "لِتَصْغِيَ"؛ بِكَسْرِ الغَيْنِ؛ وقِراءَةُ إبْراهِيمَ النَخَعِيُّ "لِتُصْغِيَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وكَسْرِ الغَيْنِ؛ مِن: "أصْغى؛ يُصْغِي"؛ وكَذَلِكَ قَرَأ الجَرّاحُ بْنُ عَبْدِ اللهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى "أفَغَيْرَ"؛ نُصِبَ بِـ "أبْتَغِي"؛ و"حَكَمًا"؛ نُصِبَ عَلى البَيانِ؛ والتَمْيِيزِ؛ و"مُفَصَّلًا"؛ مَعْناهُ: مُزالَ الإشْكالِ؛ قَدْ فُصِّلَتْ آياتُهُ؛ وهَذِهِ الآيَةُ - وإنْ كانَ مَعْناها يَعُمُّ في أنَّ اللهَ تَعالى لا يُبْتَغى سِواهُ حَكَمًا في كُلِّ شَيْءٍ؛ وفي كُلِّ قَضِيَّةٍ - فَإنّا نَحْتاجُ في وصْفِ الكَلامِ؛ واتِّساقِ المَعانِي؛ أنْ نَنْظُرَ إلى قَضِيَّةٍ فِيما تَقَدَّمَ تَكُونُ سَبَبًا إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ أفَغَيْرَ اللهِ أبْتَغِي حَكَمًا ﴾ ؛ فَهي - واللهُ أعْلَمُ - حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ؛ ولَوْ بَعَثَ إلَيْهِمْ كُلَّ الآياتِ؛ وحُكْمُهُ بِأنْ جَعَلَ لِلْأنْبِياءِ أعْداءَ مِنَ الجِنِّ؛ والإنْسِ؛ و"حَكَمًا"؛ أبْلَغُ مِن "حاكِمًا"؛ إذْ هي صِيغَةٌ لِلْعَدْلِ مِنَ الحُكّامِ؛ و" اَلْحاكِمُ "؛ جارٍ عَلى الفِعْلِ؛ فَقَدْ يُقالُ لِلْجائِرِ؛ و"حَكَمًا"؛ نُصِبَ عَلى البَيانِ؛ أوِ الحالِ.

وبِهَذِهِ الآيَةِ خاصَمَتِ الخَوارِجُ عَلِيًّا - رَضِيَ اللهُ عنهُ - في تَكْفِيرِهِ بِالتَحْكِيمِ؛ ولا حُجَّةَ لَها؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى حَكَمَ في الصَيْدِ؛ وبَيْنَ الزَوْجَيْنِ؛ فَتَحْكِيمُ المُؤْمِنِينَ مِن حُكْمِهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ ﴾ ؛ يَتَضَمَّنُ الِاسْتِشْهادَ بِمُؤْمِنِيهِمْ؛ والطَعْنَ والتَنْبِيهَ عَلى مُشْرِكِيهِمْ؛ وحَسَدَتِهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وحَفْصٌ ؛ عن عاصِمٍ: "مُنَزَّلٌ"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ والباقُونَ بِالتَخْفِيفِ؛ و"اَلْكِتابَ"؛ أوَّلًا هو القُرْآنُ؛ وثانِيًا اسْمُ جِنْسٍ: اَلتَّوْراةُ؛ والإنْجِيلُ؛ والزَبُورُ؛ والصُحُفُ؛ ووَصْفُهُ أهْلَ الكِتابِ بِالعِلْمِ عُمُومٌ بِمَعْنى الخُصُوصِ؛ وإنَّما يُرِيدُ عُلَماءَهُمْ؛ وأحْبارَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ ؛ تَثْبِيتٌ؛ ومُبالَغَةٌ؛ وطَعْنٌ عَلى المُمْتَرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بخطاب من الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بتقدير الأمر بالقول بقرينة السّياق كما في قوله تعالى: ﴿ لا نفرّق بين أحد من رسله ﴾ [البقرة: 285] أي يقولون.

وقوله المتقدّم آنفاً ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم ﴾ [الأنعام: 104] بعد أن أخبره عن تصاريف عناد المشركين، وتكذيبهم.

وتعنّتهم في طلب الآيات الخوارق، إذ جعلوها حكَماً بينهم وبين الرّسول عليه الصلاة والسلام في صدق دعوته، وبعد أن فضحهم الله بعداوتهم لرسوله عليه الصلاة والسلام، وافترائهم عليه، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وتركِهم وما يفترون، وأعلمَه بأنَّه ما كلَّفه أن يكون وكيلاً لإيمانهم، وبأنَّهم سيَرجعون إلى ربّهم فينبّئهم بما كانوا يعملون، بعد ذلك كلّه لَقَّن الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم خطاباً كالجواب عن أقوالهم وتورّكاتهم، فيفرّع عليها أنّه لا يطلب حاكماً بينه وبينهم غير الله تعالى، الّذي إليه مرجعهم، وأنهم إن طمعوا في غير ذلك منه فقد طمعوا منكراً، فتقدير القول متعيّن لأنّ الكلام لا يناسب إلاّ أن يكون من قول النبي عليه الصلاة والسلام.

والفاء لتفريع الجواب عن مجموع أقوالهم ومقتَرحاتهم، فهو من عطف التّلقين بالفاء: كما جاء بالواو في قوله تعالى: ﴿ قال إنّي جاعلك للنّاس إماماً قال ومن ذريّتي ﴾ [البقرة: 124]، ومنه بالفاء قوله في سورة الزمر (64): ﴿ قل أفغيرَ اللَّه تأمرونيَ أعْبُد أيّها الجاهلون ﴾ فكأنّ المشركين دعوا النّبي إلى التّحاكم في شأن نبوءته بحكم ما اقترحوا عليه من الآيات، فأجابهم بأنّه لا يضع دِين الله للتّحاكم، ولذلك وقع الإنكار أن يحكِّم غير الله تعالى، مع أنّ حكم الله ظاهر بإنزال الكتاب مفصّلا بالحقّ، وبشهادة أهل الكتاب في نفوسهم، ومن موجبات التّقديم كون المقدّم يتضمّن جواباً لردّ طلب طلبَه المخاطب، كما أشار إليه صاحب الكشاف } في قوله تعالى: ﴿ قل أغير الله أبغي رباً في هذه السورة ﴾ [الأنعام: 164].

والهمزة للاستفهام الإنكاري: أي إن ظننتم ذلك فقد ظننتم مُنكراً.

