الآية ٣ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٣ من سورة الأنعام

وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ) اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال ، بعد الاتفاق على تخطئة قول الجهمية الأول القائلين بأنه - تعالى عن قولهم علوا كبيرا - في كل مكان ; حيث حملوا الآية على ذلك ، فأصح الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض ، أي : يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض ، ويسمونه الله ، ويدعونه رغبا ورهبا ، إلا من كفر من الجن والإنس ، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى : ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) [ الزخرف : 84 ] ، أي : هو إله من في السماء وإله من في الأرض ، وعلى هذا فيكون قوله : ( يعلم سركم وجهركم ) خبرا أو حالا .

والقول الثاني : أن المراد أن الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض ، من سر وجهر .

فيكون قوله : ( يعلم ) متعلقا بقوله : ( في السماوات وفي الأرض ) تقديره : وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون .

والقول الثالث أن قوله ( وهو الله في السماوات ) وقف تام ، ثم استأنف الخبر فقال : ( وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ) وهذا اختيار ابن جرير .

وقوله : ( ويعلم ما تكسبون ) أي : جميع أعمالهم خيرها وشرها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذي له الألوهةُ التي لا تنبغي لغيره، المستحقَّ عليكم إخلاصَ الحمد له بآلائه عندكم، أيها الناس، الذي يعدل به كفاركم مَن سواه, هو الله الذي هو في السماوات وفي الأرض يعلم سِرَّكم وجَهْركم، فلا يخفى عليه شيء.

يقول: فربكم الذي يستحقُّ عليكم الحمدَ، ويجب عليكم إخلاصُ العبادة له, هو هذا الذي صفته = لا من لا يقدر لكم على ضرّ ولا نفع، ولا يعمل شيئًا، ولا يدفع عن نفسه سُوءًا أريد بها .

* * * وأما قوله: " ويعلم ما تكسبون " ، يقول: ويعلم ما تَعمَلون وتجرَحُون, فيحصي ذلك عليكم ليجازيكم به عند معادكم إليه.

(15) ---------------------- الهوامش : (15) انظر تفسير"كسب" فيما سلف 10 : 297 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئونقوله تعالى : وهو الله في السماوات وفي الأرض يقال ما عامل الإعراب في الظرف [ ص: 302 ] من في السماوات وفي الأرض ؟

ففيه أجوبة : أحدها : أي : وهو الله المعظم أو المعبود في السماوات وفي الأرض ; كما تقول : زيد الخليفة في الشرق والغرب أي : حكمه ، ويجوز أن يكون المعنى وهو الله المنفرد بالتدبير في السماوات وفي الأرض ; كما تقول : هو في حاجات الناس وفي الصلاة ، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر ويكون المعنى : وهو الله في السماوات وهو الله في الأرض .

وقيل : المعنى وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض فلا يخفى عليه شيء ; قالالنحاس : وهذا من أحسن ما قيل فيه ، وقال محمد بن جرير : وهو الله في السماوات ويعلم سركم وجهركم في الأرض ، ( فيعلم ) مقدم في الوجهين ، والأول أسلم وأبعد من الإشكال ، وقيل غير هذا ، والقاعدة تنزيهه جل وعز عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة .

ويعلم ما تكسبون أي : من خير وشر ، والكسب الفعل لاجتلاب نفع أو دفع ضرر ، ولهذا لا يقال لفعل الله كسب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وهو المألوه المعبود في السماوات وفي الأرض، فأهل السماء والأرض، متعبدون لربهم، خاضعون لعظمته، مستكينون لعزه وجلاله، الملائكة المقربون، والأنبياء والمرسلون، والصديقون، والشهداء والصالحون.

وهو تعالى يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون، فاحذروا معاصيه وارغبوا في الأعمال التي تقربكم منه، وتدنيكم من رحمته، واحذروا من كل عمل يبعدكم منه ومن رحمته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وهو الله في السموات وفي الأرض ) يعني : وهو إله السموات والأرض ، كقوله : ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) ، وقيل : هو المعبود في السموات والأرض ، وقال محمد بن جرير : معناه هو في السموات يعلم سركم وجهركم في الأرض ، [ وقال الزجاج : فيه تقديم وتأخير تقديره : وهو الله ، ( يعلم سركم وجهركم ) في السموات والأرض ] ( ويعلم ما تكسبون ) تعملون من الخير والشر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وهو الله» مستحق للعبادة «في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم» ما تسرون وما تجهرون به بينكم «ويعلم ما تكسبون» تعملون من خير وشرِّ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والله سبحانه هو الإله المعبود في السموات والأرض.

ومن دلائل ألوهيته أنه يعلم جميع ما تخفونه -أيها الناس- وما تعلنونه، ويعلم جميع أعمالكم من خير أو شر؛ ولهذا فإنه -جلَّ وعلا- وحده هو الإله المستحق للعبادة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : { وَهُوَ الله } جملة من متبدأ وخبر ، معطوفة على ما قبلها ، سيقت لبيان شموال ألوهيته لجميع المخلوقات .قال أبو السعود : وقوله { فِي السماوات وَفِي الأرض } متعلق بالمعنى الوصفى الذى ينبىء عنه الاسم الجليل إما باعتبار اصل اشتقاقه وكونه علما للمعبود بالحق ، كأنه قيل : وهو المعبود فيهما .

وإما باعتبار أنه اسم اشتهر به الذات من صفات الكمال ، فلوحظ معه منها ما يقتضيه المقام من المالكية حسبما تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة ، فعلق به الظرف من تلك الحيثية فصار كأنه قيل : هو المالك أو المتصرف المدبر فيهما ، كما فى قوله - تعالى - : { وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله } وجملة { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } تقرير لمعنى الجملة الأولى لأن الذى استوى فى علمه السر والعلن هو الله وحده .

ويجوز أن تكون كلاما مبتدأ بمعنى : هو يعلم سركم وجهركم ، أو خبراً ثانيا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنا إن قلنا: إن المقصود من الآية المتقدمة إقامة الدليل على وجود الصانع القادر المختار.

قلنا: المقصود من هذه الآية بيان كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، فإن الآيتين المتقدمتين يدلان على كمال القدرة، وهذه الآية تدل على كمال العلم وحينئذٍ يكمل العلم بالصفات المعتبرة في حصول الإلهية، وإن قلنا: المقصود من الآية المتقدمة إقامة الدلالة على صحة المعاد، فالمقصود من هذه الآية تكميل ذلك البيان، وذلك لأن منكري المعاد إنما أنكروه لأمرين أحدهما: أنهم يعتقدون أن المؤثر في حدوث بدن الإنسان هو امتزاج الطبائع وينكرون أن يكون المؤثر فيه قادراً مختاراً.

والثاني: أنهم يسلمون ذلك إلا أنهم يقولون إنه غير عالم بالجزئيات فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي، ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو ثم إنه تعالى أثبت بالآيتين المتقدمتين كونه تعالى قادراً ومختاراً لا علة موجبة، وأثبت بهذه الآية كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، وحينئذٍ تبطل جميع الشبهات التي عليها مدار القول بإنكار المعاد، وصحة الحشر والنشر فهذا هو الكلام في نظم الآية وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: القائلون بأن الله تعالى مختص بالمكان تمسكوا بهذه الآية وهو قوله: ﴿ وَهُوَ الله فِي السموات ﴾ وذلك يدل على أن الإله مستقر في السماء قالوا: ويتأكد هذا أيضاً بقوله تعالى: ﴿ ءَأَمِنتُم مَّن فِي السماء أَن يَخْسِفَ  ﴾ قالوا: ولا يلزمنا أن يقال فيلزم أن يكون في الأرض لقوله تعالى في هذه الآية ﴿ وَهُوَ الله فِي السموات وَفِى الارض ﴾ وذلك يقتضي حصوله تعالى في المكانين معاً وهو محال لأنا نقول أجمعنا على أنه ليس بموجود في الأرض، ولا يلزم من ترك العمل بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر من غير دليل، فوجب أن يبقى ظاهر قوله: ﴿ وَهُوَ الله فِي السموات ﴾ على ذلك الظاهر، ولأن من القراء من وقف عند قوله: ﴿ وَهُوَ الله فِي السموات ﴾ ثم يبتدئ فيقول: ﴿ وَفِى الأرض يَعْلَمُ سِرَّكُمْ ﴾ والمعنى أنه سبحانه يعلم سرائركم الموجودة في الأرض فيكون قوله: ﴿ فِى الأرض ﴾ صلة لقوله: ﴿ سِرَّكُمْ ﴾ هذا تمام كلامهم.

وأعلم أنا نقيم الدلالة أولاً على أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره، وذلك من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في هذه السورة ﴿ قُل لّمَن مَّا فِي السموات والارض قُل لِلَّهِ  ﴾ فبيّن بهذه الآية أن كل ما في السموات والأرض فهو ملك لله تعالى ومملوك له، فلو كان الله أحد الأشياء الموجودة في السموات لزم كونه ملكاً لنفسه، وذلك محال، ونظير هذه الآية قوله في سورة طه ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَمَا بَيْنَهُمَا  ﴾ فإن قالوا قوله: ﴿ قُل لّمَن مَّا فِي السموات والأرض ﴾ هذا يقتضي أن كل ما في السموات فهو لله إلا أن كلمة ما مختصة بمن لا يعقل فلا يدخل فيها ذات الله تعالى.

قلنا: لا نسلم والدليل عليه قوله: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا  وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا  وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا  ﴾ ونظيره ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ  ﴾ ولا شك أن المراد بكلمة ما هاهنا هو الله سبحانه.

والثاني: أن قوله: ﴿ وَهُوَ الله فِي السموات ﴾ إما أن يكون المراد منه أنه موجود في جميع السموات، أو المراد أنه موجود في سماء واحدة.

والثاني: ترك للظاهر والأول: على قسمين لأنه إما أن يكون الحاصل منه تعالى في أحد السموات عين ما حصل منه في سائر السموات أو غيره، والأول: يقتضي حصول المتحيز الواحد في مكانين وهو باطل ببديهة العقل.

والثاني: يقتضي كونه تعالى مركباً من الأجزاء والأبعاض وهو محال.

والثالث: أنه لو كان موجوداً في السماوات لكان محدوداً متنايهاً وكل ما كان كذلك كان قبوله للزيادة والنقصان ممكناً، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر وكل ما كان كذلك فهو محدث.

والرابع: أنه لو كان في السموات فهل يقدر على خلق عالم آخر فوق هذه السموات أو لا يقدر، والثاني: يوجب تعجيزه والأول: يقتضي أنه تعالى لو فعل ذلك لحصل تحت هذا العالم، والقوم ينكرون كونه تحت العالم والخامس: أنه تعالى قال: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ  ﴾ وقال: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد  ﴾ وقال: ﴿ وَهُوَ الذي فِي السماء إله وَفِى الأرض إله  ﴾ وقال: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله  ﴾ وكل ذلك يبطل القول بالمكان والجهة للهِ تعالى، فثبت بهذه الدلائل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره فوجب التأويل وهو من وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ وَهُوَ الله فِي السموات وَفِى الأرض ﴾ يعني وهو الله في تدبير السموات والارض كما يقال: فلان في أمر كذا أي في تدبيره وإصلاح مهماته، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي فِي السماء إله وَفِى الارض إله ﴾ والثاني: أن قوله: ﴿ وَهُوَ الله ﴾ كلام تام، ثم ابتدأ وقال: ﴿ فِي السموات وَفِى الارض يَعلمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ﴾ والمعنى إله سبحانه وتعالى يعلم في السموات سرائر الملائكة، وفي الأرض يعلم سرائر الإنس والجن.

والثالث: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير والتقدير: وهو الله يعلم في السموات وفي الأرض سركم وجهركم، ومما يقوي هذه التأويلات أن قولنا: وهو الله نظير قولنا هو الفاضل العالم، وكلمة هو إنما تذكر هاهنا لإفادة الحصر، وهذه الفائدة إنما تحصل إذا جعلنا لفظ الله اسماً مشتقاً فأما لو جعلناه اسم علم شخص قائم مقام التعيين لم يصح إدخال هذه اللفظة عليه، وإذا جعلنا قولنا: الله لفظاً مفيداً صار معناه وهو المعبود في السماء وفي الأرض، وعلى هذا التقدير يزول السؤال والله أعلم.

المسألة الثانية: المراد بالسر صفات القلوب وهي الدواعي والصوارف، والمراد بالجهر أعمال الجوارح، وإنما قدم ذكر السر على ذكر الجهر لأن المؤثر في الفعل هو مجموع القدرة مع الداعي، فالداعية التي هي من باب السر هي المؤثرة في أعمال الجوارح المسماة بالجهر، وقد ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول، والعلة متقدمة على المعلول، والمتقدم بالذات يجب تقديمه بحسب اللفظ.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ فيه سؤال: وهو أن الأفعال إما أفعال القلوب وهي المسماة بالسر، وإما أعمال الجوارح وهي المسماة بالجهر.

فالأفعال لا تخرج عن السر والجهر فكان قوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ يقتضي عطف الشيء على نفسه، وأنه فاسد.

والجواب: يجب حمل قوله: ﴿ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ على ما يستحقه الإنسان على فعله من ثواب وعقاب والحاصل أنه محمول على المكتسب كما يقال: هذا المال كسب فلان أي مكتسبه، ولا يجوز حمله على نفس الكسب، وإلا لزم عطف الشيء على نفسه على ما ذكرتموه في السؤال.

المسألة الرابعة: الآية تدل عى كون الإنسان مكتسباً للفعل والكسب هو الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضر، ولهذا السبب لا يوصف فعل الله بأنه كسب لكونه تعالى منزهاً عن جلب النفع ودفع الضرر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فِى السماوات ﴾ متعلق بمعنى اسم الله، كأنه قيل: وهو المعبود فيها.

ومنه قوله: ﴿ وَهُوَ الذى فِي السماء إله وَفِى الارض إله ﴾ [الزخرف: 84] أو وهو المعروف بالإلهية أو المتوحد بالإلهية فيها، أو هو الذي يقال له: الله فيها- لا يشرك به في هذا الاسم، ويجوز أن يكون ﴿ الله فِي السموات ﴾ خبراً بعد خبر على معنى: أنه الله وأنه في السموات والأرض بمعنى أنه عالم بما فيهما لا يخفى عليه منه شيء، كأن ذاته فيهما، فإن قلت: كيف موقع قوله: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ﴾ ؟

قلت: إن أردت التوحد بالإلهية كان تقريراً له؛ لأن الذي استوى في علمه السر والعلانية هو الله وحده، وكذلك إذا جعلت في السموات خبراً بعد خبر، وإلا فهو كلام مبتدأ بمعنى: هو يعلم سركم وجهركم.

أو خبر ثالث ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ من الخير والشرّ، ويثيب عليه، ويعاقب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَهُوَ اللَّهُ ﴾ الضَّمِيرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى واللَّهُ خَبَرُهُ.

﴿ فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاسْمِ اللَّهِ والمَعْنى هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ فِيهِما لا غَيْرَ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ هي الخَبَرُ واللَّهُ بَدَلٌ، ويَكْفِي لِصِحَّةِ الظَّرْفِيَّةِ كَوْنُ المَعْلُومِ فِيهِما كَقَوْلِكَ رَمَيْتُ الصَّيْدَ في الحَرَمِ إذا كُنْتَ خارِجَهُ والصَّيْدُ فِيهِ أوْ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ خَبَرًا، بِمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِكَمالِ عِلْمِهِ بِما فِيهِما كَأنَّهُ فِيهِما، ويَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم بَيانٌ وتَقْرِيرٌ لَهُ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالمَصْدَرِ لِأنَّ صِفَتَهُ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.

﴿ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَيُثِيبُ عَلَيْهِ ويُعاقِبُ، ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِالسِّرِّ والجَهْرِ ما يَخْفى وما يَظْهَرُ مِن أحْوالِ الأنْفُسِ وبِالمُكْتَسَبِ أعْمالُ الجَوارِحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وهو الله} مبتدأ وخبر {في السماوات وَفِي الأرض} متعلق بمعنى اسم الله كأنه قيل وهو المعبود فيهما كقوله هو الذى فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله أو هو المعروف بالإلهية فيهما أو هو الذي يقال له الله فيهما مبتدأ أى وهو يعلم سركم وجهركم {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} من الخير والشر ويثيب عليه ويعاقب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ وهُوَ اللَّهُ ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ عائِدٍ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما قالَ الجُمْهُورُ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مَسُوقَةٌ لِبَيانِ شُمُولِ ِأحْكامِ إلَهِيَّتِهِ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِتَفاصِيلِ أحْوالِ العِبادِ وأعْمالِهِمُ المُؤَدِّيَةِ إلى الجَزاءِ إثْرَ الإشارَةِ إلى تَحَقُّقِ المَعادِ في تَضاعِيفِ ما تَقَدَّمَ، والحَمْلُ ظاهِرُ الفائِدَةِ إذا اعْتُبِرَ ما يَأْتِي وإلّا فَهو عَلى حَدٍّ - أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ عَلى ما قِيلَ بِالمَعْنى الوَصْفِيِّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ كَما في قَوْلِكَ: هو حاتِمٌ في طَيِّءٍ عَلى مَعْنى الجَوادِ والمَعْنى الَّذِي يُعْتَبَرُ هُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو المَأْخُوذَ مِن أصْلِ اشْتِقاقِ الِاسْمِ الكَرِيمِ أعْنِي المَعْبُودَ أوْ ما اشْتُهِرَ بِهِ الِاسْمُ مِن صِفاتِ الكَمالِ إلّا أنَّهُ يُلاحِظُ في هَذا المَقامِ ما يَقْتَضِيهِ مِنها أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّرْكِيبُ الحَصْرِيُّ لِتَعْرِيفِ طَرَفَيِ الإسْنادِ فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّفَرُّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ أوْ ما تَقَرَّرَ عِنْدَ الكُلِّ مِن إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ تَعالى خاصَّةً فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهو المَعْبُودُ فِيهِما أوْ وهو المالِكُ والمُتَصَرِّفُ المُدَبِّرُ فِيهِما حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ أوْ وهو المُتَوَحِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ فِيهِما أوْ وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: اللَّهُ فِيهِما لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ في هَذا الِاسْمِ، ومَعْنى ذَلِكَ مُجَرَّدُ مُلاحَظَةِ أحَدِ المَعانِي المَذْكُورَةِ في ضِمْنِ ذَلِكَ الِاسْمِ الجَلِيلِ، ويَكْفِي مِثْلَ ذَلِكَ في تَعَلُّقِ الجارِّ لا أنَّهُ يَحْمِلُ لَفْظَ اللَّهِ عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ أوْ عَلى المالِكِ والمُتَصَرِّفِ أوِ المُتَوَحِّدِ أوْ يُقَدَّرُ القَوْلُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَنْدَفِعُ ما يُقالُ: إنَّ الظَّرْفَ لا يَتَعَلَّقُ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى لِجُمُودِهِ ولا بِكائِنٍ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ ظَرْفًا لِلَّهِ تَعالى، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والزَّمانِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ تَعَلُّقَهُ بِكائِنٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والكَلامُ حِينَئِذٍ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ أوْ كِنايَةٌ عَلى رَأْيِ مَن لَمْ يَشْتَرِطْ جَوازَ المَعْنى الأصْلِيِّ أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ شُبِّهَتِ الحالَةُ الَّتِي حَصَلَتْ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالسَّمَواتِ والأرْضِ وبِما فِيهِما بِحالَةِ بَصِيرٍ تَمَكَّنَ في مَكانٍ يَنْظُرُهُ وما فِيهِ والجامِعُ بَيْنَهُما حُضُورُ ذَلِكَ عِنْدَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَجازًا مُرْسَلًا بِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ وهو ظاهِرٌ، وأنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً بِالكِتابَةِ بِأنْ شُبِّهَ - عَزَّ اسْمُهُ - بِمَن تَمَكَّنَ في مَكانٍ وأُثْبِتَ لَهُ مِن لَوازِمِهِ وهو عِلْمُهُ بِهِ رُبَّما فِيهِ، ولَيْسَ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المَحْظُورِ في شَيْءٍ وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ ﴾ أيْ ما أسْرَرْتُمُوهُ وما جَهَرْتُمْ بِهِ مِنَ الأقْوالِ أوْ مِنها ومِن الأفْعالِ بَيانًا لِلْمُرادِ وتَوْكِيدًا لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، وتَعْلِيقُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِما ذُكِرَ خاصَّةً مَعَ شُمُولِهِ لِجَمِيعِ مَن في السَّمَواتِ وصاحِبَتِها لِانْسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ إلى بَيانِ حالِ المُخاطَبِينَ، وكَذا يُعْتَبَرُ بَيانًا عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ ما اشْتُهِرَ بِهِ الِاسْمُ الجَلِيلُ مِن صِفاتِ الكَمالِ عِنْدَ تَعَلُّقِ الجارِّ عَلى ما عَلِمْتَ فَإنَّ مُلاحَظَتَهُ مِن حَيْثُ المالِكِيَّةِ الكامِلَةِ والتَّصَرُّفِ الكامِلِ حَسْبَما تَقَدَّمَ مُسْتَتْبِعَةٌ لِمُلاحَظَةِ عِلْمِهِ تَعالى المُحِيطِ حَتْمًا وعَلى التَّقادِيرِ الأُخَرِ لا مَساغَ كَما قِيلَ لِجَعْلِهِ بَيانًا لِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ العِلْمِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في مَفْهُومِ شَيْءٍ مِنَ المَعْبُودِيَّةِ واخْتِصاصِ اطِّلاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ تَعالى، وكَذا مَفْهُومُ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا بَيانًا لِذَلِكَ، واعْتِبارُ العِلْمِ فِيما صَدَقَ عَلَيْهِ المُتَوَحِّدُ غَيْرُ كافٍ في البَيانِيَّةِ، وقِيلَ في بَيانِها عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ: إنَّ حَصْرَ الأُلُوهِيَّةِ بِمَعْنى تَدْبِيرِ الخَلْقِ ومَن تَفَرَّدَ بِتَدْبِيرِ جَمِيعِ أُمُورِ أحَدٍ لَزِمَهُ مَعْرِفَةُ جَمِيعِها حَتّى يَتِمَّ لَهُ تَدْبِيرُها، فَمُلاحَظَةُ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ مُسْتَتْبِعَةٌ لِمُلاحَظَةِ عِلْمِهِ تَعالى المُحِيطِ عَلى طُرُزِ ما تَقَرَّرَ في مُلاحَظَةِ اسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ مِن حَيْثُ المالِكِيَّةِ الكامِلَةِ والتَّصَرُّفِ الكامِلِ عَلى الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ ومِن هَذا يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما أُورِدَ عَلى احْتِمالِ تَعَلُّقِ الجارِّ السّابِقِ بِاعْتِبارِ مُلاحَظَةِ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ مِن أنَّ التَّوَحُّدَ بِها أمْرٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَكانٍ، فَلا مَعْنًى لِجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِمَكانٍ فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ الأمْكِنَةِ، فَإنَّ تَدْبِيرَ الخَلْقِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِما في حَيِّزِ الجارِّ مِنَ الحَيِّزِ، وكَذا بِما فِيهِ وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِمَنعِ تَفْسِيرِ الأُلُوهِيَّةِ بِما ذُكِرَ، ولَعَلَّ الجُمْلَةَ عَلى هاتِيكَ التَّقادِيرِ خَبَرٌ ثالِثٌ، وقَدْ جَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ الإخْبارَ بِالجُمْلَةِ بَعْدَ الإخْبارِ بِالمُفْرَدِ، وبَعْضُهم جَعَلَها كَذَلِكَ مُطْلَقًا، والقَرِينَةُ عَلى إرادَةِ المُرادِ مِنَ الجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ حِينَئِذٍ عَقْلِيَّةٌ وهي أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ تَقَدَّسَ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِنَ المَكانِ وذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ ﴾ إذْ لَمْ يُرْدَفْ بِما يُبَيِّنُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً وهو اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ ورَجَّحَهُ غَيْرُ واحِدٍ لِخُلُوِّهِ عَنِ التَّكَلُّفِ أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، ويُتَكَلَّفُ لَهُ تَقْدِيرُ سُؤالٍ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ هي خَبَرُ (هُوَ) والِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلٌ مِنهُ، والظَّرْفُ يَتَعَلَّقُ بـِ (يَعْلَمُ) ويَكْفِي في ذَلِكَ كَوْنُ المَعْلُومِ فِيما ذُكِرَ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى كَوْنِ العالَمِ فِيهِ لِيَلْزَمَ تَحَيُّزَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُحالُ، وهَذا كَما قِيلَ كَقَوْلِكَ: رَمَيْتُ الصَّيْدَ في الحَرَمِ فَإنَّهُ صادِقٌ إذا كُنْتَ خارِجَهُ والصَّيْدُ فِيهِ ونَقَلَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ عَنِ الإمامِ التَّمْرُتاشِيِّ في ”الإيْمانِ“ إذا ذُكِرَ ظَرْفٌ بَعْدَ فِعْلٍ لَهُ فاعِلٌ كَما إذا قُلْتَ: إذا ضَرَبْتَ في الدّارِ أوْ في المَسْجِدِ، فَإنْ كانَ مَعًا فِيهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ الفاعِلُ فِيهِ دُونَ المَفْعُولِ أوْ بِالعَكْسِ فَإنْ كانَ الفِعْلُ مِمّا يَظْهَرُ أثَرُهُ في المَفْعُولِ كالضَّرْبِ والقَتْلِ والجَرْحِ فالمُعْتَبَرُ كَوْنُ المَفْعُولِ فِيهِ، وإنْ كانَ مِمّا لا يَظْهَرُ أثَرُهُ فِيهِ كالشَّتْمِ فالمُعْتَبِرُ كَوْنُ الفاعِلِ فِيهِ فَلِذا قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: لَوْ إنْ شَتَمْتَهُ في المَسْجِدِ أوْ رَمَيْتَ إلَيْهِ فَكَذا فَشَرْطُ حِنْثِهِ كَوْنُ الفاعِلِ فِيهِ، وإنْ قالَ: إنْ ضَرَبْتَهُ في المَسْجِدِ أوْ جَرَحْتَهُ أوْ قَتَلْتَهُ أوْ رَمَيْتَهُ فَكَذا فَشَرْطُهُ كَوْنُ المَفْعُولِ فِيهِ، وفُرِّقَ بَيْنَ الرَّمْيَيْنِ المُتَعَدِّي بِإلى والمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ بِأنَّ الأوَّلَ إرْسالُ السَّهْمِ مِنَ القَوْسِ بِنِيَّةٍ وذَلِكَ مِمّا لا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ في المَحَلِّ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى وُصُولِ فِعْلِ الفاعِلِ، والثّانِي إرْسالُ السَّهْمِ أوْ ما يُضاهِيهِ عَلى وجْهٍ يَصِلُ إلى المَرْمى إلَيْهِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ، ولِذا عُدَّ كُلٌّ مِنهُما في قَبِيلٍ وعَلى هَذا يُشَكِّلُ ما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّ العِلْمَ لا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ في المَعْلُومِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن قَبِيلِ شَتْمَتِهِ في المَسْجِدِ ويَجِيءُ المُحالُ، وكَوْنُ العِلْمِ هُنا مَجازًا عَنِ المُجازاةِ وهي مِمّا يَظْهَرُ أثَرُها في المَفْعُولِ فَيَكُونُ الكَلامُ مِن قَبِيلِ إنْ ضَرَبْتَهُ في المَسْجِدِ ويَكْفِي المَفْعُولُ فِيهِ دُونَ الفاعِلِ، في القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ عَلى أنَّ كَوْنَ المَفْعُولِ هُنا أعْنِي سِرَّ المُخاطَبِينَ وجَهْرَهم في السَّمَواتِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ والقَوْلُ بِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ يَعْلَمُ نُفُوسَكُمُ المُفارِقَةَ الكائِنَةَ في السَّمَواتِ ونُفُوسَكُمُ المُقارِنَةَ لِأبْدانِكُمُ الكائِنَةِ في الأرْضِ تَعَسُّفٌ وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ عَلى أنَّ الخِطابَ حِينَئِذٍ يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدْ كانَ فِيما قَبْلُ لِلْكافِرِينَ فَتَفُوتُ المُناسَبَةُ والِارْتِباطُ ومِثْلُهُ القَوْلُ بِتَعْمِيمِ الخِطابِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ المَلائِكَةَ، وظاهِرٌ أنَّ سِرَّهم وجَهْرَهم في السَّمَواتِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَعْلُ سِرِّ المُخاطَبِينَ وجَهْرِهِمْ فِيها لِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ وتَصْوِيرِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ في أيِّ مَكانٍ كانَ لا أنَّهُما يَكُونانِ في السَّمَواتِ أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالسِّرِّ ما كُتِمَ عَنْهم مِن عَجائِبِ المُلْكِ وأسْرارِ المَلَكُوتِ مِمّا لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ وبِالجَهْرِ ما ظَهَرَ لَهم مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ.

وإضافَةُ السِّرِّ والجَهْرِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مَجازِيَّةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ويَلْزَمُ أيْضًا التَّنازُعُ مَعَ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ مِنهم مَن يُجَوِّزُ التَّنازُعَ مَعَ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ ومَن يَقُولُ: بِجَوازِ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ عَلى المَصْدَرِ لِتَوَسُّعِهِمْ فِيهِ ما لَمْ يُتَوَسَّعْ في غَيْرِهِ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما يَمْتَنِعُ تَقَدُّمُ مُتَعَلِّقِ المَصْدَرِ إذا قُدِّرَ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وفِعْلٍ وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ مِمّا مَنَعُوهُ، وقالَ مَوْلانا صَدْرُ الدِّينِ: يَرُدُّ عَلى مَنعِ تَعَلُّقِ الجارِّ بِالمَصْدَرِ المُتَأخِّرِ تَعَلُّقُهُ بِـ (إلَهٍ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ ﴾ مَعَ أنَّ إلَهًا مَصْدَرٌ وصَرَّحَ بِتَعَلُّقِهِ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ فَإنْ أُوِّلَ بِالصِّفَةِ مِثْلَ المَعْبُودِ فَلْيُؤَوَّلِ السِّرُّ والجَهْرُ بِالخَفِيِّ والظّاهِرِ وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ جَعَلَ (هُوَ) ضَمِيرَ الشَّأْنِ و(اللَّهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ أيِ الشَّأْنُ والقِصَّةُ ذَلِكَ ﴿ ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ 3 - أيْ ما تَفْعَلُونَهُ لِجَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ مِنَ الأعْمالِ المُكْتَسَبَةِ بِالقُلُوبِ والجَوارِحِ سِرًّا وعَلانِيَةً.

وتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ فِيما تَقَدَّمَ عَلى تَقْدِيرِ تَعْمِيمِ السِّرِّ والجَهْرِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ لِأنَّهُ مَدارُ فَلَكِ الجَزاءِ وهو السِّرُّ في إعادَةِ (يَعْلَمُ) ومِنَ النّاسِ مَن غايَرَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِجَعْلِ العِلْمِ هُنا عِبارَةً عَنْ جَزائِهِ وإبْقائِهِ عَلى مَعْناهُ المُتَبادِرِ فِيما تَقَدَّمَ.

وتَفْسِيرُ المُكْتَسَبِ بِجَزاءِ الأعْمالِ مِنَ المَثُوباتِ والعُقُوباتِ غَيْرُ ظاهِرٍ.وكَذا حَمْلُ السِّرِّ والجَهْرِ عَلى ما وقَعَ والمُكْتَسَبُ عَلى ما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي مائة وخمس وستون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم قال مقاتل: سورة الأنعام كلها مكية غير قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ الآية وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: سورة الأنعام كلها مكية غير ست آيات قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ إلى آخر الثلاث وقوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ ...

وقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وقيل: نزلت جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَشَيَّعَهَا سَبْعُونَ ألف ملك.

قال شهر بن حوشب: نزلت الأنعام جملة واحدة وهي مكية غير آيتين: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ وقال: بعضهم: كلها مكية.

وقال كعب الأحبار: مفتاح التوراة قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وخاتمتها خاتمة سورة هود: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [هود: 123] وقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ حمد الرب نفسه، ودلّ بصنعه على توحيده، الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يعني: خلق السموات وما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وخلق الأرض وما فيها وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني: خلق الليل والنهار.

ويقال: الكفر والإسلام.

وقال الضحاك: هذه الآية نزلت في شأن المجوس.

قالوا: الله خالق النور، والشيطان خالق الظلمة، فأنزل الله تعالى إكذاباً لقولهم، ورداً عليهم، فقال: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني: أن الله واحد لا شريك له، وهو الذى خلق السموات والارض، وهو الذي خلق الظلمات والنور ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: المجوس بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعني: يشركون.

ويقال ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعني: مشركي مكة بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعني: يعبدون الأصنام.

ثم قال: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ يعني: آدم، وأنتم من ذريته ومن نسله ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني: أجل ابن آدم منذ يوم ولد إلى يوم يموت.

وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ يعني: البرزخ منذ يموت إلى يوم البعث، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ فهذا قول مقاتل والحسن.

وقال عكرمة: أَجَلًا يعني: أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني: أجل الآخرة.

وهكذا قال سعيد بن جبير: ويقال أَجَلًا يعني: أجل واحد وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني: يوم القيامة ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ يعني: تشكون في البعث بعد الموت وفي الأجل المسمى.

ثم قال: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يعني: هو المتفرد بالتدبير في السموات وفي الأرض.

وهذا كقوله: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [الزخرف: 84] يعني: وهو خالق السموات والأرض.

ويقال: هو الذي يوحد ويقر بوحدانيته أهل السموات والأرض.

ويقال: عالم بما في السموات وبما في الأرض.

يَعْلَمُ سِرَّكُمْ يعني: يعلم سر أعمالكم وَجَهْرَكُمْ يعني علانيتكم وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ من الخير والشر فيجازيكم بذلك.

ثم أخبر عن أمر المشركين فقال <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والأجل المسمى عنده من وَقْت موته إلى حَشْره، ووصفه ب مُسَمًّى عِنْدَهُ لأنه استأثر- سبحانه- بعِلْمِ وَقْتِ القيامة.

وقال ابن عباس: أَجَلًا الدنيا، وَأَجَلٌ مُسَمًّى الآخرة «١» .

وقيل غير هذا.

وتَمْتَرُونَ معناه: تشكون.

وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦)

وقوله سبحانه: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ قاعدة الكلام في هذه الآية: أن حُلُولَ اللَّه في الأمَاكِنِ مُسْتَحِيلٌ- تعالى- أن يَحْوِيَهُ مكان، كما تَقَدَّسَ أن يَحُدَّهُ زمان، بل كان قبل أن خَلَقَ المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان.

وإذا تَقَرَّرَ هذا، فقالت فرقة من العلماء: تَأْوِيلُ ذلك على تقدير صِفَةٍ محذوفة من اللفظ ثَابِتَةٍ في المعنى، كأنه قال: وهو اللَّه المَعْبُودُ في السموات، وفي الأرض.

وعبر بعضهم بأن قدر: وهو اللَّه المدبر للأمر في السموات والأرض.

وقال الزَّجَّاجُ: فِي متعلقة بما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللَّه من المعاني، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في المَشْرِقِ والمغرب.

قال ع «٢» : وهذا عِنْدِي أَفْضَلُ الأقوال، وأكثرها إحرازاً لِفَصَاحَةِ اللفظ، وجزالة المعنى.

وإيضاحه: أنه أراد أن يَدُلَّ على خلقه، وآثار قدرته، وإحاطته، واستيلائه، ونحو هذه الصفات، فجمع هذه كلها في قَوْلِهِ: وَهُوَ اللَّهُ أي: الذي له هذه كلها في السموات، وفي الأرض، كأنه قال: وهو اللَّه الخَالِقُ، الرازق، المحيي، المحيط في السموات وفي

الأرض، كما تقول: زيد السلطان في المَشْرِقِ والمغرب و «الشام» و «العراق» ، فلو قصدت ذَاتَ زَيْد لَقُلْتَ مُحَالاً، وإذا كان مَقْصِدُ قولك الآمِرَ، النَّاهِيَ، الناقض، المُبْرِمَ، الذي يعزل ويُوَلِّي في المشرق والمغرب، فأقمت السلطان مقام هذه، كان فصيحاً صحيحاً، فكذلك في الآية أقام لَفْظَةَ اللَّهُ مقام تلك الصِّفَاتِ المذكورة.

وقالت فرقة: وَهُوَ اللَّهُ ابتداء وخَبَرٌ، تم الكَلاَمُ عنده، ثم استأنف، وتعلق قوله:

فِي السَّماواتِ بمفعول يَعْلَمُ، كأنه قال: وهو اللَّه يَعْلَم سِرَّكُمْ وجهركم في السموات، وفي الأرض.

وقوله تعالى: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ خبر في ضمنه تحذير وزجر، وتَكْسِبُونَ لفظ/ عام لجميع الاعْتِقَادَاتِ، والأقوال، والأفعال.

وقوله سبحانه: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ تضمنت هذه الآية مَذَمَّةَ هؤلاء الذين يَعْدِلُونَ باللَّه سواه، بأنهم يُعْرِضُونَ عن كل آية، وكذبوا بالحق، وهو محمد- عليه السلام- وما جاء به.

قال ص: مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ «من» الأولى زَائِدَةٌ للاستغراق، وما بعدها فاعل بقوله: تَأْتِيهِمْ.

و «من» الثانية للتبعيض انتهى.

وقوله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ هذا وَعِيدٌ لهم شديد، وهذه العُقُوبَاتُ التي تُوُعِّدُوا بها تعمُّ عُقُوبَاتِ الدنيا كَبَدْرٍ وغيرها، وعقوبات الآخرة.

وقوله سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ هذا حَضٌّ على العِبْرَةِ، والرؤية هنا رُؤْيَةُ القلب، والقَرْنُ: الأمة المقترنة في مُدَّةٍ من الزمن.

واختلف في مدة القَرْنِ «١» كم هي؟

فالأكثر على أنها مائة سنة.

وقيل غير هذا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ﴾ يَعْنِي: آَدَمَ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا شَكَّ المُشْرِكُونَ في البَعْثِ، وقالُوا: مَن يُحْيِي هَذِهِ العِظامَ، أعْلَمَهم أنَّهُ خَلَقَهم مِن طِينٍ، فَهو قادِرٌ عَلى إعادَةِ خَلْقِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ: أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ، والثّانِي: أجَلُ المَوْتِ إلى البَعْثِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي أنَّ الأجَلَ: الأوَّلَ النَّوْمُ الَّذِي تُقْبَضُ فِيهِ الرُّوحُ، ثُمَّ تَرْجِعُ في حالِ اليَقَظَةِ، والأجَلِ المُسَمّى عِنْدَهُ: أجَلُ مَوْتِ الإنْسانِ.

رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ: أجَلُ الآَخِرَةِ مَتى يَأْتِي، والأجَلَ الثّانِي: أجَلُ الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ في رِوايَةٍ.

والرّابِعُ: أنَ الأوَّلَ: خَلْقُ الأشْياءِ في سِتَّةِ أيّامٍ، والثّانِي: ما كانَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ.

والخامِسُ: أنَ الأوَّلَ: قَضاهُ حِينَ أخَذَ المِيثاقَ عَلى خَلْقِهِ، والثّانِي: الحَياةُ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أجَلِ الذُّرِّيَّةِ حِينَ أحْياهم وخاطَبَهم.

والسّادِسُ: أنَ الأوَّلَ: أجْلُ مَن قَدْ ماتَ مِن قَبْلُ.

والثّانِي: أجَلُ مَن يَمُوتُ بَعْدُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْتُمْ ﴾ أيْ بَعْدَ هَذا البَيانِ تمترون وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تَشُكُّونَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

وفِيما شَكُّوا فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الوَحْدانِيَّةُ، والثّانِي: البَعْثُ.

والثّانِي: يَخْتَلِفُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ المِراءِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

﴿ وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: هو المَعْبُودُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّانِي: وهو المُنْفَرِدُ بِالتَّدْبِيرِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: وهو اللَّهُ في السَّماواتِ، ويَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ.

والمَعْنى: وهو اللَّهُ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَّماواتِ والأرْضِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهُوَ اللهُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عنها مُعْرِضِينَ ﴾ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ قاعِدَةُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ حُلُولَ اللهِ تَعالى في الأماكِنِ مُسْتَحِيلٌ؛ وكَذَلِكَ مُماسَّتُهُ لِلْأجْرامِ؛ أو مُحاذاتُهُ لَها؛ أو تَحَيُّزُهُ في جِهَةٍ؛ لِامْتِناعِ جَوازِ ذَلِكَ عَلَيْهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فَإذا تَقَرَّرَ هَذا فَبَيِّنٌ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ اللهُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ ﴾ ؛ لَيْسَ عَلى حَدِّ قَوْلِنا: "زَيْدٌ في الدارِ"؛ بَلْ هو عَلى وجْهٍ مِنَ التَأْوِيلِ آخَرَ؛ قالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ مِنَ اللَفْظِ؛ ثابِتَةٍ في المَعْنى؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ اللهُ المَعْبُودُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ وعَبَّرَ بَعْضُهم بِأنْ قَدَّرَ: "هُوَ اللهُ المُدَبِّرُ لِلْأمْرِ في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ وقالَ الزَجّاجُ: "فِي"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللهِ تَعالى مِنَ المَعانِي؛ كَما يُقالُ: " أمِيرُ المُؤْمِنِينَ الخَلِيفَةُ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي أفْضَلُ الأقْوالِ؛ وأكْثَرُها إحْرازًا لِفَصاحَةِ اللَفْظِ؛ وجَزالَةِ المَعْنى؛ وإيضاحُهُ أنَّهُ أرادَ أنْ يَدُلَّ عَلى خَلْقِهِ؛ وإيثارِ قُدْرَتِهِ؛ وإحاطَتِهِ؛ واسْتِيلائِهِ؛ ونَحْوِ هَذِهِ الصِفاتِ؛ فَجَمَعَ هَذِهِ كُلَّها في قَوْلِهِ: "وَهُوَ اللهُ"؛ أيْ: "اَلَّذِي لَهُ هَذِهِ كُلُّها في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ الخالِقُ؛ الرازِقُ؛ المُحْيِي؛ المُحِيطُ؛ في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ"؛ كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ السُلْطانُ في الشامِ؛ والعِراقِ"؛ فَلَوْ قَصَدْتَ ذاتَ "زَيْدٍ" لَقُلْتَ مُحالًا؛ وإذا كانَ مَقْصِدُ قَوْلِكَ: "زَيْدٌ الآمِرُ الناهِي؛ المُبْرِمُ؛ الَّذِي يَعْزِلُ ويُوَلِّي؛ في الشامِ؛ والعِراقِ"؛ فَأقَمْتَ "اَلسُّلْطانُ"؛ مَقامَ هَذِهِ؛ كانَ فَصِيحًا؛ صَحِيحًا؛ فَكَذَلِكَ في الآيَةِ؛ أقامَ لَفْظَةَ "اَللَّهُ"؛ مَقامَ تِلْكَ الصِفاتِ المَذْكُورَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ وَهُوَ اللهُ ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ؛ وتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿ فِي السَماواتِ ﴾ ؛ بِمَفْعُولِ "يَعْلَمُ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ اللهُ؛ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ؛ وجَهْرَكُمْ؛ في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ"؛ فَلا يَجُوزُ - مَعَ هَذا التَعْلِيقِ - أنْ يَكُونَ "هُوَ" ضَمِيرَ أمْرٍ وشَأْنٍ؛ لِأنَّهُ يَرْفَعُ "اللهُ"؛ بِالِابْتِداءِ؛ و"يَعْلَمُ"؛ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ وقَدْ فَرَّقَ ﴿ فِي السَماواتِ وفي الأرْضِ ﴾ ؛ بَيْنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ؛ وهو ظَرْفٌ غَرِيبٌ مِنَ الجُمْلَةِ؛ ويَلْزَمُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ في الكافِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ ﴾ ؛ لِجَمِيعِ المَخْلُوقِينَ؛ الإنْسِ والمَلائِكَةِ؛ لِأنَّ الإنْسَ لا سِرَّ ولا جَهْرَ لَهم في السَماءِ؛ فَتَرْتِيبُ الكَلامِ عَلى هَذا القَوْلِ: "وَهُوَ اللهُ؛ يَعْلَمُ يا جَمِيعَ المَخْلُوقِينَ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "وَهُوَ"؛ ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ؛ و ﴿ اللهُ في السَماواتِ ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَيَعْلَمُ في الأرْضِ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ"؛ وهَذا القَوْلُ؛ إذْ قَدْ تَخَلَّصَ مِن لُزُومِ مُخاطَبَةِ المَلائِكَةِ؛ فَهو مُخَلِّصٌ مِن شُبْهَةِ الكَوْنِ في السَماءِ؛ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ "اَلْمَعْبُودُ"؛ أو "اَلْمُدَبِّرُ"؛ عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ ؛ خَبَرٌ؛ في ضِمْنِهِ تَحْذِيرٌ؛ وزَجْرٌ؛ و"تَكْسِبُونَ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الِاعْتِقاداتِ؛ والأفْعالِ؛ والأقْوالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَأْتِيهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "ما"؛ نافِيَةٌ؛ و"مِن"؛ اَلْأُولى؛ هي الزائِدَةُ؛ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الأجْناسِ بَعْدَ النَفْيِ؛ فَكَأنَّها تَسْتَغْرِقُ الجِنْسَ؛ و"مِن"؛ اَلثّانِيَةُ؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ و"اَلْآيَةُ": اَلْعَلامَةُ؛ والدَلالَةُ؛ والحُجَّةُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في وزْنِها؛ في صَدْرِ الكِتابِ؛ وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَذَمَّةَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ بِاللهِ سِواهُ؛ بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عن كُلِّ آيَةٍ تَرِدُ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ اقْتَضَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ "فَقَدْ"؛ أنَّ إعْراضَهم عَنِ الآياتِ قَدْ أعْقَبَ أنْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ؛ وهو مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وما جاءَ بِهِ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأنْ يَأْتِيَهم عِقابُ اسْتِهْزائِهِمْ؛ و"ما"؛ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَأْتِيهِمْ مُضَمَّنُ أنْباءِ القُرْآنِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ"؛ وإنْ جُعِلَتْ "ما"؛ مَصْدَرِيَّةً؛ فالتَقْدِيرُ: "يَأْتِيهِمْ نَبَأُ كَوْنِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ"؛ أيْ: "عِقابٌ يُخْبَرُونَ أنَّهُ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ"؛ وهَذِهِ العُقُوباتُ الَّتِي تُوُعِّدُوا بِها تَعُمُّ عُقُوباتِ الدُنْيا؛ كَبَدْرٍ؛ وغَيْرِها؛ وعُقُوباتِ الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

غيره.

وقوله: ﴿ في السموات وفي الأرض ﴾ متعلّق بالكون المستفاد من جملة القصر، أو بما في ﴿ الحمد لله ﴾ [الأنعام: 1] من معنى الإنفراد بالإلهية، كما يقول من يذكر جواداً ثم يقول: هو حاتم في العرب، وهذا لقصد التنصيص على أنّه لا يشاركه أحد في صفاته في الكائنات كلّها.

وقوله: ﴿ يعلم سرّكم وجهركم ﴾ جملة مقرّرة لمعنى جملة ﴿ وهو الله ﴾ ولذلك فصلت، لأنّها تتنزّل منا منزلة التوكي لأنّ انفراده بالإلهية في السماوات وفي الأرض ممّا يقتضي علمه بأحوال بعض الموجودات الأرضية.

ولا يجوز تعليق ﴿ في السماوات وفي الأرض ﴾ بالفعل في قوله: ﴿ يعلم سرّكم ﴾ لأنّ سرّ النّاس وجهرهم وكسبهم حاصل في الأرض خاصّة دون السماوات، فمن قدّر ذلك فقد أخطأ خطأ خفيّاً.

وذكر السرّ لأنّ علم السرّ دليل عموم العلم، وذكر الجهر لاستيعاب نوعي الأقوال.

والمراد ب ﴿ تكسبون ﴾ جميع الاعتقادات والأعمال من خير وشر فهو تعريض بالوعد والوعيد.

والخطاب لجميع السامعين؛ فدخل فيه الكافِرون، وهم المقصود الأول من هذا الخطاب، لأنّه تعليم وإيقاظ بالنسبة إليهم وتذكير بالنسبة إلى المؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الأنْعامِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ مِنها نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: إحْداهُما: ﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ  ﴾ نَزَلَتْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّيْنِ، والأُخْرى ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ  ﴾ نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِماسٍ.

وَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وقِيلَ: شَيَّعَ هَذِهِ السُّورَةَ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ.

﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ الآيَةَ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: فاتِحَةُ التَّوْراةِ فاتِحَةُ الأنْعامِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ ، وخاتِمَةُ التَّوْراةِ خاتِمَةُ هُودٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ جاءَ عَلى صِيغَةِ الخَبَرِ وفِيهِ مَعْنى الأمْرِ، وذَلِكَ أوْلى مِن أنْ يَجِيءَ بِلَفْظِ الأمْرِ فَيَقُولُ احْمَدِ اللَّهَ، لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَعْلِيمَ اللَّفْظِ والمَعْنى، وفي الأمْرِ المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ.

والثّانِي: أنَّ البُرْهانَ إنَّما يَشْهَدُ بِمَعْنى الخَبَرِ دُونَ الأمْرِ.

﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ لِأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ نِعَمٌ تَسْتَوْجِبُ الحَمْدَ، لِأنَّ الأرْضَ تَقِلُّ، والسَّماءَ تَظِلُّ، وهي مِن أوائِلِ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ، ولِذَلِكَ اسْتَحْمَدَ بِخَلْقِها وأضافَ خَلْقَها إلى نَفْسِهِ عِنْدَ حَمْدِهِ، عَلى أنَّ مُسْتَحِقَّ الحَمْدِ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، لِيَكُونَ بِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ مُنْفَرِدًا لِانْفِرادِهِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ.

وَفي جَمْعِ السَّماواتِ وتَوْحِيدِ الأرْضِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ السَّماواتِ أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ، والجَمْعُ أبْلَغُ في التَّفْخِيمِ مِنَ التَّوْحِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ  ﴾ .

والثّانِي: لِأنَّ أوامِرَهُ إلى الأرْضِ تَخْتَرِقُ جَمِيعَ السَّماواتِ السَّبْعِ.

وَفي تَقْدِيمِ السَّماواتِ عَلى الأرْضِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِتَقَدُّمِ خَلْقِها عَلى الأرْضِ.

والثّانِي: لِشَرَفِها فَقَدَّمَها عَلى ذِكْرِ الأرْضِ وإنْ كانَتْ مَخْلُوقَةً بَعْدَ الأرْضِ.

وَهَذانِ الوَجْهانِ مِنِ اخْتِلافِ العُلَماءِ أيُّهُما خُلِقَ أوَّلًا.

﴿ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ﴾ يَعْنِي وخَلَقَ، فَغايَرَ بَيْنَ اللَّفْظِ لِيَكُونَ أحْسَنَ في النُّظُمِ، والمُرادُ بِالظُّلُماتِ والنُّورِ هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وهو المَشْهُورُ مِن قَوْلِ قَتادَةَ، قَدَّمَ الظُّلْمَةَ عَلى النُّورِ لِأنَّهُ قَدَّمَ خَلْقَ الظُّلْمَةِ عَلى خَلْقِ النُّورِ، وجَمَعَ الظُّلُماتِ ووَحَّدَ النُّورَ لِأنَّ الظُّلُماتِ أعَمُّ مِنَ النُّورِ.

والثّانِي: أنَّ الظُّلُماتِ: اللَّيْلُ، والنُّورَ: النَّهارُ.

والثّالِثُ: أنَّ الظُّلُماتِ: الكَفْرُ، والنُّورَ: الإيمانُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَلِأصْحابِ الخَواطِرِ، فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ أُخَرُ: أحَدُها: أنَّ الظُّلُماتِ: الأجْسامُ، والنُّورَ: الأرْواحُ.

الثّانِي: أنَّ الظُّلُماتِ: أعْمالُ الأبْدانِ، والنُّورَ: ضَمائِرُ القُلُوبِ.

والثّالِثُ: أنَّ الظُّلُماتِ: الجَهْلُ، والنُّورَ: العِلْمُ.

﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ مَعَ هَذِهِ النَّعَمِ عِدْلًا، يَعْنِي مِثْلًا.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يَعْدِلُونَ بِهِ الأصْنامَ الَّتِي يَعْبُدُونَها.

والثّانِي: أنَّهم يَعْدِلُونَ بِهِ إلَهًا غَيْرَهُ لَمْ يَخْلُقْ مِثْلَ خَلْقِهِ.

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ في هَذَيْنِ الأجَلَيْنِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ الَّذِي قَضاهُ أجَلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ، والأجَلُ الثّانِي المُسَمّى عِنْدَهُ أجَلُ المَوْتِ إلى البَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ الَّذِي قَضاهُ أجَلُ الدُّنْيا، والأجَلُ الثّانِي المُسَمّى عَنْهُ ابْتِداءُ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ الَّذِي قَضاهُ هو حِينَ أخَذَ المِيثاقَ عَلى خَلْقِهِ في ظَهْرِ آدَمَ، والأجَلُ الثّانِي المُسَمّى عِنْدَهُ الحَياةُ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّ الأجَلَ الَّذِي قَضاهُ أجَلُ مَن ماتَ، والأجَلُ المُسَمّى عِنْدَهُ أجَلُ مَن يَمُوتُ بَعْدُ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ تَمْتَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَشُكُّونَ، والِامْتِراءُ: الشَّكُّ.

والثّانِي: تَخْتَلِفُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ المِراءِ وهو الِاخْتِلافُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى الكَلامِ وهو اللَّهُ المُدَبِّرُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ.

﴿ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ ﴾ أيْ ما تُخْفُونَ، وما تُعْلِنُونَ.

والثّانِي: وهو اللَّهُ المَعْبُودُ في السَّماواتِ، وفي الأرْضِ.

والثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وتَقْدِيرُهُ: وهو اللَّهُ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، لِأنَّ في السَّماواتِ المَلائِكَةَ، وفي الأرْضِ الإنْسُ والجِنُّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ أيْ ما تَعْلَمُونَ مِن بَعْدُ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ ما كانَ مِنكم، ولا ما سَيَكُونُ، ولا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الحالِ مِن سِرٍّ، وجَهْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ يعني آدم ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ يعني أجل الموت ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ أجل الساعة والوقوف عند الله.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ قال: أجل الدنيا.

وفي لفظ: أجل موته ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ قال: الآخرة لا يعلمه إلا الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ قضى أجلاً ﴾ قال: هو النوم، يقبض الله فيه الروح ثم يرجع إلى صاحبه حين اليقظة ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ قال: هو أجل موت الإِنسان.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ قال: هذا بدء الخلق، خلق آدم من طين ﴿ ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ﴾ [ السجدة: 8] ﴿ ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ﴾ يقول: أجل حياتك إلى يوم تموت، وأجل موتك إلى يوم البعث ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ قال: تشكون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ قال: أجل الدنيا الموت ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ قال: الآخره البعث.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ قضى أجلاً ﴾ قالا: أجل الدنيا منذ خلقت إلى أن تموت ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ قال: يوم القيامه.

وأخرج أبو الشيخ عن يونس بن يزيد الأيلي ﴿ قضى أجلاً ﴾ قال: ما خلق في ستة أيام ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ قال: ما كان بعد ذلك إلى القيامة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ قال: تشكون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن معدان في قوله: ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ يقول: في البعث.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ﴾ يقول: ما يأتيهم من شيء من كتاب الله إلا أعرضوا عنه.

وفي قوله: ﴿ فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ﴾ يقول: سيأتيهم يوم القيامة أنباء ما استهزأوا به من كتاب الله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ﴾ الآية، (الله) إذا جعلت هذا الاسم علمًا ثم وصلته بالمحل أوهم أن يكون الباري سبحانه في محل، كما تقول: زيد في البيت وتعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وتكلم أهل المعاني في هذا فقال أبو بكر (١) (إن وإن كان اسمًا علمًا ففيه معنى ثناء وتعظيم المعظم) (٢) ﴿ فِي ﴾ موصولة في المعنى بما يدل عليه اسم الله عز وجل، والمعنى: هو المنفرد بالتدبير في السموات والأرض، كما تقول: هو الخليفة في الشرق والغرب) (٣) وقال أبو على: (الظرف منتصب الموضع عندي بِيَعْلَمُ، وهو عندي إضمار القصة والحديث، كأن معناه الأمر لله بـ ﴿ يعلم ﴾ في السموات وفي الأرض سركم وجهركم، قال: وإذا جعلت الظرف متعلقًا باسم الله جاز عندي في قياس قول من جعل اسم الله أصله إلا له؛ لأن المعنى يكون وهو المعبود في السموات والأرض.

[يعلم (٤) (٥) ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ معنى: (الكسب) (٦) (٧) (١) تقدمت ترجمته.

(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 9، وابن الجوزي 3/ 4.

(٣) انظر "معاني القرآن" 2/ 228، وهذا القول رجحه الجمهور كما أفاده السمين في "الدر" 4/ 529، وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 127: (هذا عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازًا لفصاحة اللفظ وجزالة المعنى) ا.

هـ وقال القرطبي في "تفسيره" == 6/ 390: (هذا القول أسلم وأبعد من الإشكال) ا.

هـ وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 140: (المعنى: وهو الإله وهو المعبود في كل واحدة من السموات، ففي كل واحدة من هذا الجنس هو المألوه المعبود، فذكر الجمع هنا أبلغ وأحسن من الاقتصار على لفظ الجنس الواحد، وهذا قول محققي أهل التفسير) ا.

هـ.

واختاره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 139، والشنقيطي في "أضواء البيان" 2/ 181 - 183، وانظر "الفتاوى" 2/ 404.

(٤) لفظ: (يعلم) ساقط من (أ).

(٥) "الإغفال" لأبي علي ص 703 - 704.

(٦) انظر: "العين" 5/ 315، و"الجمهرة" 1/ 339، و"تهذيب اللغة" 4/ 3140، و"الصحاح" 1/ 212، و"المجمل" 3/ 785، و"مقاييس اللغة" 5/ 179، و"المفردات" ص 709، و"النهاية" لابن الأثير 4/ 171، و"اللسان" 7/ 387 (كسب).

(٧) انظر: الرازي في "تفسيره" 12/ 156، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 390.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض ﴾ يتعلق في السموات بمعنى اسم الله، فالمعنى كقوله: ﴿ وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله ﴾ [الزخرف: 84]، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب، ويحتمل أن يكون المجرور في موضع الخبر: فيتعلق باسم فاعل محذوف، والمعنى على هذا قريب من الأول، وقيل: المعنى أنه في السموات والأرض بعلمه كقوله: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ [الحديد: 4]، والأول أرجح وأفصح؛ لأن اسم الله جامع للصفات كلها من العلم والقدرة والحكمة، وغير ذلك فقد جمعها مع الإيجاز، ويترجح الثاني بأن سياق الكلام في اطلاع الله تعالى وعلمه، لقوله بعدها: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ﴾ ، وقيل: يتعلق بمحذوف تقديره: المعبود في السموات وفي الأرض وهذا المحذوف صفة لله: واسم الله على هذا القول، وعلى الأول هو خبر المبتدأ، وأما إذا كان المجرور الخبر فاسم الله بدل من الضمير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وأنشأنا ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف.

﴿ ولقد استهزىء ﴾ وبابه بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم، وقرأ يزيد والشموني وحمزة في الوقف بغير همز الباقون بغير همز مطلقاً ﴿ فحاق ﴾ بالإمالة حيث كان حمزة.

الوقوف: ﴿ والنور ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ أجلاً ﴾ ط ﴿ تمترون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض ﴾ ج وقيل: لا وقف ليصير التقدير وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض وفيه بعد، بل المعنى وهو المستحق للعبودية في أهل السموات وأهل الأرض.

﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ مدراراً ﴾ ص لعطف المتفقين ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ عليه ملك ﴾ ط ﴿ لا ينظرون ﴾ ه ﴿ يلبسون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس أن رسول الله  قال "نزلت الأنعام جملة واحدة وتنزلت، معها من الملائكة سبعون ألف ملك فملؤا ما بين الأخشبين" فدعا رسول الله  الكتاب فكتبوها من ليلتهم سوى آيات معدودات.

وعن أنس أن رسول الله  قال "لقد بعث إليّ بها جبريل مع خمسين ملكاً أو خمسين ألف ملك تحفها حتى أقروها في صدري كما يقرّ الماء في الحوض ولقد أعزني الله  وإياكم بها عزاً لا يذلنا بعدها أبداً فيها دحض حجج المشركين ووعد من الله لا يخلفه" ولاشتمال هذه السورة على دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد ولنزولها جملة ذهب علماء الكلام إلى أن علم الأصول مع جلالة قدره يجب تعلمه على الفور لا على التراخي بخلاف الأحكام فإنها نزلت كفاء المصالح وبحسب الحوادث والنوازل.

وأعلم أن قوله ﴿ الحمد لله ﴾ مذكور في أوائل سور خمس واختص كل منها بصفة، لكن أعمها صدر فاتحة الكتاب ﴿ الحمد لله رب العالمين  ﴾ فإن العالم كل موجود سوى الله  فكان سائر السور تفاصيل لهذه الجملة.

أثنى الله  على نفسه بقوله ﴿ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ﴾ والثناء على النفس قبيح في الشاهد ففيه دليل على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق، فكما أنه واحد في ذاته فهو واحد في صفاته وأفعاله لا اعتراض لأحد عليه.

والتحقيق فيه أن استحقاق المدح بحسب الفضيلة والكمال ولا يوجد في الممكن صفة كمال إلا وهي مشوبة بالنقص والاختلال أدناه الأفول في أفق الإمكان بخلاف واجب الوجود فإنه لا غاية لكماله ولا نهاية لعظمته وجلاله.

فلا ينبغي أن يمدح إلا هو، ولا أن يثنى إلا عليه، ولا أن يشكر ويحمد إلا له.

ثم الأوصاف الجارية عليه  إنما تذكر زيادة في المدح لا لأجل التوضيح والكشف.

أساميا لم تزده معرفة *** وإنما لذة ذكرناها وقد تقدم في الأسماء أن معنى الخلق راجع إلى التقدير والتقدير عائد إلى العلم، فالمراد أنه أوجد السموات والأرض على حسب علمه الأزلي.

قال بعض العلماء: السماء كالدائرة والأرض كالمركز، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية لها فلهذا ذكر السماء قبل الأرض مع أن ظاهر التنزيل يدل على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء.

وجمع السموات حقيقة وكذا إفراد الأرض، وقد تجمع الأرض باعتبار الطبقات وسوف يجيء تقرير ذلك في قوله ﴿ ومن الأرض مثلهن  ﴾ والمقصود من هذا الوصف إلزام المشركين، وأن تخصيص حجم الفلك بمقدار معين وتخصيص كل من أجزائه بحيز معين وتخصيص الفلك بالحركة والأرض بالسكون مع اشتراكهما في الطبيعة الجسمية، وتخصيص كل حركة بحد معين من السرعة والبطء وبجهة معينة دلائل ظاهرة على وجود فاعل مختار واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله.

وأيضاً إن لحركة كل فلك أوّلاً لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة فتقتضي المسبوقية بالغير، وعدم الأولية ينافي المسبوقية بالغير والجمع بينهما محال.

وإذا ثبت أن لكل حركة أوّلاً فاختصاص ابتداء حدوثه بوقت معين يدل على الفاعل المختار وكذا اتصاف بعض الأجسام بالفلكية وبعضها بالعنصرية مع تساوي الكل في تمام الماهية.

وأيضاً إن خارج العالم الجسماني خلاء لا نهاية له كما ثبت في الكلام، فحصول هذا العالم في حيزه الذي حصل فيه دون سائر الأحياز أمر ممكن يحتاج إلى مرجح قادر مختار حكيم يفعل ما يشاء كما يشاء.

هذا إذا نظرنا في ذوات هذه الأجرام، أما إن اعتبرنا منافعها وكيفية تأثير الأثيريات وهي - الآباء - في العنصريات - وهي الأمهات - لتحصيل المواليد الثلاثة: المعادن والنباتات والحيوانات، ارتقينا من ذلك أيضاً إلى وجود صانع قدير وحكيم خبير رتبته أعلى وأجل من رتب الممكنات.

أما قوله ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ فمعناه أحدث وأنشأ، ولهذا اقتصر على مفعول واحد، ولو كان بمعنى "صير" اقتضى مفعولين.

وإنما لم يقل "وخلق" لأنه أراد التضمين أعني إنشاء شيء من شيء كقوله ﴿ وخلق منها زوجها  ﴾ فالنور والظلمة لما تعاقبا صار كأن كل واحد منهما تولد من الآخر.

وقيل: لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور من النار، ولهذا جمع الظلمات إذ لكل حرم ظل والظل ظلمة.

ووحد النور لأن النار واحد وهو منها، والظلمة والنور ههنا هما الأمران المحسوسان بالبصر، لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة والقرينة ذكر السموات والأرض.

وعن ابن عباس أن الظلمة ظلمة الشرك والنفاق، والنور نور الإسلام واليقين، وعلى الأوّل فإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية، ثم إنها تقبل التناقص قليلاً وتلك المراتب كثيرة، أو لأنه قصد بالنور الجنس.

وعلى الثاني فذلك لأن الحق واحد والباطل أكثر من أن يحصى.

وإنما قدمت الظلمة على النور لأن عدم المحدثات سابق على وجودها، والظلمة عدمية عند من يجعلها عدم النور أو شبيهة بالعدم عند من يجعلها هيئة مضادة للنور.

وقد ورد في الأخبار أن الله  خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.وقوله: ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ معطوف على قوله: ﴿ الحمد لله ﴾ والمعنى أنه حقيق بالحمد على ما خلق ثم الذين كفروا يعدلون عن طريق الإنصاف فيكفرون بربهم، أو على ﴿ خلق السموات ﴾ معناه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون أي يسوّون به ما لا يقدر على شيء من ذلك.

فعلى المعنى الأول يعدلون من العدول، وعلى الثاني هو من العدل.

ومعنى "ثم" ههنا وفي قوله ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ تراخي الرتبة واستبعاد مضموني الجملتين أحدهما عن الآخر.

ثم ذكر دليلاً آخر على إثبات الصانع وعلى صحة المعاد الجسماني فقال ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ أي من آدم لأنه مخلوق من الطين، أو خلقكم من النطفة المتولدة من الأغذية المنتهية إلى العناصر، ولا ريب أن خلق الأغذية المتنوعة من العناصر المتشابهة الأجزاء، ثم توليد النطفة المتشابهة الأجزاء من تلك الأغذية المختلفة، ثم تخليق الأعضاء المختلفة في الصفة والصور واللون والشكل كالقلب والدماغ والكبد والعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها من المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ومدبر رحيم.

ثم إن تلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادراً على إعادتها وإعادة الحياة فيها وذلك يدل على صحة القول بالمعاد.

أما قوله ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ فاعلم أن لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم والأمر ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه  ﴾ وبمعنى الخبر والإعلام ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل  ﴾ وبمعنى صفة الفعل إذا تم ﴿ فقضاهن سبع سموات  ﴾ ومنه قولك: قضى فلان حاجة فلان.

والأنسب ههنا هو الأول.

والأجل في اللغة بمعنى الوقت المضروب لانقضاء الأمد.

وأصله من التأخير ومنه الآجل نقيض العاجل.

ثم إن صريح الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان.

فقال أبو مسلم: الأول آجال الماضين لأنهم لما ماتوا صارت آجالهم معلومة، والثاني آجال الباقين لأنها غير معلومة بعد وإنما هي مسماة عند الله  .

وقيل: الأول أجل الموت، والثاني أجل القيامة لأنه لا آخر له ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا الأجل إلا الله  .

وقيل: الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ.

وقيل: الأول النوم، والثاني الموت.

وقيل: الأول مقدار ما انقضى من عمل كل أحد، والثاني ما بقي من عمره.

وقال حكماء الإسلام: الأول الأجل الطبيعي الذي يمكن بالنسبة إلى المزاج الأول لكل شخص لو بقي مصوناً عن الآفات الخارجية، والثاني الأجل الاخترامي الذي يحصل بسبب من الأسباب الخارجية كالغرق والحرق والقتل واللدغ وغيرها من الأمور المنفصلة.

ومعنى ﴿ مسمى ﴾ أي مذكور اسمه في اللوح المحفوظ.

ومعنى ﴿ عنده ﴾ أي في حكمه وعلمه كما تقول: هذه المسألة عند الشافعي كذا وعند أبي حنيفة كذا.

وارتفع ﴿ أجل ﴾ بالابتداء وجاز ذلك مع تنكيره لمكان وصفه فقارب المعرفة.

وإنما لم يقل "وعنده أجل مسمى" تعظيماً لشأن هذا الأجل فكأنه قيل: وأي أجل مسمى عنده؟

والمرية والامتراء الشك.

