الآية ١٣٢ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٣٢ من سورة الأنعام

وَلِكُلٍّۢ دَرَجَـٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ١٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 51 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣٢ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣٢ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال : وقوله : ( ولكل درجات مما عملوا ) أي : ولكل عامل من طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب من عمله يبلغه الله إياها ، ويثيبه بها ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .

قلت : ويحتمل أن يعود قوله : ( ولكل درجات مما عملوا ) أي من كافري الجن والإنس ، أي : ولكل درجة في النار بحسبه ، كقوله تعالى ( قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ) [ الأعراف : 38 ] ، وقوله : ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون ) [ النحل : 88 ] .

( وما ربك بغافل عما يعملون ) قال ابن جرير : أي وكل ذلك من عملهم ، يا محمد ، بعلم من ربك ، يحصيها ويثبتها لهم عنده ، ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولكل عامل في طاعة الله أو معصيته، منازل ومراتب من عمله يبلغه الله إياها, ويثيبه بها, إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا (1) =(وما ربك بغافل عما يعملون)، يقول جل ثناؤه: وكل ذلك من عملهم، يا محمد، بعلم من ربِّك، يحصيها ويثبتها لهم عنده، ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه .

-------------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير (( درجة )) فيما سلف : 11 : 505 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون قوله تعالى ولكل درجات مما عملوا أي من الجن والإنس ; كما قال في آية أخرى : أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ثم قال : ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون .

وفي هذا ما يدل على أن المطيع من الجن في الجنة ، والعاصي منهم في النار ; كالإنس سواء .

وهو أصح ما قيل في ذلك فاعلمه .

ومعنى ولكل درجات أي ولكل عامل بطاعة درجات في الثواب .

ولكل عامل بمعصية دركات في العقاب .وما ربك بغافل أي ليس بلاه ولا ساه .

والغفلة أن يذهب الشيء عنك لاشتغالك بغيره .عما يعملون قرأه ابن عامر بالتاء ، الباقون بالياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلِكُلٍّ } منهم { دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا } بحسب أعمالهم، لا يجعل قليل الشر منهم ككثيره، ولا التابع كالمتبوع، ولا المرءوس كالرئيس، كما أن أهل الثواب والجنة وإن اشتركوا في الربح والفلاح ودخول الجنة، فإن بينهم من الفرق ما لا يعلمه إلا الله، مع أنهم كلهم، قد رضوا بما آتاهم مولاهم، وقنعوا بما حباهم.

فنسأله تعالى أن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى، التي أعدها الله للمقربين من عباده، والمصطفين من خلقه، وأهل الصفوة من أهل وداده.

{ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } فيجازي كلا بحسب علمه، وبما يعلمه من مقصده، وإنما أمر الله العباد بالأعمال الصالحة، ونهاهم عن الأعمال السيئة، رحمة بهم، وقصدا لمصالحهم.

وإلا فهو الغني بذاته، عن جميع مخلوقاته، فلا تنفعه طاعة الطائعين، كما لا تضره معصية العاصين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولكل درجات مما عملوا ) يعني في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا ، فمنهم من هو أشد عذابا ومنهم من هو أجزل ثوابا ، ( وما ربك بغافل عما يعملون ) قرأ ابن عامر تعملون بالتاء والباقون بالياء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولكل» من العاملين «درجات» جزاء «مما عملوا» من خير وشر «وما ربك بغافل عما يعملون» بالياء والتاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولكل عامل في طاعة الله تعالى أو معصيته مراتب من عمله، يبلِّغه الله إياها، ويجازيه عليها.

وما ربك -أيها الرسول- بغافل عما يعمل عباده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن الدرجات إنما هى على حسب الأعمال فقال - تعالى - { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ } أى : ولكل من المكلفين جناً كانوا أو إنساً درجات أى منازل ومراتب { مِّمَّا عَمِلُواْ } أى : من أعمالهم صالحة كانت أو سيئة أو من أجل أعمالهم إذ الجزاء من جنس العمل والعمل متروك للناس يتسابقون فيه ، والجزاء ينتظرهم عدلا لا ظلم فيه .{ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } بل هو عالم بأعمالهم ومحصيها عليهم ، لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وحده ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل الثواب والدرجات، وأحوال أهل العقاب والدركات ذكر كلاماً كلياً، فقال: ﴿ وَلِكُلّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ ﴾ وفي الآية قولان: القول الأول: أن قوله: ﴿ وَلِكُلّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ ﴾ عام في المطيع والعاصي، والتقدير: ولكل عامل عمل فله في عمله درجات، فتارة يكون في درجة ناقصة، وتارة يترقى منها إلى درجة كاملة، وأنه تعالى عالم بها على التفصيل التام، فرتب على كل درجة من تلك الدرجات ما يليق به من الجزاء، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

والقول الثاني: أن قوله: ﴿ وَلِكُلّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ ﴾ مختص بأهل الطاعة، لأن لفظ الدرجة لا يليق إلا بهم.

وقوله: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ مختص بأهل الكفر والمعصية والصواب هو الأول.

المسألة الثالثة: اعلم أن هذه الآية تدل أيضاً على صحة قولنا في مسألة الجبر والقدر، وذلك لأنه تعالى حكم لكل واحد في وقت معين بحسب فعل معين بدرجة معينة، وعلم تلك الدرجة بعينها وأثبت تلك الدرجة المعينة في اللوح المحفوظ وأشهد عليه زمر الملائكة المقربين، فلو لم تحصل تلك الدرجة لذلك الإنسان لبطل ذلك الحكم، ولصار ذلك العلم جهلاً، ولصار ذلك الإشهاد كذباً وكل ذلك محال فثبت أن لكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما تعملون، وإذا كان الأمر كذلك، فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، والسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة، وهو خبر مبتدأ محذوف: أي الأمر ذلك.

و ﴿ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى ﴾ تعليل، أي الأمر ما قصصناه عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم، على أن (إن) هي التي تنصب الأفعال، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، على معنى: لأن الشأن والحديث لم يكن ربك مهلك القرى بظلم.

ولك أن تجعله بدلاً من ذلك، كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الامر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ ﴾ [الحجر: 66] ، ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ بسبب ظلم قدموا عليه.

أو ظالماً، على أنه لو أهلكهم وهم غافلون ولم ينبهوا برسول وكتاب، لكان ظلماً، وهو متعال عن الظلم وعن كل قبيح ﴿ وَلِكُلٍّ ﴾ من المكلفين ﴿ درجات ﴾ منازل ﴿ مّمَّا عَمِلُواْ ﴾ من جزاء أعمالهم ﴿ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ بساه عنه يخفى عليه مقاديره وأحواله وما يستحق عليه من الأجر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ.

﴿ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ أوْ لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ أهْلِ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمٍ فَعَلُوهُ، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِظُلْمٍ أوْ ظالِمًا وهم غافِلُونَ لَمْ يُنَبِّهُوا بِرَسُولٍ أوْ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ.

﴿ وَلِكُلٍّ ﴾ مِنَ المُكَلَّفِينَ.

﴿ دَرَجاتٌ ﴾ مَراتِبُ ﴿ مِمّا عَمِلُوا ﴾ مِن أعْمالِهِمْ أوْ مِن جَزائِها، أوْ مِن أجْلِها ﴿ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ ﴾ فَيَخْفى عَلَيْهِ عَمَلٌ أوْ قَدْرُ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالتّاءِ عَلى تَغْلِيبِ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلِكُلٍّ} من المكلفين {درجات} منازل {مّمَّا عَمِلُواْ} من جزاء أعمالهم وبه استدل أبو يوسف ومحمد رحمهما الله على أن للجن الثواب بالطاعة لأنه ذكر عقيب ذكر الثقلين {وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ} بساه عنه وبالتاء شامى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولِكُلٍّ ﴾ مِنَ المُكَلَّفِينَ جِنًّا كانُوا أوِ إنْسًا ﴿ دَرَجاتٌ ﴾ أيْ مَراتِبُ فَيَتَناوَلُ الدَّرَكاتِ حَقِيقَةً أوْ تَغْلِيبًا ﴿ مِمّا عَمِلُوا ﴾ أيْ مِن أعْمالِهِمْ صالِحَةً كانَتْ أوْ سَيِّئَةً أوْ مِن أجْلِ أعْمالِهِمْ أوْ مِن جَزائِها فَمِن إمّا ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَعْلِيلِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ ﴿ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ ﴾ (132) فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ عَمَلُ عامِلٍ أوْ قَدْرُ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( تَعْمَلُونَ ) بِالتّاءِ عَلى تَغْلِيبِ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ ولَوْ أُرِيدَ شُمُولُ ( يَعْمَلُونَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ لِلْمُخاطَبِ بِأنْيُرادَ جَمِيعُ الخَلْقِ فَلا مانِعَ مِنَ اعْتِبارِ تَغْلِيبِ الغائِبِ عَلى المُخاطَبِ سِوى أنَّ ذَلِكَ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ فِي كَلامِهِمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا يعني: ولكل واحد من المؤمنين فضائل في الجنة بعضهم أرفع درجة من بعض، وللكافرين درجات بعضهم أشد عذاباً من بعض.

وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ يعني: لمن ينسى الطاعة من المطيعين، ولا المعصية من العاصين، ويجازي كل نفس بما عملت.

قرأ ابن عامر عَمَّا تَعْمَلُونَ على معنى المخاطبة.

وقرأ الباقون: يَعْمَلُونَ بالياء على معنى المغايبة.

قوله تعالى: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ يعني: غني عن عبادة خلقه، ذُو الرَّحْمَةِ بتأخير العذاب عنهم ويقال: ذُو الرَّحْمَةِ يعني: ذو التجاوز عمن تاب ورجع إليه بالتوبة إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يعني: يهلككم وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَّا يَشاءُ خلقاً بعدكم من بعد إهلاككم مَا يَشاءُ إن يشأ مثلكم، وإن يشأ أطوع منكم.

كَما أَنْشَأَكُمْ يقول: كما خلقكم مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ قرناً من بعد قرن ولكنه لم يهلككم رحمة منه، لترجعوا وتتوبوا.

ثم قال: إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ يعني: الوعيد الذي أوعد في الآخرة من العذاب لآتٍ، يقول: لكائن لا خلف فيه وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ يعني: بسابقين الله بأعمالكم الخبيثة التي يجازيكم بها.

هذا قول مقاتل.

وقال الكلبي: بِمُعْجِزِينَ أي: بفائتين أن يدرككم.

ويقال في اللغة: أعجزني الشيء أي: فاتني وسبقني.

ثم قال: قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي: على موضعكم.

يقال: مكان ومكانة مثل منزل ومنزلة.

ومعناه اعملوا على ما أنتم عليه.

ويقال: معناه اجتهدوا في إهلاكي ما استطعتم ويقال: اعملوا في منازلكم من الخير والشر فإنكم تجزون بهما لا محالة.

إِنِّي عامِلٌ بما أوحى الله إلي ويقال: اعملوا بمكاني وأنا عامل بمكانكم.

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ فهذا وعيد من الله تعالى.

يقول: نبيّن لكم من تكون له عاقبة الأمر في الدنيا، ومن تكون له الجنة في الآخرة.

ثم قال: إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ مخاطباً لرسول الله  أي: في الآخرة، ولا يأمن المشركون.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ في جميع القرآن بلفظ الجماعة.

وقرأ الباقون مَكانَتِكُمْ.

وقرأ حمزة والكسائي مَنْ يَكُونُ بالياء لأنه انصرف إلى المعنى وهو الثواب والباقون قرءوا بالتاء لأن لفظ العاقبة لفظ مؤنث.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وقد حفظ هذا في استعمال الصحابة والتابعين كقول ابن الزُّبَيْر: أَلاَ إنَّ فم الذّبّان قتل لطيم الشّيطان «٢» وكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.

يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)

وقوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ ...

الآية: هذا الكلامُ داخلٌ في القول يَوْمَ الحشر.

قال الفَخْر «٣» : قال أهل اللغة: المَعْشَر: كلُّ جماعةٍ أَمْرهم واحدٌ، وتَحْصُلُ بينهم معاشرةٌ ومخالطةٌ، فالمَعْشَر: المُعَاشِر.

انتهى، ونْكُمْ

: يعني: مِنَ الإنس قاله ابن جُرَيْج «٤» وغيره، وقال ابن عباس: من الطائفَتَيْنِ «٥» ، ولكنْ رسلُ الجنّ هم رسل رسل الإنس، وهم النّذر، وقُصُّونَ

: من القصص، وقولهم: هِدْنا

: إقرار منهم بالكفر.

وقوله سبحانه: غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا

: التفاتة فصيحةٌ تضمَّنت أنَّ كفرهم كان بأذَمِّ الوجوه لهم، وهو الاغترار الذي لا يواقعه عاقل، ويحتمل رَّتْهُمُ

أن يكون بمعنى:

أشبعتهم وأطعمتهم بحَلْوَائها كما يقال: غَرَّ الطَّائِرُ فَرْخَهُ.

وقوله سبحانه: شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ

: الجمع بيْنَ هذه الآية وبَيْن الآي التي تقتضي إنكار المشركين الإشْرَاكَ هو إمَّا بأنها طوائفُ، وإما بأنها طائفةٌ واحدةٌ في مواطنَ شتى.

وقوله: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، أي: ذلك الأمر، والْقُرى: المدن، والمراد: أهل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ﴾ أيْ: لَكُلِّ عامِلٍ بِطاعَةِ اللَّهِ أوْ بِمَعْصِيَتِهِ دَرَجاتٌ، أيْ: مَنازِلُ يَبْلُغُها بِعَمَلِهِ، إنْ كانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ كانَ شَرًّا فَشَرٌّ.

وإنَّما سُمِّيَتْ دَرَجاتٍ لِتَفاضُلِها في الِارْتِفاعِ والِانْحِطاطِ، كَتَفاضُلِ الدَّرَجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَمّا يَعْمَلُونَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالياءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ ﴾ ﴿ ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ ﴾ ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ ؛ داخِلٌ في القَوْلِ يَوْمَ الحَشْرِ؛ والضَمِيرُ في "مِنكُمْ"؛ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عُمِّمَ بِظاهِرِهِ الطائِفَتَيْنِ؛ والمُرادُ الواحِدَةُ تَجَوُّزًا؛ وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ  ﴾ ؛ وذَلِكَ إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ؛ وقالَ الضَحّاكُ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ؛ وفي الجِنِّ رُسُلٌ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ؛ ولَكِنَّ رُسُلَ الجِنِّ هم رُسُلُ الإنْسِ؛ فَهم رُسُلُ اللهِ تَعالى بِواسِطَةٍ؛ إذْ هم رُسُلُ رُسُلِهِ؛ وهُمُ النُذُرُ؛ و"يَقُصُّونَ"؛ مِن "اَلْقَصَصُ"؛ وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ الأعْرَجُ: "ألَمْ تَأْتِكُمْ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الرُسُلِ.

وقَوْلُهُمْ: "شَهِدْنا"؛ إقْرارٌ مِنهم بِالكُفْرِ؛ واعْتِرافٌ؛ أيْ: "شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا بِالتَقْصِيرِ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا ﴾ ؛ اِلْتِفاتَةٌ فَصِيحَةٌ تَضَمَّنَتْ أنَّ كُفْرَهم كانَ بِأذَمِّ الوُجُوهِ لَهُمْ؛ وهو الِاغْتِرارُ الَّذِي لا يُواقِعُهُ عاقِلٌ؛ ويَحْتَمِلُ "وَغَرَّتْهُمُ"؛ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "أشْبَعَتْهُمْ؛ وأطْعَمَتْهم بِحَلْوائِها"؛ كَما يُقالُ: "غَرَّ الطائِرُ فَرْخَهُ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ ﴾ ؛ تَظْهَرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في القُرْآنِ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَقْتَضِي إنْكارَ المُشْرِكِينَ الإشْراكَ؛ مُناقَضَةٌ؛ والجَمْعُ بَيْنَهُما هو إمّا طَوائِفُ؛ وإمّا طائِفَةٌ واحِدَةٌ في مَواطِنَ شَتّى؛ وإمّا أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ هَهُنا: ﴿ وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ ؛ شَهادَةَ الأيْدِي؛ والأرْجُلِ؛ والجُلُودِ؛ بَعْدَ إنْكارِهِمْ بِالألْسِنَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واللَفْظُ هَهُنا يَبْعُدُ مِن هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ "ذَلِكَ"؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "ذَلِكَ الأمْرُ..."؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ بِتَقْدِيرِ: "فَعَلْنا"؛ و"أنْ"؛ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ و"اَلْقُرى": اَلْمُدُنُ؛ والمُرادُ أهْلُ القُرى؛ و"بِظُلْمٍ"؛ يُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَ المُدُنَ دُونَ نَذارَةٍ؛ فَيَكُونَ ظُلْمًا لَهم إذا لَمْ يُنْذِرْهُمْ؛ واللهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ؛ والآخَرُ أنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمْ يُهْلِكْ أهْلَ القُرى بِظُلْمٍ؛ إذْ ظَلَمُوا؛ دُونَ أنْ يُنْذِرَهُمْ؛ وهَذا هو البَيِّنُ القَوِيُّ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - التَأْوِيلَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ عَلى دَرَجاتٍ مِنَ التَفاضُلِ؛ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ وتَفَضُّلِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ والمُشْرِكِينَ أيْضًا عَلى دَرَجاتٍ مِنَ العَذابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ قَدْ رَضِيَ بِما أُعْطِيَ غايَةَ الرِضا.

وقَرَأتِ الجَماعَةُ - سِوى ابْنِ عامِرٍ -: "يَعْمَلُونَ"؛ عَلى لَفْظِ "كُلٍّ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "تَعْمَلُونَ"؛ عَلى المُخاطَبَةِ بِالتاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

احتراس على قوله: ﴿ ذلك أن لم يكن ربّك مهلك القرى بظلم ﴾ [الأنعام: 131] للتنبيه على أنّ الصّالحين من أهل القرى الغالببِ على أهلها الشركُ والظّلم لا يُحرمون جزاء صلاحهم.

والتّنوين في: ﴿ ولكل ﴾ عوض عن المضاف إليه: أي ولكلّهم، أي كلّ أهل القرى المهلَكة درجات.

يعني أنّ أهلها تتفاوت أحوالهم في الآخرة.

فالمؤمنون منهم لا يضاع إيمانهم.

والكافرون يحشرون إلى العذاب في الآخرة.

بعد أن عُذّبوا في الدّنيا.

فالله قد ينجي المؤمنين من أهل القُرى قبل نزول العذاب.

فتلك درجة نالوها في الدّنيا، وهي درجة إظهار عناية الله بهم، وتُرفع درجتهم في الآخرة.

والكافرون يحيق بهم عذاب الإهلاك ثمّ يصيرون إلى عذاب الآخرة.

وقد تهلك القرية بمؤمنيها ثمّ يصيرون إلى النّعيم فيظهر تفاوت درجاتهم في الآخرة، وهذه حالة أخرى وهي المراد بقوله تعالى: ﴿ واتَّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة ﴾ [الأنفال: 25] روى البخاري، ومسلم، عن ابن عمر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذَا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذابُ من كان فيهم ثمّ بُعثوا على أعمالهم ".

وفي حديث عائشة رضي الله عنها عند البيهقي في «الشُعب» مرفوعاً أنّ الله تعالى إذا أنزل سطوته بأهللِ نقمته وفيهم الصّالحون قُبضوا معهم ثمّ بُعثوا على نياتهم وأعمالهم، صحّحه ابن حِبّان.

وفي «صحيح البخاري»، من حديث زينب بنت جحش أمّ المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ويلٌ للعرب من شرّ قد اقترب فتح اليوم من رَدْم ياجوج وماجوج هكذا وعقد تسعين (أي عقد أصبعين بعلامة تسعين في الحساب المعبر عنه بالعُقَد بضم العين وفتح القاف) قِيل: أنهلك وفينا الصّالحون، قال: نَعَم إذا كثر الخُبْث ".

والدّرجات هي ما يرتقى عليه من أسفل إلى أعلى، في سُلم أو بناء، وإن قصد بها النّزول إلى محلّ منخفض من جبّ أو نحوه فهي دركات، ولذلك قال تعالى: ﴿ يرفع اللَّهُ الذين آمنوا منكم والذينَ أوتوا العلم درجات ﴾ [المجادلة: 11] وقال: ﴿ إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النّار ﴾ [النساء: 145] ولمّا كان لفظ (كلّ) مراداً به جميع أهل القرية، وأتى بلفظ ﴿ الدّرجات ﴾ كان إيماء إلى تغليب حال المؤمنين لِتَطمئنّ نفوسُ المسلمين من أهل مكّة بأنّهم لا بأس عليهم من عذاب مشركيها، ففيه إيماء إلى أنّ الله منجيهم من العذاب: في الدّنيا بالهجرة، وفي الآخرة بحشرهم على أعمالهم ونياتهم لأنَّهم لم يقصروا في الإنكار على المشركين، ففي هذه الآية إيذان بأنَّهم سيخرجون من القرية الّتي حقّ على أهلها العذاب، فإنّ الله أصاب أهل مكّة بالجوع والخوف ثمّ بالغزو بعد أن أنجى رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

وقدْ عُلم من الدّرجات أنّ أسافلها دركات فغلب درجات لنكتة الإشعار ببشارة المؤمنين بعد نِذارة المشركين.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله ﴿ مما عملوا ﴾ تعليلية، أي من أعمالهم أي بسبب تفاوت أعمالهم.

وقوله: ﴿ وما ربك بغافل عما يعملون ﴾ خطاب للرّسول صلى الله عليه وسلم وقرأ الجمهور: ﴿ يعلمون ﴾ بياء الغيبة فيعود الضّمير إلى أهل القرى، والمقصود مشركو مكّة، فهو للتّسليّة والتّطمين لئلا يستبطئ وعد الله بالنَّصر، وهو تعريض بالوعيد للمشركين من باب: واسمعي يا جارة.

وقرأه ابن عامر بتاء الخطاب، فالخطاب للرّسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، فهو وعد بالجزاء على صالح أعمالهم، ترشيحاً للتّعبير بالدّرجات حسبما قدّمناه، ليكون سَلاً لهم من وعيد أهل القرى أصحاب الظّلم، وكلتا القراءتين مراد الله تعالى فيما أحسب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ مِنهُ ولَكِنْ بِحَقٍّ اسْتَوْجَبُوا بِهِ الهَلَكَةَ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمِ أهْلِها حَتّى يُقَدِّمَ إنْذارَهم ويَرْفَعَ أعْذارَهم ويَخْرُجُوا مِن حُكْمِ الغافِلِينَ فِيما يَنْزِلُ بِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ﴾ مَعْناهُ ولِكُلِّ عامِلٍ بِطاعَةِ اللَّهِ أوْ مَعْصِيَتِهِ دَرَجاتٌ، يَعْنِي مَنازِلَ، وإنَّما سُمِّيَتْ دَرَجاتٍ لِتَفاضُلِها كَتَفاضُلِ الدَّرَجِ في الِارْتِفاعِ والِانْحِطاطِ.

وَفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَقْصُودَ بِها الأعْمالُ المُتَفاضِلَةُ.

والثّانِي: أنَّ المَقْصُورَ بِها الجَزاءُ المُتَفاضِلُ.

وَيُحْتَمَلُ هَذا التَّفْضِيلُ بِالدَّرَجاتِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلِ النّارِ، لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَتَفاضَلُونَ في العِقابِ بِحَسَبِ تَفاضُلِهِمْ في السَّيِّئاتِ، كَما يَتَفاضَلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الثَّوابِ لِتَفاضُلِهِمْ في الحَسَناتِ، لَكِنْ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْ تَفاضُلِ أهْلِ الجَنَّةِ بِالدَّرَجِ، وعَنْ تَفاضُلِ أهْلِ النّارِ بِالدَّرَكِ، فَإذا جَمَعَ بَيْنَهُما بِالتَّفاضُلِ عَبَّرَ عَنْ تَفاضُلِهِما بِالدَّرَجِ تَغْلِيبًا لِصِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن الضحاك قال: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون.

وأخرج ابن المنذر عن ليث قال: بلغني أن الجن ليس لهم ثواب.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ليث بن أبي سليم قال: مسلمو الجن لا يدخلون الجنة ولا النار، وذلك أن الله أخرج أباهم من الجنة فلا يعيده ولا يعيد ولده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي ليلى قال: للجن ثواب، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ ولكل درجات مما عملوا ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه.

مثله.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الخلق أربعة: فخلق في الجنة كلهم، وخلق في النار كلهم، وخلقان في الجنة والنار.

فأما الذين في الجنة كلهم فالملائكة، وأما الذين في النار كلهم فالشياطين، وأما الذين في الجنة والنار فالجن والإِنس، لهم الثواب وعليهم العقاب.

وأخرج الحكيم والترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني والحاكم واللالكلائي في السنة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ثعلبة الخشني.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: الجن ولد إبليس، والإِنس ولد آدم، ومن هؤلاء مؤمنون ومن هؤلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمناً فهو ولي الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافراً فهو شيطان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أنعم قال: الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم الثواب وعليهم العقاب، وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض، وصنف حيات وكلاب.

والإِنس ثلاثة أصناف: صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة، وصنف هم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، وصنف في صور الناس على قلوب الشياطين.

وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه.

أنه سئل عن الجن هل يأكلون ويشربون ويموتون ويتناكحون؟

فقال: هم أجناس، فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون ويموتون، وهي هذه التي منها السعالي والغول وأشباه ذلك.

وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن جابر قال: ما من أهل بيت من المسلمين إلا وفي سقف بيتهم أهل بيت من الجن من المسلمين، إذا وضع غداؤهم نزلوا فتغدوا معهم، وإذا وضع عشاؤهم نزلوا فتعشوا معهم.

قوله تعالى: ﴿ كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبان بن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: الذرية الأصل، والذرية النسل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ الآية.

قال ابن عباس: (يريد: فضائل مما عملوا ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ يريد: عمل المشركين والدرجات للمؤمنين (١) (٢) ﴿ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ في آخر الآية على معنى: أنه يجازيهم به، وتقدير الآية: ولكل عاملٍ بطاعة الله درجات جزاء من أجل ما عملوا، وقال آخرون: (هذا عام في كل عامل (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ أي: لا يفوته شيء منها ولا من مراتبها حتى يجازي عليه بما يستحق من الجزاء (٩) (١) انظر: "تنوير المقباس" 2/ 62، وفي "الوسيط" 1/ 121 نقل الواحدي عن ابن عباس في الآية قال: (يريد عمل المشركين).

(٢) لفظ: (في) ساقط من (أ).

(٣) وهذا القول هو الظاهر، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 38، والسمرقندي 1/ 514، والرازي 13/ 198.

(٤) في (أ): (أو معية)، وهو تحريف.

(٥) في (أ): (أو معيته)، وهو تحريف.

(٦) لفظ: (الأعمال) مكرر في (أ).

(٧) في (أ): (بعضهم).

(٨) انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 172.

(٩) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 38، والسمرقندي 1/ 514.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلِكُلٍّ درجات ﴾ منازل في الجزاء على أعمالهم من الثواب والعقاب ﴿ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ﴾ أي من ذرية أهل سفينة نوح أو من كان قبلهم إلى آدم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عما تعملون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ﴿ مكاناتكم ﴾ بالجمع حيث كان: أبو بكر وحماد.

الباقون ﴿ مكانتكم ﴾ على التوحيد.

﴿ من يكون ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بتاء التأنيث.

﴿ بزعمهم ﴾ بضم الزاي علي وكذلك ما بعده الباقون: بالفتح ﴿ زين ﴾ على البناء للمفعول ﴿ قتل ﴾ بالرفع ﴿ أولادهم ﴾ بالنصب ﴿ شركائهم ﴾ بالجر ابن عامر.

