الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٢١ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 53 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢١ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ) أي : لا أظلم ممن تقول على الله ، فادعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله ، ثم لا أظلم ممن كذب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته ( إنه لا يفلح الظالمون ) أي : لا يفلح هذا ولا هذا ، لا المفتري ولا المكذب .
القول في تأويل قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن أشدُّ اعتداءً، وأخطأ فعلا وأخطأ قولا =" ممن افترى على الله كذبًا " , يعني: ممن اختلق على الله قيلَ باطل, (13) واخترق من نفسه عليه كذبًا, (14) فزعم أن له شريكًا من خلقه، وإلهًا يعبد من دونه - كما قاله المشركون من عبدة الأوثان - أو ادعى له ولدًا أو صاحبةً، كما قالته النصارى =" أو كذب بآياته " ، يقول: أو كذب بحججه وأعلامه وأدلته التي أعطاها رسله على حقيقة نبوتهم، كذّبت بها اليهود (15) =" إنه لا يفلح الظالمون " ، يقول: إنه لا يفلح القائلون على الله الباطل, ولا يدركون البقاءَ في الجنان, والمفترون عليه الكذب، والجاحدون بنبوة أنبيائه.
(16) ---------------------- الهوامش : (13) انظر تفسير"الافتراء" فيما سلف ص: 136 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(14) "اخترق" و"اختلق" و"افترى": ابتدع الكذب ، وفي التنزيل: "وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون" (الأنعام: 100).
(15) انظر تفسير"الآية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).
(16) انظر تفسير"الفلاح" فيما سلف ص: 97 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
قوله تعالى : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمونقوله تعالى : ومن أظلم ابتداء وخبر ، أي : لا أحد أظلم ممن افترى أي اختلق على الله كذبا أو كذب بآياته يريد القرآن والمعجزات .
إنه لا يفلح الظالمون قيل : معناه في الدنيا .
أي: لا أعظم ظلما وعنادا، ممن كان فيه أحد الوصفين، فكيف لو اجتمعا، افتراء الكذب على الله، أو التكذيب بآياته، التي جاءت بها المرسلون، فإن هذا أظلم الناس، والظالم لا يفلح أبدا.
ويدخل في هذا، كل من كذب على الله، بادعاء الشريك له والعوين، أو زعم أنه ينبغي أن يعبد غيره أو اتخذ له صاحبة أو ولدا، وكل من رد الحق الذي جاءت به الرسل أو مَنْ قام مقامهم.
قوله عز وجل : ( ومن أظلم ) ، أكفر ، ( ممن افترى ) ، اختلق ، ( على الله كذبا ) ، فأشرك به غيره ، ( أو كذب بآياته ) ، يعني : القرآن ( إنه لا يفلح الظالمون ) : الكافرون .
«ومن» أي لا أحد «أظلم ممن افترى على الله كذبا» بنسبه الشريك إليه «أو كذَّب بآياته» القرآن «إنه» أي الشأن «لا يفلح الظالمون» بذلك.
لا أحد أشد ظلمًا ممَّن تَقَوَّلَ الكذب على الله تعالى، فزعم أن له شركاء في العبادة، أو ادَّعى أن له ولدًا أو صاحبة، أو كذب ببراهينه وأدلته التي أيَّد بها رسله عليهم السلام.
إنه لا يفلح الظالمون الذين افتروا الكذب على الله، ولا يظفرون بمطالبهم في الدنيا ولا في الآخرة.
ولما كان هذا الخسران أكبر ظلم ظلم به هؤلاء الكفار أنفسهم فقد قال - تعالى - فى شأنهم : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } .أى : لا أحد أشد ظلماً من أولئك المشركين الذين كذبوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وإن هؤلاء الذين سقطوا فى أقصى دركات الكذب لن يفوزوا ولن يفلحوا ، والاستفهام فى الآية الكريمة إنكارى للنفى ، وفيه توبيخ للمشركين .
اعلم أنه تعالى لما حكم على أولئك المنكرين بالخسران في الآية الأولى بيّن في هذه الآية سبب ذلك الخسران، وهو أمران: أحدهما: أن يفترى على الله كذباً، وهذا الافتراء يحتمل وجوهاً: الأول: أن كفار مكة كانوا يقولون هذه الأصنام شركاء الله، والله سبحانه وتعالى أمرهم بعبادتها والتقرب إليها، وكانوا أيضاً يقولون الملائكة بنات الله، ثم نسبوا إلى الله تحريم البحائر والسوائب.
وثانيها: أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: حصل في التوراة والإنجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرق إليهما النسخ والتغيير، وأنهما لا يجيء بعدهما نبي.
وثالثها: ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
ورابعها: أن اليهود كانوا يقولون ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ وكانوا يقولون ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ .
وخامسها: أن بعض الجهال منهم كان يقول: إن الله فقير ونحن أغنياء، وأمثال هذه الأباطيل التي كانوا ينسبونها ألى الله كثيرة، وكلها افتراء منهم على الله.
والنوع الثاني: من أسباب خسرانهم تكذيبهم بآيات الله، والمراد منه قدحهم في معجزات محمد صلى الله عليه وسلم، وطعنهم فيها وإنكارهم كون القرآن معجزة قاهرة بينة، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذين الأمرين قال: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون ﴾ أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا وفي الآخرة بل يبقون في الحرمان والخذلان.
وأما قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ ففي ناصب قوله: ﴿ وَيَوْمَ ﴾ أقوال: الأول: أنه محذوف وتقديره ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ﴾ كان كيت وكيت، فترك ليبقى على الابهام الذي هو أدخل في التخويف، والثاني: التقدير اذكر يوم نحشرهم، والثالث: أنه معطوف على محذوف كأنه قيل لا يفلح الظالمون أبداً ويوم نحشرهم.
وأما قوله: ﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ فالمقصود منه التقريع والتبكيت لا السؤال، ويحتمل أن يكون معناه أين نفس الشركاء، ويحتمل أن يكون المراد أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم، وعلى كلا الوجهين: لا يكون الكلام إلا توبيخاً وتقريعاً وتقريراً في نفوسهم أن الذي كانوا يظنونه مأيوس عنه، وصار ذلك تنبيهاً لهم في دار الدنيا على فساد هذه الطريقة، والعائد على الموصول من قوله: ﴿ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ محذوف، والتقدير: الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاء، فحذف مفعول الزعم لدلالة السؤال عليه، قال ابن عباس: وكل زعم في كتاب الله كذب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذين ءاتيناهم الكتاب ﴾ يعني اليهود والنصارى يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليته ونعته الثابت في الكتابين معرفة خالصة ﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ ﴾ بحلاهم ونعوتهم لا يخفون عليهم ولا يلتبسون بغيرهم.
وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب به وبصحة نبوّته.
ثم قال: ﴿ الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم ﴾ من المشركين من أهل الكتاب الجاحدين ﴿ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ به، جمعوا بين أمرين متناقضين، فكذبوا على الله بما لا حجة عليه، وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة، والبرهان الصحيح، حيث قالوا: ﴿ لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ ءَابَاؤُنَا ﴾ [الأنعام: 148] وقالوا: ﴿ والله أَمَرَنَا بِهَا ﴾ [الأعراف: 28] وقالوا: ﴿ الملائكة بَنَاتُ الله ﴾ و ﴿ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله ﴾ [يونس: 18] ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب، وذهبوا فكذبوا القرآن والمعجزات، وسموها سحراً، ولم يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ﴾ يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ بِحِلْيَتِهِ المَذْكُورَةِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
﴿ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ ﴾ بِحِلاهم.
﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ.
﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ لِتَضْيِيعِهِمْ ما بِهِ يُكْتَسَبُ الإيمانُ.
﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ كَقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ.
﴿ أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ كَأنْ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ والمُعْجِزاتِ وسَمَّوْها سِحْرًا.
وإنَّما ذَكَرَ أوْ وهم وقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما وحْدَهُ بالِغٌ غايَةَ الإفْراطِ في الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ.
﴿ إنَّهُ ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ.
﴿ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ﴾ فَضْلًا عَمَّنْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَنْ أَظْلَمُ} استفهام يتضمن معنى النفي أي لا أحد أظلم لنفسه والظلم وضع الشئ في غير موضعه وأشنعه اتخاذ المخلوق معبوداً {مِمَّنِ افترى} اختلق {عَلَى الله كَذِبًا} فيصفه بما لا يليق به {أو كذب بآياته} بالقرآن والمعجزات {إِنَّهُ} إن الأمر والشأن {لاَ يُفْلِحُ الظالمون} جمعوا بين أمرين باطلين فكذبوا على الله مالا حجة عليه وكذبوا بما ثبت بالحجة حيث قالوا الملائكة بنات الله وسموا القرآن والمعجزات سحراً
﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ بِادِّعائِهِ أنَّ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ شَرِيكًا وبِقَوْلِهِ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، و ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ وعُدَّ مِن ذَلِكَ وصْفُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَوْعُودِ في الكِتابَيْنِ بِخِلافِ أوْصافِهِ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِعْظامِ الِادِّعائِيِّ، والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ إنْكارُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمُ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ أوْ مُساوِيًا لَهُ، والتَّرْكِيبُ وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى إنْكارِ المُساواةِ وضْعًا كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي في شَرْحِ المَقاصِدِ وحَواشِي الكَشّافِ يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِعْمالًا فَإذا قُلْتَ: لا أفْضَلَ في البَلَدِ مِن زَيْدٍ فَمَعْناهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الكُلِّ بِحَسْبِ العُرْفِ، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إنَّما تُتَصَوَّرُ غالِبًا لا سِيَّما في بابِ المُغالَبَةِ بِالتَّفاوُتِ زِيادَةً ونُقْصانًا فَإذا لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما أزْيَدَ يَتَحَقَّقُ النُّقْصانُ لا مَحالَةَ وادَّعى بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّهُ سَنَحَ لَهُ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ ودَقِيقَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ وهي أنَّ المُتَساوِيَيْنِ بَلِ المُتَقارِبِينَ في نَفْسِ الأمْرِ لا يَسْلَمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يُفَضَّلَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَقْدُرَ كُلَّ شَيْءٍ حَقَّ قَدْرِهِ، وكُلُّ إنْسانٍ لا يَقْوى عَلى أنْ يَعْرِفَ كُلَّ أمْرٍ عَلى ما هو عَلَيْهِ فَإنَّ الأفْهامَ في مُقابَلَةِ الأوْهامِ مُتَفاوِتَةٌ والعُقُولَ في مُدافَعَةِ الشُّكُوكِ مُتَبايِنَةٌ فَإذا حَكَمَ بَعْضُ النّاسِ مَثَلًا بِالمُساواةِ بَيْنَ المُتَساوِيَيْنِ في نَفْسِ الأمْرِ فَقَدْ يَحْكُمُ البَعْضُ الآخَرُ بِرُجْحانِ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ مُنْتَهى أفْهامِهِمْ ومَبْلَغِ عُقُولِهِمْ ومُدْرَكِ ادِّراكِهِمْ فَكُلُّ ما يُوجَدُ مَن يُساوِيهِ في نَفْسِ الأمْرِ يُوجَدُ مَن يَفْضُلُ عَلَيْهِ بِحَسْبِ اعْتِقادِ النّاسِ بَلْ كُلَّما يُوجَدُ مَن يُقارِبُهُ فِيهِ يُوجَدُ مَن يَفُوقُهُ في ظُنُونِ العامَّةِ ويَنْعَكِسُ بِعَكْسِ النَّقِيضِ إلى قَوْلِنا كُلَّما لا يُوجَدُ مَن يَفْضُلُ عَلَيْهِ لا يُوجَدُ مَن يُساوِيهِ بَلْ مَن يُقارِبُهُ أيْضًا وهو المَطْلُوبُ، وبِالجُمْلَةِ أنْ إثْباتَ المُساوِي يَسْتَلْزِمُ إثْباتَ الرّاجِحِ الفاضِلِ، فَنَفْيُّ الفاضِلِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ المُساوِي لِأنَّ نَفْيَ اللّازِمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ المَلْزُومِ كَما أنَّ إثْباتَ المَلْزُومِ يَسْتَلْزِمُ إثْباتَ اللّازِمِ، وفِيهِ تَأمَّلْ وادَّعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ دَلالَةَ التَّرْكِيبِ عَلى نَفْيِ المُساواةِ وضْعِيَّةٌ لِأنَّ غَيْرَ الأفْضَلِ إمّا مُساوٍ أوْ أنْقَصُ فاسْتُعْمِلَ في أحَدِ فَرْدَيْهِ قالَ ابْنُ الصّائِغِ في مَسْألَةِ الكُحْلِ: إنَّ ما رَأيْتُ رَجُلًا أحْسَنَ في عَيْنِهِ الكُحْلُ مِنهُ في عَيْنِ زَيْدٍ وإنْ كانَ نَصًّا في نَفْيِ الزِّيادَةِ وهي تَصْدُقُ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ إلّا أنَّ المُرادَ الأخِيرُ وهو مِن قَصْرِ الشَّيْءِ عَلى بَعْضِ أفْرادِهِ كالدّابَّةِ، انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا بِاعْتِبارِ العُرْفِ أيْضًا ﴿ أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ كَأنْ كَذَّبَ بِالقُرْآنِ الَّذِي جُمْلَتُهُ الآيَةُ النّاطِقَةُ بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم أوْ بِسائِرِ المُعْجِزاتِ الَّتِي أُيِّدَ بِها رَسُولُ اللَّهِ بِأنْ سَمّاها سِحْرًا، وعُدَّ مِن ذَلِكَ تَحْرِيفُ الكِتابِ وتَغْيِيرُ نُعُوتِهِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، وإنَّما ذَكَرَ (أوْ)، وهم جَمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ إيذانًا بِأنَّ كُلًّا مِنهُما وحْدَهُ بالِغٌ غايَةَ الإفْراطِ في الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ، وقِيلَ: نُبِّهَ بِكَلِمَةِ (أوْ) عَلى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ يَعْنِي أنَّهم أثْبَتُوا المَنفِيَّ ونَفَوُا الثّابِتَ، والمُرادُ بِالمُتَناقِضِينَ أمْرانِ مِن شَأْنِهِما أنْ لا يُجْمَعَ بَيْنَهُما عُرْفًا أوْ يُقالَ: إنَّ مِن نَفَيِّ الثّابِتَ بِالبُرْهانِ يَكُونُ بِنَفْيِ ما لَمْ يَثْبُتْ بِهِ أوْلى كَذَلِكَ في الطَّرَفِ الآخَرِ، فالجَمْعُ بَيْنَهُما جَمْعٌ بَيْنَ المُتَناقِضِينَ مِن هَذا الوَجْهِ وادَّعى بَعْضُهم أنَّ وجْهَ التَّناقُضِ المُشْعَرِ بِهِ هَذا العَطْفُ أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ تَعالى دَعْوى وُجُوبِ القَبُولِ بِلا حُجَّةِ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعالى وتَكْذِيبُ الآياتِ دَعْوى أنَّهُ يَجِبُ أنْ لا يُقْبَلَ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعالى ولَوْ أُقِيمَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ويَجِبُ أنْ يُنْكِرَ التَّنْبِيهَ ويَرْتَكِبَ المُكابَرَةَ بِناءً عَلى أنَّ الرَّسُولَ يَجِبُ أنْ يَكُونُ مَلَكًا ولا يَخْفى أنَّ في دَعْوى التَّناقُضِ خَفاءً، وهَذِهِ التَّوْجِيهاتُ لا تَرْفَعُهُ (إنَّهُ) أيِ الشَّأْنُ، والمُرادُ أنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا وهو ﴿ لا يُفْلِحُ ﴾ أيْ لا يَفُوزُ بِمَطْلُوبٍ ولا يَنْجُو مِن مَكْرُوهٍ ﴿ الظّالِمُونَ ﴾ 12 - مِن حَيْثُ أنَّهم ظالِمُونَ فَكَيْفَ يُفْلِحُ الأظْلَمُ مِن حَيْثُ أنَّهُ أظْلَمُ، <div class="verse-tafsir"
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني: التوراة والإنجيل يَعْرِفُونَهُ يعني: محمدا بنعته وصفته كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ وقال عبد الله بن سلام: أنا أعرف بالنبي من ابني لأني أشهد أنه رسول الله ، ولا أشهد لابني، لأني لا أدري ما أحدثت النساء بعدي.
ثم قال: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ يعني: كعب بن الأشرف ومن تابعه ممن طلبوا الرئاسة، آثروا الدنيا على الآخرة.
قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: ممن اختلق على الله كذبا باتخاذ الآلهة وقوله الشرك أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني: بالقرآن أنه ليس من عند الله إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ يعني: أنه لا يأمن الكافرون من عذابه.
قال في اللغة: إِنَّهُ: مرة تكون للإشارة مثل قوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يوسف: 98] ومرة تكون للعماد مثل قوله تعالى: إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكافِرُونَ [المؤمنون: 117] إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وقوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يوم القيامة ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ يعني: أين آلهتكم التي تزعمون.
يعني: تعبدون من دون الله ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ وأصل الفتنة في اللغة: هو الاختبار.
ويقال: فتنت الذهب في النار إذا أدخلته لتعلم جودته وإنما سمي جوابهم فتنة لأنهم حين سئلوا، اختبروا بما عندهم بالسؤال فلم يكن الجواب من ذلك الاختبار فتنة إلا هذا القول.
ويقال: ثم لم تكن معذرتهم وجوابهم إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.
قال مجاهد: إن المشركين لما رأوا يوم القيامة إن الله لا يغفر ذنوبهم يقول بعضهم لبعض: يا ويلكم جئتم بما لا يغفر الله لكم.
هلموا الآن فلنكْذِبْ على أنفسنا، ونحلف على ذلك، فحلفوا.
فحينئذٍ ختم على أفواههم، فتشهد أيديهم وأرجلهم عليهم.
قرأ ابن عامر وابن كثير وعاصم في رواية حفص: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ بالتاء لأن الفتنة مؤنث فِتْنَتُهُمْ بضم التاء، لأنه اسم تكن.
وقرأ حمزة والكسائي: ثم لم يكن بالياء، لأن الفتنة وإن كانت مؤنثة إلا أن تأنيثه ليس بحقيقي، ولأن الفتنة بمعنى: الإفتان فانصرف إلى المعنى فِتْنَتُهُمْ بالنصب، فجعلاه خبر تكن والاسم ما بعده.
وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم في رواية أبي بكر: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ بالتاء والنصب وقرأ حمزة والكسائي: وَاللَّهِ رَبِّنا بنصب الباء.
ومعناه: يا ربنا.
وقرأ الباقون: وَاللَّهِ رَبِّنا بكسر الباء على معنى النعت.
قال الله تعالى لمحمد : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أي: كيف صار وبال تكذيبهم على أنفسهم.
ويقال: يقول الله تعالى للملائكة: <div class="verse-tafsir"
وقالت فرقة: ومن بلغ الحُلُمَ.
وروي في معنى التأويل الأَوَّلِ أَحَادِيثُ.
وظاهر الآية أنها في عَبَدَةِ الأصنام.
وذكر الطبري «١» أنه قد وَرَدَ من وَجْهٍ لم تثبت صحته أنها في قَوْمٍ من اليهود، قالوا:
يا محمد ما تَعْلَمُ مع اللَّه إلهاً غيره، فقال لهم: «لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ» فنزلت الآية.
واللَّه أعلم.
وأمر اللَّه- سبحانه- نَبِيَّهُ- عليه السلام- أن يعلن بالتَّبَرِّي من شهادة الكفرة، والإعلان بالتوحيد لله- عز وجل- والتبرِّي من إشراكهم.
قال الغزالي في «الإحياء» .
وينبغي للتَّالِي أن يقدر أنه المقصود بكل خِطَابٍ في القرآن، فإن سمع أمراً أو نَهْياً قَدَّرَ المَنْهِيُّ، والمأمور، وكذا إن سَمِعَ وَعْداً أو وعيداً، وكذا ما يَقِفُ عليه من القَصَصِ/، فالمقصود به الاعْتِبَارُ.
قال تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود: ١٢٠] .
وقال تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٨] .
وقال: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ.
قال محمد بن كَعْبٍ القُرظي: من بلغه القرآن فكأنما كَلَّمَهُ الله عز وجل «٢» انتهى.
وقوله سبحانه: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ.
قال قتادة، وغيره: يعرفون محمداً- عليه السلام- «٣» .
وقوله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ الآية روي أن كل عَبْدٍ له مَنْزِلٌ في الجَنَّةِ، ومنزل في النار، فالمؤمنون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الكُفْرِ في الجَنَّةِ، والكافرون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الجنّة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ أيِ: اخْتَلَقَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ في ادِّعاءِ شَرِيكٍ مَعَهُ.
وفي "آَياتِهِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مُحَمَّدٌ والقُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: القُرْآَنُ قالَهُ مُقاتِلٌ.
والمُرادُ بِالظُّلْمِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآَيَةِ: الشِّرْكُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ "يَعْرِفُونَهُ"؛ و"اَلْكِتابَ"؛ مَعْناهُ: اَلتَّوْراةُ؛ والإنْجِيلُ؛ وهو لَفْظٌ مُفْرَدٌ؛ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ؛ والضَمِيرُ في "يَعْرِفُونَهُ"؛ عائِدٌ - في بَعْضِ الأقْوالِ - عَلى التَوْحِيدِ؛ لِقُرْبِ قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ؛ وهَذا اسْتِشْهادٌ في ذَلِكَ عَلى كَفَرَةِ قُرَيْشٍ؛ والعَرَبِ؛ بِأهْلِ الكِتابِ.
و ﴿ "الَّذِينَ خَسِرُوا" ﴾ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُنْقَطِعٌ؛ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ؛ ولَيْسَ مِن صِفَةِ "اَلَّذِينَ"؛ اَلْأُولى؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُسْتَشْهَدَ بِأهْلِ الكِتابِ ويُذَمُّونَ في آيَةٍ واحِدَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِاخْتِلافِ ما اسْتُشْهِدَ فِيهِ بِهِمْ؛ وما ذُمُّوا فِيهِ؛ وأنَّ الذَمَّ والِاسْتِشْهادَ لَيْسا مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ وقالَ قَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ في "يَعْرِفُونَهُ"؛ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ورِسالَتِهِ؛ وذَلِكَ عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَأهْلُ الكِتابِ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ مِن إنْذارِي؛ والوَحْيِ إلَيَّ"؛ وتَأوَّلَ هَذا التَأْوِيلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ: إنَّ اللهَ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ بِمَكَّةَ أنَّكم تَعْرِفُونَهُ كَما تَعْرِفُونَ أبْناءَكُمْ؛ فَكَيْفَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ؟
فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: نَعَمْ أعْرِفُهُ بِالصِفَةِ الَّتِي وصَفَهُ اللهُ في التَوْراةِ؛ فَلا أشُكُّ فِيهِ؛ وأمّا ابْنِي فَلا أدْرِي ما أحْدَثَتْ أُمُّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَأوَّلَ ابْنُ سَلامٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - المَعْرِفَةَ بِالِابْنِ: تَحَقُّقَ صِحَّةِ نَسَبِهِ؛ وغَرَضُ الآيَةِ إنَّما هو الوُقُوفُ عَلى صُورَتِهِ؛ فَلا يُخْطِئُ الأبُ فِيها.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلضَّمِيرُ مِن "يَعْرِفُونَهُ"؛ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ المَذْكُورِ قَبْلُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ نُعِيدَ الضَمِيرَ عَلى هَذِهِ كُلِّها دُونَ اخْتِصاصٍ؛ كَأنَّهُ وصَفَ أشْياءَ كَثِيرَةً؛ ثُمَّ قالَ: "أهْلُ الكِتابِ يَعْرِفُونَهُ"؛ أيْ: ما قُلْنا؛ وما قَصَصْنا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "اَلَّذِينَ"؛ نَعْتًا تابِعًا لِـ "اَلَّذِينَ" قَبْلَهُ؛ والفاءُ مِن قَوْلِهِ: "فَهُمْ"؛ عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ وهَذا يَحْسُنُ عَلى تَأْوِيلِ مَن رَأى في الآيَةِ قَبْلَها أنَّ أهْلَ الكِتابِ مُتَوَعَّدُونَ؛ مَذْمُومُونَ؛ لا مُسْتَشْهَدٌ بِهِمْ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "اَلَّذِينَ"؛ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ؛ عَلى اسْتِئْنافِ الكَلامِ؛ وخَبَرُهُ: ﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ والفاءُ عَلى هَذا جَوابٌ؛ و"خَسِرُوا"؛ مَعْناهُ: غَبَنُوها؛ وقَدْ تَقَدَّمَ.
ورُوِيَ أنَّ كُلَّ عَبْدٍ لَهُ مَنزِلٌ في الجَنَّةِ؛ ومَنزِلٌ في النارِ؛ فالمُؤْمِنُونَ يُنْزَلُونَ مَنازِلَ أهْلِ الكُفْرِ في الجَنَّةِ؛ والكافِرُونَ يُنْزَلُونَ مَنازِلَ أهْلِ الجَنَّةِ في النارِ؛ فَهَهُنا هي الخَسارَةُ بَيِّنَةً؛ والرِبْحُ لِلْآخَرِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَمَن أظْلَمُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "مَن"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ مُضَمَّنَةٌ التَوْقِيفَ؛ والتَقْرِيرَ؛ أيْ: "لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى"؛ و"اِفْتَرى"؛ مَعْناهُ: اِخْتَلَقَ؛ والمُكَذِّبُ بِالآياتِ مُفْتَرٍ؛ كَذّابٌ؛ ولَكِنَّهُما مُنَحَّيانِ مِنَ الكُفْرِ؛ فَلِذَلِكَ نُصّا مُفَسَّرَيْنِ.
والآياتُ: اَلْعَلاماتُ؛ والمُعْجِزاتُ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ ثُمَّ أوجَبَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ؛ والفَلاحُ: بُلُوغُ الأمَلِ والإرادَةِ؛ والنَجاحُ؛ ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدٍ: ؎ أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضْـ ∗∗∗ ـضَعْفِ وقَدْ يُخَدَّعُ الأرِيبُ <div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ [الأنعام: 20].
فالمراد بهم المشركون مثل قوله: ﴿ ومن أظلم ممّن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ﴾ وقد تقدَّم نظيره في سورة البقرة (114).
والمراد بافترائهم عقيدة الشرك في الجاهلية بما فيها من تكاذيب، وبتكذيبهم الآيات تكذيبهم القرآن بعد البعثة.
وقد جعل الآتي بواحدة من هاتين الخصلتين أظلم الناس فكيف بمن جمعوا بينهما.
وجملة: إنّه لا يفلح الظالمون} تذييل، فلذلك فصلت، أي إذا تحقّق أنّهم لا أظلم منهم فهم غير مفلحين، لأنّه لا يفلح الظالمون فكيف بمن بلغ ظلمه النهاية، فاستغنى بذكر العلّة عن ذكر المعلول.
وموقع (إنّ) في هذا المقام يفيد معنى التعليل للجملة المحذوفة، كما تقرّر في كلام عبد القاهر.
وموقع ضمير الشأن معها أفاد الاهتمام بهذا الخبر اهتمام تحقيق لتقع الجملة الواقعة تفسيراً له في نفس السامع موقع الرسوخ.
والافتراء الكذب المتعمّد.
وقوله: ﴿ كذباً ﴾ مصدر مؤكَّد له، وهو أعمّ من الافتراء.
والتأكيد يحصل بالأعم، كما قدّمناه في قوله تعالى: ﴿ ولكنّ الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة المائدة (103)، وقد نفى فلاحهم فعمّ كلّ فلاح في الدنيا والآخرة، فإنّ الفلاح المعتدّ به في نظر الدين في الدنيا هو الإيمان والعمل، وهو سبب فلاح الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هُوَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ إنْ ألْحَقَ اللَّهُ بِكَ ضُرًّا، لِأنَّ المَسَّ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ.
والثّانِي: مَعْناهُ وإنْ جَعَلَ الضُّرَّ يَمَسُّكَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ﴾ وفي الضُّرِّ والخَيْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الضُّرَّ السُّقْمُ، والخَيْرَ العافِيَةُ.
والثّانِي: أنَّ الضُّرَّ الفَقْرُ، والخَيْرَ الغِنى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ القاهِرُ لِعِبادِهِ، وفَوْقَ صِلَةٌ زائِدَةٌ.
والثّانِي: أنَّهُ بِقَهْرِهِ لِعِبادِهِ مُسْتَعْلٍ عَلَيْهِمْ، فَكانَ قَوْلُهُ فَوْقَ مُسْتَعْمَلًا عَلى حَقِيقَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ﴾ لِأنَّها أعْلى قُوَّةً.
وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: وهو القاهِرُ فَوْقَ قَهْرِ عِبادِهِ، لِأنَّ قَهْرَهُ فَوْقَ كُلِّ قَهْرٍ.
وَفي هَذا القَهْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إيجادُ المَعْدُومِ.
والثّانِي: أنَّهُ لا رادَّ لِأقْدارِهِ ولا صادَّ عَنِ اخْتِيارِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً ﴾ الآيَةَ، في سَبَبِ [نُزُولِ] ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ : مَن يَشْهَدُ لَكَ بِالنُّبُوَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ يَأْمُرُهُ فِيها أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً ﴾ ، ثُمَّ أجابَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ يَعْنِي: بِصِدْقِي وصِحَّةِ نُبُوَّتِي وهي أكْبَرُ الشَّهاداتِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ فَقالَ ذَلِكَ لِيُشْهِدَهُ عَلَيْهِمْ.
﴿ لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأُنْذِرَكم [يا] أهْلَ مَكَّةَ ومَن بَلَغَهُ القُرْآنُ مِن غَيْرِ أهْلِ مَكَّةَ.
والثّانِي: لِأُنْذِرَكم بِهِ: [أيُّها] العَرَبُ ومَن بُلِّغَ مِنَ العَجَمِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ.
﴿ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، لِأنَّ صِفَتَهُ مَوْجُودَةٌ في كِتابِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومَن زَعَمَ أنَّ الكِتابَ هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ.
والثّانِي: يَعْرِفُونَ الكِتابَ الدّالَّ عَلى صِفَتِهِ، وصِدْقِهِ، وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ.
وَعَنى بِقَوْلِهِ: ﴿ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ ﴾ تَثْبِيتًا لِصِحَّةِ المَعْرِفَةِ.
وَحَكى الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ حِينَ أسْلَمَ: ما هَذِهِ المَعْرِفَةُ الَّتِي تَعْرِفُونَ بِها مُحَمَّدًا كَما تَعْرِفُونَ أبْناءَكُمْ؟
قالَ: واللَّهِ لَأنا بِهِ إذا رَأيْتُهُ أعْرَفُ مِنِّي بِابْنِي وهو يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ، لِأنِّي لا أشُكُّ أنَّهُ مُحَمَّدٌ، وأشْهَدُ أنَّهُ حَقٌّ، ولَسْتُ أدْرِي ما صَنَعَ النِّساءُ في الِابْنِ.
﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم خَسِرُوا بِالكُفْرِ مَنازِلَهم وأزْواجَهم في الجَنَّةِ، لِأنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ إلّا ولَهُ مَنازِلُ وأزْواجٌ، فَإنْ أسْلَمُوا كانَتْ لَهم، وإنْ كَفَرُوا كانَتْ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: مَعْناهُ غَبِنُوها فَأهْلَكُوها بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ لا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ في حُكْمِهِ ولا يُبالِي خُسْرَ الخاسِرِ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قال النضر وهو من بني عبد الدار: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى، فأنزل الله: ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ قال ابن عباس: (ومن أكفر ممن اختلق على الله كذبًا فأشرك به الآلهة) (١) وقال أهل المعاني: (هذا استفهام معناه الجحد، أي: لا أحد أظلم منه؛ لأن جوابه كذلك، فاكتفى من الجواب بما يدل عليه، والمراد بالمفتري على الله الكذب الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ (٢) وقوله تعالى ﴿ أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ﴾ قال ابن عباس: (يعني القرآن ومحمدًا) (٣) كاليهود والنصارى الذين كذبوا بالقرآن ومعجزاته) (٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد لا يسعد من جحد بربوبية ربه وكذب رسله) (٥) وقال أهل المعاني: (معنى ﴿ لَا يُفلِحُ ﴾ : لا يظفر بطلبه من النجاة في آخرته، ومن لم يظفر بالنجاة هلك بالعذاب) (٦) والمراد بالظالمين الذين وصفوا بالافتراء على الله والتكذيب بآياته، بين أنهم ظالمون لأنفسهم بإهلاكهم إياها.
(١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 21، وفي "تنوير المقباس" 2/ 9 - 10، نحوه.
(٢) انظر: الطبري 7/ 165، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 478، و"المشكل" 1/ 247، و"البيان" 1/ 316، والبغوي في "تفسيره" 3/ 135، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 156.
(٣) "تنوير المقباس" 2/ 10.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 165، و"القرطبي" 6/ 401، و"تفسير الخازن" 2/ 125.
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 21.
(٦) الفلاح في اللغة: الفوز والنجاة والبقاء في النعيم والخير.
انظر: "العين" 3/ 233، و"الجمهرة" 1/ 555، و"تهذيب اللغة" 3/ 2826، و"الصحاح" 1/ 392، == و"المجمل" 3/ 705، و "مقاييس اللغة" 4/ 450، و"المفردات" ص 644، و"اللسان" 2/ 547 (فلح).
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ﴾ تقدّم في [البقرة: 146] ﴿ الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ الذين مبتدأ وخبره فهم لا يؤمنون وقيل: الذين نعت للذين آتيناهم الكتاب وهو فاسد، لأن أتوا الكتاب ما استشهد بهم هنا إلا ليقيم الحجة على الكفار ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ لفظه استفهام ومعناه لا أحد أظلم ﴿ مِمَّنِ افترى عَلَى الله ﴾ وذلك تنصل من الكذب على الله، وإظهار لبراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما نسبوه إليه من الكذب، ويحتمل أن يريد بالافتراء على الله ما نسب إليه الكفار من الشركاء والأولاد ﴿ أَوْ كَذَّبَ بآياته ﴾ أي علاماته وبراهينه ﴿ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ﴾ يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ ﴿ تَزْعُمُونَ ﴾ أي تزعمون أنهم آلهة فحذفه لدلالة المعنى عليه، والعامل في يوم نحشرهم محذوف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني أمرت ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: هما وابن كثير وأبو عمرو.
الباقون: بالسكون.
﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون: مبنياً للمفعول ﴿ أئنكم ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة ﴿ أينكم ﴾ بالياء بعد الهمزة: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينكم ﴾ بالمد والياء: أبو عمرو ويزيد.
وقالون ﴿ بريء ﴾ بغير همز حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف ﴿ يحشرهم ثم يقول ﴾ بياء الغيبة فيهما: يعقوب.
الباقون: بالنون ﴿ ثم لم تكن ﴾ بتاء التأنيث: حمزة وعلي وحماد والمفضل وسهل ويعقوب الباقون: بالياء ﴿ فتنتهم ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر وحفص والمفضل.
الباقون: بالنصب ﴿ والله ربنا ﴾ بالنصب على النداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون: بالجر على البدل أو البيان.
الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل لله ﴾ ط ﴿ الرحمة ﴾ ط لأن قوله ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب قسم محذوف.
وقيل: لا وقف و ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب معنى القسم في ﴿ كتب ﴾ وفيه نظر لأن ﴿ كتب ﴾ وعد ناجز و ﴿ ليجمعنكم ﴾ وعد منتظر.
﴿ لا ريب فيه ﴾ ط بناء على أن الذين مبتدأ فيه معنى الشرط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ولا يطعم ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمه ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ شهادة ﴾ ط ﴿ ومن بلغ ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لانتهاء الاستخبار إلى الإخبار.
﴿ قل لا أشهد ﴾ ج لاتساق الكلام بلا عطف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ أبناءهم ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده وصف ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ يزعمون ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما برهن على إثبات الصانع وتحقيق النبوّات وتقرير المعاد، وانجر الكلام إلى الأمر باعتبار أحوال الغابرين، عاد إلى إثبات هذه المطالب بطريق الإلزام وأخذ الاعتراف، وذلك أن آثار الحدوث وسمات الإمكان لائحة على صفحات السمويات والأرضيات حتى بلغ في ظهوره إلى حيث لا يقدر منكر على إنكاره، فكان في السؤال تبكيت وإفحام، وفي الجواب تقرير وإلزام، أي هو لله بلا مراء وشقاق ولن يتم الملك إلا إذا كان قادراً على الإعادة كما هو قادر على الإبداء، ولن تحصل حكمة الإعادة إلا بثواب المطيعين وعقاب العاصين، ولن يحسن إيصال الثواب والعقاب إلا بعد نصب الدلائل وإرسال الرسل فلأجل ذلك قال ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ أي بنصب الأدلة وإزاحة العلة إيجاب الفضل والكرم.
وقيل: هذه الرحمة هي أنه يمهلهم مدّة عمرهم ولا يعاجلهم بالاستئصال، أو فرض على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدّقهم وقبل شريعتهم، أو تلك الرحمة هي أنه يجمعهم إلى يوم القيامة فإنه لولا هذا التهديد لحصل الهرج والمرج وارتفع الضبط وكثر الخبط كأنه قيل: لما علمتم أن كل ما في السموات والأرض لله ، وأنه مالك الكل فاعلموا أن الله الملك الحكيم لا يهمل أمور عبيده، ولا يجوز في حكمته التسوية بين المطيع والعاصي والعامل والساهي.
ومعنى ﴿ ليجمعنكم ﴾ ليضمنكم.
وقيل: فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة فإن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان.
وقيل: ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرناً بعد قرنإلى يوم القيامة.
قال الأخفش: ﴿ الذين خسروا ﴾ بدل من ضمير المخاطبين في ﴿ ليجمعنكم ﴾ .
وقال الزجاج: إنه مبتدأ خبره ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وذلك لتضمنه معنى الشرط فكأنه قيل: ما للمشركين مع وضوح الدلائل الباهرة لا يؤمنون؟
فأجيب ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ أي في علم الله وسابق قضائه فهم لا يؤمنون في طرف الأبد، فكان امتناعهم الآن عن الإيمان مسبباً عن سبق القضاء عليهم بالخسران والخذلان.
وقال في الكشاف ﴿ الذين خسروا ﴾ نصب أو رفع على الذم بمعنى أريد الذين، أو أنتم الذين.
ثم لما بيّن أن له المكان والمكانيات ارتقى في البيان كما هو شأن الترتيب التعليمي إلى ما هو أخفى من ذلك عند الحس وهو الزمان والزمانيات فقال ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ عن ابن عباس أن كفار مكة أتوا رسول الله فقالوا: يا محمد إنا قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة فنحن نجعل لك نصيباً من أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلاً وترجع عما أنت عليه فنزل ﴿ وله ما سكن ﴾ الآية.
قيل: اشتقاقه من السكون والتقدير كل ما سكن وتحرك كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ أي تقيكم الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر للقرينة.
والأصوب أن يقال: اشتقاقه من السكنى كما يقال: فلان سكن ببلد كذا أي حل فيه.
والمراد كل ما حل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً، وذلك أن الدخول تحت الزمان يستلزم التغير والحدوث فلا بد له من محدث يتقدم عليه وعلى نفس الزمان ﴿ وهو السميع العليم ﴾ الذي يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين فيوصل كل ممكن إلى كمال يليق به ويستعدّ له.
ثم لما كان لزاعم أن يزعم أن الذي يتعالى عن المكان وعن الزمان قد يكون ممكناً في نفسه كالمفارقات التي يثبتها الفلاسفة فلا جرم قال ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ منكر الاتخاذ غير الله ﴿ ولياً ﴾ ولذلك قدم المفعول لكونه أهم، ولو كان حرف الاستفهام داخلاً على الفعل توجه الإنكار أوّلاً إلى نفس اتخاذ الولي وأنه غير مهم ﴿ فاطر السموات ﴾ عطف بيان من ﴿ الله ﴾ أو بدل.
وقرىء بالرفع على إضمار هو، وبالنصب على المدح.
وعن ابن عباس: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها.
وقال ابن الأنباري: أصل الفطر الشق وقد يكون شق إصلاح كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ أي خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضمه بعض الأشياء إلى بعض.
وقد يكون شق إفساد ومنه قوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد.
والرزق والإطعام وإن كانا متغايرين وإلا لم يحسن العطف في قوله ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ﴾ إلا أنهما متقاربان فحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر.
وقرىء ﴿ وهو يطعم ﴾ مبنياً للمفعول على أن الضمير لغير الله وقرىء ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ كلاهما للفاعل.
والمعنى هو يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله ﴿ وإنه يقبض ويبسط ﴾ أو الثاني بمعنى لا يستطعم.
وحاصل الآية أنه يجب شغل القلب كله بالله وقطع العلائق بالكلية عما سواه لأنه الجواد المطلق الذي يهب لا لعوضٍ ولا انتفاع.
ثم بيّن أن النبي أيضاً داخل في تكليف المعرفة بل هو أسبق قدماً في ذلك فقال ﴿ قل إني أمرت أن أكون أوّل من أسلم ﴾ وقيل لي ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ وفيه أن الواعظ يجب أن يتعظ أوّلاً بما يقوله، فالمريض لا يتصور منه العلاج.
ثم ذكر أن النبي مع جلالة قدره بصدد المؤاخذة على تقدير المخالفة فقال ﴿ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ ولا يلزم من هذا جواز المعصية عنه لأن الفرض قد يتعلق بالمستحيل كقولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.
من قرأ ﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل فالضمير فيه عائد إلى الله والمفعول وهو العذاب محذوف لكونه معلوماً أو مذكوراً قبله.
قال في الكشاف: ويجوز أن تنصب يومئذ على أنه مفعول به لـ ﴿ يصرف ﴾ أي من يصرف الله عنه ذلك اليوم أي هو له، ومن قرأ على بناء المفعول فهو مسند إلى ضمير العذاب، ولم يسم الفاعل وهو الله للعلم به ﴿ فقد رحمه ﴾ أي الله الرحمة العظمى كقولك: إن أطعمت زيداً من جوعه فقد أحسنت إليه يعني كمال الإحسان.
أو المراد فقد أدخله الجنة فإن من لم يعذب لم يكن له بد من الثواب تفضلاً أو استيجاباً.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن إيصال الثواب على الطاعة غير واجب وإنما هو ابتداء فضل وإحسان وإلا لم يحسن ذكر الرحمة ههنا، ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب زيداً فإذا لم يضربه لا يقال أنه رحمه؟
﴿ وذلك ﴾ أي صرف العذاب وإيصال الثواب على سبيل التفضل أو الاستيجاب ﴿ الفوز المبين ﴾ لأنه المطلب الأعلى والمقصد الأسنى لكل مكلف.
ثم أكد المعنى المذكور وهو أنه لا يجوز للعاقل أن يرغب في اتخاذ ولي غير الله بقوله ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ من مرض أو فقر أو غير ذلك من البليات ﴿ فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير ﴾ من غنى أو صحة ﴿ فهو على كل شيء قدير ﴾ عمم الحكم لندرج تحته كل خير والحاصل أن اندفاع جميع المضار بقدرته، وكذا حصول جميع الخيرات لأن كل ما عداه فإنما هو تحت قهره وتسخيره وقد حصل بإيجاده وتكوينه، فإن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ورأس المضارّ هو الكفر، وسنام الخيرات هو الإيمان، ولن يحصل نفرة الكفر وداعية الإيمان إلا بتوفيقه .
وكل ما يتصور أنه قد نفع أو ضر من الجمادات أو المختارات فإن ذلك ينتهي إلى تخليق الله وجعله ذلك الشيء واسطة لذلك النفع أو الضر، فلا ضارّ ولا نافع بالحقيقة إلا هو .
ثم زاد لهذا المعنى بياناً فقال ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ وهو إشارة إلى كمال القدرة ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ وإنه إشارة إلى كمال العلم.
فالحكمة أعم من العلم لأنها عمل وعلم، وكونه خبيراً أخص من العلم لأنه العلم ببواطن الأمور وخباياها، فإذا اجتمعت هذه المعاني حصل العلم بكماله وغايته، وقد استدل بظاهر الآية من أثبت الفوقية لله وعورض بوجوه منها: أنه لو كان فوق العالم فإن كان في الصغر بحيث لا يتميز منه جانب من جانب كالجوهر الفرد مثلاً فذلك لا يقوله عاقل، وإن كان ذاهباً في الأقطار كلها كان متجزئاً.
والجواب أنه لم لا يجوز أن يكون نوراً قائماً بذاته غير متناه لا متجزئاً ولا متبعضاً قاهراً لجميع الأنوار غالباً على جميع الأشياء.
فلا غاية لجوده ولا نهاية لوجوده.
وأما إنه كيف يتصور نور بلا نهاية مع أنه لا ينقسم يتبعض فمجرد استبعاد فلا يصلح حجة وإدراك شيء من هذا النور محتاج إلى النور ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ ومنها أنه لو كان غير متناه من كل الجهات لزم اختلاطه بالقاذورات.
والجواب أن هذا كلام مخيل فلا يستعمل في البرهان.
ومنها أنه لو لم يكن خارج العالم خلاء ولا ملاء لم يمكن حصول ذات الله فيه، وإن كان خلاء فحصوله في جزء من أجزاء ذلك الخلاء دون سائر أجزائه محتاج إلى مخصص، فيكون الواجب مفتقراً فيكون محدثاً هذا خلف.
والجواب أنا ذكرنا أن نور الأنوار لا يتناهى وأنه وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى فيسقط هذا الاعتراض.
ومنها أنه موجود قبل الخلاء والحيز والجهة، فلا يكون بعد حصول هذه الأشياء موجوداً فيها وإلا لزم التغير في ذاته.
والجواب بالفرق بين المعية وبين الافتقار.
ومنها أن العالم كرة فإما أن يكون الله فوق أقوام بأعيانهم وحينئذ يلزم أن يكون تحت أقدام من يقابلهم وإما أن يكون فوق الكل فيكون فلكاً محيطاً بسائر الأفلاك وهذا لا يقوله مسلم.
والجواب الإلزامي بعد تسليم كون العالم كرة أنا نختار القسم الأول، ولا يلزم التحتية لأن التحت من جميع الجوانب هو ما يلي المركز، والفوق ما يلي السماء.
أو القسم الثاني ولا يلزم من إحاطته بجميع الأشياء كونه فلكاً كسائر الأفلاك، وأما التحقيق فقد مر.
ومنها أن لفظ الفوق في الآية مسبوق بالقهر ويراد به القدرة والمكنة وملحوق بلفظ عباده، وأنه مشعر بالمملوكية والمقدورية.
فالمناسب أن يراد بالفوق أيضاً فوقية القدرة ولا يلزم التكرار لأن المراد أن القهر والقدرة عام في حق الكل.
والجواب أن حمل الوسط على الطرفين أولى من العكس، بل لا نزاع في مفهوم العباد وإنما النزاع في مفهومي القاهرية والفوقية، وليس حمل أحدهما على الآخر أولى من غيره، ومنها أن الآية سيقت رداً على من اتخذ غير الله ولياً وهذا إنما يحسن لو كان المراد بالفوقية القدرة لا الجهة.
والجواب أن الفوقية بالوجه الذي قررناه في جواب الاعتراض الأول يفيد الاستعلاء المطلق وذلك يوجب أن يكون التعويل عليه في كل الأمور إذ لا وجود ولا ظهور لشيء من الأشياء إلا بفيضه ونوره.
وقد يلوح للمتأمل في هذه الأجوبة بعد التنزية عن التشبيه والتجسيم والحلول والاتحاد أسرار غامضة شريفة إن كان أهلاً لها "وكل ميسر لما خلق له" قال الكلبي: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد ما نرى أحداً يصدقك بما تقول من أمر الرسالة.
ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم فنزلت ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة ﴾ الآية.
قال العلماء: إنها دلت على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله.
ثم بيَّن أن شهادة الله حاصلة إلا أنها لم تدل على أن تلك الشهادة لإثبات أيّ المطالب فقيل: إنها لإثبات نبوة محمد لما ذكرنا من سبب النزول.
والمعنى قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة حتى يعترفوا بأن أكبر الأشياء شهادة هو الله ، فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهد لي بالنبوة بأن أظهر على وفق دعواي معجزاً هو القرآن الذي عجزتم معاشر الفصحاء والبلغاء عن معارضته.
وقيل: إن حصول هذه الشهادة في وحدانية الله وذلك أن الوحدانية ليست مما يتوقف صحته على صحة السمع فلا يمتنع إثباتها بالسمع والمعنى ﴿ قل الله شهيد بيني وبينكم ﴾ في إثبات الوحدانية والبراءة عن الأضداد والأنداد والأمثال والأشباه ﴿ وأوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ﴾ وأبلغكم أن الدين هو التوحيد والشرك مردود.
واستدل الجمهور بالآية على أنه يصح إطلاق الشيء على الله وخالف جهم محتجاً بقوله ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ إذ لا يمكن دعوى التخصيص فيه، فإن التخصيص إنما يجوز في صورة شاذة لا يلتفت إليها لقلة اعتبارها فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيهاً على أن البقية جارية مجرى العدم.
فلو كان الباري شيئاً لكان أعظم الأشياء وأشرفها فيكون إخراجه من هذا العموم محض الكذب.
وأيضاً احتج بأن الشيء يطلق على المعدوم لقوله ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ﴾ والشيء الذي سيفعله غداً معدوم في الحال، فالشيء لا يفيد صفة مدح فلا يطلق عليه.
والجواب عن الأول أن إخراجالأكثر من العموم جائز عندنا.
ولو سلم فإنه واحد من الأشياء، والمخرج بهذا الاعتبار أقل عدداً من الباقي.
وعن الثاني أن لفظ الشيء أعم الألفاظ، ومتى صدق الخاص كالذات، والحقيقة صدق العلم بالضرورة.
قال جهم ﴿ قل الله شهيد ﴾ جملة مستقلة بنفسهالا تعلق لها بما قبلها فلا يصح استدلالكم.
قلنا ﴿ قل أي شيء ﴾ سؤال ولا بد له من جواب.
وهو إما مذكور رأي قل الله أكبر الأشياء شهادة ثم ابتدىء فقيل شهيد أي وهو شهيد بيني وبينكم، أو محذوف والمعنى قل هو الله والله شهيد بيني وبينكم.
وحسن الحذف لأنه إذا سأل عن أكبر الأشياء شهادة وذكر بعد ذلك أن الله شهيد علم جزماً أن أكبر الأشياء شهادة هو الله أما قوله ﴿ ومن بلغ ﴾ فمعطوف على ضمير المخاطبين والعائد إلى من محذوف أي لأنذركم يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم.
وقيل: من الثقلين.
وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة.
وعن سعيد بن جبير من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً ، وقيل: ومن بلغ أي من احتلم وبلغ أوان التكليف، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار العائد.
ثم استفهم مبكتاً فقال ﴿ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ﴾ وصف الجمع بصفة الواحدة كما يقال: الرجال فعلت.
ثم دل على إيجاب التوحيد بثلاث جمل: أولاها ﴿ قل لا أشهد ﴾ أي بما تذكرونه من إثبات الشركاء، وثانيتها ﴿ قل إنما هو إله واحد ﴾ وكلمة "إنما" تفيد الحصر.
وثالثتها ﴿ وإنني بريء مما تشركون ﴾ ومن هنا قالت العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويضم إليهما التبري عن كل دين سوى دين الإسلام.
ولما زعم مشركو مكة أنهم سألوا اليهود والنصارى عن نعت محمد صلى الله عليه وآله فقالوا: ليس عندنا ذكره كذّبهم الله بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ﴾ أي يعرفون رسول الله بنعوته وحلاه الثابتة في الكتابين ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ بالنعوت والحلي لا يخفون عليهم ولا يشتبهون بغير أبنائهم.
﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ إما بدل أو بيان من "الذين" الأولى، ويكون المقصود وعيد المعاندين منهم والجاحدين.
وإما مبتدأ والكلام جملة مستأنفة شاملة لجميع الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين.
والمراد بخسران النفس الهلاك الدائم الذي يحصل لهم بسبب الكفر.
وقيل: ما من أحد إلا وله منزلة في الجنة إلا أن من كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورّث منزلته غيره.
ثم بيَّن سبب خسرانهم مستفهماً على سبيل الإنكار فقال ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم جمعوا بين أمرين متنافيين: إثبات الباطل وهو الافتراء على الله، وجحد الحق وهو التكذيب بآيات الله، فمن الأول أن المشركين كانوا يقولون للأصنام إنهم شركاء الله والله أمرهم بذلك، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، واليهود والنصارى كانوا يزعمون أن التوراة والإنجيل ناطقان بعدم النسخ.
وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة إلى غير ذلك من مفترياتهم.
ومن الثاني قدحهم في القرآن وفي صحة نبوة محمد ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه الباطل مكان الحق والحق بإزاء الباطل.
ثم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ وناصبه محذوف أي ويوم كذا كان كيت وكيت فترك ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في الوعيد.
ويحتمل أن يكون مفعول "واذكر" أو معطوفاً على محذوف أي لا يفلح الظالمون في الدنيا ويوم الحشر.
﴿ أين شركاؤكم ﴾ آلهتكم التي جعلتموهم شركاء ﴿ الذين كنتم تزعمون ﴾ هم شركاء فحذف المفعولان.
والمقصود من هذا الاستفهام التقريع والتبكيت، ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حيث لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم، ويجوز أن يحال بينهم وبين آلهتهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فتزداد حسرتهم، ويحتمل أن يقال: أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم؟
والغرض من جميع الوجوه أن يتقرر في نفوسهم أن الذي يظنونه مأيوس منه فيصير ذلك تنبيهاً لهم في الدنيا على فساد هذه الطريقة ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ من قرأ بالرفع على أنه اسم كان فالخبر ﴿ إلا أن قالوا ﴾ والتقدير شيئاً إلا أن قالوا ومن قرأ بالنصب مع تذكير يكن فبعكس ما قلنا.
والتقدير شيء إلا أن قالوا.
وأما مع تأنيث يكن فلوقوع الخبر مؤنثاً كقولهم: من كانت أمك.
أو بتأويل مقالتهم.
قال الواحدي: الاختيار قراءة من قرأ بالنصب لأن "أن" إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر.
وكما أن المضمر والمظهر إذا اجتمعا كقولك: إن كنت القائم.
كان جعل المضمر اسماً أولى من جعله خبراً فكذلك ههنا.
قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من وقف على معاني كلام العرب، وذلك أنه تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه، فذكر أن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به وقالوا إنه دين آبائنا لم تكن إلا الجحود والتبرؤ منه والحلف على عدم التدين به.
ومثاله أن ترى إنساناً يحب شخصاً مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه فيقال له: ما كانت محبتك أي عاقبة محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وتركته.
فعلى هذا فتنتهم في شركهم في الدنيا كما فسرها ابن عباس.
ولكن لا بد من تقدير مضاف وهو العاقبة، ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا: فسمي فتنة لأنه كذب، قال القاضيان: الجبائي وأبو بكر: إن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب لأنهم يعرفون الله بالاضطرار فيكونون ملجئين إلى ترك القبيح وكيف لا وإنهم يعلمون أن ذلك لا يروج منهم حينئذ ولا يستفيدون بذلك إلا زيادة المقت والغضب من الله عليهم؟
ولا يجوز أن يقال: إنهم لما عاينوا القيامة اختلت عقولهم واضطربت فلهذا قالوا الكذب، أو أنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا لأنه لا يليق بحكمته أن يوبخهم ثم يحكى عنهم ما يجري مجرى الاعتذار عند اختلال عقولهم.
ولأن تجويز نسيان أمر كان عليه الشخص مدة عمره نوع من السفسطة.
وأيضاً إنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على نوعين من القبيح فإن عوقبوا على ذلك صارتالآخرة دار التكليف وإن لم يعاقبوا كان إذناً من الله في ارتكاب الذنوب وكلاهما محال.
فإذا الوجه في الآية أن يقال: إن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم وظنونهم أنهم موحدون فأجابوا بقولهم ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ أي في اعتقادنا وظنوننا، وعلى هذا فيكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم كانوا غير مشركين عند أنفسهم فيجيب تأويل قوله تعالى ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ بأن المراد كذبهم في دار الدنيا كقولهم إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك وإن آلهتهم شفعاؤهم عند الله فلهذا قال ﴿ وضل عنهم ﴾ أي وانظر كيف غاب عنهم في الآخرة ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ أي يفتعلون إلهيته وشفاعته.
والحاصل أن الآية سيقت لبيان تضاد حاليهم في الدنيا وفي الآخرة بالكذب وبالصدق ولكن حيث لا ينفعهم الصدق لأن الصدق في الآخرة إنما يعتبر إذا كان مقروناً بالصدق في الدنيا، هذا جملة كلام القاضيين.
قال جمهور المفسرين: إن قول القائل المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا، وكيف كذبوا على أنفسهم في الدنيا مخالفة الظاهر وإن الكفار قد يكذبون في القيامة لقوله ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون ﴾ إلى قوله ﴿ ألا إنهم هم الكاذبون ﴾ ولو سلم أنهم لا يكذبون تعمداً إلا أن الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه حيرة ودهشاً، ألا تراهم يقولون ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 107\] وقد أيقنوا بالخلود؟
﴿ وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك ﴾ وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.
واختلال عقولهم حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع كمال عقلهم في سائر الأوقات.
التأويل: ما في الكون سوى الله، لا داع ولا مجيب فلهذا يسأل ويجيب ﴿ قل لمن ما في السموات والأرض قل لله ﴾ وله ما سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، وفي نهار الروحانية إلى المواهب الربانية، ﴿ وهو السميع ﴾ أنين من سكن إليه ﴿ العليم ﴾ بحنين من اشتاق إليه ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ اليوم ﴿ ولياً ﴾ وقد اتخذني الله في الأزل حبيباً ﴿ فاطر ﴾ سموات القلوب على محبته وفاطر أرض النفوس على عبوديته ﴿ وهو يطعم ﴾ أرواح العارفين طعام المشاهدات ويسقيهم كؤوس المكاشفات ﴿ ولا يطعم ﴾ لأنه لا يحتاج إلى قبول الفيض من غيره فالأنوار عنده كالذرّات ﴿ أول من أسلم ﴾ لأني خلصت من حبس الوجود بالكلية وحدي ولهذا يقول الأنبياء نفسي نفسي وأقول: أمتي أمتي ﴿ إن عصيت ربي ﴾ برؤية الغير يوم قدّر الشرك لاقوام والتوحيد لاقوام ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ إن دائرة أزليته متصلة بدائرة أبديته، وكل نقطة من الدائرة تصلح للبداية والنهاية، فكل ما صدر منه فلن ينتهي إلا به ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ قهر الكفار بموت القلوب فضلوا في ظلمات الطبيعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة فخرجوا من ظلمات الطبيعة، وقهر قلوب المحبين بلذعات الأشواق إلى يوم التلاق، وقهر أرواح الصديقين بسطوات الجلال في أوقات الوصال.
﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما يقهره فلا يخلو من حكمة ﴿ الخبير ﴾ بمن يتسأهل كل صنف من قهره فيقهره به ﴿ الله أكبر شهادة ﴾ لأنه محيط بحقائق الأشياء ولا يحيط به شيء من الأشياء ﴿ ومن بلغ ﴾ القرآن ووقف على حقائقه.
ويقول للمشركين ﴿ أئنكم لتشهدون ﴾ ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ يعني العلماء بالقرآن يعرفون الله أو النبي.
وفيه إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله مصدر جميع الأشياء ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ ويوم يحشرهم جميعا ﴾ يعني أهل المعرفة والنكرة ﴿ أين شركاؤكم ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ كذبوا على أنفسهم ﴾ في القيامة لأنهم كذبوا في الدنيا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ﴾ .
قيل: نزلت سورة الأنعام في محاجة أهل الشرك، إلا آيات نزلت في محاجة أهل الكتاب، أحداها هذه.
وجائز أن يكون أهل الشرك يعرفون أنه رسول كما يعرفون أبناءهم، ويكون الكتاب هو القرآن - هاهنا - لما قرع أسماعهم هذا القرآن، وأمروا أن يأتوا بمثله، فعجزوا عنه، وبما كانوا يختلفون إلى أهل الكتاب، ويسألونهم عن نعته وصفته، ويخبرونهم، فعرف أهل الشرك أنه رسول، كما عرف أهل الكتاب بوجود نعته وصفته في كتابهم.
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لعبد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على نبيّه - - بمكة: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ﴾ ، فيكف يا عبد الله المعرفة؟
فقال عبد الله: يا عمر، لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب، وأنا أشد معرفة بمحمد مني لابني، فقال: كيف ذلك؟
فقال: أنا أشهد أنه رسول الله حق من الله، ولا أدري ما صنع النساء، أو ما أحدث النساء، [وقد نعت في] كتابنا.
فقال [له] عمر: صدقت وأصبت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ .
قال أهل التأويل: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، لكن هذا - في الحقيقة - كأنه سؤال واستفهام؛ كأنه قال: من أظلم من الظالمين، قال: من افترى على الله كذباً، يقال: من فعل هذا؟
قال: فلان، أو من قال هذا؟
قال: فلان، فهو - والله أعلم - على السؤال والاستفهام.
ثم قيل الذين افتروا على الله كذباً: إن معه شريكاً كقولهم: إن مع الله آلهة أخرى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ كَذَّبَ بِآيَٰتِهِ ﴾ .
قيل: محمد .
وقيل: القرآن.
﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾ .
قال بعضهم: إنه لا يفلح الظالمون بظلمهم، لكن عندنا قوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾ ما داموا في ظلمهم، أو نقول: لا يفلح الظالمون إذا ختموا وماتوا على الظلم والكفر.
<div class="verse-tafsir"
لا أحد أعظم ظلمًا ممن نسب لله شريكًا، فعبده معه، أو كَذّبَ بآياته التي أنزلها على رسوله، إن الظالمين بنسبة الشريك إلى الله وتكذيب آياته لا يفوزون أبدًا إن لم يتوبوا.
<div class="verse-tafsir" id="91.XKJln"