وتقديم ﴿ أفغير الله ﴾ على ﴿ أبتغي ﴾ لأنّ المفعول هو محلّ الإنكار.

فهو الحقيق بموالاة همزة الاستفهام الإنكاري، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ قل أغير الله أتَّخذ وليّا ﴾ في هذه السورة (14).

والحَكَم: الحاكم المتخصّص بالحكم الَّذي لا ينقض حكمه، فهو أخصّ من الحاكم، ولذلك كان من أسمائه تعالى: الحَكَم، ولم يكن منها: الحاكم.

وانتصب حكما} على الحال.

والمعنى: لا أطلب حكَماً بيني وبينكم غير الله الّذي حكم حُكمَه عليكم بأنَّكم أعداء مقترفون.

وتقدّم الكلام على الابتغاء عند قوله تعالى: ﴿ أفغيرَ دين الله يبغون ﴾ في سورة آل عمران (83).

وقوله: وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً} من تمام القول المأمور به.

والواو للحال أي لا أعدل عن التّحاكم إليه.

وقد فصّل حكمه بإنزال القرآن إليكم لتتدبّروه فتعلَموا منه صدقي، وأنّ القرآن من عند الله.

وقد صيغت جملة الحال على الاسميّة المعرَّفةِ الجزأيْن لتفيد القصر مع إفادة أصل الخبر.

فالمعنى: والحال أنّه أنزل إليكم الكتاب ولم ينزله غيره، ونكتة ذلك أنّ في القرآن دلالة على أنّه من عند الله بما فيه من الإعجاز، وبأُمِّيَّةِ المنزّل عليه.

وأنّ فيه دلالة على صدق الرّسول عليه الصلاة والسلام تبعاً لثبوت كونه منزّلا من عند الله، فإنَّه قد أخبر أنَّه أرسل محمّدا صلى الله عليه وسلم للنّاس كافَّة، وفي تضاعيف حجج القرآن وأخباره دلالة على صدق من جاء به؛ فحصل بصوغ جملة الحال على صيغة القصر الدّلالة على الأمرين: أنَّه من عند الله، والحكممِ للرسول عليه الصّلاة والسّلام بالصّدق.

والمراد بالكتاب القرآن، والتعريف للعهد الحضوري، والضمير في ﴿ إليكم ﴾ خطاب للمشركين، فإنّ القرآن أُنزل إلى النّاس كلّهم للاهتداء به، فكما قال الله: ﴿ بما أنزل إليك أنزله بعلمه ﴾ [النساء: 166] قال: ﴿ يأيُّها النّاس قد جاءكم بُرْهان من ربّكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً ﴾ [النساء: 174] وفي قوله: ﴿ إليكم ﴾ هنا تسجيل عليهم بأنَّه قد بلّغهم فلا يستطيعون تجاهلاً.

والمفصّل المبيَّن.

وقد تقدّم ذكر التّفصيل عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك نفصّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ﴾ في هذه السورة (55).

وجملة والذين أتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل } معطوفة على القول المحذوف، فتكون استئنافاً مثله، أو معطوفة على جملة ﴿ أفغير الله أبتغى ﴾ أو على جملة ﴿ وهو الذي أنزل إليكم الكتاب ﴾ ، فهو عطف تلقين عُطف به الكلام المنسوب إلى الله على الكلام المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعضيدا لما اشتمل عليه الكلام المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من كون القرآن حقّاً، وأنّه من عند الله.

والمراد بالَّذين آتاهم الله الكتابَ: أحبار اليهود، لأنّ الكتاب هو التّوراة المعروف عند عامّة العرب، وخاصّة أهلُ مكَّة، لتردّد اليهود عليها في التّجارة.

ولتردّد أهل مكّة على منازل اليهود بيَثرب وقُراها ولكون المقصود بهذا الحكم أحبارَ اليهود خاصّة قال: ﴿ آتيناهم الكتاب ﴾ ولم يقل: أهلُ الكتاب.

ومعنى علم الّذين أوتوا الكتاب بأنّ القرآن منزّل من الله: أنَّهم يجدونه مصدّقاً لما في كتابهم، وهم يعلمون أنّ محمّداً صلى الله عليه وسلم لم يَدرس كتابهم على أحد منهم، إذ لو درسه لشاع أمْرُه بينهم، ولأعلنوا ذلك بين النّاس حين ظهور دعوته.

وهم أحرص على ذلك، ولم يَدّعوه.

وعلمُهم بذلك لا يقتضي إسلامهم لأنّ العناد والحسد يصدّانهم عن ذلك.

وقيل: المراد بالَّذين آتاهم الله الكتاب: مَن أسلموا من أحبار اليهود.

مثل عبدا لله بن سلاَم.

ومُخَيْرِيق، فيكون الموصول في قوله: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ للعهد.

وعن عطاء: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ .

هم رؤساء أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعُمر، وعثمانُ، وعليّ.

فيكون الكتابُ هو القرآن.

وضمير ﴿ أنَّه ﴾ عائد إلى الكتاب الّذي في قوله: ﴿ وهو الذي أنزل إليكم الكتاب ﴾ وهو القرآن.

والباء في قوله ﴿ بالحق ﴾ للملابسة، أي ملابساً للحقّ.

وهي ملابسة الدّالّ للمدلول، لأنّ معانيه، وأخباره، ووعده، ووعيده، وكلّ ما اشتمل عليه، حقّ.

وقرأ الجمهور ﴿ مُنْزَل ﴾ بتخفيف الزاي وقرأ ابن عامر وحفص بالتّشديد والمعنى متقارب أو متّحد، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ نزّل عليك الكتاب بالحقّ ﴾ في أوّل سورة آل عمران (3).

والخطاب في قوله: ﴿ فلا تكوننّ من الممترين ﴾ [البقرة: 147] يحتمل أن يكون خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم فيكون التّفريع على قوله: ﴿ يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ﴾ أي فلا تكن من الممترين في أنَّهم يعلمون ذلك، والمقصود تأكيد الخبر كقول القائل بعد الخبر: هذا مَا لا شكّ فيه، فالامتراء المنفي هو الامتراء في أنّ أهل الكتاب يعلمون ذلك، لأنّ غريباً اجتماعُ علمهم وكفرهم به، ويجوز أن يكون خطابا لغير معيّن، ليعمّ كلّ من يحتاج إلى مثل هذا الخطاب، أي فلا تكوننّ أيُّها السّامع من الممترين، أي الشّاكين في كون القرآن من عند الله، فيكون التّفريع على قوله: ﴿ منزل من ربك بالحق ﴾ أي فهذا أمر قد اتّضح.