الآخرون ﴿ زين ﴾ على البناء للفاعل ﴿ قتل ﴾ بالنصب ﴿ أولادهم ﴾ بالجر ﴿ شركاؤهم ﴾ بالرفع ﴿ وإن تكن ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد ﴿ ميتة ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر ويزيد، وقرأ ﴿ ميتة ﴾ بالتشديد ابن كثير وابن عامر: الباقون: بالتخفيف.

الوقوف: ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ مما عملوا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ذو الرحمة ﴾ ط ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ لآت ﴾ لا لأن الواو بعده للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التقرير مع فاء التعقيب ﴿ تعملون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول سواء كان من استفهامية أو موصولة ﴿ عاقبة الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ لشركائنا ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ إلى الله ﴾ ج للفصل بين المتضادين معنى مع الاتفاق حكماً ﴿ شركائهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ دينهم ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ افتراء عليه ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ أزواجنا ﴾ ج للشرط مع العطف.

﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ وصفهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه.

التفسير: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره ﴿ أن لم يكن ﴾ وهو للتعليل والمعنى الأمر ما قصصنا عليك، أو ذلك الذي ذكر لانتفاء كون ربك مهلك القرى و"أن" هي الناصبة للأفعال أو مخففة من الثقيلة، وعلى هذا يكون ضمير الشأن محذوفاً أي أن الحديث كذا، ويجوز أن يكون، ﴿ أن لم يكن ﴾ بدلاً من ﴿ ذلك ﴾ كقوله: ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ بظلم ﴾ أي بسبب ظلم أقدموا عليه وهذا أليق بأصول الأشاعرة.

أو المراد ظالماً لكم فيكون من فعل الله وهذا أنسب بأصول المعتزلة.

ومعناه أنه  لو أهلكهم قبل بعثة الرسل ولم ينبهوا برسول ولا كتاب كان ظالماً.

وعلى هذا التفسير يمكن للأشاعرة أن يقولوا إنه لو فعل ذلك لم يكن ظلماً ولكنه يكون في صورة الظلم فأطلق الظلم على نفسه مجازاً وإلا فهو  يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله.

وأما قوله: ﴿ وأهلها غافلون ﴾ فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به وإنما معناه أنه لا يبين لهم كيفية الحال وأن لا يزيل عذرهم وعلتهم.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب ألبتة لأنها تدل على أنه تعالى ما يعذب أحداً على أمر من الأمور قبل بعثة الرسل لكن بعدها.

والمعتزلة قالوا: إنها تدل من وجه آخر على تقرير الوجوب قبل الشرع لأن قوله: ﴿ بظلم ﴾ إن كان عائداً إلى العبد دل على أنه يمكن أن يصدر منه الظلم والقبيح قبل البعثة، وإن كان عائداً إلى الله  فقد تم الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه.

ثم لما شرح أحوال أهل الثواب والعقاب ذكر كلاماً كلياً فقال: ﴿ ولكل درجات ﴾ أي ولكل عامل في عمله درجات، وعلى حسب تلك الدرجات يكون الجزاء إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

ومعنى ﴿ مما عملوا ﴾ أي من جزاء أعمالهم.

وقيل: إن أول الآية مختصة بأهل الطاعات لأن لفظ الدرجة يليق بهم ولأهل المعصية تكون الدركات وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما ربك بغافل عما يعملون ﴾ قالت الأشاعرة: في الآية دليل على مسألة الجبر والقدر فإنه  حكم لكل واحد بدرجة معينة في وقت معين وبحسب فعل معين، وأثبت تلك الدرجة في اللوح المحفوظ وأشهد عليها الملائكة وخلاف علمه وإثباته وإِشهاده محال.

ثم بين أنه ليس يحتاج إلى طاعة المطيعين ولا يدخل عليه نقص بمعصية العاصين فقال: ﴿ وربك الغني ذو الرحمة ﴾ أما أنه غني في ذاته وصفاته وأفعاله وفي أحكامه عن كل ما سواه فلوجوب وجوده، وأن ما سواه ممكن لذاته مفتقر في الوجود وفي الأمور التابعة للوجود إليه فلا غنيّ إلا هو، وأما أنه ذو الرحمة فلأن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات من الروحانيات ومن الجسمانيات فهو من الحق وبإيجاده وتخليقه، والاستقراء دل على أن الخير غالب كالصحة والشبع والسمع والبصر وما ذلك إلا لرحمته الكاملة ورأفته الشاملة.

والذي يتصوّر من رحمة الوالدين وغيرهما فإنما ذلك بإيجاد داعية ذلك فيهم ومع ذلك فتمكن الشخص من الانتفاع بها ليس إلا منه  .

ومن هذا يعلم تنزهه  عن الظلم والسفه والكذب والعبث.

ومن رحمته تكليف الخلائق ليعرضهم للمنافع الباقيات الدائمات.

ثم لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة كان لظانّ أن يظن أن للرحمة معدناً مخصوصاً وموضعاً معيناً فبين  بقوله  : ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق وقادر على أن يخلق قوماً آخرين ويضع رحمته فيهم، وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم.

ومعنى الإذهاب الإهلاك وأن لا يبلغهم مبلغ التكليف ﴿ ويستخلف من بعدكم ﴾ أي: من بعد ذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون، إلا على طريق البدل من فائت، وقوله: ﴿ ما يشاء ﴾ أي خلق ثالث ورابع.

ثم اختلفوا فقال بعضهم: خلقاً آخرين من أمثال الجن والإنس لكن أطوع، وقال أبو مسلم: يعني خلقاً ثالثاً مخالفاً للثقلين ليكون أقوى في دلالة القدرة.

ثم بيّن سبب قدرته على ذلك فقال ﴿ كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ﴾ لأن من قدر على تصوير النطفة المتشابهة الأجزاء بهذه الصور المخصومة قدر على تصويرها بصور أخرى مخالفة لها.

وقال في الكشاف: المعنى كما أنشأكم من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح  ، ثم ذكر حال المعاد فقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ قال الحسن: أي من مجيء الساعة لأنهم كانوا ينكرون القيامة، ويحتمل أن يقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ إشارة إلى لطفه أي ما يتعلق بالوعد والثواب فهو آت لا محالة.

وقوله: ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ أي خارجين عن قدرتنا وحكمنا إشارة إلى قهره، يقال: أعجزه الشيء أي فاته.

فالجزم في جانب الوعد والتعريض في جانب الوعيد دليل على أن جانب الرحمة والإحسان أغلب.

ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله بتهديد منكري البعث فقال: ﴿ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ﴾ قال الواحدي: قراءة الإفراد أوجه لأن المصدر لا يجمع في أغلب الأحوال، وقال في الكشاف: المكانة تكون مصدراً.

يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكين.

وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة، فمعنى الآية اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها.

يقال للرجل: على مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه ﴿ إني عامل ﴾ على مكانتي التي أنا عليها.

والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، والغرض تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ ﴿ فسوف تعلمون ﴾ أينا تكون له العاقبة المحمودة، والفاء لتعقيب الجزاء ألا يعادي أي قل اعملوا فستجزون وهكذا في سورة الزمر بخلاف سورة هود حيث لم يقل هناك "قل" فصار استئنافاً ومحل "من" نصب إن كان بمعنى "الذي" أو رفع والجملة مفعول تعلمون إن كان بمعنى أيّ و ﴿ عاقبة الدار ﴾ العاقبة الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها وهي مصدر كالعافية.

وهذا طريق من الإنذار لطيف المسلك فيه إنصاف وأدب ووثوق بأن المنذر محق ولهذا قيل له فإن الكافر تكون العاقبة عليه لا له.

ثم حكى أنواعاً من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهاً على ضعف عقولهم وقلة محصولهم وتنفيراً للعقلاء عن الالتفات إلى أقوال أمثالكم فقال: ﴿ وجعلوا لله ﴾ قال الزجاج: وجعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً بدليل قوله: ﴿ فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ﴾ وجعل الأوثان شركاء لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونها عليها.

ثم قال: ﴿ فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ﴾ وفي تفسيره وجوه: قال ابن عباس: كان المشركون يجعلون لله  من حروثهم وأنعامهم نصيباً وللأوثان نصيباً، فما كان للصنم أنفقوه عليه وما كان لله أطعموه الضيفان والمساكين ولا يأكلون منه ألبتة.

ثم إن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا إن الله غنيّ عن هذا، وإن سقط شيء مما جعلوا للأوثان في نصيب الله  أخذوه وردّوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير.

وإنما ذلك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها.

وعن الحسن والسدي: كان إذا هلك لأوثانهم شيء أخذوا بدله مما لله ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله تعالى.

وقال مجاهد: إنه إذا انفجر من سقى ما جعلوه للشيطان في نصيب الله عز وجل سدوه وإن كان على ضد ذلك تركوه، وقال قتادة: إذا أصابهم شدة استعانوا بالله وإذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى شركائهم.

وقال مقاتل: إن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة.

وقالوا: لو شاء زكى نصيب نفسه.

وأما إن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة قالوا لا بدّ لآلهتنا من نفقة وأخذوا نصيب الإله  فأعطوه السدنة.

فمعنى ﴿ فلا يصل إلى الله ﴾ أنه لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين، ومعنى الوصول إلى شركائهم أنهم ينفقونه عليها بذبح نسائك عندها والأجراء على سدنتها ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ مما ذرأ ﴾ فيه أن الله  كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه أي خلقه.

ثم إنه  ذم فعلهم فقال: ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ وذكر العلماء فيه وجوهاً: الأول أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانبه وهو سفه.

الثاني جعلوا بعض الحرث لله وبعضه لغيره مع أنه  هو الخالق للجميع.

الثالث أن ذلك حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع وأشار إليه بقوله ﴿ بزعمهم ﴾ الرابع لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز نصيب لكل حجر ومدر.

الخامس لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ولا قدرة لها على الانتفاع بذلك النصيب، فإفراز النصيب لها عبث.

النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة قوله: ﴿ وكذلك زين ﴾ كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياءً خوفاً من الفقر أو من التزويج، وكان الرجل يحلف بالله إن ولد له كذا غلاماً لينحرن أحدهم كما فعل عبد المطلب على ابنه عبد الله، والشركاء على الوجه الأول الشياطين الذين أطاعوهم في معصية الله تعالى، وعلى الثاني هم السدنة والخدام، والأول قول مجاهد، والثاني للكلبي.

وتقدير الكلام ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله والآلهة، أو مثل ذلك التزيين البليغ الذي علم من الشياطين زين لهم شركاؤهم من الشياطين أو من سدنة الأصنام ﴿ قتل أولادهم ﴾ بالوأد أو بالنحر.

ثم إن وجه القراءة الأكثري ظاهر وليس فيها إلا تقديم المفعول وذلك لشدة الاعتناء به، وأما قراءة أبن عامر فخطأها الزمخشري من جهة الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف فإن ذلك قد جوز بالظرف كقوله: لله در اليوم من لامها *** وضعف بغير الظرف كقوله: فزججتها بمزجة *** زج القلوص أبي مزادة وحملوه على ضرورة الشعر مع الاستكراه، والحق عندي في هذا المقام أن القرآن حجة على غيره وليس غيره حجة عليه، والقراآت السبع كلها متواترة فكيف يمكن تخطئة بعضها؟

فإذا ورد في القرآن المعجز مثل هذا التركيب لزم القول بصحته وفصاحته وأن لا يلتفت إلى أنه هل ورد له نظير في أشعار العرب وتراكيبهم أم لا، وإن ورد فكثير أم لا؟

ومع ذلك فقد وجهه بعض الفضلاء بأن المضاف إليه من الأول محذوف على نحو قوله: بين ذراعي وجبهة الأسد *** والمضاف مضمر مع الثاني كقراءة من قرأ ﴿ والله يريد الآخرة  ﴾ بالجر على تقدير غرض الآخرة، فتقدير الآية: قتل شركائهم أولادهم قتل شركائهم.

ومعنى ﴿ ليردوهم ﴾ ليهلكوهم بالإغواء.

قال ابن عباس: ليردوهم في النار.

واللام محمول على العاقبة إن كان التزيين من السدنة، وعلى حقيقة التعليل إن كان من الشيطان ﴿ وليلبسوا عليهم دينهم ﴾ ليخلطوه عليهم ويشبهوه ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق.

وقيل: دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه، وقيل: وليوقعوهم في دين ملتبس ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ لما فعل المشركون ما زين لهم، أو لما فعل الشياطين والسدنة التزيين أو الإرداء أو اللبس أو جميع ما ذكر إن جعل الضمير جارياً مجرى اسم الإشارة.

والمعتزلة حملوا هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر.

ثم قال: ﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ على قانون قوله: ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ وفيه مع التهديد التسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر والشرك.

قيل: إنما قال في هذه الآية ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ ليكون مناسباً لقوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ وقال فيما قبل: ﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه  ﴾ لأنه وقع عقيب آيات فيها ذكر الرب كقوله: ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم  ﴾ الآيات.

النوع الثالث من أحكامهم الباطلة أنهم قسموا أنعامهم أقساماً فأوّلها أن قولوا ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ وحجر "فعل" بمعنى "مفعول" كالذبح والطحن ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وأصل الحجر المنع وسمي العقل الحجر لمنعه من القبائح، وفلان في حجر القاضي أي في منعه.

كانوا إذا عينوا شيئاً من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: ﴿ لا يطعمها إلا من نشاء ﴾ يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء ﴿ و ﴾ ثانيها أن قالوا: ﴿ هذه أنعام حرمت ظهورها ﴾ وهي البحائر والسوائب والحوامي وقد سبق في المائدة.

﴿ و ﴾ ثالثها: ﴿ أنعام لا يذكرون اسم الله عليها ﴾ في الذبح وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام.

وقيل: هي أنعام لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها وإنما فعلوا ذلك كله من غير حكم من الله وشرع منه بل ﴿ افتراء عليه ﴾ وانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء.

ثم قال: ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ والمقصود منه الوعيد، ﴿ و ﴾ النوع الرابع من قضاياهم الفاسدة أن ﴿ قالوا ما في بطون هذه الأنعام ﴾ يعنون أجنة البحائر والسوائب ﴿ خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ﴾ هذا إن ولد حياً ﴿ وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ﴾ أي اشترك فيه الذكور والإناث، من قرأ بنصب ميتة فتقديره وإن يكن ما في بطونها ميتة، ومن قرأ بالرفع فعلى أن "كان تامة"، أو لأن التقدير: وإن يكن لهم أو هناك ميتة.

وإنما جاز تذكير الفعل وتأنيثه لأن تأنيث الميتة غير حقيقي، أو لأن الميتة لكل ميت ذكر أو أنثى فكأنه قيل: ميت ولهذا جاز عود الضمير إليه مذكراً في قوله: ﴿ فهم فيه شركاء ﴾ وتذكير الضمير في قوله: ﴿ فهم ﴾ للتغليب ﴿ سيجزيهم وصفهم ﴾ أي جزاء وصفهم على الله الكذب في التحليل والتحريم ﴿ إنه حكيم عليم ﴾ ليكون الزجر واقعاً على حد الحكمة وبحسب الاستحقاق.

فإن قيل: كيف أنث ﴿ خالصة ﴾ وذكر ﴿ محرماً ﴾ ؟

قلنا: الأول حمل على المعنى لأن ما في بطون الأنعام في معنى الأجنة، والثاني حمل على اللفظ، وفي الأول وجهان آخران: أن تكون التاء للمبالغة مثل رواية الشعر وأن يكون مصدراً كالعاقبة أي ذو خالصة.

ثم إنه  جمع قبائح أحكامهم وأفعالهم وحكم عليهم بالخسران والسفاهة وعدم العلم والضلال وعدم الاهتداء فقال ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم ﴾ الآية.

وذلك أن الولد نعمة عظيمة من الله تبقي ذكره ونسله فالسعي في إبطال مثل هذه النعمة لضرر مظنون هو الفقر أو نحوه، أو لفائدة موهومة هي القربة إلى الأصنام دليل خفة العقل وعدم العلم وأنه موجب لخسران الدارين.

وكذا تحريم ما أحل الله من الطيبات بالهوى والتقليد بل لمحض الافتراء على الله وإن ذلك من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، ولهذا سجل عليهم آخراً بالضلال ثم بعدم الاهتداء ليحصل كلا الأمرين لهم بالمطابقة كما حصل بالتضمن والله أعلم.

التأويل: ﴿ مهلك القرى ﴾ أي قرى أشخاص الإنسان ﴿ بظلم ﴾ وهو صرف الاستعداد الفطري في استيفاء اللذات الفانية ﴿ وأهلها غافلون ﴾ لم يبلغوا مبلغ التكليف بعد.

﴿ وربك الغني ﴾ عن كل مخلوق عامة وعن الإنسان خاصة ﴿ ذو الرحمة ﴾ خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح عليهم.

﴿ واعملوا على مكانتكم ﴾ أي على ما جبلتم عليه ﴿ إني عامل ﴾ على ما جبلت عليه ﴿ قتل أولادهم شركاؤهم ﴾ من الشياطين والنفس والهوى والدنيا ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ لأنهم ذهبوا مذهب الطبع لا مذهب الشرع، والعمل بالطبع وإن كان فيه نوع مجاهدة النفس لا يكون له نور إذا لم يكن لامتثال الشرع ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم ﴾ لأن ذلك نتيجة انتزاع الرحمة عن قلوبهم وحرموا ما رزقهم الله صورة وهو ظاهر، ومعنى وهو استعداد حصول مراتب أهل القرب ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ لأن خشية الفقر حملتهم على قتل الأولاد.

وقال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ .

يعني: من تقدم ذكره من الجن، والإنس، أو نحشر الأولين والآخرين.

﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ ﴾ .

هو على الإضمار؛ كأنه قال: يوم نحشرهم جميعاً [يا معشر] الجن والإنس، ثم نقول للجن: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ ، كقوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، أي: يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى؛ فكذلك هذا هو على الإضمار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ .

قال أهل التأويل في قوله: ﴿ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ : [أي: أضللتم كثيراً من الإنس] وهم قد استكثروا من الأتباع من الإنس: في عبادة غير الله، ومخالفة أمر الله وتوحيده أو: قد استكثرتم عبادا من الإنس.

﴿ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: تعاون بعضنا ببعض في معصية الله ومخالفة أمره: هؤلاء بالدعاء وأولئك بالإجابة.

وقال قائلون: ربنا استمتع بعضنا ببعض أي: انتفع بعضنا ببعض بأنواع المنافع: ما ذكر - في بعض القصة - أن الرجل من الإنس إذا سافر فأدركه المساء بأرض القفر خاف؛ فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه؛ فيأمن في ذلك بالتعوذ إلى سيدهم؛ فذلك استمتاع الإنس بالجن؛ فذلك [قوله]: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ ﴾ الآية [الجن: 6].

وأمّا استمتاع الجن بالإنس [فهو] ما يزداد لهم الذكر والشرف في قومهم، يقولون: لقد سودتنا الإنس.

ويحتمل استمتاع الجن بالإنس ما ذكر - إن ثبت - أنه جعل طعامهم العظام التي يستعملها الإنسان، ويكون ذلك غذاءهم، وعلف دوابهم أرواث دواب الإنس.

وقال الحسن: ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت الإنس، فعلمت ذكر جواب الإنس لهم، ولم يذكر جواب الجن لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا ﴾ .

قيل: الموت.

وقيل: البعث يوم القيامة؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث؛ فأقروا عند ذلك: بأنا قد بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا وكنا كذبناه، أقروا بما كانوا ينكرون.

﴿ قَالَ ﴾ \[أي\] الله: ﴿ ٱلنَّارُ مَثْوَٰكُمْ ﴾ \[أي مقامكم\].

﴿ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .

اختلف فيه: قال الحسن: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ : وقد شاء [الله] أن يخلدهم في النار.

وقال غيره: الاستثناء من وقت البعث إلى وقت الخلود، وهو وقت الحساب [ووقت الحساب] هو وقت الثنيا، ﴿ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ما داموا في الحساب.

وقيل: الاستثناء للمؤمنين [الذين] اتبعوهم في فعل المعاصي والجرم ولم يتبعوهم في الاعتقاد؛ ففيه دليل إدخال المؤمنين النار بالمعاصي، والعقوبة لهم بقدر معصيتهم، ودليل إخراجهم منها، إن ثبت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ يحتمل وجوهاً ثلاثة: أحدها: أن خلود الآخرة أكبر من خلود الدنيا؛ لأن خلود الدنيا على الانقضاء، وخلود الآخرة لا على الانقضاء.

والثاني: وقع الثنيا قبل دخولهم [في] النار.

والثالث: لمن لم يتبعهم في الكفر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ ﴾ .

أي: حكيم بما حكم ووضع كل شيء موضعه، عليم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .

الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأن الولاية [إنما تكون بأفعالهم ثم أضاف الولاية إلى نفسه دل أنه من الله في ذلك صنع، وهو أن خلق سبب الولاية] منهم، ثم ذكر أن المؤمنين بعض أولياء بعض بقوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ وذكر أن الكافرين بعضهم أولياء بعض بقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: لم يكن من الجن رسل إنما كان الرسل من الإنس، لكنه أضاف إلى الفريقين جميعاً؛ كقوله: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ  ﴾ ، وإنما يخرج من أحدهما، وكقوله: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً  ﴾ : وإنما جعل في واحدة منهن، وكقول الناس: في سبع قبائل مسجد واحد: وإنما يكون في واحد منها، وقد يضاف الشيء إلى جماعة والمراد [منه] واحد؛ فعلى ذلك ما ذكر من إضافة الرسل إلى الإنس والجن.

وقال بعضهم: كان من الفريقين جميعاً: الرسول من الجن جني، ومن الإنس إنسي؛ لأن الجن يسترون من الإنس، فإنما يرسل إلى الإنس رسلا يظهرون لهم؛ فبعث إلى كل فريق الرسول من جوهرهم.

وقال بعضهم: كان الرسل من الإنس إلى الفريقين جميعاً، وكان [من] الجن نذير؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ...

﴾ الآية [الأحقاف: 29] ذكر النذر منهم ولم يذكر الرسل، ومرتبة النذر دون مرتبة الرسل، كرتبة الأنبياء من الرسل، ولكن يجوز أن يقوي الرسل - وإن كان من الإنس - على الإظهار لهم، وليس فيما يسترون عنهم منع بعث الرسل إليهم من الإنس، وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة؛ إنما الحاجة إلى معرفة الآيات والحجج التي يأتي [بها] الرسل، وقد عجز الخلائق جميعاً عن إتيان مثل هذا القرآن؛ لقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ  ﴾ : فقد أعجز الجن والإنس عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وإن كان الجن أقوى على الأشياء من الإنس؛ فدل أنه آية ودل عجز الجن عن ذلك وإن كانوا أقوى على أن غيرهم أعجز.

ألا ترى: أنه أنزل هذا القرآن على لسان العرب ثم عجزوا هم عن إتيان مثله؛ فدل عجزهم عن ذلك على أن العجم له أعجز.

وجائز أن يكون الرسل إن كانوا من الإنس فإن الجن يستمعون من الرسل؛ فيلزمهم الحجة والعمل بذلك والتبليغ إلى قومهم، من غير أن يعلم الرسل بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ﴾ .

يحتمل يتلون عليكم آياتي، ويحتمل: ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ﴾ يبينون لكم [ما في آيات وحدانيته وألوهيته] وآيات البعث الذي تنكرون.

﴿ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ ، أي: لقاء يومكم الذي تلقون ودل قوله: ﴿ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ على أن ذلك إنما يقال لهم في الآخرة.

﴿ قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا ﴾ .

هذا منهم إقرار لما كان منهم من التكذيب؛ كقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ  ﴾ ، أي شهدنا على أنفسنا بأنا كنا كذبنا الرسل في الدنيا بما قالوا وأخبروا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

إن للدنيا معنيين: ظاهراً وباطناً، فيكون للظاهر غرور من كان نظره [إلى الظاهر] يغره، ولها باطن ومن نظر إلى ذلك الباطن يعظه.

أما ظاهرها: من تزيينها، وزخرفها فالكافر نظر إلى ظاهرها فاغتر بها.

وأما باطنها: فهو انتقالها من حال إلى حال وزوالها وفناؤها فمن نظر إلى ذلك اتعظ به ويعلم معناها ويعرف أنه لم يخلق لهذه ولكن لعاقبة تتأمل.

ثم إضافة الغرور إليها، أي: يكون منها ما لو كان ذلك من ذي عقل وذهن كان ذلك غرور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ ﴾ .

هذا اعتراف بما كان منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ ما تقدم من قوله: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ ، ونحوهما من الآيات التي ذكر فيها العذاب.

ويحتمل ذلك إشارة إلى الهلاك الذي كان بالأمم الخالية: أن لم يكن يهلك القرى بظلم ظلموا أنفسهم إهلاك تعذيب واستئصال إلا بعد [ما] يقدم الوعيد لهم في ذلك وسؤال كان منهم بالعذاب، ولا يهلك - أيضاً - وهم غافلون عن الظلم والعصيان، لا أنه لا يسعه؛ ولكن سنة فيهم ألا يهلك إلا بعد تقدم ما ذكرنا؛ لئلا يحتجوا فيقولوا: ﴿ لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وإن لم يكن لهم الاحتجاج بذلك لما مكن لهم وركب فيهم ما به يعرفون أنه لم يخلقهم ليتركهم سدى؛ ولكن خلقهم لعاقبة، لكن سنته قد مضت في الأمم الماضية: [أنه] لا يهلك قوماً إهلاك تعذيب واستئصال إلا بعد ما يسبق منه وعيد وإنذار، والعلم لهم بالظلم، وظهور العناد منهم والمكابرة، والسؤال بالعذاب سؤال تعنت، وذلك منه فضل ورحمة، لا أنه لا يسعه ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾ .

استدل بعض الناس بظاهر هذه الآية أن الجن لهم ثواب بالطاعات وعقاب بالمعاصي؛ لأنه أخبر أن لكل [منهم] درجات مما عملوا، وإنما تقدم ذكر الفريقين جميعاً بقوله: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ \[وقوله\] ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ : ذكر ما كان من الفريقين جميعاً من المعاصي والجرم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ ﴾ : راجع إلى الفريقين جميعاً، لكل درجات منهم: إن عملوا خيرا فخير، وإن [عملوا] شرا فشر [وبه] قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - واحتجوا لأبي حنيفة - رحمه الله - أن قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ ﴾ إنما ذكر على أثر آيات كان الخطاب بها للكفرة دون المؤمنين؛ فعلى قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾ يكون لهم هذا الوعيد خاصة، ويكون قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ ﴾ ، أي: دركات ومراتب من العذاب والعقاب؛ مما عملوا من المعاصي والتكذيب للرسل، ولأن الثواب لزومه لزوم فضل ومنَّة، والعذاب توجبه الحكمة؛ لأن في الحكمة أن يعاقب من عصاه وخالف أمره وأمّا الثواب فوجوبه الفضل؛ لأنه كان من الله إلى الخلق من النعم والإحسان [ما لو حمدوا كل حمدهم] ما قدروا على أن يؤدوا شكر واحد من ذلك، فتكون طاعتهم شكراً لما أنعم عليهم، فإذا كان كذلك لا يكون لأعمالهم ثواب إلا بالبيان من الله، كما لا يقال للملائكة: إن لهم ثواباً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ ، يحتمل وجهين: وما ربك بغافل عن أعمالهم التي يعملونها في معصية الله -  - ولكن يؤخر تعذيبهم؛ رحمة منه، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ...

﴾ الآية [إبراهيم: 42].

والثاني: عن علم بأعمالهم، وصنيعهم خلقهم، لا عن جهل، لكن خلقهم على علم بذلك؛ لما كان ضرر أعمالهم ومنافعها ترجع إليهم لا إليه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولكل منهم درجات بحسب أعمالهم، فلا يستوي كثير الشر وقليله، التابع والمتبوع، كما لا يستوي ثواب الذين يعملون الصالحات، وليس ربك بغافل عما كانوا يعملونه، بل هو مطلع عليه، لا يخفى عليه منه شيء، وسيجازيهم على أعمالهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.1z4ZY"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله