الآية ١٩ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٩ من سورة الأنعام

قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةًۭ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 112 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

م قال : ( قل أي شيء أكبر شهادة ) أي : من أعظم الأشياء [ شهادة ] ( قل الله شهيد بيني وبينكم ) أي : هو العالم بما جئتكم به ، وما أنتم قائلون لي : ( وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) أي : وهو نذير لكل من بلغه ، كما قال تعالى : ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) [ هود : 17 ] .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا وكيع وأبو أسامة وأبو خالد ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب في قوله : ( ومن بلغ ) [ قال ] من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - - زاد أبو خالد : وكلمه .

ورواه ابن جرير من طريق أبي معشر ، عن محمد بن كعب قال : من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة في قوله : ( لأنذركم به ومن بلغ ) إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " بلغوا عن الله ، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله " .

وقال الربيع بن أنس : حق على من اتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو كالذي دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن ينذر كالذي أنذر .

وقوله : ( أئنكم لتشهدون ) [ أي ] أيها المشركون ( أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد ) كما قال تعالى : ( فإن شهدوا فلا تشهد معهم ) [ الأنعام : 150 ] ( قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين الذين يكذّبون ويجحدون نبوَّتك من قومك: أيُّ شيء أعظم شهادة وأكبر؟

ثم أخبرهم بأن أكبر الأشياء شهادة: " الله "، الذي لا يجوز أن يقع في شهادته ما يجوز أن يقع في [شهادة] غيره من خلقه من السهو والخطأ، والغلط والكذب.

(1) ثم قل لهم: إن الذي هو أكبر الأشياء شهادة، شهيدٌ بيني وبينكم, بالمحقِّ منا من المبطل، والرشيد منا في فعله وقوله من السفيه, وقد رضينا به حكمًا بيننا.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل: * ذكر من قال ذلك: 13116 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " أيّ شيء أكبر شهادة " ، قال: أمر محمد أن يسأل قريشًا, ثم أمر أن يخبرهم فيقول: " الله شهيد بيني وبينكم " .

13117- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, نحوه .

* * * القول في تأويل قوله : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك: اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ =" وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به " عقابَه, وأُنذر به من بَلَغه من سائر الناس غيركم = إن لم ينته إلى العمل بما فيه، وتحليل حلاله وتحريم حرامه، والإيمان بجميعه = نـزولَ نقمة الله به.

(2) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك : 13118 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " أيّ شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ " ، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: يا أيها الناس، بلِّغوا ولو آية من كتاب الله, فإنه من بَلَغه آيةٌ من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله, أخذه أو تركه.

(3) 13119- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " لأنذركم به ومن بلغ " ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بلِّغوا عن الله, فمن بلغه آيه من كتاب الله, فقد بلغه أمر الله.

13120 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب القرظي: " لأنذركم به ومن بلغ " ، قال: من بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم قرأ: " ومن بلغ أئنكم لتشهدون ".

13121 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن , عن حسن بن صالح قال: سألت ليثًا: هل بقي أحدٌ لم تبلغه الدعوة ؟

قال: كان مجاهد يقول: حيثما يأتي القرآنُ فهو داعٍ، وهو نذير.

ثم قرأ: " لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون ".

13122 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ومن بلغ " ، من أسلم من العجم وغيرهم .

13123- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

13124- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا خالد بن يزيد قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب في قوله: " لأنذركم به ومن بلغ " ، قال: من بلغه القرآن, فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم .

13125 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به " ، يعني أهل مكة =" ومن بلغ " ، يعني: ومن بلغه هذا القرآن، فهو له نذير.

13126- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت سفيان الثوري يحدّث, لا أعلمه إلا عن مجاهد: أنه قال في قوله: " وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به "، العرب =" ومن بلغ "، العجم.

13127 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " لأنذركم به ومن بلغ " ، أما " من بلغ "، فمن بلغه القرآن فهو له نذير.

13128 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: " وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ " ، قال يقول: من بلغه القرآن فأنا نذيره.

وقرأ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [سورة الأعراف: 158] .

قال: فمن بلغه القرآن, فرسول الله صلى الله عليه وسلم نذيره .

* * * قال أبو جعفر: فمعنى هذا الكلام: لأنذركم بالقرآن، أيها المشركون، وأنذر من بلغه القرآن من الناس كلهم.

* * * ف " من " في موضع نصب بوقوع " أنذر " عليه," وبلغ " في صلته, وأسقطت " الهاء " العائدة على " من " في قوله: " بلغ "، لاستعمال العرب ذلك في صلات " مَن " و " ما " و " الذي".

(4) القول في تأويل قوله : أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المشركين، الجاحدين نبوَّتك, العادلين بالله، ربًّا غيره: " أئنكم "، أيها المشركون =" لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ", يقول: تشهدون أنّ معه معبودات غيره من الأوثانَ والأصنام.

* * * وقال: " أُخْرَى "، ولم يقل " أخَر "، و " الآلهة " جمع, لأن الجموع يلحقها، التأنيث, (5) كما قال تعالى : فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى [سورة طه: 51] ، ولم يقل: " الأوَل " ولا " الأوَّلين ".

(6) * * * ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل " ، يا محمد =" لا أشهد "، بما تشهدون: أن مع الله آلهة أخرى, بل أجحد ذلك وأنكره =" قل إنما هو إله واحد " ، يقول: إنما هو معبود واحد, لا شريك له فيما يستوجب على خلقه من العبادة =" وإنني بريء مما تشركون " ، يقول: قل: وإنني بريء من كلّ شريك تدعونه لله، وتضيفونه إلى شركته، وتعبدونه معه, لا أعبد سوى الله شيئًا، ولا أدعو غيره إلهًا.

* * * وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في قوم من اليهود بأعيانهم، من وجه لم تثبت صحته، وذلك ما:- 13129 - حدثنا به هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس قال، جاء النحَّام بن زيد، وقردم بن كعب، وبحريّ بن عمير فقالوا: يا محمد، ما تعلم مع الله إلهًا غيرَه؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إله إلا الله، بذلك بعثت, وإلى ذلك أدعو!

فأنـزل الله تعالى فيهم وفي قولهم: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إلى قوله: لا يُؤْمِنُونَ .

(7) ------------------ الهوامش : (1) الزيادة بين القوسين لا بد منها للسياق.

(2) قوله: "نزول" منصوب ، مفعول به لقوله قبله: "وأنذر به من بلغه".

= وانظر تفسير"الوحي" فيما سلف ص: 217 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(3) في المخطوطة: "أخذه أو تاركه" ، وجائر أن تقرأ: "آخذه أو تاركه".

(4) انظر معاني القرآن 1: 329.

(5) انظر تفسير"أخرى" فيما سلف 3: 459/6: 173.

(6) انظر معاني القرآن للفراء 1: 329.

(7) الأثر: 13129 - سيرة ابن هشام 2: 217 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 12284.هذا ، وقد مر هذا الإسناد مئات من المرات ، وهو إسناد أبي جعفر إلى ابن إسحق ، ثم من ابن إسحق إلى ابن عباس ، وهذه أول مرة يذكر أبو جعفر أن هذا الإسناد لم تثبت صحته عنده ، كما قدم قبل ذكره.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل أي شيء أكبر شهادة وذلك أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : من يشهد لك بأنك رسول الله فنزلت الآية ; عن الحسن وغيره .

ولفظ شيء هنا واقع موقع اسم الله تعالى ; المعنى الله أكبر شهادة أي انفراده بالربوبية ، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم ; فهو شهيد بيني وبينكم على أني قد بلغتكم وصدقت فيما قلته وادعيته من الرسالة .

وأوحي إلي هذا القرآن أي : والقرآن شاهد بنبوتي .

لأنذركم به يا أهل مكة .

ومن بلغ أي : ومن بلغه القرآن .

فحذف ( الهاء ) لطول الكلام .

وقيل : ومن بلغ الحلم .

ودل بهذا على أن من لم يبلغ الحلم ليس بمخاطب ولا متعبد .

وتبليغ القرآن والسنة مأمور بهما ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغهما ; فقال : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك .

وفي صحيح البخاري ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار .

وفي الخبر أيضا ; من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذ به أو تركه .

وقال مقاتل : من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له .

وقال القرظي : من بلغه القرآن فكأنما قد رأى محمدا صلى الله عليه وسلم وسمع منه .

وقرأ أبو نهيك : ( وأوحي إلي هذا القرآن ) مسمى الفاعل ; وهو معنى قراءة الجماعة .

أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى استفهام توبيخ وتقريع .

وقرئ ( أئنكم ) بهمزتين على الأصل .

وإن خففت الثانية قلت : ( أينكم ) .

وروى الأصمعي عن أبي عمرو ونافع ( آئنكم ) ; وهذه لغة معروفة ، تجعل بين الهمزتين ألف ، كراهة لالتقائهما ; قال الشاعر ( ذو الرمة ) :أيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النقا آأنت أم أم سالمومن قرأ " إنكم " على الخبر فعلى أنه قد حقق عليهم شركهم .

وقال : آلهة أخرى ولم يقل : ( أخر ) ; قال الفراء : لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث ; ومنه قوله : [ ص: 311 ] ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ، وقوله : فما بال القرون الأولى ولو قال : الأول والآخر صح أيضا .

قل لا أشهد أي : فأنا لا أشهد معكم فحذف لدلالة الكلام عليه ، ونظيره فإن شهدوا فلا تشهد معهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قُلْ } لهم -لما بينا لهم الهدى، وأوضحنا لهم المسالك-: { أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً } على هذا الأصل العظيم.

{ قُلِ اللَّهُ } أكبر شهادة، فهو { شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } فلا أعظم منه شهادة، ولا أكبر، وهو يشهد لي بإقراره وفعله، فيقرني على ما قلت لكم، كما قال تعالى { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ } فالله حكيم قدير، فلا يليق بحكمته وقدرته أن يقر كاذبا عليه، زاعما أن الله أرسله ولم يرسله، وأن الله أمره بدعوة الخلق ولم يأمره، وأن الله أباح له دماء من خالفه، وأموالهم ونساءهم، وهو مع ذلك يصدقه بإقراره وبفعله، فيؤيده على ما قال بالمعجزات الباهرة، والآيات الظاهرة، وينصره، ويخذل من خالفه وعاداه، فأي: شهادة أكبر من هذه الشهادة؟\" وقوله: { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } أي وأوحى الله إليَّ هذا القرآن الكريم لمنفعتكم ومصلحتكم، لأنذركم به من العقاب الأليم.

والنذارة إنما تكون بذكر ما ينذرهم به، من الترغيب، والترهيب، وببيان الأعمال، والأقوال، الظاهرة والباطنة، التي مَن قام بها، فقد قبل النذارة، فهذا القرآن، فيه النذارة لكم أيها المخاطبون، وكل من بلغه القرآن إلى يوم القيامة، فإن فيه بيان كل ما يحتاج إليه من المطالب الإلهية.

لما بيّن تعالى شهادته التي هي أكبر الشهادات على توحيده، قال: قل لهؤلاء المعارضين لخبر الله، والمكذبين لرسله { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ } أي: إن شهدوا، فلا تشهد معهم.

فوازِنْ بين شهادة أصدق القائلين، ورب العالمين، وشهادة أزكى الخلق المؤيدة بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة، على توحيد الله وحده لا شريك له، وشهادة أهل الشرك، الذين مرجت عقولهم وأديانهم، وفسدت آراؤهم وأخلاقهم، وأضحكوا على أنفسهم العقلاء.

بل خالفوا بشهادة فطرهم، وتناقضت أقوالهم على إثبات أن مع الله آلهة أخرى، مع أنه لا يقوم على ما قالوه أدنى شبهة، فضلا عن الحجج، واختر لنفسك أي: الشهادتين، إن كنت تعقل، ونحن نختار لأنفسنا ما اختاره الله لنبيه، الذي أمرنا الله بالاقتداء به، فقال: { قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ } أي: منفرد، لا يستحق العبودية والإلهية سواه، كما أنه المنفرد بالخلق والتدبير.

{ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } به، من الأوثان، والأنداد، وكل ما أشرك به مع الله.

فهذا حقيقة التوحيد، إثبات الإلهية لله ونفيها عما عداه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( قل أي شيء أكبر شهادة ) ؟

الآية ، قال الكلبي : أتى أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أرنا من يشهد أنك رسول الله فإنا لا نرى أحدا يصدقك ، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر ، فأنزل الله تعالى : ( قل أي شيء أكبر ) أعظم ، ( شهادة ) ؟

فإن أجابوك ، وإلا ( قل الله ) هو ( شهيد بيني وبينكم ) على ما أقول ، ويشهد لي بالحق وعليكم بالباطل ، ( وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ) لأخوفكم به يا أهل مكة ، ( ومن بلغ ) يعني : ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم من الأمم إلى يوم القيامة .

حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد بن الحنفي أنا محمد بن بشر بن محمد المزني أنا أبو بكر محمد بن الحسن بن بشر النقاش أنا أبو شعيب الحراني أنا يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلي أنا الأوزاعي حدثني حسان بن عطية عن أبي كبشة [ السلولي ] عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " .

أخبرنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها .

فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصيحة للمسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم " .

قال مقاتل : من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له ، وقال محمد بن كعب القرظي : من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وسلم وسمع منه ، ( أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ) ؟

ولم يقل " أخر " لأن الجمع يلحقه التأنيث ، كقوله عز وجل : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) ( الأعراف ، 180 ) ، وقال : ( فما بال القرون الأولى ) .

( طه ، 51 ) ( قل ) يا محمد إن شهدتم أنتم ف ( لا أشهد ) ، أنا أن معه إلها ، ( قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إئتنا بمن يشهد لك بالنبوة فإن أهل الكتاب أنكروك «قل» لهم «أيُّ شيءٍ أكبر شهادة» تمييز محول عن المبتدأ «قل اللهُ» إن لم يقولوه لا جواب غيره، وهو «شهيد بيني وبينكم» على صدقي «وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم» أخوفكم يا أهل مكة «به ومن بلغ» عطف على ضمير أنذركم أي بلغة القرآن عن الأنس والجن «أئنَّكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى» إستفهام إنكاري «قل» لهم «لا أشِهدُ» بذلك «قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون» معه من الأصنام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول لهؤلاء المشركين-: أيُّ شيء أعظم شهادة في إثبات صدقي فيما أخبرتكم به أني رسول الله؟

قل: الله شهيد بيني وبينكم أي: هو العالم بما جئتكم به وما أنتم قائلونه لي، وأوحى الله إليَّ هذا القرآن مِن أجل أن أنذركم به عذابه أن يحلَّ بكم، وأنذر به مَن وصل إليه من الأمم.

إنكم لتقرون أن مع الله معبودات أخرى تشركونها به.

قل لهم -أيها الرسول-: إني لا أشهد على ما أقررتم به، إنما الله إله واحد لا شريك له، وإنني بريء من كل شريك تعبدونه معه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله : نبيه صلى الله عليه وسلم : فى بيان رائع حكيم ، أن يسأل المشركين عن أى شىء فى هذا الكون أعظم وأزكى شهادة بحيث تقبل شهادته ولا ترد فقال - تعالى - : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } .روى بعض المفسرين أن أهل مكة قالوا : يا محمد ، أرنا من يشهد أنك رسول الله ، فإنا لا نرى أحدا نصدقه ، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر ، فأنزل الله - تعالى - : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } .أى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يخاصمونك فيما تدعو إليه : أى شىء فى هذا الوجود شهادته أكبر شهادة وأعظمها بحيث تقبلونها عن تسليم وإذعان؟

ثم أمره أن يجيبهم على هذا السؤال بالحقيقة التى لا يمارى فيها عاقل وهى أن شهادة الله هى أكبر شهادة وأقواها وأزكاها ، لأنها شهادة من يستحيل عليه الكذب أو الخطأ ، وقد شهد - سبحانه - : بصدقى فيما أبلغه عنه فلماذا تعرضون عن دعوتى ، وتتنكبون الطريق المستقيم؟وصدرت الآية الكريمة بقل وبصيغة الاستفهام تنبيهاً إلى جلال الشاهد ، وإلى سلامة دعوى النبى صلى الله عليه وسلم لكى يدركوا ما فيها من حق وما هم فيه من ضلال .وأوثرت كلمة " شىء " فى قوله - تعالى - : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً } لأنها تفيد الشمول والإحاطة والاستقصاء .قال صاحب الكشاف : ما ملخصه قوله - تعالى - : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } أراد : أى شهيد أكبر شهادة ، فوضع شيئاً مقام شهيد ليبالغ فى التعميم ، ويحتمل أن يكون تمام الجواب عنه قوله : { قُلِ الله } بمعنى : الله أكبر شهادة ، ثم ابتدأ .

{ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } أى : هو شهيد بينى وبينكم .

وأن يكون { الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } هو الجواب ، لدلالته على أن الله - تعالى - : { إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم فأكبر شىء شهادة من هو شهيد له ) .والمراد بشهادة الله ما جاء فى آياته القرآنية من أنه - سبحانه - : قد أرسل رسوله محمدا { بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ } ثم بين - سبحانه - : أن القرآن هو المعجزة الخالدة للنبى صلى الله عليه وسلم فقال : { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ } .أى : أن الله - تعالى - : قد أنزل هذا القرآن عن طريق وحيه الصادق ، لأنذركم به يا أهل مكة ، ولأنذر به - أيضاً - جميع من بلغه هذا الكتاب الكريم ووصلت إليه دعوته من العرب والعجم فى كل زمان ومكان إلى يوم القيامة .فهذه الجملة تدل على عموم بعثة النبى صلى الله عليه وسلم كما تدل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ، وتعم - أيضاً - الذين وجدوا بعد نزوله وبلغتهم دعوته .

ولم يروا النبى صلى الله عليه وسلم ففى الحديث الشريف :" بلغوا عن الله - تعالى - فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله " .وعن محمد بن كعب قال : " من بلغه القرآن فكأنما رأى النبى صلى اله عليه وسلم وذلك لأن القرآن الكريم لما كان متواترا بلفظه ومعناه ، كان من بلغه فعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم : كأنما سمعه منه وإن كثرت الوسائط ، لأنه هو الذى بلغه بلا زيادة ولا نقصان ، أما من لم تبلغه دعوة القرآن فلا يصدق عليه أنه بلغته الدعوة ، وحينئذ لا يكون مخاطبا بتعاليم هذا الدين ، وإثمه يكون فى أعناق الذين قصروا فى تبليغ دعوة الإسلام إليه .ثم أمره - سبحانه - أن يستنكر ما عليه المشركون من كفر وإلحاد ، وأن يعلن براءته منهم ومن معبوداتهم فقال - تعالى - : { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الله آلِهَةً أخرى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } .أى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : إذا كنتم قد ألغيتم عقولكم .

وترديتم فى مهاوى الشرك والضلال ، وشهدتم بأن مع الله آلهة أخرى ، فإنى برىء منكم ومن أعمالكم القبيحة ، ومحال أن أشهد بما شهدتم به ، وإنما الذى أشهد به وأعتقده ، أن الله - تعالى - واحد لا شريك له ، وإننى بعيد كل البعد عن ضلالكم وجحودكم .والاستفهام فى قوله { أَئِنَّكُمْ } إنكارى ، جىء به لاستقباح ما وقع منهم من شرك ، وأكد قوله { لَتَشْهَدُونَ } للإشارة إلى تغلغل الضلال فى نفوسهم ، واستيلاء الجحود على قلوبهم .وعبر عن أوثانهم بأنها { آلِهَةً أخرى } مجاراة لهم فى زعمهم الباطل ومبالغة فى توبيخهم والتهكم بهم .وفى أمره - سبحانه - لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصارحهم بأنه لا يشهد بشهادتهم " قل : لا أشهد " توبيخ لهم على جهالتهم ، وتوجيه لأتباعه إلى الافتداء به فى شجاعته أمام الباطل ، وفى ثباته على مبدئه .وقد تضمن قوله - تعالى - : { قُلْ إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } اعتراف كامل بوحدانية الله ، وقصرها عليه - سبحانه - ، وتصريح بالبراءة التامة من الأوثان وعابديها ، وتنديد شديد بهذا العمل الباطل .وبذلك تكون الآية الكريمة قد تضمنت شهادة من الله - تعالى - بأن رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم صادق فى رسالته ، وشهادة من هذا الرسول الكريم بأن الله واحد لا شريك له ، وأنه برىء من إلحاد الملحدين وكفر الكافرين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: أعلم أن الآية تدل على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله تعالى.

ثم بيّن أن شهادة الله حاصلة إلا أن الآية لم تدل على أن تلك الشهادة حصلت في إثبات أي المطالب فنقول: يمكن أن يكون المراد حصول شهادة الله في ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن يكون المراد حصول هذه الشهادة في ثبوت وحدانية الله تعالى.

أما الاحتمال الأول: فقد روى ابن عباس أن رؤساء أهل مكة قالوا يا محمد ما وجد الله غيرك رسولاً وما نرى أحداً يصدقك وقد سألنا اليهود والنصارى عنك فزعموا أنه لا ذكر لك عندهم بالنبوة فأرنا من يشهد لك بالنبوة، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة من الله حتى يعترفوا بالنبوة، فإن أكبر الأشياء شهادة هو الله سبحانه وتعالى فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهيد لي بالنبوة لأنه أوحي إليّ هذا القرآن وهذا القرآن معجز، لأنكم أنتم الفصحاء والبلغاء وقد عجزتم عن معارضته فإذا كان معجزاً، كان إظهار الله إياه على وفق دعواي شهادة من الله على كوني صادقاً في دعواي.

والحاصل: أنهم طلبوا شاهداً مقبول القول يشهد على نبوته فبين تعالى أن أكبر الأشياء شهادة هوالله، ثم بيّن أنه شهد له بالنبوة وهو المراد من قوله: ﴿ وأحِيَ إليَّ هذا القُرءان لأُنذِرَكُم بِهِ ومن بَلَغَ ﴾ فهذا تقرير واضح.

وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون المراد حصول هذه الشهادة في وحدانية الله تعالى.

فاعلم أن هذا الكلام يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمة، وهي أنا نقول: المطالب على أقسام ثلاثة: منها ما يمتنع إثباته بالدلائل السمعية فإن كل ما يتوقف صحة السمع على صحته امتنع إثباته بالسمع، وإلا لزم الدور.

ومنها ما يمتنع إثباته بالعقل وهو كل شيء يصح وجوده ويصح عدمه عقلاً، فلا امتناع في أحد الطرفين أصلاً، فالقطع على أحد الطرفين بعينه لا يمكن إلا بالدليل السمعي، ومنها ما يمكن إثباته بالعقل والسمع معاً، وهو كل أمر عقلي لا يتوقف على العلم به، فلا جرم أمكن إثباته بالدلائل السمعية.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ قُلِ الله شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ في إثبات الوحدانية والبراءة عن الشركاء والاضداد والأنداد والأمثال والأشباه.

ثم قال: ﴿ وأحِيَ إليَّ هذا القُرءان لأُنذِرَكُم بِهِ ومن بَلَغَ ﴾ أي إن القول بالتوحيد هو الحق الواجب، وأن القول بالشرك باطل مردود.

المسألة الثانية: نقل عن جهم أنه ينكر كونه تعالى شيئاً.

واعلم أنه لا ينازع في كونه تعالى ذاتاً موجوداً وحقيقة إلا أنه ينكر تسميته تعالى بكونه شيئاً، فيكون هذا خلافاً في مجرد العبارة.

واحتج الجمهور على تسمية الله تعالى بالشيء بهذه الآية وتقريره أنه قال أي الأشياء أكبر شهادة ثم ذكر في الجواب عن هذا السؤال قوله: ﴿ قُلِ الله ﴾ وهذا يوجب كونه تعالى شيئاً، كما أنه لو قال: أي الناس أصدق، فلو قيل: جبريل، كان هذا الجواب خطأ لأن جبريل ليس من الناس فكذا هاهنا.

فإن قيل: قوله: ﴿ قُلِ الله شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ كلام تام مستقبل بنفسه لا تعلق له بما قبله لأن قوله: ﴿ الله ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ خبره، وهو جملة تامة مستقلة بنفسها لا تعلق لها بما قبلها.

قلنا الجواب في وجهين: الأول: أن نقول قوله: ﴿ قُلْ أَىُّ شَيء أَكْبَرُ شهادة ﴾ لا شك أنه سؤال ولا بدّ له من جواب: إما مذكور، وإما محذوف.

فإن قلنا الجواب مذكور: كان الجواب هو قوله: ﴿ قل الله ﴾ وهاهنا يتم الكلام.

فأما قوله: ﴿ شهيد بيني وبينكم ﴾ فهاهنا يضمر مبتدأ، والتقدير، هو شهيد بيني وبينكم، وعند هذا يصح الاستدلال المذكور وأما إن قلنا: الجواب محذوف فنقول: هذا على خلاف الدليل، وأيضاً فبتقدير أن يكون الجواب محذوفاً، إلا أن ذلك المحذوف لابد وأن يكون أمراً يدل المذكور عليه ويكون لائقاً بذلك الموضع.

والجواب اللائق بقوله: ﴿ أَىُّ شَيء أَكْبَرُ شهادة ﴾ هو أن يقال: هو الله، ثم يقال بعده ﴿ الله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ وعلى هذا التقدير فيصح الاستدلال بهذه الآية أيضاً على أنه تعالى يسمى باسم الشيء فهذا تمام تقرير هذا الدليل.

وفي المسألة دليل رخر وهو قوله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ  ﴾ والمراد بوجهه ذاته، فهذا يدل على أنه تعالى استثنى ذات نفسه من قوله: ﴿ كُلّ شَيء ﴾ والمستثنى يجب أن يكون داخلاً تحت المستثنى منه، فهذا يدل على أنه تعالى يسمى باسم الشيء.

واحتج جهم على فساد هذا الاسم بوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء  ﴾ والمراد ليس مثل مثله شيء وذات كل شيء مثل مثل نفسه فهذا تصريح بأن الله تعالى لا يسمى باسم الشيء ولا يقال الكاف زائدة، والتقدير: ليس مثله شيء لأن جعل كلمة من كلمات القرآن عبثاً باطلاً لا يليق بأهل الدين المصير إليه إلا عند الضرورة الشديدة.

والثاني: قوله تعالى: ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ ولو كان تعالى مسمى بالشيء لزم كونه خالقاً لنفسه وهو محال، لا يقال: هذا عام دخله التخصيص لأنا نقول: إدخال التخصيص إنما يجوز في صورة نادرة شاذة لا يؤبه بها ولا يلتفت إليها، فيجري وجودها مجرى عدمها، فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيهاً على أن البقية جارية مجرى العدم ومن المعلوم أن الباري تعالى لو كان مسمى باسم الشيء لكان هو تعالى أعظم الأشياء وأشرفها، وإطلاق لفظ الكل مع أن يكون هذا القسم خارجاً عنه يكون محض كذب ولا يكون من باب التخصيص.

الثالث: التمسك بقوله: ﴿ والله الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا  ﴾ والاسم إنما يحسن لحسن مسماه وهو أن يدل على صفة من صفات الكمال نعت من نعوت الجلال ولفظ الشيء أعم الأشياء فيكون مسماه حاصلاً في أحسن الأشياء وفي أرذلها ومتى كان كذلك لم يكن المسمى بهذا اللفظ صفة من صفات الكمال ولا نعتاً من نعوت الجلال فوجب أن لا يجوز دعوة الله تعالى بهذا الاسم لأن هذا الاسم لما لم يكن من الأسماء الحسنى والله تعالى أمر بأن يدعى بالأسماء الحسنى وجب أن لا يجوز دعاء الله تعالى بهذا الاسم وكل من منع من دعاء الله بهذا الاسم قال: إن هذا اللفظ ليس اسماً من أسماء الله تعالى ألبتة.

الرابع: أن اسم الشيء يتناول المعدوم، فوجب أن لا يجوز إطلاقه على الله تعالى بيان الأول: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً  ﴾ سمى الشيء الذي سيفعله غداً باسم الشيء في الحال والذي سيفعله غدا يكون معدوماً في الحال فدل ذلك على أن اسم الشيء يقع على المعدوم.

وإذا ثبت هذا فقولنا: إنه شيء لا يفيد امتياز ذاته عن سائر الذوات بصفة معلومة ولا بخاصة متميزة ولا يفيد كونه موجوداً فيكون هذا لفظاً لا يفيد فائدة في حق الله تعالى ألبتة، فكان عبثاً مطلقاً، فوجب أن لا يجوز إطلاقه على الله تعالى.

والجواب عن هذه الوجوه أن يقال: لما تعارضت الدلائل.

فنقول: لفظ الشيء أعم الألفاظ، ومتى صدق الخاص صدق العام، فمتى صدق فيه كونه ذاتاً وحقيقة وجب أن يصدق عليه كونه شيئاً وذلك هو المطلوب والله أعلم.

أما قوله: ﴿ وأحِيَ إليَّ هذا القُرءان لأُنذِرَكُم بِهِ ومن بَلَغَ ﴾ فالمراد أنه تعالى أوحى إليّ هذا القرآن لأنذركم به، وهو خطاب لأهل مكة، وقوله دومن بلغ ذ عطف على المخاطبين من أهل مكة أي لأنذركم به، وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، وقيل من الثقلين، وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة، وعن سعيد بن جبير: من بلغه القرآن، فكأنما رأى محمداً صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا التفسير فيحصل في الآية حذف، والتقدير: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به، ومن بلغه هذا القرآن إلا أن هذا العائد محذوف لدلالة الكلام عليه، كما يقال الذي رأيت زيد، والذي ضربت عمرو.

وفي تفسير قوله: ﴿ وَمَن بَلَغَ ﴾ قول آخر، وهو أن يكون قوله: ﴿ وَمَن بَلَغَ ﴾ أي ومن احتلم وبلغ حد التكليف، وعند هذا لا يحتاج إلى إضمار العائد إلا أن الجمهور على القول الأول.

أما قوله: ﴿ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإني برئ مما تشركون ﴾ فنقول: فيه بحثان.

البحث الأول: قرأ ابن كثير: (أينكم) بهمزة وكسرة بعدها خفيفة مشبهة ياء ساكنة بلا مدة، وأبو عمرو وقالون عن نافع كذلك إلا أنه يمد والباقون بهمزتين بلا مد.

والبحث الثاني: أن هذا استفهام معناه الجحد والانكار.

قال لفراء: ولم يقل آخر لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث كما قال: ﴿ وللهِ الأسماء الحسنى  ﴾ وقال: ﴿ فَمَا بَالُ القرون الأولى  ﴾ ولم يقل الأول ولا الأولين وكل ذلك صواب.

ثم قال تعالى: ﴿ قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إله واحد وَإِنَّنِى بَرِئ مّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ واعلم أن هذا الكلام دال على إيجاب التوحيد والبراءة عن الشرك من ثلاثة أوجه: أولها: قوله: ﴿ قُل لاَّ أَشْهَدُ ﴾ أي لا أشهد بما تذكرونه من إثبات الشركاء.

وثانيها: قوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إله واحد ﴾ وكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر، ولفظ الواحد صريح في التوحيد ونفي الشركاء.

وثالثها: قوله: ﴿ إِنَّنِى بَرِئ مّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ وفيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشركاء فثبت دلالة هذه الآية على إجاب التوحيد بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد.

قال العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام.

ونص الشافعي رحمه الله على استحباب ضم التبري إلى الشهادة لقوله: ﴿ وَإِنَّنِى بَرِئ مّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ عقيب التصريح بالتوحيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وأراد: أي شهيد ﴿ أَكْبَرُ شهادة ﴾ فوضع شيئاً مقام شهيد ليبالغ في التعميم ﴿ قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون تمام الجواب عند قوله: ﴿ قُلِ الله ﴾ بمعنى الله أكبر شهادة، ثم ابتدئ ﴿ شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ أي هو شهيد بيني وبينكم، وأن يكون ﴿ الله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ هو الجواب، لدلالته على أنّ الله عزّ وجلّ إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم، فأكبر شيء شهادة شهيد له ﴿ وَمَن بَلَغَ ﴾ عطف على ضمير المخاطبين من أهل مكة.

أي: لأنذركم به وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم.

وقيل: من الثقلين.

وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة.

وعن سعيد بن جبير: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ أئنكم لتشهدون ﴾ تقرير لهم مع إنكار واستبعاد ﴿ قُل لاَّ أَشْهَدُ ﴾ شهادتكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً ﴾ نَزَلَتْ حِينَ قالَتْ قُرَيْشٌ: يا مُحَمَّدُ لَقَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ والنَّصارى، فَزَعَمُوا أنْ لَيْسَ لَكَ عِنْدَهم ذِكْرٌ ولا صِفَةٌ فَأرِنا مَن يَشْهَدُ لَكَ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.

والشَّيْءُ يَقَعُ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ، وقَدْ سَبَقَ القَوْلُ فِيهِ في سُورَةِ «البَقَرَةِ» .

﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ أيِ اللَّهُ أكْبَرُ شَهادَةً ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ أيْ هو شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ شَهِيدٌ هو الجَوابُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا كانَ الشَّهِيدَ كانَ أكْبَرَ شَيْءٍ شَهادَةً.

﴿ وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، واكْتَفى بِذِكْرِ الإنْذارِ عَنْ ذِكْرِ البِشارَةِ.

﴿ وَمَن بَلَغَ ﴾ عُطِفَ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ لِأُنْذِرَكم بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ وسائِرِ مَن بَلَغَهُ مِنَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ، أوْ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، أوْ لِأُنْذِرَكم بِهِ أيُّها المَوْجُودُونَ ومَن بَلَغَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أحْكامَ القُرْآنِ تَعُمُّ المَوْجُودِينَ وقْتَ نُزُولِهِ ومَن بَعْدَهُمْ، وأنَّهُ لا يُؤاخَذُ بِها مَن لَمْ تَبْلُغْهُ.

﴿ أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ﴾ تَقْرِيرٌ لَهم مَعَ إنْكارٍ واسْتِبْعادٍ.

﴿ قُلْ لا أشْهَدُ ﴾ بِما تَشْهَدُونَ.

﴿ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ﴾ أيْ بَلْ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا هو.

﴿ وَإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شهادة} أَيُّ شَيْء مبتدأ وأكبر خبره وشهادة تمييز وأى كلمة يراد بها بعض ما تضاف إليه فإذا كانت استفهاماً كان جوابها مسمى باسم ما أضيفت إليه وقوله {قُلِ الله} جواب أى الله أكبر شهادة فالله مبتدأ والخبر محذوف فيكون دليلاً على أنه يجوز إطلاق اسم الشئ على الله تعالى وهذا لأن الشئ اسم للموجود ولا يطلق على المعدوم والله تعالى موجود فيكون شيئا ولذا تقول الله تعالى شيء لا كالأشياء ثم ابتدأ {شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ} أي هو شهيد بيني وبينكم ويجوز أن يكون الجواب الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ لإنه إذا كان الله شهيداً بينه وبينهم فأكبر شيء شهادة شهيد له {وأوحي إلي هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} أي ومن بلغه القرآن إلى قيام الساعة في الحديث من بلغه القرآن فكأنما رأى محمد صلى الله عليه وسلم ومن في محل النصب بالعطف على كم والمراد به أهل مكة والعائد إليه محذوف أي ومن بلغه وفاعل بَلَغَ ضمير القرآن {أَئِنَّكُمْ لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى}

الأنعام (١٩ _ ٢٤)

استفهام إنكار وتبكيت {قُلْ لا أشهد} بما تشهدون وكرر {قل} توكيدا و {إنما هو إله واحد} ما كافة لأن عن العمل وهو مبتدأ وإله خبره وواحد صفة أو بمعنى الذى فى لمحل النصب ب

أن هو مبتدأ وإله خبره والجملة صلة الذى وواحد خبران وهذا الوجه أوقع {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ} به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً ﴾ رَوى الكَلْبِيُّ «أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : يا مُحَمَّدُ أما وجَدَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا غَيْرَكَ ما نَرى أحَدًا يُصَدِّقُكَ فِيما تَقُولُ ولَقَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ والنَّصارى فَزَعَمُوا أنَّهُ لَيْسَ لَكَ عِنْدَهم ذِكْرٌ فَأرِنا مَن يَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَنَزَلَتْ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ «جاءَ النَّحّامُ بْنُ زَيْدٍ وقَرْدَمُ بْنُ كَعْبٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ما تَعْلَمُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا غَيْرَهُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بُعِثْتُ وإلى ذَلِكَ أدْعُو فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»“ والأوَّلُ أوْفَقُ بِأوَّلِ الآيَةِ والثّانِي بِآخِرِها فَـ (أيُّ) مُبْتَدَأٌ و(أكْبَرُ) خَبَرُهُ و(شَهادَةً) تَمْيِيزٌ.

والشَّيْءُ في اللُّغَةِ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ، فَقَدْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في البابِ المُتَرْجَمِ بِبابِ مَجارِي أواخِرِ الكَلِمِ، وإنَّما يَخْرُجُ التَّأْنِيثُ مِنَ التَّذْكِيرِ ألا تَرى أنَّ الشَّيْءَ يَقَعُ عَلى كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ مِن قَبْلِ أنْ يَعْلَمَ أذَكَرٌ هو أمْ أُنْثى والشَّيْءُ مُذَكَّرٌ، انْتَهى.

وهَلْ يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى أمْ لا؟

فِيهِ خِلافٌ فَمَذْهَبُ الجُمْهُورِ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَقالَ: شَيْءٌ لا كالأشْياءِ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالسُّؤالِ والجَوابِ الواقِعَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ حَيْثُ اسْتَثْنى مِن كُلِّ شَيْءٍ الوَجْهَ وهو بِمَعْنى الذّاتِ عِنْدَهم وبِأنَّهُ أعَمُّ الألْفاظِ فَيَشْمَلُ الواجِبَ والمُمْكِنَ ونَقَلَ الإمامُ أنَّ جَهْمًا أنْكَرَ صِحَّةَ الِإطْلاقِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ فَقالَ: لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ إلّا ما يَدُلُّ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ والشَّيْءُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وفي ”المَواقِفِ“ وشَرْحِهِ الشَّيْءُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ يُطْلَقُ عَلى المَوْجُودِ فَقَطْ فَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهم مَوْجُودٌ وكُلُّ مَوْجُودٍ شَيْءٌ، ثُمَّ سِيقَ فِيهِما مَذاهِبُ النّاسِ فِيهِ ثُمَّ قِيلَ: والنِّزاعُ لَفْظِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ الشَّيْءِ وأنَّهُ عَلى ماذا يُطْلَقُ، والحَقُّ ما ساعَدَ عَلَيْهِ اللُّغَةُ والنَّقْلُ إذْ لا مَجالَ لِلْعَقْلِ في إثْباتِ اللُّغاتِ.

والظّاهِرُ مَعَنا فَأهْلُ اللُّغَةِ في كُلِّ عَصْرٍ يُطْلِقُونَ لِفَظَّ الشَّيْءِ عَلى المَوْجُودِ حَتّى لَوْ قِيلَ عِنْدَهُمُ المَوْجُودُ شَيْءٌ تُلْقُوهُ بِالقَبُولِ، ولَوْ قِيلَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ تُلَقَّوْهُ بِالإنْكارِ.

ونَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ يَنْفِي إطْلاقَهُ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ عَلى المَعْدُومِ لِأنَّ الحَقِيقَةَ لا يَصِحُّ فِيها، انْتَهى وفِي شَرْحِ المَقاصِدِ أنَّ البَحْثَ في أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ حَقِيقَةً أمْ لا لُغَوِيٌّ يُرْجَعُ فِيهِ إلى النَّقْلِ والِاسْتِعْمالِ وقَدْ وقَعَ فِيهِ اخْتِلافاتٌ نَظَرًا إلى الِاسْتِعْمالاتِ، فَعِنْدَنا هو اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ لِما نَجِدُهُ شائِعَ الِاسْتِعْمالِ في هَذا المَعْنى ولا نِزاعَ في اسْتِعْمالِهِ في المَعْدُومِ مَجازًا ثُمَّ قالَ: وما نُقِلَ عَنْ أبِي العَبّاسِ أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَدِيمِ.

وعَنِ الجَهْمِيَّةِ أنَّهُ اسْمٌ لِلْحادِثِ، وعَنْ هُشامٍ أنَّهُ اسْمٌ لِلْجِسْمِ فَبَعِيدٌ جِدًّا مِن جِهَةِ أنَّهُ لا يَقْبَلُهُ أهْلُ اللُّغَةِ، انْتَهى.

وفي ذَلِكَ كُلِّهِ بَحْثٌ فَإنَّ دَعْوى الأشاعِرَةِ التَّساوِي بَيْنَ الشَّيْءِ والمَوْجُودِ لُغَةً أوِ التَّرادُفُ كَما يُفْهَمُ مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الكُلِّيَّتَيْنِ لَيْسَ لَها دَلِيلٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ في كُلِّ عَصْرٍ إلَخْ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ شَيْءٌ، وأمّا أنَّ كُلَّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ لِفَظُ الشَّيْءِ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً مَوْجُودٌ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ إذْ لا يَلْزَمُ مِن أنْ يُطْلَقَ عَلى المَوْجُودِ لَفْظُ شَيْءٍ دُونَ لا شَيْءٍ أنْ يَخْتَصَّ الشَّيْءُ لُغَةً بِالمَوْجُودِ لِجَوازِ أنْ يُطْلَقَ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ والمَوْجُودِ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً مَعَ اخْتِصاصِ المَوْجُودِ بِإطْلاقِ الشَّيْءِ دُونَ اللّاشَيْءِ.

وإنْكارُ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى مَن يَقُولُ: المَوْجُودُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِكَوْنِهِ سَلْبًا لِلْأعَمِّ عَنِ الأخَصِّ وهو لا يَصِحُّ لِكَوْنِهِما مُتَرادِفَيْنِ أوْ مُتَساوِيَيْنِ.

وقَدْ أُطْلِقَ عَلى المَعْدُومِ الخارِجِيِّ كِتابًا وسُنَّةً فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ  وقَدْ سَألَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنِّي لِأُحَدِّثُ نَفْسِي بِالشَّيْءِ لَوْ تَكَلَّمْتُ بِهِ لَأُحْبِطَ أجْرِي يَقُولُ: ”لا يَلْقى ذَلِكَ الكَلامَ إلّا مُؤْمِنٌ»“ ونَحْوُهُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ والأصْلُ في الِإطْلاقِ الحَقِيقَةُ فَلا يُعْدَلُ عَنْها إلّا إذا وُجِدَ صارِفٌ.

وشُيُوعُ الِاسْتِعْمالِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ صارِفًا بَعْدَ صِحَّةِ النَّقْلِ عَنْ سِيبَوَيْهِ ولَعَلَّ سَبَبَ ذَلِكَ الشُّيُوعِ أنَّ تَعَلُّقَ الغَرَضِ في المُحاوَراتِ بِأحْوالِ المَوْجُوداتِ أكْثَرُ لا لِاخْتِصاصِ الشَّيْءِ بِالمَوْجُودِ لُغَةً وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ إنَّما يُلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ إطْلاقِهِ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ عَلى المَعْدُومِ وهو يَضُرُّنا لَوْ كانَ المُدَّعى تَخْصِيصَ إطْلاقِ الشَّيْءِ لُغَةً ولَيْسَ كَذَلِكَ.

فَإنَّ التَّحْقِيقَ عِنْدَنا أنَّ الشَّيْءَ بِمَعْنى المَشِيءِ العِلْمُ بِهِ والإخْبارُ عَنْهُ، وهو مَفْهُومٌ كُلِّيٌّ يُصَدِّقُ عَلى المَوْجُودِ والمَعْدُومِ الواجِبِ والمُمْكِنِ وتَخْصِيصُ إطْلاقِهِ بِبَعْضِ أفْرادِهِ عِنْدَ قِيامِ قَرِينَةٍ لا يُنافِي شُمُولَهُ لِجَمِيعِ أفْرادِهِ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً عِنْدَ انْتِفاءِ قَرِينَةٍ مُخَصِّصَةٍ وإلّا لَكانَ شُمُولُهُ المَعْدُومُ والمَوْجُودُ مَعًا في قَوْلِهِ تَعالى: (واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ) جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ ولا خِلافَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى عُمُومِ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ تَعالى بِالأشْياءِ مُطْلَقًا بِهَذِهِ الآيَةِ فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ شُمُولَهُ لِلْمَعْدُومِ والمَوْجُودِ مَعًا حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ بَعْدَ زَعْمِهِ اخْتِصاصَ الشَّيْءِ بِالمَوْجُودِ أنَّهُ في الأصْلِ مُصْدَرٌ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى شاءَ أوْ مَشِيءٍ فَإنْ كانَ بِمَعْنى شاءَ صَحَّ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ تَعالى وإلّا فَلا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ التَّحْقِيقِ لا مانِعَ مِن إطْلاقِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ تَعالى مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى هَذا التَّفْصِيلِ لِأنَّهُ بِمَعْنى المَشِيءِ العِلْمُ بِهِ والإخْبارُ عَنْهُ فَيَكُونُ إطْلاقُ الشَّيْءِ بِهَذا المَعْنى عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كَإطْلاقِ المَعْلُومِ مَثَلًا، ومَعْنى ﴿ أكْبَرُ شَهادَةً ﴾ أعْظَمُ وأصْدَقُ ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ أمْرٌ لَهُ  أنْ يَتَوَلّى الجَوابَ بِنَفْسِهِ بِنَفْسِي هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما مَرَّ قَرِيبًا.

والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيِ اللَّهُ أكْبَرُ شَهادَةً وجُوِّزَ العَكْسُ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ إذا كانَتِ النَّكِرَةُ اسْمَ اسْتِفْهامٍ أوْ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ تَقَعُ مُبْتَدَأً يُخْبَرُ عَنْهُ بِمَعْرِفَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ شَهِيدٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو سُبْحانَهُ شَهِيدٌ ﴿ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ فَهو ابْتِداءُ كَلامٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرُ (اللَّهُ) والمَجْمُوعُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ هو الجَوابُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إذا كانَ هو الشَّهِيدُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم فَأكْبَرُ شَيْءٍ شَهادَةً شَهِيدٌ لَهُ، ونُقِلَ في الكَشْفِ أنَّهُ إنْ جُعِلَ تَمامُ الجَوابِ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (اللَّهُ) فَهو لِلتَّسَلُّقِ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ إلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ بِأنَّ هَذا الشّاهِدَ الَّذِي لا أصْدَقَ مِنهُ شَهِدَ لِي بِإيحاءِ هَذا القُرْآنِ.

وإنْ جَعَلَ الكَلامَ بِمَجْمُوعِهِ الجَوابَ فَهو مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِأنَّ الوَهْمَ لا يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا الشّاهِدَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ تَعالى بَلِ الكَلامُ في أنَّهُ يَشْهَدُ لِنَبُّوتِهِ أوْ لا فَلْيُفْهَمْ ﴿ وأُوحِيَ إلَيَّ ﴾ مِن قِبَلِهِ تَعالى ﴿ هَذا القُرْآنُ ﴾ العَظِيمُ الشّاهِدُ بِصِحَّةِ رِسالَتِي ﴿ لأُنْذِرَكم بِهِ ﴾ بِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ.

واكْتُفِيَ بِذِكْرِ الإنْذارِ عَنْ ذِكْرِ البِشارَةِ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْمَقامِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَعَ الكُفّارِ ولَيْسَ فِيهِمْ مَن يُبَشِّرُ.

وفي الدُّرِّ المَصُونِ أنَّ الكَلامَ عَلى حَدِّ ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ ﴿ ومَن بَلَغَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أيْ لِأُنْذِرَكم بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ وسائِرَ مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ ووَصَلَ إلَيْهِ مِنَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ أوْ مِنَ الثَّقَلَيْنِ أوْ ﴿ لأُنْذِرَكم بِهِ ﴾ أيُّها المَوْجُودُونَ ومَن سَيُوجَدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَكَأنَّما رَأى مُحَمَّدًا  وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  «مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَكَأنَّما شافَهْتُهُ» ”واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أحْكامَ القُرْآنِ تَعُمُّ المَوْجُودِينَ يَوْمَ نُزُولِهِ ومَن سَيُوجَدُ بَعْدُ إلى أنْ يَرِثَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ ومَن عَلَيْها.

واخْتُلِفَ في ذَلِكَ هو بِطْرِيقِ العِبارَةِ في الكُلِّ أوْ بِالإجْماعِ في غَيْرِ المَوْجُودِينَ وفي غَيْرِ المُكَلَّفِينَ.

فَذَهَبَ الحَنابِلَةُ إلى الأوَّلِ والحَنَفِيَّةُ إلى الثّانِي وتَحْقِيقُهُ في الأُصُولِ.

وعَلى أنَّ مَن لَمْ يَبْلُغْهُ القُرْآنُ غَيْرَ مُؤاخَذٍ بِتَرْكِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ“ «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ  بِأُسارى فَقالَ لَهم: هَلْ دُعِيتُمْ إلى الإسْلامِ؟

فَقالُوا: لا، فَخَلّى سَبِيلَهم ثُمَّ قَرَأ ﴿ وأُوحِيَ إلَيَّ ﴾ الآيَةُ» وهو مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالمَفْهُومِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ لِلْآيَةِ عَلى ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنَّ مَفْهُومَها انْتِفاءُ الإنْذارِ بِالقُرْآنِ عَمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُ وذَلِكَ لَيْسَ عَيْنَ انْتِفاءِ المُؤاخَذَةِ وهو ظاهِرٌ ولا مُسْتَلْزِمًا لَهُ خُصُوصًا عِنْدَ القائِلِينَ بِالحُسْنِ والقُبْحِ إلّا أنْ يُلاحَظَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ وفِيهِ أنَّ عَدَمَ اسْتِلْزامِ انْتِفاءِ الإنْذارِ بِالقُرْآنِ لِانْتِفاءِ المُؤاخَذَةِ مَمْنُوعٌ، والحُسْنُ والقُبْحُ العَقْلِيّانِ قَدْ طُوِيَ بِساطُ رَدِّهِما، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (مَن) عَطْفًا عَلى الفاعِلِ المُسْتَتِرِ في ﴿ أُنْذِرُكُمْ ﴾ لِلْفَصْلِ بِالمَفْعُولِ أيْ لِأُنْذِرَكم أنا بِالقُرْآنِ ويُنْذِرَكم بِهِ مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ أيْضًا، ورَوى الطَّبَرْسِيُّ ما يَقْتَضِيهِ عَنِ العَيّاشِيِّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ المُنْساقِ إلى الذِّهْنِ ﴿ أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مُنْدَرِجَةٌ في القَوْلِ.

والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ أوْ لِلْإنْكارِ، وقِيلَ: لَهُما، وفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ المَعانِي المَجازِيَّةِ (وأُخْرى) صِفَةٌ لِآلِهَةٍ، وصِفَةُ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ -كَما قالَ أبُو حَيّانَ- كَصِفَةِ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ نَحْوَ ﴿ مَآرِبُ أُخْرى ﴾ (ولِلَّهِ تَعالى الأسْماءُ الحُسْنى) .

ولَمّا كانَتِ الآلِهَةُ حِجارَةً وخَشَبًا مَثَلًا أُجْرِيَتْ هَذا المَجْرى تَحْقِيرًا لَها قُلْ لَهم لا أشْهَدُ بِذَلِكَ وإنْ شَهِدْتُمْ بِهِ فَإنَّهُ باطِلٌ صِرْفٌ ﴿ قُلْ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْأمْرِ لِلتَّأْكِيدِ، ﴿ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ﴾ أيْ بَلْ إنَّما أشْهَدُ أنَّهُ تَعالى لا إلَهَ إلّا هو و(ما) كافَّةٌ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وزَعَمَ أنَّهُ الألْيَقُ بِما قَبْلَهُ كَوْنُها مَوْصُولَةً، ويُبْعِدُهُ كَوْنُها مَوْصُولَةً وعَلَيْهِ يَكُونُ (واحِدٌ) خَبَرًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ 91 - مِنَ الأصْنامِ أوْ مِن إشْراكِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ يعني: إنْ يصبك الله بشدة أو بلاء فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ يعني: لا يقدر أحد من الآلهة التي يدعونها ولا غيرها كشف الضر إلا الله تعالى.

وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ يقول: وإن يصبك بسعة أو صحة الجسم فإنه لا يقدر أحد على دفع ذلك.

فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الغنى والفقر والعافية.

ثم قال: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ الغالب والعالي عليهم.

ويقال: القادر والمالك عليهم وَهُوَ الْحَكِيمُ في أمره الْخَبِيرُ بأفعال الخلق.

ثم قال: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي  : يا محمد ألا وجد الله رسولاً غيرك؟

وما نرى أحداً من أهل الكتاب يصدقك بما تقول فأرنا من يشهد لك أنك رسوله؟

فقال الله تعالى: قُلْ: لأهل مكة أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً يعني: حجة وبرهاناً ويقال: من أكبر شهادة؟

فإن أجابوك وإلا ف قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ بأني رسول الله.

والشهيد في اللغة: هو المبين.

وإنما سمى الشاهد شاهداً لأنه يبيّن دعوى المدعي بأمر الله نبيه-  - بأن يحتج عليهم بالله الواحد القهار الذى خلق السموات والارض، وجعل الظلمات والنور، وخلقهم أطوارا.

ثم قال: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ يعني: لأخوفكم بالقرآن يا أهل مكة وَمَنْ بَلَغَ يعني: ومن بلغه القرآن سواكم، فأنا نذير وبشير من بلغه القرآن من الجن والإنس.

قال قتادة: قال النبيّ  : «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً من كتاب الله تعالى» ، فمن بلغه فكأنما عاين رسول الله  وكلمه.

وقال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى رسول الله  ثم قرأ: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ وقال مجاهد: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ يعني: أصحاب محمد  : وَمَنْ بَلَغَ يعني: من العجم وغيرهم.

ثم قال: أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى من الأصنام.

فإن قالوا: نعم قُلْ لاَّ أَشْهَدُ بما شهدتم ولكن قُلْ أشهد إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ من الأصنام والأوثان.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ثم أخذ في صفات اللَّه- تعالى- فقال: فاطِرِ بخفض الراء نعت لله عز وجل.

قال ص: فاطِرِ الجمهور «١» بالجَرِّ، وَوَجَّهَهُ ابن عَطِيَّةَ «٢» ، وغيره على أنه نَعْتٌ لِلَّهِ.

وأبو البقاء على أنه بَدَلٌ، وكأنه رأى الفَصْلَ بين البَدَلِ والمبدل أَسْهَلَ لأن البَدَلَ في المشهور على نِيَّةِ تَكْرَارِ العامل.

انتهى.

و «فطر» معناه: ابتدع، وخلق، وأنشأ، وفطر أيضاً في اللُّغَةِ: شَقَّ، ومنه هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [الملك: ٣] أي: من شقوق.

ويُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ المقصود به: يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ.

وقوله: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ ...

إلى عَظِيمٍ.

قال المفسرون: المعنى أول من أَسْلَمَ من هذه الأمة، وبهذه الشَّرِيعَةِ، ولفظة عَصَيْتُ عامة في أنواع المَعَاصِي، ولكنها هاهنا إنما تُشِيرُ إلى الشِّرْكِ المَنْهِيِّ عنه.

واليوم العَظِيمُ هو يَوْمُ القيامة.

وقرأ نَافِعٌ «٣» وغيره «من يُصْرَف عنه» مسنداً إلى المفعول، وهو الضمير العائد على العَذَابِ.

وقرأ حمزة وغيره «مَنْ يَصْرِف» بإسناد الفَعْلِ إلى الضمير العائد إلى «ربي» ، ويعمل في ضَمِيرِ العَذَابِ المذكور، ولكنه محذوف.

وقوله: وَذلِكَ إشارة إلى صَرْفِ العذاب، وحُصُولِ الرحمة، والْفَوْزُ النّجاة.

وقوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ.

يَمْسَسْكَ: معناه يُصِبْكَ، ويَنَلْكَ، والضُّرُّ بضم الضاد: سوء الحَالِ في الجِسْمِ وغيره، وبفتحها ضِدُّ النَّفْعِ، ومعنى الآية: الإخْبَارُ أن الأَشْيَاءَ كلها بِيَدِ اللَّه إن ضَرَّ فلا كَاشِفَ لضره غَيْرُه، وإن أصَابَ بِخَيْرٍ، فكذلك أيضاً.

وعن ابن عَبَّاسٍ قال: كنت خلف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوماً فقال: «يا غُلاَمُ إنِّي أُعَلِّمَكَ كَلِمَاتٍ:

احْفَظِ اللَّهِ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّه، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعْلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لم يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّه لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أن يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رفعت الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» .

رويناه في الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح «١» .

وفي رواية غير الترمذي زيادة: «احْفَظِ اللَّه تَجِدْهُ أمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، واعْلَمْ أن ما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ ...

» وفي آخره: «واعلم أن النَّصْرَ مع الصَّبْرِ، وأنّ الفَرَجَ مع الكَرْبِ، وأن مع العُسْرِ يُسْراً» «٢» .

قال النووي: هذا حديث عَظِيمُ الموقع.

انتهى من «الحِلْيَة» .

وقرأت فرقة: «وَأَوْحَى إلَيَّ هذا القُرآن» على بناء الفعل للفاعل، ونصب «القرآن» ، وفي «أوحى» ضمير يَعُودُ على اللَّه تعالى.

وقوله: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ معناه على قول الجمهور: بلاغ القرآن، أي:

لأنْذِرَكُمْ وأُنْذِرَ مَنْ بَلَغَهُ، ففي «بلغ» ضمير محذوف لأنه في صلة «من» فحُذِفَ لطول الكلام.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ رُؤَساءَ مَكَّةَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، ما نَرى أحَدًا يَصْدِّقُكَ بِما تَقُولُ، ولَقَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ، والنَّصارى، فَزَعَمُوا أنَّهُ لَيْسَ لَكَ عِنْدَهم ذِكْرٌ ولا صِفَةٌ، فَأرِنا مَن يَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَعْنى الآَيَةِ: قُلْ لَقُرَيْشٍ: أيُّ شَيْءٍ أعْظَمُ شَهادَةً؟

فَإنْ أجابُوكَ، وإلّا فَقُلِ: اللَّهُ، وهو شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم عَلى ما أقُولُ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: أمَرَ اللَّهُ أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ شَهادَةَ اللَّهِ في نُبُوَّتِهِ أكْبَرُ شَهادَةً، وأنَّ القُرْآَنَ الَّذِي أتى بِهِ، يَشْهَدُ لَهُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ ﴾ فَفي الإنْذارِ بِهِ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ أحَدٌ بِمِثْلِهِ، ولا يَأْتِي، وفِيهِ خَبَرُ ما كانَ وما يَكُونُ، ووَعَدَ فِيهِ بِأشْياءَ، فَكانَتْ كَما قالَ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ وأُوحِيَ إلَيَّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والحاءِ القُرْآَن بِالنَّصْبِ فَأمّا "الإنْذارُ" فَمَعْناهُ: التَّخْوِيفُ، ومَعْنى ومِن بَلَغَ أيْ: مَن بَلَغَ إلَيْهِ هَذا القُرْآَنَ، فَإنِّي نَذِيرٌ لَهُ.

قالَ القُرَظِيُّ: مَن بَلَغَهُ القُرْآَنُ فَكَأنَّما رَأى النَّبِيَّ  وكَلَّمَهُ.

«وَقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى كِسْرى وقَيْصَرَ وكُلِّ جَبّارٍ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: "أُخْرى" ولَمْ يَقُلْ "آَخَرَ" لِأنَّ الآَلِهَةَ جَمْعٌ، والجَمْعُ يَقَعُ عَلَيْهِ التَّأْنِيثُ، كَما قالَ: ﴿ وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى  ﴾ وقالَ: ﴿ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلْ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللهُ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ "أيُّ": اِسْتِفْهامٌ؛ وهي مُعْرَبَةٌ مَعَ إبْهامِها؛ وإنَّما كانَ ذَلِكَ لِأنَّها تَلْتَزِمُ الإضافَةَ؛ ولِأنَّها تَتَضَمَّنُ عِلْمَ جُزْءٍ مِنَ المُسْتَفْهَمِ عنهُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: "أيُّ الرَجُلَيْنِ جاءَنا؟"؛ فَقَدْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أحَدَهُما جاءَ؛ غَيْرَ مُعَيَّنٍ؛ فَأخْرَجَها هَذانِ الوَجْهانِ عن غَمْرَةِ الإبْهامِ فَأُعْرِبَتْ.

وتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُقالُ عَلَيْهِ: "شَيْءٍ"؛ كَما يُقالُ عَلَيْهِ: "مَوْجُودٌ"؛ ولَكِنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى - شَيْءٌ.

و"شَهادَةً"؛ نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ؛ ويَصِحُّ عَلى المَفْعُولِ؛ بِأنْ يُحْمَلَ "أكْبَرُ" عَلى التَشْبِيهِ بِالصِفَةِ المُشَبَّهَةِ بِاسْمِ الفاعِلِ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ قُلْ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ  ﴾ ؛ في أنِ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ؛ والتَقْرِيرِ؛ ثُمَّ بادَرَ إلى الجَوابِ؛ إذْ لا تُتَصَوَّرُ فِيهِ مُدافَعَةٌ؛ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تُخاصِمُهُ؛ وتَتَظَلَّمُ مِنهُ: "مَن أقْدَرُ مَن في البَلَدِ؟"؛ ثُمَّ تُبادِرُ وتَقُولُ: "اَلسُّلْطانُ؛ فَهو يَحُولُ بَيْنَنا"؛ ونَحْوِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ؛ فَتَقْدِيرُ الآيَةِ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: "أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً؟

اَللَّهُ أكْبَرُ شَهادَةً؛ فَهو شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ"؛ فَـ "اَللَّهُ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ؛ كَما قَدَّرْناهُ؛ و"شَهِيدٌ"؛ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٌ.

وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "قُلْ لَهُمْ: أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً؟

وقُلْ لَهُمْ: اَللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ؛ لَمّا عَيُّوا عَنِ الجَوابِ"؛ فَـ "شَهِيدٌ"؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ خَبَرٌ لِـ "اَللَّهُ"؛ ولَيْسَ في هَذا التَأْوِيلِ مُبادَرَةٌ مِنَ السائِلِ إلى الجَوابِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ ؛ أيْ: في تَبْلِيغِي.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأوحى إلَيَّ هَذا القُرْآنَ"؛ عَلى الفِعْلِ الماضِي؛ ونَصْبِ "اَلْقُرْآنَ"؛ وفي "وَأوحى"؛ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى ؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُلِ اللهُ ﴾ ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأُوحِيَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ "اَلْقُرْآنُ"؛ رَفْعًا.

"لِأُنْذِرَكُمْ"؛ مَعْناهُ: لِأُخَوِّفَكم بِهِ العِقابَ؛ والآخِرَةَ؛ و"وَمَن"؛ عُطِفَ عَلى الكافِ والمِيمِ في قَوْلِهِ: "لِأُنْذِرَكُمْ"؛ "وَبَلَغَ"؛ مَعْناهُ - عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ -: بَلاغُ القُرْآنِ؛ أيْ: لِأُنْذِرَكُمْ؛ وأُنْذِرَ مَن بَلَغَهُ؛ فَفي "بَلَغَ"؛ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ في صِلَةِ "وَمَن"؛ فَحُذِفَ لِطُولِ الكَلامِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "وَمَن بَلَغَ الحُلُمَ"؛ فَفي "بَلَغَ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - ضَمِيرٌ مُقَدَّرٌ راجِعٌ إلى "وَمَن".

ورُوِيَ في مَعْنى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أحادِيثُ؛ مِنها أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "يا أيُّها الناسُ؛ بَلِّغُوا عَنِّي ولَوْ آيَةً؛ فَإنَّهُ مَن بُلِّغَ آيَةً مِن كِتابِ اللهِ تَعالى فَقَدْ بَلَغَهُ أمْرُ اللهِ تَعالى أخَذَهُ أو تَرَكَهُ"؛» ونَحْوُ هَذا مِنَ الأحادِيثِ؛ كَقَوْلِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "مَن بَلَغَهُ هَذا القُرْآنُ فَأنا نَذِيرُهُ".» وَقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "آيِنَّكُمْ"؛ بِزِيادَةِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ الأُولى والثانِيَةِ المُسَهَّلَةِ؛ عامِلَةٍ بَعْدَ هَذا التَسْهِيلِ المُعامَلَةَ قَبْلَ التَسْهِيلِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أيِنَّكُمْ"؛ بِهَمْزَتَيْنِ؛ الثانِيَةُ مُسَهَّلَةٌ؛ دُونَ ألِفٍ بَيْنَهُما؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "آئِنَّكُمْ"؛ اِسْتَثْقَلَتِ اجْتِماعَ الهَمْزَتَيْنِ؛ فَزادَتْ ألِفًا بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنَّكُمْ"؛ بِالإيجابِ؛ دُونَ تَقْدِيرٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ مَقْصِدُها التَوْبِيخُ؛ وتَسْفِيهُ الرَأْيِ.

و"أُخْرى"؛ صِفَةٌ لِـ "آلِهَةً"؛ وصِفَةُ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ تُجْرى في الإفْرادِ مُجْرى الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ؛ كَقَوْلِهِ: "مَآرِبُ أُخْرى"؛ وكَذَلِكَ مُخاطَبَتُهُ جَمْعَ ما لا يَعْقِلُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ  ﴾ ؛ ونَحْوَ هَذا؛ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآلِهَةُ حِجارَةً؛ وعِيدانًا؛ أُجْرِيَتْ هَذا المُجْرى.

ثُمَّ أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالتَبَرِّي مِن شَهادَتِهِمْ؛ والإعْلانِ بِالتَوْحِيدِ لِلَّهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ والتَبَرِّي مِن إشْراكِهِمْ.

و"وَإنَّنِي"؛ إيجابٌ أُلْحِقَ فِيهِ النُونُ الَّتِي تَلْحَقُ الفِعْلَ؛ لِتَبْقى حَرَكَتُهُ عِنْدَ اتِّصالِ الضَمِيرِ بِهِ؛ في قَوْلِكَ: "وَضَرَبَنِي"؛ ونَحْوِهِ.

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها في عَبَدَةِ الأصْنامِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّهُ قَدْ ورَدَ مِن وجْهٍ لَمْ تَثْبُتْ صِحَّتُهُ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ؛ وأُسْنِدَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - قالَ: «جاءَ النَحّامُ بْنُ زَيْدٍ؛ وقَرْدَمُ بْنُ كَعْبٍ ؛ وبَحْرِيُّ بْنُ عُمَيْرٍ؛ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ ما تَعْلَمُ مَعَ اللهِ إلَهًا غَيْرَهُ؟

فَقالَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَهُمْ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ؛ بِذَلِكَ أُمِرْتُ"؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من الاستدلال على إثبات ما يليق بالله من الصفات، إلى إثبات صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإلى جعْللِ الله حكماً بينه وبين مكذّبيه، فالجملة استئناف ابتدائي، ومناسبة الانتقال ظاهرة.

روى الواحدي في «أسباب النزول» عن الكلبي: أنّ رؤساء مكّة قالوا: يا محمد ما نرى أحداً مصدّقَك بما تقول، وقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس عندهم ذكرُك ولا صفتك فأرِنا من يشهد أنّك رسول الله.

فنزلت هذه الآية.

وقد ابتدئت المحاورة بأسلوب إلقاء استفهام مستعمل في التقرير على نحو ما بيّنته عند قوله تعالى: ﴿ قل لمن ما في السماوات والأرض ﴾ [الأنعام: 12] ومثل هذا الأسلوب لإعداد السامعين لتلقّي ما يرد بعد الاستفهام.

و (أي) اسم استفهام يطلب به بيان أحد المشتركات فيما أضيف إليه هذا الاستفهام، والمضاف إليه هنا هو ﴿ شيء ﴾ المفسّر بأنَّه من نوع الشهادة.

و ﴿ شَيء ﴾ اسم عامّ من الأجناس العالية ذات العموم الكثير، قيل: هو الموجود، وقيل: هو ما يعلم ويصحّ وجوده.

والأظهر في تعريفه أنّه الأمر الذي يعلم.

ويجري عليه الإخبار سواء كان موجوداً أو صفة موجود أو معنى يتعقّل ويتحاور فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿ فقال الكافرون هذا شيء عجيب أإذا متنا وكنّا تراباً ذلك رجْع بعيد ﴾ [ق: 2، 3].

وقد تقدّم الكلام على مواقع حسن استعمال كلمة (شيء) ومواقع ضعفها عند قوله تعالى: ﴿ ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ﴾ في سورة [البقرة: 155].

( ﴿ وأكبَرُ ﴾ هنا بمعنى أقوى وأعدل في جنس الشهادات، وهو من إطلاق ما مدلوله عظم الذات على عظم المعنى، كقوله تعالى: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ [التوبة: 72] وقوله: ﴿ قل قتال فيه كبير ﴾ وقد تقدّم في سورة [البقرة: 217].

وقوة الشهادة بقوة اطمئنان النفس إليها وتصديق مضمونها.

وقوله: شهادة } تمييز لنسبة الأكبرية إلى الشيء فصار ماصْدق الشيء بهذا التمييز هو الشهادة.

فالمعنى: أيّة شهادة هي أصدق الشهادات، فالمستفهم عنه بِ ﴿ أي ﴾ فرد من أفراد الشهادات يطلب عِلم أنَّه أصدق أفراد جنسه.

والشهادة تقدّم بيانها عند قوله تعالى: ﴿ شهادة بينكم ﴾ في سورة [المائدة: 106].

ولمّا كانت شهادة الله على صدق الرسول غير معلومة للمخاطبين المكذّبين بأنّه رسول الله، صارت شهادة الله عليهم في معنى القسم على نحو قوله تعالى: ﴿ ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الكاذبين ﴾ [النور: 8] أي أن تُشهد الله على كذب الزوج، أي أن تحلف على ذلك بسم الله، فإنّ لفظ (أشهد الله) من صيغ القسم إلاّ أنّه إن لم يكن معه معنى الإشهاد يكون مجازاً مرسلاً، وإن كان معه معنى الإشهاد كما هنا فهو كناية عن القسم مراد منه معنى إشهاد الله عليهم، وبذلك يظهر موقع قوله: ﴿ الله شهيد بيني وبينكم ﴾ ، أي أشهده عليكم.

وقريب منه ما حكاه الله عن هود ﴿ قال إنّي أشهد الله ﴾ [هود: 54].

وقوله: ﴿ قل الله شهيد بيني وبينكم ﴾ جواب للسؤال، ولذلك فصلت جملته المصدّرة ب ﴿ قل ﴾ .

وهذا جواب أمر به المأمور بالسؤال على معنى أن يسأل ثم يبادر هو بالجواب لكون المراد بالسؤال التقرير وكون الجواب ممّا لا يسع المقرّر إنكاره، على نحو ما بيّنّاه في قوله: ﴿ قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله ﴾ [الأنعام: 12] ووقع قوله: ﴿ الله شهيد بيني وبينكم ﴾ جواباً على لسانهم لأنّه مرتّب على السؤال وهو المقصود منه فالتقدير: قل شهادة الله أكبر شهادة، فالله شهيد بيني وبينكم، فحذف المرتّب عليه لدلالة المرتّب إيجازاً كما هو مقتضى جزالة أسلوب الإلجاء والجدل.

والمعنى: أنّي أشهد الله الذي شهادته أعظم شهادة أنّني أبلغتكم أنّه لا يرضى بأن تشركوا به وأنذرتكم.

وفي هذه الآية ما يقتضي صحة إطلاق اسم (شيء) على الله تعالى لأنّ قوله: ﴿ الله شهيد ﴾ وقع جواباً عن قوله: ﴿ أي شيء ﴾ فاقتضى إطلاق اسم (شيء) خبراً عن الله تعالى وإن لم يدلّ صريحاً.

وعليه فلو أطلقه المؤمن على الله تعالى لما كان في إطلاقه تجاوز للأدب ولا إثم.

وهذا قول الأشعرية خلافاً لجهم بن صفوان وأصحابه.

ومعنى: ﴿ شهيد بيني وبينكم ﴾ أنّه لمّا لم تنفعهم الآيات والنذر فيرجعوا عن التكذيب والمكابرة لم يبق إلاّ أن يكلهم إلى حساب الله تعالى.

والمقصود: إنذارهم بعذاب الله في الدنيا والآخرة.

ووجه ذكر ﴿ بيني وبينكم ﴾ أنّ الله شهيد له، كما هو مقتضى السياق.

فمعنى البيْن أنّ الله شهيد للرسول صلى الله عليه وسلم بالصدق لردّ إنكارهم رسالته كما هو شأن الشاهد في الخصومات.

وقوله: ﴿ وأوحي إليّ هذا القرآن ﴾ عطف على جملة ﴿ الله شهيد بيني وبينكم ﴾ ، وهو الأهمّ فيما أقسم عليه من إثبات الرسالة.

وينطوي في ذلك جميع ما أبلغهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما أقامه من الدلائل.

فعطف ﴿ وأوحي إلي هذا القرآن ﴾ من عطف الخاصّ على العامّ، وحُذف فاعل الوحي وبني فعله للمجهول للعلم بالفاعل الذي أوحاه إليه وهو الله تعالى.

والإشارة ب ﴿ هذا القرآن ﴾ إلى ما هو في ذهن المتكلّم والسامع.

وعطف البيان بعد اسم الإشارة بيَّن المقصود بالإشارة.

واقتصر على جعل علّة نزول القرآن للنذارة دون ذكر البشارة لأنّ المخاطبين في حال مكابرتهم التي هي مقام الكلام لا يناسبهم إلاّ الإنذار، فغاية القرآن بالنسبة إلى حالهم هي الإنذار، ولذلك قال ﴿ لأنذركم به ﴾ مصرَّحاً بضمير المخاطبين.

ولم يقل: لأنذر به، وهم المقصود ابتداء من هذا الخطاب وإن كان المعطوف على ضميرهم ينذر ويبشّر.

على أنّ لام العلّة لا تؤذن بانحصار العلّة في مدخولها إذ قد تكون للفعل المعدّى بها علل كثيرة.

﴿ ومن بلغ ﴾ عطف على ضمير المخاطبين، أي ولأنذر به من بلغه القرآن وسمعه ولو لم أشافهه بالدعوة، فحذف ضمير النصب الرابط للصلة لأنّ حذفه كثير حسن، كما قال أبو علي الفارسي.

وعموم ﴿ مَن ﴾ وصلتها يشمل كلّ من يبلغه القرآن في جميع العصور.

﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الله ءَالِهَةً أخرى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إله واحد وَإِنَّنِى بَرِئ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ .

جملة مستأنفة من جملة القول المأمور بأن يقوله لهم.

فهي استئناف بعد جملة ﴿ أيّ شيء أكبر شهادة ﴾ .

خصّ هذا بالذكر لأنّ نفي الشريك لله في الإلهية هو أصل الدعوة الإسلامية فبعد أن قرّرهم أنّ شهادة الله أكبر شهادة وأشهد الله على نفسه فيما بلّغ، وعليهم فيما أعرضوا وكابروا؛ استأنف استفهاماً على طريقة الإنكار استقصاء في الإعذار لهم فقال: أتشهدون أنتم على ما أصررتم عليه أنّ مع الله آلهة أخرى كما شهدت أنا على ما دعوتكم إليه، والمقرّر عليه هنا أمر ينكرونه بدلالة المقام.

وإنّما جعل الاستفهام المستعمل في الإنكار عن الخبر الموكّد ب (إنّ) ولام الابتداء ليفيد أنّ شهادتهم هذه ممَّا لا يكاد يصدَّق السامعون أنّهم يشهدونها لاستبعاد صدورها من عقلاء، فيحتاج المخبر عنهم بها إلى تأكيد خبره بمؤكّديْن فيقول: إنّهم ليشهدون أنّ مع الله آلهة أخرى، فهنالك يحتاج مخاطبهم بالإنكار إلى إدخال أداة الاستفهام الإنكاري على الجملة التي من شأنها أن يحكى بها خبرهم، فيفيد مثلُ هذا التركيب إنكارين: أحدهما صريح بأداة الإنكار، والآخر كنائي بلازم تأكيد الإخبار لغرابة هذا الزعم بحيث يشكّ السامع في صدوره منهم.

ومعنى ﴿ لتشهدون ﴾ لتدّعونا دعوى تحقَّقونها تحقيقاً يشبه الشهادة على أمر محقّق الوقوع، فإطلاق ﴿ تشهدون ﴾ مشاكلة لقوله ﴿ قل الله شهيد بيني وبينكم ﴾ .

والآلهة جمع إله، وأجري عليه الوصف بالتأنيث تنبيهاً على أنّها لا تعقل فإنّ جمع غير العاقل يكون وصفه كوصف الواحدة المؤنّثة.

وقوله: ﴿ قل لا أشهد ﴾ جواب للاستفهام الذي في قوله: ﴿ أإنّكم لتشهدون ﴾ لأنّه بتقدير: قل أإنّكم، ووقعت المبادرة بالجواب بتبرّئ المتكلّم من أن يشهد بذلك لأنّ جواب المخاطبين عن هذا السؤال معلوم من حالهم أنّهم مقرّون به فأعرض عنهم بعد سؤالهم كأنّه يقول: دعْنا من شهادتكم وخذوا شهادتي فإنّي لا أشهد بذلك.

ونظير هذا قوله تعالى: ﴿ فإن شهدوا فلا تشهد معهم ﴾ [الأنعام: 15].

وجملة: ﴿ قل إنّما هو إله واحد ﴾ بيان لجملة ﴿ لا أشهد ﴾ فلذلك فصلت لأنّها بمنزلة عطف البيان، لأنّ معنى لا أشهد بأنّ معه آلهة هو معنى أنّه إله واحد، وأعيد فعل القول لتأكيد التبليغ.

وكلمة ﴿ إنّما ﴾ أفادت الحصر، أي هو المخصوص بالوحدانية: ثم بالغ في إثبات ذلك بالتبرّئ من ضدّه بقوله: ﴿ وإنّني بريء ممَّا تشركون ﴾ .

وفيه قطع للمجادلة معهم على طريقة المتاركة.

و (ما) في قوله: ﴿ ممّا تشركون ﴾ يجوز كونها مصدرية، أي من إشراككم.

ويجوز كونها موصولة، وهو الأظهر، أي من أصنامكم التي تشركون بها، وفيه حذف العائد المجرور لأنّ حرف الجرّ المحذوف مع العائد متعيّن تقديره بلا لبس، وذلك هو ضابط جواز حذف العائد المجرور، كقوله تعالى: ﴿ أنسجد لما تأمرنا ﴾ [الفرقان: 60] أي بتعظيمه، وقوله تعالى: ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ أي بالجهر به.

وظاهر كلام «التسهيل» أنّ هذا ممنوع، وهو غفلة من مؤلّفه اغترّ بها بعض شرّاح كتبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هُوَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ إنْ ألْحَقَ اللَّهُ بِكَ ضُرًّا، لِأنَّ المَسَّ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ.

والثّانِي: مَعْناهُ وإنْ جَعَلَ الضُّرَّ يَمَسُّكَ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ﴾ وفي الضُّرِّ والخَيْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الضُّرَّ السُّقْمُ، والخَيْرَ العافِيَةُ.

والثّانِي: أنَّ الضُّرَّ الفَقْرُ، والخَيْرَ الغِنى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ القاهِرُ لِعِبادِهِ، وفَوْقَ صِلَةٌ زائِدَةٌ.

والثّانِي: أنَّهُ بِقَهْرِهِ لِعِبادِهِ مُسْتَعْلٍ عَلَيْهِمْ، فَكانَ قَوْلُهُ فَوْقَ مُسْتَعْمَلًا عَلى حَقِيقَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ  ﴾ لِأنَّها أعْلى قُوَّةً.

وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: وهو القاهِرُ فَوْقَ قَهْرِ عِبادِهِ، لِأنَّ قَهْرَهُ فَوْقَ كُلِّ قَهْرٍ.

وَفي هَذا القَهْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إيجادُ المَعْدُومِ.

والثّانِي: أنَّهُ لا رادَّ لِأقْدارِهِ ولا صادَّ عَنِ اخْتِيارِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً ﴾ الآيَةَ، في سَبَبِ [نُزُولِ] ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : مَن يَشْهَدُ لَكَ بِالنُّبُوَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ يَأْمُرُهُ فِيها أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً ﴾ ، ثُمَّ أجابَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ يَعْنِي: بِصِدْقِي وصِحَّةِ نُبُوَّتِي وهي أكْبَرُ الشَّهاداتِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ فَقالَ ذَلِكَ لِيُشْهِدَهُ عَلَيْهِمْ.

﴿ لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأُنْذِرَكم [يا] أهْلَ مَكَّةَ ومَن بَلَغَهُ القُرْآنُ مِن غَيْرِ أهْلِ مَكَّةَ.

والثّانِي: لِأُنْذِرَكم بِهِ: [أيُّها] العَرَبُ ومَن بُلِّغَ مِنَ العَجَمِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ.

﴿ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ  كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، لِأنَّ صِفَتَهُ مَوْجُودَةٌ في كِتابِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومَن زَعَمَ أنَّ الكِتابَ هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ.

والثّانِي: يَعْرِفُونَ الكِتابَ الدّالَّ عَلى صِفَتِهِ، وصِدْقِهِ، وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ.