فلا تكن من الممترين فيه.

ويحتمل أن يكون المخاطب الرّسول عليه الصلاة والسلام، والمقصود من الكلام المشركون الممترون، على طريقة التّعريض، كما يقال: (إياكَ أعني واسمعي يا جارهْ).

ومنه قوله تعالى: ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطنّ عملك ﴾ [الزمر: 65].

وهذا الوجه هو أحسن الوجوه، والتفريع فيه كما في الوجه الثّاني.

وعلى كلّ الوجوه كان حذف متعلّق الامتراء لظهوره من المقام تعويلاً على القرينة، وإذ قد كانت هذه الوجوه الثّلاثة غير متعارضة، صحّ أن يكون جميعها مقصوداً من الآية.

لتذهب أفهام السامعين إلى ما تتوصّل إليه منها.

وهذا فيما أرى من مقاصد إيجاز القرآن وهو معنى الكلام الجامع، ويجيء مثله في آيات كثيرة، وهو من خصائص القرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ هَلْ يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَعْدِلَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ حَتّى أعْدِلَ عَنْهُ.

والثّانِي: هَلْ يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ مَعَ اللَّهِ حَتّى أحْتَكِمَ إلَيْهِ.

والفَرْقُ بَيْنَ الحَكَمِ والحاكِمِ، أنَّ الحَكَمَ هو الَّذِي يَكُونُ أهْلًا لِلْحُكْمِ فَلا يَحْكُمُ إلّا بِحَقٍّ، والحاكِمُ قَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِ أهْلِهِ فَيَحْكُمُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَصارَ الحَكَمُ مِن صِفاتِ ذاتِهِ، والحاكِمُ مِن صِفاتِ فِعْلِهِ، فَكانَ الحَكَمُ أبْلَغَ في المَدْحِ مِنَ الحاكِمِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلا ﴾ في المُفَصَّلِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: تَفْصِيلُ آياتِهِ لِتِبْيانِ مَعانِيهِ فَلا تُشْكِلُ.

والثّانِي: تَفْصِيلُ الصّادِقِ مِنَ الكاذِبِ.

والثّالِثُ: تَفْصِيلُ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، والهُدى مِنَ الضَّلالِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: تَفْصِيلُ الأمْرِ مِنَ النَّهْيِ، والمُسْتَحَبِّ مِنَ المَحْظُورِ، والحَلالِ مِنَ الحَرامِ.

وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا إنْ شِئْتَ مِن أحْبارِ اليَهُودِ وإنْ شِئْتَ مِن أحْبارِ النَّصارى، لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ.

» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، وفي تَمامِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ مُحْتَمَلَةٍ: أحَدُها: تَمامُ حُجَجِهِ ودَلائِلِهِ.

والثّانِي: تَمامُ أحْكامِهِ وأوامِرِهِ.

والثّالِثُ: تَمامُ إنْذارِهِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.

والرّابِعُ: تَمامُ كَلامِهِ واسْتِكْمالُ صُوَرِهِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ صِدْقًا وعَدْلا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: صِدْقًا في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وعَدْلًا في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

والثّانِي: صِدْقًا فِيما حَكاهُ، عَدْلًا فِيما قَضاهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

وَقَدْ مَضى تَفْسِيرُ ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً ﴾ قال: مبيناً.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مالك بن أنس عن ربيعة قال: إن الله تبارك وتعالى أنزل الكتاب وترك فيه موضعاً للسنة، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك فيها موضعاً للرأي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ﴾ قال ابن عباس (١)  ] يعني: أن هذا من (٢)  قال الكلبي: (قل لأهل مكة: ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ﴾ ) (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ﴾ قاضيًا بيني وبينكم) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد: مبينًا) (٨) ﴿ أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ ﴾ القرآن مبينًا فيه أمره ونهيه) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ﴾ يعني: العلماء من أهل الكتابين ﴿ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ ﴾ ، يعني: القرآن ﴿ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾ ، أي: أن كل ما فيه بيان عن الشيء على ما هو به كترغيبه وترهيبه ووعده ووعيده وقصصه وأمثاله، وغير ذلك [مما فيه] (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ قال الفراء: (من الشاكين أنهم ﴿ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ ﴾ ) (١٣) (١٤) (١) "تنوير المقباس" 2/ 53، وفيه: (قل لهم يا محمد: ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ﴾ ) ا.

هـ.

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 103 عن الكلبي والعوفي، وذكر الماوردي في "تفسيره" 2/ 160، وابن الجوزي 3/ 110 نحوه بدون نسبة.

(٤) مادة (حكم) بالفتح، بمعنى المنع.

ومنه الحكم، بضم الحاء وسكون الكاف، والحاكم بفتح الحاء، وكسر الكاف؛ لأنه يمنع من الظلم، ومنه الحكمة بكسر الحاء وسكون الكاف وفتح الميم؛ لأنها تمنع من الجهل.

انظر: "العين" 3/ 66، و"الجمهرة" 1/ 564، و"تهذيب اللغة" 1/ 885 - 886، و"الصحاح" 5/ 1901 ، و"المجمل" 1/ 246، و"مقاييس اللغة" 2/ 91، و"اللسان" 2/ 951 مادة (حكم).

(٥) انظر أيضًا: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي ص 243، و"تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 43، 52، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص60، و"النهاية" لابن الأثير 1/ 418.

(٦) ذكره أكثرهم.

انظر: "الفروق" للعسكري ص 157، والماوردي 2/ 159، و"المفردات" ص 249، وابن عطية 326، و"الفريد" 2/ 218، والقرطبي 7/ 70، وذكره الرازي 13/ 159، عن الواحدي، وقال السمين في "الدر" 5/ 123: (الحكم أبلغ من الحاكم، قيل: لأن الحكم من تكرر منه الحكم بخلاف الحاكم فإنه يصدق غيره، وقيل: لأن الحكم لا يحكم إلا بالعدل والحاكم قد يجوز) ا.

هـ، وانظر: "البحر" 4/ 209.

(٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 203، عن الكلبي وعطية العوفي.

(٨) "تنوير المقباس" 2/ 53.

(٩) "تفسير مقاتل" 1/ 585.

(١٠) انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 160، وابن عطية 5/ 326، وابن الجوزي 3/ 110، و"بدائع التفسير" 2/ 176.

(١١) لفظ: (مما فيه) غير واضح في (أ).

(١٢) هذا قول الأكثر.

انظر: الطبري 8/ 8، والسمرقندي 1/ 509، وابن الجوزي 3/ 110.

(١٣) "معاني الفراء" 1/ 351.

(١٤) انظر: "الزاهر" 1/ 350 - 351، وقد سبق الكلام عن معنى الامتراء.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ولتصغى ﴾ أي تميل وهو متعلق بمحذوف واللام لام الصيرورة ﴿ إِلَيْهِ ﴾ الضمير لوحيهم ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ يكتسبوا ﴿ أَفَغَيْرَ الله ﴾ معمول لقول محذوف أي: قل لهم ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أي صحت والكلمات ما نزل على عباده من كتبه ﴿ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ أي صدقاً فما أخبر وعدلاً فيما حكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ قبلاً ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون: بضمتين.

﴿ منزل ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحفص والمفضل.

﴿ كلمة ربك ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ كلمات ﴾ ﴿ من يضل ﴾ من الإضلال: الأصبهاني عن نصير، فصل على البناء للفاعل و ﴿ حرم ﴾ على البناء للمفعول: حمزة وخلف وعاصم غير حفص والمفضل، وقرأ أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وحفص جميعاً بالفتح الباقون: على البناء للمفعول فيهما ﴿ ليضلون ﴾ بضم الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون: بالفتح.

الوقوف: ﴿ يجهلون ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ مفصلاً ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه ﴿ وعدلاً ﴾ ه ﴿ لكلماته ﴾ ج لابتداء الضمير المنفصل مع احتمال الواو الحال أي لا تبديل لكلماته وهو يسمع ويعلم، ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ج ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ بالمعتدين ﴾ ه ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ يقترفون ﴾ ه ﴿ لفسق ﴾ ط ﴿ ليجادلوكم ﴾ ج ﴿ لمشركون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في تفصيل ما أجمله قوله ﴿ أنها إذا جاءت لا يؤمنون  ﴾ وكان المستهزؤن بالقرآن خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب والحرث بن حنظلة، أتوا الرسول صلى الله عليه وآله في رهط من أهل مكة فقالوا: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله  ، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقول أم باطل، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً على ما تدعيه، فنفى الله  عنهم الإيمان وإن أوتوا هذه المقترحات.

قال أبو زيد: يقال لقيت فلاناً قبلاً وقبلاً ومقابلة كلها بمعنى واحد وهو المواجهة رواه الواحدي، وقال أبو عبيدة والفراء والزجاج: قبلاً بكسر القاف معناه معاينة.

روي عن أبي ذر قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله: أكان آدم نبياً؟

قال: نعم، كان نبياً كلمه الله  قبلاً، وأما قبلاً بضمتين فقيل: إنه جمع قبيل ومعناه الجماعة تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى مثل الروم والزنج والعرب ولهذا قال الأخفش في تفسيره أي قبيلاً قبيلاً.

أو معناه الكفيل والعريف من قبل به يقبل قبالة، والمعنى لو حشرنا عليهم كل شيء فكفلوا بصحة ما يقول ما آمنوا، وموضع الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق، ومنها حي ومنها ميت، فإذا حشرها الله  على اختلاف طبائعها مجتمعة في موقف واحد ثم أنطقها وأطبقوا على قبول هذه الكفارة كان ذلك من أعظم المعجزات، أما قوله  : ﴿ ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ﴾ إيمانهم، فقد قالت الأشاعرة: فلما لم يؤمنوا دل على أنه  ما شاء إيمانهم، وقالت المعتزلة: لو لم يرد منهم الإيمان لما وجب عليهم الإيمان كما لو لم يأمرهم به لم يجب، ولو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر في كفره مطيعاً لله لأنه لا معنى للطاعة إلا فعل المراد، ولو جاز من الله  أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به، ولجاز أن يأمرنا بأن نريد الكفر.

فالمراد من الآية أنه شاء من الكل الإيمان الاختياري وما شاء الإيمان القهري.

والمعنى: ما كانوا ليؤمنوا إيماناً اختيارياً إلا أن يشاء الله مشيئة إكراه واضطرار فحينئذ يؤمنون، وزيف بأن الاختيار لا بد معه من حصول داعية يترجح بها أحد طرفي الممكن، ولا تحصل تلك الداعية إلا بتخليق الله  فكأنه لا اختيار.

قال الجبائي: قوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ يدل على حدوث المشيئة إذ لو كانت قديمة وهي الشرط لزم من حصولها حصول المشروط.

وأجيب بأنها قديمة إلا أن تعلقها بأحداث المحدث في الحال إضافة حادثة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قالت الأشاعرة: أي لا يعلمون أن الكل بقضاء الله وبقدره.

وقالت المعتزلة: إنهم لا يدرون أنهم يبقون كفاراً عند ظهور الآية التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم، أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرهم فيطمعون في إيمانهم الاختياري بمجيء الآيات المقترحات.

ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ قيل: إنه منسوق على قوله: ﴿ وكذلك زينا  ﴾ أي وكما زينا لكل أمة عملهم ﴿ جعلنا ﴾ وقيل: إن المشار إليه محذوف أي وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم نمنعهم من العداوة لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر.

قالت الأشاعرة: لا شك أن تلك العداوة معصية وكفر، وأن جعلها شرفاً لآية تدل على أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله.

قال الجبائي: المراد بهذا الجعل أنه حكم وبين فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل إنه كفره، وإذا أخبر عن عدالته قيل عدله.

وقال الكعبي: إنه أمر الأنبياء.

لأن العداوة تكون من الجانبين.

أجاب أبو بكر الأصم بأنه لما أرسل محمداً إلى العالمين وخصه بتلك المعجزات صار ذلك التخصيص سبباً للحسد والعداوة أو للبغضاء فهذا هو المراد بجعلهم أعداء له.

وزيف بأن الأفعال مستندة إلى الدواعي وهي من الله  ، وبأن العداوة والمحبة متعلقة بالطبع لا بالإرادة والتكلف فلا يقدر عليها إلا الله  ، وانتصاب ﴿ الشياطين ﴾ كما مر في قوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن  ﴾ قال الزجاج وابن الأنباري: ﴿ عدوّا ﴾ في معنى الجمع، ولقائل أن يقول: لا حاجة إلى هذا التكلف لصحة قولنا: وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوّاً واحداً: إذ ليس يجب أن يحصل لكل واحدة من الأنبياء أكثر من عدو واحد.

عن ابن عباس: كل عات متمرد من الجن والإنس فهو شيطان.

وقال مجاهد وقتادة والحسن: إن من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، وإن شيطان الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليعينه عليه.

"روي أن النبي  وآله قال لأبي ذر: هل تعوّذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟

قال: قلت: وهل للإنس من شياطين؟

قال: نعم، هم شر من شياطين الجن" .

وقيل: إن الجميع من ولد إبليس إلا أن الذي يوسوس للإنس يسمى شيطان الإنس، والذي يوسوس للجن يسمى شيطان الجن.

وزيف بأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين.

وعن مالك بن دينار أن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجن لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجن عني وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً.

ومعنى الإيحاء الإيمان أو القول السريع أي يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، وكذلك بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض، وكأنه لا يتصوّر وسوسة الإنس إلى الجن إلا على تقدير القول بالتسخير.

و ﴿ زخرف القول ﴾ ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي، والتحقيق فيه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور خيرية أو نفعاً لم يرغب فيه.

ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقاً للواقع فهو الحق والصدق والإلهام وكان صادراً من الملك وإلا كان مزخرفاً أي يكون باطنه فاسداً وظاهره مزيناً، قال الواحدي: ﴿ غروراً ﴾ نصب على المصدر لأن إيحاء الزخرف من القول في معنى الغرور.

﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ استدلال الأشاعرة به ظاهر والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء.

﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ منصوب على أنه مفعول معه أو مفعول به أي وافتراءهم أو ما يفترونه.

قال ابن عباس: يريد ما زين لهم إبليس وغرهم به، وفيه تحذير من الكفر وترغيب في الإيمان وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتنبيه له على ما أعد للكفرة من العقاب وله من الثواب بسبب صبره على سفاهتهم وتلطفه بهم.

الصغو في اللغة الميل.

يقال في المستمع إنه مصغ إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت.

وأصغى الإناء إذا أماله حتى انصب بعضه في بعض.

ويقال للقمر إذا مال إلى الغروب صغا وأصغى.

قال الجوهري: صغا يصغو ويصغي صغواً أي مال، وكذلك صغى بالكسر يصغي بالفتح صغى وصغياً، واللام في ﴿ ولتصغي ﴾ لا بد لها من متعلق فقالت الأشاعرة: التقدير وإنما جعلنا مثل ذلك الشخص عدوّاً للنبي لتميل ﴿ إليه ﴾ أو إلى قوله المزخرف ﴿ أفئدة ﴾ الكفار فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة النبي ﴿ وليرضوه ﴾ وليختاروه على أنفسهم ﴿ وليقترفوا ﴾ وليكتسبوا من الآثام ﴿ ما هم مقترفون ﴾ وقال الجبائي: إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك  ﴾ .

وزيف بأن حمل لام كي على لام الأمر تحريف.

وقال الكعبي: هي لام العاقبة تقديره: ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين أفئدة الكفار جعلنا لكل نبي عدواً.

وعن أبي مسلم أنها معطوفة على موضع ﴿ غرور ﴾ والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغتروا بذلك ولتميل قلوب الكفار إلى المذاهب الباطلة.

وأورد عليه أن ميل القلوب إلى الآراء الفاسدة هو عين الاغترار فيلزم عطف الشيء على نفسه.

وههنا بحث وهو أن الأشاعرة قالوا: البنية ليست شرطاً للحياة، فالحي هو الجزء الذي قامت الحياة به، والعالم هو الجزء الذي قام العلم به.

وقالت المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة لا ذلك الجزء.

حجة الأشاعرة أنه جعل الموصوف بالميل والرغبة في الآية هو القلب لا جملة الحي، وبمثله استدل من جعل المتعلق الأول للنفس هو القلب لا مجموع البدن.

ثم إنه  لما ذكر أنه لا فائدة لهم في إظهار الآيات التي اقترحوها بين بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل والزائد على ذلك لا يجب الالتفات إليه، وإنما قلنا إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين: الأول: أن الله  قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل عليه الكتاب المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته وأشار إلى هذا الوجه بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ يعني قل يا محمد إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكماً فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز.

الوجه الثاني: اشتمال التوراة والإنجيل على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله حقاً، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله وأشار إليه بقوله: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ﴾ ثم قال: ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ والخطاب لكل أحد أي إذا ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيه أحد.

وقيل: الخطاب للرسول في الظاهر والمراد به الأمة.

وقيل: الخطاب للرسول في الحقيقة والمراد التهييج والإلهاب كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ والمراد فلا تكونن من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق، ولا يريبك جحود أكثرهم.

قال الواحدي: الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة.

وقال بعض أهل التأويل: الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم والحكم هو الذي لا يحكم إلا بالحق.

ثم لما بين أن القرآن معجز قال: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي القرآن.

وقوله: ﴿ صدقاً وعدلاً ﴾ مصدران منتصبان على الحال من الكلمة، ومعنى تمامها أنها وافية كافية في كونها معجزة دالة على صدق محمد، أو كافية في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى القيامة علماً وعملاً، أو المراد بالتمام أنها أزلية ولا يحدث بعد ذلك شيء.

واعلم أن كل ما حصل في القرآن نوعان: الخبر والتكليف؛ فالخبر كل ما أخبر الله  عن وجوده أو عن عدمه كالخبر عن وجود ذاته وحصول صفاته أعني كونه  قادراً سميعاً بصيراً ويدخل فيه الخبر عن صفات التقديس والتنزيه كقوله  : ﴿ لم يلد ولم يولد  ﴾ ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله  وكيفية تدبيره لملكوته في السموات والأرض وفي عالم الأرواح والأجسام، ويدخل فيه الخبر عن أحكام الله  في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، ويدخل فيه الخبر عن أقسام أسماء الله  والخبر عن النبوات وأقسام المعجزات، والخبر عن أحوال النشر والقيامة وصفات أهل الجنة والنار.

والخبر عن أحوال المتقدمين والخبر عن المغيبات.

وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه  على عبيده سواء كان ملكاً أو بشراً أو شيطاناً، وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء المتقدمين أو في مراسيم الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله  .

فإذن المراد وتمت كلمات ربك صدقاً إن كان من باب الخبر وعدلاً إن كان من باب التكاليف وهذا ضبط حسن.

وقيل: إن كل ما أخبر الله  عنه من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد أن يكون واقعاً، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون بصفة الظلم.

ثم قال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبه في كون القرآن دالاً على صدق محمد إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلالة ألبته لجلاء الدلالة ووضوحها.

أو المراد أن كلماته تبقى موصوفة بصفتها مصونة عن التحريف والتغيير كما قال: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون  ﴾ أو الغرض أنها بريئة عن التناقض كما قال: ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً  ﴾ أو المعنى أن أحكام الله  لا تتغير ولا تتبدل لأنها أزلية والأزلي لا يزول، وهذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر إذ يلزم منه أن لا ينقلب السعيد شقياً وبالضد.

ثم لما أجاب عن شبه الكفار بيّن أن عند ظهور الحجة وتبين المحجة لا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى كلمات الجهال فقال: ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ﴾ والمضل لا بد أن يكون ضالاً ويعني بهم الذين ينازعون النبي في الدين غير قاطعين بصحة مذاهبهم كالزنادقة وعبدة الكواكب والأصنام، وكالذين يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة فيحكمون على الحق بأنه باطل وعلى الباطل بأنه حق.

ثم قال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ يقدرون على أنهم على شيء أو يكذبون في أن الله أحل كذا وحرم كذا.

وأصل الخرص حزر ما على النخل من الرطب تمراً.

وليس لنفاة القياس تمسك بالآية من قبل توجه الذم على متبع الظن، لأن المذموم من اتباع الظن هو الذي لا يستند إلى أمارة كظن الكفار المستند إلى تقليد أسلافهم فقط، أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إلى إمارة فلم يتم أنه كذلك.

ثم قال: ﴿ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ والمراد أنك بعدما عرفت أن الحق ما هو والباطل ما هو فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم لأن الله  عالم بأن المهتدي من هو والضال من هو فيجازي كل أحد بما يليق بعمله، أو المراد أن هؤلاء الكفار وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون والله  عالم بأحوال قلوبهم وبواطنهم، ومطلع على تحيرهم في أودية الجهالة وتيه الضلال، قال النحويون: إن أفعل التفضيل لا يعمل في مظهر، ففي الكلام محذوف أي يعلم من يضل عن سبيله، فإن لم يقدر محذوف قوي بالباء كما في القلم { ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين  ﴾ وهذا هو الأصل، وإنما خص هذه السورة بالحذف موافقة لقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ وعدل إلى لفظ المستقبل تنبيهاً على قطع الإضافة لأن أكثر ما يستعمل "أفعل من" يستعمل مع الماضي نحو "أعلم من دب ودرج" و "أحسن من قام وقعد" و "أفضل من حج واعتمر".

فلو لم يعدل إلى لفظ المستقبل التبس بالإضافة  عن ذلك.

وجوّز بعضهم أن يكون "من" للاستفهام كقوله: ﴿ لنعلم أي الحزبين أحصى  ﴾ ثم قال: ﴿ فكلوا ﴾ والفاء مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرّمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم.

فقال الله  للمسلمين: إن كنتم محققين بالإيمان فكلوامما ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله.

فإن قيل: إن القوم كانوا يبيحون ما ذبح على اسم الله  ولا ينازعون فيه، وإنما النزاع في أكل الميتة فإنهم كانوا يبيحونها والمسلمون يحرمونها، فما الحكمة في إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه؟

فالجواب لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل الميتة فرد الله  عليهم في الأمرين بقوله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ وبقوله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ أو نقول: المراد اجعلوا أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه، وعلى هذا فيكون المراد تحريم الميتة فقط والله أعلم.

أما قوله: ﴿ وقد فصل لكم ﴾ فأكثر المفسرين قالوا: المراد به ما فصل في أول المائدة من قوله: ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ إلى آخر الآية، واعترض عليه بأن سورة الأنعام مكية والمائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والآية تقتضي أن يكون المفصل مقدماً على هذا المجمل بل الأولى أن يقال: المراد قوله  بعد هذه الآية: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً  ﴾ إلى آخرها.

فإن هذا القدر من التأخر غير ضائر.

وقوله: ﴿ إلا ما اضطررتم ﴾ أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدّة المجاعة ﴿ وإن كثيراً ليضلون ﴾ المبالغة في قراءة ضم الياء أكثر لأن كل مضل فإنه يكون ضالاً، وقد يكون الضال غير مضل، قيل: إنه عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أول من غير دين إسماعيل واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة.

وقوله: ﴿ بأهوائهم بغير علم ﴾ يريد أن عمرو بن لحي أقدم على هذه المذاهب عن الجهالة الصرفة، وقال الزجاج: المراد منه الذين يحللون الميتة ويناظرون في إحلالها، أو يحتجون عليها بقولهم إذ حل ما تذبحونه أنتم فلأن يحل ما يذبحه الله  أولى، وكذلك كل ما يضلون فيه من عبادة الأوثان والطعن في نبوّة محمد صلى الله عليه وآله.

وفي الآية دلالة على أن النزاع في الدين بمجرد التقليد حرام ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ فيجازيهم عليها وفيه من التهديد ما فيه.

ثم ذكر آية جامعة فقال: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ فقيل: ظاهره الزنا في الحوانيت وباطنه الصديقة في السر.

قال الضحاك: كان أهل الجاهلية يرون الزنا حلالاً ما كان سراً.

والأصح أن النهي عام إذ لا دليل على تخصيصه.

ثم قيل: المراد ما أعلنتم وما أسررتم.

وقيل: ما عملتم وما نويتم.

وقال ابن الأنباري: يريد وذروا الإثم من جميع جهاته كما تقول: ما أخذت من هذا المال قليلاً ولا كثيراً أي ما أخذته بوجه من الوجوه.

وقريب منه قول من قال: المراد النهي عن الإثم مع بيان أنه لا يخرج عن كونه إنما بسبب إخفائه وكتمانه.

وقيل: المراد النهي عن الإقدام على الإثم.

ثم قال: ﴿ وباطنه ﴾ ليظهر بذلك أن الداعي له إلى ترك ذلك الإثم خوف الله لا خوف الناس.

وقيل: ظاهر الإثم أفعال الجوارح، وباطنه أفعال القلوب من الكبر والحسد والعجب وإرادة الشر للمسلمين، ويدخل فيه الاعتقاد والعزم والنظر والظن والتمني والندم على أفعال الخيرات، ومنه يعلم أن ما يوجد في القلب قد يؤاخذ به وإن لم يقترن به عمل ﴿ إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ أي يكتسبون من الآثام ومنه الاعتراف يمحو الاقتراف كما يقال: التوبة تمحو الحوبة.

وظاهر النص يدل على أنه يعاقب المذنب ألبتة إلا أن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب.

وأهل السنة على أنه إذا لم يتب احتمل العفو ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله  عليه من طعام أو شراب فهو حرام تمسكاً بعموم الآية.

وأجمع سائر الفقهاء على تخصيص هذا العموم بالذبح، ثم اختلفوا فمالك: كل ذبح لم يذكر اسم الله  عليه فهو حرام، ترك الذكر عمداً أو نسياناً وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين.

أبو حنيفة: إن ترك عمداً حرام وإن ترك نسياناً حل.

الشافعي: متروك التسمية عمداً وسهواً حلال إذا كان الذابح مسلماً لقوله  : ﴿ وإنه لفسق ﴾ والضمير عائد إلى الأكل الذي دل عليه الفعل أو إلى الموصول على أنه في نفسه فسق مثل "رجل عدل" أو على تقدير حذف المضاف أي وإن أكله لفسق.

وقد أجمع المسلمون على أنه لا يفسق بأكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية ولقوله  : ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ﴾ وهذه المناظرة كانت في مسألة الميتة؛ وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة من قتلها إذا ماتت؟

قال: الله قتلها، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟

فأنزل الله الآية، فالمراد من الشياطين ههنا إبليس وجنوده وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليخاصموا محمداً وأصحابه في أكل الميتة.

وقال عكرمة: وإن الشياطين - يعني مردة المجوس - ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش.

وذلك أنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة أن محمداً وأصحابه يزعمون أن ما يذبحونه حلال وأن ما يذبحه الله حرام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين شيء فنزلت الآية.

ثم قال: ﴿ وإن أطعتموهم ﴾ يعني في استحلال الميتة ﴿ إنكم لمشركون ﴾ قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله  أو حرم شيئاً مما أحل الله فهو مشرك لأنه أثبت حاكماً سوى الله  .

ثم قال الشافعي: الفسق في آية أخرى وهي، قوله: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً  ﴾ إلى قوله: ﴿ أو فسقاً أهل لغير الله  ﴾ مفسر بما أهل به لغير الله فعلمنا أن الفسق في هذه الآية أيضاً مفسر به نزلنا عن هذا المقام وهو التمسك بالمخصصات، فلم قلتم إنه لم يوجد ذكر الله ههنا لما روي أنه صلى الله عليه وآله قال: "ذكر الله مع المسلم سواء قال أو لم يقل" فيحمل هذا الذكر على ذكر القلب.

أو نقول: هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن معنا ما يدل على الحل، وإذا تعارض الحل والحرمة فالحل راجح لأن الأصل في الأشياء الإباحة وللعمومات الدالة على الحل كقوله: ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً  ﴾ ﴿ وكلوا واشربوا  ﴾ ولأنه مستطاب وقد قال: ﴿ أحل لكم الطيبات  ﴾ ، ولأن الطبع يميل إليه وقد نهى عن إضاعة المال، هذا تقرير مذهب الشافعي ومع ذلك فالأولى بالمسلم أن يحترز عنه لقوة ظاهر النص.

قال الكعبي: في الآية دلالة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات لأنه  سمى مخالفته شركاً.

وأجيب بأنه لم لا يجوز أن يراد بالشرك ههنا اعتقاد أن لله شريكاً في الحكم.

التأويل: ﴿ وكلمهم الموتى ﴾ أي: قلوبهم الميتة ﴿ وحشرنا ﴾ أي أريناهم جميع الآيات المودعة في المكونات ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فإن المشيئة تغير السجية والعناية الأزلية كفاية الأبدية ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ أن الهدى ليس بالمنى وأنه بمشيئة المولى، ثم أخبر أن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا فقال: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس ﴾ هي النفس الأمارة التي هي أعدى الأعداء.

﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هديناهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال ﴿ فلا تكونن ﴾ نهى التكوين في الأزل ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ كلامه وقضاؤه في الأزل ﴿ صدقاً ﴾ فيما قال ﴿ وعدلاً ﴾ فيما حكم بالوجود والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن والقبح والإيمان والكفر، وأحسن شيء خلقه هو الإنسان ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم  ﴾ وكذلك شر شيء هو الإنسان عند فساد استعداده ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين  ﴾ ولأهل الكمال ترقٍ في كمال الحسن إلى الأبد، ولأهل النقصان تسفل في القبح إلى الأبد أيضاً إظهاراً للقدرة الكاملة غير المتناهية ﴿ وهو السميع ﴾ لحاجة كل ذي حاجة ﴿ العليم ﴾ بما يستأهله كل موجود ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض ﴾ وهم أهل الأهواء وأقلهم أهل الحق ﴿ وإن هم إلا يخرصون ﴾ في دعوى طلب الحق.

فإن سبيل الحق لا يسلك بالهوى وإنما يسلك بالصدق والهدى.

﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ فمن أمارات الإيمان أن يأكلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع ويذيبوه بذكر الله كما قال صلى الله عليه وآله "أذيبوا طعامكم بذكر الله" فالأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة به على العصيان يورث موت الجنان والحرمان من الجنان.

﴿ وقد فصل لكم ﴾ يا أهل الله ﴿ ما حرم عليكم ﴾ وهو الدنيا وما فيها والآخرة ونعيمها ﴿ إلا ما اضطررتم إليه ﴾ من ضروريات البشر في الدارين بأمر المولى لا بالطبع والهوى ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ الذين جاوزوا المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى ﴿ وذروا ظاهر الإثم ﴾ يعني الأعمال الطبيعية ﴿ وباطنه ﴾ يعني الأخلاق، الذميمة الردية ﴿ سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ لأن الأخلاق الظلمانية توجب صدأ مرآة القلب وتزيدها ريناً إلى أن يصير حجاباً بين العبد وبين الله  : ولا تأكلوا طعاماً إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، ﴿ وإنه ﴾ يعني ظلام الطعام يؤدي إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الكلمة النّفسانية.