ومعنى "ثم" تبعيد الامتراء عن مثل هذه الحجة الباهرة الموجبة للتيقن في أمر المبدأ والمعاد، ثم قرر أنه  عالم بجميع المعلومات ردّاً على من زعم أنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو فقال ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض ﴾ وزعمت المجسمة بهذا وبنحو قوله ﴿ أم أمنتم من في السماء  ﴾ أنه  مستقر في السماء قالوا: ويؤكده وقف بعض القراء على السموات والابتداء بقوله ﴿ وفي الأرض يعلم سركم ﴾ أي يعلم سرائركم الموجودة في الأرض.

ولو سلم أن لا وقف فالإجماع حاصل على أنه ليس موجوداً في الأرض، ولا يلزم من ترك العلم بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر من دليل.

ونوقض بأنه  قال في مواضع ﴿ لله ما في السموات  ﴾ فلو كان هو في السماء لزم أن يكون مالكاً لنفسه، ولا يخفى ضعف هذا النقض لأنه مخصوص بالقرينة كقوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير  ﴾ وبأنه إما أن يراد كونه في سماء واحدة وهو ترك الظاهر، أو في جميع السموات وهو يقتضي كونه ذا أجزاء أو حصول المتحيز الواحد في مكانين وكلاهما محال.

والحق أنه لا يلزم من استصحاب المكان الافتقار إليه ولا التجسيم والتجزئة وهو دقيق يفهمه من وفق له، وبأنه لو كان موجوداً في السموات لكان محدوداً متناهياً فيكون قابلاً للزيادة والنقصان، فيكون اختصاصه بمقدار معين لمخصص فيكون محدثاً.

ويرد عليه أنه لم لا يجوز أن يكون في السموات وفوقها إلى ما لا يتناهى لا سيما عند من يقول إن وراء هذا العالم خلاء غير متناه، وبأنه لو كان في السموات فإن لم يقدر عل عالم آخر فوقها لزم تعجيزه، وإن قدر فلو فعل لحصل تحت ذلك العالم والقوم ينكرون كونه تحت العالم، والاعتراض أنه لا يلزم من القدرة الإيجاد، وقال غير المجسمة: المراد وهو الله في تدبير السموات والأرض كما يقال: فلان في أمر كذا أي في تدبيره وإصلاحه.

وعلى هذا يكون ﴿ في السموات ﴾ خبراً بعد خبر، ويوقف على اسم الله ثم يبتدأ بما بعد ذلك ويكون المعنى أنه يعلم في السموات والأرض سرائر الملائكة والإنس والجن، أو المراد وهو المعبود فيهما، أو المعروف بالإلهية أو المتوحد بها، أو هو الذي يقال له الله فيهما لا شريك له في هذا الإسم.

والسر من صفات القلوب وهي الدواعي والصوارف، والجهر من أعمال الجوارح، ولأن الأول مقدم على الثاني طبعاً فلا جرم قدم عليه وضعاً.

والجملة أعني قوله ﴿ يعلم سركم وجهركم ﴾ مقررة لما قبلها أو خبر ثالث أو كلام مبتدأ.

﴿ ويعلم ما تكسبون ﴾ الكسب أخص من الأعمال السرية والجهرية لأنه الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو اندفاع ضر ولهذا لا يوصف فعل الله  بأنه كسب.

وإفراد الأخص بالذكر بعد الأعم للتقرير والتأكيد، أو لكونه أهم حسن لا يلزم منه عطف الشيء على نفسه.

والمراد أنه عالم بما يستحقه الإنسان على أفعاله من ثواب أو عقاب.

ثم لما فرغ من دلائل التوحيد والمعاد شرع في النبوات فرتب أحوال الكفار مع الأنبياء في ثلاث مراتب: الأولى كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل وذلك قوله ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم ﴾ "من" الأولى للاستغراق والثانية للتبعيض.

والمراد وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار إلا وهم على حالة الإعراض لقلة تدبرهم وفرط غفلتهم.

الثانية: كونهم مكذبين وهذه شر مما قبلها لأن الإعراض قد يكون للغفلة لا للتكذيب وإذا كذب فقد أعرض وزاد.

قال علماء المعاني: ههنا حذف كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وهو الحق.

قال أنس: هو انشقاق القمر بمكة انفلق فلقتين فذهبت فلقة وبقيت فلقة.

وقيل: هو القرآن الذي تحدّوا به فعجزوا عنه.

وقيل: محمد  .

وقيل شرعه.

وقيل: وعده ووعيده وتبشيره وإنذاره.

والأولى الحمل على الكل.

المرتبة الثالثة: كونهم مستهزئين لأن التكذيب إذا انضم معه الاستهزاء كان غاية في الغواية وذلك قوله ﴿ فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا ﴾ أي أخبار الشيء الذي كانوا ﴿ به يستهزؤن ﴾ وهو القرآن وغيره من المعجزات.

وليس المراد نفس الأنباء بل العذاب الذي أنبأ الله  به كقوله ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين  ﴾ والحكيم إذا توعد فربما قال: ستعرف نبأ هذا إذا نزل بك ما تحذره.

وذلك أن الغرض من الخبر حصول العلم بالمخبر عنه وذلك إنما يتحقق بعد المعاينة.

ومعنى الآية سيعلمون بأي شيء استهزؤا وأنه لم يكن موضع استهزاء وذلك عند نزول العقاب بهم في الدنيا كيوم بدر وغيره أو في الآخرة.

ثم لما زجرهم عن الإعراض والتكذيب والاستهزاء وأوعدهم على ذلك عاد إلى الموعظة والنصيحة بتذكير أحوال الأمم الماضية والقرون الخالية.

والقرن القوم المقترنون في زمان من الدهر المفترقون بعد ذلك بالموت وذلك الزمان في الأغلب ستون سنة.

وقيل: سبعون.

وقيل: ثمانون.

والأقرب أنه غير مقدر بزمان لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، ولكنه إذا انقضى الأكثر من أهل كل عصر فقد انقضى القرن.

وليس المراد أن يصدّق الكفار محمداً في هذه الأخبار لانهم بصدد التكذيب فسيكذبونه فيها أيضاً، وإنما المراد أن ما يختص بالمتقدمين منهم مشهور بين الناس فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا تلك الحكايات ومجرّد سماعها يكفي في الاعتبار.

ثم وصف تلك القرون بثلاثة أوصاف: الأول: تمكينهم في الأرض.

مكن له في الأرض جعل له مكاناً، ومكنه فيها أثبته، وهما متقاربان ولهذا جمع بينهما في الآية.

والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما آتينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال وأسباب الدنيا.

الثاني: إرسال السماء عليهم مدراراً يعني الغيث أو السحاب أو الخضراء، لأن المطر ينزل من ذلك الصوب والمدرار كثير الدرّدرّ اللين إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير.

ومدراراً نعت المطر ويقال أيضاً سحاب مدراراً إذا تتابع أمطاره.

ومفعال من أبنية المبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث.

الثالث ﴿ وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ﴾ أي من تحت أمكنتهم والمراد أنهم أصحاب البساتين والقصور والمنتزهات.

فإن قيل: الهلاك غير مختص بهم وإنما يجري ذلك على الأنبياء والمؤمنين أيضاً، قلنا: لدفع هذا الإشكال كرر فقال ﴿ فأهلكناهم بذنوبهم ﴾ فإن الإهلاك بسبب المعاصي والآثام لا يكون إلا بالعذاب والإيلام.

ثم نبه بقوله ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ﴾ على كمال عزته واستغنائه ونهاية قدرته واستعلائه كقوله ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ فالبلاد بلاده والعباد عباده بيده التخريب والتعمير وإليه الإعدام والإيجاد.

ثم ان الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف متعددة.

منهم من بالغ في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها على وفق هواه ومناه لا على قانون الخير والعدل فمنعه ذلك عن التزام التكاليف وهو المذكور في الآية، وفيه أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب الكفر باقٍ، وليس من العقل تحمل العقاب الدائم لأجل اللذات الفانية.

ومنهم من حملته العصبية والعناد على تكذيب معجزات الأنبياء وجعلها من قبيل السخر الذي لا أصل له وهم الذين عنوا بقوله ﴿ ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس ﴾ والمعنى أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة فرأوه ولمسوه وشاهدوه عياناً لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر.

وههنا سؤال وهو أن نزول الكتاب من السماء جملة إن لم يكن باب المعجزات لم يكن إنكاره منكراً، وإن كان من قبيل الإعجاز فالملك يقدر على إنزاله من السماء وقبل الإيمان بصدق الرسل لم تكن عصمة الملائكة معلومة، وحينئذ يجوز أن يكون نزول ذلك من قبل بعض الجن والشياطين، أو من بعض الملائكة الذين لم تثبت عصمتهم فلا يكون دليلاً على الصدق.

وأجيب بأن المقصود من الآية ليس بيان الإعجاز، ولكن المراد أنهم إذا لمسوه بأيديهم يقوى الإدراك البصري بالإدراك اللمسي وبلغ الغاية في القوة والظهور.

ثم إن هؤلاء يبقون شاكين في أن ذلك الذي رأوه ولمسوه هل هو موجود أم لا، وذلك يدل على أنهم بلغوا في الجهالة إلى حد السفسطة.

قال القاضي: في الآية دليل على وجوب اللطف لأنه بيَّن أنه إنما لم ينزل هذا الكتاب من حيث إنه لو أنزله لقالوا هذا القول فيفهم منه أنهم لو قبلوه وآمنوا به لأنزله لا محالة، وزيف بأن المفهوم ليس بحجة، ولو سلم فوقوع اللطف لا يدل على وجوبه.

ومن الكفرة من قابل النبوات بإيراد الشبهات والاقتراحات.

قال الكلبي: إن مشركي مكة قالوا: يا محمد والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله وذلك قوله ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ﴾ فأجاب الله  عن مقترحهم بقوله ﴿ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون ﴾ ومعنى القضاء الإتمام والإلزام كما مر.

وتقرير الجواب أن إنزال الملك على البشر آية باهرة وحينئذ ربما لم يؤمنوا فيجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال، أو لعلهم إذا شاهدوا الملك زهقت أرواحهم.

ألا ترى أن رسول الله  لما رأى جبرائيل على صورته الأصلية غشي عليه؟

وأن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشرة كأضياف إبراهيم ولوط، وكالذين تسوّروا المحراب، وأن جبرائيل تمثل لمريم بشراً سوياً؟

وفائدة ثمَّ أن عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجاة الشدة أفظع من نفس الشدة.

ثم إنهم كانوا يطعنون في نبوة محمد  من جهة أخرى وهي أنه بشر مثلهم ويقولون: ﴿ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً  ﴾ وتقرير الشبهة أن الرسل إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر وقدرتهم أشد ومهابتهم أعظم وامتيازهم عن الخلق أكمل والاشتباه في نبوتهم ورسالتهم أقل، والحكيم إذا أراد تحصيل مهم اختار ما هو أسرع إفضاء إلى المطلوب، فأجاب الله  عن شبهتهم بقوله ﴿ ولو جعلناه ﴾ أي الرسول ﴿ ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ لأن إنزال الملك آية ظاهرة جارية مجرى الإلجاء وإزالة الاختيار وذلك منافٍ لغرض التكليف، ولأن الجنس إلى الجنس أميل، ولأن البشر لا يطيق رؤية الملك، ولأن طاعات الملك كثيرة فيحقرون طاعات البشر ويستعظمون إقدامهم على المعاصي فلا يصبرون معهم، ولأن إنزال الملك يقوي الشبهة من وجه آخر وذلك أن أيّ معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة لفعلنا مثل ما فعلت.

ثم قال ﴿ وللبسنا عليهم ما يلبسون ﴾ لبست الأمر على القوم ألبسه لبساً إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً ومنه لبس الثوب لأنه يفيد الستر.

والمعنى إذا جعلنا الملك في صورة البشر كان فعلنا نظيراً لفعلهم في التلبيس، وإنما كان ذلك لبساً لأن الناس يظنونه ملكاً مع أنه ليس بملك، أو يظنونه بشراً مع أنه ليس ببشر وإنما كان فعلهم لبساً لأنهم يخلطون على أنفسهم ويقولون إن البشر لا يصلح للرسالة فلا ينقطع السؤال أبداً ويبقى الأمر في حيز الاشتباه.

وعلى هذا التفسير يكون قوله ﴿ ما يلبسون ﴾ مفعولاً مطلقاً.

ويجوز أن يراد ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ فيكون مفعولاً به يعني أن القوم إذا رأوا الملك في صورة الإنسان اشتبه الأمر عليهم، وإذا كنا قد فعلنا ذلك كان اللبس منسوباً إلينا.

ثم إنه  وتعالى سلى رسول الله  عما يلقى من قومه بقوله ﴿ ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق ﴾ أي نزل.

وقال الفراء: عاد عليهم والتركيب يدور على الإحاطة ومنه الحوق بالضم ما استدار بالكمرة ﴿ ما كانوا ﴾ أي الشيء الذي كانوا يستهزؤن به وهو الحق الذي جاء به محمد  ، أسند الحق إليه حيث أهلكوا لأجل الاستهزاء به.

ويحتمل أن يراد بلفظة "ما" العذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله وهم يستهزؤن بذلك، ثم أمر رسوله بأن يقول لهم: لا تغتروا بما وجدتم من زخارف الدنيا وسيروا في الأرض لتشاهدوا آثار الأمم السالفة الذين كذبوا رسلهم ونزل بهم ما نزل فإن الأسفار تورث الاعتبار وتفيد الاستبصار.

واعلم أنه  قال ههنا ﴿ ثم انظروا ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فانظروا  ﴾ فالفاء لمجرد اعتبار ترتيب النظر على السير.

وثم لتباعد ما بين المباح والواجب فإن السير مباح والنظر واجب.

وأيضاً شتان بين السير الصوري بقدم الأشباح وبين السير المعنوي بقدم الأرواح والله أعلم.

التأويل: حمد نفسه القديم الأزلي بكلامه القديم الأزلي على أن خلق سموات القلوب وأرض النفوس وجعل الظلمات.

أي الصفات البهيمية والسبعية في النفوس والنور في القلوب وهو صفاتها الملكية والروحانية، فخص الجعل بالمعاني التي هي من عالم الأمر والخلق بالأعيان لأنها من عالم الصورة، ولهذا لما ذكر صورة آدم قال ﴿ إني خالق بشراً من طين  ﴾ وحيث أراد معناه قال ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة  ﴾ ثم بعد هذا الجعل والخلق مال نفوس الكفار بغلبات الظلمات إلى طاغوت الهوى فجعلوه عديلاً لربهم ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ للروح المفارق عن حضرته لأيام فراقه ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ وهو أجل الوصال بعد الفراق بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ يا أهل الوصال كما يمتري أهل الفراق وهذا محال ﴿ وهو الله ﴾ في سموات القلوب وفي أرض النفوس يعلم سر الخلافة الذي أودع فيكم ﴿ وجهركم ﴾ الذي يظهر عنكم ﴿ ويعلم ما تكسبون ﴾ باستعمال الاستعداد السري والجهري في المأمورات والمنهيات في الخير أو الشر ﴿ من آية من آيات ربهم ﴾ في الآفاق وفي أنفسهم مكناهم في طلب الحق من قهر النفس وأسباب الخيرات والطاعات.

وأرسلنا مطر الواردات من سماء القلوب عليهم مدراراً متوالياً، وجعلنا أنهار الحكمة تجري من تحت نظرهم فأهلكنا مع هذه المقدمات أرواحهم بسموم ذنوب طلب الدنيا مالها وجاهها ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين ﴾ من الطلاب الصادقين التائبين المستقيمين ﴿ لجعلناه رجلاً ﴾ ليفهموا خطابه ويكون واقفاً على الأحوال البشرية فيعالجهم بما يرى فيه صلاح حالهم كما قال ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم  ﴾ قل سيروا في أرض النفوس بقدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب فتشاهدوا بأنوار الله المودعة فيها عاقبة من هلكوا في بوادي القطيعة إذ ساروا بقدم الطبيعة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ الحمد: هو الثناء عليه بما صنع إلى خلقه من الخير.

ألا ترى أن الذم نقيضه في: الشاهد، ويحمد المرء بما يصنع من الخير، ويذم على ضده.

فالتحميد: هو تمجيد الرب، والثناء عليه، والشكر له بما أنعم عليهم.

والتسبيح: هو تمجيد الرب وتنزيهه عما قالت الملحدة فيه من الولد وغيره.

والتهليل: هو تمجيد الرب وتنزيهه عما جعلوا له من الشركاء والأضداد، والوصف له بالوحدانية والربوبية.

والتكبير: هو تمجيد الرب والوصف له بالعظمة والجلال، وتنزيهه عمّا وصفوه بالعجز والضعف عن أن يكون ينشىء من العظام البالية خلقاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ﴾ .

سفههم - عز وجل - بما جعلوا له من الشركاء والأضداد على إقرار منهم أنه خلق السماوات والأرض، ولم يجعلوا له شركاء في خلقهما، وعلى علم منهم أنه تُعَلَّق منافع الأرض بمنافع السماء، مع بعد ما بينهما كيف جعلوا شركاء يشركونهم في العبادة والربوبية؟!.

وقوله -  -: ﴿ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ﴾ .

قال الحسن: الظلمات والنور: الكفر والإيمان.

وقال غيره من أهل التأويل: الليل والنهار في الحقيقة ما يكشف عما استتر من الأبصار: أبصار الوجوه، وأبصار القلوب.

والظلم ما يستر ويغطي على الأبصار: أبصار الوجوه، وأبصار القلوب، فالظلمة تجعل كل شيء مستوراً عليه، والنور يجعل كل شيء كان مستوراً عليه ظاهراً بادياً، هذا هو تفسير الظلمة والنور حقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ قيل: يشركون مع ما بيَّن لهم ما يدل على وحدانية الرب وربوبيته، أي: جعلوا كل ما يعبدونه دون الله عديلا لله، وأثبتوا المعادلة بينه وبين الله -  - وليس لله -  - عديل، ولا نديد، ولا شريك، ولا ولد، ولا صاحبة،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وقال الحسن: ﴿ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يكذبون.

وقوله -  -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ أي: خلق آدم أبا البشر من طين، فأما خلق بني آدم من ماء؛ كقوله  : ﴿ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ  ﴾ أخبر الله -  - أنه خلق آدم من الطين، وخلق بني آدم، سوى عيسى  - من النطفة، وخلق عيسى -  - لا من الطين ولا من الماء؛ ليعلموا أنه قادر على إنشاء الخلق لا من شيء، وأنه لا اختصاص للخلق بشيء، ولا ينكرون - أيضاً - إنشاء الخلق وإحياءهم وموتهم، وذلك لأنه لا يخلو؛ إما أن صاروا تراباً أو ماء، أو لا ذا ولا ذا، فإذا رأوا أنه خلق آدم من الطين، وخلق سائر الحيوان من الماء، وخلق عيسى -  - لا من هذين، كيف أنكروا إنشاء الخلق بعد الموت، وهو لا يخلو من هذه الوجوه التي ذكرنا؛ فيكون دليلا على منكري البعث بعد الموت، على الدهرية في إنشاء الخلق لا من شيء؛ فإنهم ينكرون ذلك ويحيلونه؛ ولهذا وقعوا في القول بقدم العالم، والله الهادي.

ويحتمل قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ﴾ أن يراد به في حق جميع بني آدم، وأضاف خلقنا إلى الطين، وكأن الخلق من الماء؛ لما أُبقِيَ في خلقنا من قوة ذلك الطين الذي في آدم وأثره، وإن لم يُرِه تلك القوة وذلك الأثر، وهذا كما أن الإنسان يرى أنه يأكل، ويشرب، ويغتذي، ويحصل به زيادة قوة في سمعه وبصره، وفي جميع جوارحه، وقد يحيا بها جميع الجوارح، وإن لم ير تلك القوة، فكذلك هذا.

ويحتمل - أيضاً - على ما روي في القصة أنه يمازج مع النطفة شيئاً من التراب، فيؤمر الملك بأن يأخذ شيئاً من التراب من المكان الذي حكم بأن يدفن فيه، فيخلط بالنطفة، فيصير علقة ومضغة، فإنما نسبهم إلى التراب لهذا.

ويحتمل النسبة إلى التراب وإن لم يكونوا من التراب؛ لما أن أصلهم من التراب، وهو آدم.

وقوله -  -: ﴿ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ فالقضاء يتوجه إلى وجوه كلها ترجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه، وقد يكون لابتداء فعل وإنشائه؛ كقوله -  -: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ  ﴾ [ويقال: قضيت هذا الثوب، أي: عملته وأحكمته.

وقد يكون بمعنى الأمر؛ قال الله -  -: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ أي: أمر ربك؛ لأنه أمر قاطع حتم.

وقد يكون بمعنى الإعلام؛ قال -  -: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ أي: أعلمناهم إعلاماً قاطعاً.

وقد يكون لبيان الغاية [والانتهاء عنه والختم؛ كقوله -  -: ﴿ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً ﴾ أي: ختم ذلك وأتمه، وقد] يكون غير ما ذكرنا.

ثم قوله: ﴿ قَضَىۤ أَجَلاً ﴾ يحتمل هذا كله سوى الأمر.

ثم قوله: ﴿ قَضَىۤ أَجَلاً ﴾ قيل: هو الموت، ﴿ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ﴾ يوم القيامة، أطلعنا على أحد الأجلين وهو الموت؛ لأنا نرى من يموت ونعاين، ولم يطلعنا على الآخر وهو الساعة والقيامة.

وقيل: ﴿ قَضَىۤ أَجَلاً ﴾ : أجل الدنيا من خلقك إلى أن تموت، ﴿ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ﴾ يوم القيامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ .

أي: تشكون وتكذبون بعد هذا كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ ﴾ هذا - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ فإذا كان خالقهما لم يَشْرَكْهُ أحد في خلقهما، كان إله من في السماوات وإله من في الأرض لم يَشْرَكْهُ أحد في ألوهيته، ولا في ربوبيته.

ويحتمل قوله: ﴿ وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: [إلى الله تدبير] ما في السماوات وما في الأرض، وحفظهما إليه؛ لأنه هو المتفرد بخلق ذلك كله؛ فإليه حفظ ذلك وتدبيره.

وقوله: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ﴾ اختلف فيه.

قيل: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ ﴾ : ما تضمرون في القلوب ﴿ وَجَهْرَكُمْ ﴾ : ما تنطقون، ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ : من الأفعال التي عملت الجوارح؛ أخبر أنه يعلم ذلك كله؛ ليعلموا أن ذلك كله يحصيه ليحاسبهم على ذلك؛ كقوله: ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ  ﴾ أخبر أنه يحاسبهم بما أبدوه وما أخفوه، فعلى ذلك الأول قد أفاد أن ذلك كله يحصيه عليهم، ويحاسبهم في ذلك؛ ليكونوا على حذر من ذلك وخوف.

وقيل: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ ﴾ : ما خلق فيهم من الأسرار، من نحو السمع، والبصر وغيرهما؛ لأن البشر لا يعرفون ماهية هذه الأشياء وكيفيتها، ولا يرون ذلك كما يرون غيرها من الأشياء، ولا يعرفون حقائقها؛ أخبر أنه يعلم ذلك وأنتم لا تعلمون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَهْرَكُمْ ﴾ أي: الظواهر منكم، ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ : من الأفعال والأقوال.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهو سبحانه المعبود بحق في السماوات والأرض، لا يخفى عليه شيء، فهو يعلم ما تخفون من النيات والأقوال والأعمال، ويعلم ما تعلنون من ذلك، وسيجازيكم عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.1LEDk"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر