الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٧ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 68 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا أنه مالك الضر والنفع ، وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء ، لا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ) كما قال تعالى : ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ) الآية [ فاطر : 2 ] وفي الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد "
القول في تأويل قوله : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد, إن يصبك الله (38) =" بضر ", يقول: بشدة في دنياك، وشظَف في عيشك وضيق فيه, (39) فلن يكشف ذلك عنك إلا الله الذي أمرك أن تكون أوّل من أسلم لأمره ونهيه, وأذعن له من أهل زمانك, دون ما يدعوك العادلون به إلى عبادته من الأوثان والأصنام، ودون كل شيء سواها من خلقه =" وإن يمسسك بخير "، يقول: وإن يصبك بخير، أي: برخاء في عيش، وسعة في الرزق، وكثرة في المال، فتقرّ أنه أصابك بذلك =" فهو على كل شيء قدير " ، يقول تعالى ذكره: والله الذي أصابك بذلك، فهو على كل شيء قدير (40) هو القادر على نفعك وضرِّك, وهو على كل شيء يريده قادر, لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه, ليس كالآلهة الذليلة المَهينة التي لا تقدر على اجتلاب نفع على أنفسها ولا غيرها، ولا دفع ضر عنها ولا غيرها.
يقول تعالى ذكره: فكيف تعبد من كان هكذا، أم كيف لا تخلص العبادة, وتقرُّ لمن كان بيده الضر والنفع، والثواب والعقاب، وله القدرة الكاملة، والعزة الظاهرة؟
------------ الهوامش : (38) انظر تفسير"المس" فيما سلف 10: 482 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(39) انظر تفسير"الضر" فيما سلف 7: 157/10 : 334.
(40) انظر تفسير"قدير" فيما سلف من فهارس اللغة (قدر).
قوله تعالى : وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قديرقوله تعالى : وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو المس والكشف من صفات الأجسام ، وهو هنا مجاز وتوسع ; والمعنى : إن تنزل بك يا محمد شدة من فقر أو مرض فلا رافع وصارف له إلا هو ، وإن يصبك بعافية ورخاء ونعمة فهو على كل شيء قدير من الخير والضر روى ابن عباس قال : كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : يا غلام - أو يا بني - ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ؟
فقلت : بلى ; فقال : احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله فقد جف القلم بما هو كائن فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن يضروك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه واعمل لله بالشكر واليقين واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا أخرجه أبو بكر بن ثابت الخطيب في كتاب ( الفصل والوصل ) وهو حديث صحيح ; وقد خرجه الترمذي ، وهذا أتم .
ومن أدلة توحيده، أنه تعالى المنفرد بكشف الضراء، وجلب الخير والسراء.
ولهذا قال: { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ } من فقر، أو مرض، أو عسر، أو غم، أو هم أو نحوه.
{ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فإذا كان وحده النافع الضار، فهو الذي يستحق أن يفرد بالعبودية والإلهية.
قوله عز وجل : ( وإن يمسسك الله بضر ) بشدة وبلية ، ( فلا كاشف له ) لا رافع ، ( إلا هو وإن يمسسك بخير ) عافية ونعمة ، ( فهو على كل شيء قدير ) من الخير والضر .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو عبد الله السلمي أنا أبو العباس الأصم أنا أحمد بن شيبان الرملي أنا عبد الله بن ميمون القداح أنا شهاب بن خراش ، [ هو ابن عبد الله ] عن عبد الملك بن عمير عن ابن عباس قال : أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة ، أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر ، ثم أردفني خلفه ، ثم سار بي مليا ثم التفت إلي فقال : يا غلام ، فقلت : لبيك يا رسول الله ، قال : " احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، وقد مضى القلم بما هو كائن ، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله تعالى لك لم يقدروا عليه ، ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب الله تعالى عليك ، ما قدروا عليه ، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين ، فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن مع الكرب الفرج ، وأن مع العسر يسرا " .
«وإن يمسسك الله بضر» بلاء كمرض وفقر «فلا كاشف» رافع «له إلا هو وإن يمسسك بخير» كصحة وغنىّ «فهو على كل شىء قدير» ومنه مسُّك به ولا يقدر على ردِّه عنك غيره.
وإن يصبك الله تعالى -أيها الإنسان- بشيء يضرك كالفقر والمرض فلا كاشف له إلا هو، وإن يصبك بخير كالغنى والصحة فلا راد لفضله ولا مانع لقضائه، فهو -جل وعلا- القادر على كل شيء.
ثم بين - سبحانه - أن نواصى العباد بيديه ، وأنه هو المتصرف فى خلقه بما يشاء ، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه فقال - تعالى - : { وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ .
.
.
} .المس : أعم من اللمس فى الاستعمال .
يقال : مسه السوء والكبر والعذاب والتعب .
أى : أصابه ذلك ونزل به ." والضر : اسم للألم والحزن والخوف وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما كما أن النفع اسم للذة والسرور وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما " .والخير : اسم لكل ما كان فيه منفعة أو مصلحة حاضرة أو مستقبله .والمعنى : إن الناس جميعاً تحت سلطان الله وقدرته ، فما يصيبهم من ضر كمرض وتعب وحزن اقتضته سنة الله فى هذه الحياة ، فلا كاشف له إلا هو ، وما يصيبهم من خير كصحة وغنى وقوة وجاه فهو - سبحانه - قادر على حفظه عليهم ، وإبقائه لهم ، لأنه على كل شىء قدير .والخطاب فى الآية يصح أن يكون موجها إلى النبى صلى الله عليه وسلم لتقويته فى دعوته ، وتثبيته أمام كيد الأعداء وأذاهم ، كما يصح أن يكون لكل من هو أهل للخطاب .قال صاحب المنار : " ومن دقائق بلاغة القرآن المعجزة ، تجرى الحقائق بأوجز العبارات ، وأجمعها لمحاسن الكلام مع مخالفته بعضها فى بادىء الرأى لما هو الأصل فى التعبير ، كالمقابلة هنا بين الضر والخير ، وإنما مقابل الضر النفع ومقابل الخير الشر ، فنكتة المقابلة أن الضر من الله ليس شرا فى الحقيقة بل هو تربية واختبار للعبد يستفيد به من هو أهل للاستفادة أخلاقا وأدباً وعلماً وخبرة .
وقد بدأ بذكر الضر لأن كشفه مقدم على نيل مقابله ، كما أن صرف العذاب فى الآخرة مقدم على النعيم " .وقوله : { وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ } جوابه محذوف تقديره : فلا راد له غيره .وقوله : { فَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ } تعليل لكل من الجوابين المذكورين فى الشرطية الأولى والمحذوف فى الثانية .وفى معنى هذه الآية جاءت آيات أخرى منها قوله - تعالى - : { مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ العزيز الحكيم } وفى الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد " .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا دليل آخر في بيان أنه لا يجوز للعاقل أن يتخذ غير الله ولياً، وتقريره أن الضر اسم للألم والحزن والخوف وما يفضي إليها أو إلى أحدها.
والنفع اسم للذة والسرور وما يفضي إليهما أو إلى أحدهما.
والخير اسم للقدر المشترك بين دفع الضر وبين حصول النفع فإذا كان الأمر كذلك فقد ثبت الحصر في أن الإنسان إما أن يكون في الضر أو في الخير لأن زوال الضر خير سواء حصل فيه اللذة أو لم تحصل.
وإذا ثبت هذا الحصر فقد بيّن الله تعالى أن المضار قليلها وكثيرها لا يندفع إلا بالله، والخيرات لا يحصل قليلها وكثيرها إلا بالله.
والدليل على أن الأمر كذلك، أن الموجود إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته أما الواجب لذاته فواحد فيكون كل ما سواه ممكناً لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، وكل ما سوى الحق فهو إنما حصل بإيجاد الحق وتكوينه فثبت أن اندفاع جميع المضار لا يحصل إلا به، وحصول جميع الخيرات والمنافع لا يكون إلا به، فثبت بهذا البرهان العقلي البين صحة ما دلّت الآية عليه.
فإن قيل: قد نرى أن الإنسان يدفع المضار عن نفسه بماله وبأعوانه وأنصاره، وقد يحصل الخير له بكسب نفسه وبإعانة غيره، وذلك يقدح في عموم الآية.
وأيضاً فرأس المضار هو الكفر فوجب أن يقال إنه لم يندفع إلا بإعانة الله تعالى.
ورأس الخيرات هو الإيمان، فوجب أن يقال أنه لم يحصل إلا بإيجاد الله تعالى، ولو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يستحق الإنسان بفعل الكفر عقاباً ولا بفعل الإيمان ثواباً.
وأيضاً فإنا نرى أن الإنسان ينتفع بأكل الدواء ويتضرر بتناول السموم، وكل ذلك يقدح في ظاهر الآية.
والجواب عن الأول: أن كل فعل يصدر عن الإنسان فإنما يصدر عنه إذا دعاه الداعي إليه لأن الفعل بدون الداعي محال، وحصول تلك الداعية ليس إلا من الله تعالى.
وعلى هذا التقدير فيكون الكل من الله تعالى وهكذا القول في كل ما ذكرتموه من السؤالات.
المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر إمساس الضر وإمساس الخير، إلا أنه ميّز الأول عن الثاني بوجيهين: الأول: أنه تعالى قدم ذكر إمساس الضر على ذكر إمساس الخير، وذلك تنبيه على أن جميع المضار لابد وأن يحصل عقبيها الخير والسلامة.
والثاني: أنه قال في إمساس الضر ﴿ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ﴾ وذكر في إمساس الخير ﴿ فَهُوَ على كُلّ شَيء قَدُيرٌ ﴾ فذكر في الخير كونه قادراً على جميع الأشياء وذلك يدل على أن إرادة الله تعالى لايصال الخيرات غالبة على إرادته لايصال المضار.
وهذه الشبهات بأسرها دالة على أن إرادة الله تعالى جانب الرحمة غالب، كما قال: (سبقت رحمتي غضبي).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ ﴾ من مرض أو فقر أو غير ذلك من بلاياه، فلا قادر على كشفه إلا هو ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ﴾ من غنى أو صحة ﴿ فَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدُيرٌ ﴾ فكان قادراً على إدامته أو إزالته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ﴾ بِبَلِيَّةٍ كَمَرَضٍ وفَقْرٍ.
﴿ فَلا كاشِفَ لَهُ ﴾ فَلا قادِرَ عَلى كَشْفِهِ.
﴿ إلا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ﴾ بِنِعْمَةٍ كَصِحَّةٍ وغِنًى.
﴿ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَكانَ قادِرًا عَلى حِفْظِهِ وإدامَتِهِ فَلا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى دَفْعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ ﴾ ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ تَصْوِيرٌ لِقَهْرِهِ وعُلُوِّهِ بِالغَلَبَةِ والقُدْرَةِ.
﴿ وَهُوَ الحَكِيمُ ﴾ في أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ.
﴿ الخَبِيرُ ﴾ بِالعِبادِ وخَفايا أحْوالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ} من مرض أو فقر أو غير ذلك من بلاياه
{فَلاَ كاشف لَهُ إلا هُوَ} فلا قادر على كشفه إلا هو {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} من غنى أو صحة {فَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} فهو قادر على إدامته وإزالته
﴿ وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ﴾ أيْ بِبَلِيَّةٍ كَمَرَضٍ وحاجَةٍ ﴿ فَلا كاشِفَ ﴾ أيْ لا مُزِيلَ ولا مُفْرِّجَ (لَهُ) عَنْكَ ﴿ إلا هُوَ ﴾ والمُرادُ لا قادِرَ عَلى كَشْفِهِ سِواهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها ﴿ وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ﴾ مِن صِحَّةٍ وغِنًى ﴿ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ 71 - ومِن جُمْلَتِهِ ذَلِكَ فَيَقْدِرُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِ فَيُمْسِكُ بِهِ ويَحْفَظُهُ عَلَيْكَ مِن غَيْرِ أنْ يَقْدِرَ عَلى دَفْعِهِ ورَفْعِهِ أحَدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ ﴾ ويَظْهَرُ مِن هَذا ارْتِباطُ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَلا رادَّ لَهُ غَيْرُهُ تَعالى، والمَذْكُورُ تَأْكِيدٌ لِلْجَوابَيْنِ لِأنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ تُؤَكِّدُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كاشِفُ الضُّرِّ وحافِظُ النِّعَمِ ومُدِيمُها، وزَعْمُ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالجَوابِ الأوَّلِ بَلْ هو عِلَّةُ الجَوابِ الثّانِي ظاهِرُ البُطْلانِ إذِ القُدْرَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تُؤَكِّدُ كَشْفَ الضُّرِّ بِلا شُبْهَةٍ وإنْكارُ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ، وأصِلُ المَسِّ -كَما قالَ أبُو حَيّانَ- تَلاقِي الجِسْمَيْنِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإصابَةُ.
وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ الباءَ في (بِضُرٍّ) وفي (بِخَيْرٍ) لِلتَّعْدِيَةِ وإنْ كانَ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا كَأنَّهُ قِيلَ: (وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ الضُّرَّ) وفَسَّرُوا الضُّرَّ بِالضَّمِّ بِسُوءِ الحالِ في الجِسْمِ، وغَيْرَهُ بِالفَتْحِ بِضِدِّ النَّفْعِ، وعَدَلَ عَنِ الشَّرِّ المُقابِلِ لِلْخَيْرِ إلى الضُّرِّ -عَلى ما في البَحْرِ- لِأنَّ الشَّرَّ أعَمُّ فَأُتِيَ بِلَفْظِ الأخَصِّ مَعَ الخَيْرِ الَّذِي هو عامٌّ رِعايَةً لِجِهَةِ الرَّحْمَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ مُقابَلَةَ الخَيْرِ بِالضُّرِّ مَعَ أنَّ مُقابِلَهُ الشَّرُّ وهو أخَصُّ مِنهُ مِن خَفْيِّ الفَصاحَةِ لِلْعُدُولِ عَنْ قانُونِ الضَّعَةِ وطَرْحِ رِداءِ التَّكَلُّفِ وهو أنْ يُقْرَنَ بِأخَصَّ مِن ضِدِّهِ ونَحْوِهِ لِكَوْنِهِ أوْفَقَ بِالمَعْنى وألْصَقَ بِالمَقامِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى ﴾ ﴿ وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى ﴾ فَجِيءَ بِالجُوعِ مَعَ العُرْيِ وبِالظَّمَإ مَعَ الضَّحْوِ وكانَ الظّاهِرُ خِلافَهُ.
ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالٍ ولَمْ أسْبَإ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ∗∗∗ ولَمْ أقُلْ لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ وإيضاحُهُ أنَّهُ في الآيَةِ قَرَنَ الجُوعَ الَّذِي هو خُلُوُّ الباطِنِ بِالعُرْيِ الَّذِي هو خُلُوُّ الظّاهِرِ، والظَّمَأ الَّذِي فِيهِ حَرارَةُ الباطِنِ بِالضُّحى الَّذِي فِيهِ حَرارَةُ الظّاهِرِ.
وكَذَلِكَ قَرَنَ امْرُؤُ القَيْسِ عُلُوَّهُ عَلى الجَوادِ بِعُلُوِّهِ عَلى الكاعِبِ لِأنَّهُما لَذَّتانِ في الِاسْتِعْلاءِ، وبَذْلَ المالِ في شِراءِ الرّاحِ بِبَذْلِ الأنْفُسِ في الكِفاحِ لِأنَّ في الأوَّلِ سُرُورَ الطَّرَبِ وفي الثّانِي سُرُورَ الظَّفَرِ.
وكَذا هُنا أُوثِرَ الضُّرُّ لِمُناسَبَتِهِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّرْهِيبِ فَإنَّ انْتِقامَ العَظِيمِ عَظِيمٌ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ الإحْسانَ أتى بِما يَعُمُّ أنْواعَهُ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ اللَّفِّ والنَّشْرِ فَإنَّ مَسَّ الضُّرِّ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنِّي أخافُ ﴾ إلَخْ ومَسَّ الخَيْرِ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن يُصْرَفْ عَنْهُ ﴾ إلَخْ.
وهي عَلى ما قِيلَ داخِلَةٌ في حَيِّزِ (قُلْ) والخِطابُ عامُّ لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ أوْ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ، ولا نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، و(كاشِفَ) اسْمُها، و(لَهُ) خَبَرُها والضَّمِيرُ المُنْفَصِلِ بَدَلٌ مِن مَوْضِعِ (لا كاشِفَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ، ولا يَجُوزُ -عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ- أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِكاشِفٍ ولا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ لِأنَّكَ في الحالَيْنِ تُعْمِلُ اسْمَ لا ومَتى أعْمَلْتَهُ في ظاهِرٍ نَوَّنْتَهُ.
وفي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ رَدٌّ عَلى مَن رَجا كَشْفَ الضُّرِّ مِن غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وأمَّلَ أحَدًا سِواهُ وفِي فُتُوحِ الغَيْبِ لِلْقُطْبِ الرَّبّانِيِّ سَيِّدِي عَبْدِ القادِرِ الجِيلانِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ مِن كَلامٍ طَوِيلٍ: إنَّ مَن أرادَ السَّلامَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَعَلَيْهِ بِالصَّبْرِ، والرِّضا، وتَرْكِ الشَّكْوى إلى خَلْقِهِ، وإنْزالِ حَوائِجِهِ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولُزُومِ طاعَتِهِ، وانْتِظارِ الفَرَجِ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والِانْقِطاعِ إلَيْهِ؛ فَحِرْمانُهُ عَطاءٌ، وعُقُوبَتُهُ نَعْماءٌ، وبَلاؤُهُ دَواءٌ، ووَعْدُهُ حالٌّ، وقَوْلُهُ فِعْلٌ، وكُلُّ أفْعالِهِ حَسَنَةٌ وحِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ غَيْرَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ طَوى عِلْمَ المَصالِحِ عَنْ عِبادِهِ وتَفَرَّدَ بِهِ فَلَيْسَ إلّا الِاشْتِغالَ بِالعُبُودِيَّةِ مِن أداءِ الأوامِرِ، واجْتِنابِ النَّواهِي، والتَّسْلِيمِ في القَدَرِ، وتَرْكِ الِاشْتِغالَ بِالرُّبُوبِيَّةِ، والسُّكُونِ عَنْ لِمَ وكَيْفَ ومَتى؟
وتَسْتَنِدُ هَذِهِ الجُمْلَةُ إلى حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «بَيْنَما أنا رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ إذْ قالَ: يا غُلامُ احْفَظِ اللَّهَ تَعالى يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَعالى تَجِدْهُ أمامَكَ وإذا سَألْتَ فاسْألِ اللَّهَ وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ ولَوْ جَهَدَ العِبادُ أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَقَضِهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ولَوْ جَهِدُوا أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَقَضِهِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ تَعالى بِالصِّدْقِ في اليَقِينِ فاعْمَلْ فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإنَّ في الصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ وأنْ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَجْعَلَ هَذا الحَدِيثَ مِرْآةَ قَلْبِهِ وشِعارَهُ ودِثارَهُ وحَدِيثَهُ فَيَعْمَلُ بِهِ مِن جِهَةِ حَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ حَتّى يَسْلَمَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ويَجِدَ العِزَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ <div class="verse-tafsir"
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ يعني: إنْ يصبك الله بشدة أو بلاء فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ يعني: لا يقدر أحد من الآلهة التي يدعونها ولا غيرها كشف الضر إلا الله تعالى.
وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ يقول: وإن يصبك بسعة أو صحة الجسم فإنه لا يقدر أحد على دفع ذلك.
فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الغنى والفقر والعافية.
ثم قال: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ الغالب والعالي عليهم.
ويقال: القادر والمالك عليهم وَهُوَ الْحَكِيمُ في أمره الْخَبِيرُ بأفعال الخلق.