﴿ وإن الشياطين ليوحون ﴾ فإن للشيطان مجالاً في الوسوسة إذا كانت النفوس في المجادلة مع القلوب لتدعوها إلى متابعة الهوى الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً ﴾ : كان أولئك الكفرة دعوا رسول الله  إلى حكم يحكم بينهم في منازعة وقعت بينهم؛ إما في الرسالة وإما في الكتاب، فقال رسول الله  : "أفغير الله أبتغي حكما" ثم بين فقال: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً ﴾ كيف أبتغي حكما غير الله وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا، ما تعلمون أنه من عند الله نزل عجز الخلائق عن إتيان مثله.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مُفَصَّلاً ﴾ \[قيل مفصلاً\] بالحجج والبراهين ما يعرف كل عاقل لم يكابر عقله أنه من عند الله نزل.

وقيل: مفصلا بالأمر، والنهي، والتحليل، والتحريم، فيقول [كيف] أبتغي حكما غير ما أنزل الله، وقد أنزل كتاباً مفصلا مبيناً، [فيه ما يحل وما يحرم، وما يؤتى وما يتقى، فلا حاجة تقع إلى غير الله.

وقيل: مفصلاً بالوعد والوعيد وما يكون له عاقبة؛ لأن العمل الذي يكون للعاقبة يكون فيه وعد ووعيد].

وقيل: مفصلا مفرقاً؛ أي: أنزله بالتفاريق لم ينزله مجموعاً جملة، ما يقع بمسامع كل أحد علم بذلك وبيانه، فأنى تقع بي الحاجة إلى حكم غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ اختلف فيه: قيل: الذين آتيناهم الكتاب أي: أهل التوراة، والإنجيل يعلمون أنه منزل من ربك بالحق.

وقيل: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ ﴾ ؛ يعني: من أعطى هذا الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق؛ لما عجزوا عن إتيان مثله وتأليفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ .

يحتمل: [لا تكونن من الممترين]: أنهم قد غيروا ما في كتابهم من الأحكام ومن نعتك وصفتك.

ويحتمل: فلا تكونن من الممترين: أنه من عند الله نزل، مع علمه أن رسوله لا يكون من الممترين؛ ليعلم الخلق أنه إذا نهى رسوله عن مثل هذا، فغيره أحق.

أو أن يخاطب من طلب حكم غيره، ويقول: لا تكونن من الممترين أنه من عند الله نزل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ .

قيل: صدقا في الأنباء والوعد، وعدلا في الأحكام.

تمت أنباؤه بالصدق وأحكامه بالعدل؛ حتى يعرف كل أحد صدق أنبائه وعدلَ أحكامه.

وقيل: وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلا بالحجج والبراهين؛ لما يعرف كل من تأمل فيها ونظر صدقها وعدلها: أنها من الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ هذا تفسيرُ التمام: أنها تمت تماماً لا يردُ عليها النقص ولا الجور ولا الخلف، ليس ككلمات الخلقِ؛ أنها تبدل وتنقص وتمنع؛ لما يكون فيها من النقصان والفساد، فإنها تبدل وتنقص ويعجزون عن وفاء ما وعدوا، ويمنعون عن ذلك، فالله يتعالى عن أن يبدل كلماته، أو يمنع عن وفاء ما وعد وأنبأ؛ إذ يجوز في حكمه.

ويجوز أن يستدل بقوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ لقول أصحابنا؛ حيث قالوا: من قال لامرأته: (أنت طالق أتم الطلاق وأعدل الطلاق) فإنه يقع بما وافق السنة، ليس يرجع ذلك إلى [التمام وإلى] العدد؛ لأنه أخبر أن تمت كلمته صدقاً وعدلا، والموافق للسنة هو الحق وهو العدل.

ويحتمل الاستبدال لكلماته ﴿ لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ أي: لا مبدل لوعده ووعيده؛ يكونُ ما وعد وأوعد.

ويحتمل: لا مبدل لحججه وبراهينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ﴾ أي: السميع بما ألقى الشياطين وأوحى بعضهم إلى بعض ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بأفعال هؤلاء وإجابتهم إياهم وأهل التأويل يصرفونه إلى خاص من القول؛ وبعضهم يقولون: إن قوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ هو قوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ .

وقال آخرون: إن رسول الله  دعاه أهل الكفر إلى عبادة الأوثان.

ولكن هو يرجع - والله أعلم - إلى كل نبأ ووعد ووعيد وكل خبر يخبر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ في الآية دلالة أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالا، [وعباد الأوثان، والأصنام]؛ لأنه قال: ﴿ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُضِلُّوكَ ﴾ لأنهم إلى الضلال كانوا يدعونه.

ثم الخطاب وإن كان لرسول الله في الظاهر، فهو لكل مؤمن؛ إذ معلوم أن رسوله لا يطيعهم فيما [يدعونه إلى عبادة الأوثان في الأرض].

وفيه أن في الأرض كان من يعبد الله وكان على دين الأنبياء والرسل.

وقوله: ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ذكر في القصة أن أهل الكفر دعوا رسول الله  إلى عبادة الأوثان، ويقولون: إنهم يعبدون الله في الحقيقة؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ويقولون ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ كأنهم يعبدون الأوثان ويرتكبون الفواحش ويقولون الله أمرنا بها فأخبر رسوله: أنك لو أطعت هؤلاء إلى ما يدعونك من عبادة هذه الأصنام [أضلوك عن سبيل الله؛ لأنهم لا يعبدون هذه الأصنام] إلا ظنّاً يظنون؛ كقوله: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ ﴾ أي: (ما يتبعون إلا الظن) ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ ما هم إلا يكذبون على الله في قولهم: إن ذلك يقربهم إلى الله زلفى، وقولهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ يعلم من يزيغ ويضل عن سبيله ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ ، ويعلم من يهتدي به.

وفي قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .

دلالة [على أنه] على علم منه بالضلال والتكذيب بعث الرسل إليهم وأرسل الكتب، لا عن جهل منه، لكن صار بعث ما بعث من الرسل والكتب إليهم حكمة على علم منه بما يكون منهم؛ لأنه إنما يبعث لمكان المرسل إليهم ولحاجتهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين الذين يعبدون مع الله غيره: هل يعقل أن أقبل غير الله حكمًا بيني وبينكم؟

فالله هو الذي أنزل عليكم القرآن مُبينًا مُسْتوفِيًا لكل شيء، واليهود الذين أعطينا هم التوراة، والنصارى الذين أعطيناهم الإنجيل، يعلمون أن القرآن مُنزَّل عليك مشتملًا على الحق، لما وجدوه في كتابيهما من الدليل على ذلك، فلا تكونن من الشاكِّين فيما أوحينا إليك.

<div class="verse-tafsir" id="91.21x8a"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد