الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٢٨ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 131 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢٨ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : واذكر يا محمد فيما تقصه عليهم وتذكرهم به ( ويوم يحشرهم جميعا ) يعني : الجن وأولياءهم ( من الإنس ) الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ، ويعوذون بهم ويطيعونهم ، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا .
( يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ) أي : ثم يقول : يا معشر الجن .
وسياق الكلام يدل على المحذوف .
ومعنى قوله : ( قد استكثرتم من الإنس ) أي : من إضلالهم وإغوائهم ، كما قال تعالى ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون ) [ يس : 60 - 62 ] .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ) يعني : أضللتم منهم كثيرا .
وكذلك قال مجاهد ، والحسن ، وقتادة .
( وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض ) يعني : أن أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين لله تعالى عن ذلك بهذا .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة ، حدثنا عوف ، عن الحسن في هذه الآية قال : استكثر ربكم أهل النار يوم القيامة ، فقال أولياؤهم من الإنس : ربنا استمتع بعضنا ببعض .
قال الحسن : وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت ، وعملت الإنس .
وقال محمد بن كعب في قوله : ( ربنا استمتع بعضنا ببعض ) قال : الصحابة في الدنيا .
وقال ابن جريج : كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض ، فيقول : " أعوذ بكبير هذا الوادي " : فذلك استمتاعهم ، فاعتذروا يوم القيامة .
وأما استمتاع الجن بالإنس فإنه كان - فيما ذكر - ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم بهم ، فيقولون : قد سدنا الإنس والجن .
( وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ) قال السدي ، أي الموت .
قال : ( النار مثواكم ) أي : مأواكم ومنزلكم ، أنتم وأولياؤكم .
( خالدين فيها ) أي : ماكثين مكثا مخلدا إلا ما شاء الله .
قال بعضهم : يرجع معنى هذا الاستثناء إلى البرزخ .
وقال بعضهم : هذا رد إلى مدة الدنيا .
وقيل غير ذلك من الأقوال التي سيأتي تقريرها إن شاء الله عند قوله تعالى في سورة هود : ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ) [ الآية : 107 ] .
وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن صالح - كاتب الليث - : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : ( النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ) قال : إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ، ولا ينزلهم جنة ولا نارا .
القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: (ويوم يحشرهم جميعًا) ، ويوم يحشر هؤلاء العادلين بالله الأوثانَ والأصنامَ وغيرَهم من المشركين، مع أوليائهم من الشياطين الذين كانوا يُوحون إليهم زخرف القول غرورًا ليجادلوا به المؤمنين, فيجمعهم جميعًا في موقف القيامة (30) = يقول للجن: (يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس)، وحذف " يقول للجن " من الكلام، اكتفاءً بدلالة ما ظهر من الكلام عليه منه .
* * * وعنى بقوله: (قد استكثرتم من الإنس)، استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم ، كما:- 13885- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ويوم يحشرهم جميعًا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس)، يعني: أضللتم منهم كثيرًا .
13886- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس)، قال: قد أضللتم كثيرًا من الإنس .
13887- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (قد استكثرتم من الإنس)، قال: كثُر من أغويتم .
13888- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .
13889- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان, عن معمر, عن الحسن: (قد استكثرتم من الإنس)، يقول: أضللتم كثيرًا من الإنس .
* * * القول في تأويل قوله : وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فيجيب أولياءُ الجن من الإنس فيقولون: " ربنا استمتع بعضنا ببعض " في الدنيا .
(31) فأما استمتاع الإنس بالجن, فكان كما:- 13890- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: (ربنا استمتع بعضنا ببعض)، قال: كان الرجل في الجاهلية ينـزل الأرض فيقول: " أعوذ بكبير هذا الوادي" ، فذلك استمتاعهم, فاعتذروا يوم القيامة .
* * * = وأما استمتاع الجن بالإنس, فإنه كان، فيما ذكر, ما ينال الجنَّ من الإنس من تعظيمهم إيّاهم في استعاذتهم بهم, فيقولون: " قد سدنا الجِنّ والحِنّ" (32) * * * القول في تأويل قوله : وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالوا: بلغنا الوقتَ الذي وقَّتَّ لموتنا .
(33) وإنما يعني جل ثناؤه بذلك: أنهم قالوا: استمتع بعضنا ببعض أيّام حياتنا إلى حال موتنا .
كما:- 13891- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما قوله: (وبلغنا أجلنا الذي أجَّلتَ لنا)، فالموت .
* * * القول في تأويل قوله : قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عمّا هو قائل لهؤلاء الذين يحشرهم يوم القيامة من العادلين به في الدنيا الأوثان، ولقُرَنائهم من الجن, فأخرج الخبر عما هو كائنٌ، مُخْرَج الخبر عما كان، لتقدُّم الكلام قبلَه بمعناه والمراد منه, فقال: قال الله لأولياء الجن من الإنس الذين قد تقدَّم خبرُه عنهم: (النار مثواكم)، يعني نار جهنم =" مثواكم "، الذي تثوون فيه، أي تقيمون فيه .
* * * و " المثوى " هو " المَفْعَل " من قولهم: " ثَوَى فلان بمكان كذا ", إذا أقام فيه .
(34) =(خالدين فيها)، يقول: لابثين فيها (35) =(إلا ما شاء الله)، يعني إلا ما شاء الله من قَدْر مُدَّة ما بين مبعثهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى جهنم, فتلك المدة التي استثناها الله من خلودهم في النار =(إن ربك حكيم)، في تدبيره في خلقه, وفي تصريفه إياهم في مشيئته من حال إلى حال، وغير ذلك من أفعاله =(عليم)، بعواقب تدبيره إياهم, (36) وما إليه صائرةُ أمرهم من خير وشر .
(37) * * * وروي عن ابن عباس أنه كان يتأول في هذا الاستثناء: أنّ الله جعل أمرَ هؤلاء القوم في مبلغ عَذَابه إيّاهم إلى مشيئته .
13892- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم)، قال: إن هذه الآية: آيةٌ لا ينبغي لأحدٍ أن يحكم على الله في خلقه، أن لا ينـزلهم جنَّةً ولا نارًا .
(38) ---------------------- الهوامش : (30) انظر تفسير (( الحشر )) فيما سلف ص : 50 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(31) انظر تفسير (( الاستمتاع )) فيما سلف 8 : 175 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(32) في المطبوعة : (( قد سدنا الجن والإنس )) ، غير ما في المخطوطة ، لم يحسن قراءتها لأنها غير منقوطة .
وأثبت ما في المخطوطة .
و (( الحن )) ( بكسر الحاء ) ، حي من أحياء الجن ، وقد سلف بيان ذلك في الجزء 1 : 455 ، تعليق : 1 ، فراجعه هناك .
انظر معاني القرآن للفراء 1 : 354 ، والذي هناك مطابق لما في المطبوعة .
(33) انظر تفسير (( الأجل )) فيما سلف ص : 11 : 259 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(34) انظر تفسير (( المثوى )) فيما سلف 7 : 279 .
(35) انظر تفسير (( الخلود )) فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد ) .
(36) انظر تفسير (( حكيم )) و (( عليم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) و ( علم ) .
(37) في المطبوعة : (( صائر )) بغير تاء في آخره ، والصواب ما في المخطوطة .
(( صائرة )) مثل (( عاقبة )) لفظًا ومعنى ، ومنه قبل : (( الصائرة ، ما يصير إليه النبات من اليبس )) .
(38) في المطبوعة : (( أن لا ينزلهم )) فزاد (( أن )) ، فأفسد المعنى إفسادًا حتى ناقض بعضه بعضًا .
وإنما قوله : (( لا ينزلهم جنة ولا نارًا )) ، نهى للناس أن يقول : (( فلان في الجنة )) و (( فلان في النار )) .
(( ينزلهم )) مجزومة اللام بالناهية .
قوله تعالى ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليمقوله تعالى " ويوم نحشرهم " نصب على الفعل المحذوف ، أي ويوم نحشرهم نقول .جميعا نصب على الحال .
والمراد حشر جميع الخلق في موقف القيامة .يا معشر نداء مضاف .الجن قد استكثرتم من أي من الاستمتاع بالإنس ; فحذف المصدر المضاف إلى المفعول ، وحرف الجر ; يدل على ذلك قوله ربنا استمتع بعضنا ببعض .وهذا يرد قول من قال : إن الجن هم الذين استمتعوا من الإنس ; لأن الإنس قبلوا منهم .
والصحيح أن كل واحد مستمتع بصاحبه .
والتقدير في العربية : استمتع بعضنا بعضا ; فاستمتاع الجن من الإنس أنهم تلذذوا بطاعة الإنس إياهم ، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم .
وقيل : كان الرجل إذا مر بواد في سفره وخاف على نفسه قال : أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما أحذر .
وفي التنزيل : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا .
فهذا استمتاع الإنس بالجن .
وأما [ ص: 77 ] استمتاع الجن بالإنس فما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر .
وقيل : استمتاع الجن بالإنس أنهم يعترفون أن الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون .
ومعنى الآية تقريع الضالين والمضلين وتوبيخهم في الآخرة على أعين العالمين .وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا يعني الموت والقبر ، ووافينا نادمين .قال النار مثواكم أي موضع مقامكم .
والمثوى المقام .خالدين فيها إلا ما شاء الله استثناء ليس من الأول .
قال الزجاج : يرجع إلى يوم القيامة ، أي خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في الحساب ; فالاستثناء منقطع .
وقيل : يرجع الاستثناء إلى النار ، أي إلا ما شاء الله من تعذيبكم بغير النار في بعض الأوقات .
وقال ابن عباس : الاستثناء لأهل الإيمان .
ف ( ما ) على هذا بمعنى ( من ) .
وعنه أيضا أنه قال : هذه الآية توجب الوقف في جميع الكفار .
ومعنى ذلك أنها توجب الوقف فيمن لم يمت ، إذ قد يسلم .
وقيل : إلا ما شاء الله من كونهم في الدنيا بغير عذاب .
ومعنى هذه الآية معنى الآية التي في " هود " .
قوله : فأما الذين شقوا ففي النار وهناك يأتي مستوفى إن شاء الله .إن ربك حكيم أي في عقوبتهم وفي جميع أفعاله .عليم بمقدار مجازاتهم .
يقول تعالى { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا } أي: جميع الثقلين، من الإنس والجن، من ضل منهم، ومن أضل غيره، فيقول موبخا للجن الذين أضلوا الإنس، وزينوا لهم الشر، وأزُّوهم إلى المعاصي: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ } أي: من إضلالهم، وصدهم عن سبيل الله، فكيف أقدمتم على محارمي، وتجرأتم على معاندة رسلي؟
وقمتم محاربين لله، ساعين في صد عباد الله عن سبيله إلى سبيل الجحيم؟
فاليوم حقت عليكم لعنتي، ووجبت لكم نقمتي وسنزيدكم من العذاب بحسب كفركم، وإضلالكم لغيركم.
وليس لكم عذر به تعتذرون، ولا ملجأ إليه تلجأون، ولا شافع يشفع ولا دعاء يسمع، فلا تسأل حينئذ عما يحل بهم من النكال، والخزي والوبال، ولهذا لم يذكر الله لهم اعتذارا، وأما أولياؤهم من الإنس، فأبدوا عذرا غير مقبول فقالوا: { رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } أي: تمتع كل من الجِنّي والإنسي بصاحبه، وانتفع به.
فالجنّي يستمتع بطاعة الإنسي له وعبادته، وتعظيمه، واستعاذته به.
والإنسي يستمتع بنيل أغراضه، وبلوغه بسبب خدمة الجِنّي له بعض شهواته، فإن الإنسي يعبد الجِنّي، فيخدمه الجِنّي، ويحصل له منه بعض الحوائج الدنيوية، أي: حصل منا من الذنوب ما حصل، ولا يمكن رد ذلك، { وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا } أي: وقد وصلنا المحل الذي نجازي فيه بالأعمال، فافعل بنا الآن ما تشاء، واحكم فينا بما تريد، فقد انقطعت حجتنا ولم يبق لنا عذر، والأمر أمرك، والحكم حكمك.
وكأن في هذا الكلام منهم نوع تضرع وترقق، ولكن في غير أوانه.
ولهذا حكم فيهم بحكمه العادل، الذي لا جور فيه، فقال: { النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا } ولما كان هذا الحكم من مقتضى حكمته وعلمه، ختم الآية بقوله: { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } فكما أن علمه وسع الأشياء كلها وعمّها، فحكمته الغائية شملت الأشياء وعمتها ووسعتها.
قوله عز وجل : ( ويوم يحشرهم ) قرأ حفص : ( يحشرهم ) بالياء ، ( جميعا ) يعني : الجن والإنس يجمعهم في موقف القيامة فيقول : ( يا معشر الجن ) والمراد بالجن : الشياطين ، ( قد استكثرتم من الإنس ) أي : استكثرتم من الإنس بالإضلال والإغواء أي : أضللتم كثيرا ، ( وقال أولياؤهم من الإنس ) يعني : أولياء الشياطين الذي أطاعوهم من الإنس ، ( ربنا استمتع بعضنا ببعض ) قال الكلبي : استمتاع الإنس بالجن هو أن الرجل كان إذا سافر ونزل بأرض قفر وخاف على نفسه من الجن قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، فيبيت في جوارهم .
وأما استمتاع الجن بالإنس : هو أنهم قالوا قد سدنا الإنس مع الجن ، حتى عاذوا بنا فيزدادون شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم ، وهذا كقوله تعالى ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) ( الجن ، 6 ) .
وقيل : استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم لهم الأمور التي يهوونها ، وتسهيل سبيلها عليهم ، واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي .
قال محمد بن كعب : هو طاعة بعضهم بعضا وموافقة بعضهم [ لبعض ] .
( وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ) يعني : القيامة والبعث ، ( قال ) الله تعالى ( النار مثواكم ) مقامكم ، ( خالدين فيها إلا ما شاء الله ) اختلفوا في هذا الاستثناء كما اختلفوا في قوله : ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ) ( هود ، 107 ) .
قيل : أراد إلا قدر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم ، يعني : هم خالدون في النار إلا هذا المقدار .
وقيل : الاستثناء يرجع إلى العذاب ، وهو قوله ( النار مثواكم ) أي : خالدين في النار سوى ما شاء الله من أنواع العذاب .
وقال ابن عباس : الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون فيخرجون من النار ، و " ما " بمعنى " من " على هذا التأويل ، ( إن ربك حكيم عليم ) قيل : عليم بالذي استثناه وبما في قلوبهم من البر والتقوى .
«و» اذكر «يوم نحشرهم» بالنون والياء أي الله الخلق «جميعا» ويقال لهم «يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس» بإغوائكم «وقال أولياؤهم» الذين أطاعوهم «من الإنس ربنا استمع بعضنا ببعض» انتفع الإنس بتزيين الجن لهم الشهوات والجن بطاعة الإنس لهم «وبلغنا أجلنا الذي أجَّلْتَ لنا» وهو يوم القيامة وهذا تحسر منهم قال تعالى لهم على لسان الملائكة: «النار مثواكم» مأواكم «خالدين فيها إلا ما شاء الله» من الأوقات التي يخرجون فيها لشرب الحميم فإنه خارجها كما قال تعالى (ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم) وعن ابن عباس أنه فيمن علم الله أنهم يؤمنون فما بمعني من «إن ربك حكيم» في صنعه «عليم» بخلقه.
واذكر -أيها الرسول- يوم يحشر الله تعالى الكفار وأولياءهم من شياطين الجن فيقول: يا معشر الجن قد أضللتم كثيرًا من الإنس، وقال أولياؤهم من كفار الإنس: ربنا قد انتفع بعضنا من بعض، وبلغنا الأجل الذي أجَّلْتَه لنا بانقضاء حياتنا الدنيا، قال الله تعالى لهم: النار مثواكم، أي: مكان إقامتكم خالدين فيها، إلا مَن شاء الله عدم خلوده فيها من عصاة الموحدين.
إن ربك حكيم في تدبيره وصنعه، عليم بجميع أمور عباده.
{ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإنس } .ففى هذه الآيات عرض مؤثر زاخر بالحوار والاعتراف والمناقشة والحكم تحكيه السورة الكريمة وهى تصور مشاهد المجرمين يوم القيامة .وقوله : { وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإنس } .المعشر : الجماعة الذين يعاشر بعضهم بعضا أو الذين يربطهم أمر مشترك بينهم والمراد بالجن شياطينهم ومردتهم .والمعنى : واذكر يا محمد - أو أيها العاقل - يوم نحشر الضالين والمضلين جميعاً من الإنس والجن ، فنقول للمضلين من الجن : { قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس } أى : قد أكثرتم من إغوائكم الإنس وإظلالكم إياهم ، أو قد أكثرتم منهم بأن جعلتموهم أتباعكم ، وأهل طاعتكم ، ووسوستم لهم بالمعاصى حتى غررتموهم وأوردتموهم هذا المصير الأليم .و " يوم " منصوب على الظرفية والعامل فيه مقدر ، أى : اذكر يوم نحشرهم جميعاً .
والضمير المنصوب فى " نحشرهم " لمن يحشر من الثقلين .
وقيل للكفار الذين تتحدث عنهم هذه الآيات .ووجه الخطاب إلى معشر الجن ، لأنهم هم الأصل فى إضلال أتباعهم من الإنس ، وهم السبب فى صدقهم عن السبيل القويم .والمقصود من هذا القول لهم توبيخهم وتقريعهم على ما كان يصدر منهم من إغواء الغافلين من الإنس .وهنا يحكى القرآن رد الضالين من الإنس على هذا التوبيخ فيقول : { وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإنس رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا } .أى : وقال الذين أطاعوهم وانقادوا لهم من الإنس يا ربنا ، لقد استمتع بعضنا ببعض .أى : انتفع الإنس بالجن حيث دلوهم على المفاسد وما يوصل إليها ، وانتفع الجن بالإنس ، حيث أطاعوهم واستجابوا لوسوستهم ، وخالفوا أمر ربهم .وقال الحسن : ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس .أى : فالجن نالت التعظيم منهم فعبدت ، والإنس بوسوستهم تمتعوا بإيثار الشهوات الحاضرة على اللذات الغائبة .وقيل : استمتاع الإنس بالجن معناه أن الرجل فى الجاهلية كان إذا سافر فنزل بأرض قفر خاف على نفسه من الجن فيقول .
أعوذ بسيد هذا الوداى من شر سفهاء قومه ، فيبيت فى جوارهم وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أنهم قالوا .
سدنا الإنس حتى عاذوا بنا ، فيزدادون بذلك شرفا فى قومهم وعظما فى أنفسهم .وقيل : استمتاع الإنس بالجن هو ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة ، واستمتاع الجن بالإنس هو طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من المعاصى فصاروا كالرؤساء لهم .والذى نراه .
أن استماع الجن بالإنس والإنس بالجن يتناول كل ذلك ، حيث انتفع كل فريق من صاحبه باللذة العاجلة التى أوردته إلى سوء المصير .وقولهم هذا ، هو تحسر منهم على حالهم ، إذ قالوه اعترافاً بما فعلوه من طاعة للشياطين واتباع الهوى ، وتكذيب أمر البعث .وإنما قال الأتباع من الإنس هذا القول مع أن الخطاب موجه إلى المتبوعين من شياطين الجن ، للإيذان بأن شياطين الجن قد أفحموا .
ولم يستطيعوا أن ينطقوا أو يجيبوا .
ثم أتبعوا تحسرهم هذا بتحسر آخر وهو قولهم : " وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا " .أى " ها نحن يا ربنا قد استمتع بعضنا ببعض فى الدنيا عن طريق الشهوات المحرمة .
واللذات الفانية القبيحة ، وها نحن قد وصلنا بعد استمتاع بعضنا ببعض إلى الأجل الذى حددته لنا ، وهو يوم القيامة والجزاء .
ونحن فى أقبح صورة وأسوأ عيش .وهنا يأتيهم الرد الحاسم .
والحكم النافذ من الله العلى الكبير .
حيث يقول - سبحانه - { قَالَ النار مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ الله } .مثواكم : الثواء مع الإقامة مع الاستقرار .
يقال : ثوى يثوى ثواء أى : استقر ، والثوية مأوى الغنم .والمعنى : قال الله - تعالى - لهؤلاء الظالمين المعترفين على أنفسهم بارتكاب الموبقات : النار منزلكم ومحل إقامتكم الدائمة .
فأنتم خالدين فيها فى كل وقت إلا فى وقت مشيئة الله بخلاف ذلك ، لأن الأمور كلها متروكة إليه ، وخاضعة لمشيئته .والأرجح أن المراد بهذا الاستثناء وبنظائره فى آيات أخر ، المبالغة فى الخلود .أى : أنه لا ينتفى فى وقت ما إلا وقت مشيئته - تعالى - وهو سبحانه لا يشاء ذلك .
فقد أخبر فى آيات متعددة من كتابه أن هؤلاء الكفار لا يخرجون من النار أبدا .وفى إيراد هذا المعنى بتلك الصورة ، بلاغ للناس بأن مرد الأمور كلها إلى مشيئة الله ، وأن خلود المشركين فى نار جهنم إنما هو بمحض مشيئته ، ولو شاء غير ذلك ما خلدوا ، وفيه إلى جانب ذلك تنكيل آخر بهؤلاء الأشقياء لأنهم قد صاروا فى حيرة دائمة من أمرهم .تجعلهم مشتتين بين الطمع فى الخروج مما هم فيه ، واليأس منه .وهذا التفسير للجملة الكريمة هو الذى نختاره ونرجحه ، وهناك وجوه أخرى فى تفسيرها منها ما ذهب إليه الزمخشرى حيث قال :وقوله : { خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ الله } أى : يخلدون فى عذاب النار الأبد كله إلا الأوقات التى ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير فقد روى أنهم يدخلون وادياً فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض ، فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم ، أو أن يكون من قول الموتور - أى المظلوم - الذى ظفر بواتره ، ولم يزل يحرق عليه أنيابه ، وقد طلب أن ينفس عن خناقه .
أهلكنى الله إن نفست عنك إلا إذا شئتُ ، علم أنه لا يشاء إلى التشفى منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنت والتشديد .
فيكون قوله إلا إذا شئت من أشد الوعيد مع تهكم بالموعد لخروجه فى صورة الاستثناء الذى فيه إطماع .ومنها : ما نقل عن ابن عباس أنه - تعالى - استثنى قوما قد سبق فى علمه أنهم يدخلون فى الإسلام ، وهو مبنى على أن الاستثناء .
ليس من المحكى وأن " ما " بمعنى " من " .ومنها : أنهم تفتح لهم أبواب الجنة ويخرجون من النار فإذا توجهوا للدخول أغلقت فى وجوههم استهزاء بهم .
فهم فيها إلا الوقت الذى يخرجون منها متجهين إلى الجنة حيث تقفل فى وجوههم ليكون ذلك أعظم فى حسرتهم .ومنها : أن هذا الاستثناء إشارة إلى فناء النار .
أى : إلا وقت مشيئة الله فناءها وزوال عذابها .
وهى مسألة خلافية بين العلماء .وهناك أقوال أخرى لا مجال لذكرها .
والقول الذى نرجحه ونعتمده هو الذى سقناه أولا كما أشرنا إلى ذلك من قبل لأنه قول المحققين من العلماء؛ ولأنه يتناسب مع ما يليق بذات الله من كمال قدرته .
ونفاذ إرادته .وجملة " إن ربك حكيم عليم " تسلية لبيان ما تقتضيه حكمته وإرادته .
أى : إن ربك حكيم فى التعذيب والإثابة وفى كل أفعاله .
عليم بأحوال الثقلين وأعمالهم وبما يلي بها من جزاء .
اعلم أنه تعالى لما بين حال من يتمسك بالصراط المستقيم، بين بعده حال من يكون بالضد من ذلك لتكون قصة أهل الجنة مردفة بقصة أهل النار، وليكون الوعيد مذكوراً بعد الوعد، وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ منصوب بمحذوف، أي واذكر يوم نحشرهم، أو يوم نحشرهم قلنا يا معشر الجن، أو يوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن، كان ما لا يوصف لفظاعته.
المسألة الثانية: الضمير في قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ إلى ماذا يعود؟
فيه قولان: الأول: يعودإلى المعلوم، لا إلى المذكور، وهو الثقلان، وجميع المكلفين الذين علم أن الله يبعثهم.
والثاني: أنه عائد إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شياطين الإنس والجن يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً ﴾ .
المسألة الثالثة: في الآية محذوف والتقدير: يوم نحشرهم جميعاً فنقول: يا معشر الجن، فيكون هذا القائل هو الله تعالى، كما أنه الحاشر لجميعهم، وهذا القول منه تعالى بعد الحشر لا يكون إلا تبكيتاً وبياناً لجهة أنهم وإن تمردوا في الدنيا فينتهي حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد والاعتراف بالجرم.
وقال الزجاج: التقدير فيقال لهم يا معشر الجن، لأنه يبعد أن يتكلم الله تعالى بنفسه مع الكفار، بدليل قوله تعالى في صفة الكفار: ﴿ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله يَوْمَ القيامة ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ قَدِ استكثرتم مّنَ الإنس ﴾ فنقول: هذا لابد فيه من التأويل.
لأن الجن لا يقدرون على الاستكثار من نفس الإنس، لأن القادر على الجسم وعلى الأحياء والفعل ليس إلا الله تعالى، فوجب أن يكون المراد قد استكثرتم من الدعاء إلى الضلال مع مصادفة القبول.
أما قوله: ﴿ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ الإنس ﴾ فالأقرب أن فيه حذفاً، فكما قال للجن تبكيتاً، فكذلك قال للإنس توبيخاً لأنه حصل من الجن الدعاء، ومن الإنس القبول، والمشاركة حاصلة بين الفريقين، فلما بكت تعالى كلا الفريقين حكى هاهنا جواب الإنس، وهو قولهم: ربنا استمتع بعضنا ببعض فوصفوا أنفسهم بالتوفر على منافع الدنيا، والاستمتاع بلذاتها إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي عنده أيقنوا بسوء عاقبتهم.
ثم هاهنا قولان: الأول: أن قولهم استمتع بعضنا ببعض، المراد منه أنه استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن، وعلى هذا القول ففي المراد بذلك الاستمتاع قولان: القول الأول: أن معنى هذا الاستمتاع هو أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض قفر وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت آمناً في نفسه، فهذا استمتاع الإنس بالجن، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني، كان ذلك تعظيماً منهم للجن، وذلك الجني يقول: قد سدت الجن والإنس، لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه، وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج واحتجوا على صحته بقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ الجن ﴾ .
والوجه الثاني: في تفسير هذا الاستمتاع أن الإنس كانوا يطيعون الجن وينقادون لحكمهم فصار الجن كالرؤساء، والإنس كالأتباع والخادمين المطيعين المنقادين الذين لا يخالفون رئيسهم ومخدومهم في قليل ولا كثير، ولا شك أن هذا الرئيس قد انتفع بهذا الخادم، فهذا استمتاع الجن بالإنس.
وأما استمتاع الإنس بالجن، فهو أن الجن كانوا يدلونهم على أنواع الشهوات واللذات والطيبات ويسهلون تلك الأمور عليهم، وهذا القول اختيار الزجاج.
قال: وهذا أولى من الوجه المتقدم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ قَدِ استكثرتم مّنَ الإنس ﴾ ومن كان يقول من الإنس أعوذ بسيد هذا الوادي، قليل.
والقول الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾ هو كلام الإنس خاصة، لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر لا يكاد يظهر.
أما استمتاع بعض الإنس ببعض، فهو أمر ظاهر.
فوجب حمل الكلام عليه، وأيضاً قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ الإنس رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾ كلام الإنس الذين هم أولياء الجن، فوجب أن يكون المراد من استمتاع بعضهم ببعض استمتاع بعض أولئك القوم ببعض.
ثم قال تعالى حكاية عنهم: ﴿ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا ﴾ فالمعنى: أن ذلك الاستمتاع كان حاصلاً إلى أجل معين ووقت محدود، ثم جاءت الخيبة والحسرة والندامة من حيث لا تنفع، واختلفوا في أن ذلك الأجل أي الأوقات؟
فقال بعضهم: هو وقت الموت.
وقال آخرون: هو وقت التخلية والتمكين.
وقال قوم: المراد وقت المحاسبة في القيامة، والذين قالوا بالقول الأول قالوا إنه يدل على أن كل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله، لأنهم أقروا أنا بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا، وفيهم المقتول وغير المقتول.
ثم قال تعالى: ﴿ قَالَ النار مَثْوَاكُمْ ﴾ المثوى: المقام والمقر والمصير، ثم لا يبعد أن يكون للإنسان مقام ومقر ثم يموت ويتخلص بالموت عن ذلك المثوى، فبين تعالى أن ذلك المقام والمثوى مخلد مؤبد وهو قوله: ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ إِلاَّ مَا شَاء الله ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن المراد منه استثناء أوقات المحاسبة، لأن في تلك الأحوال ليسوا بخالدين في النار: الثاني: المراد، الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير.
وروي أنهم يدخلون وادياً فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد إلى حر الجحيم.
الثالث: قال ابن عباس: استثنى الله تعالى قوماً سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا القول يجب أن تكون ما بمعنى من قال الزجاج: والقول الأول أولى.
لأن معنى الاستثناء إنما هو من يوم القيامة، لأن قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ هو يوم القيامة.
ثم قال تعالى: ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ منذ يبعثون ﴿ إِلاَّ مَا شَاء الله ﴾ من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم.
الرابع: قال أبو مسلم: هذا الاستثناء غير راجع إلى الخلود، وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم، فكأنهم قالوا: وبلغنا الأجل الذي أجلت لنا، أي الذي سميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى كقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ ﴾ وكما فعل في قوم نوح وعاد وثمود ممن أهلكه الله تعالى قبل الأجل الذي لو آمنوا، لبقوا إلى الوصول إليه فتلخيص الكلام أن يقولوا: استمتع بعضنا ببعض، وبلغنا ما سميت لنا من الأجل إلا من شئت أن تخترمه فاخترمته قبل ذلك بكفره وضلاله.
واعلم أن هذا الوجه وإن كان محتملاً إلا أنه ترك لظاهر ترتيب ألفاظ هذه الآية ولما أمكن إجراء الآية على ظاهرها فلا حاجة إلى هذا التكلف.
ثم قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ أي فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة، وكأنه تعالى يقول: إنما حكمت لهؤلاء الكفار بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون ذلك.
والله أعلم.
المسألة الرابعة: قال أبو علي الفارسي: قوله: ﴿ النار مَثْوَاكُمْ ﴾ المثوى اسم للمصدر دون المكان لأن قوله: ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ حال واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل فقوله: ﴿ النار مَثْوَاكُمْ ﴾ معناه: النار أهل أن تقيموا فيها خالدين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ منصوب بمحذوف، أي واذكر يوم نحشرهم، أو يوم نحشرهم قلنا ﴿ يامعشر الجن ﴾ أو ويوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجنّ كان ما لا يوصف لفظاعته، والضمير لمن يحشر من الثقلين وغيرهم.
والجنّ هم الشياطين ﴿ قَدِ استكثرتم مّنَ الإنس ﴾ أضللتم منهم كثيراً أو جعلتموهم أتباعكم فحشر معكم منهم الجم الغفير، كما تقول: استكثر الأمير من الجنود، واستكثر فلان من الأشياع ﴿ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ الإنس ﴾ الذين أطاعوهم واستمعوا إلى وسوستهم ﴿ رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾ أي انتفع الإنس بالشياطين حيث دلوهم على الشهوات وعلى أسباب التوصل إليها، وانتفع الجنّ بالإنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم وشهوتهم في إغوائهم، وقيل: استمتاع الإنس بالجنّ ما في قوله: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ الجن ﴾ [الجن: 60] وأن الرجل كان إذا نزل وادياً وخاف قال: أعوذ بربّ هذا الوادي، يعني به كبير الجنّ.
واستمتاع الجنّ والإنس: اعتراف الإنس لهم بأنهم يقدرون على الدفع عنهم إجارتهم لهم ﴿ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذى أَجَّلْتَ لَنَا ﴾ يعنون يوم البعث وهذا الكلام اعتراف بما كان منهم من طاعة الشياطين واتباع الهوى والتكذيب بالبعث واستسلام لربهم وتحسر على حالهم ﴿ خالدين فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء الله ﴾ أي يخلدون في عذاب النار الأبد كله، إلاّ ما شاء الله إلاّ الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير، فقد روي أنهم يدخلون وادياً فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض، فيتعاوون ويطلبون الردّ إلى الجحيم.
أو يكون من قول الموتور الذي ظفر بواتره ولم يزل يحرق عليه أنيابه وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه.
أهلكني الله إن نفست عنك إلاّ إذا شئت، وقد علم أنه لا يشاء إلاّ التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنيف والتشديد، فيكون قوله: إلاّ إذا شئت، من أشد الوعيد، مع تهكم بالموعد لخروجه في صورة الاستثناء الذي فيه إطماع ﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ ﴾ لا يفعل شيئاً إلاّ بموجب الحكمة ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بأن الكفار يستوجبون عذاب الأبد.
<div class="verse-tafsir"
" ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا " نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوْ نَقُولُ، والضَّمِيرُ لِمَن يُحْشَرُ مِنَ الثَّقَلَيْنِ.
وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ورُوحٌ عَنْ يَعْقُوبَ يَحْشُرُهم بِالياءِ.
﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ ﴾ يَعْنِي الشَّياطِينَ.
﴿ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ ﴾ أيْ مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ، أوْ مِنهم بِأنْ جَعَلْتُمُوهم أتْباعَكم فَحُشِرُوا مَعَكم كَقَوْلِهِمُ اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ.
﴿ وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ ﴾ الَّذِينَ أطاعُوهم.
﴿ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ﴾ أيِ انْتَفَعَ الإنْسُ بِالجِنِّ بِأنْ دَلُّوهم عَلى الشَّهَواتِ وما يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها، والجِنُّ بِالإنْسِ بِأنْ أطاعُوهم وحَصَلُوا مُرادَهم.
وقِيلَ اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِهِمْ أنَّهم كانُوا يَعُوذُونَ بِهِمْ في المَفاوِزِ وعِنْدَ المَخاوِفِ، واسْتِمْتاعُهم بِالإنْسِ اعْتِرافُهم بِأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى إجارَتِهِمْ.
﴿ وَبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا ﴾ أيِ البَعْثَ وهو اعْتِرافٌ بِما فَعَلُوهُ مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ واتِّباعِ الهَوى وتَكْذِيبِ البَعْثِ وتَحَسُّرٌ عَلى حالِهِمْ.
﴿ قالَ النّارُ مَثْواكُمْ ﴾ مَنزِلُكم أوْ ذاتُ مَثْواكم.
﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيها مَثْواكم إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا، ومَعْنى الإضافَةِ إنْ جُعِلَ مَكانًا ﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ إلّا الأوْقاتَ الَّتِي يُنْقَلُونَ فِيها مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ وقِيلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: النّارُ مَثْواكم أبَدًا إلّا ما أُمْهِلُكم.
﴿ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ ﴾ في أفْعالِهِ.
﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِأعْمالِ الثَّقَلَيْنِ وأحْوالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)
{ويوم نحشرهم جَمِيعاً} وبالياء حفص أي واذكر يوم
نحشرهم أو ويوم نحشرهم قلنا {يا معشر الجن قَدِ استكثرتم مّنَ الإنس} أضللتم منهم كثيراً وجعلتموهم أتباعكم كما تقول استكثر الأمير من الجنود {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ الإنس} الذين أطاعوهم واستمعوا إلى وسوستهم {رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} أي انتفع الإنس بالشياطين حيث دلوهم على الشهوات وعلى أسباب التوصل إليها وانتفع الجن بالإنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم في أغوائهم {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا} يعنون يوم البعث وهذا الكلام اعتراف بما كان منهم من طاعة الشياطين واتباع الهوى والتكذيب بالبعث وتحسر على حالهم {قَالَ النار مَثْوَاكُمْ} منزلكم {خالدين فِيهَا} حال والعامل معنى الإضافة كقوله تعالى {أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} فمصبيحن الحال من هؤلاء والعامل في الحال معنى الاضافة إذ معناه الممازجة والمضامّة والمثوى ليس بعامل لأن المكان لا يعمل في شيء {إِلاَّ مَا شَاءَ الله} أي يخلّدون في عذاب النار الأبد كله إلا ماشاء الله إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب السعير إلى عذاب الزمهرير {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} فيما يفعل بأوليائه وأعدائه {عَلِيمٌ} بأعمالهم فيجزى كلا على وفق علمه
﴿ ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ أيِ اذْكُرْ أوْ تَقُولُ أوْ كانَ ما لا يُذْكَرُ لِفَظاعَتِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِمُقَدَّرٍ أيْضًا أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ اليَوْمَ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِمَن يُحْشَرُ مِنَ الثَّقَلَيْنِ وقِيلَ: لِلْكَفّارِ وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ورُوحٌ عَنْ يَعْقُوبَ ( يَحْشُرُ ) بِالياءِ والباقُونَ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ والمَعْشَرُ الجَماعَةُ أمْرُهم واحِدٌ وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الجَماعَةُ التّامَّةُ مِنَ القَوْمِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلى أصْنافِ الطَّوائِفِ ومِنهُ العَشَرَةُ لِأنَّها تَمامُ العِقْدِ والمُرادُ بِالجِنِّ أوْ بِمَعْشَرِهِمْ عَلى ما قِيلَ الشَّياطِينُ وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ الجِنَّ يُقالُ عَلى وجْهَيْنِ أحَدُهُما لِلرُّوحانِيِّينَ المُسْتَتِرِينَ عَنِ الحَواسِّ كُلِّها فَيَدْخُلُ فِيهِمُ المَلائِكَةُ والشَّياطِينُ وثانِيهِما لِلرُّوحانِيِّينَ مِمّا عَدا المَلائِكَةَ وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الرُّوحانِيِّينَ ثَلاثَةٌ أخْيارٌ وهُمُ المَلائِكَةُ وأشْرارٌ وهُمُ الشَّياطِينُ وأوْساطٌ فِيهِمْ أخْيارٌ وأشْرارٌ وأيًّاما كانَ فالمَقْصُودُ بِالنِّداءِ الأشْرارُ الَّذِينَ يُغْوُونَ النّاسَ فَإنَّهم أهْلُ الخِطابِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ ﴾ أيْ أكْثَرْتُمْ مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومُجاهِدٌ والزَّجّاجُ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ مِنهم بِأنْ جَعَلْتُمُوهم أتْباعَكم فَحُشِرُوا مَعَكم كَما يُقالُ: اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ وهَذا بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
قِيلَ: وإنَّما ذَكَرَ المَعْشَرَ في جانِبِ الجِنِّ دُونَ جانِبِ الإنْسِ لِما أنَّ الإغْواءَ كَثِيرًا ما يَقْتَضِي التَّظاهُرَ والتَّعاوُنَ وفي المَعْشَرِ نَوْعُ إيماءٍ إلَيْهِ ولا كَذَلِكَ الغَوى ﴿ وقالَ أوْلِياؤُهُمْ ﴾ أيِ الَّذِينَ أطاعُوهم واتَّبَعُوهم ﴿ مِنَ الإنْسِ ﴾ أيِ الَّذِينَ هم مِنَ الإنْسِ أوْ كائِنِينَ مِنهم فَمِن إمّا لِبَيانِ الجِنْسِ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن أوْلِياءَ ﴿ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ﴾ أيِ انْتَفَعَ الإنْسُ بِالجِنِّ حَيْثُ دَلُّوهم عَلى الشَّهَواتِ وما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها والجِنُّ بِالإنْسِ حَيْثُ اتَّخَذُوهم قادَةً ورُؤَساءَ واتَّبَعُوا أمْرَهم فَأدْخَلُوا عَلَيْهِمُ السُّرُورَ بِذَلِكَ.
وعَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُرَيْجٍ والزَّجّاجِ وغَيْرِهِمْ أنَّ اسْتِمْتاعَ الإنْسِ بِهِمْ أنَّهم كانُوا إذا سافَرَ أحَدُهم وخافَ الجِنَّ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي واسْتِمْتاعَهم بِالإنْسِ اعْتِرافُهم بِأنَّهم قادِرُونَ عَلى إعاذَتِهِمْ وإجارَتِهِمْ.
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّ المُرادَ بِاسْتِمْتاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ طاعَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ومُوافَقَتُهُ لَهم وقالَ البَلْخِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِمْتاعُ مَقْصُورًا عَلى الإنْسِ فَيَكُونُ الإنْسُ قَدِ اسْتَمْتَعَ بَعْضُهم بِبَعْضِ الجِنِّ دُونَ الجِنِّ.
﴿ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ عَلى ماقالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وعَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ المَوْتُ والأوَّلُ أوْلى وإنَّما قالَ الأوْلِياءُ ما قالُوا اعْتِرافًا بِما فَعَلُوا مِن طاعَةِ الشَّياطِينِ واتِّباعِ الهَوى وتَكْذِيبِ البَعْثِ وإظْهارًا لِلنَّدامَةِ عَلَيْها وتَحَسُّرًا عَلى حالِهِمْ واسْتِسْلامًا لِرَبِّهِمْ وإلّا فَفائِدَةُ الخَبَرِ ولازِمُها مِمّا لا تَحَقُّقَ لَهُ.
قِيلَ: ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى حِكايَةِ كَلامِ الضّالِّينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُضِلِّينَ قَدِ أُفْحِمُوا بِالمَرَّةِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّكَلُّمِ أصْلًا.
وقُرِئَ ( آجالَنا ) بِالجَمْعِ و( الَّذِي ) بِالتَّذْكِيرِ والإفْرادِ قالَأبُو عَلِيٍّ: هو جِنْسٌ أوْ وقَعَ الَّذِي مَوْقِعَ الَّتِي.
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى حِينَئِذٍ فَقِيلَ قالَ: ﴿ النّارُ مَثْواكُمْ ﴾ أيْ مَنزِلُكم ومَحَلُّ إقامَتِكم أوْ ذاتُ ثَوائِكم عَلى أنَّ المَثْوى اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ والعامِلُ فِيها ( مَثْوى ) إنْ كانَ مَصْدَرًا وقَدَّرُوا عامِلًا أيْ يَبُوؤُونَ خالِدِينَ إنْ كانَ مَثْوى اسْمَ مَكانٍ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَصْلُحُ لِلْعَمَلِ وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّ العامِلَ في الحالِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مَعْنى الإضافَةِ ورَدُّوهُ بِأنَّ النِّسْبَةَ الإضافِيَّةَ لا تَعْمَلُ ولا يَصِحُّ أنْ تَنْصِبَ الحالَ ﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى قَوْمًا قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم يُسْلِمُونَ ويُصَدِّقُونَ النَّبِيَّ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَيْسَ مِنَ المَحْكِيِّ وأنَّ ما بِمَعْنى مَن ولا يَخْفى أنَّ اسْتِعْمالَ ما لِلْعُقَلاءِ قَلِيلٌ فَيَبْعُدُ ذَلِكَ كَما يَبْعُدُ شُمُولُ ما تَقَدَّمَ لِلْمُسْتَثْنى وقِيلَ: إنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ وقْتِيَّةٌ عَلى ما هو الظّاهِرُ والمُرادُ إلّا الوَقْتَ الَّذِينَ يُنْقَلُونَ فِيهِ إلى الزَّمْهَرِيرِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يَدْخُلُونَ وادِيًا مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ما يُمَيَّزُ بَيْنَ أوْصالِهِمْ مِن بَعْضٍ فَيَتَعاوُونَ ويَطْلُبُونَ الرَّدَّ إلى الجَحِيمِ ورُدَّ بِأنَّ فِيهِ صَرْفَ النّارِ مِن مَعْناها العِلْمِيِّ وهو دارُ العَذابِ إلى اللُّغَوِيِّ وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ إذا دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ المُعْتَرِضَ لا يُسَلِّمُ الضَّرُورَةَ غَيْرَ هَذا التَّأْوِيلِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَثْواكُمْ ﴾ يَقْتَضِي ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَرِضُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وقِيلَ: إنَّ لَهم وقْتًا يَخْرُجُونَ فِيهِ مِن دارِ العَذابِ وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّهم يُفْتَحُ لَهم أبْوابُ الجَنَّةِ ويَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ فَإذا تَوَجَّهُوا لِلدُّخُولِ أُغْلِقَتْ في وُجُوهِهِمُ اسْتِهْزاءً بِهِمْ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ ﴾ .
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظَواهِرَ الآياتِ صادِحَةٌ بِعَدَمِ تَخْفِيفِ العَذابِ عَنِ الكُفّارِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ وفي إخْراجِهِمْ هَذا تَخْفِيفٌ أيُّ تَخْفِيفٍ وإنْ كانَ بَعْدَهُ ما يَشِيبُ مِنهُ النَّواصِي ولَعَلَّ الخَبَرَ في ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ والمَشْهُورُ أنَّ المُرائِينَ يُدْنَوْنَ مِنَ الجَنَّةِ حَتّى إذا اسْتَنْشَقُوا رِيحَها ورَأوْا ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ فِيها نُودُوا أنِاصْرِفُوهم عَنْها لا نَصِيبَ لَهم فِيها الخَبَرُ بِتَمامِهِ وقَدْ قَدَّمْناهُ ويَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ إدْخالِهِمُ النّارَ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ الحَدِيثَ.
وقِيلَ: المُسْتَثْنى زَمانُ إمْهالِهِمْ قَبْلَ الدُّخُولِ كَأنَّهُ قِيلَ النّارُ مَثْواكم أبَدًا إلّا ما أمْهَلَكم ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ فِي الِاسْتِثْناءِ يُشْتَرَطُ اتِّحادُ زَمانِ المُخْرَجِ والمُخْرَجِ مِنهُ فَإذا قُلْتَ قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا فَإنَّ مَعْناهُ إلّا زَيْدًا ما قامَ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى إلّا زَيْدًا ما يَقُومُ في المُسْتَقْبَلِ وكَذَلِكَ سَأضْرِبُ القَوْمَ إلّا زَيْدًا مَعْناهُ إلّا زَيْدًا فَإنِّي لا أضْرِبُهُ في المُسْتَقْبَلِ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى إلّا زَيْدًا فَإنِّي ما ضَرَبْتُهُ وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا إذا لَمْ يَكُنِ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا أمّا إذا كانَ مُنْقَطِعًا فَإنَّهُ يَسُوغُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ أيْ لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى فَإنَّهم ذاقُوها فَلَعَلَّ القائِلَ بِأنَّ المُسْتَثْنى زَمانُ إمْهالِهِمْ يَلْتَزِمُ انْقِطاعَ الِاسْتِثْناءِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ ولا مَحْذُورَ فِيهِ مَعَ وُرُودِ مِثْلِهِ في القُرْآنِ وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى وجْهٍ لِطَيْفٍ إنَّما يَظْهَرُ بِالبَسْطِ فَقالَ: المُرادُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن زِيادَةِ العَذابِ ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ اسْتِقامَةِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ ابْنُ المُنِيرِ: ونَحْنُ نُبَيِّنُهُ فَنَقُولُ: العَذابُ والعِياذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّعَلى دَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ فَكَأنَّ المُرادَ أنَّهم مُخَلَّدُونَ في جِنْسِ العَذابِ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن زِيادَةٍ تَبْلُغُ الغايَةَ وتَنْتَهِي إلى أقْصى النِّهايَةِ حَتّى تَكادُ لِبُلُوغِها الغايَةَ ومُبايَنَتِها لِأنْواعِ العَذابِ في الشِّدَّةِ تُعَدُّ خارِجَةً عَنْهُ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ العَذابِ والشَّيْءُ إذا بَلَغَ الغايَةَ عِنْدَهم عَبَّرُوا عَنْهُ بِالضِّدِّ كَما عَبَّرُوا عَنْ كَثْرَةِ الفِعْلِ بِرُبَّ وقَدْ وهُما مَوْضُوعانِ لِضِدِّ الكَثْرَةِ مِنَ القِلَّةِ وذَلِكَ أمْرٌ يُعْتادُ في لُغَةِ العَرَبِ وقَدْ حامَ أبُو الطَّيِّبِ حَوْلَهُ فَقالَ.
ولَجُدْتَ حَتّى كِدْتَ تَبْخَلُ حائِلًا لِلْمُنْتَهى ومِنَ السُّرُورِ بُكاءُ فَكانَ هَؤُلاءِ إذا نُقِلُوا إلى غايَةِ العَذابِ ونِهايَةِ الشِّدَّةِ فَقَدْ وصَلُوا إلى الحَدِّ الَّذِي يَكادُ أنْ يَخْرُجَ عَنِ اسْمِ العَذابِ المُطْلَقِ حَتّى تَسُوغَ مُعامَلَتُهُ في التَّعْبِيرِ بِمُعامَلَةِ المُغايِرِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ لا يَكادُ يُفْهَمُ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ إلّا بَعْدَ هَذا البَسْطِ وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما يُؤَيِّدُهُ.
انْتَهى.
ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مَعْذُوقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى رَفْعُ العَذابِ أيْ يُخَلَّدُونَ إلى أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ وفائِدَتُهُ إظْهارُ القُدْرَةِ والإذْعانِ بِأنَّ خُلُودَهم إنَّما كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ قَدْ شاءَهُ وكانَ مِنَ الجائِزِ العَقْلِيِّ في مَشِيئَتِهِ أنْ لا يُعَذِّبَهم ولَوْ عَذَّبَهم لا يُخَلِّدُهم وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأمْرٍ واجِبٍ عَلَيْهِ وإنَّما هو مُقْتَضى مَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِعَزَّ وجَلَّ وفي الآيَةِ عَلى هَذا دَفْعٌ في صُدُورِ المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ تَخْلِيدَ الكَفّارِ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ في العَقْلِ مُقْتَضى ذَلِكَ ولَعَلَّ هَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ وفي مَعْناهُ ما قِيلَ: المُرادُ المُبالَغَةُ في الخُلُودِ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَنْتَفِي إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وهو مِمّا لا يَكُونُ مَعَ إيرادِهِ في صُورَةِ الخُرُوجِ وإطْماعِهِمْ في ذَلِكَ تَهَكُّمًا وتَشْدِيدًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ ومِن أفاضِلِ العَصْرِيِّينَ الأكابِرِمَنِ ادَّعى ذَلِكَ الوَجْهَ لَهُ وأنَّهُ قَدْ خَلَتْ عَنْهُ الدَّفاتِرُ وهو مَذْكُورٌ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ فَإنْ كانَ لا يَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ وإنْكانَ يَدْرِي فالمُصِيبَةُ أعْظَمُ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إلّا ما شاءَ رَبُّكَ ) .
﴿ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ ﴾ في التَّعْذِيبِ والإثابَةِ أوْ في كُلِّ أفْعالِهِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ (128) بِأحْوالِ الثَّقَلَيْنِ وأعْمالِهِمْ وبِما يَلِيقُ بِها مِنَ الجَزاءِ أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ ويَدْخُلُ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
<div class="verse-tafsir"
وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً يعني: هذا التوحيد دين ربك مستقيماً يعني: قائماً برضاه قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ يعني: قد بيّنا العلامات وبيّنا الآيات في أمر القلوب والهدى والضلالة لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ يعني: يتعظون ويتفكرون في توحيد الله تعالى.
ويقال: معناه لا عذر لأحد في التخلّف عن الإيمان لأن الله تعالى قد بيّن طريق الهدى، وقد بيّن العلامات في ذلك لمن كان له عقل وتمييز.
ثم ذكر ما أعد الله للمؤمنين في الآخرة فقال: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهي الجنة وهي دار السلام من الأمراض والآفات والخوف والهرم وغير ذلك.
ويقال: لَهُمْ دارُ السَّلامِ فالله السلام والجنة داره يعني: دار رب العزة التي أعد لأوليائه بالثواب وَهُوَ وَلِيُّهُمْ أي الله تعالى حافظهم وناصرهم في الدنيا.
ويقال: هو وليهم في الآخرة بالثواب بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا.
قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يقول: واذكر يوم يجمعهم الله جَمِيعاً يعني: الجن والإنس.
قرأ عاصم في رواية حفص يَحْشُرُهُمْ بالياء يعني: أن الله يحشرهم وقرأ الباقون نحشرهم بالنون يا مَعْشَرَ الْجِنِّ يقول لهم يا معشر الجن قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ يعني: قد أضللتم كثيراً من الإنس وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ الذين أضلوهم رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ يعني: انتفع بعضنا ببعض وكان استمتاع الإنس بالجن في الدنيا أن أهل الجاهلية كانوا إذا سافر واحد منهم فأدركه المساء بأرض قفر وخاف بالليل فقال: أعوذ بسيد أهل هذا الوادي من سفهاء قومه، فأمن، ولبث في جوارهم حتى يصبح.
وكان استمتاع الجن بالإنس أن قالوا: لقد سوّدنا الإنس والجن فيزيدون شرفاً في قومهم يعني: فيما بين الجن والإنس.
وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا يعني: الموت الذي جعلته أجلنا في هذه الدنيا وهذا قول الكلبي.
وقال الضحاك: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ يعني: خدع بعضنا بعضاً عن دينك يعني: أن الجن قد خدعنا وأضَلَّنَا وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا يعني: ما كتبت علينا من الشقاوة قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ يعني: منزلكم وهم الجن والإنس خالِدِينَ فِيها مقيمين في النار إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ قال الكلبي: مشيئة الله من كل شيء، ويقال: إلا ما شاء الله البرزخ والقيامة قد شاء الله لهم الخلود فيها.
ويقال إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ يخرج منها من أهل التوحيد إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ثم قال: وَكَذلِكَ نُوَلِّي يعني: نسلط بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً يعني: كفار الجن على كفار الإنس.
ويقال: نسلط بعض الظالمين بعضا فيهلكه ويذله.
وهذا كلام لتهديد الظالم لكي يمتنع عن ظلمه.
لأنه لو لم يمتنع يسلط الله عليه ظالماً آخر.
ويدخل في الآية جميع من يظلم ومن ظلم في رعيته أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم.
وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجباً.
وقال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولّى أمرهم خيارهم.
وإذا سخط الله على قوم ولّى أمرهم شرارهم بما كانوا يكسبون، ثم تلا قوله وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً.
وعن مالك بن دينار قال: قرأت في بعض الكتب المنزلة إن الله تعالى يقول: إني أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك بيدي ونواصيها بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أجعلهم عليكم رحمة.
ثم قال: بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: يسلط بعضهم على بعض بأعمالهم الخبيثة.
ثم يقول لهم: <div class="verse-tafsir"
رياستهم أقْدَرُ على الغَدْرِ والمَكْرِ ورُكُوبِ الباطلِ من غيرهم ولأن كثرة المال والجاه يَحْمِلاَنِ الإنسان على المبالغةِ في حِفْظهما وذلك الحِفْظُ لا يتمُّ إلا بجميع الأخلاق الذميمةِ كالغَدْر والمَكْر والكَذِب والغِيبة والنَّميمة والأَيْمَان الكاذبة ولو لم يكن للمالِ والجاهِ سوى أنَّ اللَّه تعالى حَكَم بأنه إنما وصفَ بهذه الأوصافِ الذميمةِ مَنْ كان له مالٌ وجاه، لكفى ذلك دليلاً على خَسَاسة المالِ والجَاهِ.
انتهى، وما ذكره من المال والجاه هو الأغلَبُ.
وَما يَشْعُرُونَ، أي: ما يعلمون.
وقوله سبحانه: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ، أي: علامةٌ ودليلٌ على صحَّة الشرع، تشطَّطوا، وقالوا: لَنْ نؤمن حتَّى يُفْلَقَ لنا البَحْرُ، ويحيى لنا الموتى، ونحْوَ ذلك، فردَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ فيمن اصطفاه، وانتخبه، لا فيمن كَفَرَ، وجعل يتشطَّط على اللَّه سبحانه، قال الفَخْر «١» : قال المفسِّرون: قال الوليدُ بْنُ المُغِيرَةِ «٢» :
لو كانتِ النبوَّة حقًّا، لكنْتُ أولى بها، قال الضَّحَّاك: أراد كلُّ واحد من هؤلاء الكفرة أنْ يُخَصَّ بالوحْيِ والرسالةِ كما أخبر عنهم سبحانه: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً [المدثر: ٥٢] انتهى.
ثم توعَّد سبحانه بأن هؤلاء المجرمين الأكابر في الدنيا سيصيبهم عند اللَّه صَغَارٌ وذلَّة.
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)
وقوله سبحانه: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ...
الآية: مَنْ:
شرط، ويَشْرَحْ جوابُ الشرط.
والآيةُ نصٌّ في أن اللَّه تعالى يريدُ هدى المؤمن، وضلالَ الكافر، وهذا عند جميعِ أهْل السنَّة بالإرادةِ القديمةِ التي هي صفةُ ذاته تبارك وتعالى، والهدى هنا: هو خَلْق الإيمان في القَلْبِ، وشَرْحُ الصدرِ: هو تسهيلُ الإيمان، وتحبيبُه، وإعدادُ القَلْبِ لقبولِهِ وتحصيلِهِ، والصَّدْر: عبارةٌ عن القلب، وفي يَشْرَحْ ضمير يعود على اسم اللَّهِ عزَّ وجلَّ/ يَعْضُدُهُ اللفظ والمعنى، ولا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، والقولُ بأنه عائدٌ على «المَهْدِيِّ» - قولٌ يتركَّب عليه مذهب القَدَريَّة في خَلْق الأعمال، ويجبُ أن يُعتقد ضَعْفُهُ، والحَذَرُ منه، ورُوِيَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم «أنه لَمَّا نزلَتْ هذه الآية، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُشْرَحُ الصَّدْرُ؟
قَالَ: إذَا نَزَلَ النُّورُ فِي القَلْبِ، انشرح لَهُ الصَّدْرُ، وانفسح، قَالُوا: وَهَلْ لِذَلِكَ عَلاَمَةٌ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: نَعَمِ، الإنَابَةُ إلَى دَارِ الخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ، قَبْلَ المَوْتِ» ، والقول «١» في قوله: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ كالقول في قوله: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ، وقرأ حمزة وغيره: «حَرَجاً» - بفتح الراء-، وروي أن عمر بن الخطاب (رضي اللَّه عنه) قرأها يوماً بفتح الراء، فقرأها له بعضُ الصَّحابة بكَسْر الراء، فقال: ابغوني رجُلاً من كِنَانَةَ، وليكنْ رَاعياً، وليكُنْ من بني مدلج، فلما جاء، قال له: يَا فتى، مَا الحَرِجَةُ عنْدَكُمْ؟
قال الشَّجَرَةُ تكُونُ بَيْن الأشجار لا تَصِلُ إليها راعيَةٌ ولا وَحْشِيَّة، قال عمر: كذلِكَ قَلْبُ المنافق لا يَصِلُ إليه شَيْءٌ من الخير «٢» .
وقوله سبحانه: كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ، أي: كأنَّ هذا الضّيّق الصّدر متى حاول
الإيمان أو فكَّر فيه، يجد صعوبته عليه، والعياذُ باللَّه، كصعوبةِ الصُّعود في السماء، قاله ابن جريج وغيره «١» ، وفِي السَّماءِ، يريد: مِنْ سفل إلى علوٍ، وتحتمل الآية أنْ يكون التشبيهُ بالصاعدِ في عَقَبَةٍ كَئُود كأنه يَصْعَدُ بها في الهواء، ويَصْعَدُ: معناه: يعلو، ويَصَّعَّدُ:
معناه: يتكلَّف من ذلك ما يشقُّ عليه.
وقوله: كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ، أي: وكما كان الهدى كله من اللَّه، والضلال بإرادته تعالى ومشيئته كذلك يجعل اللَّه الرجْسَ، قال أهل اللغة: الرجْسُ يأتي بمعنى العَذَابِ، ويأتي بمعنى النَّجَس.
وقوله تعالى: وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً ...
الآية: هذا إشارة إلى القرآن والشرْعِ الذي جاء به نبيُّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم قاله ابن عباس، وفَصَّلْنَا، معناه: بيَّنا وأوضحنا «٢» .
وقوله سبحانه: لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، أي: للمؤمنين، والضمير في قوله: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عائد عليهم، والسَّلام: يتجه أن يكون اسما من أسماء اللَّه عزَّ وجلَّ، ويتجه أن يكون مصدراً بمعنى السلامة.
وقوله تعالى: عِنْدَ رَبِّهِمْ يريد في الآخرة بعد الحشر، ووليّهم، أي: وليّ الإنعام عليهم، وبِما كانُوا يَعْمَلُونَ، أي: بسَبَبِ ما كانوا يُقَدِّمون من الخير، ويفعلون من الطاعة والبر.
وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ، والمعنى: واذكر يَوْمَ، وفي الكلامِ حذفٌ، تقديره: نقول: يا معشر الجنِّ، وقوله: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ: معناه: أفرطتم، ومِنَ الْإِنْسِ: يريد: في إضلالهم وأغوائهم قاله ابن عباس وغيره «٣» ، وقال الكُفَّار من الإنْس، وهم أولياء الجنِّ الموبَّخين على جهة الاعتذار عن الجنِّ: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، أي: انتفع وذلك كاستعاذتهم بالجنِّ إذ كان العربيُّ إذا نزل وادياً، ينادي: يا رَبَّ الوادِي، إنِّي أستجيرُ بك في هذه الليلة، ثم يرى سلامته إنما هي بحفْظِ جَنِّيِّ ذلك الوادِي، ونحو ذلك، وبلوغ الأجل المؤجّل: هو
الموتُ، وقيل: هو الحشر.
وقوله تعالى: قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ ...
الآية: إخبارٌ من اللَّه تعالى/ عما يقولُ لهم يوم القيامة إثْرَ كلامهم المتقدّم، ومَثْواكُمْ، أي: موضع ثوائكم كَمُقَامِكُمُ الذي هو مَوْضِعُ الإقامة قاله الزَّجَّاج، والاستثناءُ في قوله: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ قالتْ فرقة: «مَا» بمعنى «مَنْ» ، فالمراد: إلا مَنْ شاء اللَّه مِمَّنْ آمن في الدنيا بعد، إن كان مِنْ هؤلاء الكَفَرة، وقال الطبريُّ «١» : إن المستثنى هي المُدَّة التي بَيْنَ حشرهم إلى دخولهم النار، وقال الطبريُّ «٢» ، عن ابن عباس: إنه كان يتأوَّل في هذا الاستثناء أنه مبلغ حالِ هؤلاء في علْمِ اللَّه «٣» ، ثم أسند إليه أنه قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحَدٍ أنْ يحكم على اللَّه في خَلْقه لا يُنْزِلُهم جنَّةً ولا ناراً.
قال ع «٤» : والإجماع على التخليد الأبديِّ في الكُفَّار، ولا يصحُّ هذا عن ابن عباس (رضي اللَّه عنه) .
قال ص: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ: قيل: استثناء منقطعٌ، أي: لكِنْ ما شاء اللَّه مِنَ العذابِ الزائِدِ على النَّار، وقيل: متصلٌ، واختلفوا في تقديره، فقيل: هو استثناء مِنَ الأشخاصِ، وهم مَنْ آمن في الدنيا، ورُدَّ بأنه يختلف زمان المستثنى والمستثنى منه، فيكون منقطعاً لا متصلاً لأنَّ مِنْ شرط المتصل اتحاد زمانَيِ المُخْرَجِ والمُخْرَجِ منه.
انتهى، وقيل غير هذا.
وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً، قال قتادة «٥» : معناه: نجعل بعضهم وليَّ بعض في الكفر والظلم، وقال أيضاً: المعنى نجعلُ بعضهم يَلِي بعضاً في دخول النار، وقال ابن زيد: معناه: نسلِّط بعض الظالمين على بعض، ونجعلهم أولياء النقمة «٦» منهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ يَعْنِي الجِنَّ والإنْسَ.
وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالياءِ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ: يَعْنِي: المُشْرِكِينَ وشَياطِينِهِمُ الَّذِينَ كانُوا يُوحُونَ إلَيْهِمْ بِالمُجادَلَةِ لَكم فِيما حَرَّمَهُ اللَّهُ مِنَ المِيتَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ ﴾ فِيهِ إضْمارٌ، فَيُقالُ لَهُمْ: يا مَعْشَرَ؛ والمَعْشَرُ: الجَماعَةُ، أمْرُهم واحِدٌ، والجُمَعُ: المَعاشِرُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ ﴾ أيْ: مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ.
﴿ وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ أضَلَّهُمُ الجِنُّ.
﴿ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ اسْتِمْتاعَ الإنْسِ بِالجِنِّ: أنَّهم كانُوا إذا سافَرُوا، فَنَزَلُوا وادِيًا، وأرادُوا مُبَيَّتًا، قالَ أحَدُهُمْ: أعُوذُ بِعَظِيمِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ أهْلِهِ؛ واسْتِمْتاعِ الجِنِّ بِالإنْسِ: أنَّهم كانُوا يَفْخَرُونَ عَلى قَوْمِهِمْ، ويَقُولُونَ: قَدْ سُدْنا الإنْسَ حَتّى صارُوا يُعَوِّذُونَ بِنا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّ اسْتِمْتاعَ الجِنِّ بِالإنْسِ: طاعَتُهم لَهم فِيما يُغْرُونَهم بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ والكُفْرِ والمَعاصِي.
واسْتِمْتاعِ الإنْسِ بِالجِنِّ: أنَّ الجِنَّ زَيَّنَتْ لَهُمُ الأُمُورَ الَّتِي يَهْوُونَها، وشَهَوْها إلَيْهِمْ حَتّى سَهُلَ عَلَيْهِمْ فِعْلُها، رَوى هَذا المَعْنى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّ اسْتِمْتاعَ الجِنِّ بِالإنْسِ: إغْواؤُهم إيّاهم.
واسْتِمْتاعَ الإنْسِ بِالجِنِّ: ما يَتَلَقَّوْنَ مِنهم مِنَ السِّحْرِ والكَهانَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ.
والمُرادُ بِالجِنِّ في هَذِهِ الآَيَةِ: الشَّياطِينُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: المَوْتُ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: الحَشْرُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ النّارُ مَثْواكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَثْوى: المَقامُ؛ "وَخالِدِينَ" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
المَعْنى: النّارُ مَقامُكم في حالِ خُلُودٍ دائِمٍ ﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ هو اسْتِثْناءٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ، والمَعْنى: ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ مُذْ يَبْعَثُونَ ﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ مِن مِقْدارِ حَشْرِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ، ومُدَّتِهِمْ في مُحاسَبَتِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ أنْ يَزِيدَهم مِنَ العَذابِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا بِغَيْرِ عَذابٍ؛ وقِيلَ في هَذا غَيْرَ قَوْلٍ، سَتَجِدُها مَشْرُوحَةً في (هُودٍ) إنْ شاءَ اللَّهُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أولِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ "وَيَوْمَ"؛ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ يَوْمَ..."؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ: "وَلِيُّهُمْ"؛ والعَطْفُ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "بِما كانُوا"؛ والضَمِيرُ في "يَحْشُرُهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ: اَلَّذِينَ يَجْعَلُ اللهُ تَعالى الرِجْسَ عَلَيْهِمْ؛ وهم جَمِيعُ الكُفّارِ؛ جِنًّا؛ وإنْسًا؛ والَّذِينَ لَهم دارُ السَلامِ؛ جِنًّا؛ وإنْسًا؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَأْكِيدُ العامُّ بِقَوْلِهِ تَعالى "جَمِيعًا".
وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "يَحْشُرُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالنُونِ؛ وكُلٌّ مُتَّجَهٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - ما يُقالُ لِلْجِنِّ الكَفَرَةِ؛ وفي الكَلامِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ؛ تَقْدِيرُهُ: "نَقُولُ يا مَعْشَرَ الجِنِّ..."؛ وقَوْلُهُ تَعالى "قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ"؛ مَعْناهُ: "فَرَّطْتُمْ"؛ و"مِنَ الإنْسِ"؛ يُرِيدُ في إغْوائِهِمْ؛ وإضْلالِهِمْ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وقالَ الكُفّارُ مِنَ الإنْسِ؛ وهم أولِياءُ الجِنِّ المُوَبَّخِينَ؛ عَلى جِهَةِ الِاعْتِذارِ عَنِ الجِنِّ: ﴿ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ﴾ ؛ أيْ: اِنْتَفَعَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ في وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: حَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ الإنْسَ كانَتْ تَسْتَعِيذُ بِالجِنِّ في الأودِيَةِ؛ ومَواضِعِ الخَوْفِ؛ وكانَتِ الجِنُّ تَتَعَظَّمُ عَلى الإنْسِ؛ وتَسُودُها؛ كَما يَفْعَلُ العَرَبِيُّ بِالكاهِنِ؛ والمُجِيرُ بِالمُسْتَجِيرِ؛ إذْ كانَ العَرَبِيُّ إذا نَزَلَ وادِيًا يُنادِي: "يا رَبَّ الوادِي؛ إنِّي أسْتَجِيرُ بِكَ هَذِهِ اللَيْلَةَ"؛ ثُمَّ يَرى أنَّ سَلامَتَهُ إنَّما هي بِحِفْظِ جِنِّيِّي ذَلِكَ الوادِي؛ فَهَذا اسْتِمْتاعُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِثالٌ في الِاسْتِمْتاعِ؛ ولَوْ تُتُبِّعَ لَتَبَيَّنَتْ لَهُ وُجُوهٌ أُخَرُ؛ كُلُّها دُنْيَوِيَّةٌ.
وبُلُوغُ الأجَلِ المُؤَجَّلِ؛ قالَ السُدِّيُّ: هو المَوْتُ الَّذِي انْتَهى الكُلُّ مِنهم إلَيْهِ؛ وقِيلَ: هو الحَشْرُ؛ وقِيلَ: هو الغايَةُ الَّتِي انْتَهى جَمِيعُهم إلَيْها مِنَ الِاسْتِمْتاعِ؛ كَأنَّهم أشارُوا إلى أنَّ ذَلِكَ بِقَدَرِكَ وقَضائِكَ؛ إذْ لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "وَبَلِّغْنا أجَلَنا"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ مُشَدَّدَةً.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قالَ النارُ مَثْواكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا يَقُولُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ إثْرَ كَلامِهِمُ المُتَقَدِّمِ؛ وجاءَ الفِعْلُ بِلَفْظِ الماضِي - وهو في الحَقِيقَةِ مُسْتَقْبَلٌ - لِصِحَّةِ وُقُوعِهِ؛ وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ؛ وفَصِيحِ الكَلامِ؛ و"مَثْواكُمْ"؛ أيْ مَوْضِعُ ثَوابِكُمْ؛ كَمُقامِكُمُ؛ الَّذِي هو مَوْضِعُ الإقامَةِ؛ هَذا قَوْلُ الزَجّاجِ وغَيْرِهِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْإغْفالُ": اَلْمَثْوى عِنْدِي: مَصْدَرٌ لا مَوْضِعَ لَهُ؛ وذَلِكَ لِعَمَلِهِ في الحالِ الَّتِي هي "خالِدِينَ"؛ والمَوْضِعِ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى فِعْلٍ؛ فَيَكُونُ عامِلًا؛ والتَقْدِيرُ: "اَلنّارُ ذاتُ ثُوائِكُمْ"؛ والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إلا ما شاءَ اللهُ ﴾ ؛ قالَتْ فِرْقَةٌ: "ما"؛ بِمَعْنى "مَن"؛ فالمُرادُ: "إلّا مَن شاءَ تَعالى ؛ مِمَّنْ آمَنَ في الدُنْيا؛ بَعْدَ أنْ آمَنَ؛ مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ صِنْفًا؛ ساغَتْ في العِبارَةِ عنهم "ما"؛ وقالَ الفَرّاءُ: "إلّا"؛ بِمَعْنى "سِوى"؛ والمُرادُ: "سِوى ما يَشاءُ تَعالى ؛ مِن زِيادَةٍ في العَذابِ"؛ ونَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: إنَّ المُسْتَثْنى هي المُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ حَشْرِهِمْ؛ إلى دُخُولِهِمُ النارَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وساغَ هَذا مِن حَيْثُ العِبارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ النارُ مَثْواكُمْ ﴾ ؛ لا تَخُصُّ بِصِيغَتِها مُسْتَقْبَلَ الزَمانِ دُونَ غَيْرِهِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ كانَ يَتَناوَلُ في هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ مَبْلَغُ حالِ هَؤُلاءِ في عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ ثُمَّ أُسْنِدَ إلَيْهِ أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ آيَةٌ لا يَنْبَغِي [بِها] لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ عَلى اللهِ تَعالى في خَلْقِهِ؛ لا يُنْزِلَهم جَنَّةً؛ ولا نارًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والإجْماعُ عَلى التَخْلِيدِ الأبَدِيِّ في الكُفّارِ؛ ولا يَصِحُّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَّجَهُ عِنْدِي في هَذا الِاسْتِثْناءِ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتِهِ؛ ولَيْسَ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ والمُسْتَثْنى هو مَن كانَ مِنَ الكَفَرَةِ يَوْمَئِذٍ يُؤْمِنُ في عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ كَأنَّهُ لَمّا أخْبَرَهم أنَّهُ قالَ لِلْكُفّارِ: ﴿ النارُ مَثْواكُمْ ﴾ ؛ اِسْتَثْنى لَهم مَن يُمْكِنُ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم.
و ﴿ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ ؛ صِفَتانِ مُناسِبَتانِ لِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ تَخْلِيدَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في النارِ فِعْلٌ صادِرٌ عن حُكْمٍ وعِلْمٍ بِمَواقِعِ الأشْياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي ﴾ ؛ قالَ قَتادَةُ: "نُوَلِّي"؛ مَعْناهُ: "نَجْعَلُ بَعْضَهم ولِيَّ بَعْضٍ في الكُفْرِ والظُلْمِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يُؤَيِّدُهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الجِنِّ؛ والإنْسِ؛ واسْتِمْتاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛ وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: مَعْنى: "نُوَلِّي": "نُتْبِعُ بَعْضَهم بَعْضًا في دُخُولِ النارِ"؛ أيْ: "نَجْعَلُ بَعْضَهم يَلِي بَعْضًا"؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: "نُسَلِّطُ بَعْضَ الظالِمِينَ عَلى بَعْضٍ؛ ونَجْعَلُهم أولِياءَ النَقَمَةِ مِنهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ لا تُؤَيِّدُهُ ألْفاظُ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةُ؛ أما إنَّهُ حُفِظَ في اسْتِعْمالِ الصَحابَةِ والتابِعِينَ؛ مِن ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُبَيْرِ لَمّا بَلَغَهُ أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ قَتَلَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ الأشْدَقَ؛ صَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: "إنَّ فَمَ الذِبّانِ قَتَلَ لَطِيمَ الشَيْطانِ"؛ و ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
لمّا ذكر ثواب القوم الّذين يتذّكرون بالآيات، وهو ثواب دار السّلام، ناسب أن يعطف عليه ذكر جزاء الّذين لا يتذكّرون، وهو جزاء الآخرة أيضاً، فجملة: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ إلخ معطوفة على جملة: ﴿ لهم دار السّلام عند ربّهم ﴾ [الأنعام: 127].
والمعنى: وللآخرين النّار مثواهم خالدين فيها.
وقد صُوّر هذا الخبر في صورة ما يقع في حسابهم يوم الحشر، ثمّ أُفضي إلى غاية ذلك الحساب، وهو خلودهم في النّار.
وانتصب: ﴿ يومَ ﴾ على المفعول به لفعل محذوف تقديره: اذْكُر، على طريقة نظائره في القرآن، أو انتصب على الظرفيّة لفعل القول المقدّر.
والضّمير المنصوب ب ﴿ نحشرهم ﴾ عائد إلى ﴿ الذين أجرموا ﴾ [الأنعام: 124] المذكور في قوله: ﴿ سيصيب الذين آجرموا صغار عند الله، أو إلى الذين لا يؤمنون ﴾ [الأنعام: 125] في قوله: ﴿ كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ﴾ .
وهؤلاء هم مقابل الّذين يتذكّرون، فإنّ جماعة المسلمين يُعتَبرون مخاطبين لأنّهم فريق واحد مع الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ويعتبر المشركون فريقاً مبائناً لهم بعيداً عنهم، فيتحدّث عنهم بضمير الغيبة، فالمراد المشركون الّذين ماتوا على الشّرك وأُكّد ب ﴿ جميعاً ﴾ ليعمّ كلّ المشركين، وسادتهم، وشياطينهم، وسائر عُلَقهم.
ويجوز أن يعود الضّمير إلى الشّياطين وأوليائهم في قوله تعالى: ﴿ وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم ﴾ [الأنعام: 121] إلخ.
وقرأ الجمهور: ﴿ نحشرهم ﴾ بنون العظمة على الالتفات.
وقرأه حفص عن عاصم، ورَوْح عن يعقوب بياء الغيبة ولمّا أسند الحشر إلى ضمير الجلالة تعيّن أنّ النداء في قوله: ﴿ يا معشر الجن ﴾ من قِبل الله تعالى، فتعيّن لذلك إضمار قول صادر من المتكلّم، أي نقول: يا معشر الجنّ، لأنّ النّداء لا يكون إلاّ قولاً.
وجملة: ﴿ يا معشر الجن ﴾ إلخ مقول قول محذوف يدلّ عليه أسلوب الكلام، والتّقدير: نقول أو قائلين.
والمعشر: الجماعة الّذين أمرهم وشأنهم واحد، بحيث تجمعهم صفة أو عمل، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه.
وهو يُجمع على معاشر أيضاً، وهو بمعناه، وهو مشتقّ من المعاشرة والمخالطة.
والأكثر أن يضاف المعشر إلى اسم يبيّن الصّفة الّتي اجتمع مسمّاه فيها، وهي هنا صفة كونهم جنّاً، ولذلك إذا عُطف على ما يضاف إليه كان على تقدير تثنية معشراً وجمْعِه: فالتثنية نحو: ﴿ يا معشر الجنّ والإنس إن استطعتم أن تنفذوا ﴾ [الرحمن: 33] الآية، أي يا معشر الجنّ ويا معشر الإنس، والجمع نحو قولك: يا معاشر العرب والعجم والبربر.
والجنّ تقدّم في قوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجنّ ﴾ في هذه السّورة (100).
والمراد بالجنّ الشّياطين وأعوانهم من بني جنسهم الجنّ، والإنس تقدّم عند قوله: ﴿ شياطين الإنس والجنّ ﴾ في هذه السّورة (112).
والاستكثار: شدّة الإكثار.
فالسّين والتّاء فيه للمبالغة مثل الاستسلام والاستخداع والاستكبار، ويتعدى بمن البيانية إلى الشيء المتّخذِ كثيرُه، يقال: استكثر من النَّعم أو من المال، أي أكثر من جمعهما، واستكثر الأمير من الجند، ولا يتعدّى بنفسه تفرقة بين هذا المعنى وبين استكثر الّذي بمعنى عدّ الشّيء كثيراً، كقوله تعالى: ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ [المدثر: 6].
وقوله: ﴿ استكثرتم من الإنس ﴾ على حذف مضاف، تقديره: من إضلال الإنس، أو من إغوائهم، فمعنى ﴿ استكثرتم من الإنس ﴾ أكثرتم من اتّخاذهم، أي من جعلهم أتباعاً لكم، أي تجاوزتم الحدّ في استهوائهم واستغوائهم، فطوّعتم منهم كثيراً جداً.
والكلام توبيخ للجنّ وإنكار، أي كان أكثر الإنس طوعاً لكم، والجنّ يشمل الشّياطين، وهم يغوون النّاس ويطوّعونهم: بالوسوسة، والتخييل، والإرهاب، والمسّ، ونحو ذلك، حتّى تَوهّم النّاس مقدرتهم وأنّهم محتاجون إليهم، فتوسّلوا إليهم بالإرضاء وترك اسم الله على ذبائحهم وفي شؤونهم، وحتّى أصبح المسافر إذا نزل وادياً قال: «أعوذ بسَيِّد هذا الوادي، أو بربّ هذا الوادي، يعني به كبير الجنّ، أو قال: يَا ربّ الوادي إنِّي أستجير بك» يعني سيّدَ الجنّ.
وكان العرب يعتقدون أنّ الفيافي والأودية المتّسعة بين الجبال معمورة بالجنّ، ويتخيّلون أصوات الرّياح زَجل الجنّ.
قال الأعشى: وبلدةٍ مثل ظَهْر التُّرس موحِشةٍ *** للجِنّ باللّيل في حَافَاتها زَجَل وفي الكلام تعريض بتوبيخ الإنس الّذين اتَّبعوهم، وأطاعوهم، وأفرطوا في مرضاتهم، ولم يسمعوا مَن يدعوهم إلى نبذ متابعتهم، كما يدلّ عليه قوله الآتي: ﴿ يا معشر الجنّ والإنس ألم يأتكم رسل منكم ﴾ [الأنعام: 130] فإنَّه تدرّج في التّوبيخ وقطععِ المعذرة.
والمراد بأوليائهم أولياء الجنّ: أي الموالون لهم، والمنقطعون إلى التعلّق بأحوالهم.
وأولياء الشّياطين هم المشركون الّذين وافوا المحشر على الشّرك.
وقيل: أريد به الكفّار والعصاة من المسلمين، وهذا باطل لأنّ العاصي وإن كان قد أطاع الشّياطين فليس وليّاً لها ﴿ اللَّهُ ولي الذين آمنوا ﴾ [البقرة: 257] ولأنّ الله تعالى قال في آخر الآية: ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ [الأنعام: 130] وقال: ﴿ وشَهِدوا على أنفسهم أنَّهم كانوا كافرين ﴾ .
و ﴿ من الإنس ﴾ بيان للأولياء.
وقد اقتصر على حكاية جواب الإنس لأنّ النّاس المشركين هم المقصود من الموعظة بهذه الآية.
ومعنى: ﴿ استمتع بعضنا ببعض ﴾ انتفع وحَصّل شهوته وملائِمَهُ: أي استمتع الجنّ بالإنس، وانتفع الإنس بالجنّ، فكلّ بعض مراد به أحد الفريقين لأنَّه بعض مجموع الفريقين.
وإنَّما قالوا: استمتع بعضنا ببعض، ولم يكن الإنس هم المخاطبين بالتّوبيخ، لأنَّهم أرادوا الاعتذار عن أوليائهم من الجنّ ودفع التّوبيخ عنهم، بأنّ الجنّ لم يكونوا هم المستأثرين بالانتفاع بتطويع الإنس، بل نال كلّ من الفريقين انتفاعاً بصاحبه، وهؤلاء المعتذرون يحتمل أنّهم أرادوا مشاطرة الجناية إقراراً بالحقّ، وإخلاصاً لأوليائهم، أو أرادوا الاعتذار عن أنفسهم لما علموا من أن توبيخ الجنّ المُغوين يُعرّض بتوبيخ المغوَيْن بفتح الواو.
فأقرّوا واعتذروا بأنّ ما فعلوه لم يكن تمرّداً على الله، ولا استخفافاً بأمره، ولكنّه كان لإرضاء الشّهوات من الجانبين، وهي المراد بالاستمتاع.
ولكونهم ليسوا بمخاطبين ابتداء.
وكون كلامهم دخيلاً في المخاطبة، لم تفصل جملة قولهم كما تفصل جملة المحاورة في السؤال والجواب، بل عطفت على جملة القول المقدّر لأنَّها قول آخر عَرض في ذلك اليوم.
وجيء في حكاية قولهم بفعل ﴿ وقال أولياؤهم ﴾ مع أنّه مستقبل من أجللِ قوله: ﴿ يحشرهم ﴾ تنبيها على تحقيق وقوعه، فيعلم من ذلك التّنبيه على تحقيق الخبر كلّه، وأنّه واقع لا محالة، إذ لا يكون بعضه محقّقاً وبعضه دون ذلك.
واستمتاع الإنس بالجنّ هو انتفاعهم في العاجل: بتيسير شهواتهم، وفتح أبواب اللّذّات والأهواء لهم، وسلامتهم من بطشتهم.
واستمتاع الجنّ بالإنس: هو انتفاع الجنّ بتكثير أتباعهم من أهل الضّلالة، وإعانتُهم على إضلال النّاس، والوقوفُ في وجه دعاة الخير، وقطع سبيل الصّلاح، فكلّ من الفريقين أعان الآخر على تحقيق ما في نفسه ممّا فيه ملائم طبعه وارتياحه لقضاء وطره.
وقوله: ﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ استسلام لله، أي: انقضَى زمن الإمهال، وبلغْنا الأجلَ الذي أجلَّت لنا للوقوع في قبضتك، فسُدّت الآن دوننا المسالكُ فلا نجد مفرّاً.
وفي الكلام تحسّر وندامة.
عند ظهور عدم إغناء أوليائهم عنهم شيئاً، وانقضاء زمن طغيانهم وعتوّهم، ومَحين حِين أن يَلْقَوا جزاء أعمالهم كقوله: ﴿ ووجد الله عنده فوفّاه حسابه ﴾ [النور: 39].
وقد أفادت الآية: أنّ الجنّ المخاطبين قد أُفحموا، فلم يجدوا جواباً، فتركوا أولياءهم يناضلون عنهم، وذلك مظهر من مظاهر عدم إغناء المتبوعين عن أتباعهم يومئذٍ ﴿ إذ تَبرّأ الذين اتُّبِعوا من الذين اتَّبَعوا ﴾ [البقرة: 166].
وجملة: ﴿ قال النار مثواكم ﴾ فصلت عن الّتي قبلها على طريقة القول في المحاورة، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ في سورة البقرة (30).
وضمير الخطاب في قوله: النار مثواكم } موجَّه إلى الإنس فإنَّهم المقصود من الآية، كما في قوله تعالى: ﴿ بل كانوا يعبدون الجنّ أكثرهم بهم مؤمنون فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفاً ولا ضراً ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النّار التي كنتم بها تكذّبون ﴾ [سبأ: 41، 42] وقوله: ﴿ وتمَّت كلمة ربّك لأملأن جهنّم من الجِنّة والنّاسسِ أجمعين ﴾ [هود: 119].
ومجيء القول بصيغة الماضي: للتّنبيه على تحقيق وقوعه وهو مستقبل بقرينة قوله: ﴿ يحشرهم ﴾ كما تقدّم.
وإسناده إلى الغائب نظرٌ لما وقع في كلام الأولياء: ﴿ ربنا استمتع ﴾ إلخ.
والمثوى: اسم مكان من ثَوى بالمكان إذا أقام به إقامةَ سكنى أو إطالة مكث، وقد بيّن الثّواء بالخلود بقوله: ﴿ حالدين فيها ﴾ .
وقوله: ﴿ حالدين فيها ﴾ هو من تمام ما يقال لهم في الحشر لا محالة، لأنَّه منصوب على الحال من ضمير مثواكم، فلا بدّ أن يتعلّق بما قبله.
وأمّا قوله: ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ فظاهر النظم أنّه من تمام ما يقال لهم.
لأنّ الأصل في الاستثناء أن يكون إخراجاً ممّا قبله من الكلام.
ويجوز أن يكون من مخاطبة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وقع اعتراضاً بين ما قصّه عليه من حال المشركين وأوليائهم يوم الحشر، وبين قوله له: ﴿ إن ربك حكيم عليم ﴾ ويكون الوقف على قوله: ﴿ خالدين فيها ﴾ .
والاستثناء في قوله: ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ على التّأويلين استثناء إمَّا من عموم الأزمنة الّتي دلّ عليها قوله: ﴿ خالدين فيها ﴾ إذ الخلود هو إقامة الأبد والأبَد يعمّ الأزمان كلّها، ف (ما) ظرفية مصدرية فلذلك يكون الفعل بعدها في تأويل مَصدر، أي إلاّ وقت مشيئة الله إزالة خلودكم، وإمَّا من عموم الخالدين الّذي في ضمير ﴿ خالدين ﴾ أي إلاّ فريقاً شاء الله أن لا يخلدوا في النّار.
وبهذا صار معنى الآية موضع إشكال عند جميع المفسّرين، من حيثُ ما تقرّر في الكتاب والسنّة وإجماع الأمّة؛ أنّ المشركين لا يُغفر لهم وأنَّهم مخلّدون في النّار بدون استثناء فريق ولا زمان.
وقد أحصَيْتُ لهم عشرة تأويلات، بعضها لا يتمّ، وبعضها بعيد إذا جُعل قوله: ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ من تمام ما يقال للمشركين وأوليائهم في الحشر، ولا يستقيم منها إلاّ واحد، إذا جعل الاستثناء معترَضاً بين حكاية ما يقال للمشركين في الحشر وبين ما خوطب به النّبي صلى الله عليه وسلم فيكون هذا الاعتراض خطاباً للمشركين الأحياءِ الّذين يسمعون التّهديد، إعذاراً لهم أن يسلموا، فتكون (ما) مصدرية غير ظرفية: أي إلاّ مشيئة الله عدمَ خلودهم، أي حالَ مشيئته.
وهي حال توفيقه بعض المشركين للإسلام في حياتهم، ويكون هذا بياناً وتحقيقاً للمنقول عن ابن عبّاس: استثنى الله قوماً سبق في علمه أنَّهم يُسلمون.
وعنه أيضاً: هذه الآية توجب الوقف في جميع الكفار، وإذا صح ما نقل عنه وجب تأويله بأنه صدر منه قبل علمه بإجماع أهل العلم على أنّ المشركين لا يغفر لهم.
ولك أن تجعل (ما) على هذا الوجه موصولة، فإنَّها قد تستعمل للعاقل بكثرة.
وإذا جعل قوله: ﴿ خالدين ﴾ من جملة المقول في الحشر كان تأويل الآية: أنّ الاستثناء لا يقصد به إخراج أوقات ولاَ حالةٍ، وإنَّما هو كناية، يقصد منه أنّ هذا الخلود قدّره الله تعالى، مختاراً لا مكره له عليه، إظهاراً لتمام القدرة ومحض الإرادة، كأنَّه يقول: لو شئت لأبطلتُ ذلك.
وقد يعْضد هذا بأنّ الله ذكر نظيره في نعيم أهل الجنّة في قوله: ﴿ فأمَّا الذين شَقُوا ففي النّار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السّماوات والأرض إلاّ ما شاء ربّك إنّ ربّك فعَّال لما يريد وأمّا الذين سعِدوا ففي الجنّة خالدين فيها ما دامت السّماوات والأرض إلاّ ما شاء ربّك عطاء غير مجذوذ ﴾ [هود: 106، 108] فانظر كيف عقّب قوله: ﴿ إلا ما شاء ربّك ﴾ في عقاب أهل الشّقاوة بقوله: ﴿ إنّ ربّك فعَّال لما يريد ﴾ [هود: 107] وكيف عقَّب قوله: ﴿ إلا ما شاء ربّك ﴾ في نعيم أهل السّعادة بقوله: ﴿ عَطاء غير مجذوذ ﴾ [هود: 108] فأبْطل ظاهر الاستثناء بقوله: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ فهذا معنى الكناية بالاستثناء، ثمّ المصير بعد ذلك إلى الأدلّة الدّالة على أنّ خلود المشركين غيرُ مخصوص بزمن ولا بحال.
ويَكونُ هذا الاستثناء من تأكيد الشّيء بما يشبه ضدّه.
وقوله: ﴿ إن ربك حكيم عليم ﴾ تذييل، والخطاب للنّبي صلى الله عليه وسلم فإن كان قوله: ﴿ خالدين فيها إلا ما شاء الله ﴾ من بقية المقول لأولياء الجنّ في الحشر كان قوله: ﴿ إن ربك حكيم عليم ﴾ جملة معترضة بين الجمل المقولة، لبيان أنّ ما رتّبه الله على الشرّك من الخلود رتّبه بحكمته وعِلْمه، وإن كان قوله: ﴿ خالدين ﴾ إلخ كلاماً مستقلاً معترضاً كان قوله: ﴿ إن ربك حكيم عليم ﴾ تذييلاً للاعتراض، وتأكيداً للمقصود من المشيئة من جعل استحقاق الخلود في العذاب منوطاً بالموافاة على الشّرك.
وجَعْل النّجاة من ذلك الخلودِ منوطة بالإيمان.
والحكيم: هو الّذي يضع الأشياء في مناسباتها، والأسباب لمسبّباتها.
والعليم: الّذي يعلم ما انطوى عليه جميع خلقه من الأحوال المستحقّة للثّواب والعقاب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ يَعْنِي يَحْشُرُ الجِنَّ والإنْسَ جَمِيعًا يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ بِإغْوائِكم لَهم.
﴿ وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِصُحْبَةِ بَعْضٍ في التَّعاوُنِ والتَّعاضُدِ.
والثّانِي: اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ فِيما زَيَّنُوهُ مِنِ اتِّباعِ الأهْواءِ وارْتِكابِ المَعاصِي.
والثّالِثُ: أنَّ الِاسْتِمْتاعَ بِهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّعَوُّذِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ.
والثّانِي: أنَّهُ اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بَعْضُهم بِبَعْضٍ.
وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّ الإنْسَ اسْتَمْتَعُوا بِالجِنِّ، والجِنُّ اسْتَمْتَعُوا بِالإنْسِ في اعْتِقادِهِمْ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى النَّفْعِ.
﴿ وَبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: الحَشْرُ.
﴿ قالَ النّارُ مَثْواكُمْ ﴾ أيْ مَنزِلُ إقامَتِكم، لِأنَّ المَثْوى الإقامَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَقَدْ كانَ في حَوْلٍ ثَواءً ثَوَيْتُهُ تَقْضِي لِباناتٍ وتَسْأمُ سائِمْ ﴿ خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ في ( إلاَّ ) في هَذا المَوْضُوعِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى لَكِنْ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى سِوى، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ عَلى حَقِيقَتِها، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَفي هَذا الِاسْتِثْناءِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ.
أحَدُها: أنَّ مُدَّةَ الِاسْتِثْناءِ هي مُدَّةُ العَرْضِ في القِيامَةِ وذَلِكَ ما بَيْنَ بَعْثِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ إلى حِينِ مَصِيرِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، فَكَأنَّهُ قالَ: النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا هَذِهِ المُدَّةَ الَّتِي ذَكَرَها، فَإنَّهم فِيها غَيْرُ خالِدِينَ في النّارِ.
والثّانِي: مَعْناهُ خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن تَجْدِيدِ جُلُودِهِمْ بَعْدَ إحْراقِها وتَصْرِيفِهِمْ في أنْواعِ العَذابِ أوْ تَرْكِهِمْ فِيها عَلى حالَتِهِمُ الأُولى، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ في صِفَةِ العَذابِ لا في الخُلُودِ في النّارِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ جَعَلَ أمْرَهم في مَبْلَغِ عَذابِهِمْ ومُدَّتَهُ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ: ولا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ عَلى اللَّهِ في خَلْقِهِ، ولا يُنْزِلُهم جَنَّةً ولا نارًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ قد استكثرتم من الإِنس ﴾ يقول: في ضلالتكم إياهم، يعني أضللتم منهم كثيراً.
وفي قوله: ﴿ قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله ﴾ قال: إن هذه الآية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا ناراً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ يا معشر الجن قد استكثرتم من الإِنس ﴾ قال: استكثرتم ربكم أهل النار يوم القيامة ﴿ وقال أولياؤهم من الإِنس ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن القيامة ﴿ وقال أولياؤهم من الإِنس ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإِنس.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ قال: الصحابة في الدنيا ﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ قال: الموت.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ قال: كان الرجل في الجاهلية ينزل بالأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي.
فذلك استمتاعهم فاعتذروا به يوم القيامة ﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ قال: الموت.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ﴾ الآية.
قال المفسرون (١) (٢) قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: هم وقرناؤهم من الشياطين) (٣) ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ ﴾ .
قال الزجاج: (المعنى: فيقال لهم: ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ ﴾ (٤) ﴿ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ﴾ أي: من إغواء الإنس وإضلالهم، عن ابن عباس (٥) (٦) (٧) وروي عن ابن عباس في "تفسيره": (يعني: أضللتم منهم كثيراً) (٨) (٩) وقال مجاهد: (كثر من أغويتم منهم) (١٠) وقال أبو إسحاق: ( ﴿ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ ﴾ ممن أضللتموه من الإنس) (١١) وقال غيره: ( ﴿ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ﴾ بالإغواء والإضلال) (١٢) ﴿ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ ﴾ يعني: الذين أضلوهم من الإنس.
﴿ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾ قال (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وهذا قول الحسن (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ﴾ .
وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾ : (يريد: في الدنيا، وما كانوا يضلونهم) (٢٣) (٢٤) ﴿ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ﴾ ومن كان يقول من الإنس: أعوذ بالجن فقليل) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ﴾ يعني: الموت، في قول الحسن (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: فيها مقامكم) (٣٠) قال الزجاج: (المثوى: المقام، ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ منصوب على الحال، المعنى: النار مقامكم في حال خلود دائم) (٣١) قال أبو علي: (المثوى عندي في الآية اسم للمصدر دون المكان، لحصول الحال في الكلام معملًا فيها، واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل؛ لأنه لا معنى للفعل فيه، فإذا لم يكن موضعًا ثبت أنه مصدر، والمعنى: النار ذات إقامتكم فيها، ﴿ خَالِدِينَ ﴾ أي: هي أهل أن يقيموا (٣٢) وَمَا هِيَ إلاَّ في إِزَارٍ وَعِلْقَةٍ ...
مُغَارَ ابْنِ هَمَّامٍ عَلَى حَيِّ خَثْعَمَا (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ ونحو ذلك، حتى إن قومًا من النحويين (٣٨) (٣٩) (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ قال ابن عباس: (استثنى الله قوماً قد سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي وما جاء به) (٤١) (٤٢) وقال أبو إسحاق: (معنى الاستثناء عندي: إنما هو من يوم القيامة؛ لأن قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ﴾ هو يوم القيامة فقال: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ منذ يبعثون ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ من مقدار حشرهم من (٤٣) (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ .
قال ابن عباس: (حكم للذين استثنى بالتصديق والتوبة وعلم ما في قلوبهم من البر والتقوى والإيمان) (٤٥) قال أهل المعاني: (معنى هذه الآية: التحذير من إغواء الجن تزيينهم القبيح، فإنهم يقرنون مع أوليائهم من الإنس في النار) (٤٦) (١) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 33، والسمرقندي 1/ 513، والماوردي 2/ 168.
(٢) لفظ: (يوم) ساقط من (ش).
(٣) في "تنوير المقباس" 2/ 59 نحوه.
(٤) "معاني الزجاج" 2/ 291، ومثله قال النحاس في "معانيه" 2/ 489.
(٥) ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 168، وابن عطية 5/ 352، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة.
(٦) أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 33، عن الحسن نحوه، وذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 559، والماوردي 2/ 168، والسيوطي في "الدر" 3/ 85.
(٧) أخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 218، والطبري 8/ 33، وابن أبي حاتم 4/ 1387 بسند جيد عن قتادة نحوه.
(٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 33، وابن أبي حاتم 4/ 1387 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 85.
(٩) "معاني الفراء" 1/ 354.
(١٠) "تفسير مجاهد" 1/ 223، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 33، وابن أبي حاتم 4/ 1387 بسند جيد، وهو قول النحاس في "معانيه" 2/ 489.
(١١) "معاني الزجاج" 2/ 291.
(١٢) هذا قول الطبري في "تفسيره" 8/ 33.
(١٣) كذا جاء في النسخ، وفي "تفسير الثعلبي" 184 أ، والبغوي 3/ 188: (قال الكلبي): والظاهر أن المراد بقوله: (قال) مقاتل؛ لأن النص في "تفسيره" 1/ 589 أو الفراء؛ لأنه في "معانيه" 1/ 354، ولأن الواحدي ذكر الرواية عن الكلبي فيما بعد.
(١٤) في (أ): (فقال).
(١٥) (ش): (على).
(١٦) في (أ): (فهذا الستمتاع)، وهو تحريف.
(١٧) لفظ: (الجن)، غير واضح في (ش).
(١٨) في (أ): (وذلك الجن).
(١٩) ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 168، والرازي 13/ 191، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1387، بسند جيد عن الحسن، قال: (ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت، وعملت الإنس) اهـ.
وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 85.
(٢٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 33، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 85.
(٢١) "تنوير المقباس" 2/ 60، وذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 559، والثعلبي في "الكشف" 184 أ، والبغوي في "تفسيره" 3/ 188، والخازن 2/ 183.
(٢٢) ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 191، عن الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج.
(٢٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 119، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 123، وأبو حيان في "البحر" 4/ 220.
(٢٤) في (ش): (الأنسي).
(٢٥) "معاني الزجاج" 2/ 291، وهو اختيار النحاس أيضًا في "معانيه" 2/ 490، و"إعراب القرآن" 2/ 580، والظاهر أن الآية عامة، وأن ما ذكر من باب التمثيل، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في "الفتاوى" 13/ 80 - 89، قال في تفسير الآية: (الاستمتاع بالشيء هو أن يتمتع به فينال به ما يطلبه ويريده ويهواه، ويدخل في ذلك استمتاع الرجال بالنساء، والذكور بالذكور، والإناث بالإناث، والاستمتاع بالاستخدام وأئمة الرياسة كما يتمتع الملوك والسادة بجنودهم وممالكيهم والاستمتاع بالأموال، وفي الجملة استمتاع الإنس بالجن والجن بالإنس يشبه استمتاع الإنس بالإنس، واتباع الهوى هو استمتاع من صاحبه بما يهواه، وقد وقع في الإنس والجن هذا كله) اهـ.
ملخصًا.
وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 220: (وجوه الاستمتاع كثيرة تدخل هذه الأقوال كلها تحتها، فينبغي أن يعتقد في هذه الأقوال أنها تمثيل في الاستمتاع لا حصر في واحد منها) اهـ.
(٢٦) ذكره الماوردي 2/ 168، وابن الجوزي 3/ 124، عن الحسن والسدي.
(٢٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 34 بسند جيد.
(٢٨) قال أبو حيان في "البحر" 4/ 220: (هذا قول الجمهور وابن عباس والسدي وغيرهما).
اهـ.
وهو قول الطبري في "تفسيره" 8/ 34، والسمرقندي 1/ 513.
(٢٩) ذكر هذا القول الماوردي في "تفسيره" (2/ 168، وابن الجوزي 3/ 124، وهو قول البغوي في "تفسيره" 3/ 188، والزمخشري 2/ 50.
وقال ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 182 - 183 في الآية: (هذا يتناول أجل الموت وأجل البعث، فكلاهما أجل الله تعالى لعباده، وكأن هذا -والله أعلم- إشارة منهم إلى نوع استعطاف وتوبة، فكأنهم يقولون: هذا أمر كان إلى وقت == وانقطع بانقطاع أجله، فلم يستمر ولم يدم، فبلغ الأمر الذي كان أجله، وانتهى إلى غايته، ولكل شيء آخر، فقال تعالى: ﴿ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ فإنه وإن انقطع زمن التمتع وانقضى أجله فقد بقي زمن العقوبة، فلا يتوهم أنه إذا انقضى زمن الكفر والشرك وتمتع بعضكم ببعض أن مفسدته زالت وانتهت بانتهائه، والمقصود أن الشيطان تلاعب بالمشركين حتى عبدوه واتخذوه وذريته أولياء من دون الله) اهـ.
ملخصًا.
(٣٠) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 119، وفي "تنوير المقباس" 2/ 60 نحوه.
(٣١) "معاني الزجاج" 2/ 291، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 2/ 490، و"إعراب القرآن" 1/ 580.
(٣٢) في (أ): (تقيموا)، وهو تصحيف.
(٣٣) "الشاهد" لحميد بن ثور الهلالي في "الكتاب" 1/ 234 - 235، وبلا نسبة في: "الكامل" للمبرد 1/ 201، و"المقتضب" 2/ 120، و"الخصائص" 2/ 208، و"المحتسب" 2/ 266، و"أمالى" ابن الحاجب 2/ 80، و"اللسان" 5/ 3072 == (علق)، و"الدر المصون" 5/ 150، والعلقة، بكسر العين: قميص بلا كمين، أو الثوب الصغير.
انظر: "اللسان" 5/ 3073 (علق).
والشاهد في البيت: نصب مغار على الظرفية، وهو في الأصل مصدر ميمي.
(٣٤) في (ش): (وهذا أيضًا على حذف المضاف).
(٣٥) انظر: "الكتاب" 1/ 222، و"المقتضب" 4/ 343.
(٣٦) حدا: بالفتح تبع يقال: ما حدا الليل النهار، أي: ما تبعه.
انظر: "المستقصى" للزمخشري 2/ 247، و"اللسان" 2/ 794 (حدا).
(٣٧) الجِرَّة: -بكسر الجيم وفتح الراء المشددة-: ما يخرجه البعير من بطنه للجنزار، والدِّرَّة: بكسر الدال المشددة وفتح الراء المشددة، كثرة اللبن وسيلانه، وهما مختلفان: الدرة تسفل إلى الرجلين، والجرة تعلو إلى الرأس.
انظر: "مجمع الأمثال" 3/ 187، و"المستقصي" 2/ 245، و"اللسان" 1/ 594 (جرر) و3/ 1356 (درر).
(٣٨) انظر: "حروف المعاني" ص 53، و"معاني الحروف" للرماني ص 86، == و"الصاحبي" ص 269، و"رصف المباني" ص 277، و"المغني" لابن هشام 1/ 302.
(٣٩) "الإغفال" ص 706 - 709، وعليه يكون (خالدين) منصوب على أنه حال مقدرة والعامل فيها (مثواكم)؛ لأنه اسم مصدر من الثواء، وهو الإقامة.
انظر: "غرائب التفسير" 1/ 385، و"البيان" 1/ 339، و"التبيان" 358، و"الفريد" 2/ 228، و "الدر المصون" 5/ 149.
(٤٠) سبق تخريجه.
(٤١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 119، والبغوي 3/ 189، والرازي 13/ 192، وأخرج الطبري 8/ 34، وابن أبي حاتم 4/ 1388 بسند جيد عنه، قال: (إن هذه الآية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا نارًا)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 85، وقال الخازن 2/ 183: (نقل جمهور المفسرين عن ابن عباس أن هذا الاستثاء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون ويصدقون النبي فيخرجون من النار، قالوا: و (ما) تكون بمعنى من على هذا التأويل.
اهـ.
(٤٢) أي: التي للعقلاء، وساغ وقوعها هنا؛ لأن المراد بالمستثنى نوع وصنف، وما تقع على أنواع من يعقل، أفاده السمين في "الدر" 5/ 151.
(٤٣) في (أ): (في).
(٤٤) "معاني الزجاج" 2/ 291 - 292، وفيه: (ويجوز أن يكون إلا ما شاء ربك مما == يزيدهم من العذاب).
اهـ.
وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 34، و"معاني النحاس" 2/ 490، و"إعراب النحاس" ص 575، و"تفسير السمرقندي" 1/ 513، و"المشكل" 1/ 270، و"البيان" 2/ 340، و"التبيان" 358، و"الفريد" 2/ 228، و"الدر المصون" 5/ 150 - 153، ودفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ص 122 - 128.
(٤٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 120، والبغوي في "تفسيره" 3/ 189 بدون نسبة.
(٤٦) لم أقف على من ذكره فيما لدي من مراجع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ ﴾ العامل في يوم محذوف تقديره اذكر، وتقديره: قلنا، ويكون على هذا عاملاً في يوم وفي ﴿ يامعشر الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس ﴾ اي أضللتم منهم كثيراً، وجعلتموهم أتباعكم كما تقول: استكثر الأمير من الجيش ﴿ استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾ استمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم واستمتاع الإنس بالجن كقوله: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن ﴾ [الجن: 6]، فإن الرجل كان إذا نزل وادياً قال: أعوذ بصاحب هذا الوادي يعني كبير الجن ﴿ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ﴾ هو الموت وقيل: الحشر ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ الله ﴾ قيل: الاستثناء من الكاف والميم في مثواكم فما بمعنى من، لأنها وقعت على صنف من الجن والإنس والمستثنى على هذا: من آمن منهم، وقيل: الاستثناء من مدّة الخلود، وهو الزمان الذي بين حشرهم إلى دخول النار، وقيل: الاستثناء من النار، وهو دخولهم الزمهرير، وقيل: ليس المراد هنا بالاستثناء الإخراج، وإنما هو على وجه الأدب مع الله، وإسناد الأمور إليه ﴿ نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين ﴾ أي نجعل بعضهم ولياً لبعض، وقيل: يتبع بعضهم بعضاً في دخول النار، وقيل: نسلط بعضهم على بعض.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ رسالته ﴾ بالنصب والتوحيد: ابن كثير وحفص والمفضل.
الباقون: ﴿ رسالاته ﴾ على الجمع وبالكسر في موضع النصب ﴿ ضيقا ﴾ وبابه بالتخفيف: ابن كثير ﴿ حرجاً ﴾ بكسر الراء: أبو جعفر ونافع وسهل وأبو بكر وحماد.
الباقون: بالفتح ﴿ يصعد ﴾ من الصعود: ابن كثير ﴿ يصاعد ﴾ من التصاعد بإدغام التاء في الصاد: أبو بكر وحماد.
الباقون: ﴿ يصعد ﴾ بالإدغام من التصعيد.
﴿ يحشرهم ﴾ بياء الغيبة: حفص.
الآخرون بالنون.
الوقوف: ﴿ بخارج منها ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ رسل الله ﴾ ط ﴿ رسالاته ﴾ ط ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ للإسلام ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف.
﴿ في السماء ﴾ ج ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مستقيماً ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ج للحذف أي يحشرهم ويقول لهم مع اتحاد المقصود ﴿ من الإنس ﴾ الأول ج لتبدل القائل مع اتفاق الجملتين ﴿ أجلت لنا ﴾ ط قال النار يغلظ الصوت على النار إشارة إلى أن النار مبتدأ بعد القول وليست فاعله ﴿ يشاء الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يومكم هذا ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه.
التفسير: إنه بعد أن ذكر أن المشركين يجادلون المؤمنين ضرب مثلاً للفريقين فبيّن أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتاً فجعله الله حياً وأعطاه نوراً يهتدي به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في الظلمات منغمس فيها لا خلاص له منها فيكون متحيراً على الدوام، وهل هما خاصان أو عامان فيه قولان: الأول قال ابن عباس: يريد حمزة بن عبد المطلب وأبا جهل؛ وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وآله بفرث وحمزة ولم يؤمن بعد، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه ويقول: يا أبا يعلي أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا؟
فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله فنزلت الآية.
وعن مقاتل: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وأبي جهل؛ وذلك أنه قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه.
والله لا نؤمن به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت، وعن عكرمة أنها في عمار بن ياسر وأبي جهل، وعن الضحاك هي في عمر بن الخطاب وأبي جهل.
والقول الثاني أنها عامة في كل مؤمن وكافر لحصول المعنى في الكل.
وإنما جعل الكفر موتاً لأنه جهل والجهل يوجب الحيرة والوقفة فهو كالموت الذي يوجب السكون.
وأيضاً الميت لا يهتدي إلى شيء وكذلك الجاهل، والهدى علم وبصيرة وهما يوجبان الفوز بالمطالب كالحياة والنور، قال بعض العلماء: قوله: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ إشارة إلى أول مراتب النفس الإنسانية وهي الاستعداد المحض المسماة بالعقل الهيولاني عند الحكيم.
وقوله: ﴿ فأحييناه ﴾ إشارة إلى ثانية مراتبها المسماة بالعقل بالملكة وهي أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية.
وقوله ﴿ وجعلنا له نوراً ﴾ إشارة إلى ثالثة المراتب وهي التي قد حصلت لها المعقولات المكتسبة ولكنها لا تكون حاضرة بالفعل بل تكون بحيث متى شاء صاحبها استرجاعها واستحضارها قدر عليه ولهذا يسمى عقلاً بالفعل أي الفعل القريب، وقوله: ﴿ يمشي به في الناس ﴾ إشارة إلى رابعة المراتب وهي النهاية المسماة بالعقل المستفاد، وقد حصلت المعارف القدسية والجلايا الروحانية للنفس حاضرة بالفعل وصار جوهر الروح مشرقاً بتلك المعارف مستضيئاً بها.ويمكن أن يقال: الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح، والنور عبارة عن اتصال نور الوحي والتنزيل فإنه لا بد في الإبصار من أمرين: سلامة الحاسة والنور الخارجي من الشمس والسراج، فكذلك البصيرة لا بد لها في الإدراك من سلامة حاسة العقل ومن طلوع نور الوحي فلهذا قال جمع من المفسرين: المراد بهذا النور القرآن، ومنهم من قال: نور الدين أو نور الحكمة.
والأقوال متقاربة، وأما مثل الكافر فهو ﴿ كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ﴾ وفيه أن ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت كالصفة اللازمة له لا تكاد تزول عنه فيبقى متحيراً خائفاً فزعاً نعوذ بالله من هذه الحالة.
ومعنى المثل ههنا الصفة الغريبة أي كمن صفته هذه والمراد كمن هو في الظلمات.
ثم قال: ﴿ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ﴾ والمزين هو الله بالتحقيق عند الأشاعرة.
والشيطان بالحقيقة أو الله مجازاً عند المعتزلة، والإضافة إلى الله بالحقيقة أو المجاز أولى بدليل قوله: ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها كذلك جعلنا، أو وكما زينا للكافرين أعمالهم كذلك جعلنا ﴿ في كل قرية أكابر ﴾ وهي جمع الأكبر و ﴿ مجرميها ﴾ مضاف إليه والظرف مفعول ثانٍ قدم ليعود الضمير إلى القرية.
وقيل: التقدير جعلنا مجرميها أكابر.
قال الزجاج: إنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم، ولأن كثرة المال وقوّة الجاه تحمل الناس على المبالغة في حفظهما وذلك لا يتم إلا باستعمال بعض الأخلاق الذميمة من المكر والغدر والكذب والغيبة والنميمة والشح والأيمان الكاذبة وكفى بهذه الأمور دليلاً على خساسة المال والجاه.
واللام في ﴿ ليمكروا ﴾ على أصله عند الأشاعرة، واستدلوا به على أن الشر بإرادة الله .
وحمله المعتزلة على لام العاقبة مجازاً حملوا الجعل في قوله: ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ على التخلية والخذلان.
ثم قال في معرض التهديد ﴿ وما يمكرون إلا بأنفسهم ﴾ لأن وباله يعود عليهم ﴿ وما يشعرون ﴾ وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتقديم موعد بالنصرة، ثم إنه حكى قول أبي جهل وأضرابه "زاحمنا بني عبد مناف في الشرف إلى آخره" وقول الوليد بن المغيرة "لو كانت النبوّة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً" فقال: ﴿ وإذا جاءتهم آية ﴾ أي معجزة قاهرة أو وحي.
﴿ قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ﴾ قال الضحاك: أراد كل واحد منهم ذلك كما في الآية الأخرى.
﴿ بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة ﴾ ويشبه أن يكون هذا الكلام الخبيث هو المراد بالمكر المذكور في الآية المتقدمة، وللمفسرين في مقترحهم قولان: أحدهما - وهو الأشهر - أنهم أرادوا أن تحصل لهم النبوُّة والرسالة كما حصلت للنبي وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ومخدومين لا خادمين.
وثانيهما عن ابن عباس والحسن أن المعنى وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وآله ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى قوله: ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه ﴾ من الله إلى أبي جهل وفلان وفلان فالقوم ما طلبوا النبوّة وإنما طلبوا آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين تدل على صحة نبوّة محمد .
فقوله في جوابهم على سبيل الاستئناف ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ على القول الأول ظاهر، وأما على القول الثاني فوجهه أن القوم إذا اقترحوا تلك الآيات فلو أظهر الله تلك المعجزات على وفق التماسهم لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة.
قال بعض العقلاء: الأرواح متساوية في تمام الماهية فحصول النبوّة والرسالة لبعضها دون بعض تشريف من الله وإحسان وتفضل.
وقال آخرون: بل النفوس مختلفة بجواهرها وماهياتها فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة، وبعضها خبيثة كدرة محبة للجسمانيات، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول لم تصلح لقبول الوحي والرسالة.
ومراتب الرسل مختلفة فمنهم ذو معجزة واحدة وذو معجزتين أو أكثر، ومنهم من له تبع قليل ومنهم من آمن به جم غفير، ومنهم من كان الرفق غالباً عليه ومنهم من كان مدار أمره على التغليظ والتشديد.
وفي الآية تعريض بأن حصول النبوّة والرسالة لا بد فيه من قلب سليم، والمقترحون فيهم من المكر والحسد ما فيهم فكيف يعقل حصول الرسالة لهم وإنما يحصل لهم ما يناسب أخلاقهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى: ﴿ سيصيب الذين أجرموا صغار ﴾ ذل وهوان ﴿ عند الله ﴾ أي في الآخرة أو في الدنيا بحكم الله وإيجابه من الأسر والقتل.
أو المراد من عند الله فحذف "من".
أو قوله: ﴿ عند الله ﴾ مستأنف أي معدّ لهم ذلك، واعلم أن كمال العقاب لا بد فيه من أمرين: الضرر، والإهانة.
ثم إن القوم لما تردوا عن طاعة محمد صلى الله عليه وآله طلباً للعز والكرامة فالله بيّن أنه يقابلهم بضد مقصودهم، فأول ما يوصل إليهم الذل والهوان وبعده عذاب شديد جميع ذلك بسبب مكرهم ونكرهم ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ﴾ يقال: شرح فلان أمره، إذا أظهره وأوضحه ومنه شرح المسأله إذا بينها.
وقال الليث: شرح الله صدره فانشرح أي وسعه لقبول ذلك الأثر.
ولا شك أن توسيع الصدر غير ممكن على سبيل الحقيقة ولكن ههنا معنى وهو أنه إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح مال طبعه إلي وقوي طلبه ورغبته في حصوله وظهر في القلب استعداد شديد لتحصيله فسميت هذه الحالة سعة الصدر، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن يكون ذلك العمل مشتملاً على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى تركه وحصل في النفس نبوّة عن قبوله فيقال لهذه الحال ضيق الصدر، لأن المكان إذا كان ضيقاً لم يتمكن الداخل من الدخول فيه، وإذا كان واسعاً قدر على الدخول فيه.
وأكثر استعمال شرح الصدر في جانب الحق والإسلام وقد ورد في الكفر أيضاً قال : ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ قال المفسرون: "لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله فقيل له: كيف يشرح الله صدره؟
فقال صلى الله عليه وآله: يقذف الله فيه نوراً حتى ينفسخ وينشرح، فقيل له: وهل لذلك من أمارة يعرف بها؟
فقال : الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله " وهذا البيان مناسب لما ذكرنا فإن الإنابة إلى دار الخلود لا بد أن تترتب على اعتقاد أن عمل الآخرة زائد النفع والخير، والتجافي عن دار الغرور إنما ينبعث عن اعتقاد كون عمل الدنيا زائد الضر والضير، والاستعداد للموت قبل نزوله نتيجة مجموع الأمرين الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة.
أما قوله: ﴿ حرجاً ﴾ فمن قرأ بكسر الراء فعلى النعت، ومن قرأ بالفتح فعلى الوصف بالمصدر للمبالغة.
قال الزجاج: الحرج في اللغة أضيق الضيق.
وقيل: الحرج بالفتح جمع حرجة وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية.
حكى الواحدي بإسناده عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وقال: هل ههنا أحد من بني بكر؟
قال رجل: نعم.
قال: ما الحرجة فيكم؟
قال: الوادي الكثير الأشجار المشتبك الذي لا طريق فيه.
فقال: كذلك قلب الكافر.
ومعنى: ﴿ يصعد في السماء ﴾ كأنما يزاول أمراً غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد عن الاستطاعة فكأن الكافر في نفوره من الإسلام وثقله عليه بمنزلة من يتكلف الصعود إلى السماء.
وقيل: المراد أن قلبه يتباعد عن الإسلام وقبوله تباعد ما بين الأرض والسماء.
﴿ كذلك يجعل ﴾ أي كما جعل ضيق الصدر في قلوبهم كذلك يجعل الرجس عليهم.
وقال الزجاج: أي مثل ما قصصنا عليك يجعل الله الرجس.
عن ابن عباس هو الشيطان يسلطه الله عليهم.
وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه.
وعن عطاء: الرجس هو العذاب.
وقال الزجاج: هو اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الهداية والضلال من الله ؛ بيانه أن العبد قادرعلى الإيمان وعلى الكفر وقدرته بالنسبة إلى الأمرين سواء ولا يترجح إلا لداعية، ولا معنى للداعية إلى علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملاً على مصلحة زائدة، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل، ولا بد أن تنتهي تلك الداعية إلى تخليق الله وتكوينه دفعاً للتسلسل فإذا خلق الله في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة - وهو المراد بشرح الصدر - مال القلب إليه، وإذا خلق في قلبه اعتقاد أن الإيمان بمحمد سبب للمفسدة الدينية والدنيوية نبا طبعه عنه وبقي على الكفر.
فحاصل الآية أن من أراد الله منه الإيمان قوى دواعيه إليه، ومن أراد منه الكفر قوى صوارفه عن الإيمان.
وقالت المعتزلة: إنه لا دلالة في الآية على قولكم لأنه ليس فيها أكثر من أنه إذا أراد أن يهدي إنساناً أو يضله فعل به كيت وكيت، وليس فيها أنه أراد ذلك أو لم يرده نظيره قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا ﴾ فبيّن أنه كيف يفعل اللهو لو أراده، ثمّ إنه لم يرد ذلك بالاتفاق وأيضاً لم قلتم إنه أراد ومن يرد أن يضله عن الإيمان بل المراد من يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة يشرح صدره للإسلام حتى يثبت عليه، وتفسير الشرح هو أنه يفعل به ألطافاً تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه.
ومن يرد أن يضله عن طريق الجنة فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج لا في كل الأوقات بل في بعضها كيلا يمكن دفعه وخصوصاً عند ظهور نصرة المؤمنين وبدوّ الذل والصغار في الكافرين.
وأيضاً لم لا يجوز أن يقال: المعنى فمن يرد الله أن يهديه إلى الجنة يشرح صدره للإسلام في ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة لما رأى من فوائد الإيمان ونتائجه من الدرجات العالية والمراتب الشريفة فتزداد رغبته فيه، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق الجنة ففي ذلك الوقت يضيق صدره للحزن الشديد الذي ناله عند الحرمان من الجنّة والدخول في النار؟
وقال في الكشاف: ﴿ فمن يرد الله أن يهديه ﴾ أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف ﴿ يشرح صدره ﴾ للإسلام يلطف به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ أي يخذله ويخليه وشأنه وهو الذي لا لطف له ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ يمنعه ألطافه حتى يقسو قلبه وينبو عن قبول الحق وينسد فلا يدخله الإيمان.
وأجيب عن قولهم "ليس في الآية أنه أراد ذلك أو لم يرده" بأن قوله في آخر الآية: ﴿ كذلك يجعل الله الرجس ﴾ تصريح بأنه فعل به ذلك الإضلال لأن الكاف للتشبيه والتقدير: كما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره كذلك يجعل.
وفيه أيضاً دلالة على أن المراد من قوله: ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ هو أنه يضله عن الدين، وتفسير الضيق والحرج باستيلاء الغم والحزن على قلب الكافر بعيد لأن أكثر من يعتريه الحزن في الدنيا هو المؤمن ولهذا قال صلى الله عليه وعلى آله: "خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل" ولو خص ذلك بالآخرة كان من إيضاح الواضحات.
فمن المعلوم لكل أحد أن من يضله الله عن طريق الجنة فإنه يضيق قلبه في ذلك الوقت.
والجواب على قول صاحب الكشاف مما مر من أن فعل الإيمان يتوقف على أن تحصل في القلب داعية جازمة إلى الإيمان، وفاعل تلك الداعية هو الله وكذا القول في جانب الكفر، فإن سمى الداعيتين أحد باللطف والخذلان فلا مشاحة في الأسامي.
قال القاضي في تفسيره: روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: تذاكرنا أمر القدرية عند ابن عمر فقال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ وقد جمع الناس بحيث يسمع الكل أين خصماء الله؟
فتقوم القدرية.
قال: ولا يخفى أنهم الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله قضاءً وقدراً وخلقاً لأنهم يقولون الذنب لله فأي ذنب لنا حتى تعاقبنا أنت الذي خلقته فينا وأردته منا وقضيته علينا ولم تخلقنا إلا له ولا يسرت لنا غيره، فهؤلاء لا بد أن يكونوا خصماء الله.
أما الذين قالوا إن الله مكن وأزاح العلة وإنما أتى العبد من قبل نفسه فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة، فهؤلاء منقادون لله لا خصماؤه.
هذا كلام القاضي وتعجب منه الأشاعرة فقالوا: كيف يكون خصم الله من يقول ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه وإن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب وليس للعبد على ربه اعتراض ولا مناظرة وكل ما يصل منه إلى عباده حتى الملائكة والأنبياء فهو تفضل منه وإحسان، لكن الخصم من يدعي عليه وجوب الثواب والعوض ويقول لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولاً عن الربوبية وكنت من السفهاء وأن من واظب على الكفر سبعين سنة ثم إنه في آخر زمن حياته قال لا إله إلا الله محمد رسول الله عن القلب ثم مات، فإن رب العالمين أعطاه النعم الفائقة سنين غير محصورة، ثم إنه لو ترك لحظة واحدة قال العبد له إنك معزول عن الإلهية، يحكى أن الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله، عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن أبا علي عقد مجلس التذكير وحضر عنده جم غفير، فذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس مختفياً عن الجبائي وقال لبعض من حضر هناك من العجائز: إني أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ.
قولي له كان لي ثلاثة من البنين واحد في غاية الزهد، وآخر في غاية الفسق، الثالث كان صبياً لم يبلغ فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم.
فقال الجبائي: أما الزاهد ففي درجات الجنة، وأما الكافر ففي دركات النار، وأما الصبي فمن أهل السلامة.
فقال: قولي له إن الصبي لوأراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه الزاهد فهل يمكن منه؟
قال الجبائي: لا لأن الله يقول له إنما أخوك وصل إلى تلك الدرجات لأنه أتعب نفسه في العلم والعمل وأنت فليس معك ذلك.
فقال أبو الحسن: قولي له لو أن الصبي يقول: يا رب العالمين ليس الذنب لي لأنك أمتني قبل بلوغي، ولو أبلغتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد، فقال الجبائي: يقول الله له علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوجب النار فراعيت مصلحتك.
فقال لها أبو الحسن.
قولي له لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار وقال: يا رب العالمين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم الراحمين، لم راعيت حال الأخ الصغير وما راعيت حالي ومصلحتي؟
قال الراوي: فانقطع الجبائي فنظر فرأى أبا الحسن فعلم أن المسألة منه لا من العجوز.
ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار وأكثر مجيباً عن الجبائي قائلاً: نحن لا نرضى بهذا الجواب وإنما نقول: الجواب مبني على مسألة اختلف شيوخنا فيها، وهي أنه هل يجب على الله أن يكلف العبد أم لا؟
فقال البصريون: إنه غير واجب ولكنه تفضل وإحسان.
وقال البغداديون: إنه واجب وعلى الأول لله أن يقول لذلك الصبي إني طولت عمر الأخ الزاهد وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلاً على أحد بشيء أن أتفضل على غيره بمثله، وعلى قول البغداديين فله أن يقول: إن إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف في حقه لم يستلزم مفسدة الغير فلا جرم فعلته، أما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك فكان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك فلهذا ما فعلته وظهر الفرق.
وأورد على القسم الأول أنه لما أوصل التفضل إلى أحدهما فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح منه عقلاً لأنه ليس فعلاً شاقاً عليه ولا ينقص بذلك شيء من ملكه، والصبي محتاج إلى الإحسان إليه ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد كمن منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجواد لعامة الناس.
فإن كان حكم العقل في التحسين والتقبيح مقبولاً فليكن ههنا أيضاً مقبولاً وإلا فلا يقبل في شيء من الصور وتبطل كلية مذهبكم.
وأورد على الشق الثاني أن قولنا: "تكليفه يتضمن مفسدة" ليس معناه أن ذات التكليف تتضمن المفسدة وإلا لم ينفك تكليف عن المفسدة وأنه باطل بالاتفاق، فمعناه إذاً أنه علم أنه إذا كلف هذا الشخص فإن إنساناً آخر يختار من قبل نفسه فعلاً قبيحاً، فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله تكليفه وجب أن يقبح تكليف كل من علم الله من حاله أنه يكفر وإلا لزم محض التحكم.
هذا تمام مناظرة الفريقين، ولعلك قد عرفت التحقيق هنا فيما سلف فتذكر.
ثم قال: ﴿ وهذا صراط ربك ﴾ في المشار إليه وجوه منها: أنه المذكور في الآية المتقدمة.
أما على مذهب الأشاعرة وهو أن الفعل يتوقف على الداعي وحصول تلك الداعية من الله فيكون الفعل من الله، ويلزم استناد الكل إلى قضائه وقدره.
وأما على مذهب المعتزلة فالمراد هذا الذي قررنا طريقته التي اقتضتها الحكمة وعادته الجارية في عباده من التوفيق والخذلان.
ومعنى ﴿ مستقيماً ﴾ عادلاً مطرداً.
وانتصابه على الحال المؤكدة والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل.
أو هو محذوف أي أحقه.
وعن ابن عباس: يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك.
وقال ابن مسعود: يعني القرآن: ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ ذكرناها فصلاً فصلاً بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر.
قال في التفسير الكبير: قد بيّن الله تعالى صحة القول بالقضاء والقدر في آيات من هذه السورة متوالية متعاقبة بطرق كثيرة ووجوه مختلفة.
وختم الآية بقوله: ﴿ لقوم يذكرون ﴾ لأنه تقرر في عقل كل واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجح عن الآخر إلا لمرجح فكأنه يقول للمعتزلي: تذكر ما تقرر في عقلك أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا لمرجح حتى تزول الشبهة عن قلبك فإن حصول الفعل عن القادر لو لم يتوقف على الداعي مع تساوي طرفيه وجب أن يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات والمحدثات وحينئذٍ يلزم نفس الصانع وإبطال القول والفعل والفاعل والتأثير والمؤثر.
ثم لما بيّن عظمة نعمته في الصراط المستقيم بيّن ما أعد وهيىء للمتذكرين فقال: ﴿ لهم دار السلام ﴾ أي دار الله يعني الجنة، والإضافة للتشريف والتعظيم كما قيل: الكعبة بيت الله: أو دار السلامة من كل آفة وكرب والسلام والسلامة مثل: الضلال والضلالة والرضاع والرضاعة كلاهما مصدر.
وقيل: السلام جمع السلامة لأن أنواع السلامة حاصلة في الجنة.
ومعنى ﴿ عند ربهم ﴾ أنها معدة عنده وفي ضمانه كما يقال لفلان عندي حق لا ينسى وذلك نهاية في بيان وصولهم إليها وكونهم على ثقة من حصولها ﴿ وهو وليهم ﴾ أي قريب منهم بالرحمة والرضوان أو مواليهم ومحبهم أو ناصرهم على أعدائهم، وذلك أن القوم قد عرفوا أن المدبر والمقدر ليس إلا هو ، وأن النافع والضار ليس إلا هو ، فانقطعوا عن كل ما سواه فما كان رجوعهم إلا إليه، وما كان توكلهم إلا عليه، ولم يكن أنسهم إلا به، فلما صاروا بالكلية له لا جرم قال : ﴿ وهو وليهم ﴾ على أنه متكفل لجميع مصالحهم ديناً ودنيا.
ثم قال: ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ أي بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون لئلا يقطعوا العمل ولا يتكلوا، وذلك أن بين النفس والبدن تعلقاً شديداً وكما أن الهيآت النفسانية قد تؤثر في البدن كحمرة الخجل وصفرة الوجل فالهيآت البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس، فإذا واظب الإنسان على أعمال الخير ظهرت الآثار المناسبة لها في جوهر النفس فلا بد للسالك من العمل بعد كمال العلم والمعرفة.
ثم لما بين حال من تمسك بالصراط المستقيم أردفها بذكر من تعلق بضده فقال: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ والمراد واذكر يوم كذا، أو يوم نحشرهم قلنا، أو متعلقة محذوف والتقدير: ويوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن كان ما لا يوصف لفظاعته، والضمير إما أن يعود إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله: ﴿ شياطين الإنس والجن ﴾ أو يعود إلى جميع المكلفين الذين علموا أن الله يبعثهم من الثقلين وغيرهم، ويكون القائل على تقدير حذف القول هو الله كما أنه الحاشر لجميعهم.
وهذا القول منه بعد الحشر لا يكون إلا للتبكيت وإنهم وإن تمردوا في الدنيا انتهى حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد والاعتراف.
وقال الزجاج: التقدير فيقال لهم: ﴿ يا معشر الجن ﴾ لأنه يبعد أن يتكلم الله بنفسه مع الكفار لقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله ﴾ ﴿ قد استكثرتم من الإنس ﴾ لا بد فيه من إضمار لأن الجن أي الشياطين لا يقدرون على الاستكثار من نفس الإنس، فالمراد قد استكثرتم من إضلال الإنس واستتباعهم فحشر معكم منهم الجم الغفير كما يقال: استكثر الأمير من الجنود.
أما قوله: ﴿ وقال أولياؤهم من الإنس ﴾ فالأقرب عند بعضهم أن فيه حذفاً فكما قال للجن تبكيتاً ناسب أن يقول للإنس أيضاً مثل ذلك توبيخاً لأنه حصل من الجن الدعاء ومن الإنس القبول.
ولما بكت الله كلا الفريقين حكى جواب الإنس وهو قوله: ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن وعلى هذا ففي الاستمتاع وجهان: أحدهما أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض منفرداً وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.
فيبيت آمناً في نفسه.
فهذا استمتاع الإنس بالجن، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني كان ذلك تعظيماً منهم للجن؛ وذلك الجني يقول: قد سدت الجن والإنس لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه.
وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج ويعضده قوله : ﴿ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ﴾ وثاني الوجهين أن الإنس كانوا ينقادون للجن ويطيعون حكمهم فصار الجن كالرؤساء والإنس كالأتباع فانتفعوا بالإنس انتفاع الرئيس بالخادم، وأما انتفاع الإنس بالجن فهو أن دلوهم على الشهوات واللذات إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي أيقنوا أنه يسوء عاقبتهم وهذا اختيار الزجاج.
والقول الثاني أن البعضين كليهما من الإنس لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر ﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ أي ذلك الاستمتاع كان حاصلاً إلى وقت محدود ثم جاءت الحسرة والندامة من حيث لا ينفع.
وما ذلك الإجل؟
قيل: هو وقت الموت وعلى هذا فكل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله لأنهم أقروا بأنهم بلغوا أجلهم وفيهم المقتول وغير المقتول.
وقيل: هو وقت التخلية والتمكين وقيل: وقت المحاسبة في القيامة ﴿ قال ﴾ الله في جوابهم ﴿ النار مثواكم ﴾ مقامكم ومقرّكم من ثوى بالمكان يثوي ثوياً إذا أقام به.
قال أبو علي الفارسي: المثوى اسم للمصدر دون المكان لأن قوله : ﴿ خالدين فيها ﴾ حال واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل فالمعنى النار أهل أن يقيموا فيها خالدين.
﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قيل: المراد منه أوقات المحاسبة ووقت كونهم في المحشر كأنه قيل: خالدين فيها منذ يبعثون إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم.
وقال ابن عباس: استثنى الله قوماً سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وآله.
وعلى هذا يلزم أن يكون "ما" بمعنى "من" وفيه خلل آخر وهو أن الاستثناء إنما هو من يوم القيامة الذي يحشرون فيه، وقيل: المراد الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير.
روي أنهم يدخلون وادياً فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد الشديد إلى حر الجحيم.
وقال في الكشاف: أو يكون هذا من قول الموتور الذي ظفر بواتره ولم يزل يحرق عليه أنيابه وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه أهلكني الله، إن نفست عنك إلا إذا شئت، فيكون قوله: "إلا إذا شئت" من أشد الوعيد مع تهكم لأن إطماع محض ويأس كلي.
وقال أبو مسلم: هذا الاستثناء غير راجع إلى الخلود وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم كأنهم قالوا: وبلغنا أجلنا الذي سميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى يعني الآجال الاخترامية ﴿ إن ربك حكيم ﴾ فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة.
﴿ عليم ﴾ بما يستأهله كل طائفة فكأنه يقول: إنما حكمت لهؤلاء بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون ذلك.
ثم لما حكى عن الجن أن بعضهم يتولى بعضاً بين أن ذلك إنما حصل بتقديره وقضائه فقال: ﴿ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً ﴾ وذلك أن القدرة صالحة للعداوة والصداقة فترجيح أحد الجانبين لا يكون إلا بداعية خلقها الله قطعاً للتسلسل، وأيضاً لما بين أنه ولي أهل الجنة بقوله: ﴿ هو وليهم ﴾ ذكر أن أولياء أهل النار من يشبههم في الظلم والخزي والنكال وأشار إليه بقوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ أي بسبب كون ذلك البعض مكتسباً للظلم وهذه في مناسبة في غاية اللطف لأن الجنسية علة الضم فالطيبات للطيبين والخبيثات للخبيثين.
وفي الآية دلالة على أن الرعية متى كانوا ظلمة فإن الله يسلط عليهم ظالماً مثلهم، فإن أرادوا الخلاص منه فليتركوا الظلم وعن مالك بن دينار قال: جاء في بعض الكتب السموية "أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليهم رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليهم نقمة، لا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك لكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم".
ثم بيّن أن كفار الثقلين لا يكون لهم إلى الجحود يوم القيامة سبيل وأنهم لا يعذبون إلا بالحجة فقال: ﴿ يا معشر الجن والإنس ﴾ قال أهل اللغة: المعشر كل جماعة مختلطة يجمعهم أمير واحد ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ استفهام على سبيل التقدير فلا جرم استدل الضحاك بالآية ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ﴾ على أن من الجن رسلاً كالإنس، ولأن استئناس الجنس بالجنس أكمل ولهذا قال : ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ والأكثرون على أنه ما كان من الجن رسول ألبتة إنما كانت الرسل من بني آدم وزعموا أن ذلك مجمع عليه.
ورد بأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف؟
واستدل بعضهم على المطلوب بقوله : ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ﴾ والمراد بالاصطفاء ههنا النبوّة بالإجماع.
وأجيب عن قول الضحاك بأن الآية تقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضاً من أبعاض هذا المجموع فكان هذا القدر كافياً في حمل اللفظ على ظاهره فلا يلزم إثبات رسول من الجن.
وأيضاً لا يبعد أن يقال: إن الرسل كانوا من الإنس، ثم كان من الجن نفر يستمعون من رسول الإنس وينذرون قومهم بذلك قال: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ الآية.
وقد يسمى رسول الرسول رسولاً كما أنه سمى رسل عيسى رسل نفسه فقال: ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين ﴾ ثم إنه يكون قد بكت كفار الثقلين بهذه الآية لأنه أزال العذر وأزاح العلة بسبب أنه أرسل الرسل إليهم فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق فقد حصل المقصود.
وقال الواحدي: أراد رسل من أحدكم وهو الإنس كقوله: ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ ﴾ أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب.
وعن الكلبي كانت الرسل قبل أن يبعث محمد يبعثون إلى الإنس ورسول الله صلى الله عليه وآله بعث إلى الجن والإنس.
أما قوله: ﴿ يقصون عليكم آياتي ﴾ فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتأويل وبالتلاوة ﴿ وينذرونكم لقاء يومكم هذا ﴾ يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا بداً من الاعتراف فلذلك ﴿ قالوا شهدنا على أنفسنا ﴾ والسبب في أنهم أقروا في هذه الآية وجحدوا في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ هو أنهم مختلفو الأحوال في يوم القيامة مضطربون؛ فتارة يقرّون وأخرى يجحدون.
ومنهم من حمل هذه الشهادة على شهادة الجوارح عليهم.
ثم أخبر الله عن حالهم في الدنيا بقوله: ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ وعن حالهم في الآخرة بقوله: ﴿ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ﴾ والمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجر أمثالهم في الدنيا عن الكفر والمعصية.
وقد يستدل بالآية على أن لا وجوب قبل ورود الشرع وإلا لم يكن لهذا التوبيخ والتبكيت فائدة.
التأويل: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ في حالة العدم ﴿ فأحييناه ﴾ بالحياة الحقيقية أي بالحي الذي لا يموت ﴿ وجعلنا له ﴾ نور الوجود الحقيقي الذي ﴿ يمشي به في الناس ﴾ وبه يسمع وبه يبصر ﴿ كمن هو ﴾ محبوس ﴿ في ظلمات ﴾ الطبيعة ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية ﴾ أي كل قالب ﴿ أكابر مجرميها ﴾ من النفس والهوى والشيطان ﴿ ليمكروا فيها ﴾ بمخالفات الشرع وموافقات الطبع.
﴿ ما أوتي رسل الله ﴾ من القلب والسر والروح.
﴿ يشرح صدره ﴾ أي ينظر إلى قلبه بنظر العناية فينوّره بنور جماله وهو نور الإيمان، فيشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام.
وهذا النور يقبل الزيادة والاشتداد إلى أن يصير الإيمان إيقاناً والإيقان عياناً والعيان عيناً.
﴿ ضيقاً ﴾ لتزاحم ظلمات صفات البشرية ﴿ حرجاً ﴾ لتعلقاته بالدنيا وشهواتها ﴿ كأنما يصعد في السماء ﴾ لأنه سفلي بالطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر.
﴿ وهذا ﴾ الذي بينا من الهداية والضلالة ﴿ صراط ربك ﴾ باللطف والقهر فبجذبات اللطف يهدي السعيد وبسطوات القهر يضل الشقي.
﴿ لهم دار السلام ﴾ أي السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج عن ظلمات الاثنينية.
﴿ ويوم يحشرهم ﴾ في موقف القالب البشري بالحكمة البالغة والقدرة الكاملة ﴿ يا معشر الجن ﴾ أي الصفات الشيطانية ﴿ قد استكثرتم من الإنس ﴾ أي غلبتم على الصفات الإنسانية ﴿ وقال أولياؤهم من الإنس ﴾ يعني النفس الأمارة ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ واستمتاع النفس الأمارة بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره على تحصيل شهواتها ولذاتها العاجلة وحظوظها، واستمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائها كما استعان بحواء على إغواء آدم.
﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ يعني أن مدة الاستمتاع وما جرى بيننا إنما كان بمقتضى قضائك وقدرك فأجابهم بأن الثوى في النار أيضاً بقضاء الله ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فيتوب عليهم ﴿ إن ربك حكيم ﴾ في تقدير الاستمتاع ﴿ عليم ﴾ بأهل الجنة وبأهل النار، ﴿ وكذلك ﴾ أي كما جعلنا مردة الجن والإنس بعضهم أولياء بعض فكذلك نجعل بعض الظالمين أولياء بعض بما كانوا يكسبون من إفساد الاستعداد الفطري ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ يعني الإلهامات الربانية.
وشهدوا على أنفسهم أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا صدأ مرآة قلوبهم ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ﴾ وما التوفيق إلا منه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ .
يعني: من تقدم ذكره من الجن، والإنس، أو نحشر الأولين والآخرين.
﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ ﴾ .
هو على الإضمار؛ كأنه قال: يوم نحشرهم جميعاً [يا معشر] الجن والإنس، ثم نقول للجن: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ ، كقوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، أي: يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى؛ فكذلك هذا هو على الإضمار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ .
قال أهل التأويل في قوله: ﴿ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ : [أي: أضللتم كثيراً من الإنس] وهم قد استكثروا من الأتباع من الإنس: في عبادة غير الله، ومخالفة أمر الله وتوحيده أو: قد استكثرتم عبادا من الإنس.
﴿ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: تعاون بعضنا ببعض في معصية الله ومخالفة أمره: هؤلاء بالدعاء وأولئك بالإجابة.
وقال قائلون: ربنا استمتع بعضنا ببعض أي: انتفع بعضنا ببعض بأنواع المنافع: ما ذكر - في بعض القصة - أن الرجل من الإنس إذا سافر فأدركه المساء بأرض القفر خاف؛ فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه؛ فيأمن في ذلك بالتعوذ إلى سيدهم؛ فذلك استمتاع الإنس بالجن؛ فذلك [قوله]: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ ﴾ الآية [الجن: 6].
وأمّا استمتاع الجن بالإنس [فهو] ما يزداد لهم الذكر والشرف في قومهم، يقولون: لقد سودتنا الإنس.
ويحتمل استمتاع الجن بالإنس ما ذكر - إن ثبت - أنه جعل طعامهم العظام التي يستعملها الإنسان، ويكون ذلك غذاءهم، وعلف دوابهم أرواث دواب الإنس.
وقال الحسن: ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت الإنس، فعلمت ذكر جواب الإنس لهم، ولم يذكر جواب الجن لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا ﴾ .
قيل: الموت.
وقيل: البعث يوم القيامة؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث؛ فأقروا عند ذلك: بأنا قد بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا وكنا كذبناه، أقروا بما كانوا ينكرون.
﴿ قَالَ ﴾ \[أي\] الله: ﴿ ٱلنَّارُ مَثْوَٰكُمْ ﴾ \[أي مقامكم\].
﴿ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .
اختلف فيه: قال الحسن: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ : وقد شاء [الله] أن يخلدهم في النار.
وقال غيره: الاستثناء من وقت البعث إلى وقت الخلود، وهو وقت الحساب [ووقت الحساب] هو وقت الثنيا، ﴿ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ما داموا في الحساب.
وقيل: الاستثناء للمؤمنين [الذين] اتبعوهم في فعل المعاصي والجرم ولم يتبعوهم في الاعتقاد؛ ففيه دليل إدخال المؤمنين النار بالمعاصي، والعقوبة لهم بقدر معصيتهم، ودليل إخراجهم منها، إن ثبت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ يحتمل وجوهاً ثلاثة: أحدها: أن خلود الآخرة أكبر من خلود الدنيا؛ لأن خلود الدنيا على الانقضاء، وخلود الآخرة لا على الانقضاء.
والثاني: وقع الثنيا قبل دخولهم [في] النار.
والثالث: لمن لم يتبعهم في الكفر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ ﴾ .
أي: حكيم بما حكم ووضع كل شيء موضعه، عليم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .
الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأن الولاية [إنما تكون بأفعالهم ثم أضاف الولاية إلى نفسه دل أنه من الله في ذلك صنع، وهو أن خلق سبب الولاية] منهم، ثم ذكر أن المؤمنين بعض أولياء بعض بقوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ وذكر أن الكافرين بعضهم أولياء بعض بقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: لم يكن من الجن رسل إنما كان الرسل من الإنس، لكنه أضاف إلى الفريقين جميعاً؛ كقوله: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ ، وإنما يخرج من أحدهما، وكقوله: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ﴾ : وإنما جعل في واحدة منهن، وكقول الناس: في سبع قبائل مسجد واحد: وإنما يكون في واحد منها، وقد يضاف الشيء إلى جماعة والمراد [منه] واحد؛ فعلى ذلك ما ذكر من إضافة الرسل إلى الإنس والجن.
وقال بعضهم: كان من الفريقين جميعاً: الرسول من الجن جني، ومن الإنس إنسي؛ لأن الجن يسترون من الإنس، فإنما يرسل إلى الإنس رسلا يظهرون لهم؛ فبعث إلى كل فريق الرسول من جوهرهم.
وقال بعضهم: كان الرسل من الإنس إلى الفريقين جميعاً، وكان [من] الجن نذير؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ...
﴾ الآية [الأحقاف: 29] ذكر النذر منهم ولم يذكر الرسل، ومرتبة النذر دون مرتبة الرسل، كرتبة الأنبياء من الرسل، ولكن يجوز أن يقوي الرسل - وإن كان من الإنس - على الإظهار لهم، وليس فيما يسترون عنهم منع بعث الرسل إليهم من الإنس، وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة؛ إنما الحاجة إلى معرفة الآيات والحجج التي يأتي [بها] الرسل، وقد عجز الخلائق جميعاً عن إتيان مثل هذا القرآن؛ لقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ : فقد أعجز الجن والإنس عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وإن كان الجن أقوى على الأشياء من الإنس؛ فدل أنه آية ودل عجز الجن عن ذلك وإن كانوا أقوى على أن غيرهم أعجز.
ألا ترى: أنه أنزل هذا القرآن على لسان العرب ثم عجزوا هم عن إتيان مثله؛ فدل عجزهم عن ذلك على أن العجم له أعجز.
وجائز أن يكون الرسل إن كانوا من الإنس فإن الجن يستمعون من الرسل؛ فيلزمهم الحجة والعمل بذلك والتبليغ إلى قومهم، من غير أن يعلم الرسل بذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ﴾ .
يحتمل يتلون عليكم آياتي، ويحتمل: ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ﴾ يبينون لكم [ما في آيات وحدانيته وألوهيته] وآيات البعث الذي تنكرون.
﴿ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ ، أي: لقاء يومكم الذي تلقون ودل قوله: ﴿ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ على أن ذلك إنما يقال لهم في الآخرة.
﴿ قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا ﴾ .
هذا منهم إقرار لما كان منهم من التكذيب؛ كقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ ﴾ ، أي شهدنا على أنفسنا بأنا كنا كذبنا الرسل في الدنيا بما قالوا وأخبروا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
إن للدنيا معنيين: ظاهراً وباطناً، فيكون للظاهر غرور من كان نظره [إلى الظاهر] يغره، ولها باطن ومن نظر إلى ذلك الباطن يعظه.
أما ظاهرها: من تزيينها، وزخرفها فالكافر نظر إلى ظاهرها فاغتر بها.
وأما باطنها: فهو انتقالها من حال إلى حال وزوالها وفناؤها فمن نظر إلى ذلك اتعظ به ويعلم معناها ويعرف أنه لم يخلق لهذه ولكن لعاقبة تتأمل.
ثم إضافة الغرور إليها، أي: يكون منها ما لو كان ذلك من ذي عقل وذهن كان ذلك غرور.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ ﴾ .
هذا اعتراف بما كان منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ ما تقدم من قوله: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ ، ونحوهما من الآيات التي ذكر فيها العذاب.
ويحتمل ذلك إشارة إلى الهلاك الذي كان بالأمم الخالية: أن لم يكن يهلك القرى بظلم ظلموا أنفسهم إهلاك تعذيب واستئصال إلا بعد [ما] يقدم الوعيد لهم في ذلك وسؤال كان منهم بالعذاب، ولا يهلك - أيضاً - وهم غافلون عن الظلم والعصيان، لا أنه لا يسعه؛ ولكن سنة فيهم ألا يهلك إلا بعد تقدم ما ذكرنا؛ لئلا يحتجوا فيقولوا: ﴿ لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، وإن لم يكن لهم الاحتجاج بذلك لما مكن لهم وركب فيهم ما به يعرفون أنه لم يخلقهم ليتركهم سدى؛ ولكن خلقهم لعاقبة، لكن سنته قد مضت في الأمم الماضية: [أنه] لا يهلك قوماً إهلاك تعذيب واستئصال إلا بعد ما يسبق منه وعيد وإنذار، والعلم لهم بالظلم، وظهور العناد منهم والمكابرة، والسؤال بالعذاب سؤال تعنت، وذلك منه فضل ورحمة، لا أنه لا يسعه ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾ .
استدل بعض الناس بظاهر هذه الآية أن الجن لهم ثواب بالطاعات وعقاب بالمعاصي؛ لأنه أخبر أن لكل [منهم] درجات مما عملوا، وإنما تقدم ذكر الفريقين جميعاً بقوله: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ \[وقوله\] ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ : ذكر ما كان من الفريقين جميعاً من المعاصي والجرم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ ﴾ : راجع إلى الفريقين جميعاً، لكل درجات منهم: إن عملوا خيرا فخير، وإن [عملوا] شرا فشر [وبه] قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - واحتجوا لأبي حنيفة - رحمه الله - أن قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ ﴾ إنما ذكر على أثر آيات كان الخطاب بها للكفرة دون المؤمنين؛ فعلى قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾ يكون لهم هذا الوعيد خاصة، ويكون قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ ﴾ ، أي: دركات ومراتب من العذاب والعقاب؛ مما عملوا من المعاصي والتكذيب للرسل، ولأن الثواب لزومه لزوم فضل ومنَّة، والعذاب توجبه الحكمة؛ لأن في الحكمة أن يعاقب من عصاه وخالف أمره وأمّا الثواب فوجوبه الفضل؛ لأنه كان من الله إلى الخلق من النعم والإحسان [ما لو حمدوا كل حمدهم] ما قدروا على أن يؤدوا شكر واحد من ذلك، فتكون طاعتهم شكراً لما أنعم عليهم، فإذا كان كذلك لا يكون لأعمالهم ثواب إلا بالبيان من الله، كما لا يقال للملائكة: إن لهم ثواباً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ ، يحتمل وجهين: وما ربك بغافل عن أعمالهم التي يعملونها في معصية الله - - ولكن يؤخر تعذيبهم؛ رحمة منه، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ...
﴾ الآية [إبراهيم: 42].
والثاني: عن علم بأعمالهم، وصنيعهم خلقهم، لا عن جهل، لكن خلقهم على علم بذلك؛ لما كان ضرر أعمالهم ومنافعها ترجع إليهم لا إليه.
<div class="verse-tafsir"
واذكر -أيها الرسول- يوم يحشر الله الثَّقَلَيْن من الإنس والجن، ثم يقول الله: يا معشر الجن، قد أكثرتم من إضلال الإنس وصدهم عن سبيل الله، وقال أتباعهم من الإنس مجيبين ربهم: يا ربنا، تَمَتَّع كل منا بصاحبه، فالجني تمَتَّع بطاعة الإنسي له، والإنسي تَمَتَّع بنيل شهواته، وبلغنا الأجل الذي أجَّلت لنا، فهذا يوم القيامة، قال الله: النار مُسْتَقَرُّكم خالدين فيها إلا ما شاء الله من قَدْرِ مدة ما بين مبعثهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى جهنم، فتلك المدة التي استثناها الله من خلودهم في النار، إن ربك -أيها الرسول- حكيم في تقديره وتدبيره، عليم بعباده، وبمن يستحق منهم العذاب.
<div class="verse-tafsir" id="91.EQpRm"