وَعَنى بِقَوْلِهِ: ﴿ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ ﴾ تَثْبِيتًا لِصِحَّةِ المَعْرِفَةِ.

وَحَكى الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ حِينَ أسْلَمَ: ما هَذِهِ المَعْرِفَةُ الَّتِي تَعْرِفُونَ بِها مُحَمَّدًا  كَما تَعْرِفُونَ أبْناءَكُمْ؟

قالَ: واللَّهِ لَأنا بِهِ إذا رَأيْتُهُ أعْرَفُ مِنِّي بِابْنِي وهو يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ، لِأنِّي لا أشُكُّ أنَّهُ مُحَمَّدٌ، وأشْهَدُ أنَّهُ حَقٌّ، ولَسْتُ أدْرِي ما صَنَعَ النِّساءُ في الِابْنِ.

﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم خَسِرُوا بِالكُفْرِ مَنازِلَهم وأزْواجَهم في الجَنَّةِ، لِأنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ إلّا ولَهُ مَنازِلُ وأزْواجٌ، فَإنْ أسْلَمُوا كانَتْ لَهم، وإنْ كَفَرُوا كانَتْ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ  ﴾ ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: مَعْناهُ غَبِنُوها فَأهْلَكُوها بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ لا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ في حُكْمِهِ ولا يُبالِي خُسْرَ الخاسِرِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: جاء النحام بي زيد، وقردم بن كعب، وبحرى بن عمرو، فقالوا: يا محمد ما تعلم مع الله إلهاً غيره؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا إله إلا الله بذلك بعثت، وإلى ذلك أدعو، فأنزل الله في قولهم ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة ﴾ الآية» .

وأخرج ابن آدم بن أبي أياس وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة ﴾ قال: أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يسأل قريشاً أي شيء أكبر شهادة، ثم امره أن يخبرهم فيقول: الله شهيد بيني وبينكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس ﴿ وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ﴾ يعني أهل مكة ﴿ ومن بلغ ﴾ يعني من بلغه هذا القرآن فهو له نذير.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ﴾ كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر والنجاشي وكل جبار يدعوهم إلى الله عز وجل، وليس النجاشي الذي صلي عليه.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى فقال لهم: هل دعيتم إلى الإسلام؟

قالوا: لا.

فخلى سبيلهم، ثم قرأ ﴿ وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ﴾ ثم قال: خلوا سبيلهم حتى يأتوا ما منهم من أجل أنهم لم يدعوا» .

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والخطيب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بلغه القرآن فكأنما شافهته به، ثم قرأ: ﴿ وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ﴾ قال: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي لفظ: من بلغه القرآن حتى يفهمه ويعقله كان كمن عاين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه.

وأخرج آدم بن أبي أياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: ﴿ وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ﴾ قال: العرب ﴿ ومن بلغ ﴾ قال: العجم.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن حسن بن صالح قال: سألت ليثاً هل بقي أحد لم تبلغه الدعوة؟

قال: كان مجاهد يقول: حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ ﴿ لأنذركم به ومن بلغ ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ﴾ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله» .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ من طريق قتادة عن الحسن «أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أيها الناس بلغوا ولو آية من كتاب الله، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذها أو تركها» .

وأخرج البخاري وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» .

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: كأن الناس لم يسمعوا القرآن قبل يوم القيامة حين يتلوه الله عليهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ﴾ الآية، قال المفسرون: (قال أهل مكة للنبي  : ائتنا بمن يشهد لك بالنبوة، فإن اليهود والنصارى ينكرونك (١) (٢) قال أصحاب المعاني: (في هذه الآية دلالة أن (شيئًا) من أسماء الله (٣) ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ﴾ جاء جوابه ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ (٤) ﴿ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ الآية [الأنعام: 12]، وقد ذكرناه (٥) ﴿ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ ) (٦) وقال أبو إسحاق: (أمر الله عز وجل نبيه بأن يحتج عليهم ويعلمهم أن شهادة الله عز وجل بأنه واحد، وإقامة البراهين في توحيده ونبوة نبيه أكبر شهادة، وأن القرآن الذي أتى به يشهد له أنه رسول الله، فقال: ﴿ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ أي: الله الذي اعترفتم بأنه خالق السموات والأرض والظلمات والنور).

(٧) ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ ﴾ ، هذا احتجاج للنبي  على من أنكر نبوته؛ لأنه لم يأت أحد بمثله في إخباره عما سيكون وكان حقًّا، كقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ  ﴾ ، فعصمه حين لم يقتل مع تظاهر أعدائه عليه، وقوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ ثم أظهر دين الإِسلام على سائر الأديان، وقال لليهود -وكانوا أعز قوم في وقتهم-: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ  ﴾ ، فهم أذلاء إلى يوم القيامة (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ بَلَغَ ﴾ قال ابن عباس: (يريد من أمتي إلى يوم القيامة) (٩) قال الفراء: (والمعنى: ومن بلغه القرآن من بعدكم.

و ﴿ بَلَغَ ﴾ : صلة لمن، ونصبت ﴿ مَنْ ﴾ بالإنذار) (١٠) (١١) (١٢) وكان مجاهد يقول: (حيث ما يأتي القرآن فهو داع ونذير)، ثم يقرأ هذ الآية (١٣) وقال القرظي (١٤)  وسمع منه) (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ وَمَنْ بَلَغَ ﴾ أي: [و] (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿[أَئِنَّكُمْ] (٢٢) وقال الفراء: (ولم يقل أُخر؛ لأن الآلهة جمع، والجمع يقع عليه التأنيث، كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى  ﴾ ، وقال: ﴿ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى  ﴾ ، ولم يقل: الأول، ولا الأولين؛ وكل ذلك صواب) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَشْهَدُ ﴾ إلى آخر الآية، قال العلماء: (المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين، ويتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام) (٢٤) ونص الشافعي على استحباب ضم التبرؤ إلى الشهادة لقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ عقيب أمره نبيه  بالتوحيد (٢٥) (١) في (ش): (ينكرون)، وهو تحريف.

(٢) انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 477، و"تفسير الثعلبي" 176 أو"تفسير الماوردي" 2/ 100، و"أسباب النزول" للواحدي ص 216، و"تفسير البغوي" 3/ 13، و"تفسير الرازي" 12/ 175، وأكثرهم ذكره عن الكلبي، وبعضهم عن ابن عباس والحسن.

(٣) في (ش): (الله تعالى).

(٤) انظر: "غرائب الكرماني" 1/ 355 - 356، و"تفسير ابن عطية" 5/ 150، و"تفسير الرازي" 12/ 176، وقال البخاري في "صحيحه"، و"كتاب التوحيد"، باب ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ﴾ ، وسمى الله تعالى نفسه شيئًا ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ ا.

هـ.

وانظر: شرحه في "فتح الباري" 13/ 402، وحكى الغزالي في "المقصد الأسنى" ص 148، والرازي في "شرح أسماء الله الحسنى" ص 354، الاتفاق على ذلك.

(والظاهر أنه من باب الإخبار فيصح أن يخبر عنه بالشيء لكنه شيء كامل، ولا يقال شيء على سبيل الإطلاق فقط، فهو ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه لا بد أن تتضمن أسماء الله معاني حسنى، لكن يصح أن يخبر عن الله بأنه شيء، ولكن لا يدعى به ولا يسمى به): أفاده ابن تيمية في "لفتاوى" 6/ 73، وابن القيم في "بدائع الفوائد" 1/ 162، ومحمد بن صالح العثيمين في "شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري" ص 101.

(٥) جاء في النسخ (وقد ذكرنا) ثم صحح في أعلى السطر من (أ).

(٦) "تفسير مجاهد" 1/ 212، وأخرجه الطبري 7/ 162، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1271، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 2/ 43، من طرق جيدة، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 12.

(٧) "معاني الزجاج" 2/ 234.

(٨) هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 234.

(٩) ذكره المؤلف في "الوسيط" 1/ 20، بلا نسبة، وأخرج الطبري 7/ 163، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1271، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 24 بسند جيد عنه في الآية قال: (يعني أهل مكة ومن بلغه هذا القرآن فهو له نذير) ا.

هـ.

(١٠) "معاني الفراء" 1/ 329.

(١١) هذا قول الجمهور والتقدير: ولأنذر الذي بلغه القرآن، حذف العائد لاستعمال العرب ذلك ولدلالة الكلام عليه.

انظر: "تفسير الطبري" 7/ 163، و"إعراب النحاس" 2/ 58، و"المشكل" 1/ 247، ابن عطية 5/ 151، و"البحر" 4/ 91، و"الدر المصون" 4/ 568.

(١٢) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 163، والبغوي 3/ 133، وابن كثير 2/ 142.

(١٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 163، بسند ضعيف، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 176 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 20، والسيوطي في "الدر" 3/ 13.

(١٤) تقدمت ترجمته.

(١٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 163، وابن أبي حاتم 4/ 1271 من طرق يقوي بعضها بعضًا، وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 231، عن محمد بن كعب.

وانظر: "الدر المنثور" 3/ 13.

(١٦) هو: أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي، أبو جعفر المصري المشهور بالنحاس.

(١٧) لفظ: (الواو) ساقط من (ش).

(١٨) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).

(١٩) "معاني النحاس" 2/ 406، و"إعراب النحاس" 1/ 539، و"القطع والائتناف" 1/ 221، وذكر هذا القول مكي في "المشكل" 1/ 247، وابن عطية 5/ 152، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 399.

(٢٠) انظر: الطبري 16317، والسمرقندي 1/ 477، والماوردي 1/ 514، والرازي 12/ 178، و"البحر" 4/ 91.

(٢١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٢٢) جاء في النسخ (قل أئنكم) بزيادة قل، وهو تحريف.

(٢٣) "معاني القرآن" للفراء 1/ 329، وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 163، و"البحر المحيط" 4/ 92.

(٢٤) انظر: "تفسير الرازي" 12/ 179، و"الخازن" 2/ 125.

(٢٥) ذكره في "روضة الطالبين" 7/ 301، عن الشافعي، وزاد: (وقال في موضع: إذا أتى بالشهادتين صار مسلمًا؛ وليس هذا باختلاف قول عند جمهور الأصحاب، بل يختلف الحال باختلاف الكفار وعقائدهم) ا.

هـ وانظر: "المغني" لابن قدامة 12/ 288 - 291، و"نيل الأوطار" 7/ 230 - 235.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شهادة ﴾ سؤال يتقضي جواباً ينبي عليه المقصود، وفيه دليل على أن الله يقال فيه شيء لكن ليس كمثله شيء ﴿ قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ يحتمل وجهين أحدهما أن يكون الله مبتدأ وشهيد خبره، والآخر أن يكون تمام الجواب عند قوله: قل الله، بمعنى أن الله أكبر شهادة، ثم يبتدئ على تقدير: هو شهيد بيني وبينكم، والأول أرجح لعدم الإضمار، والثاني أرجح لمطابقته للسؤال، لأن السؤال بمنزلة من يقول: من أكبر الناس؟

فيقال في الجواب، فلان وتقديره فلان أكبر، والمقصود بالكلام استشهاد بالله الذي هو أكبر شهادة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهادة الله بهذا هي علمه بصحة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإظهار معجزته الدالة على نبوته ﴿ وَمَن بَلَغَ ﴾ عطف على ضمير المفعول في لأنذركم والفاعل ببلغ ضمير القرآن، والمفعول محذوف يعود على من تقديره: ومن بلغه والمعنى أوحى إليّ هذا القرآن لأنذر به المخاطبين، وهم أهل مكة، وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم إلى يوم القيامة، قال سعيد بن جبير: من بلغه القرآن فكأنما رأى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: المعنى؛ ومن بلغ الحلم وهو بعيد ﴿ قل إئنكم لتشهدون ﴾ الآية: تقرير المشركين على شركهم، ثم تبرأ من ذلك بقوله: لا أشهد، ثم شهد الله بالوحدانية، وروي أنها نزلت بسبب قوم من الكفار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد ما تعلم من الله إلهاً آخر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أمرت ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: هما وابن كثير وأبو عمرو.

الباقون: بالسكون.

﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.

الباقون: مبنياً للمفعول ﴿ أئنكم ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة ﴿ أينكم ﴾ بالياء بعد الهمزة: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينكم ﴾ بالمد والياء: أبو عمرو ويزيد.

وقالون ﴿ بريء ﴾ بغير همز حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف ﴿ يحشرهم ثم يقول ﴾ بياء الغيبة فيهما: يعقوب.

الباقون: بالنون ﴿ ثم لم تكن ﴾ بتاء التأنيث: حمزة وعلي وحماد والمفضل وسهل ويعقوب الباقون: بالياء ﴿ فتنتهم ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر وحفص والمفضل.

الباقون: بالنصب ﴿ والله ربنا ﴾ بالنصب على النداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: بالجر على البدل أو البيان.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل لله ﴾ ط ﴿ الرحمة ﴾ ط لأن قوله ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب قسم محذوف.

وقيل: لا وقف و ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب معنى القسم في ﴿ كتب ﴾ وفيه نظر لأن ﴿ كتب ﴾ وعد ناجز و ﴿ ليجمعنكم ﴾ وعد منتظر.

﴿ لا ريب فيه ﴾ ط بناء على أن الذين مبتدأ فيه معنى الشرط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ولا يطعم ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمه ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ شهادة ﴾ ط ﴿ ومن بلغ ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لانتهاء الاستخبار إلى الإخبار.

﴿ قل لا أشهد ﴾ ج لاتساق الكلام بلا عطف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ أبناءهم ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده وصف ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ يزعمون ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما برهن على إثبات الصانع وتحقيق النبوّات وتقرير المعاد، وانجر الكلام إلى الأمر باعتبار أحوال الغابرين، عاد إلى إثبات هذه المطالب بطريق الإلزام وأخذ الاعتراف، وذلك أن آثار الحدوث وسمات الإمكان لائحة على صفحات السمويات والأرضيات حتى بلغ في ظهوره إلى حيث لا يقدر منكر على إنكاره، فكان في السؤال تبكيت وإفحام، وفي الجواب تقرير وإلزام، أي هو لله بلا مراء وشقاق ولن يتم الملك إلا إذا كان قادراً على الإعادة كما هو قادر على الإبداء، ولن تحصل حكمة الإعادة إلا بثواب المطيعين وعقاب العاصين، ولن يحسن إيصال الثواب والعقاب إلا بعد نصب الدلائل وإرسال الرسل فلأجل ذلك قال ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ أي بنصب الأدلة وإزاحة العلة إيجاب الفضل والكرم.

وقيل: هذه الرحمة هي أنه يمهلهم مدّة عمرهم ولا يعاجلهم بالاستئصال، أو فرض على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدّقهم وقبل شريعتهم، أو تلك الرحمة هي أنه يجمعهم إلى يوم القيامة فإنه لولا هذا التهديد لحصل الهرج والمرج وارتفع الضبط وكثر الخبط كأنه قيل: لما علمتم أن كل ما في السموات والأرض لله  ، وأنه مالك الكل فاعلموا أن الله الملك الحكيم لا يهمل أمور عبيده، ولا يجوز في حكمته التسوية بين المطيع والعاصي والعامل والساهي.

ومعنى ﴿ ليجمعنكم ﴾ ليضمنكم.

وقيل: فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة فإن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان.

وقيل: ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرناً بعد قرنإلى يوم القيامة.

قال الأخفش: ﴿ الذين خسروا ﴾ بدل من ضمير المخاطبين في ﴿ ليجمعنكم ﴾ .

وقال الزجاج: إنه مبتدأ خبره ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وذلك لتضمنه معنى الشرط فكأنه قيل: ما للمشركين مع وضوح الدلائل الباهرة لا يؤمنون؟

فأجيب ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ أي في علم الله وسابق قضائه فهم لا يؤمنون في طرف الأبد، فكان امتناعهم الآن عن الإيمان مسبباً عن سبق القضاء عليهم بالخسران والخذلان.

وقال في الكشاف ﴿ الذين خسروا ﴾ نصب أو رفع على الذم بمعنى أريد الذين، أو أنتم الذين.

ثم لما بيّن أن له المكان والمكانيات ارتقى في البيان كما هو شأن الترتيب التعليمي إلى ما هو أخفى من ذلك عند الحس وهو الزمان والزمانيات فقال ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ عن ابن عباس أن كفار مكة أتوا رسول الله  فقالوا: يا محمد إنا قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة فنحن نجعل لك نصيباً من أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلاً وترجع عما أنت عليه فنزل ﴿ وله ما سكن ﴾ الآية.

قيل: اشتقاقه من السكون والتقدير كل ما سكن وتحرك كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ أي تقيكم الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر للقرينة.

والأصوب أن يقال: اشتقاقه من السكنى كما يقال: فلان سكن ببلد كذا أي حل فيه.

والمراد كل ما حل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً، وذلك أن الدخول تحت الزمان يستلزم التغير والحدوث فلا بد له من محدث يتقدم عليه وعلى نفس الزمان ﴿ وهو السميع العليم ﴾ الذي يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين فيوصل كل ممكن إلى كمال يليق به ويستعدّ له.

ثم لما كان لزاعم أن يزعم أن الذي يتعالى عن المكان وعن الزمان قد يكون ممكناً في نفسه كالمفارقات التي يثبتها الفلاسفة فلا جرم قال ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ منكر الاتخاذ غير الله ﴿ ولياً ﴾ ولذلك قدم المفعول لكونه أهم، ولو كان حرف الاستفهام داخلاً على الفعل توجه الإنكار أوّلاً إلى نفس اتخاذ الولي وأنه غير مهم ﴿ فاطر السموات ﴾ عطف بيان من ﴿ الله ﴾ أو بدل.

وقرىء بالرفع على إضمار هو، وبالنصب على المدح.

وعن ابن عباس: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها.

وقال ابن الأنباري: أصل الفطر الشق وقد يكون شق إصلاح كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض  ﴾ أي خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضمه بعض الأشياء إلى بعض.

وقد يكون شق إفساد ومنه قوله  ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ ﴿ إذا السماء انفطرت  ﴾ ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد.

والرزق والإطعام وإن كانا متغايرين وإلا لم يحسن العطف في قوله ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون  ﴾ إلا أنهما متقاربان فحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر.

وقرىء ﴿ وهو يطعم ﴾ مبنياً للمفعول على أن الضمير لغير الله وقرىء ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ كلاهما للفاعل.

والمعنى هو يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله ﴿ وإنه يقبض ويبسط  ﴾ أو الثاني بمعنى لا يستطعم.

وحاصل الآية أنه يجب شغل القلب كله بالله وقطع العلائق بالكلية عما سواه لأنه الجواد المطلق الذي يهب لا لعوضٍ ولا انتفاع.

ثم بيّن أن النبي أيضاً داخل في تكليف المعرفة بل هو أسبق قدماً في ذلك فقال ﴿ قل إني أمرت أن أكون أوّل من أسلم ﴾ وقيل لي ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ وفيه أن الواعظ يجب أن يتعظ أوّلاً بما يقوله، فالمريض لا يتصور منه العلاج.

ثم ذكر أن النبي  مع جلالة قدره بصدد المؤاخذة على تقدير المخالفة فقال ﴿ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ ولا يلزم من هذا جواز المعصية عنه لأن الفرض قد يتعلق بالمستحيل كقولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.

من قرأ ﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل فالضمير فيه عائد إلى الله والمفعول وهو العذاب محذوف لكونه معلوماً أو مذكوراً قبله.

قال في الكشاف: ويجوز أن تنصب يومئذ على أنه مفعول به لـ ﴿ يصرف ﴾ أي من يصرف الله عنه ذلك اليوم أي هو له، ومن قرأ على بناء المفعول فهو مسند إلى ضمير العذاب، ولم يسم الفاعل وهو الله  للعلم به ﴿ فقد رحمه ﴾ أي الله الرحمة العظمى كقولك: إن أطعمت زيداً من جوعه فقد أحسنت إليه يعني كمال الإحسان.

أو المراد فقد أدخله الجنة فإن من لم يعذب لم يكن له بد من الثواب تفضلاً أو استيجاباً.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن إيصال الثواب على الطاعة غير واجب وإنما هو ابتداء فضل وإحسان وإلا لم يحسن ذكر الرحمة ههنا، ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب زيداً فإذا لم يضربه لا يقال أنه رحمه؟

﴿ وذلك ﴾ أي صرف العذاب وإيصال الثواب على سبيل التفضل أو الاستيجاب ﴿ الفوز المبين ﴾ لأنه المطلب الأعلى والمقصد الأسنى لكل مكلف.

ثم أكد المعنى المذكور وهو أنه لا يجوز للعاقل أن يرغب في اتخاذ ولي غير الله بقوله ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ من مرض أو فقر أو غير ذلك من البليات ﴿ فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير ﴾ من غنى أو صحة ﴿ فهو على كل شيء قدير ﴾ عمم الحكم لندرج تحته كل خير والحاصل أن اندفاع جميع المضار بقدرته، وكذا حصول جميع الخيرات لأن كل ما عداه فإنما هو تحت قهره وتسخيره وقد حصل بإيجاده وتكوينه، فإن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ورأس المضارّ هو الكفر، وسنام الخيرات هو الإيمان، ولن يحصل نفرة الكفر وداعية الإيمان إلا بتوفيقه  .

وكل ما يتصور أنه قد نفع أو ضر من الجمادات أو المختارات فإن ذلك ينتهي إلى تخليق الله وجعله ذلك الشيء واسطة لذلك النفع أو الضر، فلا ضارّ ولا نافع بالحقيقة إلا هو  .

ثم زاد لهذا المعنى بياناً فقال ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ وهو إشارة إلى كمال القدرة ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ وإنه إشارة إلى كمال العلم.

فالحكمة أعم من العلم لأنها عمل وعلم، وكونه خبيراً أخص من العلم لأنه العلم ببواطن الأمور وخباياها، فإذا اجتمعت هذه المعاني حصل العلم بكماله وغايته، وقد استدل بظاهر الآية من أثبت الفوقية لله  وعورض بوجوه منها: أنه لو كان فوق العالم فإن كان في الصغر بحيث لا يتميز منه جانب من جانب كالجوهر الفرد مثلاً فذلك لا يقوله عاقل، وإن كان ذاهباً في الأقطار كلها كان متجزئاً.

والجواب أنه لم لا يجوز أن يكون نوراً قائماً بذاته غير متناه لا متجزئاً ولا متبعضاً قاهراً لجميع الأنوار غالباً على جميع الأشياء.

فلا غاية لجوده ولا نهاية لوجوده.

وأما إنه كيف يتصور نور بلا نهاية مع أنه لا ينقسم يتبعض فمجرد استبعاد فلا يصلح حجة وإدراك شيء من هذا النور محتاج إلى النور ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ ومنها أنه لو كان غير متناه من كل الجهات لزم اختلاطه بالقاذورات.

والجواب أن هذا كلام مخيل فلا يستعمل في البرهان.

ومنها أنه لو لم يكن خارج العالم خلاء ولا ملاء لم يمكن حصول ذات الله  فيه، وإن كان خلاء فحصوله في جزء من أجزاء ذلك الخلاء دون سائر أجزائه محتاج إلى مخصص، فيكون الواجب مفتقراً فيكون محدثاً هذا خلف.

والجواب أنا ذكرنا أن نور الأنوار لا يتناهى وأنه وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى فيسقط هذا الاعتراض.

ومنها أنه  موجود قبل الخلاء والحيز والجهة، فلا يكون بعد حصول هذه الأشياء موجوداً فيها وإلا لزم التغير في ذاته.

والجواب بالفرق بين المعية وبين الافتقار.

ومنها أن العالم كرة فإما أن يكون الله  فوق أقوام بأعيانهم وحينئذ يلزم أن يكون تحت أقدام من يقابلهم وإما أن يكون فوق الكل فيكون فلكاً محيطاً بسائر الأفلاك وهذا لا يقوله مسلم.

والجواب الإلزامي بعد تسليم كون العالم كرة أنا نختار القسم الأول، ولا يلزم التحتية لأن التحت من جميع الجوانب هو ما يلي المركز، والفوق ما يلي السماء.

أو القسم الثاني ولا يلزم من إحاطته بجميع الأشياء كونه فلكاً كسائر الأفلاك، وأما التحقيق فقد مر.

ومنها أن لفظ الفوق في الآية مسبوق بالقهر ويراد به القدرة والمكنة وملحوق بلفظ عباده، وأنه مشعر بالمملوكية والمقدورية.

فالمناسب أن يراد بالفوق أيضاً فوقية القدرة ولا يلزم التكرار لأن المراد أن القهر والقدرة عام في حق الكل.

والجواب أن حمل الوسط على الطرفين أولى من العكس، بل لا نزاع في مفهوم العباد وإنما النزاع في مفهومي القاهرية والفوقية، وليس حمل أحدهما على الآخر أولى من غيره، ومنها أن الآية سيقت رداً على من اتخذ غير الله ولياً وهذا إنما يحسن لو كان المراد بالفوقية القدرة لا الجهة.

والجواب أن الفوقية بالوجه الذي قررناه في جواب الاعتراض الأول يفيد الاستعلاء المطلق وذلك يوجب أن يكون التعويل عليه في كل الأمور إذ لا وجود ولا ظهور لشيء من الأشياء إلا بفيضه ونوره.

وقد يلوح للمتأمل في هذه الأجوبة بعد التنزية عن التشبيه والتجسيم والحلول والاتحاد أسرار غامضة شريفة إن كان أهلاً لها "وكل ميسر لما خلق له" قال الكلبي: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد ما نرى أحداً يصدقك بما تقول من أمر الرسالة.

ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم فنزلت ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة ﴾ الآية.

قال العلماء: إنها دلت على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله.

ثم بيَّن أن شهادة الله حاصلة إلا أنها لم تدل على أن تلك الشهادة لإثبات أيّ المطالب فقيل: إنها لإثبات نبوة محمد  لما ذكرنا من سبب النزول.

والمعنى قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة حتى يعترفوا بأن أكبر الأشياء شهادة هو الله  ، فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهد لي بالنبوة بأن أظهر على وفق دعواي معجزاً هو القرآن الذي عجزتم معاشر الفصحاء والبلغاء عن معارضته.

وقيل: إن حصول هذه الشهادة في وحدانية الله  وذلك أن الوحدانية ليست مما يتوقف صحته على صحة السمع فلا يمتنع إثباتها بالسمع والمعنى ﴿ قل الله شهيد بيني وبينكم ﴾ في إثبات الوحدانية والبراءة عن الأضداد والأنداد والأمثال والأشباه ﴿ وأوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ﴾ وأبلغكم أن الدين هو التوحيد والشرك مردود.

واستدل الجمهور بالآية على أنه يصح إطلاق الشيء على الله  وخالف جهم محتجاً بقوله  ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ إذ لا يمكن دعوى التخصيص فيه، فإن التخصيص إنما يجوز في صورة شاذة لا يلتفت إليها لقلة اعتبارها فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيهاً على أن البقية جارية مجرى العدم.

فلو كان الباري  شيئاً لكان أعظم الأشياء وأشرفها فيكون إخراجه من هذا العموم محض الكذب.

وأيضاً احتج بأن الشيء يطلق على المعدوم لقوله  ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله  ﴾ والشيء الذي سيفعله غداً معدوم في الحال، فالشيء لا يفيد صفة مدح فلا يطلق عليه.

والجواب عن الأول أن إخراجالأكثر من العموم جائز عندنا.

ولو سلم فإنه  واحد من الأشياء، والمخرج بهذا الاعتبار أقل عدداً من الباقي.

وعن الثاني أن لفظ الشيء أعم الألفاظ، ومتى صدق الخاص كالذات، والحقيقة صدق العلم بالضرورة.

قال جهم ﴿ قل الله شهيد ﴾ جملة مستقلة بنفسهالا تعلق لها بما قبلها فلا يصح استدلالكم.

قلنا ﴿ قل أي شيء ﴾ سؤال ولا بد له من جواب.

وهو إما مذكور رأي قل الله أكبر الأشياء شهادة ثم ابتدىء فقيل شهيد أي وهو شهيد بيني وبينكم، أو محذوف والمعنى قل هو الله والله شهيد بيني وبينكم.

وحسن الحذف لأنه إذا سأل عن أكبر الأشياء شهادة وذكر بعد ذلك أن الله شهيد علم جزماً أن أكبر الأشياء شهادة هو الله أما قوله ﴿ ومن بلغ ﴾ فمعطوف على ضمير المخاطبين والعائد إلى من محذوف أي لأنذركم يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم.

وقيل: من الثقلين.

وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة.

وعن سعيد بن جبير من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً  ، وقيل: ومن بلغ أي من احتلم وبلغ أوان التكليف، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار العائد.

ثم استفهم مبكتاً فقال ﴿ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ﴾ وصف الجمع بصفة الواحدة كما يقال: الرجال فعلت.

ثم دل على إيجاب التوحيد بثلاث جمل: أولاها ﴿ قل لا أشهد ﴾ أي بما تذكرونه من إثبات الشركاء، وثانيتها ﴿ قل إنما هو إله واحد ﴾ وكلمة "إنما" تفيد الحصر.

وثالثتها ﴿ وإنني بريء مما تشركون ﴾ ومن هنا قالت العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويضم إليهما التبري عن كل دين سوى دين الإسلام.

ولما زعم مشركو مكة أنهم سألوا اليهود والنصارى عن نعت محمد صلى الله عليه وآله فقالوا: ليس عندنا ذكره كذّبهم الله  بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ﴾ أي يعرفون رسول الله بنعوته وحلاه الثابتة في الكتابين ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ بالنعوت والحلي لا يخفون عليهم ولا يشتبهون بغير أبنائهم.

﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ إما بدل أو بيان من "الذين" الأولى، ويكون المقصود وعيد المعاندين منهم والجاحدين.

وإما مبتدأ والكلام جملة مستأنفة شاملة لجميع الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين.

والمراد بخسران النفس الهلاك الدائم الذي يحصل لهم بسبب الكفر.

وقيل: ما من أحد إلا وله منزلة في الجنة إلا أن من كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورّث منزلته غيره.

ثم بيَّن سبب خسرانهم مستفهماً على سبيل الإنكار فقال ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم جمعوا بين أمرين متنافيين: إثبات الباطل وهو الافتراء على الله، وجحد الحق وهو التكذيب بآيات الله، فمن الأول أن المشركين كانوا يقولون للأصنام إنهم شركاء الله والله أمرهم بذلك، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، واليهود والنصارى كانوا يزعمون أن التوراة والإنجيل ناطقان بعدم النسخ.

وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة إلى غير ذلك من مفترياتهم.

ومن الثاني قدحهم في القرآن وفي صحة نبوة محمد  ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه الباطل مكان الحق والحق بإزاء الباطل.

ثم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ وناصبه محذوف أي ويوم كذا كان كيت وكيت فترك ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في الوعيد.

ويحتمل أن يكون مفعول "واذكر" أو معطوفاً على محذوف أي لا يفلح الظالمون في الدنيا ويوم الحشر.

﴿ أين شركاؤكم ﴾ آلهتكم التي جعلتموهم شركاء ﴿ الذين كنتم تزعمون ﴾ هم شركاء فحذف المفعولان.

والمقصود من هذا الاستفهام التقريع والتبكيت، ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حيث لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم، ويجوز أن يحال بينهم وبين آلهتهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فتزداد حسرتهم، ويحتمل أن يقال: أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم؟

والغرض من جميع الوجوه أن يتقرر في نفوسهم أن الذي يظنونه مأيوس منه فيصير ذلك تنبيهاً لهم في الدنيا على فساد هذه الطريقة ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ من قرأ بالرفع على أنه اسم كان فالخبر ﴿ إلا أن قالوا ﴾ والتقدير شيئاً إلا أن قالوا ومن قرأ بالنصب مع تذكير يكن فبعكس ما قلنا.

والتقدير شيء إلا أن قالوا.

وأما مع تأنيث يكن فلوقوع الخبر مؤنثاً كقولهم: من كانت أمك.

أو بتأويل مقالتهم.

قال الواحدي: الاختيار قراءة من قرأ بالنصب لأن "أن" إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر.

وكما أن المضمر والمظهر إذا اجتمعا كقولك: إن كنت القائم.

كان جعل المضمر اسماً أولى من جعله خبراً فكذلك ههنا.

قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من وقف على معاني كلام العرب، وذلك أنه تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه، فذكر أن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به وقالوا إنه دين آبائنا لم تكن إلا الجحود والتبرؤ منه والحلف على عدم التدين به.

ومثاله أن ترى إنساناً يحب شخصاً مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه فيقال له: ما كانت محبتك أي عاقبة محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وتركته.

فعلى هذا فتنتهم في شركهم في الدنيا كما فسرها ابن عباس.

ولكن لا بد من تقدير مضاف وهو العاقبة، ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا: فسمي فتنة لأنه كذب، قال القاضيان: الجبائي وأبو بكر: إن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب لأنهم يعرفون الله  بالاضطرار فيكونون ملجئين إلى ترك القبيح وكيف لا وإنهم يعلمون أن ذلك لا يروج منهم حينئذ ولا يستفيدون بذلك إلا زيادة المقت والغضب من الله  عليهم؟

ولا يجوز أن يقال: إنهم لما عاينوا القيامة اختلت عقولهم واضطربت فلهذا قالوا الكذب، أو أنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا لأنه لا يليق بحكمته  أن يوبخهم ثم يحكى عنهم ما يجري مجرى الاعتذار عند اختلال عقولهم.

ولأن تجويز نسيان أمر كان عليه الشخص مدة عمره نوع من السفسطة.

وأيضاً إنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على نوعين من القبيح فإن عوقبوا على ذلك صارتالآخرة دار التكليف وإن لم يعاقبوا كان إذناً من الله  في ارتكاب الذنوب وكلاهما محال.

فإذا الوجه في الآية أن يقال: إن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم وظنونهم أنهم موحدون فأجابوا بقولهم ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ أي في اعتقادنا وظنوننا، وعلى هذا فيكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم كانوا غير مشركين عند أنفسهم فيجيب تأويل قوله تعالى ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ بأن المراد كذبهم في دار الدنيا كقولهم إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك وإن آلهتهم شفعاؤهم عند الله فلهذا قال ﴿ وضل عنهم ﴾ أي وانظر كيف غاب عنهم في الآخرة ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ أي يفتعلون إلهيته وشفاعته.

والحاصل أن الآية سيقت لبيان تضاد حاليهم في الدنيا وفي الآخرة بالكذب وبالصدق ولكن حيث لا ينفعهم الصدق لأن الصدق في الآخرة إنما يعتبر إذا كان مقروناً بالصدق في الدنيا، هذا جملة كلام القاضيين.

قال جمهور المفسرين: إن قول القائل المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا، وكيف كذبوا على أنفسهم في الدنيا مخالفة الظاهر وإن الكفار قد يكذبون في القيامة لقوله  ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون  ﴾ إلى قوله ﴿ ألا إنهم هم الكاذبون  ﴾ ولو سلم أنهم لا يكذبون تعمداً إلا أن الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه حيرة ودهشاً، ألا تراهم يقولون ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 107\] وقد أيقنوا بالخلود؟

﴿ وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك  ﴾ وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.

واختلال عقولهم حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع كمال عقلهم في سائر الأوقات.

التأويل: ما في الكون سوى الله، لا داع ولا مجيب فلهذا يسأل ويجيب ﴿ قل لمن ما في السموات والأرض قل لله ﴾ وله ما سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، وفي نهار الروحانية إلى المواهب الربانية، ﴿ وهو السميع ﴾ أنين من سكن إليه ﴿ العليم ﴾ بحنين من اشتاق إليه ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ اليوم ﴿ ولياً ﴾ وقد اتخذني الله في الأزل حبيباً ﴿ فاطر ﴾ سموات القلوب على محبته وفاطر أرض النفوس على عبوديته ﴿ وهو يطعم ﴾ أرواح العارفين طعام المشاهدات ويسقيهم كؤوس المكاشفات ﴿ ولا يطعم ﴾ لأنه لا يحتاج إلى قبول الفيض من غيره فالأنوار عنده كالذرّات ﴿ أول من أسلم ﴾ لأني خلصت من حبس الوجود بالكلية وحدي ولهذا يقول الأنبياء نفسي نفسي وأقول: أمتي أمتي ﴿ إن عصيت ربي ﴾ برؤية الغير يوم قدّر الشرك لاقوام والتوحيد لاقوام ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ إن دائرة أزليته متصلة بدائرة أبديته، وكل نقطة من الدائرة تصلح للبداية والنهاية، فكل ما صدر منه فلن ينتهي إلا به ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ قهر الكفار بموت القلوب فضلوا في ظلمات الطبيعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة فخرجوا من ظلمات الطبيعة، وقهر قلوب المحبين بلذعات الأشواق إلى يوم التلاق، وقهر أرواح الصديقين بسطوات الجلال في أوقات الوصال.

﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما يقهره فلا يخلو من حكمة ﴿ الخبير ﴾ بمن يتسأهل كل صنف من قهره فيقهره به ﴿ الله أكبر شهادة ﴾ لأنه محيط بحقائق الأشياء ولا يحيط به شيء من الأشياء ﴿ ومن بلغ ﴾ القرآن ووقف على حقائقه.

ويقول للمشركين ﴿ أئنكم لتشهدون ﴾ ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ يعني العلماء بالقرآن يعرفون الله أو النبي.

وفيه إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله مصدر جميع الأشياء ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ ويوم يحشرهم جميعا ﴾ يعني أهل المعرفة والنكرة ﴿ أين شركاؤكم ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ كذبوا على أنفسهم ﴾ في القيامة لأنهم كذبوا في الدنيا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ﴾ وفي حرف ابن مسعود -  -: (ربّاً)؛ كأن هذا صلة قوله: ﴿ قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ  ﴾ فإذا أقررتم أن ذلك كله لله فكيف تتخذون له شركاء فتعبدون غير الله وهو فاطر السماوات والأرض ومنشئهما ومنشئ ما فيهما، كيف صرفتم العبادة إلى غير الله؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ .

قال أهل التأويل: هو يرزق ولا يرزق، ليس كمن له عبيد في الشاهد يرزق بعضهم بعضاً، الموالي من العبيد، والعبيد من السادات، ينتفع بعضهم من بعض، فأما الله -  وتعالى - خلق الخلق لا لمنفعة نفسه؛ لأنه غني بذاته، والخلق فقراء إليه؛ كقوله -  -: ﴿ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ .

قال الحسن: أول من أسلم من قومه، وأصله: ﴿ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ أي: أمرت أن أسلم وأخضع أنا أولا، ثم آمركم بذلك.

واحتج بعض الناس بظاهر هذه الآية أن الإسلام لا يلزم إلا بالأمر والدعاء إليه، وقالوا: إن من مات قبل أن يؤمر به، وقبل أن يدعي إليه - فإنه لا شيء عليه، وعلى ذلك من مات في وقت الفترة وانقطاع الرسل والوحي؛ لأنّه قال: ﴿ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ أخبر أنه أمر بذلك، وإذا لم يكن ثَمَّ أمر لم يلزم، لكن الوجه في الآية ما ذكرنا، أي: أمرت أن أسلم وأخضع أولا ثم آمر غيري، فإذا كان التأويل هذا بطل أن يكون في ذلك حجة لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

قال ابن عباس -  -: قل يا محمد لكفار أهل مكة: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ ﴾ ، أي: أعلم ﴿ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ فعبدت غيره، ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

هذا التأويل صحيح إن كان ما ذكر من سؤالهم رسول الله  وعرضهم المال عليه ليعود ويرجع إلى دينهم، فيخرج هذا على الجواب لهم.

وقال بعضهم: قوله -  -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ على الخوف، لكن لقائل أن يقول: كيف خاف عذاب يوم عظيم وقد أخبر أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟!

وكيف قال: ﴿ إِنْ عَصَيْتُ ﴾ وقد أخبر أنه عصمه وغفر له؟

قيل: يحتمل أن تكون المغفرة له على شرط الخوف، غفر له ليخاف عذابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ قال بعض المعتزلة: الرحمة هاهنا: الجنة؛ لأن الله -  - جعل في الآخرة دارين؛ إحداهما: النار، سماها سخطاً.

والأخرى: الجنة، سماها رحمة.

وإنما حملهم على هذا أنهم لا يصفون الله بالرحمة في الأزل، فعلى قولهم يكون قول رسول الله  : "إلا أن يتغمدني الله برحمته" ، أي: يثيبني الجنة.

ولكن سميت الجنة رحمة عندنا لما برحمته يدخلون الجنة، لا بأعمالهم؛ لما روينا عن رسول الله  حيث قال: "لا يدخل أحد الجنة بعمله قيل: ولا أنت يا رسول الله؟

قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وعلى قول المعتزلة فيكون الله بالملائكة رحيماً لأنه [.....] ولا ثواب، ولكن الوجه فيه ما ذكرنا أنها سميت رحمة لما برحمته يدخل فيها.

وعلى هذا يخرج ما سمي المطر رحمة لما برحمته ينزل، وكذلك كل ما سمي رحمة في الشاهد يخرج على ما ذكرنا، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ ﴾ .

قيل: من يصرف عنه العذاب يومئذ فقد رحمه، وكذلك روي في حرف حفصة: (من يصرف عنه العذاب فقد رحمه)، وفي حرف ابن مسعود: (من يصرف عنه شر ذلك اليوم فقد رحمه).

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ صلة قوله: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

وكذلك روي عن ابن عباس -  - قال في قوله -  -: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ ﴾ : قل لكفار أهل مكة حين دعوه إلى دينهم، على ما ذكر في بعض القصة: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

وذلك الصرف - يعني: صرف العذاب - الفوز المبين، وإنما ذكره - والله أعلم - فوزاً مبيناً؛ لأنه فوز دائم، لا زوال له، وليس كفوز هذه الدنيا يكون في وقت ثم يزول عن قريب، ولا كذلك فوز الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ﴾ .

فيه إخبار أن ما يصيب العبد من الضرّ والخير إنما يصيب به، ثم الضر المذكور في الآية لا يخلو من أن يراد [به] سقم النفس، أو ضيق العيش، أو شدة وظلم يكون من العباد لا يخلو من هذه الأوجه الثلاثة، فإذا كان كذلك فدل إضافة ذلك إلى الله -  - على أن لله فيه فعلا، وهو أن خلق فعل ذلك منهم، فهو على كل شيء قدير من كشف الضر له، والصرف عنه، وإصابة الخير لا يملك ذلك غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ .

في هذه الآية والآية الأولى ذكر أهل التوحيد؛ لأنه أخبر أن ما يصيب العباد من الضر والشدة لا كاشف لذلك إلا هو، ولا يدفع ذلك عنهم ولا يصرفه إلا الله، وأن ما يصيبهم من الخير إنما يصيبهم بذلك الله، وأخبر أنه على كل شيء قدير.

وفي قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ إخبار أنه قاهر يقهر الخلق، عزيز، قادر، وله سلطان عليهم، وأنهم أذلاء تحت سلطانه.

وفي قوله: ﴿ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ إخبار بالعلوية، والعظمة، وبالتعالي عن أشباه الخلق.

﴿ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : يضع كل شيء موضعه.

﴿ ٱلْخَبِيرُ ﴾ : بما يسرون وما يعلنون، إخبار ألاَّ يخفى عليه شيء، وأنه يملك وضع كل شيء موضعه، وأن ما يصيبهم من الضر والشدة إنما يكون به، لا يملك أحد صرفه، وأن [ما] ضر أحد أحداً في الشاهد، أو نفع أحد أحداً إنما يكون ذلك بالله في الحقيقة.

وفي هذه الأحرف: إخبار عن أصل التوحيد وما يحتاج إليه لما ذكرنا من الوصف له بالقدرة والقهر، والوصف له بالعلو والعظمة، والتعالي عن أشباه الخلق، والوصف له بالحكمة في جميع أفعاله، والعلم بكل ما كان ويكون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ .

كأن في الآية إضماراً - والله أعلم - أي ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ، فيقولون: الله؛ لأنهم كانوا يقرون أنه خالق السماوات والأرض، وأنه أعظم من كل شيء؛ لكنهم يشركون غيره في عبادته، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وإلا كانوا يقرون بالعظمة له والجلال، فإذا سئلوا: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ، فيقولون: الله.

ويحتمل - أيضاً - أن يقول لنبيّه  إنهم إذا سألوا: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ؟

قل: الله، فإنك إذا قلت لهم ذلك يقولون هم أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ .

في كل اختلاف بيننا وبينكم في التوحيد، والبعث بعد الموت، ونحوه.

ويحتمل: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ في كل حجة وبرهان أتاهم الرسول به.

وفي قوله: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ ﴾ دلالة أنه يقال له شيء؛ لأنه لو لم يجز أن يقال له شيء لم يستثن الشيء منه، وكذلك في قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ أنه شيء؛ لأن "لا شيء" في الشاهد، إنما يقال إما للنفي أو للتصغير، ولا يجوز في الغائب النفي ولا التصغير؛ فدل أنه إنما يراد بـ "الشيء" الإثبات لا غير وبالله العصمة.

ذكر في بعض القصّة في قوله: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ أن رؤساء مكة أتوا رسول الله، فقالوا: يا محمد، أما وجد الله رسولا يرسله غيرك، ما ترى أحداً يصدقك بما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، ولا صفة، ولا مبعث، فأرنا من شهد لك أنك رسول الله [كما تزعم].

فقال الله -  -: يا محمد، قل لهم: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ، يقول: أعظم شهادة؛ يعني: البرهان، محمد حجة وبرهان، فإن أجابوك فقالوا: الله، وإلا فقل لهم: الله أكبر شهادة من خلقه أني رسوله، والله شهيد بيني وبينكم في كل اختلاف بيننا وبينكم، في التوحيد، وإثبات الرسالة، والبعث، وكل شيء.

وذكر في هذه القصة أنهم لما قالوا: من يشهد أن الله أرسلك رسولا، قالوا: فهلا أنزل إليك ملك.

فقال الله لنبيّه: [قل لهم: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ؟

فقالوا: الله أكبر شهادة من غيره، فقال الله:] قل لهم يا محمد: الله شهيد بيني وبينكم أني رسول الله، وأنه أوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به، ومن بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.

ثم قال لهم: ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ﴾ ، قالوا: نعم، نشهد.

فقال الله لنبيّه: قل لهم: لا أشهد بما شهدتهم، ولكن أشهد أنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾ .

كأنه قال: أوحي إليَّ هذا القرآن الذي تعرفون أنه من عند الله جاء؛ لأنه قال لهم: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  ﴾ فعجزوا عن إتيان مثله، فدل عجزهم عن إتيان مثله أنهم عرفوا أنه جاء من عند الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾ : لا ينذر بالقرآن ولكن ينذر بما في القرآن؛ لأنه فيه أنباء ما حل بأشياعهم بتكذيبهم الرسل، وما يحل بهم من العذاب في الآخرة بتكذيبهم الرسل، وإلا فظاهر القرآن ليس مما ينذر به، ﴿ وَمَن بَلَغَ ﴾ كأنه قال: وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به، وأنذر من بلغه القرآن، صار رسول الله نذيراً ببلوغ القرآن لمن بلغه، فإذا [صار] نذيراً به لمن بلغه وإن كان هو في أقصى الدنيا يصير هو نذيراً في أقصى الزمان، في كل زمان، وهو - والله أعلم - كقوله -  -: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  ﴾ ، ورسول الله هاد لقومه إلى يوم القيامة.

وفي الآية دلالة أن البشارة والنذارة يكونان ببعث آخر يبشر أو ينذر، وهو دليل لقول أصحابنا: إن من حلف: أيُّ عبدٍ من عبيدي بَشَّرَنِي بكذا فهو حرّ، فبشره [برسول، أو بكتاب] يكون بشارة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ﴾ فهذا في الظاهر استفهام، ولكنه في الحقيقة إيجاب أنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى، بعد ما ظهر عندكم آيات وحدانيته، وحجج ربوبيته لما عرفتم أنه خالقكم وخالق السماوات والأرض، به تعيشون وبه تحيون، وبه تموتون، مع ما ظهر لكم هذا أشركتم مع الله آلهة أخرى، وليس ذلك لكم مما تشركون في عبادته وألوهيته، وأنا لا أشهد، وإنما أشهد أنه إله واحد وإنني بريء مما تشركون [في ألوهيته وربوبيته].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- للمشركين المكذبين بك: أي شيء أجلّ وأعظم شهادة على صدقي؟

قل: الله أَجَلُّ شيء وأعظم شهادة على صدقي، هو شهيد بيني وبينكم، يعلم ما جئتكم به، وما ستردون به، وقد أوحى الله إليّ هذا القرآن لأُخَوِّفَكُم به، وأُخَوِّفَ به من بلغه من الإنس والجن، إنكم -أيها المشركون- تؤمنون أن مع الله معبودات أخرى، قل -أيها الرسول-: لا أشهد على ما أقررتم به لبطلانه، إنما الله إله واحد لا شريك له، وإني بريء من كل ما تشركونه معه.

<div class="verse-tafsir" id="91.8qg4o"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله