الآية ١٤٠ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٤٠ من سورة الأنعام

قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَحَرَّمُوا۟ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا۟ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ١٤٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 66 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٠ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٠ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : قد خسر الذين فعلوا هذه الأفعال في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم ، وضيقوا عليهم في أموالهم ، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم ، وأما في الآخرة فيصيرون إلى شر المنازل بكذبهم على الله وافترائهم ، كما قال تعالى : ( إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ) [ يونس : 69 ، 70 ] .

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن أيوب ، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام ، ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ) .

وهكذا رواه البخاري منفردا في كتاب " مناقب قريش " من صحيحه ، عن أبي النعمان محمد بن الفضل عارم ، عن أبي عوانة - واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري - عن أبي بشر - واسمه جعفر بن أبي وحشية بن إياس ، به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قد هلك هؤلاء المفترون على ربهم الكذبَ, (25) العادلون به الأوثانَ والأصنام, الذين زين لهم شركاؤهم قتل أولادهم, وتحريم [ما أنعمت به] عليهم من أموالهم, (26) فقتلوا طاعة لها أولادهم, وحرّموا ما أحل الله لهم وجعله لهم رزقًا من أنعامهم =" سفها "، منهم.

يقول: فعلوا ما فعلوا من ذلكَ جهالة منهم بما لهم وعليهم, ونقصَ عقول, وضعفَ أحلام منهم, وقلة فهم بعاجل ضرّه وآجل مكروهه، من عظيم عقاب الله عليه لهم (27) =(افتراء على الله)، يقول: تكذّبًا على الله وتخرصًا عليه الباطل (28) =(قد ضلوا)، يقول: قد تركوا محجة الحق في فعلهم ذلك, وزالوا عن سواء السبيل (29) =(وما كانوا مهتدين)، يقول: ولم يكن فاعلو ذلك على هدًى واستقامة في أفعالهم التي كانوا يفعلون قبل ذلك, ولا كانوا مهتدين للصواب فيها، ولا موفقين له .

(30) * * * ونـزلت هذه الآية في الذين ذكر الله خبرهم في هذه الآيات من قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا الذين كانوا يبحرون البحائر, ويسيِّبون السوائب, ويئدون البنات ، كما:- 13950- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال عكرمة، قوله: (الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم)، قال: نـزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومُضَر, كان الرجل يشترط على امرأته أن تستحيي جارية وتئد أخرى.

فإذا كانت الجارية التي تَئِد، غدا الرجل أو راح من عند امرأته، (31) وقال لها: " أنت علي كظهر أمِّي إن رجعت إليك ولم تئديها "، فتخُدُّ لها في الأرض خدًّا, (32) وترسل إلى نسائها فيجتمعن عندها, ثم يتداولنها, (33) حتى إذا أبصرته راجعًا دستها في حفرتها, ثم سوّت عليها التراب .

13951- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ثم ذكر ما صنعوا في أولادهم وأموالهم فقال: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم وحرموا ما رزقهم الله) .

13952- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم)، فقال: هذا صنيع أهل الجاهلية.

كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السِّباء والفاقة، ويغذو كلبه = وقوله: (وحرموا ما رزقهم الله)، الآية, وهم أهل الجاهلية.

جعلوا بحيرةً وسائبة ووصيلةً وحاميًا, تحكمًا من الشياطين في أموالهم .

13953- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، إذا سرَّك أن تعلم جهل العرب, فاقرأ ما بعد المائة من سورة الأنعام قوله: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم)، الآية .

* * * وكان أبو رزين يتأوّل قوله: (قد ضلوا)، أنه معنيٌّ به: قد ضلوا قبل هؤلاء الأفعال = من قتل الأولاد، وتحريم الرزق الذي رزقهم الله = بأمور غير ذلك .

13954- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يزيد، قال، حدثنا سعيد, عن سفيان, عن الأعمش, عن أبى رزين في قوله: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم)، إلى قوله: (قد ضلوا)، قال: قد ضلوا قبل ذلك .

---------------------- الهوامش : (25) انظر تفسير (( الخسار )) فيما سلف 11 : 324 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(26) في المخطوطة والمطبوعة : (( وتحريم ما حرمت عليهم من أموالهم )) ، وهو لا يطابق تفسير الآية بل يناقضه ، ورجحت الصواب ما أثبت بين القوسين .

(27) انظر تفسير (( السفه )) فيما سلف 1 : 293 - 295 / 3 : 90 ، 129 / 6 : 57 (28) انظر تفسير (( الافتراء )) فيما سلف : ص : 146 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

وكان في المطبوعة : (( تكذيبًا )) ، والصواب ما في المخطوطة .

(29) انظر تفسير (( الضلال )) فيما سلف من فهارس اللغة (( ضلل )) (30) انظر تفسير (( الاهتداء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدي ) .

(31) في المطبوعة : (( فإذا كانت الجارية التي توأد غدا الرجل ...

)) ، وفي المخطوطة : (( فإذا كانت الجارية التي تئيد عبد الرجل أو راح من عند امرأته )) ، والصواب ما أثبت .

معنى ذلك : أنه إذا ولدت المرأة الجارية التي شرط عليها أن تئدها غدا أو راح وقال ...

(32) (( خد في الأرض خدا)) : شق في الأرض شقًا .

(33) هكذا في المطبوعة : (( ثم يتداولنها )) ، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة ، وممكن أن تقرأ كما هي في المطبوعة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدينأخبر بخسرانهم لوأدهم البنات وتحريمهم البحيرة وغيرها بعقولهم ; فقتلوا أولادهم سفها خوف الإملاق ، وحجروا على أنفسهم في أموالهم ولم يخشوا الإملاق ; فأبان ذلك عن تناقض رأيهم .

قلت : إنه كان من العرب من يقتل ولده خشية الإملاق ; كما ذكر الله عز وجل في غير هذا [ ص: 88 ] الموضع .

وكان منهم من يقتله سفها بغير حجة منهم في قتلهم ; وهم ربيعة ومضر ، وكانوا يقتلون بناتهم لأجل الحمية .

ومنهم من يقول : الملائكة بنات الله ; فألحقوا البنات بالبنات .

وروي أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزال مغتما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لك تكون محزونا ؟

فقال : يا رسول الله ، إني أذنبت ذنبا في الجاهلية فأخاف ألا يغفره الله لي وإن أسلمت !

فقال له : أخبرني عن ذنبك .

فقال : يا رسول الله ، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم ، فولدت لي بنت فتشفعت إلي امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت ، وصارت من أجمل النساء فخطبوها ; فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج ، فقلت للمرأة : إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي ، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلي ، وأخذت علي المواثيق بألا أخونها ، فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر ; فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول : يا أبت !

أيش تريد أن تفعل بي !

فرحمتها ، ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية ، ثم التزمتني وجعلت تقول : يا أبت لا تضيع أمانة أمي ; فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها ، حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة ، وهي تنادي في البئر : يا أبت ، قتلتني .

فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت .

فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال : لو أمرت أن أعاقب أحدا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم بين خسرانهم وسفاهة عقولهم فقال: { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي: خسروا دينهم وأولادهم وعقولهم، وصار وصْفُهم -بعد العقول الرزينة- السفه المردي، والضلال.

{ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ } أي: ما جعله رحمة لهم، وساقه رزقا لهم.

فردوا كرامة ربهم، ولم يكتفوا بذلك، بل وصفوها بأنها حرام، وهي من أَحَلِّ الحلال.

وكل هذا { افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ } أي: كذبا يكذب به كل معاند كَفَّار.

{ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } أي: قد ضلوا ضلالا بعيدا، ولم يكونوا مهتدين في شيء من أمورهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قد خسر الذين قتلوا أولادهم ) قرأ ابن عامر وابن كثير " قتلوا " بتشديد التاء على التكثير ، وقرأ الآخرون بالتخفيف .

( سفها ) جهلا .

( بغير علم ) نزلت في ربيعة ومضر وبعض العرب من غيرهم ، كانوا يدفنون البنات أحياء مخافة السبي والفقر ، وكان بنو كنانة لا يفعلون ذلك .

( وحرموا ما رزقهم الله ) يعني : البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، ( افتراء على الله ) حيث قالوا : إن الله أمرهم بها ، ( قد ضلوا وما كانوا مهتدين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قد خسر الذين قتلوا» بالتخفيف والتشديد «أولادهم» بالوأد «سفها» جهلا «بغير علم وحرَّموا ما رزقهم الله» مما ذكر «افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قد خسر وهلك الذين قتلوا أولادهم لضعف عقولهم وجهلهم، وحرموا ما رزقهم الله كذبًا على الله.

قد بَعُدوا عن الحق، وما كانوا من أهل الهدى والرشاد.

فالتحليل والتحريم من خصائص الألوهية في التشريع، والحلال ما أحله الله، والحرام ما حرَّمه الله، وليس لأحد من خَلْقه فردًا كان أو جماعة أن يشرع لعباده ما لم يأذن به الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

{ قَدْ خَسِرَ الذين قتلوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله افترآء عَلَى الله } .قال الإمام ابن كثير : قد خسر الذين فعلوا هذه الأفاعيل فى الدنيا والآخرة ، أما فى الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم ، وضيقوا على أنفسهم فى أموالهم ، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم .

وأما فى الآخرة فيصيرون إلى أسوأ المنازل بكذبهم على الله وافترائهم " .والتعبير بخسر بدون ذكر مفعول معين يقع عليه الفعل للإشارة إلى أن خسارتهم خسارة مطلقة من أى تحديد ، فهى خسارة دينية وخسارة دنيوية - كما قال ابن كثير .وقرأ ابن عامر { قتلوا } بالتشديد .

أى : فعلوا ذلك كثيراً ، إذ التضعيف يفيد التكثير .و { سَفَهاً } منصوب على أنه على لقتلوا أى : لخفة عقولهم وجهلهم قتلوا أولادهم .

أو منصوب على أنه حال من الفاعل فى قتلوا وهو ضمير الجماعة .والسفه : خفة فى النفس لنقصان العقل فى أمور الدنيا أو الدين .وقوله { وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله } أى من البحائر والسوائب ونحوهما ، وهو معطوف على { قتلوا } .ثم بين - سبحانه - نتيجة ذلك القتل والتحريم فقال : { قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } أى : قد ضلوا عن الصراط المستقيم بأقوالهم وأفعالهم القبيحة وما كانوا مهتدين إلى الحق والصواب .قال الشهب ، وفى قوله { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } بعد قوله { قَدْ ضَلُّواْ } مبالغة فى نفى الهداية عنهم ، لأن صيغة الفعل تقتضى حدوث الضلال بعد أن لم يكن .

فلذا أردف بهذه الحال لبيان عراقتهم فى الضلال ، وإنما ضلالهم الحادث ظلمات بعضها فوق بعض " .روى البخارى عن ابن عباس قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام { قَدْ خَسِرَ الذين قتلوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله افترآء عَلَى الله قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى ذكر فيما تقدم قتلهم أولادهم وتحريمهم ما رزقهم الله.

ثم إنه تعالى جمع هذين الأمرين في هذه الآية وبين ما لزمهم على هذا الحكم، وهو الخسران والسفاهة، وعدم العلم، وتحريم ما رزقهم الله، والافتراء على الله، والضلال وعدم الاهتداء، فهذه أمور سبعة وكل واحد منها سبب تام في حصول الذم.

أما الأول: وهو الخسران، وذلك لأن الولد نعمة عظيمة من الله على العبد، فإذا سعى في إبطاله، فقد خسر خسراناً عظيماً لا سيما ويستحق على ذلك الإبطال الذم العظيم في الدنيا، والعقاب العظيم في الآخرة.

أما الذم في الدنيا فلأن الناس يقولون قتل ولده خوفاً من أن يأكل طعامه وليس في الدنيا ذم أشد منه.

وأما العقاب في الآخرة، فلأن قرابة الولادة أعظم موجبات المحبة فمع حصولها إذا أقدم على إلحاق أعظم المضار به كان ذلك أعظم أنواع الذنوب، فكان موجباً لأعظم أنواع العقاب.

والنوع الثاني: السفاهة وهي عبارة عن الخفة المذمومة، وذلك لأن قتل الولد إنما يكون للخوف من الفقر، والفقر وإن كان ضرراً إلا أن القتل أعظم منه ضرراً، وأيضاً فهذا القتل ناجز وذلك الفقر موهوم فالتزام أعظم المضار على سبيل القطع حذراً من ضرر قليل موهوم، لا شك أنه سفاهة.

والنوع الثالث: قوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ فالمقصود أن هذه السفاهة إنما تولدت من عدم العلم ولا شك أن الجهل أعظم المنكرات والقبائح.

والنوع الرابع: تحريم ما أحل الله لهم، وهو أيضاً من أعظم أنواع الحماقة، لأنه يمنع نفسه تلك المنافع والطيبات، ويستوجب بسبب ذلك المنع أعظم أنواع العذاب والعقاب.

والنوع الخامس: الافتراء على الله، ومعلوم أن الجراءة على الله، والافتراء عليه أعظم الذنوب وأكبر الكبائر.

والنوع السادس: الضلال عن الرشد في مصالح الدين ومنافع الدنيا.

والنوع السابع: أنهم ما كانوا مهتدين، والفائدة فيه أنه قد يضل الإنسان عن الحق إلا أن يعود إلى الاهتداء، فبين تعالى أنهم قد ضلوا ولم يحصل لهم الاهتداء قط فثبت أنه تعالى ذم الموصوفين بقتل الأولاد وتحريم ما أحله الله تعالى لهم بهذه الصفات السبعة الموجبة لأعظم أنواع الذم، وذلك نهاية المبالغة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

نزلت في ربيعة ومضر والعرب الذين كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر ﴿ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ لخفة أحلامهم، وجهلهم بأنّ الله هو رازق أولادهم، لا هم.

وقرئ: ﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد ﴿ مَا رَزَقَهُمُ الله ﴾ من البحائر والسوائب وغيرها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِمُ العَرَبَ الَّذِينَ كانُوا يَقْتُلُونَ بَناتِهم مَخافَةَ السَّبْيِ والفَقْرِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ قَتَّلُوا بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى التَّكْثِيرِ.

﴿ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ لِخِفَّةِ عَقْلِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى رازِقُ أوْلادِهِمْ لا هُمْ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الحالِ أوِ المَصْدَرِ.

﴿ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ ﴾ مِنَ البَحائِرِ ونَحْوِها.

﴿ افْتِراءً عَلى اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ الوُجُوهَ المَذْكُورَةَ في مِثْلِهِ.

﴿ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ إلى الحَقِّ والصَّوابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَدْ خَسِرَ الذين قَتَلُواْ أولادهم} كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر قَتَّلُواْ مكي وشامي {سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ} لخفة أحلامهم وجهلهم بأن لله هو رازق أولادهم لا هم {وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله} من البحائر والسوائب وغيرها {افتراء عَلَى الله} مفعول له {قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} إلى الصواب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ ﴾ وهُمُ العَرَبُ الَّذِينَ كانُوا يَقْتُلُونَ أوْلادَهم عَلى ما مَرَّ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن كانَ يَئِدُ البَناتَ مِن رَبِيعَةَ ومُضَرَ أيْ هَلَكَتْ نُفُوسُهم بِاسْتِحْقاقِهِمْ عَلى ذَلِكَ العِقابَ أوْ ذَهَبَ دِينُهم وُدُنْياهم.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( قَتَّلُوا ) بِالتَّشْدِيدِ لِمَعْنى التَّكْثِيرِ أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ كَثِيرًا ﴿ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أيْ لِخِفَّةِ عَقْلِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِصِفاتِ رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ ونُصِبَ ﴿ سَفَهًا ﴾ عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لَقَتَلُوا أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِهِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ ( سُفَهاءَ ) أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا صِفَةٌ أوْ حالٌ.

﴿ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ ﴾ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِها ﴿ افْتِراءً عَلى اللَّهِ ﴾ نُصِبَ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ عُتُوِّهم وطُغْيانِهِمْ ﴿ قَدْ ضَلُّوا ﴾ عَنِ الطَّرِيقِ السَّوِيِّ ﴿ وما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ (140) إلَيْهِ وإنْ هُدُوا بِفُنُونِ الهِداياتِ أوْ ما كانُوا مُهْتَدِينَ مِنَ الأصْلِ والمُرادُ المُبالَغَةُ في نَفْيِ الهِدايَةِ عَنْهم لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَقْتَضِي حُدُوثَ الضَّلالِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فَأرْدَفَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الحالِ لِبَيانِ عَراقَتِهِمْ في الضَّلالِ وأنَّ ضَلالَهُمُ الحادِثَ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وصَرَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ الجُمْلَةَ عَطْفٌ عَلى ( ضَلُّوا ) عَلى الأوَّلِ واعْتِراضٌ عَلى الثّانِي وقَرَأ ابْنُ رَزِينٍ ( قَدْ ضَلُّوا قَبْلَ ذَلِكَ وما كانُوا مُهْتَدِينَ ) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كانوا يسمون لله جزءاً من الحرث، ولأوثانهم جزءاً.

فما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه.

وما ذهبت به الريح من الجزء الذي سموه لله إلى جزء الأصنام تركوه وقالوا إن الله غني عن هذا.

وقال السدي: ما خرج من نصيب الأصنام أنفقوه عليها، وما خرج من نصيب الله تصدقوا به.

فإذا هلك الذي لشركائهم وكثر الذي لله قالوا: ليس لآلهتنا بدّ من النفقة.

فأخذوا الذي لله، وأنفقوه على الأصنام.

وإذا هلك الذي لله وكثر الذي للأصنام قالوا: لو شاء الله لأزكى ماله فلا يزيدون عليه شيئاً.

فذلك قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ يعني: مما خلق من الحرث والأنعام نَصِيباً يعني: جعلوا لله نصيباً، ولشركائهم نصيباً، فاقتصر على المذكور لأن في الكلام دليلاً على المسكوت عنه فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ يقول بقولهم ولم يأمرهم الله بذلك وَهذا لِشُرَكائِنا يعني: للأصنام فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ يعني: لأصنامهم فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ يقول: فلا يضعون شيئاً في نصيب الله وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ يقول: يوضع في نصيبهم ساءَ مَا يَحْكُمُونَ يعني: لو كان معه شريك كما يقولون ما عدلوا في القسمة.

ويقال: ساءَ مَا يَحْكُمُونَ حيث وصفوا لله شريكاً.

قرأ الكسائي (بزعمهم) بضم الزاي وقرأ الباقون بالنصب وهما لغتان ومعناهما واحد.

ثم قال تعالى: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ يعني: زين لهم شركاؤهم وهم الشياطين قتل أولادهم، لأنهم يقتلون أولادهم مخافة الفقر والحمية، ويدفنون بناتهم أحياء فزين لهم الشيطان ذلك، كما زيّن لهم تحريم الحرث والأنعام.

ويقال: كان واحد منهم ينذر أنه إذا ولد كذا وكذا ولد يذبح واحداً منهم كما فعل عبد المطلب.

فزين لهم الشيطان قتل أولادهم.

فذلك قوله وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام وَكَذلِكَ زَيَّنَ بضم الزاي قَتْلَ بضم اللام أَوْلادِهِمْ بفتح الدال شُرَكائِهِمْ بالخفض.

وإنما قرئ زَيَّنَ بالضم على فعل ما لم يسم فاعله ومعناه: قتل شركائهم على معنى التقديم، وهم أولادهم لأن أولادهم شركاؤهم في أموالهم، فصار شركاؤهم نعتاً للأولاد، وصار الأولاد نصباً على وجه التفسير.

وقرأ الباقون زَيَّنَ بالنصب لأنه فعل ماض شُرَكاؤُهُمْ بالضم لأنه جعل الشركاء على وجه الفاعل.

ثم قال: لِيُرْدُوهُمْ يعني: ليهلكوهم بذلك وَلِيَلْبِسُوا يعني: ليخلطوا وليشبهوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ يعني: دين إبراهيم وإسماعيل.

ثم قال: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ يعني: لو شاء الله لمنعهم من ذلك منع اضطرار وقهر وأهلكهم فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ يعني: دعهم وما يكذبون بأن الله أمرهم بذلك، ومعناه: أن الله مع قدرته عليهم قد تركهم إلى وقت قدرهم، فاتركهم أنت أيضاً إلى الوقت الذي تؤمر بقتالهم.

ويقال: معناه دعهم فإنّ لهم موعداً بين يدي الله فيحاسبهم ويجازيهم بها.

قوله تعالى: وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحرث وهو نوع من الزرع حرموها على النساء.

حِجْرٌ يعني: حرام والحجر يكون عبارة عن العقل كقوله تعالى: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: 5] أي: لذي لب وعقل ويكون عبارة عن الحرام كقوله: حِجْراً مَحْجُوراً [الفرقان: 22] يعني: حراما محرما وكقوله هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ [الأنعام: 138] يعني: حراماً لاَّ يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ من الرجال دون النساء، وهو مالك بن عوف كان يفتيهم بالحل والحرمة.

وكان يقول: هذا يجوز وهذا لا يجوز لأشياء كانوا حرموها برأيهم.

ثم قال وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وهي الحام من الإبل كانوا يتركونها ولا يركبونها وَأَنْعامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا يعني: عند الذبيحة ويقال: عند الركوب وهي البحيرة افْتِراءً عَلَيْهِ يعني: اختلاقاً وكذباً على الله بأنه أمرهم بذلك سَيَجْزِيهِمْ يعني: سيعاقبهم بِما كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: يكذبون على الله بأنه أمرهم وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا قال الكلبي يعني: البحيرة والوصيلة حلال لذكورنا ما دامت في الأحياء، وليس للنساء فيه شركة ولا نصيب.

فذلك قوله: وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً يعني: من هذه الأنعام فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ يعني: الرجال والنساء في أكلها.

وقال الضحاك: كانت الناقة إذا ولدت فصيلاً ذكراً حرموا لحم الفصيل ولبن الناقة على النساء دون الرجال، وإن وضعت فصيلاً ميتاً اشتركت الرجال والنساء في لحم الفصيل ولبن الناقة.

ذكر في أول الكلام خالِصَةٌ لفظ التأنيث، لأنه انصرف إلى المعنى، ومعناه: حمله ما في بطون هذه الأنعام.

ثم قال وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ذكر بلفظ التذكير، لأنه انصرف إلى قوله: مَا فِي بُطُونِ قرأ عاصم في رواية أبي بكر وأن تَكُنْ بالتاء على معنى التأنيث مَيْتَةً بالنصب يعني: وإن تكن الجماعة ميتة صارت الميتة خبر كان.

وقرأ ابن عامر وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً بالضم يعني: وإن كانت ميتة جعلها اسم كان رفعاً وقرأ ابن كثير وَإِنْ يَكُنْ بالياء مَيْتَةً بالضم يعني وإن: كان ما فيه ميتة بلفظ التذكير وجعل الميتة اسم كان.

وقرأ الباقون وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً جعلوا الميتة خبر كان بلفظ التذكير.

ثم قال: سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ صار نصباً لنزع الخافض يعني: سيعاقبهم بكذبهم إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ حَكِيمٌ عليهم بالعذاب عَلِيمٌ بهم.

وفي الآية دليل أن العالم ينبغي أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به حتى يعلم فساد قوله، ويعلم كيف يرد عليه لأن الله تعالى أعلم النبيّ  وأصحابه قول من خالفهم في زمانهم، ليعرفوا فساد قولهم.

قوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ يعنوا: دفنوا بناتهم أحياء وقتلوهن سَفَهاً صار نصباً لنزع الخافض يعني: جهلاً منهم بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير حجة منهم في قتلهن وهم ربيعة ومضر كانوا يقتلون بناتهم لأجل الحمية.

وروي عن رسول الله  أن رجلاً من أصحابه كان لا يزال مغتماً بين يديه فقال له رسول الله  «مَا لَكَ تَكن مَحْزُوناً» ؟

فقال: يا رسول الله إني قد أذنبت في الجاهلية ذنباً، فأخاف أن لا يغفر لي وإني أسلمت فقال له: «أَخْبِرْنِي عَنْ ذَنْبِكَ» فقال: يا رسول الله: إني كنت من الذين يقتلون بناتهم فولدت لي بنت، فتشفعت إليَّ امرأتي بأن أتركها فتركتها حتى كبرت، وأدركت فصارت من أجمل النساء فخطبوها، فدخلت عليَّ الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج.

فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب بها إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي فسرت بذلك وزيّنتها بالثياب والحلي، وأخذت عليَّ المواثيق بأن لا أخونها فذهبت بها إلى رأس بئر، فنظرت إلى البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر، فالتزمت بي وجعلت تبكي وتقول: يا أبت أي شيء تريد أن تفعل بي فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت عليّ الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمي فجعلت مرة أنظر في البئر، ومرة أنظر إليها، وأرحمها حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة وهي تنادي في البئر يا أبت قتلتني.

فمكثت هناك حتى انقطع صوتها.

فرجعت فبكى رسول الله  وأصحابه وقال «لَوْ أُمِرْتُ أَنْ أعَاقِبَ أَحَداً بِمَا فَعَلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ لَعَاقَبْتُكَ بِمَا فَعَلْتَ» .

ثم قال: وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ يعني: ما أعطاهم افْتِراءً يعني: كذباً عَلَى اللَّهِ بأنه قد حرم ذلك عليهم قَدْ أَضَلُّوا عن الهدى وَما كانُوا مُهْتَدِينَ يعني: وما هم بمهتدين ويقال: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ من قبل فخذلهم الله بذلك قرأ ابن كثير وابن عامر قتلوا بالتشديد لتكثير الفعل والباقون بالتخفيف.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عزَّ وجلَّ، وفيها ردٌّ على من قال بأن المرء يَخْلُقُ أفعاله، وقوله: فَذَرْهُمْ: وعيدٌ محضٌ.

وقوله سبحانه: وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها الآيةُ تتضمَّن ما شرعوه لأنفسهم والتزموه على جهة القربة كذباً منهم على الله سبحانه، وحِجْرٌ: معناه: التحجيرُ، وهو المنعُ والتحريمُ، وَأَنْعامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا: قال جماعةٌ من المفسِّرين: إنَّهم كانت لهم سُنَّة في أنعامٍ مَّا ألاَّ يُحَجُّ عليها، فكانَتْ تُرْكَبُ في كلِّ وجه إلا في الحَجِّ، وقالت فرقة: بل ذلك في الذبائحِ، جعلوا لآلهتهم نصيباً منها لا يذكرون الله على ذبحها.

وقوله سبحانه: وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ...

الآية: كان/ مِنْ مذاهبهم الفاسدةِ في بَعْض الأنعامِ أنْ يحرِّموا ما وَلَدَتْ على نسائهم، ويخصِّصونه لذُكُورهم، ف أَزْواجِنا: يراد به جماعةُ النساءِ التي هِيَ معدَّة أن تكون أزواجاً قاله مجاهد «١» ، وقوله: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً، يعني: أنه كان من سُنَّتهم أنَّ ما خرج من الأجنَّة ميتاً مِنْ تلك الأنعام الموقوفة، فهو حلالٌ للرجال والنساء جميعاً، وكذلك ما مات مِنَ الأنعامِ الموقوفةِ نَفْسِها، ثم أعقب تعالى بوعيدهم على ما وصفوا أنه من القربات.

وقوله سبحانه: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ ...

الآية: تتضمَّن التشنيع بسوء فعلهم، والتَّعْجيبَ مِنْ سوء حالهم فيما ذَكَر، قال عكرمة: وكان الوَأْدُ في رَبِيعَةَ وفِي مُضَرَ «٢» .

قال ع «٣» : وكان جمهورُ العرب لا يفعله، ثم إنَّ فاعليه كان منهم مَنْ يفعله

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "قَتَّلُوا" بِالتَّشْدِيدِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رَبِيعَةَ، ومُضَرٍ، والَّذِينَ كانُوا يَدْفِنُونَ بَناتَهم أحْياءً في الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَرَبِ.

وقالَ قَتادَةُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ أحَدُهم بِنْتَهُ مَخافَةَ السَّبْيِ والفاقَةِ، ويَغْذُو كَلْبَهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: "سَفَهًا" مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى اللّامِ، تَقْدِيرُهُ: لَلسَّفَهِ؛ تَقُولُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ حَذَرَ الشَّرِّ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ، ومُعاذٌ القارِئُ: "سُفَهاءَ" بِرَفْعِ السِّينِ وفَتْحِ الفاءِ والهاءِ وبِالمَدِّ وبِالنَّصْبِ والهَمْزِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أيْ: كانُوا يَفْعَلُوا ذَلِكَ لَلسَّفَهِ مِن غَيْرِ أنْ أتاهم عِلْمٌ في ذَلِكَ، وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ، وزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أولادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلى اللهُ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ والنَخْلَ والزَرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَيْتُونَ والرُمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ هَذا لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ التَشْنِيعَ بِقُبْحِ فِعْلِهِمْ؛ والتَعَجُّبَ مِن سُوءِ حالِهِمْ؛ في وأْدِهِمُ البَناتِ؛ وحَجْرِهِمُ الأنْعامَ والحَرْثَ؛ قالَ عِكْرِمَةُ: وكانَ الوَأْدُ في رَبِيعَةَ ومُضَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكانَ جُمْهُورُ العَرَبِ لا يَفْعَلُهُ؛ ثُمَّ إنَّ فاعِلِيهِ كانَ مِنهم مَن يَفْعَلُهُ خَوْفَ العَيْلَةِ والإقْتارِ؛ وكانَ مِنهم مَن يَفْعَلُهُ غَيْرَةً؛ مَخافَةَ السِباءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: "قَتَّلُوا"؛ بِتَشْدِيدِ التاءِ؛ عَلى المُبالَغَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "قَتَلُوا"؛ بِتَخْفِيفِها.

و ﴿ ما رَزَقَهُمُ اللهُ ﴾ ؛ هي تِلْكَ الأنْعامُ؛ والغَلّاتُ الَّتِي تُوقَفُ بِغَيْرِ شَرْعٍ؛ ولا مَثُوبَةٍ في مَعادٍ؛ بَلْ بِالِافْتِراءِ عَلى اللهِ تَعالى ؛ والكَذِبِ؛ و"قَدْ ضَلُّوا"؛ إخْبارٌ عنهم بِالحَيْرَةِ؛ وهو مِنَ التَعْجِيبِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى "قَدْ خَسِرَ"؛ "وَما كانُوا"؛ يُرِيدُ: "فِي هَذِهِ الفِعْلَةِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "وَما كانُوا قَبْلَ ضَلالِهِمْ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ مُهْتَدِينَ"؛ ولَكِنَّهم زادُوا بِهَذِهِ الفِعْلَةِ ضَلالًا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى مَواضِعِ الِاعْتِبارِ؛ و"أنْشَأ"؛ مَعْناهُ: خَلَقَ؛ واخْتَرَعَ؛ والجَنَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "جَنَّ"؛ إذا سَتَرَ؛ و"مَعْرُوشاتٍ"؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ في ثَمَرِ العِنَبِ؛ ومِنها ما عُرِّشَ وسُمِّكَ؛ ومِنها ما لَمْ يُعَرَّشْ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْمَعْرُوشاتُ؛ ما عَرَّشَ -كَهَيْئَةِ الكَرْمِ؛ وغَيْرِهِ - البَساتِينَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْرُوشُ هو ما يَعْتَرِشُهُ بَنُو آدَمَ مِن أنْواعِ الشَجَرِ؛ وغَيْرُ المَعْرُوشِ: ما يَحْدُثُ في الجِبالِ؛ والصَحْراءِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْرُوشُ: ما حُلِّقَ بِحائِطٍ؛ وغَيْرُ المَعْرُوشِ: ما لَمْ يُحَلَّقْ؛ و"مُخْتَلِفًا"؛ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ الِاخْتِلافِ في ثَمَرِها؛ لِأنَّها حِينَ الإنْشاءِ لا ثَمَرَةَ فِيها؛ فَهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ تَجِيءُ بَعْدَ الإنْشاءِ.

وَ"مُتَشابِهًا"؛ يُرِيدُ: في المَنظَرِ؛ و"غَيْرَ مُتَشابِهٍ"؛ في المَطْعَمِ؛ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ ﴾ ؛ نَفْسُ الإباحَةِ؛ وهو مُضَمَّنٌ الإشارَةَ إلى النِعْمَةِ بِذَلِكَ؛ ويُقْرَأُ: "مِن ثُمُرِهِ"؛ بِضَمِّ الثاءِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ.

﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ﴾ ؛ قالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هي في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ؛ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وطاوُسٌ ؛ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وقَتادَةُ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ ؛ والضَحّاكُ ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ؛ وابْنُهُ؛ وقالَهُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مُعْتَرَضٌ بِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ وهَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ غَيْرُ مُسْتَثْناةٍ؛ وحَكى الزَجّاجُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قِيلَ فِيها: إنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ؛ ومُعْتَرَضٌ أيْضًا بِأنَّهُ لا زَكاةَ فِيما ذُكِرَ مِنَ الرُمّانِ؛ وجَمِيعِ ما هو في مَعْناهُ.

وقالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا؛ وعَطاءٌ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهم مِن أهْلِ العِلْمِ: بَلْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ ﴾ ؛ نَدْبٌ إلى إعْطاءِ حُقُوقٍ مِنَ المالِ؛ غَيْرَ الزَكاةِ؛ والسُنَّةُ أنْ يُعْطِيَ الرَجُلُ مِن زَرْعِهِ عِنْدَ الحَصادِ؛ وعِنْدَ الذَرْوِ؛ وعِنْدَ تَكْدِيسِهِ في البَيْدَرِ؛ فَإذا صَفّى؛ وكالَ؛ أخْرَجَ مِن ذَلِكَ الزَكاةَ؛ وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حَقُّهُ: إباحَةُ لَقْطِ السُنْبُلِ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: كانَ هَذا حُكْمَ صَدَقاتِ المُسْلِمِينَ؛ حَتّى نَزَلَتِ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ؛ فَنَسَخَتْها؛ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنِ الحَنَفِيَّةِ ؛ وإبْراهِيمَ؛ والحَسَنِ ؛ وقالَ السُدِّيُّ ؛ في هَذِهِ السُورَةِ: مَكِّيَّةٌ؛ نَسَخَتْها الزَكاةُ؛ فَقالَ لَهُ سُفْيانُ: عَمَّنْ؟

قالَ: عَنِ العُلَماءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنَسْخُ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ؛ وآيَةَ الزَكاةِ؛ لا [تَتَعارَضانِ]؛ بَلْ تَنْبَنِي هَذِهِ عَلى النَدْبِ؛ وتِلْكَ عَلى الفَرْضِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "حِصادِهِ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "حَصادِهِ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ وهُما لُغَتانِ في المَصْدَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تُسْرِفُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مَن قالَ إنَّ الآيَةَ في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ؛ جَعَلَ هَذا النَهْيَ عَنِ الإسْرافِ؛ إمّا لِلنّاسِ عَنِ التَمَنُّعِ عن أدائِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ إسْرافٌ مِنَ الفِعْلِ؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وإمّا لِلْوُلاةِ عَنِ التَشَطُّطِ عَلى الناسِ؛ والإذايَةِ لَهُمْ؛ فَذَلِكَ إسْرافٌ مِنَ الفِعْلِ؛ وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ؛ ومَن جَعَلَ الآيَةَ عَلى جِهَةِ النَدْبِ إلى حُقُوقٍ غَيْرِ الزَكاةِ؛ تَرَتَّبَ لَهُ النَهْيُ عَنِ الإسْرافِ في تِلْكَ الحُقُوقِ؛ لِما في ذَلِكَ مِنَ الإجْحافِ بِالمالِ؛ وإضاعَتِهِ.

ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ حَصَدَ غَلَّةً لَهُ؛ فَقالَ: "واللهِ لا جاءَنِي اليَوْمَ أحَدٌ إلّا أطْعَمْتُهُ"؛ فَأمْسى ولَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَرَةٌ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ وقالَ أبُو العالِيَةِ: كانُوا يُعْطُونَ شَيْئًا عِنْدَ الحَصادِ؛ ثُمَّ تَبارَوْا؛ وأسْرَفُوا؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ ومَن قالَ إنَّها مَنسُوخَةٌ؛ تَرَتَّبَ لَهُ النَهْيُ في وقْتِ حُكْمِ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذييل جُعل فذلكة للكلام السّابق، المشتمل على بيان ضلالهم في قتل أولادهم، وتحجير بعض الحلال على بعض من أحلّ له.

وتحقيق الفعل ب ﴿ قد ﴾ للتّنبيه على أنّ خسرانهم أمر ثابت، فيفيد التّحقيق التّعجيب منهم كيف عَمُوا عمَّا هم فيه من خسرانهم.

وعن سعيد بن جبير قال ابن عبّاس: إذا سرّك أن تعلم جهلَ العرب فاقرأ ما فوق الثّلاثين ومائة من سورة الأنعام: ﴿ وجعلوا لله ممّا ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً ﴾ [الأنعام: 136] وجعلها فوق والثّلاثين ومائة تقريباً، وهي في العدّ السادسة والثلاثون ومائة.

ووصف فعلهم بالخسران لأنّ حقيقة الخسران نقصان مال التّاجر، والتّاجر قاصد الرّبح وهو الزّيادة، فإذا خسر فقد باء بعكس ما عَمِل لأجلِه (ولذلك كثر في القرآن استعارة الخسران لعمل الّذين يعملون طلباً لمرضاة الله وثوابه فيقعون في غضبه وعقابه، لأنَّهم اتّعبوا أنفسهم فحصلوا عكس ما تعبوا لأجله) ذلك أنّ هؤلاء الّذين قتلوا أولادهم قد طلبوا نفع أنفسهم بالتخلّص من أضرارٍ في الدّنيا مُحْتَمَللٍ لحَاقُها بهم من جراء بَناتهم، فوقعوا في أضرار محقّقة في الدّنيا وفي الآخرة، فإنّ النّسل نعمة من الله على الوالدين يأنسون به ويجدونه لكفاية مهمّاتهم، ونعمة على القبيلة تكثر وتعتزّ، وعلى العالَم كلّه بكثرة من يعمره وبما ينتفع به النّاس من مواهب النّسل وصنائعه، ونعمة على النّسل نفسِه بما يناله من نعيم الحياة وملذاتها.

ولتلك الفوائد اقتضت حكمة الله إيجاد نظام التّناسل، حفظاً للنّوع، وتعميراً للعالم، وإظهاراً لما في الإنسان من مواهبَ تنفعه وتنفع قومه، على ما في عملهم من اعتداء على حقّ البنت الّذي جعله الله لها وهو حقّ الحياة إلى انقضاء الأجل المقدّر لها وهو حقّ فطري لا يملكه الأب فهو ظلم بيّن لرجاء صلاح لغير المظلوم ولا يُضَرّ بأحد ليَنتفع غيره.

فلما قتل بعض العرب بناتِهم بالوأْد كانوا قد عطّلوا مصالحَ عظيمة محقّقة، وارتكبوا به أضراراً حاصلة، من حيث أرادوا التخلّص من أضرار طفيفة غير محقّقة الوقوع، فلا جرم أن كانوا في فعلهم كالتّاجر الّذي أراد الرّبح فباء بضياع أصل ماله، ولأجل ذلك سمَّى الله فعلهم: سفهاً، لأنّ السّفه هو خفّة العقل واضطرابه، وفعلهم ذلك سفه محض، وأيُّ سفه أعظم من إضاعة مصالح جمّة وارتكاب أضرار عظيمة وجناية شنيعة، لأجل التخلّص من أضرار طفيفة قد تحصُل وقد لا تحصل.

وتعريف المسند إليه بالموصولية للإيماء إلى أنّ الصّلة علّة في الخبر فإنّ خسرانهم مسبّب عن قتل أولادهم.

وقوله: ﴿ سفهاً ﴾ منصوب على المفعول المطلق المبين لنوع القتل: أنّه قتلُ سفه لا رأي لصاحبه، بخلاف قتل العَدوّ وقتْل القاتل، ويجوز أن ينتصب على الحال من ﴿ الذين قتلوا ﴾ ، وصفوا بالمصدر لأنّهم سفهاءُ بالغون أقصى السفه.

والباء في قوله: ﴿ بغير علم ﴾ للملابسة، وهي في موضع الحال إمَّا منْ ﴿ سفهاً ﴾ فتكون حالاً مؤكّدة، إذ السفه لا يكون إلاّ بغير علم، وإمَّا من فاعل ﴿ قتلوا ﴾ ، فإنَّهم لمّا فعلوا القتل كانوا جاهلين بسفاهتهم وبشناعة فعلهم وبعاقبة ما قدّروا حصوله لهم من الضرّ، إذ قد يحصل خلاف ما قدّروه ولو كانوا يزنون المصالح والمفاسد لما أقدموا على فعلتهم الفظيعة.

والمقصود من الإخبار عن كونه بغير علم، بعد الإخبار عنه بأنّه سفَه.

التّنبيه على أنَّهم فعلوا ذلك ظنّا منهم أنَّهم أصابوا فيما فعلوا، وأنَّهم علموا كيف يَرأبُون ما في العالم من المفاسد، وينظمون حياتهم أحسن نظام، وهم في ذلك مغرورون بأنفسهم، وجاهلون بأنَّهم يجهلون ﴿ الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا وهم يحسبون أنّهم يُحسنون صُنعا ﴾ [الكهف: 104].

وتقدّم الكلام على الوأد آنفاً، ويأتي في سورة الإسراء عند قوله: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ [الإسراء: 31].

وقرأ الجمهور: ﴿ قَتَلوا أولادهم ﴾ بتخفيف التّاء وقرأه ابن عامر بتشديد التّاء لأنّه قتْل بشدّة، وليست قراءة الجمهور مفيتة هذا المعنى، لأنّ تسليط فعل القتل على الأولاد يفيد أنَّه قتل فظيع.

وقوله: ﴿ وحرموا ما رزقهم الله ﴾ نَعَى عليهم خسرانهم في أن حرّموا على أنفسهم بعض ما رزقهم الله، فحُرِموا الانتفاع به، وحَرَموا النّاس الانتفاع به، وهذا شامل لجميع المشركين، بخلاف الّذين قتلوا أولادهم.

والموصول الّذي يراد به الجماعة يصحّ في العطف على صلته أن تكون الجمل المتعاطفة مع الصّلة موزّعة على طوائف تلك الجماعة كقوله تعالى: ﴿ إنّ الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النّبيين بغير حقّ ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من النّاس فبشّرهم بعذاب أليم ﴾ [آل عمران: 21].

وانتصب ﴿ افتراء ﴾ على المفعول المطلق ل ﴿ حرّموا ﴾ : لبيان نوع التّحريم بأنَّهم نسبوه لله كذباً.

وجملة ﴿ قد ضلوا ﴾ استئناف ابتدائي لزيادة النّداء على تحقّق ضلالهم.

والضّلال: خطأ الطّريق الموصِّل إلى المقصود، فهم راموا البلوغ إلى مصالح دنيوية، والتّقرب إلى الله وإلى شركائهم، فوقعوا في المفاسد العظيمة، وأبعدهم الله بذنوبهم، فلذلك كانوا كمن رام الوصول فسلك طريقاً آخر.

وعَطْف ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ على ﴿ قد ضلوا ﴾ لقصد التّأكيد لمضمون جملة ﴿ ضلوا ﴾ لأنّ مضمون هذه الجملة ينفي ضدّ الجملة الأولى فتؤول إلى تقرير معناها.

والعرب إذا أكّدوا بمثل هذا قد يأتون به غير معطوف نظراً لمآل مُفاد الجملتين، وأنَّهما باعتباره بمعنى واحد، وذلك حقّ التّأكيد كما في قوله تعالى: ﴿ أموات غيرُ أحياء ﴾ [النحل: 21] وقوله: ﴿ فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير ﴾ [المدثر: 9، 10].

وقول الأعشى: إمَّا تَرَيْنَا حُفَاة لا نِعَالَ لنا *** وقد يأتون به بالعطف وهو عطف صوري لأنَّه اعتداد بأنّ مفهوم الجملتين مختلف، ولا اعتداد بمآلهما كما في قوله تعالى: ﴿ وأضلّ فرعون قومَه وما هَدى ﴾ [طه: 79] وقوله: ﴿ قد ضللتُ إذنْ وما أنا من المهتدين ﴾ [الأنعام: 56] وقول المتنبّي: والبَيْنُ جارَ على ضُعفي وما عَدَلا *** وكذلك جاء في هذه الآية ليفيد، بالعطف، أنَّهما خبران عن مساويهم.

و (كان) هنا في حكم الزائدة: لأنَّها زائدة معنى، وإن كانت عاملة، والمراد: وما هم بمهتدين، فزيادة (كان) هنا لتحقيق النّفي مثلَ موقعها مع لام الجحود، وليس المراد أنَّهم ما كانوا مهتدين قبل أن يقتلوا أولادهم ويُحرّموا ما رزقهم الله، لأنّ هذا لا يتعلّق به غرض بليغ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا ﴾ ، قَرَأ الأعْمَشُ (خالِصٌ)، وفي ﴿ خالِصَةٌ ﴾ وفي (خالِصٌ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ﴿ خالِصَةٌ ﴾ أبْلَغُ مِن (خالِصٌ) وإنْ كانَتْ في مَعْناهُ فَدَخَلَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: عَلّامَةٌ، ونَسّابَةٌ، قالَهُ الكِسائِيُّ.

والثّانِي: أنَّ دُخُولَ الهاءِ يُوجِبُ عَوْدَهُ إلى الأنْعامِ لِتَأْنِيثِها، وحَذْفُ الهاءِ، يُوجِبُ عَوْدَهُ إلى ما في بُطُونِها لِتَذْكِيرِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وَفي ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ ما في بُطُونِها الأجِنَّةُ، قالَهُ: مُجاهِدٌ.

والثّانِي: الألْبانُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: الجَمِيعُ: الأجِنَّةُ والألْبانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفي جَعْلِهِمْ ذَلِكَ لِذُكُورِهِمْ دُونَ إناثِهِمْ وأزْواجِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ الذُّكُورَ هم خُدّامُ الأوْثانِ.

والثّانِي: تَفْضِيلًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ.

وَأصْلُ الذُّكُورِ مِنَ الذِّكْرِ، وفي أخْذِهِ مِنَ الذِّكْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ المَذْكُورُ بَيْنَ النّاسِ فَكانَ أنْبَهَ ذِكْرًا مِنَ الأُنْثى.

والثّانِي: لِأنَّهُ أشْرَفُ، والذِّكْرُ هو الشَّرَفُ، قالَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ  ﴾ أيْ شَرَفٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري وعبد بن حميد وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً ﴾ إلى قوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله: ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم ﴾ قال: نزلت فيمن كان يئد البنات من مضر وربيعة، كان الرجل يشترط على امرأته إنك تئدين جارية وتستحبين أخرى، فإذا كانت الجارية التي توأد غداً من عند أهله أو راح وقال: أنت علي كأمي إن رجعت إليك ولم تئديها، فترسل إلى نسوتها فيحفرن لها حفرة فيتداولنها بينهن، فإذا بصرن به مقبلاً دسسنها في حفرتها وسوّين عليها التراب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم ﴾ قال: هذا صنع أهل الجاهلية، كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السباء والفاقة ويغذو كلبه.

وفي قوله: ﴿ وحرموا ما رزقهم الله ﴾ قال: جعلوا بحيرة وسائبة ووصيلة وحامياً تحكماً من الشيطان في أموالهم، وجزأوا من مواشيهم وحروثهم، فكاق ذلك من الشيطان افتراء على الله.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي رزين أنه قرأ ﴿ قد ضلوا قبل ذلك وما كانوا مهتدين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس (١) (٢) (٣) ﴿ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ (سفهًا) منصوب على معنى اللام، أي: للسفه، مثل: فعلت ذلك حذر الشر، ويجوز أن يكون منصوبًا على تأويل المصدر؛ لأن قتلهم أولادهم سفه، فكأنه قال: قد سفهوا سفهًا، والوجهان ذكرهما الزجاج (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ﴾ قال المفسرون (٥) (٦) (١) "تنوير المقباس" 2/ 66، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 134، وأخرج البخاري في "صحيحه" رقم (3524)، كتاب المناقب، باب قصة زمزم وجهل العرب، عن ابن عباس قال: (إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ اهـ، الآية 140 - الأنعام.

(٢) ومنهم مقاتل في "تفسيره" 1/ 592، والطبري 8/ 51، والنحاس في "معانيه" 2/ 499، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 517، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 51، من عدة طرق جيدة عن عكرمة والسدي، وقتادة.

وانظر: "الدر المنثور" 3/ 91.

(٣) لفظ: (وقوله) ملحق في أعلى السطر من (أ).

(٤) "معاني الزجاج" 2/ 295، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 585، و"المشكل" 1/ 274، و"البيان" 1/ 345، و"التبيان" 361، و"الفريد" 2/ 238 - 239، == وقال السمين في "الدر" 5/ 187: "سفها" نصب على الحال، أي: ذوي سفهٍ، أو على المفعول من أجله وفيه بعد؛ لأنه ليس علة باعثة، أو على أنه مصدر لفعل مقدر، أي: سفهوا سفها، أو على أنه مصدر على غير الصدر؛ لأن هذا القتل سفه) اهـ.

(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 51، وابن أبي حاتم 5/ 1397 بسند جيد، عن قتادة، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 194، وابن الجوزي 3/ 134.

(٦) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 296.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ ﴾ الآية: كانوا يولون في أجنّة البحيرة والسائبة: ما ولد منها حياً فهو للرجال خاصة ولا يأكل منها النساء، وما ولد منها ميتاً اشترك فيه الرجال والنساء وأنث خالصة للحمل على المعنى، وهي الأجنة وذكر ﴿ مُحَرَّمٌ ﴾ حملاً على لفظ ما، ويجوز أن تكون التاء للمبالغة ﴿ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله ﴾ أي البحيرة والسائبة وشبهها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عما تعملون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ﴿ مكاناتكم ﴾ بالجمع حيث كان: أبو بكر وحماد.

الباقون ﴿ مكانتكم ﴾ على التوحيد.

﴿ من يكون ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بتاء التأنيث.

﴿ بزعمهم ﴾ بضم الزاي علي وكذلك ما بعده الباقون: بالفتح ﴿ زين ﴾ على البناء للمفعول ﴿ قتل ﴾ بالرفع ﴿ أولادهم ﴾ بالنصب ﴿ شركائهم ﴾ بالجر ابن عامر.

الآخرون ﴿ زين ﴾ على البناء للفاعل ﴿ قتل ﴾ بالنصب ﴿ أولادهم ﴾ بالجر ﴿ شركاؤهم ﴾ بالرفع ﴿ وإن تكن ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد ﴿ ميتة ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر ويزيد، وقرأ ﴿ ميتة ﴾ بالتشديد ابن كثير وابن عامر: الباقون: بالتخفيف.

الوقوف: ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ مما عملوا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ذو الرحمة ﴾ ط ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ لآت ﴾ لا لأن الواو بعده للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التقرير مع فاء التعقيب ﴿ تعملون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول سواء كان من استفهامية أو موصولة ﴿ عاقبة الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ لشركائنا ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ إلى الله ﴾ ج للفصل بين المتضادين معنى مع الاتفاق حكماً ﴿ شركائهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ دينهم ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ افتراء عليه ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ أزواجنا ﴾ ج للشرط مع العطف.

﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ وصفهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه.

التفسير: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره ﴿ أن لم يكن ﴾ وهو للتعليل والمعنى الأمر ما قصصنا عليك، أو ذلك الذي ذكر لانتفاء كون ربك مهلك القرى و"أن" هي الناصبة للأفعال أو مخففة من الثقيلة، وعلى هذا يكون ضمير الشأن محذوفاً أي أن الحديث كذا، ويجوز أن يكون، ﴿ أن لم يكن ﴾ بدلاً من ﴿ ذلك ﴾ كقوله: ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ بظلم ﴾ أي بسبب ظلم أقدموا عليه وهذا أليق بأصول الأشاعرة.

أو المراد ظالماً لكم فيكون من فعل الله وهذا أنسب بأصول المعتزلة.

ومعناه أنه  لو أهلكهم قبل بعثة الرسل ولم ينبهوا برسول ولا كتاب كان ظالماً.

وعلى هذا التفسير يمكن للأشاعرة أن يقولوا إنه لو فعل ذلك لم يكن ظلماً ولكنه يكون في صورة الظلم فأطلق الظلم على نفسه مجازاً وإلا فهو  يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله.

وأما قوله: ﴿ وأهلها غافلون ﴾ فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به وإنما معناه أنه لا يبين لهم كيفية الحال وأن لا يزيل عذرهم وعلتهم.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب ألبتة لأنها تدل على أنه تعالى ما يعذب أحداً على أمر من الأمور قبل بعثة الرسل لكن بعدها.

والمعتزلة قالوا: إنها تدل من وجه آخر على تقرير الوجوب قبل الشرع لأن قوله: ﴿ بظلم ﴾ إن كان عائداً إلى العبد دل على أنه يمكن أن يصدر منه الظلم والقبيح قبل البعثة، وإن كان عائداً إلى الله  فقد تم الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه.

ثم لما شرح أحوال أهل الثواب والعقاب ذكر كلاماً كلياً فقال: ﴿ ولكل درجات ﴾ أي ولكل عامل في عمله درجات، وعلى حسب تلك الدرجات يكون الجزاء إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

ومعنى ﴿ مما عملوا ﴾ أي من جزاء أعمالهم.

وقيل: إن أول الآية مختصة بأهل الطاعات لأن لفظ الدرجة يليق بهم ولأهل المعصية تكون الدركات وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما ربك بغافل عما يعملون ﴾ قالت الأشاعرة: في الآية دليل على مسألة الجبر والقدر فإنه  حكم لكل واحد بدرجة معينة في وقت معين وبحسب فعل معين، وأثبت تلك الدرجة في اللوح المحفوظ وأشهد عليها الملائكة وخلاف علمه وإثباته وإِشهاده محال.

ثم بين أنه ليس يحتاج إلى طاعة المطيعين ولا يدخل عليه نقص بمعصية العاصين فقال: ﴿ وربك الغني ذو الرحمة ﴾ أما أنه غني في ذاته وصفاته وأفعاله وفي أحكامه عن كل ما سواه فلوجوب وجوده، وأن ما سواه ممكن لذاته مفتقر في الوجود وفي الأمور التابعة للوجود إليه فلا غنيّ إلا هو، وأما أنه ذو الرحمة فلأن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات من الروحانيات ومن الجسمانيات فهو من الحق وبإيجاده وتخليقه، والاستقراء دل على أن الخير غالب كالصحة والشبع والسمع والبصر وما ذلك إلا لرحمته الكاملة ورأفته الشاملة.

والذي يتصوّر من رحمة الوالدين وغيرهما فإنما ذلك بإيجاد داعية ذلك فيهم ومع ذلك فتمكن الشخص من الانتفاع بها ليس إلا منه  .

ومن هذا يعلم تنزهه  عن الظلم والسفه والكذب والعبث.

ومن رحمته تكليف الخلائق ليعرضهم للمنافع الباقيات الدائمات.

ثم لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة كان لظانّ أن يظن أن للرحمة معدناً مخصوصاً وموضعاً معيناً فبين  بقوله  : ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق وقادر على أن يخلق قوماً آخرين ويضع رحمته فيهم، وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم.

ومعنى الإذهاب الإهلاك وأن لا يبلغهم مبلغ التكليف ﴿ ويستخلف من بعدكم ﴾ أي: من بعد ذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون، إلا على طريق البدل من فائت، وقوله: ﴿ ما يشاء ﴾ أي خلق ثالث ورابع.

ثم اختلفوا فقال بعضهم: خلقاً آخرين من أمثال الجن والإنس لكن أطوع، وقال أبو مسلم: يعني خلقاً ثالثاً مخالفاً للثقلين ليكون أقوى في دلالة القدرة.

ثم بيّن سبب قدرته على ذلك فقال ﴿ كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ﴾ لأن من قدر على تصوير النطفة المتشابهة الأجزاء بهذه الصور المخصومة قدر على تصويرها بصور أخرى مخالفة لها.

وقال في الكشاف: المعنى كما أنشأكم من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح  ، ثم ذكر حال المعاد فقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ قال الحسن: أي من مجيء الساعة لأنهم كانوا ينكرون القيامة، ويحتمل أن يقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ إشارة إلى لطفه أي ما يتعلق بالوعد والثواب فهو آت لا محالة.

وقوله: ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ أي خارجين عن قدرتنا وحكمنا إشارة إلى قهره، يقال: أعجزه الشيء أي فاته.

فالجزم في جانب الوعد والتعريض في جانب الوعيد دليل على أن جانب الرحمة والإحسان أغلب.

ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله بتهديد منكري البعث فقال: ﴿ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ﴾ قال الواحدي: قراءة الإفراد أوجه لأن المصدر لا يجمع في أغلب الأحوال، وقال في الكشاف: المكانة تكون مصدراً.

يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكين.

وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة، فمعنى الآية اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها.

يقال للرجل: على مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه ﴿ إني عامل ﴾ على مكانتي التي أنا عليها.

والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، والغرض تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ ﴿ فسوف تعلمون ﴾ أينا تكون له العاقبة المحمودة، والفاء لتعقيب الجزاء ألا يعادي أي قل اعملوا فستجزون وهكذا في سورة الزمر بخلاف سورة هود حيث لم يقل هناك "قل" فصار استئنافاً ومحل "من" نصب إن كان بمعنى "الذي" أو رفع والجملة مفعول تعلمون إن كان بمعنى أيّ و ﴿ عاقبة الدار ﴾ العاقبة الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها وهي مصدر كالعافية.

وهذا طريق من الإنذار لطيف المسلك فيه إنصاف وأدب ووثوق بأن المنذر محق ولهذا قيل له فإن الكافر تكون العاقبة عليه لا له.

ثم حكى أنواعاً من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهاً على ضعف عقولهم وقلة محصولهم وتنفيراً للعقلاء عن الالتفات إلى أقوال أمثالكم فقال: ﴿ وجعلوا لله ﴾ قال الزجاج: وجعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً بدليل قوله: ﴿ فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ﴾ وجعل الأوثان شركاء لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونها عليها.

ثم قال: ﴿ فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ﴾ وفي تفسيره وجوه: قال ابن عباس: كان المشركون يجعلون لله  من حروثهم وأنعامهم نصيباً وللأوثان نصيباً، فما كان للصنم أنفقوه عليه وما كان لله أطعموه الضيفان والمساكين ولا يأكلون منه ألبتة.

ثم إن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا إن الله غنيّ عن هذا، وإن سقط شيء مما جعلوا للأوثان في نصيب الله  أخذوه وردّوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير.

وإنما ذلك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها.

وعن الحسن والسدي: كان إذا هلك لأوثانهم شيء أخذوا بدله مما لله ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله تعالى.

وقال مجاهد: إنه إذا انفجر من سقى ما جعلوه للشيطان في نصيب الله عز وجل سدوه وإن كان على ضد ذلك تركوه، وقال قتادة: إذا أصابهم شدة استعانوا بالله وإذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى شركائهم.

وقال مقاتل: إن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة.

وقالوا: لو شاء زكى نصيب نفسه.

وأما إن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة قالوا لا بدّ لآلهتنا من نفقة وأخذوا نصيب الإله  فأعطوه السدنة.

فمعنى ﴿ فلا يصل إلى الله ﴾ أنه لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين، ومعنى الوصول إلى شركائهم أنهم ينفقونه عليها بذبح نسائك عندها والأجراء على سدنتها ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ مما ذرأ ﴾ فيه أن الله  كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه أي خلقه.

ثم إنه  ذم فعلهم فقال: ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ وذكر العلماء فيه وجوهاً: الأول أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانبه وهو سفه.

الثاني جعلوا بعض الحرث لله وبعضه لغيره مع أنه  هو الخالق للجميع.

الثالث أن ذلك حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع وأشار إليه بقوله ﴿ بزعمهم ﴾ الرابع لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز نصيب لكل حجر ومدر.

الخامس لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ولا قدرة لها على الانتفاع بذلك النصيب، فإفراز النصيب لها عبث.

النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة قوله: ﴿ وكذلك زين ﴾ كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياءً خوفاً من الفقر أو من التزويج، وكان الرجل يحلف بالله إن ولد له كذا غلاماً لينحرن أحدهم كما فعل عبد المطلب على ابنه عبد الله، والشركاء على الوجه الأول الشياطين الذين أطاعوهم في معصية الله تعالى، وعلى الثاني هم السدنة والخدام، والأول قول مجاهد، والثاني للكلبي.

وتقدير الكلام ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله والآلهة، أو مثل ذلك التزيين البليغ الذي علم من الشياطين زين لهم شركاؤهم من الشياطين أو من سدنة الأصنام ﴿ قتل أولادهم ﴾ بالوأد أو بالنحر.

ثم إن وجه القراءة الأكثري ظاهر وليس فيها إلا تقديم المفعول وذلك لشدة الاعتناء به، وأما قراءة أبن عامر فخطأها الزمخشري من جهة الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف فإن ذلك قد جوز بالظرف كقوله: لله در اليوم من لامها *** وضعف بغير الظرف كقوله: فزججتها بمزجة *** زج القلوص أبي مزادة وحملوه على ضرورة الشعر مع الاستكراه، والحق عندي في هذا المقام أن القرآن حجة على غيره وليس غيره حجة عليه، والقراآت السبع كلها متواترة فكيف يمكن تخطئة بعضها؟

فإذا ورد في القرآن المعجز مثل هذا التركيب لزم القول بصحته وفصاحته وأن لا يلتفت إلى أنه هل ورد له نظير في أشعار العرب وتراكيبهم أم لا، وإن ورد فكثير أم لا؟

ومع ذلك فقد وجهه بعض الفضلاء بأن المضاف إليه من الأول محذوف على نحو قوله: بين ذراعي وجبهة الأسد *** والمضاف مضمر مع الثاني كقراءة من قرأ ﴿ والله يريد الآخرة  ﴾ بالجر على تقدير غرض الآخرة، فتقدير الآية: قتل شركائهم أولادهم قتل شركائهم.

ومعنى ﴿ ليردوهم ﴾ ليهلكوهم بالإغواء.

قال ابن عباس: ليردوهم في النار.

واللام محمول على العاقبة إن كان التزيين من السدنة، وعلى حقيقة التعليل إن كان من الشيطان ﴿ وليلبسوا عليهم دينهم ﴾ ليخلطوه عليهم ويشبهوه ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق.

وقيل: دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه، وقيل: وليوقعوهم في دين ملتبس ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ لما فعل المشركون ما زين لهم، أو لما فعل الشياطين والسدنة التزيين أو الإرداء أو اللبس أو جميع ما ذكر إن جعل الضمير جارياً مجرى اسم الإشارة.

والمعتزلة حملوا هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر.

ثم قال: ﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ على قانون قوله: ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ وفيه مع التهديد التسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر والشرك.

قيل: إنما قال في هذه الآية ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ ليكون مناسباً لقوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ وقال فيما قبل: ﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه  ﴾ لأنه وقع عقيب آيات فيها ذكر الرب كقوله: ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم  ﴾ الآيات.

النوع الثالث من أحكامهم الباطلة أنهم قسموا أنعامهم أقساماً فأوّلها أن قولوا ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ وحجر "فعل" بمعنى "مفعول" كالذبح والطحن ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وأصل الحجر المنع وسمي العقل الحجر لمنعه من القبائح، وفلان في حجر القاضي أي في منعه.

كانوا إذا عينوا شيئاً من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: ﴿ لا يطعمها إلا من نشاء ﴾ يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء ﴿ و ﴾ ثانيها أن قالوا: ﴿ هذه أنعام حرمت ظهورها ﴾ وهي البحائر والسوائب والحوامي وقد سبق في المائدة.

﴿ و ﴾ ثالثها: ﴿ أنعام لا يذكرون اسم الله عليها ﴾ في الذبح وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام.

وقيل: هي أنعام لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها وإنما فعلوا ذلك كله من غير حكم من الله وشرع منه بل ﴿ افتراء عليه ﴾ وانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء.

ثم قال: ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ والمقصود منه الوعيد، ﴿ و ﴾ النوع الرابع من قضاياهم الفاسدة أن ﴿ قالوا ما في بطون هذه الأنعام ﴾ يعنون أجنة البحائر والسوائب ﴿ خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ﴾ هذا إن ولد حياً ﴿ وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ﴾ أي اشترك فيه الذكور والإناث، من قرأ بنصب ميتة فتقديره وإن يكن ما في بطونها ميتة، ومن قرأ بالرفع فعلى أن "كان تامة"، أو لأن التقدير: وإن يكن لهم أو هناك ميتة.

وإنما جاز تذكير الفعل وتأنيثه لأن تأنيث الميتة غير حقيقي، أو لأن الميتة لكل ميت ذكر أو أنثى فكأنه قيل: ميت ولهذا جاز عود الضمير إليه مذكراً في قوله: ﴿ فهم فيه شركاء ﴾ وتذكير الضمير في قوله: ﴿ فهم ﴾ للتغليب ﴿ سيجزيهم وصفهم ﴾ أي جزاء وصفهم على الله الكذب في التحليل والتحريم ﴿ إنه حكيم عليم ﴾ ليكون الزجر واقعاً على حد الحكمة وبحسب الاستحقاق.

فإن قيل: كيف أنث ﴿ خالصة ﴾ وذكر ﴿ محرماً ﴾ ؟

قلنا: الأول حمل على المعنى لأن ما في بطون الأنعام في معنى الأجنة، والثاني حمل على اللفظ، وفي الأول وجهان آخران: أن تكون التاء للمبالغة مثل رواية الشعر وأن يكون مصدراً كالعاقبة أي ذو خالصة.

ثم إنه  جمع قبائح أحكامهم وأفعالهم وحكم عليهم بالخسران والسفاهة وعدم العلم والضلال وعدم الاهتداء فقال ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم ﴾ الآية.

وذلك أن الولد نعمة عظيمة من الله تبقي ذكره ونسله فالسعي في إبطال مثل هذه النعمة لضرر مظنون هو الفقر أو نحوه، أو لفائدة موهومة هي القربة إلى الأصنام دليل خفة العقل وعدم العلم وأنه موجب لخسران الدارين.

وكذا تحريم ما أحل الله من الطيبات بالهوى والتقليد بل لمحض الافتراء على الله وإن ذلك من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، ولهذا سجل عليهم آخراً بالضلال ثم بعدم الاهتداء ليحصل كلا الأمرين لهم بالمطابقة كما حصل بالتضمن والله أعلم.

التأويل: ﴿ مهلك القرى ﴾ أي قرى أشخاص الإنسان ﴿ بظلم ﴾ وهو صرف الاستعداد الفطري في استيفاء اللذات الفانية ﴿ وأهلها غافلون ﴾ لم يبلغوا مبلغ التكليف بعد.

﴿ وربك الغني ﴾ عن كل مخلوق عامة وعن الإنسان خاصة ﴿ ذو الرحمة ﴾ خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح عليهم.

﴿ واعملوا على مكانتكم ﴾ أي على ما جبلتم عليه ﴿ إني عامل ﴾ على ما جبلت عليه ﴿ قتل أولادهم شركاؤهم ﴾ من الشياطين والنفس والهوى والدنيا ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ لأنهم ذهبوا مذهب الطبع لا مذهب الشرع، والعمل بالطبع وإن كان فيه نوع مجاهدة النفس لا يكون له نور إذا لم يكن لامتثال الشرع ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم ﴾ لأن ذلك نتيجة انتزاع الرحمة عن قلوبهم وحرموا ما رزقهم الله صورة وهو ظاهر، ومعنى وهو استعداد حصول مراتب أهل القرب ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ لأن خشية الفقر حملتهم على قتل الأولاد.

وقال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ...

﴾ الآية، يخبر - عز وجل - عن سفههم من وجوه: أحدها: أنهم كانوا يجعلون لله نصيباً مما كان لله في الحقيقة مع علمهم أن الله هو الذي أنشأ لهم تلك الأشياء وهو ذرأها، ثم يجعلون لله في ذلك نصيباً [وللأصنام نصيباً] يسفههم لأنهم إذا علموا أن الله هو الذي ذرأ لهم تلك الأشياء وأنشأها لهم، فإليه الاختيار في جعل ذلك لا إليهم [إذ علموا] أنهم إنما يملكون هم بجعل الله لهم، وهو المالك عليها حقيقة.

والثاني: ما يبين سفههم - أيضاً - أنهم يجعلون لله في ذلك نصيباً وللأصنام نصيباً من الثمار والحروث وغيرها، ثم إذا وقع [شيء] مما جعلوا لله وخالط ما جزّءوا وجعلوه لشركائهم تركوه، وإذا خالط شيء مما جعلوا لشركائهم، ووقع فيما جعلوه لله أخذوه وردوه على شركائهم وانتفعوا به، وتركوا الآخر للأصنام إيثاراً للأصنام عليه، وإعظاما لها.

أو إذا زكا نصيب الأصنام ونما، ولم يزك نصيب الله، ولم ينمُ تركوا ذلك للأصنام، ويقولون: لو شاء الله لأزكى نصيبه، وإذا زكا الذي كانوا يجعلون لله، ولا يزكو نصيب الأصنام أخذوا نصيب الله فقسموه بين المساكين وبين الأصنام نصفين.

يسفههم - عز وجل - بصنيعهم الذي يصنعون ويبين عن جوهرهم بإيثارهم الأصنام، وإعظامهم إياها، والتفضيل في القسمة والتجزئة، مع علمهم أن الله هو الذي ذرأ ذلك وأنشأه لهم، وأن الأصنام التي أشركوها في أموالهم وعبادتهم لله لا يملكون من ذلك شيئاً.

وذلك منهم سفه وجور؛ حيث أشركوا في أموالهم وعبادتهم مع الله أحداً لا يستحق بذلك شيئاً، وهو كما جعلوا لله البنات، وهم كانوا يأنفون عن البنات، كقوله: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ...

﴾ الآية [النحل: 58]: وقال: ﴿ أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ  ﴾ وقال: ﴿ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ  ﴾ تأنفون أنتم عن البنات وتضيفونهن إليه؟!

فهو إذاً جور وظلم؛ فعلى ذلك تفضيل الأصنام في القسمة وإيثارهم إياها على الله، وإشراكهم مع الله، مع علمهم أنه كان جميع ذلك بالله، وهو أنشأه لهم - جور وسفه.

ثم أخبر أنهم: ﴿ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ .

أي بئس الحكم حكمهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ، أي: كما زين لهم جعل النصيب للأصنام [و] التجزئة لها، وصرف ما خلق الله لهم عنه إلى الأصنام كذلك زين لهم قتل أولادهم.

أو كما زين لهم تحريم ما أحل الله لهم من السائبة والوصيلة والحامي كذلك زين لهم شركاؤهم قتل أولادهم.

وأصله: أن الشفقة التي جعل الله في الخلق لأولادهم [و] الرحمة التي جبلت طبائعهم عليها تمنعهم عن قتلهم، وخاصة أولادهم الضعفاء والصغار، وكذلك الشهوة التي خلق فيهم تمنعهم عن تحريم ما أحل الله لهم، لكن [زين لهم ذلك] شركاؤهم، وحسنوا عليهم تحريم ما أحل لهم وقتل أولادهم، فما حسن عليهم الشركاء وزين لهم من تحريم ما أحل لهم وقتل أولادهم غلب على الشفقة التي جبلت فيهم، والشهوة التي خلق ومكن فيهم.

ثم اختلف في شركائهم: قال بعضهم شركاؤهم: شياطينهم التي تدعوهم إلى ذلك.

وقيل: شركاؤهم: كبراؤهم ورؤساؤهم الذي يستتبعونهم.

[ثم] يحتمل: قتل الكبراء أولادهم؛ تكبرا منهم وتجبرا؛ لأنهم كانوا يأنفون عن أولادهم الإناث، وقتل الأتباع؛ مخافة العيلة والفقر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُرْدُوهُمْ ﴾ .

قيل: ليهلكوهم، إنهم كانوا يقصدون في التحسين والتزيين الإرداء والإهلاك، وإن كانوا يرونهم في [ذلك] الشفقة، وكذلك كانوا يقصدون بالتزيين تلبيس الدين عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ﴾ .

يحتمل: وجوهاً: قال بعضهم: لو شاء الله لأهلكهم فلم يفعلوا ذلك.

وقيل: لأعجزهم ومنعهم عن ذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ  ﴾ .

وقيل: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ﴾ ، أي: لأراهم قبح فعلهم؛ حتى لم يفعلوا.

وأصله: أنه إذا علم منهم أنهم يفعلون ما فعلوا ويختارون ما اختاروا من التزيين ولبس الدين عليهم شاء ما فعلوا واختاروا، [وقد] ذكرنا ذلك في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ .

أي: ذرهم ولا تكافئهم بافترائهم على الله.

ويحتمل: ذرهم وما يفترون؛ فإن الله يكافئهم ولا يفوتون.

ويحتمل: ذرهم وما يفترون؛ فإن ضرر ذلك الافتراء عليهم، ليس علينا ولا عليك، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ .

قيل: هذه الآية صلة قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ هذا الذي جعلوا للشركاء هو الحجر الذي ذكر في هذه الآية؛ لأنهم كانوا [لا] ينتفعون بذلك ويحرمونه، وهو حجر.

وأصل الحجر: المنع، وعن ابن عباس -  - قال: الحجر: ما حرموا [أنفسهم] من أشياء: من الوصيلة، والسائبة، والحامي، وتحريمهم ما حرموا من أشياء: كانوا يحلون أشياء حرمها الله، ويحرمون أشياء أحلها الله في الجاهلية من الحرث والأنعام.

وفي حرف [أُبي] وابن عباس -  ما -: (حرج)، على تأخير الجيم وتقديم الراء.

وعن الحسن: (حُجر)، برفع الحاء.

وأصل الحجر: المنع، ممنوع: محجور، يقال: حجرت عليه، أي: منعته، والحجر أيضاً: موضع بمكة، والاحتجار: الاستئثار، وهو أن يأخذ الشيء ولا يعطي منه أحداً شيئاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ ﴾ ، يعني: لا يطعمها إلا من يشاء الله [بزعمهم]؛ لأنهم كانوا يحرمون أشياء ويأتون [أشياء] فواحش، فيقولون: إن الله أمرهم بذلك؛ كقوله في الأعراف: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ .

وقال بعضهم: قوله ﴿ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ يعني: الذين سنوا لهم، أي: لا يطعمها إلا من يشاء أولئك الذين سنوا ذلك، وحرموا ذلك على نسائهم؛ على ما روي عن النبي  أنه قال: "إن شئت قد ذكرت لكم أول من بدل دين إسماعيل، وبحر البحيرة والسائبة" فعلى ذلك أضافوا المشيئة إلى أولئك الذين سنوا لهم ذلك، وحرموا على إناثهم وأحلوا لذكورهم.

وقال بعضهم قوله: ﴿ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ ﴾ هؤلاء الرجال، كانت مضافة إلى الرجال دون النساء، وفي ذلك تسفيه أحلامهم؛ لأنهم [كانوا] ينكرون الرسالة لما كان يحرمون من الطيبات، ثم يتبعون الذي حرم عليهم الطيبات التي أحلها الله لهم [لأنهم ينكرون الرسالة لما كان] من البحيرة، والسائبة، ونحوهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ﴾ هو ما ذكر من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، وهو الحجر الذي ذكر في هذه الآية، يجعلون تلك الأشياء لشركائهم، لا ينتفعون بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: لا ينتفعون بها؛ ليعرفوا أنعم الله؛ ليشكروا الله عليها.

وقيل: ﴿ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: لا يذبحون للأكل، ولا يذكرون اسم الله عليها.

ويحتمل: لا يذكرون اسم الله عليها وقت الركوب؛ كما يذكر اسم الله عليها وقت الركوب، وهو قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا ﴾ \[الآية\] [الزخرف: 13]؛ لأنهم كانوا لا يركبونها؛ ولكن يسيبونها.

وقيل: لا يحجون عليها.

والأول كأنه أقرب: كانوا لا ينتفعون بها؛ ليعرفوا نعم الله، ويشكروه عليها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ .

بأن الله أمرهم بذلك، وهو حرم عليهم، وهو أحل؛ فذلك هو الافتراء على الله، أو بما أشركوا شركاءهم في عبادة الله وفي نعمه.

﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا ﴾ .

قيل: هو صلة قوله: ﴿ وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ ، يحرمون على النساء، ويحلون للرجال، يعني إذا ولدوا حيّاً [كان ينتفع] بذلك رجالهم دون نسائهم، وإذا ولدوا ميتاً اشتركوا فيه الإناث والذكور [و] يذكر في هذا كله سفه أولئك في صنيعهم، ويذكر في قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ ﴾ إلى آخر [منته و] نعمه التي أنعم عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ﴾ .

أي: افتراءهم على الله، وتحريمهم ما أحل الله لهم، وتحليلهم ما حرم عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلَٰدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .

أخبر أنهم قد خسروا بقتلهم الأولاد، وتحريمهم ما أحل لهم ورزقهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .

وبالله الهداية والرشاد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قد هلك الذين قتلوا أولادهم لِخفَّةِ عقولهم ولجهلهم، وحرَّموا ما رزقهم الله من الأنعام ناسبين ذلك إلى الله كذبًا، قد بَعُدوا عن الصراط المستقيم، وما كانوا مهتدين إليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.0wMRL"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله