الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٦٢ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 79 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦٢ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه ، أنه مخالف لهم في ذلك ، فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له ، وهذا كقوله تعالى : ( فصل لربك وانحر ) [ الكوثر : 2 ] أي : أخلص له صلاتك وذبيحتك ، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها ، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه ، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى .
قال مجاهد في قوله : ( إن صلاتي ونسكي ) قال : النسك الذبح في الحج والعمرة .
وقال الثوري ، عن السدي عن سعيد بن جبير : ( ونسكي ) قال : ذبحي .
وكذا قال السدي والضحاك .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف ، حدثنا أحمد بن خالد الوهبي ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن زيد بن أبي حبيب ، عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله قال : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد بكبشين وقال حين ذبحهما : " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ، ( إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) .
القول في تأويل قوله : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل)، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام, الذين يسألونك أن تتبع أهواءهم على الباطل من عبادة الآلهة والأوثان =(إن صلاتي ونسكي)، يقول: وذبحي (77) =(ومحياي)، يقول: وحياتي =(ومماتي) يقول: ووفاتي =(لله رب العالمين)، يعني: أن ذلك كله له خالصًا دون ما أشركتم به، أيها المشركون، من الأوثان =(لا شريك له) في شيء من ذلك من خلقه, ولا لشيء منهم فيه نصيب, لأنه لا ينبغي أن يكون ذلك إلا له خالصًا =(وبذلك أمرت)، يقول: وبذلك أمرني ربي =(وأنا أول المسلمين)، يقول: وأنا أوّل من أقرَّ وأذْعن وخضع من هذه الأمة لربه بأن ذلك كذلك .
(78) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال: " النسك "، في هذا الموضع، الذبح.
14296- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد: (إن صلاتي ونسكي)، قال: " النسك "، الذبائح في الحج والعمرة .
14297- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: (ونسكي) ، ذبحي في الحج والعمرة .
(79) 14298- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ونسكي)، ذبيحتي في الحج والعمرة .
14299- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن إسماعيل, وليس بابن أبي خالد, عن سعيد بن جبير, في قوله: (صلاتي ونسكي)، قال: ذبحي .
14300- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن إسماعيل, عن سعيد بن جبير في قوله: (صلاتي ونسكي)، قال: ذبحي .
(80) 14301- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, عن سفيان, عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير= قال ابن مهدي: لا أدري من " إسماعيل " هذا !=(صلاتي ونسكي)، قال: صلاتي وذبيحتي .
14302- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، حدثنا الثوري, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن سعيد بن جبير, في قوله: (صلاتي ونسكي)، قال: وذبيحتي .
(81) 14303- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (ونسكي)، قال: ذبحي .
14304- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (ونسكي)، قال: ذبيحتي .
14305- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك: (صلاتي ونسكي)، قال: " الصلاة "، الصلاة, و " النسك "، الذبح .
-------------------- الهوامش : (77) انظر تفسير (( النسك )) فيما سلف 3 : 77 - 80 / 4 : 86 ، 195 .
(78) انظر تفسير (( الإسلام )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سلم ) .
(79) في المطبوعة : (( ذبيحتي )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(80) في المطبوعة : (( ذبيحتي )) ، غير ما في المخطوطة .
(81) الآثار : 14299 - 14302 - (( إسماعيل )) ، الذي روى عنه (( سفيان الثوري )) ، وروى هو (( سعيد بن جبير )) ، والذي جاء في الخبر الأول أنه (( ليس بابن أبي خالد )) ، وفي رقم : 14302 (( إسماعيل بن أبي خالد )) مصرحًا به ، والذي جهله (( ابن مهدي )) في رقم : 14301 ، لم أجد من أشار إليه ، إلا أني وجدت في أسماء الرواة عن (( سعيد بن جبير )) : (( إسماعيل بن مسلم )) ، مولى بني مخزوم ، سمع منه وكيع ، وابن المبارك وعمرو العنقزي ، مترجم في الكبير 1 / 1 / 372 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 197 ، فلا أدري أهو هو ، أم هو غيره .
قوله تعالى قل إن صلاتي ونسكي قد تقدم اشتقاق لفظ الصلاة .
وقيل : المراد بها هنا صلاة الليل .
وقيل : صلاة العيد .
والنسك جمع نسيكة ، وهي الذبيحة ، وكذلك قال مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وغيرهم .
والمعنى : ذبحي في الحج والعمرة .
وقال الحسن : نسكي ديني .
وقال الزجاج : عبادتي ; ومنه الناسك الذي يتقرب إلى الله بالعبادة .
وقال قوم : النسك في هذه الآية جميع أعمال البر والطاعات ; من قولك نسك فلان فهو ناسك ، إذا تعبد .ومحياي أي ما أعمله في حياتي ومماتي أي ما أوصي به بعد وفاتي .لله رب العالمين أي أفرده بالتقرب بها إليه .
وقيل : ومحياي ومماتي لله أي حياتي وموتي له .
وقرأ الحسن : ( نسكي ) بإسكان السين .
وأهل المدينة ( ومحياي ) بسكون الياء في الإدراج .
والعامة بفتحها ; لأنه لا يجتمع ساكنان .
قال النحاس : لم يجزه أحد من النحويين إلا يونس ، وإنما أجازه لأن قبله ألفا ، والألف المدة التي فيها تقوم مقام الحركة .
وأجاز يونس اضربان زيدا ، وإنما منع النحويون هذا لأنه جمع بين ساكنين وليس في الثاني إدغام ، ومن قرأ بقراءة أهل المدينة وأراد أن يسلم من اللحن وقف على محياي فيكون غير لاحن عند جميع النحويين .
وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وعاصم الجحدري ( ومحيي ) بتشديد الياء الثانية من غير ألف ; وهي لغة عليا مضر يقولون : قفي وعصي .
وأنشد أهل اللغة :سبقوا هوي وأعنقوا لهواهموقد تقدم .قال إلكيا الطبري : قوله تعالى : قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم إلى قوله : قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر ; فإن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزله في كتابه ، ثم ذكر حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة قال : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض [ ص: 139 ] حنيفا وما أنا من المشركين .
إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين .
إلى قوله : وأنا من المسلمين .
قلت : روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين .
إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين .
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك .
تباركت وتعاليت .
أستغفرك وأتوب إليك الحديث .
وأخرجه الدارقطني وقال في آخره : بلغنا عن النضر بن شميل وكان من العلماء باللغة وغيرها قال : معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم والشر ليس إليك الشر ليس مما يتقرب به إليك .
قال مالك : ليس التوجيه في الصلاة بواجب على الناس ، والواجب عليهم التكبير ثم القراءة .
قال ابن القاسم : لم ير مالك هذا الذي يقوله الناس قبل القراءة : سبحانك اللهم وبحمدك .
وفي مختصر ما ليس في المختصر : أن مالكا كان يقوله في خاصة نفسه ; لصحة الحديث به ، وكان لا يراه للناس مخافة أن يعتقدوا وجوبه .
قال أبو الفرج الجوزي : وكنت أصلي وراء شيخنا أبي بكر الدينوري الفقيه في زمان الصبا ، فرآني مرة أفعل هذا فقال : يا بني ، إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام ، ولم يختلفوا أن الافتتاح سنة ، فاشتغل بالواجب ودع السنن .
والحجة لمالك قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي علمه الصلاة : إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ولم يقل له سبح كما يقول أبو حنيفة ، ولا قل وجهت وجهي ، كما يقول الشافعي .
وقال لأبي : كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ؟
قال : قلت الله أكبر ، الحمد لله رب العالمين فلم يذكر توجيها ولا تسبيحا .
فإن قيل : فإن عليا قد أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله .
قلنا : يحتمل أن يكون [ ص: 140 ] قاله قبل التكبير ثم كبر ، وذلك حسن عندنا .
فإن قيل : فقد روى النسائي والدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم يقول : إن صلاتي ونسكي الحديث قلنا : هذا نحمله على النافلة في صلاة الليل ; كما جاء في كتاب النسائي عن أبي سعيد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة بالليل قال : سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك .
أو في النافلة مطلقا ; فإن النافلة أخف من الفرض ; لأنه يجوز أن يصليها قائما وقاعدا وراكبا ، وإلى القبلة وغيرها في السفر ، فأمرها أيسر .
{ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي } أي: ذبحي، وذلك لشرف هاتين العبادتين وفضلهما، ودلالتهما على محبة الله تعالى، وإخلاص الدين له، والتقرب إليه بالقلب واللسان، والجوارح وبالذبح الذي هو بذل ما تحبه النفس من المال، لما هو أحب إليها وهو الله تعالى.
ومن أخلص في صلاته ونسكه، استلزم ذلك إخلاصه لله في سائر أعماله.
وقوله: { وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي } أي: ما آتيه في حياتي، وما يجريه الله عليَّ، وما يقدر عليَّ في مماتي، الجميع { لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }
( قل إن صلاتي ونسكي ) قيل : أراد بالنسك الذبيحة في الحج والعمرة ، وقال مقاتل : نسكي : حجي ، وقيل : ديني ، ( ومحياي ومماتي ) أي : حياتي ووفاتي ، ( لله رب العالمين ) أي : هو يحييني ويميتني ، وقيل : محياي بالعمل الصالح ومماتي إذا مت على الإيمان لله رب العالمين ، وقيل : طاعتي في حياتي لله وجزائي بعد مماتي من الله رب العالمين .
قرأ أهل المدينة : " ومحياي " بسكون الياء و " مماتي " بفتحها ، وقراءة العامة " محياي " بفتح الياء لئلا يجتمع ساكنان .
«قل إن صلاتي ونسكي» عبادتي من حج وغيره «ومحياي» حياتي «ومماتي» موتي «لله رب العالمين».
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إن صلاتي، ونسكي، أي: ذبحي لله وحده، لا للأصنام، ولا للأموات، ولا للجن، ولا لغير ذلك مما تذبحونه لغير الله، وعلى غير اسمه كما تفعلون، وحياتي وموتي لله تعالى رب العالمين.
ثم قل لهم للمرة الثانية : إن صلاتى التى أتوجه بها إلى ربى { وَنُسُكِي } أى عبادتى وتقربى إليه - وهو من عطف العام على الخاص - وقيل المراد به ذبائح الحج والعمرة .
{ وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي } أى : ما أعمله فى حياتى من أعمال وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح .كل ذلك { للَّهِ رَبِّ العالمين } فأنا متجرد تجرداً كاملا لخالقى ورازقى بكل خالجة فى القلب ، وبكل حكة فى هذه الحياة .
اعلم أنه تعالى كما عرفه الدين المستقيم عرفه كيف يقوم به ويؤديه فقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ يدل على أنه يؤديه مع الأخلاص وأكده بقوله: ﴿ لاَ شَرِيكَ لَهُ ﴾ وهذا يدل على أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت بل يجب أن يؤتى بها مع تمام الإخلاص وهذا من أقوى الدلائل على أن شرط صحة الصلاة أن يؤتى بها مقرونة بالأخلاص.
أما قوله: ﴿ وَنُسُكِى ﴾ فقيل المراد بالنسك الذبيحة بعينها، يقول: من فعل كذا فعليه نسك أي دم يهريقه، وجمع بين الصلاة والذبح، كما في قوله: ﴿ فَصَلّ لِرَبِّكَ وانحر ﴾ وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: النسك سبائك الفضة، كل سبيكة منها نسيكة، وقيل: للمتعبد ناسك، لأنه خلص نفسه من دنس الآثام، وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث، وعلى هذا التأويل، فالنسك كل ما تقربت به إلى الله تعالى إلا أن الغالب عليه في العرف الذبح وقوله: ﴿ وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى ﴾ أي حياتي وموتي لله.
واعلم أنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ فأثبت كون الكل لله، والمحيا والممات ليسا لله بمعنى أنه يؤتى بهما لطاعة الله تعالى، فإن ذلك محال، بل معنى كونهما لله أنهما حاصلان بخلق الله تعالى، فكذلك أن يكون كون الصلاة والنسك لله مفسراً بكونهما واقعين بخلق الله، وذلك من أدل الدلائل على أن طاعات العبد مخلوقة لله تعالى.
وقرأ نافع ﴿ محياي ﴾ ساكنة الياء ونصبها في مماتي، وإسكان الياء في محياي شاذ غير مستعمل، لأن فيه جمعاً بين ساكنين لا يلتقيان على هذا الحد في نثر ولا نظم، ومنهم من قال: إنه لغة لبعضهم، وحاصل الكلام، أنه تعالى أمر رسوله أن يبين أن صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته كلها واقعة بخلق الله تعالى، وتقديره وقضاءه وحكمه، ثم نص على أنه لا شريك له في الخلق، والتقدير: ثم يقول وبذلك أمرت أي وبهذا التوحيد أمرت.
ثم يقول: ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين ﴾ أي المستسلمين لقضاء الله وقدره، ومعلوم أنه ليس أولاً لكل مسلم، فيجب أن يكون المراد كونه أولاً لمسلمي زمانه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى ﴾ وعبادتي وتقرّبي كله.
وقيل: وذبحي.
وجمع بين الصلاة والذبح كما في قوله: ﴿ فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر ﴾ [الكوثر: 2] وقيل: صلاتي وحجّي من مناسك الحج ﴿ وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى ﴾ وما آتيه في حياتي، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح ﴿ للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ خالصة لوجهه ﴿ وبذلك ﴾ من الإخلاص ﴿ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين ﴾ لأنّ إسلام كل نبيّ متقدّم لإسلام أمّته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ﴾ عِبادَتِي كُلُّها، أوْ قُرْبانِي أوْ حَجِّي.
﴿ وَمَحْيايَ ومَماتِي ﴾ وما أنا عَلَيْهِ في حَياتِي وأمُوتُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، أوْ طاعاتِ الحَياةِ والخَيْراتِ المُضافَةِ إلى المَماتِ كالوَصِيَّةِ والتَّدْبِيرِ، أوِ الحَياةِ والمَماتِ أنْفُسِهِما.
وقَرَأ نافِعٌ مَحْيايْ بِإسْكانِ الياءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ.
﴿ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ لا شَرِيكَ لَهُ ﴾ خالِصَةً لَهُ لا أُشْرِكُ فِيها غَيْرًا.
﴿ وَبِذَلِكَ ﴾ القَوْلِ أوِ الإخْلاصِ.
﴿ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ ﴾ لِأنَّ إسْلامَ كُلِّ نَبِيٍّ مُتَقَدِّمٌ عَلى إسْلامِ أُمَّتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{قل إن صلاتي ونسكي} أى عبادتى والنسك العابد أو ذبحي أو حجي {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} وما أتيته في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعلم الصالح {لله رب العالمين} خالصة لوجهه محياى وَمَمَاتِي بسكون الياء الأول وفتح الثاني مدني وبعكسه غيره
﴿ قُلْ إنَّ صَلاتِي ﴾ أيْ جِنْسَها لِتَشْمَلَ المَفْرُوضَةَ وغَيْرَها وأُعِيدَ الأمْرُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ وقِيلَ: لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ وما سَبَقَ بِأُصُولِها ﴿ ونُسُكِي ﴾ أيْ عِبادَتِي كُلَّها كَما قالَ الزَّجّاجُ والجُبّائِيُّ وهو مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ بِهِ الذَّبِيحَةُ لِلْحَجِّ والعُمْرَةِ وعَنْ قَتادَةَ الأُضْحِيَةُ وجَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الصَّلاةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ ﴾ عَلى المَشْهُورِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الحَجُّ أيْ إنَّ صَلاتِي وحَجِّي ﴿ ومَحْيايَ ومَماتِي ﴾ أيْ ما يُقارِنُ حَياتِي ومَوْتِي مِنَ الإيمانِ والعَمَلَ الصّالِحَ.
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمَحْيا والمَماتِ ظاهِرَهُما والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ (162) إذِ المُرادُ بِهِ الخُلُوصُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وقِيلَ المُرادُ بِهِ نَظَرًا لِهَذا الِاحْتِمالِ أنَّ ذَلِكَ لَهُ تَعالى مُلْكًا وقُدْرَةً <div class="verse-tafsir"
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي وذلك أن أهل مكة قالوا له: من أين لك هذه الفضيلة وأنت بشر مثلنا؟
فإن فعلت لطلب المال فاترك هذا القول حتى نعطيك من المال ما شئت.
فنزلت قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: وفقني الله وهداني إلى دين الإسلام وهو دين لا عوج فيه دِيناً قِيَماً.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو دِيناً قِيَماً بنصب القاف وكسر الياء مشدودة.
وقرأ الباقون قَيِّماً بكسر القاف ونصب الياء على معنى المصدر.
ومن قرأ بالنصب على معنى النعت دِيناً قِيَماً يعني: ديناً عدلاً مستقيماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً يعني: مستقيماً مخلصاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ على دينهم قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وأصل النسك ما يتقرب به يعني: قل إن صلاتي المفروضة وقرباني وديني وَمَحْيايَ في الدنيا وَمَماتِي بعد الحياة.
ويقال: وَنُسُكِي يعني: أضحيتي وحجتي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ في الكتاب وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ من أهل مكة.
ويقال: أول المسلمين يوم الميثاق.
ويقال: صَلاتِي يعني: صلاة العيد ونسكي يعني: الأضحية.
وروي عن رسول الله أنه قال لعائشة : «قُومِي إلى أُضْحِيَتِكِ وَاذْبَحِي وَقُولِي: إنَّ صَلاَتِي وَنُسْكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ العَالَمِينَ» .
ويقال: إن أول المخلصين بالثبات على الإسلام.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)
وقوله سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي ...
الآية: أمر من اللَّه عزَّ وجلَّ لنبيِّه- عليه السلام- أنْ يعلن بأنَّ مقصده في صلاته، وطاعتِهِ من ذبيحة وغيرها، وتصرفَهُ مدَّةَ حياتِهِ، وحالهُ من إخلاصٍ وإيمانٍ عند مماته- إنما هو للَّه عزَّ وجلَّ، وإرادةِ وجهه، وطَلَبِ رضاه، وفي إعلان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بهذه المقالة ما يلزمُ المؤمنين التأسِّي به حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قَصْدَ وجه اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يريد بهذه المقالة أنَّ صلاته ونسكه وحياته ومماته «١» بِيَدِ اللَّه عزَّ وجلَّ، واللَّه يصرفه في جميع ذلك كَيْفَ شاء سبحانه، ويكون قوله: وَبِذلِكَ أُمِرْتُ على هذا التأويل- راجعاً إلى قوله: لاَ شَرِيكَ لَهُ فقطْ، أو راجعاً إلى القول وعلى التأويل الأول، يرجع إلى جميع ما ذُكِرَ من صلاة وغيرها، وقالتْ فرقة: النُّسُكُ في هذه الآية: الذبائح.
قال ع «٢» : ويُحَسِّن تخصيصَ الذبيحة بالذِّكْر في هذه الآية أنها نازلةٌ قد تقدَّم ذكرها، والجَدَل فيها في السُّورة، وقالتْ فرقة: النسك في هذه الآية: جميع أعمال الطاعاتِ مِنْ قولك: نَسَكَ فُلاَنٌ، فَهُوَ نَاسِكٌ إذا تعبَّد، وقرأ السبعة سوى نافع:
«وَمَحْيَايَ» - بفتح الياء-، وقرأ نافع «٣» وحده: «وَمَحْيَايْ» - بسكون/ الياء-، قال أبو حَيَّان «٤» : وفيه جمع بين ساكنَيْنِ، وسوَّغ ذلك ما في الألفِ من المَدِّ القائمِ مَقَام الحركَة.
انتهى، وقوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، أي: من هذه الأمة.
وقوله سبحانه: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ...
الآية: حكى
النَّقَّاش أنه روي أنَّ الكُفَّار قالوا للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: ارجع يا محمَّد إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفَّل لك بكلِّ تباعة تتوقَّعها في دُنْيَاك وآخرتك، فنزلَتْ هذه الآية «١» ، وهي استفهام يقتضي التوبيخَ لهم، وأَبْغِي: معناه أَطْلُبْ فكأنه قال: أفَيَحْسُنُ عندكم أن أَطْلُبَ إلهاً غير اللَّه الذي هو رَبُّ كلِّ شيء، وما ذكَرْتُم من كَفَالَتِكُمْ باطلٌ ليس الأمرُ كما تظُنُّون، فلا تَكْسِبُ كلُّ نفس من الشَّرِّ والإثم إلا عليها وحْدها، وَلا تَزِرُ، أي: تحملُ وازِرَةٌ، أي: حاملةٌ حمل أخرى وثقلها، و «الوِزْر» : أصله الثقل، ثم استعمل في الإثم تجوُّزاً واستعارة، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ: تهديد ووعيد، وقوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، أي: في أمري في قول بعضكم: هو سَاحِرٌ، وبعضكم: هو شاعرٌ، إلى غير ذلك قاله بعض المتأوِّلين، وهذا التأويلُ يَحْسُنُ في هذا الموضع، وإن كان اللفظ يعمُّ جميع أنواع الاختلافاتِ بَيْن الأديان والملل والمذاهب وغير ذلك، وخَلائِفَ:
جمع خَلِيفَةِ، أي: يخلف بعضُكم بعضاً لأن مَنْ أتى خليفةٌ لِمَنْ مضى، وهذا يتصوَّر في جميع الأممِ وسائرِ أصنافِ الناسِ، ولكنه يحسن في أمة نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم أن يسمى أهلها بجملتهم خلائِف للأمم، وليس لهم من يخلفهم إذ هم آخر الأمم، وعليهم تقومُ الساعة، وروى الحَسَنُ بْنُ أبي الحسن أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «تُوفونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» ، ويروى: «أَنْتُمْ آخِرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ» .
وقوله: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ: لفظٌ عامٌّ في المالِ، والقوةِ، والجاهِ، وجودةِ النفُوسِ والأذهانِ، وغير ذلك، وكل ذلك إنما هو ليختبر اللَّه سبحانه الخلْقَ، فيَرَى المحْسِنَ من المُسيء، ولما أخبر اللَّه عزَّ وجلَّ بهذا، ففسح للنَّاس مَيْدَانَ العَمَل، وحضَّهم سبحانه على الاستباقِ إلى الخيراتِ، توعَّد ووَعَد تخويفاً منه وترجيةً، فقال: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ إما بأخَذَاته في الدنيا، وإما بعقاب الآخرة، وحَسُنَ أنْ يوصف عقابُ الآخرة ب «سريع» لما كان متحقّقاً مضمون الإتيانِ والوقوعِ، وكلُّ آت قريبٌ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ: ترجيةٌ لمن أذنب وأراد التوبة، وهذا في كتاب اللَّه كثيرٌ، وهو اقتران الوعيد بالوعدِ لطفاً من اللَّه سبحانه بعبادِهِ، اللَّهم اجعلنا مِمَّنْ شملته رحْمَتُكَ وغُفْرانُكَ، بجُودِكَ وإحسانِكَ، ومِنْ كلام الشيخ الولي العارف أبي الحسن الشاذلي (رحمه اللَّه) قَالَ: من أراد ألاَّ يضره ذنْبٌ، فليقل: ربِّ أعوذ بك من عذابِكَ يَوْمَ تبعث عبادَكَ، وأعوذ بك مِنْ عاجل العذابِ، ومِنْ سوء الحسابِ، فإنك لسريعُ الحِسَاب، وإنك لغفور رحيم، ربّ إني ظلمت
نفسي ظُلْماً كثيراً، فاغفر لي وتُبْ عليَّ لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين.
انتهى، نسأل اللَّه أنْ ينفع به ناظِرَهُ وأنْ يجعله لنا ذخراً ونوراً يسعى بين أيدينا يوم لقائه، والحمدُ للَّه الَّذي بنعمته تتمُّ الصالحاتُ، وصلى اللَّه على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسلما/.
انتهى هذا الجزء مصحّحا بالمقابلة على خط مؤلفه شكر الله سعيه، وقدّس سرّه ويليه الجزء الثالث وأوله سورة الأعراف ولله الحمد والمنة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ صَلاتِي ﴾ يُرِيدُ: الصَّلاةَ المَشْرُوعَةَ.
والنُّسُكُ: جُمْعُ نَسِيكَةٍ.
وُفي النُّسُكِ هاهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الذَّبائِحُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: العِبادَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ: النُّسُكُ كُلُّ ما تُقُرِّبَ بِهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إلّا أنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ أمَرُ الذَّبْحِ، والرّابِعُ: أنَّهُ الدِّينُ، والحَجُّ، والذَّبائِحُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَحْيايَ ومَماتِي ﴾ الجُمْهُورُ عَلى تَحْرِيكِ ياءِ " مَحْيايَ " وتَسْكِينِ ياءِ " مَماتِي " وقَرَأ نافِعٌ: بِتَسْكِينِ ياءِ " مَحْيايَ " ونَصْبِ ياءِ " مَماتِيَ " ثُمَّ لَلْمُفَسِّرِينَ في مَعْناهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: لا يَمْلِكُ حَياتِي ومَماتِي إلّا اللَّهُ.
والثّانِي: حَياتِي لَلَّهِ في طاعَتِهِ، ومَماتِي لَلَّهِ في رُجُوعِي إلى جَزائِهِ.
ومَقْصُودُ الآَيَةِ أنَّهُ أخْبَرَهم أنَّ أفْعالِي وأحْوالِي لَلَّهِ وحْدَهُ، لا لَغَيْرِهِ كَما تُشْرِكُونَ أنْتُمْ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: أوَّلُ المُسْلِمِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ بِالإعْلانِ بِشَرِيعَتِهِ؛ ونَبْذِ ما سِواها مِن أضالِيلِهِمْ؛ ووَصْفِ الشَرِيعَةِ بِما هي عَلَيْهِ مِنَ الحُسْنِ؛ والفَضْلِ؛ والِاسْتِقامَةِ؛ و"هَدانِي"؛ مَعْناهُ: أرْشَدَنِي بِخَلْقِ الهُدى في قَلْبِي؛ و"اَلرَّبُّ": اَلْمالِكُ؛ ولَفْظُهُ مَصْدَرٌ؛ مِن قَوْلِكَ: "رَبَّهُ؛ يَرُبُّهُ"؛ وإنَّما هو مِثْلُ "عَدْلٌ"؛ و"رِضًا"؛ في أنَّهُ مَصْدَرٌ وصِفَ بِهِ؛ وأصْلُهُ: "ذُو الرَبِّ"؛ ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ فَقِيلَ: "اَلرَّبُّ".
و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ؛ و"دِينًا"؛ مَنصُوبٌ بِـ "هَدانِي"؛ اَلْمُقَدَّرِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ "هَدانِي"؛ اَلْأوَّلُ؛ وهَذا الضَمِيرُ إنَّما يَصِلُ وحْدَهُ دُونَ أنْ يَحْتاجَ إلى إضْمارِ "إلى"؛ إذْ "هَدى"؛ يَصِلُ بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولِهِ الثانِي؛ وبِحَرْفِ الجَرِّ؛ فَهو فِعْلٌ مُتَرَدِّدٌ؛ وقِيلَ: نَصَبَ "دِينًا"؛ فِعْلٌ مُضْمَرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "عَرَّفَنِي دِينًا"؛ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: "فاتَّبِعُوا دِينًا"؛ أو: "فالزَمُوا دِينًا"؛ وقِيلَ: نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِن "صِراطٍ"؛ عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: "هَدانِي رَبِّي صِراطًا مُسْتَقِيمًا"؛ و"قِيَمًا"؛ نَعْتٌ لِلدِّينِ؛ ومَعْناهُ: "مُسْتَقِيمًا مُعْتَدِلًا".
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "قَيِّمًا"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وكَسْرِ الياءِ؛ وشَدِّها؛ وأصْلُهُ: "قَيْوِمًا"؛ عُلِّلَتْ كَتَعْلِيلِ "سَيِّدٌ"؛ و"مَيِّتٌ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "قِيَمًا"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ وفَتْحِ الياءِ؛ عَلى وزْنِ "فِعَلًا"؛ وكَأنَّ الأصْلَ أنْ يَجِيءَ فِيهِ: "قِوَمًا"؛ كَـ "عِوَضٌ"؛ و"حِوَلٌ"؛ إلّا أنَّهُ شَذَّ كَشُذُوذِ قَوْلِهِمْ: "جِيادٌ"؛ في جَمْعِ "جَوادٌ"؛ و"ثِيرَةٌ"؛ في جَمْعِ "ثَوْرٌ".
و"مِلَّةَ"؛ بَدَلٌ مِنَ الدِينِ؛ و"اَلْمِلَّةُ": اَلشَّرِيعَةُ؛ و"حَنِيفًا"؛ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن "إبْراهِيمَ"؛ و"اَلْحَنَفُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْمَيْلُ؛ وقَدْ يَكُونُ المَيْلَ إلى فَسادٍ؛ كَـ "حَنَفَ الرَجُلُ"؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا"؛ ﴾ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالحاءِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقَدْ يَكُونُ الحَنَفُ إلى الصَلاحِ؛ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "اَلْحَنِيفِيَّةُ السَمْحَةُ"؛» و"اَلدِّينُ الحَنِيفُ"؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اَلْحَنَفُ: اَلِاسْتِقامَةُ؛ وإنَّما سُمِّيَ " اَلْأحْنَفُ "؛ في الرَجُلِ؛ عَلى جِهَةِ التَفاؤُلِ لَهُ.
﴿ وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ؛ نَفْيٌ لِلنَّقِيصَةِ عنهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ إنَّ صَلاتِي ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُعْلِنَ بِأنَّ مَقْصِدَهُ في صَلاتِهِ؛ وطاعَتِهِ؛ مِن ذَبِيحَةٍ؛ وغَيْرِها؛ وتَصَرُّفِهِ مُدَّةَ حَياتِهِ؛ وحالِهِ مِنَ الإخْلاصِ والإيمانِ عِنْدَ مَماتِهِ؛ إنَّما هو لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وإرادَةَ وجْهِهِ؛ وطَلَبَ رِضاهُ؛ وفي إعْلانِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِهَذِهِ المَقالَةِ ما يُلْزِمُ المُؤْمِنِينَ التَأسِّي بِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ حَتّى يَلْتَزِمُوا في جَمِيعِ أعْمالِهِمْ قَصْدَ وجْهِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ المَقالَةِ أنَّ صَلاتَهُ؛ ونُسُكَهُ؛ وحَياتَهُ؛ ومَوْتَهُ؛ بِيَدِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ يُصَرِّفُهُ في جَمِيعِ ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ؛ وأنَّهُ قَدْ هَداهُ مِن ذَلِكَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ ﴾ ؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ راجِعًا إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لا شَرِيكَ لَهُ ﴾ ؛ فَقَطْ؛ أو راجِعًا إلى القَوْلِ الأوَّلِ؛ وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَرْجِعُ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن صَلاةٍ وغَيْرِها؛ أيْ: أُمِرْتُ بِأنْ أقْصِدَ وجْهَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في ذَلِكَ؛ وأنْ ألْتَزِمَ العَمَلَ.
وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنُسُكِي"؛ بِضَمِّ السِينِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ والحَسَنُ بِإسْكانِ السِينِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلنُّسُكُ: في هَذِهِ الآيَةِ: اَلذَّبائِحُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحَسِّنُ تَخْصِيصَ الذَبِيحَةِ بِالذِكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نازِلَةٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها؛ والجَدَلُ فِيها؛ في السُورَةِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلنُّسُكُ في هَذِهِ الآيَةِ: جَمِيعُ أعْمالِ الطاعاتِ؛ مِن قَوْلِكَ: "نَسَكَ فُلانٌ؛ فَهو ناسِكٌ"؛ إذا تَعَبَّدَ.
وقَرَأ السَبْعَةُ - سِوى نافِعٍ -: ﴿ وَمَحْيايَ ومَماتِي ﴾ ؛ بِفَتْحِ الياءِ مِن "مَحْيايَ"؛ وسُكُونِها مِن "وَمَماتِي"؛ وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "وَمَحْيايْ"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وهي شاذَّةٌ في القِياسِ؛ لِأنَّها جَمَعَتْ بَيْنَ ساكِنَيْنِ؛ وشاذَّةٌ في الِاسْتِعْمالِ؛ ووَجْهُها أنَّهُ قَدْ سُمِعَ مِنَ العَرَبِ: "اِلْتَقَتْ حَلْقَتا البِطانِ"؛ و"لِفُلانٍ ثُلُثا المالِ"؛ ورَوى أبُو خُلَيْدٍ عن نافِعٍ: "وَمَحْيايِ"؛ بِكَسْرِ الياءِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وعِيسى ؛ والجَحْدَرِيُّ: "وَمَحْيَيَّ"؛ وهَذِهِ لُغَةُ هُذَيْلٍ؛ ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ ∗∗∗ فَتَصَرَّعُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "صَلاتِيَ ونُسُكِيَ ومَحْيايَ ومَماتِيَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ فِيهِنَّ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عن عاصِمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ ﴾ ؛ أيْ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وقالَ النَقّاشُ: "مِن أهْلِ مَكَّةَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَعْنى واحِدٌ؛ بَلِ الأوَّلُ أعَمُّ وأحْسَنُ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأنا"؛ بِإشْباعِ الألِفِ؛ وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى القِراءَةِ "وَأنا"؛ دُونُ إشْباعٍ؛ وهَذا كُلُّهُ في الوَصْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَرْكُ الإشْباعِ أحْسَنُ؛ لِأنَّها ألِفُ وقْفٍ؛ فَإذا اتَّصَلَ الكَلامُ اسْتُغْنِيَ عنها؛ لا سِيَّما إذا ولِيَتْها هَمْزَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف أيضاً، يتنزّل منزلة التّفريع عن الأوّل، إلاّ أنَّه استؤنف للإشارة إلى أنّه غرض مستقلّ مُهِمّ في ذاته، وإن كان متفرّعاً عن غيره، وحاصل ما تضمّنه هو الإخلاص لله في العبادة، وهو متفرّع عن التّوحيد، ولذلك قيل: الرياءُ الشّرك الأصغر.
عُلّم الرّسول صلى الله عليه وسلم أن يقوله عقب ما عُلّمه بما ذكر قبله لأنّ المذكور هنا يتضمّن معنى الشّكر لله على نعمة الهداية إلى الصّراط المستقيم، فإنَّه هداه ثمّ ألهمه الشّكر على الهداية بأن يجعل جميع طاعته وعبادته لله تعالى.
وأعيد الأمر بالقول لما علمتَ آنفاً.
وافتتحت جملة المقول بحرف التّوكيد للاهتمام بالخبر ولتحقيقه، أو لأنّ المشركين كانوا يزعمون أنّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام كان يُرائي بصلاته، فقد قال بعض المشركين لمَّا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي عند الكعبة: «ألاَ تنظرون إلى هذا المُرائي أيُّكم يقوم إلى جَزور بني فلان فيعمِد إلى فَرثها وسلاها فإذا سجد وضعه بين كتفيه».
فتكون (إنّ) على هذا لردّ الشكّ.
واللاّم في ﴿ لله ﴾ يجوز أن تكون للملك، أي هي بتيسير الله فيكون بياناً لقوله: ﴿ إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ﴾ [الأنعام: 161].
ويجوز أن تكون اللام للتعليل أي لأجل الله.
وجعل صلاته لله دون غيره تعريضاً بالمشركين إذ كانوا يسجدون للأصنام.
ولذلك أردف بجملة ﴿ لا شريك له ﴾ .
والنّسك حقيقته العبادة ومنه يسمى العابد الناسك.
والمحْيَا والممات يستعملان مصدرين ميميين، ويستعملان اسمي زمان، من حيي ومات، والمعنيَان محتمَلان فإذا كان المراد من المحيا والممات المعنى المصدري كان المعنى على حذف مضاف تقديره: أعمال المحيَا وأعمال الممات، أي الأعمال التي من شأنها أن يتلبّس بها المرء مع حياته، ومع وقت مماته.
وإذا كان المراد منهما المعنى الزمني كان المعنى ما يعتريه في الحياة وبعد الممات.
ثمّ إنّ أعمال الحياة كثيرة وفيرة، وأمّا الأعمال عند الموت فهي ما كان عليه في مدّة الحياة وثباتُه عليه، لأنّ حالة الموت أو مدّته هي الحالة أو المدّة التي تنقلب فيها أحوال الجسم إلى صفة تؤذن بقرب انتهاء مدّة الحياة وتلك حالة الاحتضار، وتلك الحالة قد تؤثّر انقلاباً في الفكر أو استعجالاً بما لم يكن يستعجل به الحي، فربّما صدرت عن صاحبها أعمال لم يكن يصدرها في مدّة الصحّة، اتّقاءً أو حياءً أو جلباً لنفع، فيرى أنَّه قد يئس ممّا كان يُراعيه، فيفعل ما لم يكن يفعل، وأيضاً لتلك الحالة شؤون خاصّة تقع عندها في العادة مثل الوصيّة، وهذه كلّها من أحوال آخر الحياة، ولكنّها تضاف إلى الموت لوقوعها بقربه، وبهذا يكون ذكر الممات مقصوداً منه استيعاب جميع مدّة الحياة حتّى زمن الإشراف على الموت.
ويجوز أن يكون المراد من الممات ما يحصل للرسول عليه الصّلاة والسّلام بعد وفاته من توجهاته الرّوحيّة نحو أمّته بالدّعاء لهم والتّسليم على من سلّم عليه منهم والظّهور لخاصّة أمَّته في المنام فإنّ للرّسول بعد مماته أحكام الحياة الرّوحيّة الكاملة كما ورد في الحديث: " إذا سلّم عليّ أحد من أمَّتي رَدّ الله عليّ روحِي فرددتُ عليه السّلام " وكذلك أعماله في الحشر من الشّفاعة العامّة والسّجود لله في عرصات القيامة فتلك أعمال خاصة به صلى الله عليه وسلم وهي كلّها لله تعالى لأنَّها لنفع عبيده أو لنفع أتباع دينه الذي ارتضاه لهم، فيكون قوله: ﴿ ومماتي ﴾ هنا ناظراً إلى قوله في الحديث: " حياتي خير لكم ومماتي خير لكم ".
ويجوز أن يكون معنى مماته لله الشهادة في سبيل الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمّته اليهودية بخيبر في لحم شاة أطعموه إياه حصل بعض منه في إمعائه.
ففي الحديث " ما زالت أكلة خيبر تعتادني كل عام حتى كان هذا أوان قطع أبْهَري ".
وبقوله: ﴿ ومحياي ومماتي لله رب العالمين ﴾ تحقّق معنى الإسلام الذي أصله الإلقاء بالنّفس إلى المُسْلَم له، وهو المعنى الذي اقتضاه قوله: ﴿ فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ﴾ كما تقدّم في سورة آل عمران (20)، وهو معنى الحنيفية الذي حكاه الله تعالى عن إبراهيم عليه السّلام في قوله: ﴿ إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ﴾ كما في سورة البقرة (131).
وقوله: رب العالمين } صفة تشير إلى سبب استحقاقه أن يكون عمل مخلوقاته له لا لغيره، لأنّ غيره ليس له عليهم نعمة الإيجاد، كما أشار إليه قوله في أوّل السورة (1): ﴿ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.
﴾ وجملة: لا شريك له } حال من اسم الجلالة مصرّحة بما أفاده جمع التّوكيد مع لام الملك من إفادة القصر.
والمقصود من الصّفة والحال الردّ على المشركين بأنَّهم ما أخلصوا عملهم للذي خلقهم، وبأنَّهم أشركوا معه غيره في الإلهيّة.
وقَرأ نافع: ﴿ ومحياي ﴾ بسكون الياء الثّانية إجراء للوصل مُجرى الوقف وهو نادر في النّثر، والرّواية عن نافع أثبتته في هذه الآية، ومعلوم أنّ الندرة لا تُناكد الفصاحة ولا يريبك ما ذكره ابن عطيّة عن أبي عليّ الفارسي: «أنَّها شاذّة عن القياس لأنَّها جمعت بين ساكنين لأنّ سكون الألف قبل حرف ساكن ليس ممّا يثقل في النّطق نحو عصاي، ورؤياي، ووجه إجراء الوصل مجرى الوقف هنا إرادة التّخفيف لأنّ توالي يائين مفتوحتين فيه ثقل، والألف النّاشئة عن الفتحة الأولى لا تعدّ حاجزاً فعدل عن فتح الياء الثّانية إلى إسكانها».
وقرأه البقيّة بفتح الياء وروي ذلك عن وَرش، وقال بعض أهل القراءة أنّ نافعاً رجع عن الإسكان إلى الفتح.
وجملة: ﴿ وبذلك أمرت ﴾ عطف على جملة ﴿ إن صلاتي ﴾ إلخ.
فهذا ممّا أمر بأن يقوله، وحرف العطف ليس من المقول.
والإشارة في قوله: ﴿ وبذلك ﴾ إلى المذكور من قوله: ﴿ إن صلاتي ونسكي ﴾ إلخ، أي أنّ ذلك كان لله بهدي من الله وأمرٍ منه، فرجع إلى قوله: ﴿ إنَّني هداني ربي إلى صراط مستقيم ﴾ [الأنعام: 161] يعني أنَّه كما هداه أمره بما هو شكر على تلك الهداية، وإنَّما أعيد هنا لأنَّه لما أضاف الصّلاة وما عطف عليها لنفسه وجعلها لله تعالى أعقبها بأنّه هَدْي من الله تعالى، وهذا كقوله تعالى: ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين ﴾ [الزمر: 11، 12].
وتقديم الجار والمجرور للاهتمام بالمشار إليه.
وقوله: ﴿ وأنا أول المسلمين ﴾ مثل قوله: ﴿ وبذلك أمرت ﴾ خبر مستعمل في معناه الكنائي، وهو لازم معناه، يعني قبول الإسلام والثّبات عليه والاغتباط به، لأنّ من أحبّ شيئاً أسرع إليه فجاءه أوّل النّاس، وهذا بمنزلة فعل السبق إذ يطلق في كلامهم على التمكّن والترجّح، كما قال النّابغة: سَبَقْتَ الرّجالَ الباهشين إلى العلا *** كسَبْق الجواد اصطادَ قبل الطوارد لا يريد أنّه كان في المعالي أقدم من غيره لأنّ في أهل المعالي من هو أكبر منه سِنّاً، ومن نال العلا قبل أن يولد الممدوح، ولكنّه أراد أنّه تمكّن من نوال العلا وأصبح الحائز له والثّابت عليه.
وفي الحديث: " نحن الآخِرون السّابقون يوم القيامة ".
وهذا المعنى تأييس للمشركين من الطّمع في التّنازل لهم في دينهم ولو أقَلّ تنازللٍ.
ومن استعمال (أوّل) في مثل هذا قوله تعالى: ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾ كما تقدّم في سورة البقرة (41).
وليس المراد معناه الصّريحَ لقلّة جدوى الخبر بذلك، لأنّ كلّ داع إلى شيء فهو أوّل أصحابه لا محالة، فماذا يفيد ذلك الأعداء والأتباعَ، فإن أريد بالمسلمين الذين اتَّبعوا حقيقة الإسلام بمعنى إسلام الوجه إلى الله تعالى لم يستقم، لأنّ إبراهيم عليه السّلام كان مسلماً وكان بنوه مسلمين، كما حكى الله عنهم إذ قال إبراهيم عليه السّلام: ﴿ فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون ﴾ [البقرة: 132] وكذلك أبناء يعقوب كانوا مسلمين إذ قالوا: ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ [البقرة: 136].
وقرأ نافع وأبو جعفر بإثبات ألف «أنَا» إذا وقعت بعدها همزة ويجري مدّها على قاعدة المدّ، وحذفَها الباقون قبل الهمزة، واتَّفق الجميع على حذفها قبل غير الهمزة تخفيفاً جرى عليه العرب في الفصيح من كلامهم نحو: «أنا يُوسف» واختلفوا فيه قبل الهمزة نحو أنا أفعل، وأحسب أنّ الأفصح إثباتها مع الهمز للتّمكّن من المدّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ أنْ يَذْكُرَ لِلنّاسِ حالَ عِبادَتِهِ ومَن لَهُ الأمْرُ في حَياتِهِ ومَماتِهِ.
فَقالَ ﴿ إنَّ صَلاتِي ﴾ وهي الصَّلاةُ المَشْرُوعَةُ ذاتُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ المُشْتَمِلَةُ عَلى التَّذَلُّلِ والخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ مِن وثَنٍ أوْ بَشَرٍ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَنُسُكِي ﴾ وفِيهِ هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الذَّبِيحَةُ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ.
والثّانِي: مَعْناهُ دِينِي، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ عِبادَتِي، قالَهُ الزَّجّاجُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ ناسِكٌ أيْ عابِدٌ، والفَرْقُ بَيْنَ الدِّينِ والعِبادَةِ: أنَّ الدِّينَ اعْتِقادٌ، والعِبادَةَ عَمَلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ حَياتَهُ ومَماتَهُ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى لا يَمْلِكُ غَيْرُهُ لَهُ حَياةً ولا مَوْتًا، فَلِذَلِكَ كانَ لَهُ مُصَلِّيًا وناسِكًا.
والثّانِي: أنَّ حَياتَهُ لِلَّهِ في اخْتِصاصِها بِطاعَتِهِ، ومَماتِهِ لَهُ في رُجُوعِهِ إلى مُجازاتِهِ.
وَوَجَدْتُ فِيها وجْهًا ثالِثًا: أنَّ عَمَلِي في حَياتِي ووَصِيَّتِي عِنْدَ مَماتِي لِلَّهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ صِفَةُ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مالِكُ العالَمِ دُونَ غَيْرِهِ، فَلِذَلِكَ كانَ أحَقَّ بِالطّاعَةِ والتَّعَبُّدِ مِن غَيْرِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ لا شَرِيكَ لَهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا شَرِيكَ لَهُ في مِلْكِ العالَمِينَ.
والثّانِي: لا شَرِيكَ لَهُ في العِبادَةِ.
﴿ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ ﴾ يَعْنِي ما قُدِّمَ ذِكْرُهُ.
﴿ وَأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ ﴾ يَعْنِي مِن هَذِهِ الأُمَّةِ حَثًّا عَلى اتِّباعِهِ والمُسارَعَةِ بِالإسْلامِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أن أبا موسى قال: وددت أن كل مسلم يقرأ هذه الآية مع ما يقرأ من كتاب الله ﴿ قل إن صلاتي ونسكي...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: ﴿ قل إن صلاتي ﴾ قال: صلاتي المفروضة ﴿ ونسكي ﴾ قال: يعني الحج.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير ﴿ إن صلاتي ونسكي ﴾ قال: ذبيحتي.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ إن صلاتي ونسكي ﴾ قال: حجي ومذبحي.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ونسكي ﴾ قال: ذبيحتي في الحج والعمرة.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ونسكي ﴾ قال ضحيتي.
وفي قوله: ﴿ وأنا أول المسلمين ﴾ قال: من هذه الأمة.
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة من دمها كل ذنب عملته، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.: يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة فأهل ذلك أنتم أم للمسلمين عامة؟
قال: بل للمسلمين عامة» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله (١) ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي ﴾ .
قال أهل اللغة (٢) (٣) (٤) ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ .
قال ابن عباس: ﴿ وَنُسُكِي ﴾ (يريد: ذبيحتي) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي ﴾ أي: حياتي وموتي لله، أي: هو يحييني وهو يميتني، وقرأ نافع ﴿ وَمَحْيَايَ ﴾ (١٠) ﴿ وَمَمَاتِي ﴾ ، وإسكان الياء في ﴿ وَمَحْيَايَ ﴾ شاذ غير مستعمل؛ لأن فيه جمعًا بين ساكنين لا يلتقيان على هذا الحدّ في نثر ولا نظمٍ (١١) قال الزجاج: (أما ﴿ وَمَحْيَايَ ﴾ فلا بد من فتحها لأن قبلها ساكنا) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (١) وقع في نسخة: (ش) اضطراب في ترتيب الأوراق، فجاء الكلام على هذه الآيات في 146 ب.
(٢) النُّسْك، بضم فسكون: العبادة، والطاعة، وكل ما تقرب به إلى الله تعالى، واختصر بأعمال الحج.
والنُّسُك -بالضم- والنسيكة: الذبيحة وانظر: "العين" 5/ 413، و"الجمهرة" 2/ 856، و"الصحاح" 4/ 1612، و"المجمل" 3/ 865، و"المفردات" ص 802، و"اللسان" 7/ 4412 (نسك)، ونص الواحدي في "تهذيب اللغة" 4/ 3562، وفيه: (النسك، بضم فسكون: الذبيحة) اهـ.
(٣) "تهذيب اللغة" 4/ 3562.
(٤) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 87 أ.
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 151، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 161، وأبو حيان في "البحر" 4/ 262.
(٦) لعل المراد مقاتل بن حيان، فقد أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1434 بسند جيد عنه، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 151، وفي "تفسير مقاتل بن سليمان" 1/ 900 قال: (يعني: ذبيحتي) اهـ.
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من: (ش).
(٨) "تفسير مجاهد" 1/ 229، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 112، وابن أبي حاتم 5/ 1434 بسند جيد.
(٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 151، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 161، وفي "معاني الزجاج" 2/ 311: (النسك: الذبح، والنسك: ما يتقرب به إلى الله جل وعز) ا.
هـ.
وانظر: "معاني النحاس" 2/ 525 - 526.
(١٠) قرأ نافع: (مَحْيايْ) بسكون ياء المتكلم، (ومَماَتِيَ) بفتح الياء، وقرأ الباقون: (مَحْيَايَ) بفتح الياء و (مَمَاتِي) ساكنة الياء.
انظر: "السبعة" ص 274 - 275، و"المبسوط" ص 177، و"التذكرة" 2/ 415، و"التيسير" ص 108 - 109، و"النشر" 2/ 172 - 173.
(١١) هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 440 - 441، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 399.
وتسكين الياء له عدة توجيهات، فيحتمل أنه عدل بها عن أصلها استثقالًا للحركة عليها؛ لأن الياء حرف ثقيل فإذا حُرك ازداد ثقلا إلى ثقله، أو أجرى الوصل فيه مجرى الوقف، قال ابن خالويه في "إعراب القراءات" 1/ 174: (وإنما صلح الجمع بين ساكنين؛ لأن الألف حرف لين) ا.
هـ وقال مكي في "المشكل" 1/ 279: (حق الياء الفتح، لكن الحركة في الياء ثقيلة، فمن أسكنها فعلى الاستخفاف، لكنه جمع بين ساكنين، والجمع بين ساكنين جائز إذا كان الأول حرف مد ولين؛ لأن المد الذي فيه يقوم مقام حركة يستراح عليها فيفصل بين الساكنين) اهـ.
وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 596: (قرأ أهل المدينة (ومحيايْ) بإسكان الياء في الإدراج، وهذا لم يجزه أحد من النحويين إلا يونس؛ لأنه جمع بين ساكنين، وإنما أجازه لأن قبله ألفًا، والألف المدة التي فيها تقوم مقام الحركة، ومن أراد أن يسلم من اللحن وقف على (محياي) فيكون غير لاحن عند جميع النحويين) ا.
هـ.
ملخصًا.
وانظر: "الحجة" لابن خالويه ص 95، و"البحر المحيط" 4/ 262.
(١٢) "معاني الزجاج" 2/ 311.
(١٣) البطان، بالكسر: الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير، وفيه حلقتان، فإذا التقتا فقد بلغ الشَّدُّ غايته، يضرب مثلًا في الحادثة إذا بلذت النهاية في الشدة والصعوبة.
انظر: "الكامل للمبرد" 1/ 18، و"جمهرة الأمثال" 1/ 188، و"مجمع الأمثال" 3/ 147، و"المستقصى" للزمخشري 1/ 306.
(١٤) لفظ: (له) مكرر في (ش).
(١٥) يونس بن حبيب الضبي إمام، تقدمت ترجمته.
(١٦) "الكتاب" 3/ 527، و"إعراب النحاس" 1/ 596.
(١٧) قال في "الكتاب" 3/ 527: (هذا لم تقله العرب، وليس له نظير في كلامها، لا يقع بعد الألف ساكن إلا أن يدغم) اهـ.
(١٨) ما سبق في توجيهه القراءة هو قول أبي علي في "الحجة" 3/ 440.
(١٩) في: (ش): (إنما يتوجه الصلاة)، وهو تحريف.
(٢٠) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 311، و"معاني النحاس" 2/ 525 - 526.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَنُسُكِي ﴾ أي عبادتي وقيل: ذبحي للبهائم، وقيل: حجي، والأول أعم وأرجح ﴿ وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي ﴾ أي أعمالي في حين حياتي وعند موتي ﴿ للَّهِ ﴾ أي خالصاً لوجهه وطلب رضاه، ثم أكد ذلك بقوله لا شريك له: أي لا أريد بأعمالي غير الله، فيكون نفياً للشرك الأصغر وهو الرياء، ويحتمل أن يريد لا أعبد غير الله فيكون نفياً للشرك الأكبر ﴿ وبذلك أُمِرْتُ ﴾ إشارة إلى الإخلاص الذي تقتضيه الآية قبل ذلك ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين ﴾ لأنه صلى الله عليه وسلم سابق أمته.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تذكرون ﴾ بتخفيف الذال حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد فحذفوا إحدى التاءين.
الباقون: بالتشديد لأجل إدغام تاء التفعل في الذال ﴿ وأن هذا ﴾ بسكون النون.
ابن عامر ويعقوب ﴿ وإن هذا ﴾ بكسر الهمزة وتشديد النون: حمزة وعلي وخلف، الباقون: ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ صراطي ﴾ بفتح الياء: ابن عامر والأعشى والبرجمي ﴿ فتفرق ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ أن يأتيهم ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في النحل: علي وحمزة وخلف.
الباقون: بالتاء الفوقانية.
﴿ فارقوا ﴾ وكذلك في الروم: حمزة وعلي الباقون ﴿ فرقوا ﴾ بالتشديد ﴿ عشر ﴾ بالتنوين ﴿ أمثالها ﴾ بالرفع: يعقوب.
الباقون بالإضافة ﴿ ربي إلي ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع، ﴿ قيماً ﴾ بكسر القاف وفتح الياء: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.
الباقون: بالعكس مع تشديد الباء.
﴿ محياي ﴾ بالسكون ﴿ مماتي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.
الباقون: بالعكس.
﴿ وأنا أوّل ﴾ بالمد: نافع وأبو جعفر.
الوقوف: ﴿ شيئاً ﴾ ط للحذف أي وأحسنوا بالوالدين ﴿ إحساناً ﴾ ج لابتداء النهي مع احتمال العطف أي وأن لا تقتلوا، ﴿ من إملاق ﴾ ط.
﴿ وإياهم ﴾ ج للعطف مع العارض.
﴿ وما بطن ﴾ ط للفصل بين الحكمين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالحق ﴾ ط لانتهاء بيان الأحكام إلى توكيد الإيصاء للأحكام ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ج للفصل بين الحكمين ﴿ بالقسط ﴾ ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ ذا قربى ﴾ ج لتناهي جواب "إذا" وتقدّم مفعول ﴿ أوفوا ﴾ ﴿ تذكرون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ وإن هذا ﴾ بالكسر.
﴿ فاتبعوه ﴾ ج للفصل بين النقيضين معنى مع الاتفاق نظماً.
﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه لا لأن التقدير فاتبعوه لئلا تقولوا ﴿ من قبلنا ﴾ ص.
﴿ لغافلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ أهدى منهم ﴾ ج للفاء مع أن "قد" لتوكيد الابتداء.
﴿ ورحمة ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ وصدف عنها ﴾ ط ﴿ يصدفون ﴾ ه ﴿ بعض آيات ربك ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ منتظرون ﴾ ه ﴿ في شيء ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ أمثالها ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ج لاحتمال أن ﴿ دينا ﴾ نصب على البدل من محل ﴿ إلى صراط ﴾ أو على الإغراء أي الزموا.
﴿ حنيفاً ﴾ ج لابتداء النفي مع اتحاد المعنى ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا.
﴿ لا شريك له ﴾ ج ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار ﴿ إلا عليها ﴾ ج لتفصيل الأمرين على التهويل مع اتفاق الجملتين ﴿ أخرى ﴾ ج لأنّ "ثم" لترتيب الإخبار مع اتحاد المقصود ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ آتاكم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ز للتفصيل بين تحذير وتبشير والوصل للعطف أوضح ﴿ رحيم ﴾ ه.
التفسير: لما بين فساد ما يقوله الكفار في باب التحليل والتحريم أتبعه البيان الشافي في الباب فقال: ﴿ قل تعالوا ﴾ وهو من الخاص الذي صار عاماً لأن أصله أن يقوله من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه.
و "ما" في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ إما منصوب بفعل التلاوة أي أتل الذي حرمه ربكم فالعائد محذوف.
وقوله: ﴿ عليكم ﴾ يكون متعلقاً بـ ﴿ أتل ﴾ أوبـ ﴿ حرم ﴾ وإما منصوب بـ ﴿ حرم ﴾ على أن "ما" استفهامية فلا راجع.
والمعنى أقل أي شيء حرم لأن التلاوة نوع من القول وتقديم المفعول للتخصيص.
فإن قيل: قوله ﴿ أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ﴾ كالتفصيل لما أجمله في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ فيلزم أن يكون ترك الشرك والإحسان إلى الوالدين محرماً.
فالجواب أن المراد من التحريم البيان المضبوط، أو الكلام تم عند قوله: ﴿ ما حرم ربكم ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ عليكم أن لا تشركوا ﴾ أو "أن" مفسرة أي ذلك التحريم هو قوله: ﴿ لا تشركوا ﴾ وهذا في النواهي واضح، وأما الأوامر فيعلم بالقرينة أن التحريم راجع إلى أضدادها وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان وترك العدل في القول ونكث عهد الله.
ولا يجوز أن يجعل "أن" ناصبة وإلا لزم عطف الطلب أعني الامر على الخبر.
واعلم أنه بيّن فرق المشركين في هذه السورة أحسن بيان، وذلك أن منهم من يجعل الأصنام شركاء لله فأشار إليهم بقوله: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ ومنهم عبدة الكواكب الذين أبطل قولهم بقوله: ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ ومنهم القائلون بيزدان واهرمن ومنهم الذين يقولون الملائكة بنات الله والمسيح ابن الله وزيف معتقدهم بقوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ﴾ ثم عمم النهي بقوله: ﴿ لا تشكروا به شيئاً ﴾ ثم حث على إحسان الوالدين وكفى به خصلة شريفة أن جعله تالياً لتوحيده.
ثم أوجب رعاية حقوق الأولاد بعد رعاية حقوق الوالدين.
ومعنى ﴿ من إملاق ﴾ أي من خوف الفقر كما صرح بذلك في الآية الأخرى ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ كانوا يدفنون البنات أحياء بعضهم للغيرة وبعضهم لخوف الإملاق وهو السبب الغالب فلذلك أزيل الوهم بقوله: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ فكما يجب على الوالد الاتكال في رزق نفسه على الله فكذا القول في حال الولد، قال شمر: أملق لازم ومعتد.
أملق الرجل إذا افتقر، وأملق الدهر ما عنده إذا أفسده.
وإنما قال ههنا: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ وقال في بالعكس لأن التقدير في الآية من إملاق بكم نحن نرزقكم وإياهم، وهناك زيدت الخشية التي تتعلق بالمستقبل فالتقدير خشية إملاق يقع بهم نحن نزرقهم وإياكم، ثم نهى عن قربان الفواحش كلها.
ومعنى ما ظهر منها وما بطن كما مر في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ وفيه أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وامتثال أمره ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس.
ثم أفرز من جملة الفواحش قتل النفس المحرمة تنبيهاً على فظاعتها ولما نيط بها من الاستثناء وهو قوله ﴿ إلا بالحق ﴾ وذلك أن قتل النفس المحرمة قد يكون حقاً لجرم صدر عنها كما جاء في الحديث " لا يحل دم امرىءٍ مسلم إلا لإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق" وينخرط في سلكه جزاء قاطع الطريق.
والحاصل أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا يثبت إلا لأمر منفصل.
ثم لما بيّن النواهي الخمسة أتبعه الكلام الذي يقرب إلى القلوب القبول فقال: ﴿ ذلكم وصاكم ﴾ لما في لفظ التوصية من الرأفة والاستعطاف.
ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا.
ثم ذكر أربعة أنواع أخر من التكاليف وذلك قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتم إلا بالتي ﴾ أي بالخصلة أو الطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي السعي في تثميره وإنمائه ورعاية وجوه الغبطة لأجله كما مر في أول سورة النساء ﴿ حتى يبلغ أشده ﴾ أي احفظوا ماله إلى هذه الغاية أي أوان الاحتلام ولكن بشرط أن يؤنس منه الرشد.
قال الفراء: واحد الأشد شدته في القياس ولم يسمع.
وقال أبو الهيثم: الواحد شدّة كأنعم في نعمة، والشدّة القوّة ومنه قولهم: "بلغ الغلام شدّته" وقيل: إنه واحد جاء على بناء الجمع كآنك ولا نظير لهما ﴿ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ﴾ بالعدل والسوية.
وإيفاء الكيل إتمامه خلاف البخس.
وقوله: ﴿ والميزان ﴾ أي الوزن بالميزان.
فإن قيل: إيفاء الكيل والوزن هو عين القسط فما فائدة التكرار؟
قلنا: أمر الله المعطى بإيفاء إيتاء ذي الحق حقه من غير نقصان وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة.
ثم قال: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ليعلم أن الواجب هو القدر الممكن من العدالة والسوية لا التحقيق المؤدي إلى الحرج والعسر.
فزعمت المعتزلة ههنا أن هذا القدر من التضييق حيث لم يجوزه الله فكيف يكلف الكافر الإيمان مع أنه لا قدرة له عليه أو يخلق القدرة الموجبة للكفر والداعية المقتضية له ثم ينهاه عنه وعورض بالعلم والداعي كما تقدّم مراراً ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ﴾ المقول له أو عليه ﴿ ذا قربى ﴾ حمله المفسرون على أداء الشهادة وعلى الأمر والنهي والأولى أن يحمل على الأقوال كلها ويدخل فيه قول الرجل في الدعاء إلى الدين.
وتقرير الدلائل عليه بأن يذكر الدليل مخلصاً عن الحشو ومبرأ عن النقص ومجرداً عن العصبية والجدال على مقتضى الهوى والتشهي، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذا الحكاية الرواية والرسالة.
وحكم الحاكم بحيث يستوي فيه بين القريب والبعيد ولا ينظر إلا إلى رضا الله، وختم الأوامر بقوله: ﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ كما قال: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ ويندرج في هذه الخاتمة بالحقيقة جميع الأنواع المذكورة ﴿ وإن هذا صراطي ﴾ من قرأ بالفتح والتخفيف فبإعماله في ضمير الشأن والتقدير: تعالوا أتل ما حرم وأتل أنه هذا صراطي، وكذا فيمن قرأ بالتشديد وبالفتح إلا أن ضمير الشأن لا يقدر.
وإن شئت جعلتها خفضاً متعلقاً بما قبله أي ذلكم وصاكم به وبأن هذا، أو بما بعده والتقدير وبأن هذا صراطي مستقيماً ﴿ فاتبعوه ﴾ ومن كسر فلأن التلاوة في معنى القول أو على الاستئناف والمعنى اتبعوا صراطي أنه مستقيم ﴿ ولا تتبعوا السبل ﴾ المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات ﴿ فتفرق بكم ﴾ الباء للتعدية أي فيفرقكم ذلك الأتباع ﴿ عن سبيله ﴾ المستقيم وهو دين الإسلام.
وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله أنه خط خطاً ثم قال: هذا سبيل الرشد.
ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية.
فهذه الآية بالحقيقة إجمال لما في الآيتين المتقدمتين ولهذا ختمها بالتقوى التي هي ملاك العمل وخير الزاد وختم الأولى بقوله ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لأنها أمور ظاهرة جلية يكفي في تعقلها أدنى مسكة وعقل، وختم الثانية بقوله: ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ لأن المذكور فيها أمور خفية تحتاج إلى التدبر والتذكر حتى يقف فيها على موضع الاعتدال.
أو نقول: الأمور الخمسة المذكورة في الآية الأولى كلها عظام جسام وكانت الوصية بها من أبلغ الوصايا فختم الآية بما في الإنسان من أشرف السجايا وهو العقل الذي امتاز به الإنسان عن سائر الحيوان، وأما المذكورة في الثانية فأشياء يقبح تعاطيها وارتكابها وكانت الوصية بها تجري مجرى الزجر والوعظ فختمها بقوله: ﴿ تذكرون ﴾ أي تتعظون بمواعظ الله .
قوله: ﴿ ثم آتينا موسى الكتاب ﴾ معطوف على ﴿ وصاكم ﴾ فسئل كيف صح عطفه عليه بثم والإيتاء قبل الوصية بدهر طويل؟
وأجيب بأن التكاليف التسعة المذكورة تكاليف لا تختلف بحسب اختلاف الشرائع كما روي عن ابن عباس أن هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، وقيل: إنهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار، وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة.
وأما الشرائع التي كانت التوراة مختصة بها فهي إنما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب المبارك.
وقيل: إن في الآية حذفاً تقديره: ثم قل يا محمد صلى الله عليه وآله إنا آتينا.
والمعنى اتل ما أوحي إليك ثم اتل عيلهم خبر ما آتينا موسى.
وقيل: هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله: ﴿ ووهبنا له إسحق ويعقوب ﴾ وقوله: ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ مفعول له أي لتتم نعمتنا على الذي أحسن أي على من كان محسناً صالحاً، أو المراد إتمام للنعمة والكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وكل ما أمر به، أو تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته أي زيادة على علمه.
وقرىء ﴿ أحسن ﴾ بالرفع أي على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه ﴿ وتفصيلاً لكل شيء ﴾ فيدخل في ذلك بيان نبوة رسولنا صلى الله عليه وآله وصحة دينه وشرعه ﴿ وهدى ﴾ دلالة ﴿ ورحمة ﴾ لكي يؤمنوا بلقاء ما وعدهم ربهم به من ثواب وعقاب ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ لا شك أنه القرآن ﴿ مبارك ﴾ كثير الخير والنفع أو ثابت لا يتطرق إليه النسخ كما في الكتابين ﴿ فاتبعوه واتقوا ﴾ لكي ترحموا لأن الغرض من التقوى رحمة الله ، أو اتقوا لترحموا جزاء على التقوى، أو اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة.
قال الفراء قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ مفعول ﴿ واتقوا ﴾ وقال الكسائي: التقدير: إنا أنزلناه لئلا تقولوا.
وقال البصريون: إنا أنزلناه كراهة أن تقولوا والخطاب لأهل مكة ﴿ إنما أنزل الكتاب ﴾ أي التوراة والإنجيل ﴿ على طائفتين من قبلنا ﴾ اليهود والنصارى ﴿ وإن كنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام في ﴿ لغافلين ﴾ هي الفارقة بينها وبين النافية والأصل وإنه كنا ومعنى الدراسة القراءة.
وإنما قالوا: ﴿ لكنا أهدى منهم ﴾ لحدة أذهانهم وكثرة حفظهم لأيام العرب ووقائعها وخطبها وأشعارها وأمثالها مع كونهم أميين قطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم.
ثم قال: ﴿ فقد جاءكم ﴾ أي إن صدقتم أن عدم إنزال الكتاب يصلح للعذر وأنه لو أنزل عليكم الكتاب لكنتم أهدى منهم فقد جاءكم ﴿ بينة من ربكم ﴾ فيما يعلم سمعاً ﴿ وهدى ﴾ فيما يعلم سمعاً وعقلاً ﴿ ورحمة ﴾ من الله في إصلاح المعاش والمعاد ﴿ فمن أظلم ﴾ بعد هذه المعجزات والبينات ﴿ ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ﴾ أي منع غيره منها لأن الأول ضلال والثاني إضلال، ثم ختم الآية بأشد الوعيد وأبلغ التهديد ثم ذكر أنهم بعد نصب الأدلة وإزاحة العذر لا يؤمنون ألبتة، وشرح أحوالاً توجب المبادرة إلى الإيمان والتوبة فقال: ﴿ هل ينظرون ﴾ أي ينتظرون ومعنى الاستفهام النفي وتقدير الآية أنهم لا يؤمنون بك إلا عند مجيء أحد هذه الأمور: مجيء الملائكة، أو مجيء الرب ويعني به عذابه وبأسه كما سلف في البقرة، أو مجيء المعجزات القاهرة.
قال في الكشاف: الملائكة ملائكة الموت أو ملائكة العذاب ومجيء الرب مجيء كل آية، ثم قال: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ وأجمعوا على أن المراد بهذه الآية علامات القيامة.
عن البراء بن عازب قال: كنا نتذاكر أمر الساعة إذا أشرف النبي صلى الله عليه وآله فقال: "أتتذاكرون الساعة؟
إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأرض وخسفاً بالمشرق وخسفاً بالمغرب وخسفاً بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى وناراً تخرج من عدن" والمراد أنه إذا بدت أشراط الساعة ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، ولا نفساً ما كسبت في إيمانها خيراً.
ثم أوعدهم بقوله ﴿ قل انتظروا إنا منتظرون ﴾ ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: ﴿ إن الذين فارقوا دينهم ﴾ أو فرقوا ومعنى القراءتين في الحقيقة واحد لأن الذي فرق دينه بمعنى أنه أقر ببعض وكفر ببعض فقد فارقه أي تركه.
قال ابن عباس: يريد أن المشركين بعضهم يعبدون الملائكة ويقولون إنهم بنات الله، وبعضهم يعبدون الأصنام ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فصاروا شيعاً أي فرقاً وإخواناً في الضلالة.
والشيعة كل فرقة تشيع إماماً لها.
وقال مجاهد وقتادة: هم اليهود والنصارى تفرقوا فرقاً وكفر بعضهم بعضاً وأخذوا بعضاً وتركوا بعضاً كقوله: ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ﴾ وعن مجاهد أيضاً أنهم من هذه الأمة وهم أهل البدع والشبهات وفي الحديث "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية - وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة.
وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلها في الهاوية إلا واحدة" ﴿ لست منهم في شيء ﴾ أي إنك بعيد من أقوالهم ومذاهبهم والعقاب اللازم على تلك الأباطيل مقصور عليهم لا يتعداهم إليك.
وقال السدي: معناه لم تؤمر بقتالهم فلما أمر بقتالهم نسخ.
ويحتمل أن يقال: إن النهي عن القتال في وقت لا ينافي الأمر في وقت آخر فلا نسخ ﴿ إنما أمرهم إلى الله ﴾ بالاستئصال والإهلاك ﴿ ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ﴾ وفيه من الوعيد ما فيه.
وفي الآية حث على أن كلمة المسلمين يجب أن تكون واحدة ليستأهلوا الثواب الجزيل كما قال: ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ هي لا إله إلا الله والسيئة الشرك.
والأولى حملها على العموم ﴿ فله عشر أمثالها ﴾ أقام صفة الجنس المميز مقام الموصوف تقديره: عشر حسنات أمثالها كقراءة من قرأ ﴿ عشر أمثالها ﴾ بالرفع والتنوين، قيل: هذا أقل الموعود وقد وعد سبعمائة وبغير حساب.
وقيل: ليس المراد التحديد بل أراد الأضعاف مطلقاً كقول القائل: لئن أسديت إليّ معروفاً لأكافئنك بعشرة أمثاله.
وفي الوعيد لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشراً.
روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وآله قال عن الله تعالى: "الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره" وقال صلى الله عليه وآله يقول الله : " إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة وإن لم يعملها فإن عملها فعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فسيئة" ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ أي لا ينقص من ثواب طاعاتهم ولا يزاد على عقاب سيآتهم.
أسؤلة: ما الحكمة في الأضعاف؟
جوابه كان للأمم أعمار طويلة وطاعات كثيرة فوضع الله لهذه الأمة ليلة القدر خيراً من ألف شهر وأضعاف الأعمال ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ﴾ ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ وأيضاً لو أن الخصماء يتعلقون بهم يوم القيامة فيذهبون بأعمالهم إلى أن تبقى الأضعاف فيقول الله أضعافهم ليست من فعلهم هي من رحمتي فلا أقتص منهم أبداً.
آخر: كيف يوجب الكفر عقاب الأبد؟
جوابه أن الكافر كان على عزم الكفر لو عاش أبداً فاستحق العقاب الأبدي بناء على ذلك الاعتقاد بخلاف المسلم المذنب فإنه يكون على عزم الإقلاع فلا جرم تكون عقوبته منقطعة، وأيضاً الذي جهله الكافر وهو ذات القديم وصفاته شيء لا نهاية له فيكون جهله لا يتناهى فكذا عقابه.
آخر: إعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلاً عن صيام ستين يوماً وهو في كفارة الظهار وتارة بدلاً عن صيام أيام قلائل.
آخر: أحدث في رأس إنسان موضحتين فوجب أرشان فإن عاد ورفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة فههنا ازدادت الجناية وقل العقاب.
آخر: قد يجتمع بسبب أطراف تبان ولطائف تزال ديات متعددة إذا حصل الاندمال، وقد ترتقي إلى نيف وعشرين.
الأذنان أو إبطال حسهما، العينان أو البصر، الأجفان، المارن،الشفتان، اللسان أو النطق، الأسنان، اللحيان، اليدان، الذكر والأنثيان، الحلمتان، الشفران، الإليتان، الرجلان، العقل، السمع، الشم، الصوت، الذوق، الإمناء أو الإحبال، إبطال لذة الجماع، إبطال لذة الطعام، الإفضاء، البطش، المشي.
وقد تضاف إليها موجبات الجوائف والمواضح وسائر الشجات.
فإن عاد الجاني قبل الاندمال وحز الرقبة أوقده بنصفين لم يجب إلاّ دية النفس، وكل ذلك يدل على أن رعاية المماثلة غير معتبرة في الشرع.
والجواب عن الأسئلة الثلاثة أن هذه الأمور من تعبدات الشرع المطهر وتحكماته فلا سبيل بعقولنا إليها.
ويمكن أن يجاب عن الثالث بأن بدل الأطراف لما لم يستقر بالاندمال دخل في دية النفس لعسر ضبط ذلك والجزاء الحقيقي موكول إلى يوم الجزاء والله أعلم.
قال أهل السنة: كل الثواب تفضل من الله فلا إشكال.
وقالت المعتزلة: إن بين الثواب والتفضل فرقاً لأن الثواب هو المنفعة المتسحقة والتفضل هو المنفعة التي لا تكون مستحقة.
ثم اختلفوا فقال الجبائي: العشرة تفضل والثواب غيرها إذ لو كان الواحد ثواباً والتسعة تفضلاً لزم أن يكون الثواب دون التفضل فلا يكون للتكليف فائدة.
وقال آخرون: لا يبعد أن يكون الواحد ثواباًً إلا أنه يكون أعلى شأناً من التسعة الباقية.
ثم لما علم رسوله صلى الله عليه وآله أنواع الدلائل والرد على أصناف المشركين وبالغ في تقرير إثبات القضاء والقدر وردّ على أهل الجاهلية أباطيلهم أمره بأن يقول: ﴿ إنني هداني ربي ﴾ ليعلم أن الهداية لا تحصل إلا بالله عز وجل.
﴿ وقيماً ﴾ "فيعل" من قام كسيد من ساد.
ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى أنه مصدر بمعنى القيام كالصغر والكبر وصف به للمبالغة و ﴿ ملة إبراهيم ﴾ عطف بيان و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من إبراهيم أو من الملة، والمعنى هداني وعرفني ملة إبراهيم حال كونه أو كونها موصوفاً بالحنيفية.
ثم قال في صفة إبراهيم: ﴿ وما كان من المشركين ﴾ رداً على من زعم عليه شيئاً من ذلك.
ثم كما عرفه الدين القويم والطريق المستقيم علمه كيف يصنع به ويؤديه فقال: ﴿ قل إن صلاتي ونسكي ﴾ أي عبادتي وتقربي إليه كما روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة.
وقيل: للمتعبد ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث.
وقيل: المراد بالنسك ههنا الذبائح جمع بين الصلاة والذبح كما في قوله: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ وقيل: صلاتي وحجي أخذاً من مناسك الحج.
﴿ ومحياي ومماتي ﴾ أي حياتي وموتي مصدران ميميان.
وقال في الكشاف: المراد وما آتيه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح.
وفيه أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت بل لا بد أن يكون جيمع حركات المرء وسكناته لله رب العالمين ﴿ وبذلك ﴾ من الإخلاص ﴿ أمرت وأنا أول المسلمين ﴾ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته.
وقال في التفسير الكبير: إنه أمر رسوله أن يبين أن صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته كلها واقعة بخلق الله وتقديره وقضائه، وحكمه وذلك أن المحيا والممات بخلق الله فكذا الصلاة والنسك وبذلك من التوحيد أمرت، ثم لما أمر نبيه بالتوحيد المحض أمره أن يذكر ما يجري مجرى الدليل عليه فقال: ﴿ قل أغير الله أبغي رباً ﴾ وتقريره أن طوائف المشركين من عبدة الأصنام والكواكب ومن اليهود والنصارى والوثنية كلهم معترفون بأن الله خالق الكل فكأنه قال: قل يا محمد منكراً أغير الله أطلب رباً مع أن هؤلاء الذين اتخذوا من دونه آلهة مقرون بأنه خالق تلك الأشياء ولا يدخل في العقل جعل المربوب والعبد شريكاً للرب والمولى.
وبوجه آخر الموجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، وقد ثبت أن الواجب لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته فهو إذن رب كل شيء، وصريح العقل شاهد بأن المربوب لا يكون شريكاً للرب فلا يختص إذن بالربوبية غيره.
ثم لما بين الدليل القاطع على التوحيد ذكر أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب فقال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ ومعناه أن إثم الجاني عليه لا على غيره ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم نفس أخرى وهذا كالرد لقولهم: ﴿ اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴾ ثم بين أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم هناك إلا الله فقال: ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾ ثم ختم السورة ببيان حال المبدإ والوسط والمعاد على سبيل الإجمال فقال ﴿ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ﴾ قيل: الخطاب لبني آدم لأنه جعلهم بحيث يخلف بعضهم بعضاً.
وقيل: لأمة محمد صلى الله عليه وآله لأنه خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم، وقيل: لخواص الأمة الذين هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها بالحق كقوله: ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ﴾ ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في الشرف والعقل والجاه والمال والرزق لا للعجز والبخل ولكن لأجل شبه الابتلاء والامتحان، ولظهور الموفر من المقصر وتميز المطيع من العاصي حسب ما تقتضيه الحكمة والعدالة والتدبير والتقدير.
ثم وصف نفسه بالقدرة الكاملة على إيصال العقاب وإيفاء الثواب فقال ﴿ إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ﴾ فأدخل اللام في قرينة الترغيب وأسقطها عن قرينة الترهيب ترجيحاً لجانب الرحمة والغفران فإن اللطف والرحمة تفيض عنه بالذات والقهر والتعذيب يصدر عنه بالعرض لأن ذلك من ضروريات الملك ولهذا قال "سبقت رحمتي غضبي" وإنما وصف العقاب بالسرعة لأن كل ما هو آت قريب.
وإنما لم يسقط اللام عن قرينة العقاب في سورة الأعراف في قصة أصحاب السبت لأن ذلك قد ورد عقيب ذكر المسخ فناسب التأكيد باللام، وإنما أخر قرينة الرحمة في الموضعين ليقع ختم الكلام على المغفرة والرحمة فيكون أدل على كمال رأفته ووفور إحسانه.
التأويل: ﴿ من إملاق ﴾ فيه ترك التوكل على الله وعدم الثقة بالله ﴿ وأوفوا الكيل ﴾ أوفوا بكيل العمر وميزان الشرع حقوق الربوبية واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد حظوظ العبودية من الألوهية.
﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ بأن لا تعبدوا ولا تحبوا ولا تروا إلا إياه ﴿ وإن هذا صراطي مستقيماً ﴾ إشارة إلى أن الصراط المستقيم الحقيقي إلى الله هو صراط محمد ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ أي على من أحسن من أمتك إسلامه.
وفيه أن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء كانت تتمة للدين الحنيفي الذي هو الإسلام، ولهذا أمر بأن يقتدى بالأنبياء ليجمع بين هداه وهداهم.
ويحتمل أن يراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وآله والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ﴿ أنزلناه مبارك ﴾ وبركته أنه أنزل على قلبه فكان خلقه القرآن ﴿ فقد جاءكم بينة ﴾ ما يبين لكم طريق السير إلى الله ومهدي ما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاء في الكتابين ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ عياناً وتسوقيهم إلى الله قهراً والجاء ﴿ أو يأتي ربك ﴾ إليهم إذ لم يأتوا إليه في متابعتك ﴿ قل انتظروا ﴾ للمستحيلات ﴿ إنا منتظرون ﴾ للميعاد في المعاد ﴿ إن الذين فارقوا ﴾ الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان ﴿ وكانوا شيعاً ﴾ فرقاً مختلفة من المبتدعة والزنادقة والمتزيدة رياء وسمعة وعلماء السوء وملحدة المتفلسفة ﴿ لست منهم في شيء ﴾ لأنك على الحق وهم على الباطل وبينهما تضاد إنما أمرهم إلى الله في بدء الخلقة وقسم الاستعداد كما شاء ﴿ ثم ينبئهم ﴾ يوم الجزاء بما يستحقه كل منهم ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ قبل ذلك حتى يقدر على الإتيان بتلك الحسنة وهي حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد حيث خلقه في أحسن تقويم، وحسنة التربية وحسنة الرزق وحسنة بعثة الرسل وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات من السيئات، وحسنة التوفيق للحسنة وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات ﴿ ومن جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها ﴾ لأن السيئة بذر يزرع في أرض النفس والنفس خبيثة لأنها أمارة بالسوء، والحسنة بذر يزرع في أرض القلب والقلب طيب ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً ﴾ والتحقيق أنه كما للأعداد ثلاث مراتب الآحاد والعشرات والمئات وبعد ذلك تكون الألوف إلى حيث لا يتناهى، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس والقلب والروح والسر.
فالعمل الواحد في مرتبة النفس أي إذا صدر عنها يكون واحداً، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها، وفي مرتبة الروح يكون بمائة، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى، وهذا سر ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت جزاء الحسنات والله أعلم ورسوله.
﴿ قل إنني هداني ربي ﴾ من أسفل سافلين القالب بجذبه العناية الأزلية ﴿ ونسكي ﴾ أي سيري على منهاج "الصلاة معراج المؤمن" ﴿ ومحياي ﴾ أي حياة قلبي وروحي ﴿ ومماتي ﴾ أي موت نفسي لطلب ﴿ رب العالمين ﴾ والوصول إليه ﴿ وأنا أول ﴾ المستسلمين عند الإيجاد لأمر "كن" كما قال: "أول ما خلق الله نوري".
﴿ قل أغير الله ﴾ كيف أطلب غير الله وهو حبيبي والمحب لا يطلب إلا الحبيب وإذا هو رب كل شيء فيكون ما له لي، وإن طلبت غيره دونه يكون ذلك الغير علي لا لي كما قال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ لأن النفس أمارة بالسوء والسوء عليها لا لها ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ فإن كان القلب سليماً من كدورات صفات النفس باقياً على ما جبل عليه من حب الله وطلبه لا يؤاخذ بمعاملة النفس ولا يتألم بعذابها وإنما تكون النفس فقط مأخوذة بوزرها معاقبة بما هي أهله، وإن كان القلب منقلب الحال وأزاغه الله بإصبع القهر إلى محاذاة النفس فتصدأ مرآة القلب بصفات النفس وأخلاقها فيتبع النفس وهواها فيزول عنه الصفاء والطهارة والسلامة والذكر والفكر والتوحيد والإيمان والتوكل والصدق والإخلاص ورعاية وظائف العبودية فيكون مأخوذاً بوزره لا بوزر غيره ﴿ وهو الذي جعل ﴾ كل واحد من بني آدم وقته خليفة ربه في الأرض.
وسر الخلافة أن صوره على صفات نفسه حياً قيوماً سميعاً بصيراً عالماً قادراً مريداً متكلماً ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في استعداد الخلافة ﴿ ليبلوكم ﴾ ليظهر من المتخلق بأخلاقه منكم القائم به وبأوامره في العباد والبلاد، ومن الذي رجع القهقرى إلى صفات البهائم وأبطل الاستعداد للخلافة بالختم والطبع والحبس في سجين الطبيعة ﴿ لغفور رحيم ﴾ لمن وفقه لمرضاته ورفع درجاته الله حسبي.
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
قال أبو الكيساني: قوله ﴿ هَدَانِي ﴾ ، أي: دلني ربي إلى صراط مستقيم، لكن هذا بعيد؛ لأنه خرج مخرج ذكر ما منَّ عليه بلطفه، وليس في الدلالة والبيان ذلك؛ إنما عليه البيان، وكان رسول الله يدل على الهدى ويبين لهم طريقه.
ثم أخبر أنه لا يهدي من أحب بقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ دل أن ذلك إكرام من الله - - بالهداية بالتوفيق له والعصمة بلطفه، لا الدلالة والبيان.
وكذلك قوله - -: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ الآية [الحجرات: 17]؛ فلو كان على الدلالة والبيان لكان منه ذلك، ثم [أخبر] إن المنة عليهم لله - - لا لرسوله؛ دل أنه لما ذكرنا من الهداية نفسها لا الدلالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ دِيناً قِيَماً ﴾ .
قيل: قائماً مستقيماً لا عوج فيه؛ كقوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً ﴾ .
والعوج: هو الذي فيه الآفة، فأخبر أن لا آفة فيه ولا عوج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .
إن أهل الأديان جميعاً يدّعون أن الذي هم عليه هو دين إبراهيم، فأخبر أن دين إبراهيم هو الدين الذي عليه رسول الله لا هم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَنِيفاً ﴾ .
قيل: مسلما، والحنف: هو الميل، وهو حنيف، أي: مائل إلى دين الله، أخبر أنه يدعو إلى دين الله - - إلى الدين الذي كان عليه آباؤه وأجداده، أعني به: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
﴿ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
برأه - عز وجل - من الشرك.
وقيل: كان حنيفاً خالصاً لله مخلصًا لم يشرك أحدا في ربوبيته ولا في عبادته، على ما فعل أولئك الكفرة.
وفي حرف ابن مسعود - - وحفصة: (ديناً قيما فطرتكم التي فطرتم عليها ملة إبراهيم حنيفاً).
ويقرأ: ﴿ قيِّماً ﴾ ، بالتشديد، و ﴿ قِيَماً ﴾ بالتخفيف.
أو يخرج قوله: ﴿ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ على الشكر له والحمد على ما أنعم عليه وأفضل له، من الإكرام له بالهداية بالطريق المستقيم.
[والمستقيم] يحتمل: القائم بالحق والبرهان وكذلك قوله: ﴿ دِيناً قِيَماً ﴾ بالحجج والبراهين، ودين أولئك دين بهوى أنفسهم؛ ولذلك قال: ﴿ حَنِيفاً ﴾ .
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً ﴾ .
خاطب الله بهذه الآيات رسوله والمرادُ به: الخلقُ كله، فمن بلي بمثل ما كان بلي رسول الله من السؤال والدعاء، فله أن يقرأ أو يذكر ما في هذه الآيات.
ولو كان المراد [بالخطاب] بهذا رسول الله خاصة، لكان لا يقول له: ﴿ قُلْ ﴾ ، ولكن يقول له: افعل كذا، ولا تفعل كذا؛ وعلى ذلك الخطاب في الشاهد في خطاب بعض بعضا ألا يقولوا: ﴿ قُلْ ﴾ ؛ فدل أنه على ما ذكرنا، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ : من استوصف صفات الله، فعليه أن يصف له ما في سورة الإخلاص، ورسول الله وغيره من الخلائق سواءٌ في ذلك الخطاب.
ثم في قوله: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ...
﴾ الآية ذكر منَّته بما هداه، والاستسلام إلى شكر ما أنعم عليه.
وفي قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي ﴾ الأمر بإخلاص العبادة لله - عز وجل - وإسلام النفس له في جميع أحواله محياه ومماته.
وفي قوله: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً ﴾ .
فيه الدعاء إلى وحدانية الله وربوبيته.
ثم في قوله: ﴿ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ ﴾ دلالة رد قول من يستثني في إيمانه؛ لأنه أمره أن يقول: ﴿ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ ، من غير أن يأمره بالثنيا؛ فمن استثنى فيه لا يخلو استثناؤه من أحد معنيين: إما أن يكون لشك فيه.
أو لكتمان ما أنعم الله عليه؛ فعلى كل من أنعم الله عليه أن يظهر ذلك، وأن يشكر له على ذلك؛ على ما أمر رسوله بذلك.
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: يخرج على الأمر بالدعاء لنفسه؛ لأنه قال: قل: أجعل صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.
والثاني: على المنابذة مع أولئك الكفرة والفجرة، يقول: أنا أجعل صلاتي وعبادتي ومحياي ومماتي لله، لا أجعل لغيره شركاء، كما جعلتم أنتم لغيره شركاء في عبادته وصلاته ونسكه، والله أعلم.
ثم اختلف في قوله: ﴿ صَلاَتِي ﴾ : قال بعضهم: الصلاة المفروضة.
وقال بعضهم: الصلاة: الخضوع والثناء؛ يقول: إن خضوعي وثنائي لله، والصلاة: هي الثناء في اللغة.
وقوله: ﴿ وَنُسُكِي ﴾ اختلف فيه.
قال الحسن: نسكي: ديني؛ كقوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ ، أي: دينا.
وقيل: نسكي ذبيحتي لله في الحج والعمرة وغيره.
وقيل: نسكي: عبادتي، والنسك: اسم كل عبادة؛ وعلى ذلك يسمى كل عابد ناسكا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
أي: أنا حي وميت لله، لا أشرك أحداً في عبادتي ونفسي، بل كله لله لا شريك [له] في ذلك.
ويحتمل: أن يكون هذا على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: قل إني أمرت أن أجعل صلاتي ونسكي لله، أو إني أمرت أن أدعو وأسأل الله أن يجعل صلاتي ونسكي وعبادتي له، لا أشرك غيره فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ .
[يحتمل قوله: ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ ]، أي: وأنا أول من خضع وأسلم بالذي أمرت أن أبلغ؛ لأنه أمر بتبليغ ما أنزل إليه، فيقول: أنا أول من أسلم بالذي أمرت بالتبليغ.
ويحتمل: أن يكون لا على توقيت الإسلام؛ ولكن على سرعة الإجابة والطاعة [له]؛ كقوله: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ : هو على الوصف بغاية العظم، ليس على أن بعضها أكبر وأعظم وبعضها أصغر؛ ولكن كلها أعظم وأكبر؛ فعلى ذلك هذا ليس على وقت الإسلام، ولكن لسرعة الإجابة، والطاعة له، والله أعلم.
الإسلام: هو جعل النفس وكلية الأشياء لله سالمة، أي: أنا أول من جعل نفسه لله سالمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أغير الله أبغي ربا وقد تعلمون أن لا رب سواه؟!
ويحتمل: أغير الله أبغي ربا سواه، وفي كل أحد أثر ربوبيته وألوهيته قائم ظاهر، وفيما تدعونني إليه أجد آثار العبودية والربوبية لله فيه، فكيف أتخذ ربا سواه؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ﴾ .
يحتمل وجهين: [الأول] يحتمل: لا تكسب كل نفس من [سوء] إلا عليها، أي: لا يتحمل ذلك غيره عنه في الآخرة؛ وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ .
[الثاني] ويحتمل: أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: لا تكسب كل نفس - لو تركت وما تختار - إلا عليها، لكن الله بفضله يمنع بعضها وما تختار على نفسها؛ كقول يوسف - -: ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ ﴾ : أخبر أنها كاسبة السوء إلا ما عصمها ربي.
وجائز أن يكون على الإضمار؛ كأنه يقول: ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولها، ومثله جائز في القرآن؛ كقوله - - ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ ، وهو نذير لقوم، بشير لقوم آخرين: نذير في حال، وبشير في حال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ .
هو على الوعيد وروي عن النبي أنه كان إذا كبر للصلاة، أتبع التكبير بهذه الآية: ﴿ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي...
﴾ إلى آخره.
وعن علي - - قال: كان رسول الله إذا افتتح الصلاة كبّر، ثم قال: ﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي..
﴾ إلى قوله ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ .
وذكر أنه كان يدعو بعد ذلك دعاء طويلا.
وروي عن عائشة، وأبي سعيد الخدري أنهما قالا كان رسول الله إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذاء منكبيه، ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" فكان أبو حنيفة - رحمه الله - يختار من ذلك هذا في الفرائض.
وكذا روي عن عمر بن الخطاب - - أنه قام إلى الصلاة، فكبر، ثم قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" [وكذلك روي عن أبي سعيد أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك]" وكان أبو يوسف يستحب أن يقول بهذه الكلمات والكلمات التي رواها علي بن أبي طالب - - من غير إيجاب لذلك ولا حظر لما سواه.
وكان أبو حنيفة - رحمه الله - لا يستحب أن يزيد في الفرائض على ما روي عن أبي سعيد الخدري - - عن رسول الله وما روت عائشة - ا - عن رسول الله وما روي عن عمر وعبد الله - ما -.
وأما في النوافل فله أن يزيد ما شاء فيها من الثناء والدعوات؛ فيحتمل أن يكون ما رواه علي بن أبي طالب - - من فعل رسول الله كان ذلك في النوافل.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول-: إن صلاتي وذَبْحي لله وعلى اسم الله، لا على غيره، وحياتي وموتي، كل ذلك لله رب المخلوقات وحده، وليس لغيره نصيب في ذلك.
<div class="verse-tafsir" id="91.kMxOm"