ثم قال: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي : يا محمد ألا وجد الله رسولاً غيرك؟
وما نرى أحداً من أهل الكتاب يصدقك بما تقول فأرنا من يشهد لك أنك رسوله؟
فقال الله تعالى: قُلْ: لأهل مكة أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً يعني: حجة وبرهاناً ويقال: من أكبر شهادة؟
فإن أجابوك وإلا ف قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ بأني رسول الله.
والشهيد في اللغة: هو المبين.
وإنما سمى الشاهد شاهداً لأنه يبيّن دعوى المدعي بأمر الله نبيه- - بأن يحتج عليهم بالله الواحد القهار الذى خلق السموات والارض، وجعل الظلمات والنور، وخلقهم أطوارا.
ثم قال: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ يعني: لأخوفكم بالقرآن يا أهل مكة وَمَنْ بَلَغَ يعني: ومن بلغه القرآن سواكم، فأنا نذير وبشير من بلغه القرآن من الجن والإنس.
قال قتادة: قال النبيّ : «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً من كتاب الله تعالى» ، فمن بلغه فكأنما عاين رسول الله وكلمه.
وقال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى رسول الله ثم قرأ: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ وقال مجاهد: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ يعني: أصحاب محمد : وَمَنْ بَلَغَ يعني: من العجم وغيرهم.
ثم قال: أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى من الأصنام.
فإن قالوا: نعم قُلْ لاَّ أَشْهَدُ بما شهدتم ولكن قُلْ أشهد إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ من الأصنام والأوثان.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
ثم أخذ في صفات اللَّه- تعالى- فقال: فاطِرِ بخفض الراء نعت لله عز وجل.
قال ص: فاطِرِ الجمهور «١» بالجَرِّ، وَوَجَّهَهُ ابن عَطِيَّةَ «٢» ، وغيره على أنه نَعْتٌ لِلَّهِ.
وأبو البقاء على أنه بَدَلٌ، وكأنه رأى الفَصْلَ بين البَدَلِ والمبدل أَسْهَلَ لأن البَدَلَ في المشهور على نِيَّةِ تَكْرَارِ العامل.
انتهى.
و «فطر» معناه: ابتدع، وخلق، وأنشأ، وفطر أيضاً في اللُّغَةِ: شَقَّ، ومنه هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [الملك: ٣] أي: من شقوق.
ويُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ المقصود به: يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ.
وقوله: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ ...
إلى عَظِيمٍ.
قال المفسرون: المعنى أول من أَسْلَمَ من هذه الأمة، وبهذه الشَّرِيعَةِ، ولفظة عَصَيْتُ عامة في أنواع المَعَاصِي، ولكنها هاهنا إنما تُشِيرُ إلى الشِّرْكِ المَنْهِيِّ عنه.
واليوم العَظِيمُ هو يَوْمُ القيامة.
وقرأ نَافِعٌ «٣» وغيره «من يُصْرَف عنه» مسنداً إلى المفعول، وهو الضمير العائد على العَذَابِ.
وقرأ حمزة وغيره «مَنْ يَصْرِف» بإسناد الفَعْلِ إلى الضمير العائد إلى «ربي» ، ويعمل في ضَمِيرِ العَذَابِ المذكور، ولكنه محذوف.
وقوله: وَذلِكَ إشارة إلى صَرْفِ العذاب، وحُصُولِ الرحمة، والْفَوْزُ النّجاة.
وقوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ.
يَمْسَسْكَ: معناه يُصِبْكَ، ويَنَلْكَ، والضُّرُّ بضم الضاد: سوء الحَالِ في الجِسْمِ وغيره، وبفتحها ضِدُّ النَّفْعِ، ومعنى الآية: الإخْبَارُ أن الأَشْيَاءَ كلها بِيَدِ اللَّه إن ضَرَّ فلا كَاشِفَ لضره غَيْرُه، وإن أصَابَ بِخَيْرٍ، فكذلك أيضاً.
وعن ابن عَبَّاسٍ قال: كنت خلف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوماً فقال: «يا غُلاَمُ إنِّي أُعَلِّمَكَ كَلِمَاتٍ:
احْفَظِ اللَّهِ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّه، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعْلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لم يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّه لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أن يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رفعت الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» .
رويناه في الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح «١» .
وفي رواية غير الترمذي زيادة: «احْفَظِ اللَّه تَجِدْهُ أمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، واعْلَمْ أن ما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ ...
» وفي آخره: «واعلم أن النَّصْرَ مع الصَّبْرِ، وأنّ الفَرَجَ مع الكَرْبِ، وأن مع العُسْرِ يُسْراً» «٢» .
قال النووي: هذا حديث عَظِيمُ الموقع.
انتهى من «الحِلْيَة» .
وقرأت فرقة: «وَأَوْحَى إلَيَّ هذا القُرآن» على بناء الفعل للفاعل، ونصب «القرآن» ، وفي «أوحى» ضمير يَعُودُ على اللَّه تعالى.
وقوله: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ معناه على قول الجمهور: بلاغ القرآن، أي:
لأنْذِرَكُمْ وأُنْذِرَ مَنْ بَلَغَهُ، ففي «بلغ» ضمير محذوف لأنه في صلة «من» فحُذِفَ لطول الكلام.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ﴾ الضُّرُّ: اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ ما يَتَضَرَّرُ بِهِ الإنْسانُ مِن فَقْرٍ، ومَرَضٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والخَيْرُ: اسْمٌ جامِعٌ لَكُلِّ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الإنْسانُ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في الضُّرِّ والخَيْرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الضُّرَّ السَّقَمُ، والخَيْرُ: العافِيَةُ والثّانِي: أنَّ الضُّرَّ: الفَقْرُ، والخَيْرُ: الغِنى.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ ﴾ "يَمْسَسْكَ"؛ مَعْناهُ: "يُصِبْكَ؛ ويَنَلْكَ"؛ وحَقِيقَةُ المَسِّ هي بِتَلاقِي جِسْمَيْنِ؛ فَكَأنَّ الإنْسانَ والضُرَّ يَتَماسّانِ.
والضُرُّ - بِضَمِّ الضادِ -: سُوءُ الحالِ في الجِسْمِ؛ وغَيْرِهِ؛ والضَرُّ - بِفَتْحِ الضادِ -: ضِدُّ النَفْعِ؛ ونابَ الضُرُّ في هَذِهِ الآيَةِ مَنابَ الشَرِّ - وإنْ كانَ الشَرُّ أعَمَّ مِنهُ -؛ فَقابَلَ الخَيْرَ؛ وهَذا مِنَ الفَصاحَةِ عُدُولٌ عن قانُونِ التَكَلُّفِ والصَنْعَةِ؛ فَإنَّ بابَ التَكَلُّفِ وتَرْصِيعِ الكَلامِ أنْ يَكُونَ الشَيْءُ مُقْتَرِنًا بِالَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ؛ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الِاخْتِصاصِ؛ مُوافَقَةً؛ أو مُضادَّةً؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى ﴾ ﴿ وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى ﴾ ؛ فَجَعَلَ الجُوعَ مَعَ العُرْيِ؛ وبابُهُ أنْ يَكُونَ مَعَ الظَمَإ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنِّيَ لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ∗∗∗ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ ولَمْ أسْبَإ الزِقَّ الرَوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ ∗∗∗ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ وَهَذا كَثِيرٌ.
قالَ السُدِّيُّ: اَلضُّرُّ هَهُنا: اَلْمَرَضُ؛ والخَيْرُ: اَلْعافِيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِثالٌ؛ ومَعْنى الآيَةِ الإخْبارُ عن أنَّ الأشْياءَ كُلَّها بِيَدِ اللهِ؛ إنْ ضَرَّ فَلا كاشِفَ لِضُرِّهِ غَيْرُهُ؛ وإنْ أصابَ بِخَيْرٍ فَكَذَلِكَ أيْضًا لا رادَّ لَهُ؛ ولا مانِعَ مِنهُ؛ هَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ؛ ولَكِنْ وضَعَ بَدَلَ هَذا المُقَدَّرِ لَفْظًا أعَمَّ مِنهُ؛ يَسْتَوْعِبُهُ وغَيْرَهُ؛ وهو قَوْلُهُ: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ ودَلَّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلى المُقَدَّرِ فِيهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ جائِزٍ أنْ يُوصَفَ اللهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ القاهِرُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أيْ وهو - عَزَّ وجَلَّ - المُسْتَوْلِي المُقْتَدِرُ؛ و"فَوْقَ"؛ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ؛ لا في المَكانِ؛ بَلْ في المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَهُ لَفْظُ "اَلْقاهِرُ"؛ كَما تَقُولُ: "زِيدٌ فَوْقَ عَمْرٍو في المَنزِلَةِ"؛ وحَقِيقَةُ "فَوْقَ"؛ في الأماكِنِ؛ وهي في المَعانِي مُسْتَعارَةٌ؛ شُبِّهَ بِها مَن هو أرْفَعُ رُتْبَةً في مَعْنًى ما؛ لَمّا كانَتْ في الأماكِنِ تُنْبِئُ حَقِيقَةً عَنِ الأرْفَعِ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّها بِتَقْدِيرِ الحالِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ القاهِرُ غالِبًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا لا يَسْلَمُ مِنَ الاعْتِراضِ أيْضًا؛ والأوَّلُ عِنْدِي أصْوَبُ.
والعِبادُ: بِمَعْنى: "اَلْعَبِيدُ"؛ وهُما جَمْعانِ لِـ "اَلْعَبْدُ"؛ أما إنّا نَجِدُ وُرُودَ لَفْظَةِ "اَلْعِبادُ"؛ في القُرْآنِ؛ وغَيْرِهِ؛ في مَواضِعِ تَفْخِيمٍ؛ أو تَرْفِيعٍ؛ أو كَرامَةٍ؛ ووُرُودُ لَفْظَةِ "اَلْعَبِيدُ"؛ في تَحْقِيرٍ؛ أوِ اسْتِضْعافٍ؛ أو تَصَدِّي ذَمٍّ؛ ألا تَرى قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: قُولا لِدُودانَ عَبِيدِ العَصا ∗∗∗ ∗∗∗................
ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ هُنا: عِبادُ العَصا؛ وكَذَلِكَ الَّذِينَ سُمُّوا "اَلْعِبادَ"؛ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ لَهُمْ: "اَلْعَبِيدُ"؛ لِأنَّهم أفْخَمُ مِن ذَلِكَ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَهَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي؟"؛ لا يَسْتَقِيمُ فِيهِ "عِبادٌ".
وَ"اَلْحَكِيمُ"؛ بِمَعْنى "اَلْمُحْكِمُ"؛ و"اَلْخَبِيرُ"؛ دالَّةٌ عَلى مُبالَغَةِ العِلْمِ؛ وهُما وصْفانِ مُناسِبانِ لِنَمَطِ الآيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على الجمل المفتتحة بفعل ﴿ قل ﴾ [الأنعام: 15] فالخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وهذا مؤذن بأنّ المشركين خوّفوا النبي صلى الله عليه وسلم أو عرّضوا له بعزمهم على إصابته بشرّ وأذى فخاطبه الله بما يثبّت نفسه وما يؤيس أعداءه من أن يستزلّوه.
وهذا كما حكي عن إبراهيم عليه السلام ﴿ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنّكم أشركتم بالله ما لم ينزّل به عليكم سلطاناً ﴾ [الأنعام: 81]، ومن وراء ذلك إثبات أنّ المتصرّف المطلق في أحوال الموجودات هو الله تعالى بعد أن أثبت بالجمل السابقة أنّه محدث الموجودات كلّها في السماء والأرض، فجُعل ذلك في أسلوب تثبيت للرسول صلى الله عليه وسلم على عدم الخشية من بأس المشركين وتهديدهم ووعيدهم، ووعدُه بحصول الخير له من أثر رضى ربّه وحدَه عنه، وتحدّي المشركين بأنّهم لا يستطيعون إضراره ولا يجلبون نفعه.
ويحصل منه ردّ على المشركين الذين كانوا إذا ذُكّروا بأنّ الله خالق السماوات والأرض ومن فيهن أقرّوا بذلك، ويزعمون أنّ آلهتهم تشفع عند الله وأنّها تجلب الخير وتدفع الشرّ، فلمَّا أبطلت الآيات السابقة استحقاق الأصنام الإلهية لأنّها لم تخلق شيئاً، وأوجبت عبادة المستحقّ الإلهية بحقّ، أبطلت هذه الآية استحقاقهم العبادة لأنّهم لا يملكون للناس ضرّاً ولا نفعاً، كما قال تعالى: ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرّاً ولا نفعاً ﴾ [المائدة: 76] وقال عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرّون ﴾ [الشعراء: 73].
وقد هيّأت الجمل السابقة موقعاً لهاته الجملة، لأنّه إذا تقرّر أنّ خالق الموجودات هو الله وحده لزم من ذلك أنّه مقدّر أحوالِهم وأعمالِهم، لأنّ كون ذلك في دائرة قدرته أولى وأحقّ بعد كون معروضات تلك العوارض مخلوقة له.
فالمعروضات العارضة للموجودات حاصلة بتقدير الله لأنّه تعالى مقدّر أسبابها، واضع نظام حصولها وتحصيلها، وخالق وسائل الدواعي النفسانية إليها أو الصوارف عنها.
والمسّ حقيقته وضع اليد على شيء.
وقد يكون مباشرة وقد يكون بآلة، ويستعمل مجازاً في إيصال شيء إلى شيء فيستعار إلى معنى الإيصال فيكثر أن يذكر معه ما هو مستعار للآلة.
ويدخل عليه حرف الآلة وهو الباء كما هنا، فتكون فيه استعارتان تبعيتان إحداهما في الفعل والأخرى في معنى الحرف، كما في قوله: ﴿ ولا تمسّوها بسوء ﴾ [الأعراف: 73].
فالمعنى: وإن يصبك الله بضرّ، أو وإن ينلك من الله ضرّ.
والضُرّ بضم الضاد هو الحال الذي يؤلم الإنسان، وهو من الشرّ، وهو المنافر للإنسان.
ويقابله النفع، وهو من الخير، وهو الملائم.
والمعنى إن قدّر الله لك الضرّ فهلاّ يستطيع أحد كشفه عنك إلاّ هو إن شاء ذلك، لأنّ مقدّراته مربوطة ومحوطة بنواميس ونظم لا تصل إلى تحويلها إلاّ قدرة خالقها.
وقابل قوله: ﴿ وإن يمسسك الله بضرّ ﴾ بقوله: ﴿ وإن يمسسك بخير ﴾ مقابلة بالأعمّ، لأنّ الخير يشمل النفع وهو الملائم ويشمل السلامة من المنافر، للإشارة إلى أنّ المراد من الضرّ ما هو أعمّ، فكأنّه قيل: إن يمسسك بضرّ وشرّ وإن يمسسك بنفع وخير، ففي الآية احتباك.
وقال ابن عطية: ناب الضرّ في هذه الآية مناب الشرّ والشرّ أعمّ وهو مقابل الخير.
وهو من الفصاحة عدول عن قانون التكلّف والصنعة، فإنّ من باب التكلّف أن يكون الشيء مقترناً بالذي يختصّ به ونظَّر هذا بقوله تعالى: ﴿ إنّ لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنَّك لا تظمأ فيها ولا تضحى ﴾ [طه: 118، 119].
اه.
وقوله: ﴿ فهو على كلّ شيء قدير ﴾ جعل جواباً للشرط لأنّه علّة الجواب المحذوف والجواببِ المذكور قبله، إذ التقدير: وإن يمسسك بخير فلا مانع له لأنّه على كلّ شيء قدير في الضرّ والنفع.
وقد جعل هذا العموم تمهيداً لقوله بعده ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ [الأنعام: 18].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هُوَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ إنْ ألْحَقَ اللَّهُ بِكَ ضُرًّا، لِأنَّ المَسَّ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ.
والثّانِي: مَعْناهُ وإنْ جَعَلَ الضُّرَّ يَمَسُّكَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ﴾ وفي الضُّرِّ والخَيْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الضُّرَّ السُّقْمُ، والخَيْرَ العافِيَةُ.
والثّانِي: أنَّ الضُّرَّ الفَقْرُ، والخَيْرَ الغِنى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ القاهِرُ لِعِبادِهِ، وفَوْقَ صِلَةٌ زائِدَةٌ.
والثّانِي: أنَّهُ بِقَهْرِهِ لِعِبادِهِ مُسْتَعْلٍ عَلَيْهِمْ، فَكانَ قَوْلُهُ فَوْقَ مُسْتَعْمَلًا عَلى حَقِيقَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ﴾ لِأنَّها أعْلى قُوَّةً.
وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: وهو القاهِرُ فَوْقَ قَهْرِ عِبادِهِ، لِأنَّ قَهْرَهُ فَوْقَ كُلِّ قَهْرٍ.
وَفي هَذا القَهْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إيجادُ المَعْدُومِ.
والثّانِي: أنَّهُ لا رادَّ لِأقْدارِهِ ولا صادَّ عَنِ اخْتِيارِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً ﴾ الآيَةَ، في سَبَبِ [نُزُولِ] ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ : مَن يَشْهَدُ لَكَ بِالنُّبُوَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ يَأْمُرُهُ فِيها أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً ﴾ ، ثُمَّ أجابَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ يَعْنِي: بِصِدْقِي وصِحَّةِ نُبُوَّتِي وهي أكْبَرُ الشَّهاداتِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ فَقالَ ذَلِكَ لِيُشْهِدَهُ عَلَيْهِمْ.
﴿ لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأُنْذِرَكم [يا] أهْلَ مَكَّةَ ومَن بَلَغَهُ القُرْآنُ مِن غَيْرِ أهْلِ مَكَّةَ.
والثّانِي: لِأُنْذِرَكم بِهِ: [أيُّها] العَرَبُ ومَن بُلِّغَ مِنَ العَجَمِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ.
﴿ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، لِأنَّ صِفَتَهُ مَوْجُودَةٌ في كِتابِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومَن زَعَمَ أنَّ الكِتابَ هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ.
والثّانِي: يَعْرِفُونَ الكِتابَ الدّالَّ عَلى صِفَتِهِ، وصِدْقِهِ، وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ.
وَعَنى بِقَوْلِهِ: ﴿ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ ﴾ تَثْبِيتًا لِصِحَّةِ المَعْرِفَةِ.
وَحَكى الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ حِينَ أسْلَمَ: ما هَذِهِ المَعْرِفَةُ الَّتِي تَعْرِفُونَ بِها مُحَمَّدًا كَما تَعْرِفُونَ أبْناءَكُمْ؟
قالَ: واللَّهِ لَأنا بِهِ إذا رَأيْتُهُ أعْرَفُ مِنِّي بِابْنِي وهو يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ، لِأنِّي لا أشُكُّ أنَّهُ مُحَمَّدٌ، وأشْهَدُ أنَّهُ حَقٌّ، ولَسْتُ أدْرِي ما صَنَعَ النِّساءُ في الِابْنِ.
﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم خَسِرُوا بِالكُفْرِ مَنازِلَهم وأزْواجَهم في الجَنَّةِ، لِأنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ إلّا ولَهُ مَنازِلُ وأزْواجٌ، فَإنْ أسْلَمُوا كانَتْ لَهم، وإنْ كَفَرُوا كانَتْ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: مَعْناهُ غَبِنُوها فَأهْلَكُوها بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ لا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ في حُكْمِهِ ولا يُبالِي خُسْرَ الخاسِرِ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ يقول: ما استقر في الليل والنهار.
وفي قوله: ﴿ قل أغير الله أتخذ ولياً ﴾ قال: أما الولي فالذي يتولاه ويقر له بالربوبية.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ قال: بديع السموات والأرض.
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن جرير وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال، أحداهما: أنا فطرتها.
يقول: أنا ابتدأتها.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ قال: خالق السموات والأرض.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وهو يطعِم ولا يطعَم ﴾ قال: يرزق ولا يُرزق.
وأخرج النسائي وابن السني والحاكم والبيهقي في الشعب وابن مردويه عن أبي هريرة قال: دعا رجل من الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقنا معه، فلما طعَم النبي صلى الله عليه وسلم وغسل يده قال: «الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم ومنَّ علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغني عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العرى، وهدانا من الضلال، وبصرنا من العمى، وفضلنا على كثير من خلقه تفصيلاً، الحمد لله رب العالمين» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ من يصرف عنه يومئذ ﴾ قال: من يصرف عنه العذاب.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق بشر بن حاتم من طريق بشر بن السري عن هارون النحوي قال: في قراءة أبي ﴿ من يصرفه الله ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وإن يمسسك بخير ﴾ يقول: بعافية.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ ﴾ الآية [إن] (١) ﴿ يَمْسَسْكَ اللَّهُ ﴾ ؟
والجواب: أن يقال: الباء في بالضر للتعدية، والباء والألف يتعاقبان في التعدية، والمعنى: إن أمسك ضرًا أي: جعله يمسك، فالفعل للضر، وإن كان في الظاهر قد أسند إلى اسم الله تعالى كما أنك إذا قلت: ذهب عمر وزيد، كان الذهاب فعلًا لزيد غير أن عمرًا (٢) (٣) والضر اسم جامع لكل ما يتضرر به الإنسان من فقر ومرض (٤) (٥) (١) (إن) ساقط من (ش).
(٢) في (أ): (أن عمروًا).
(٣) رجح أبو حيان في "البحر" 4/ 87، والسمين في "الدر" 4/ 564، أن الباء هنا للتعدية، وذكر قول الواحدي "السمين"، وانظر: القرطبي في "تفسيره" 6/ 398.
(٤) قال أهل اللغة: الضر، بالضم: سوء الحال، وبالفتح: ضد النفع.
وبعضهم قال: هما لغتان.
انظر: "العين" 7/ 6، و"تهذيب اللغة" 3/ 2108، و"الصحاح" 2/ 719، و"مقاييس اللغة" 3/ 360 "مجمل اللغة" 2/ 561، و"المفردات" ص 503، و"اللسان" 5/ 2573 (ضر).
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 960، و"الصحاح" 2/ 651، و"مجمل اللغة" 2/ 308، و"المفردات" ص 300، و"اللسان" 3/ 1300 (خير).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ ﴾ معنى يمسسك: يصبك، والضر: المرض وغيره على العموم في جميع المضرات، والخير: العاقبة وغيرها على العموم أيضاً، والآية برهان على الوحدانية لانفراد الله تعالى بالضر والخير، وكذلك ما بعد هذا من الأوصاف براهين ورد على المشركين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني أمرت ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: هما وابن كثير وأبو عمرو.
الباقون: بالسكون.
﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون: مبنياً للمفعول ﴿ أئنكم ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة ﴿ أينكم ﴾ بالياء بعد الهمزة: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينكم ﴾ بالمد والياء: أبو عمرو ويزيد.
وقالون ﴿ بريء ﴾ بغير همز حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف ﴿ يحشرهم ثم يقول ﴾ بياء الغيبة فيهما: يعقوب.
الباقون: بالنون ﴿ ثم لم تكن ﴾ بتاء التأنيث: حمزة وعلي وحماد والمفضل وسهل ويعقوب الباقون: بالياء ﴿ فتنتهم ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر وحفص والمفضل.
الباقون: بالنصب ﴿ والله ربنا ﴾ بالنصب على النداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون: بالجر على البدل أو البيان.
الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل لله ﴾ ط ﴿ الرحمة ﴾ ط لأن قوله ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب قسم محذوف.
وقيل: لا وقف و ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب معنى القسم في ﴿ كتب ﴾ وفيه نظر لأن ﴿ كتب ﴾ وعد ناجز و ﴿ ليجمعنكم ﴾ وعد منتظر.
﴿ لا ريب فيه ﴾ ط بناء على أن الذين مبتدأ فيه معنى الشرط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ولا يطعم ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمه ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ شهادة ﴾ ط ﴿ ومن بلغ ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لانتهاء الاستخبار إلى الإخبار.
﴿ قل لا أشهد ﴾ ج لاتساق الكلام بلا عطف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ أبناءهم ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده وصف ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ يزعمون ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما برهن على إثبات الصانع وتحقيق النبوّات وتقرير المعاد، وانجر الكلام إلى الأمر باعتبار أحوال الغابرين، عاد إلى إثبات هذه المطالب بطريق الإلزام وأخذ الاعتراف، وذلك أن آثار الحدوث وسمات الإمكان لائحة على صفحات السمويات والأرضيات حتى بلغ في ظهوره إلى حيث لا يقدر منكر على إنكاره، فكان في السؤال تبكيت وإفحام، وفي الجواب تقرير وإلزام، أي هو لله بلا مراء وشقاق ولن يتم الملك إلا إذا كان قادراً على الإعادة كما هو قادر على الإبداء، ولن تحصل حكمة الإعادة إلا بثواب المطيعين وعقاب العاصين، ولن يحسن إيصال الثواب والعقاب إلا بعد نصب الدلائل وإرسال الرسل فلأجل ذلك قال ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ أي بنصب الأدلة وإزاحة العلة إيجاب الفضل والكرم.
وقيل: هذه الرحمة هي أنه يمهلهم مدّة عمرهم ولا يعاجلهم بالاستئصال، أو فرض على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدّقهم وقبل شريعتهم، أو تلك الرحمة هي أنه يجمعهم إلى يوم القيامة فإنه لولا هذا التهديد لحصل الهرج والمرج وارتفع الضبط وكثر الخبط كأنه قيل: لما علمتم أن كل ما في السموات والأرض لله ، وأنه مالك الكل فاعلموا أن الله الملك الحكيم لا يهمل أمور عبيده، ولا يجوز في حكمته التسوية بين المطيع والعاصي والعامل والساهي.
ومعنى ﴿ ليجمعنكم ﴾ ليضمنكم.
وقيل: فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة فإن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان.
وقيل: ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرناً بعد قرنإلى يوم القيامة.
قال الأخفش: ﴿ الذين خسروا ﴾ بدل من ضمير المخاطبين في ﴿ ليجمعنكم ﴾ .
وقال الزجاج: إنه مبتدأ خبره ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وذلك لتضمنه معنى الشرط فكأنه قيل: ما للمشركين مع وضوح الدلائل الباهرة لا يؤمنون؟
فأجيب ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ أي في علم الله وسابق قضائه فهم لا يؤمنون في طرف الأبد، فكان امتناعهم الآن عن الإيمان مسبباً عن سبق القضاء عليهم بالخسران والخذلان.
وقال في الكشاف ﴿ الذين خسروا ﴾ نصب أو رفع على الذم بمعنى أريد الذين، أو أنتم الذين.
ثم لما بيّن أن له المكان والمكانيات ارتقى في البيان كما هو شأن الترتيب التعليمي إلى ما هو أخفى من ذلك عند الحس وهو الزمان والزمانيات فقال ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ عن ابن عباس أن كفار مكة أتوا رسول الله فقالوا: يا محمد إنا قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة فنحن نجعل لك نصيباً من أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلاً وترجع عما أنت عليه فنزل ﴿ وله ما سكن ﴾ الآية.
قيل: اشتقاقه من السكون والتقدير كل ما سكن وتحرك كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ أي تقيكم الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر للقرينة.
والأصوب أن يقال: اشتقاقه من السكنى كما يقال: فلان سكن ببلد كذا أي حل فيه.
والمراد كل ما حل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً، وذلك أن الدخول تحت الزمان يستلزم التغير والحدوث فلا بد له من محدث يتقدم عليه وعلى نفس الزمان ﴿ وهو السميع العليم ﴾ الذي يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين فيوصل كل ممكن إلى كمال يليق به ويستعدّ له.
ثم لما كان لزاعم أن يزعم أن الذي يتعالى عن المكان وعن الزمان قد يكون ممكناً في نفسه كالمفارقات التي يثبتها الفلاسفة فلا جرم قال ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ منكر الاتخاذ غير الله ﴿ ولياً ﴾ ولذلك قدم المفعول لكونه أهم، ولو كان حرف الاستفهام داخلاً على الفعل توجه الإنكار أوّلاً إلى نفس اتخاذ الولي وأنه غير مهم ﴿ فاطر السموات ﴾ عطف بيان من ﴿ الله ﴾ أو بدل.
وقرىء بالرفع على إضمار هو، وبالنصب على المدح.
وعن ابن عباس: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها.
وقال ابن الأنباري: أصل الفطر الشق وقد يكون شق إصلاح كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ أي خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضمه بعض الأشياء إلى بعض.
وقد يكون شق إفساد ومنه قوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد.
والرزق والإطعام وإن كانا متغايرين وإلا لم يحسن العطف في قوله ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ﴾ إلا أنهما متقاربان فحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر.
وقرىء ﴿ وهو يطعم ﴾ مبنياً للمفعول على أن الضمير لغير الله وقرىء ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ كلاهما للفاعل.
والمعنى هو يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله ﴿ وإنه يقبض ويبسط ﴾ أو الثاني بمعنى لا يستطعم.
وحاصل الآية أنه يجب شغل القلب كله بالله وقطع العلائق بالكلية عما سواه لأنه الجواد المطلق الذي يهب لا لعوضٍ ولا انتفاع.
ثم بيّن أن النبي أيضاً داخل في تكليف المعرفة بل هو أسبق قدماً في ذلك فقال ﴿ قل إني أمرت أن أكون أوّل من أسلم ﴾ وقيل لي ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ وفيه أن الواعظ يجب أن يتعظ أوّلاً بما يقوله، فالمريض لا يتصور منه العلاج.
ثم ذكر أن النبي مع جلالة قدره بصدد المؤاخذة على تقدير المخالفة فقال ﴿ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ ولا يلزم من هذا جواز المعصية عنه لأن الفرض قد يتعلق بالمستحيل كقولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.
من قرأ ﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل فالضمير فيه عائد إلى الله والمفعول وهو العذاب محذوف لكونه معلوماً أو مذكوراً قبله.
قال في الكشاف: ويجوز أن تنصب يومئذ على أنه مفعول به لـ ﴿ يصرف ﴾ أي من يصرف الله عنه ذلك اليوم أي هو له، ومن قرأ على بناء المفعول فهو مسند إلى ضمير العذاب، ولم يسم الفاعل وهو الله للعلم به ﴿ فقد رحمه ﴾ أي الله الرحمة العظمى كقولك: إن أطعمت زيداً من جوعه فقد أحسنت إليه يعني كمال الإحسان.
أو المراد فقد أدخله الجنة فإن من لم يعذب لم يكن له بد من الثواب تفضلاً أو استيجاباً.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن إيصال الثواب على الطاعة غير واجب وإنما هو ابتداء فضل وإحسان وإلا لم يحسن ذكر الرحمة ههنا، ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب زيداً فإذا لم يضربه لا يقال أنه رحمه؟
﴿ وذلك ﴾ أي صرف العذاب وإيصال الثواب على سبيل التفضل أو الاستيجاب ﴿ الفوز المبين ﴾ لأنه المطلب الأعلى والمقصد الأسنى لكل مكلف.
ثم أكد المعنى المذكور وهو أنه لا يجوز للعاقل أن يرغب في اتخاذ ولي غير الله بقوله ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ من مرض أو فقر أو غير ذلك من البليات ﴿ فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير ﴾ من غنى أو صحة ﴿ فهو على كل شيء قدير ﴾ عمم الحكم لندرج تحته كل خير والحاصل أن اندفاع جميع المضار بقدرته، وكذا حصول جميع الخيرات لأن كل ما عداه فإنما هو تحت قهره وتسخيره وقد حصل بإيجاده وتكوينه، فإن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ورأس المضارّ هو الكفر، وسنام الخيرات هو الإيمان، ولن يحصل نفرة الكفر وداعية الإيمان إلا بتوفيقه .
وكل ما يتصور أنه قد نفع أو ضر من الجمادات أو المختارات فإن ذلك ينتهي إلى تخليق الله وجعله ذلك الشيء واسطة لذلك النفع أو الضر، فلا ضارّ ولا نافع بالحقيقة إلا هو .
ثم زاد لهذا المعنى بياناً فقال ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ وهو إشارة إلى كمال القدرة ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ وإنه إشارة إلى كمال العلم.
فالحكمة أعم من العلم لأنها عمل وعلم، وكونه خبيراً أخص من العلم لأنه العلم ببواطن الأمور وخباياها، فإذا اجتمعت هذه المعاني حصل العلم بكماله وغايته، وقد استدل بظاهر الآية من أثبت الفوقية لله وعورض بوجوه منها: أنه لو كان فوق العالم فإن كان في الصغر بحيث لا يتميز منه جانب من جانب كالجوهر الفرد مثلاً فذلك لا يقوله عاقل، وإن كان ذاهباً في الأقطار كلها كان متجزئاً.
والجواب أنه لم لا يجوز أن يكون نوراً قائماً بذاته غير متناه لا متجزئاً ولا متبعضاً قاهراً لجميع الأنوار غالباً على جميع الأشياء.
فلا غاية لجوده ولا نهاية لوجوده.
وأما إنه كيف يتصور نور بلا نهاية مع أنه لا ينقسم يتبعض فمجرد استبعاد فلا يصلح حجة وإدراك شيء من هذا النور محتاج إلى النور ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ ومنها أنه لو كان غير متناه من كل الجهات لزم اختلاطه بالقاذورات.
والجواب أن هذا كلام مخيل فلا يستعمل في البرهان.
ومنها أنه لو لم يكن خارج العالم خلاء ولا ملاء لم يمكن حصول ذات الله فيه، وإن كان خلاء فحصوله في جزء من أجزاء ذلك الخلاء دون سائر أجزائه محتاج إلى مخصص، فيكون الواجب مفتقراً فيكون محدثاً هذا خلف.
والجواب أنا ذكرنا أن نور الأنوار لا يتناهى وأنه وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى فيسقط هذا الاعتراض.
ومنها أنه موجود قبل الخلاء والحيز والجهة، فلا يكون بعد حصول هذه الأشياء موجوداً فيها وإلا لزم التغير في ذاته.
والجواب بالفرق بين المعية وبين الافتقار.
ومنها أن العالم كرة فإما أن يكون الله فوق أقوام بأعيانهم وحينئذ يلزم أن يكون تحت أقدام من يقابلهم وإما أن يكون فوق الكل فيكون فلكاً محيطاً بسائر الأفلاك وهذا لا يقوله مسلم.
والجواب الإلزامي بعد تسليم كون العالم كرة أنا نختار القسم الأول، ولا يلزم التحتية لأن التحت من جميع الجوانب هو ما يلي المركز، والفوق ما يلي السماء.
أو القسم الثاني ولا يلزم من إحاطته بجميع الأشياء كونه فلكاً كسائر الأفلاك، وأما التحقيق فقد مر.
ومنها أن لفظ الفوق في الآية مسبوق بالقهر ويراد به القدرة والمكنة وملحوق بلفظ عباده، وأنه مشعر بالمملوكية والمقدورية.
فالمناسب أن يراد بالفوق أيضاً فوقية القدرة ولا يلزم التكرار لأن المراد أن القهر والقدرة عام في حق الكل.
والجواب أن حمل الوسط على الطرفين أولى من العكس، بل لا نزاع في مفهوم العباد وإنما النزاع في مفهومي القاهرية والفوقية، وليس حمل أحدهما على الآخر أولى من غيره، ومنها أن الآية سيقت رداً على من اتخذ غير الله ولياً وهذا إنما يحسن لو كان المراد بالفوقية القدرة لا الجهة.
والجواب أن الفوقية بالوجه الذي قررناه في جواب الاعتراض الأول يفيد الاستعلاء المطلق وذلك يوجب أن يكون التعويل عليه في كل الأمور إذ لا وجود ولا ظهور لشيء من الأشياء إلا بفيضه ونوره.
وقد يلوح للمتأمل في هذه الأجوبة بعد التنزية عن التشبيه والتجسيم والحلول والاتحاد أسرار غامضة شريفة إن كان أهلاً لها "وكل ميسر لما خلق له" قال الكلبي: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد ما نرى أحداً يصدقك بما تقول من أمر الرسالة.
ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم فنزلت ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة ﴾ الآية.
قال العلماء: إنها دلت على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله.
ثم بيَّن أن شهادة الله حاصلة إلا أنها لم تدل على أن تلك الشهادة لإثبات أيّ المطالب فقيل: إنها لإثبات نبوة محمد لما ذكرنا من سبب النزول.
والمعنى قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة حتى يعترفوا بأن أكبر الأشياء شهادة هو الله ، فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهد لي بالنبوة بأن أظهر على وفق دعواي معجزاً هو القرآن الذي عجزتم معاشر الفصحاء والبلغاء عن معارضته.
وقيل: إن حصول هذه الشهادة في وحدانية الله وذلك أن الوحدانية ليست مما يتوقف صحته على صحة السمع فلا يمتنع إثباتها بالسمع والمعنى ﴿ قل الله شهيد بيني وبينكم ﴾ في إثبات الوحدانية والبراءة عن الأضداد والأنداد والأمثال والأشباه ﴿ وأوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ﴾ وأبلغكم أن الدين هو التوحيد والشرك مردود.
واستدل الجمهور بالآية على أنه يصح إطلاق الشيء على الله وخالف جهم محتجاً بقوله ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ إذ لا يمكن دعوى التخصيص فيه، فإن التخصيص إنما يجوز في صورة شاذة لا يلتفت إليها لقلة اعتبارها فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيهاً على أن البقية جارية مجرى العدم.
فلو كان الباري شيئاً لكان أعظم الأشياء وأشرفها فيكون إخراجه من هذا العموم محض الكذب.
وأيضاً احتج بأن الشيء يطلق على المعدوم لقوله ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ﴾ والشيء الذي سيفعله غداً معدوم في الحال، فالشيء لا يفيد صفة مدح فلا يطلق عليه.
والجواب عن الأول أن إخراجالأكثر من العموم جائز عندنا.
ولو سلم فإنه واحد من الأشياء، والمخرج بهذا الاعتبار أقل عدداً من الباقي.
وعن الثاني أن لفظ الشيء أعم الألفاظ، ومتى صدق الخاص كالذات، والحقيقة صدق العلم بالضرورة.
قال جهم ﴿ قل الله شهيد ﴾ جملة مستقلة بنفسهالا تعلق لها بما قبلها فلا يصح استدلالكم.
قلنا ﴿ قل أي شيء ﴾ سؤال ولا بد له من جواب.
وهو إما مذكور رأي قل الله أكبر الأشياء شهادة ثم ابتدىء فقيل شهيد أي وهو شهيد بيني وبينكم، أو محذوف والمعنى قل هو الله والله شهيد بيني وبينكم.
وحسن الحذف لأنه إذا سأل عن أكبر الأشياء شهادة وذكر بعد ذلك أن الله شهيد علم جزماً أن أكبر الأشياء شهادة هو الله أما قوله ﴿ ومن بلغ ﴾ فمعطوف على ضمير المخاطبين والعائد إلى من محذوف أي لأنذركم يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم.
وقيل: من الثقلين.
وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة.
وعن سعيد بن جبير من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً ، وقيل: ومن بلغ أي من احتلم وبلغ أوان التكليف، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار العائد.
ثم استفهم مبكتاً فقال ﴿ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ﴾ وصف الجمع بصفة الواحدة كما يقال: الرجال فعلت.
ثم دل على إيجاب التوحيد بثلاث جمل: أولاها ﴿ قل لا أشهد ﴾ أي بما تذكرونه من إثبات الشركاء، وثانيتها ﴿ قل إنما هو إله واحد ﴾ وكلمة "إنما" تفيد الحصر.
وثالثتها ﴿ وإنني بريء مما تشركون ﴾ ومن هنا قالت العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويضم إليهما التبري عن كل دين سوى دين الإسلام.
ولما زعم مشركو مكة أنهم سألوا اليهود والنصارى عن نعت محمد صلى الله عليه وآله فقالوا: ليس عندنا ذكره كذّبهم الله بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ﴾ أي يعرفون رسول الله بنعوته وحلاه الثابتة في الكتابين ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ بالنعوت والحلي لا يخفون عليهم ولا يشتبهون بغير أبنائهم.
﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ إما بدل أو بيان من "الذين" الأولى، ويكون المقصود وعيد المعاندين منهم والجاحدين.
وإما مبتدأ والكلام جملة مستأنفة شاملة لجميع الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين.
والمراد بخسران النفس الهلاك الدائم الذي يحصل لهم بسبب الكفر.
وقيل: ما من أحد إلا وله منزلة في الجنة إلا أن من كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورّث منزلته غيره.
ثم بيَّن سبب خسرانهم مستفهماً على سبيل الإنكار فقال ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم جمعوا بين أمرين متنافيين: إثبات الباطل وهو الافتراء على الله، وجحد الحق وهو التكذيب بآيات الله، فمن الأول أن المشركين كانوا يقولون للأصنام إنهم شركاء الله والله أمرهم بذلك، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، واليهود والنصارى كانوا يزعمون أن التوراة والإنجيل ناطقان بعدم النسخ.
وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة إلى غير ذلك من مفترياتهم.
ومن الثاني قدحهم في القرآن وفي صحة نبوة محمد ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه الباطل مكان الحق والحق بإزاء الباطل.
ثم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ وناصبه محذوف أي ويوم كذا كان كيت وكيت فترك ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في الوعيد.
ويحتمل أن يكون مفعول "واذكر" أو معطوفاً على محذوف أي لا يفلح الظالمون في الدنيا ويوم الحشر.
﴿ أين شركاؤكم ﴾ آلهتكم التي جعلتموهم شركاء ﴿ الذين كنتم تزعمون ﴾ هم شركاء فحذف المفعولان.
والمقصود من هذا الاستفهام التقريع والتبكيت، ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حيث لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم، ويجوز أن يحال بينهم وبين آلهتهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فتزداد حسرتهم، ويحتمل أن يقال: أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم؟
والغرض من جميع الوجوه أن يتقرر في نفوسهم أن الذي يظنونه مأيوس منه فيصير ذلك تنبيهاً لهم في الدنيا على فساد هذه الطريقة ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ من قرأ بالرفع على أنه اسم كان فالخبر ﴿ إلا أن قالوا ﴾ والتقدير شيئاً إلا أن قالوا ومن قرأ بالنصب مع تذكير يكن فبعكس ما قلنا.
والتقدير شيء إلا أن قالوا.
وأما مع تأنيث يكن فلوقوع الخبر مؤنثاً كقولهم: من كانت أمك.
أو بتأويل مقالتهم.
قال الواحدي: الاختيار قراءة من قرأ بالنصب لأن "أن" إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر.
وكما أن المضمر والمظهر إذا اجتمعا كقولك: إن كنت القائم.
كان جعل المضمر اسماً أولى من جعله خبراً فكذلك ههنا.
قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من وقف على معاني كلام العرب، وذلك أنه تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه، فذكر أن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به وقالوا إنه دين آبائنا لم تكن إلا الجحود والتبرؤ منه والحلف على عدم التدين به.
ومثاله أن ترى إنساناً يحب شخصاً مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه فيقال له: ما كانت محبتك أي عاقبة محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وتركته.
فعلى هذا فتنتهم في شركهم في الدنيا كما فسرها ابن عباس.
ولكن لا بد من تقدير مضاف وهو العاقبة، ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا: فسمي فتنة لأنه كذب، قال القاضيان: الجبائي وأبو بكر: إن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب لأنهم يعرفون الله بالاضطرار فيكونون ملجئين إلى ترك القبيح وكيف لا وإنهم يعلمون أن ذلك لا يروج منهم حينئذ ولا يستفيدون بذلك إلا زيادة المقت والغضب من الله عليهم؟
ولا يجوز أن يقال: إنهم لما عاينوا القيامة اختلت عقولهم واضطربت فلهذا قالوا الكذب، أو أنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا لأنه لا يليق بحكمته أن يوبخهم ثم يحكى عنهم ما يجري مجرى الاعتذار عند اختلال عقولهم.
ولأن تجويز نسيان أمر كان عليه الشخص مدة عمره نوع من السفسطة.
وأيضاً إنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على نوعين من القبيح فإن عوقبوا على ذلك صارتالآخرة دار التكليف وإن لم يعاقبوا كان إذناً من الله في ارتكاب الذنوب وكلاهما محال.
فإذا الوجه في الآية أن يقال: إن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم وظنونهم أنهم موحدون فأجابوا بقولهم ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ أي في اعتقادنا وظنوننا، وعلى هذا فيكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم كانوا غير مشركين عند أنفسهم فيجيب تأويل قوله تعالى ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ بأن المراد كذبهم في دار الدنيا كقولهم إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك وإن آلهتهم شفعاؤهم عند الله فلهذا قال ﴿ وضل عنهم ﴾ أي وانظر كيف غاب عنهم في الآخرة ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ أي يفتعلون إلهيته وشفاعته.
والحاصل أن الآية سيقت لبيان تضاد حاليهم في الدنيا وفي الآخرة بالكذب وبالصدق ولكن حيث لا ينفعهم الصدق لأن الصدق في الآخرة إنما يعتبر إذا كان مقروناً بالصدق في الدنيا، هذا جملة كلام القاضيين.
قال جمهور المفسرين: إن قول القائل المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا، وكيف كذبوا على أنفسهم في الدنيا مخالفة الظاهر وإن الكفار قد يكذبون في القيامة لقوله ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون ﴾ إلى قوله ﴿ ألا إنهم هم الكاذبون ﴾ ولو سلم أنهم لا يكذبون تعمداً إلا أن الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه حيرة ودهشاً، ألا تراهم يقولون ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 107\] وقد أيقنوا بالخلود؟
﴿ وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك ﴾ وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.
واختلال عقولهم حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع كمال عقلهم في سائر الأوقات.
التأويل: ما في الكون سوى الله، لا داع ولا مجيب فلهذا يسأل ويجيب ﴿ قل لمن ما في السموات والأرض قل لله ﴾ وله ما سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، وفي نهار الروحانية إلى المواهب الربانية، ﴿ وهو السميع ﴾ أنين من سكن إليه ﴿ العليم ﴾ بحنين من اشتاق إليه ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ اليوم ﴿ ولياً ﴾ وقد اتخذني الله في الأزل حبيباً ﴿ فاطر ﴾ سموات القلوب على محبته وفاطر أرض النفوس على عبوديته ﴿ وهو يطعم ﴾ أرواح العارفين طعام المشاهدات ويسقيهم كؤوس المكاشفات ﴿ ولا يطعم ﴾ لأنه لا يحتاج إلى قبول الفيض من غيره فالأنوار عنده كالذرّات ﴿ أول من أسلم ﴾ لأني خلصت من حبس الوجود بالكلية وحدي ولهذا يقول الأنبياء نفسي نفسي وأقول: أمتي أمتي ﴿ إن عصيت ربي ﴾ برؤية الغير يوم قدّر الشرك لاقوام والتوحيد لاقوام ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ إن دائرة أزليته متصلة بدائرة أبديته، وكل نقطة من الدائرة تصلح للبداية والنهاية، فكل ما صدر منه فلن ينتهي إلا به ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ قهر الكفار بموت القلوب فضلوا في ظلمات الطبيعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة فخرجوا من ظلمات الطبيعة، وقهر قلوب المحبين بلذعات الأشواق إلى يوم التلاق، وقهر أرواح الصديقين بسطوات الجلال في أوقات الوصال.
﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما يقهره فلا يخلو من حكمة ﴿ الخبير ﴾ بمن يتسأهل كل صنف من قهره فيقهره به ﴿ الله أكبر شهادة ﴾ لأنه محيط بحقائق الأشياء ولا يحيط به شيء من الأشياء ﴿ ومن بلغ ﴾ القرآن ووقف على حقائقه.
ويقول للمشركين ﴿ أئنكم لتشهدون ﴾ ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ يعني العلماء بالقرآن يعرفون الله أو النبي.
وفيه إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله مصدر جميع الأشياء ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ ويوم يحشرهم جميعا ﴾ يعني أهل المعرفة والنكرة ﴿ أين شركاؤكم ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ كذبوا على أنفسهم ﴾ في القيامة لأنهم كذبوا في الدنيا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ﴾ وفي حرف ابن مسعود - -: (ربّاً)؛ كأن هذا صلة قوله: ﴿ قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ ﴾ فإذا أقررتم أن ذلك كله لله فكيف تتخذون له شركاء فتعبدون غير الله وهو فاطر السماوات والأرض ومنشئهما ومنشئ ما فيهما، كيف صرفتم العبادة إلى غير الله؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ .
قال أهل التأويل: هو يرزق ولا يرزق، ليس كمن له عبيد في الشاهد يرزق بعضهم بعضاً، الموالي من العبيد، والعبيد من السادات، ينتفع بعضهم من بعض، فأما الله - وتعالى - خلق الخلق لا لمنفعة نفسه؛ لأنه غني بذاته، والخلق فقراء إليه؛ كقوله - -: ﴿ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ .
قال الحسن: أول من أسلم من قومه، وأصله: ﴿ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ أي: أمرت أن أسلم وأخضع أنا أولا، ثم آمركم بذلك.
واحتج بعض الناس بظاهر هذه الآية أن الإسلام لا يلزم إلا بالأمر والدعاء إليه، وقالوا: إن من مات قبل أن يؤمر به، وقبل أن يدعي إليه - فإنه لا شيء عليه، وعلى ذلك من مات في وقت الفترة وانقطاع الرسل والوحي؛ لأنّه قال: ﴿ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ أخبر أنه أمر بذلك، وإذا لم يكن ثَمَّ أمر لم يلزم، لكن الوجه في الآية ما ذكرنا، أي: أمرت أن أسلم وأخضع أولا ثم آمر غيري، فإذا كان التأويل هذا بطل أن يكون في ذلك حجة لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
قال ابن عباس - -: قل يا محمد لكفار أهل مكة: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ ﴾ ، أي: أعلم ﴿ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ فعبدت غيره، ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
هذا التأويل صحيح إن كان ما ذكر من سؤالهم رسول الله وعرضهم المال عليه ليعود ويرجع إلى دينهم، فيخرج هذا على الجواب لهم.
وقال بعضهم: قوله - -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ على الخوف، لكن لقائل أن يقول: كيف خاف عذاب يوم عظيم وقد أخبر أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟!
وكيف قال: ﴿ إِنْ عَصَيْتُ ﴾ وقد أخبر أنه عصمه وغفر له؟
قيل: يحتمل أن تكون المغفرة له على شرط الخوف، غفر له ليخاف عذابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ قال بعض المعتزلة: الرحمة هاهنا: الجنة؛ لأن الله - - جعل في الآخرة دارين؛ إحداهما: النار، سماها سخطاً.
والأخرى: الجنة، سماها رحمة.
وإنما حملهم على هذا أنهم لا يصفون الله بالرحمة في الأزل، فعلى قولهم يكون قول رسول الله : "إلا أن يتغمدني الله برحمته" ، أي: يثيبني الجنة.
ولكن سميت الجنة رحمة عندنا لما برحمته يدخلون الجنة، لا بأعمالهم؛ لما روينا عن رسول الله حيث قال: "لا يدخل أحد الجنة بعمله قيل: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وعلى قول المعتزلة فيكون الله بالملائكة رحيماً لأنه [.....] ولا ثواب، ولكن الوجه فيه ما ذكرنا أنها سميت رحمة لما برحمته يدخل فيها.
وعلى هذا يخرج ما سمي المطر رحمة لما برحمته ينزل، وكذلك كل ما سمي رحمة في الشاهد يخرج على ما ذكرنا، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ ﴾ .
قيل: من يصرف عنه العذاب يومئذ فقد رحمه، وكذلك روي في حرف حفصة: (من يصرف عنه العذاب فقد رحمه)، وفي حرف ابن مسعود: (من يصرف عنه شر ذلك اليوم فقد رحمه).
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ صلة قوله: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
وكذلك روي عن ابن عباس - - قال في قوله - -: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ ﴾ : قل لكفار أهل مكة حين دعوه إلى دينهم، على ما ذكر في بعض القصة: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .
وذلك الصرف - يعني: صرف العذاب - الفوز المبين، وإنما ذكره - والله أعلم - فوزاً مبيناً؛ لأنه فوز دائم، لا زوال له، وليس كفوز هذه الدنيا يكون في وقت ثم يزول عن قريب، ولا كذلك فوز الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ﴾ .
فيه إخبار أن ما يصيب العبد من الضرّ والخير إنما يصيب به، ثم الضر المذكور في الآية لا يخلو من أن يراد [به] سقم النفس، أو ضيق العيش، أو شدة وظلم يكون من العباد لا يخلو من هذه الأوجه الثلاثة، فإذا كان كذلك فدل إضافة ذلك إلى الله - - على أن لله فيه فعلا، وهو أن خلق فعل ذلك منهم، فهو على كل شيء قدير من كشف الضر له، والصرف عنه، وإصابة الخير لا يملك ذلك غيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ .
في هذه الآية والآية الأولى ذكر أهل التوحيد؛ لأنه أخبر أن ما يصيب العباد من الضر والشدة لا كاشف لذلك إلا هو، ولا يدفع ذلك عنهم ولا يصرفه إلا الله، وأن ما يصيبهم من الخير إنما يصيبهم بذلك الله، وأخبر أنه على كل شيء قدير.
وفي قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ إخبار أنه قاهر يقهر الخلق، عزيز، قادر، وله سلطان عليهم، وأنهم أذلاء تحت سلطانه.
وفي قوله: ﴿ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ إخبار بالعلوية، والعظمة، وبالتعالي عن أشباه الخلق.
﴿ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : يضع كل شيء موضعه.
﴿ ٱلْخَبِيرُ ﴾ : بما يسرون وما يعلنون، إخبار ألاَّ يخفى عليه شيء، وأنه يملك وضع كل شيء موضعه، وأن ما يصيبهم من الضر والشدة إنما يكون به، لا يملك أحد صرفه، وأن [ما] ضر أحد أحداً في الشاهد، أو نفع أحد أحداً إنما يكون ذلك بالله في الحقيقة.
وفي هذه الأحرف: إخبار عن أصل التوحيد وما يحتاج إليه لما ذكرنا من الوصف له بالقدرة والقهر، والوصف له بالعلو والعظمة، والتعالي عن أشباه الخلق، والوصف له بالحكمة في جميع أفعاله، والعلم بكل ما كان ويكون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ .
كأن في الآية إضماراً - والله أعلم - أي ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ، فيقولون: الله؛ لأنهم كانوا يقرون أنه خالق السماوات والأرض، وأنه أعظم من كل شيء؛ لكنهم يشركون غيره في عبادته، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ وإلا كانوا يقرون بالعظمة له والجلال، فإذا سئلوا: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ، فيقولون: الله.
ويحتمل - أيضاً - أن يقول لنبيّه إنهم إذا سألوا: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ؟
قل: الله، فإنك إذا قلت لهم ذلك يقولون هم أيضاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ .
في كل اختلاف بيننا وبينكم في التوحيد، والبعث بعد الموت، ونحوه.
ويحتمل: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ في كل حجة وبرهان أتاهم الرسول به.
وفي قوله: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ ﴾ دلالة أنه يقال له شيء؛ لأنه لو لم يجز أن يقال له شيء لم يستثن الشيء منه، وكذلك في قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ أنه شيء؛ لأن "لا شيء" في الشاهد، إنما يقال إما للنفي أو للتصغير، ولا يجوز في الغائب النفي ولا التصغير؛ فدل أنه إنما يراد بـ "الشيء" الإثبات لا غير وبالله العصمة.
ذكر في بعض القصّة في قوله: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ أن رؤساء مكة أتوا رسول الله، فقالوا: يا محمد، أما وجد الله رسولا يرسله غيرك، ما ترى أحداً يصدقك بما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، ولا صفة، ولا مبعث، فأرنا من شهد لك أنك رسول الله [كما تزعم].
فقال الله - -: يا محمد، قل لهم: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ، يقول: أعظم شهادة؛ يعني: البرهان، محمد حجة وبرهان، فإن أجابوك فقالوا: الله، وإلا فقل لهم: الله أكبر شهادة من خلقه أني رسوله، والله شهيد بيني وبينكم في كل اختلاف بيننا وبينكم، في التوحيد، وإثبات الرسالة، والبعث، وكل شيء.
وذكر في هذه القصة أنهم لما قالوا: من يشهد أن الله أرسلك رسولا، قالوا: فهلا أنزل إليك ملك.
فقال الله لنبيّه: [قل لهم: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ؟
فقالوا: الله أكبر شهادة من غيره، فقال الله:] قل لهم يا محمد: الله شهيد بيني وبينكم أني رسول الله، وأنه أوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به، ومن بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.
ثم قال لهم: ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ﴾ ، قالوا: نعم، نشهد.
فقال الله لنبيّه: قل لهم: لا أشهد بما شهدتهم، ولكن أشهد أنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾ .
كأنه قال: أوحي إليَّ هذا القرآن الذي تعرفون أنه من عند الله جاء؛ لأنه قال لهم: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ فعجزوا عن إتيان مثله، فدل عجزهم عن إتيان مثله أنهم عرفوا أنه جاء من عند الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾ : لا ينذر بالقرآن ولكن ينذر بما في القرآن؛ لأنه فيه أنباء ما حل بأشياعهم بتكذيبهم الرسل، وما يحل بهم من العذاب في الآخرة بتكذيبهم الرسل، وإلا فظاهر القرآن ليس مما ينذر به، ﴿ وَمَن بَلَغَ ﴾ كأنه قال: وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به، وأنذر من بلغه القرآن، صار رسول الله نذيراً ببلوغ القرآن لمن بلغه، فإذا [صار] نذيراً به لمن بلغه وإن كان هو في أقصى الدنيا يصير هو نذيراً في أقصى الزمان، في كل زمان، وهو - والله أعلم - كقوله - -: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ ، ورسول الله هاد لقومه إلى يوم القيامة.
وفي الآية دلالة أن البشارة والنذارة يكونان ببعث آخر يبشر أو ينذر، وهو دليل لقول أصحابنا: إن من حلف: أيُّ عبدٍ من عبيدي بَشَّرَنِي بكذا فهو حرّ، فبشره [برسول، أو بكتاب] يكون بشارة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ﴾ فهذا في الظاهر استفهام، ولكنه في الحقيقة إيجاب أنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى، بعد ما ظهر عندكم آيات وحدانيته، وحجج ربوبيته لما عرفتم أنه خالقكم وخالق السماوات والأرض، به تعيشون وبه تحيون، وبه تموتون، مع ما ظهر لكم هذا أشركتم مع الله آلهة أخرى، وليس ذلك لكم مما تشركون في عبادته وألوهيته، وأنا لا أشهد، وإنما أشهد أنه إله واحد وإنني بريء مما تشركون [في ألوهيته وربوبيته].
<div class="verse-tafsir"
وإن يَنَلْكَ -يا ابن آدم- من الله بلاء فلا دافع للبلاء عنك إلا الله، وإن يَنَلْكَ منه خير فلا مانع له من ذلك، ولا رَادَّ لفضله، فهو القادر على كل شيء ولا يعجزه شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.V9NL6"