الآية ٥٦ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٥٦ من سورة الأنعام

قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًۭا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ٥٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٦ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٦ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين بربّهم من قومِك, العادلين به الأوثان والأنداد, الذين يدعونك إلى موافقتهم على دينهم وعبادة الأوثان: إنّ الله نهاني أن أعبد الذين تدعون من دونه, فلن أتبعكم على ما تدعونني إليه من ذلك، ولا أوافقكم عليه, ولا أعطيكم محبّتكم وهواكم فيه.

وإن فعلت ذلك، فقد تركت محجَّة الحق، وسلكت على غير الهدى, فصرت ضالا مثلكم على غير استقامة.

(17) * * * وللعرب في" ضللت " لغتان: فتح " اللام " وكسرها, واللغة الفصيحة المشهورة هي فتحها, وبها قرأ عامة قرأة الأمصار, وبها نقرأ لشهرتها في العرب.

وأما الكسر فليس بالغالب في كلامها، والقراأة بها قليلون.

فمن قال " ضَلَلتُ" قال: " أَضِلُّ", ومن قال " ضَلِلتُ" قال في المستقبل " أَضَلُّ".

وكذلك القراءة عندنا في سائر القرآن: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا بفتح اللام [سورة السجدة: 10].

---------------- الهوامش : (17) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين قوله تعالى : قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قيل : تدعون بمعنى تعبدون .

وقيل : تدعونهم في مهمات أموركم على جهة العبادة ; أراد بذلك الأصنام .

قل لا أتبع أهواءكم فيما طلبتموه من عبادة هذه الأشياء ، ومن طرد من أردتم طرده .

قد ضللت إذا أي : قد ضللت إن اتبعت أهواءكم .

وما أنا من المهتدين أي : على طريق رشد وهدى .وقرئ " ضللت " بفتح اللام وكسرها وهما لغتان .

قال أبو عمرو بن العلاء : ضللت بكسر اللام لغة تميم ، وهي قراءة يحيى بن وثاب ، وطلحة بن مصرف ، والأولى هي الأصح والأفصح ; لأنها لغة أهل الحجاز ، وهي قراءة الجمهور .

وقال الجوهري : والضلال والضلالة ضد الرشاد ، وقد ضللت أضل ، قال الله تعالى : قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي فهذه لغة نجد ، وهي الفصيحة ، وأهل العالية يقولون : ضللت بالكسر أضل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قُلْ } لهؤلاء المشركين الذين يدعون مع الله آلهة أخرى: { إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } من الأنداد والأوثان، التي لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فإن هذا باطل، وليس لكم فيه حجة بل ولا شبهة، ولا اتباع الهوى الذي اتباعه أعظم الضلال، ولهذا قال { قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا } أي: إن اتبعت أهواءكم { وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ } بوجه من الوجوه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم ) في عبادة الأوثان وطرد الفقراء ، ( قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ) يعني : إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير طريق الهدى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل إني نُهيت أن أعبد الذين تدعون» تعبدون «من دون الله قل لا أتبع أهواءكم» في عبادتها «قد ضللت إذا» إن اتبعتها «وما أنا من المهتدين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إن الله عز وجل نهاني أن أعبد الأوثان التي تعبدونها من دونه، وقل لهم: لا أتبع أهواءكم قد ضللت عن الصراط المستقيم إن اتبعت أهواءَكم، وما أنا من المهتدين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم ، أن يصارح أعداءه ببراءته من شركهم ومن اتباع باطلهم فقال - تعالى - : { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ } .قال الإمام الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى الآية المتقدمة ما يدل على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين .

ذكر فى هذه الآية أنه - تعالى - نهى عن سلوك سبيلهم فقال : إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ، وبين أن الذين يعبدونها إنما يعبدونها بناء على محض الهوى والتقليد لا على سبيل الحجة والدليل ، لأنها جمادات وأحجار وهى أخس مرتبة من الإنسان بكثير .

وكون الأشرف مشتغلا بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل ، وأيضاً فالقوم كانوا ينحتون تلك الأصنام ويركبونها ، ومن المعلوم بالبديهة أنه يقبح من هذا العامل الصانع أن يعبد معموله ومصنوعه ، فثبت أن عبادتها مبنية على الهوى ومضادة للهدى " .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يريدون منك أن تركن إليهم : إن الله نهانى وصرفنى بفضله ، وبما منحنى من عقل مفكر عن عبادة الآلهة التى تعبدونها من دون الله ، وقل - أيضاً - لهم بكل صراحة وقوة : إنى لست متبعا لما تمليه عليكم أهواؤكم وشهواتكم من انقياد للأباطيل ، ولو أنى ركنت إليكم لضللت عن الحق وكنت خارجا عن طائفة المهتدين .فالآية الكريمة قطعت بكل حسم ووضوح أطماعهم الفارغة فى استمالة النبى صلى الله عليه وسلم إلى أهوائهم ، ووصمتهم بأنهم فى الضلال غارقون ، وعن الهدى مبتعدون .وجاءت كلمة { نُهِيتُ } بالبناء للمجهول للاستغناء عن ذكر الفاعل لظهوره ، أى : نهانى الله - تعالى - عن ذكل .

وأجرى على الأصنام اسم الموصول الموضوع للعقلاء لأنهم عاملوهم معاملة العقلاء فأتى لهم بما يحكى اعتقادهم .قال أبو حيان : و " تدعون " معناه تعبدون : وقيل معناه تسمونهم آلهة من دعوت ولدى زيداً أى سميته بهذا الإسم .

وقيل تدعون فى أموركم وحوائجكم وفى قوله تدعون من دون الله استجهال لهم ووصف بالاقتحام فيما كانوا منه على غير بصيرة ، ولفظة نهيت أبلغ من النفى بلا أعبد إذ ورد فيه ورود تكليف " .وجملة { قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ } مستأنفة ، وعدل بها عن العطف إلى الاستئناف لتكون غرضاً مستقلا ، وأعيد الأمر بالقول زيادة فى الاهتمام بالاستئناف واستقلاله ليكون هذا النفى شاملا للاتباع فى عبادة الأصنام وفى غيرها من ألوان ضلالهم كطلبهم طرد المؤمنين من مجلسه ، وعبر بقوله { قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ } دون لا أتبعكم .

للإشارة إلى أنهم فى عبادتهم لغير الله تابعون للأهواء الباطلة ، نابذون للأدلة العقلية ، وفى هذا أكبر برهان على انطماس بصيرتهم ، وبنائهم لدينهم على الأوهام والأباطيل .وجملة { قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً } جواب لشرط مقدر .

أى : إن اتبعت أهواءكم فقد ضللت إذاً وما اهتديت .وجملة { وَمَآ أَنَاْ مِنَ المهتدين } معطوفة على جملة { قَدْ ضَلَلْتُ } ومؤكدة لمضمونها أى : إنه إن فعل ذلك - على سبيل الفرض والتقدير - خرج عن الحالة التى هو عليها الآن من كونه فى عداد المهتدين إلى كونه فى زمرة الضالين .والتعبير بقوله { وَمَآ أَنَاْ مِنَ المهتدين } أبلغ من قوله وما أنا مهتد ، لأن التعريف فى المهتدين تعريض للجنس ، وإخبار التكلم عن نفسه بأنه من المهتدين يفيد أنه واحد من الفئة التى تعرف عند الناس بفئة المهتدين ، فيفيد أنه مهتد بطريقة تشبه طريقة الاستدلال ، فهو من قبيل الكناية التى هى إثبات الشىء بإثبات ملزومه وهى أبلغ من التصريح .

ولذا قال صاحب الكشاف : قولك فلان من العلماء أبلغ من قولك فلان عالم ، لأنك تشهد له بكونه معدوداً فى زمرتهم ومعرفة مساهمته معهم فى العلم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نفَصّلُ الأيات وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين ﴾ .

المراد كما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا على صحة التوحيد والنبوة والقضاء والقدر، فكذلك نميز ونفصل لك دلائلنا وحججنا في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل وقوله: ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين ﴾ عطف على المعنى كأنه قيل ليظهر الحق وليستبين، وحسن هذا الحذف لكونه معلوماً واختلف القراء في قوله: ﴿ ليستبين ﴾ فقرأ نافع ﴿ لتستبين ﴾ بالتاء ﴿ وسبيل ﴾ بالنصب والمعنى لتستبين يا محمد سبيل هؤلاء المجرمين.

وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ ليستبين ﴾ بالياء ﴿ مّن سَبِيلٍ ﴾ بالرفع والباقون بالتاء ﴿ وسبيل ﴾ بالرفع على تأنيث سبيل.

وأهل الحجاز يؤنثون السبيل، وبنو تميم يذكرونه.

وقد نطق القرآن بهما فقال سبحانه: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً  ﴾ وقال: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا  ﴾ .

فإن قيل: لم قال: ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين ﴾ ولم يذكر سبيل المؤمنين.

قلنا: ذكر أحد القسمين يدل على الثاني.

كقوله: ﴿ سَرَابِيلَ تقيكم الحر  ﴾ ولم يذكر البرد.

وأيضاً فالضدان إذا كانا بحيث لا يحصل بينهما واسطة، فمتى بانت خاصية أحد القسمين بانت خاصية القسم الآخر والحق والباطل لا واسطة بينهما، فمتى استبانت طريقة المجرمين فقد استبانت طريقة المحقين أيضاً لا محالة.

قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ من المهتدين قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة ما يدل على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين، ذكر في هذه الآية أنه تعالى نهى عن سلوك سبيلهم.

فقال: ﴿ قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ وبين أن الذين يعبدونها إنما يعبدونها بناء على محض الهوى والتقليد، لا على سبيل الحجة والدليل، لأنها جمادات وأحجار وهي أخس مرتبة من الإنسان بكثير، وكون الأشرف مشتغلاً بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل.

وأيضاً أن القوم كانوا ينحتون تلك الأصنام ويركبونها، ومن المعلوم بالبديهة أنه يقبح من هذا العامل الصانع أن يعبد معموله ومصنوعه.

فثبت أن عبادتها مبنية على الهوى.

ومضادة للهدى، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ ﴾ ثم قال: ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ مِنَ المهتدين ﴾ أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال وما أنا من المهتدين في شيء.

والمقصود كأنه يقول لهم أنتم كذلك.

ولما نفى أن يكون الهوى متبعاً، على ما يجب اتباعه بقوله: ﴿ قُلْ إِنّى على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى ﴾ أي في أنه لا معبود سواه.

وكذبتم أنتم حيث أشركتم به غيره.

واعلم أنه عليه الصلاة والسلام، كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك.

والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب.

فقال تعالى قل يا محمد: ﴿ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ يعني قولهم: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ والمراد أن ذلك العذاب ينزله الله في الوقت الذي أراد إنزاله فيه.

ولا قدرة لي على تقديمه أو تأخيره.

ثم قال: ﴿ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ﴾ وهذا مطلق يتناول الكل.

والمراد هاهنا إن الحكم إلا لله فقط في تأخير عذابهم ﴿ يَقْضِى الحق ﴾ أي القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين ﴾ أي القاضين، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بقوله: ﴿ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ﴾ على أنه لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله به، فيمتنع منه فعل الكفر إلا إذا قضى الله به وحكم به.

وكذلك في جميع الأفعال.

والدليل عليه أنه تعالى قال: ﴿ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ﴾ وهذا يفيد الحصر، بمعنى أنه لا حكم إلا لله.

واحتج المعتزلة بقوله: ﴿ يَقْضِى الحق ﴾ ومعناه أن كل ما قضى به فهو الحق.

وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر.

ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس الحق.

والله أعلم.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير ونافع وعاصم ﴿ يَقُصُّ الحق ﴾ بالصاد من القصص، يعني أن كل ما أنبأ الله به وأمر به فهو من أقاصيص الحق، كقوله: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص  ﴾ وقرأ الباقون ﴿ يَقْضِ الحق ﴾ والمكتوب في المصاحف يقض بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين كما كتبوا ﴿ سَنَدْعُ الزبانية  ﴾ ﴿ فما تغن النذر  ﴾ وقوله: ﴿ يقضى الحق ﴾ قال الزجاج: فيه وجهان: جائز أن يكون ﴿ الحق ﴾ صفة المصدر والتقدير: يقض القضاء الحق.

ويجوز أن يكون ﴿ يقضى الحق ﴾ يصنع الحق، لأن كل شيء صنعه الله فهو حق.

وعلى هذا التقدير ﴿ الحق ﴾ يكون مفعولاً به وقضى بمعنى صنع.

قال الهذلي: وعليهما مسرودتان قضاهما *** داود أو صنع السوابغ تبع أي صنعهما داود واحتج أبو عمرو على هذه القراءة بقوله: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين ﴾ قال والفصل يكون في القضاء، لا في القصص.

أجاب أبو علي الفارسي فقال القصص هاهنا بمعنى القول.

وقد جاء الفصل في القول قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ  ﴾ وقال: ﴿ أُحْكِمَتْ ءاياته ثم فُصِلَتْ  ﴾ وقال: ﴿ نُفَصِّلُ الآيات  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ نُهِيتُ ﴾ صرفت وزجرت، بما ركب فيّ من أدلة العقل، وبما أوتيت من أدلة السمع عن عبادة ما تعبدون ﴿ مِن دُونِ الله ﴾ وفيه استجهال لهم ووصف بالاقتحام فيما كانوا فيه على غير بصيرة ﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ ﴾ أي لا أجري في طريقتكم التي سلكتموها في دينكم من اتباع الهوى دون اتباع الدليل، وهو بيان للسبب الذي منه وقعوا في الضلال، وتنبيه لكل من أراد إصابة الحق ومجانبة الباطل ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً ﴾ أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال وما أنا من الهدى في شيء يعني أنكم كذلك.

ولما نفى أن يكون الهوى متبعاً نبه على ما يجب اتباعه بقوله: ﴿ قُلْ إِنّى على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى ﴾ ومعنى قوله: ﴿ إِنّى على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ : إني من معرفة ربي وأنه لا معبود سواه، على حجة واضحة وشاهد صدق ﴿ وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ أنتم حيث أشركتم به غيره.

ويقال: أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه، إذا كان ثابتاً عندك بدليل.

ثم عقبه بما دل على استعظام تكذيبهم بالله وشدة غضبه عليهم لذلك وأنهم أحقاء بأن يغافصوا بالعذاب المستأصل فقال: ﴿ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء ﴾ [الأنفال: 32] ﴿ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ﴾ في تأخير عذابكم ﴿ يَقْضي الحق ﴾ أي القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل في أقسامه ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين ﴾ أي القاضين.

وقرئ: ﴿ يقص الحق ﴾ أي يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدّره، من قص أثره ﴿ لَّوْ أَنَّ عِندِى ﴾ أي في قدرتي وإمكاني ﴿ مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ من العذاب ﴿ لَقُضِىَ الامر بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ لأهلكتكم عاجلاً غضباً لربي وامتعاضاً من تكذيبكم به.

ولتخلصت منكم سريعاً ﴿ والله أَعْلَمُ بالظالمين ﴾ وبما يجب في الحكمة من كنه عقابهم.

وقيل ﴿ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى ﴾ على حجة من جهة ربي وهي القرآن ﴿ وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ أي بالبينة.

وذكر الضمير على تأويل البيان أو القرآن.

فإن قلت: بم انتصب الحق؟

قلت: بأنه صفة لمصدر يقضي أي يقضي القضاء الحق.

ويجوز أن يكون مفعولاً به من قولهم: قضى الدرع إذا صنعها، أي يصنع الحق ويدبره.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ يقضى بالحق ﴾ فإن قلت: لم أسقطت الياء في الخط؟

قلت: إتباعاً للخط اللفظ، وسقوطها في اللفظ لالتقاء الساكنين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ إنِّي نُهِيتُ ﴾ صُرِفْتُ وزُجِرْتُ بِما نَصَبَ لِي مِنَ الأدِلَّةِ وأُنْزِلَ عَلَيَّ مِنَ الآياتِ في أمْرِ التَّوْحِيدِ.

﴿ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ عَنْ عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ ما تَدْعُونَها آلِهَةً أيْ تُسَمُّونَها.

﴿ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَطْعِ أطْماعِهِمْ وإشارَةٌ إلى المُوجَبِ لِلنَّهْيِ وعِلَّةِ الِامْتِناعِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ واسْتِجْهالٌ لَهُمْ، وبَيانٌ لِمَبْدَأِ ضَلالِهِمْ وأنَّ ما هم عَلَيْهِ هَوًى ولَيْسَ بِهُدًى، وتَنْبِيهٌ لِمَن تَحَرّى الحَقَّ عَلى أنْ يَتْبَعَ الحُجَّةَ ولا يُقَلِّدَ.

﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إذًا ﴾ أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم فَقَدْ ضَلَلْتُ.

﴿ وَما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ ﴾ أيْ في شَيْءٍ مِنَ الهُدى حَتّى أكُونَ مِن عِدادِهِمْ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم كَذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} أي صرفت وزجرت بأدلة العقل والسمع عن عبادة ما تعبدون من دون الله {قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ} أي لا أجري في طريقتكم التي سلكتموها في دينكم من اتباع الهوى دون اتباع الدليل وهو بيان للسبب الذي منه وقعوا في الضلال {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً} أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال {وَمَا أَنَاْ مِنَ المهتدين} وما أنا من المهتدين في شيء يعني أنكم كذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ إنِّي نُهِيتُ ﴾ أمْرٌ لَهُ  بِالرُّجُوعِ إلى خِطابِ المُصِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ إثْرَ ما أمَرَ بِمُعامَلَةِ مَن عَداهم بِما يَلِيقُ بِحالِهِمْ أيْ: قُلْ لَهم قَطْعًا لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ عَنْ رُكُونِكَ إلَيْهِمْ وبَيانًا لِكَوْنِ ما هم عَلَيْهِ هَوًى مَحْضًا وضَلالًا صِرْفًا؛ إنِّي صُرِفْتُ ومُنِعْتُ بِالأدِلَّةِ الحَقّانِيَّةِ والآياتِ القُرْآنِيَّةِ ﴿ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ ﴾ أيْ عَنْ عِبادَةِ الآلِهَةِ ﴿ الَّذِينَ تَدْعُونَ ﴾ أيْ تَعْبُدُونَهم أوْ تُسَمُّونَهم آلِهَةً ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ سَواءً كانُوا ذَوِي عُقُولٍ أمْ لا وقَدْ يُقالُ المُرادُ بِهِمُ الأصْنامُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِصِيغَةِ العُقَلاءِ جَرْيًا عَلى زَعْمِهِمْ ﴿ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ ﴾ تَكْرِيرُ الأمْرِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ اعْتِناءٌ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ وإيذانًا بِاخْتِلافِ القَوْلَيْنِ مِن حَيْثُ أنَّ الأوَّلَ حِكايَةٌ لِما مَرَّ مِن جِهَتِهِ تَعالى مِنَ النَّهْيِ، والثّانِي لِما مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الِانْتِهاءِ عَنْ عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَ.

وفي هَذا القَوْلِ اسْتِجْهالٌ لَهم وتَنْصِيصٌ عَلى أنَّهم فِيما هم فِيهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى تابِعُونَ لِأهْواءٍ باطِلَةٍ ولَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِمّا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الدِّينُ أصْلًا وإشْعارٌ بِما يُوجِبُ النَّهْيَ والِانْتِهاءَ.

وفِيهِ -كَما قِيلَ- إشارَةٌ إلى عَدَمِ كِفايَةِ التَّقْلِيدِ الصِّرْفِ في مِثْلِ هَذِهِ المَطالِبِ، وقِيلَ وهو في غايَةِ البُعْدِ: إنَّ المُرادَ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم في طَرْدِ المُؤْمِنِينَ ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إذًا ﴾ أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم فَقَدْ ضَلَلْتُ.

وهو اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِانْتِهائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ مُقَرِّرٌ لِكَوْنِهِ غايَةَ الضَّلالِ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ (ضَلِلْتُ) بِكَسْرِ اللّامِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، والفَتْحُ -كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ- هو الغالِبُ ﴿ وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ ﴾ 65 - عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعُدُولُ إلى الاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ أيْ دَوامِ النَّفْيِ واسْتِمْرارِهِ؛ لا نَفْيَ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، والمُرادُ -كَما قِيلَ- وما أنا إذًا في شَيْءٍ مِنَ الهُدى حَتّى أُعَدَّ في عِدادِهِمْ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المَقُولَ لَهم كَذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ قال القتبي: يعني: نأتي بها متفرقة شيئاً بعد شيء، ولا ننزلها جملة متصلة.

ويقال: نُفَصِّلُ الْآياتِ يعني: نبيّن الآيات بالقرآن وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ يعني: طريق المشركين لماذا لا يؤمنون، لأنهم إذا رأوا الضعفاء يسلمون قبلهم، امتنعوا.

ويقال: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ يعني: تفرقهم.

قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية حفص: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ بالتاء وسَبِيلُ بالضم لأن السبيل مؤنث كقوله: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ [يوسف: 108] ومعناه: ليظهر لكم طريق المشركين.

وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: وليستبين بالياء سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ بالضم لأن السبيل هو الطريق.

والطريق يذكر ويؤنث.

وقرأ نافع: وَلِتَسْتَبِينَ بالتاء سَبِيلُ بالنصب يعني: لتعرف يا محمد طريق المشركين.

قوله تعالى: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: الأصنام ويقال: معناه قل إني نهيت عن طرد الضعفاء عن مجلسي، كما نهيت عن عبادة الأصنام.

ثم قال: قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ يعني: لا أذهب مذهبكم.

ويقال: لا أتبع هواكم يعني: لا أرجع إلى دينكم في بغض الفقراء ومجانبتهم قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً يعني: إن فعلت ذلك فقد ضللت إذاً.

قرأ بعضهم: ضَلَلْتُ بالكسر وهو شاذ يعني: ضللت سبيل الهدى وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ يعني لم أكن على الحق.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ قلتُ: قال الغَزَّالِيُّ في «الجَوَاهر» : النيةُ والعَمَلُ بهما تمامُ العبادةِ، فالنِّيَّة أحد جُزْأيِ العبَادةِ، لكنها خير الجزأَيْن، ومعنى النيَّة إرادةُ وَجْه اللَّه سبحانه بالعَمَلِ، قال اللَّه تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، ومعنى إخلاصها تصفيةُ الباعِثِ عن الشوائِبِ، ثم قال الغَزَّالِيُّ: وإذا عرفْتَ فَضْل النية، وأنَّها تحلُّ حَدَقَةَ المقْصود، فاجتهد أنْ تستكثر مِنَ النِّيَّة في جميع أعمالِكَ حتى تنوي بعملٍ واحدٍ نيَّاتٍ كثيرة، ولو صَدَقَتْ رغبتُكَ، لَهُدِيتَ لطريقِ رشدك.

انتهى.

وقوله سبحانه: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، قال الحَسَنُ والجمهورُ: أيْ: مِنْ حسابِ عملهم، والمعنى: أنك لم تُكَلَّفْ شيئاً غيْرَ دعائهم «١» ، وقوله: فَتَطْرُدَهُمْ: هو جوابُ النفْيِ في قوله: مَا عَلَيْكَ، وقوله: فَتَكُونَ: جوابُ النهْيِ في قوله: وَلا تَطْرُدِ.

وفَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، أي: ابتلينا، ولِيَقُولُوا: معناه: ليصيرَ بحُكْم القَدَرِ أمرُهُمْ إلى أن يقولُوا على جهة الاِستخْفَافِ والهُزْء: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، فاللامُ في لِيَقُولُوا: لامُ الصَّيْرورة.

وقوله سبحانه: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ، أي: يا أيّها المستخفُّون، ليس الأمر أمر استخفاف، فاللَّه أعلَمُ بمن يشكر نعمه.

وقوله سبحانه: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ...

الآية: قال جمهور المفسِّرين: هؤلاءِ هم الذينَ نَهَى اللَّهُ عَنْ طردهم، وشَفَعَ ذلك بِأنْ أَمَرَ سبحانه أنْ يسلِّم النبيُّ- عليه السلام- عليهم، ويُؤْنِسَهُمْ، قال خَبَّابُ بْنُ الأَرَتَّ: لما نزلَتْ: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ...

الآية، فكنّا نأتي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فيقولُ لنا: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، ونقعُدُ معه، فإذا أراد أنْ يقوم، قَامَ، وتركَنا، فأنزل اللَّه تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ

يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ...

«١» [الكهف: ٢٨] الآية، فكان يَقْعُدُ معنا، فإذا بَلَغَ الوقْتَ الذي يقوم فيه، قمنا وتركناه، حتّى يقوم، وسَلامٌ عَلَيْكُمْ: ابتداءٌ، والتقديرُ: سَلاَمٌ ثابتٌ أو واجبٌ عليكم، والمعنَى: أمَنَةً لكُمْ مِنْ عذاب اللَّه في الدنيا والآخرة، ولفظه لفظُ الخَبَر، وهو في معنى الدُّعَاء، قال الفَخْر «٢» قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ: النّفس هاهنا:

بمعنى الذَّات، والحقيقةِ، لا بمعنى الجِسْمِ، واللَّهُ تعالى مقدَّس عنه.

انتهى.

قلتُ: قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في كتاب «تفسير الأَفْعَال الواقعة في القُرآن» : قوله تعالى:

كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، قال علماؤنا: كَتَبَ: معناه أَوْجَبَ، وعندي أنه كتب حقيقة، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكتب، فَكَتَبَ مَا يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» «٣» .

انتهى.

وقرأ عاصمٌ «١» ، وابنُ عَامِرٍ أنَّهُ- بفَتْحِ الهَمْزةِ في الأولى- والثانيةِ «فأنَّهُ» : الأولى بدلٌ من الرَّحْمَةَ، و «أنّه» الثانية: خبر ابتداء مضمر، تقديره: فأمره أنّه عفور رحيمٌ، هذا مذْهَبُ سيبَوَيْه، وقرأ ابنُ كَثِيرٍ، وأبو عَمْرٍو، وحمزة، والكسائي «إنَّهُ» - بكسر الهمزة في الأولى والثانية-، وقرأ نافعٌ بفَتْح الأولى وكَسْر الثانية، والجهالةُ في هذا الموضِعِ: تعمُّ التي تُضَادُّ العِلْمَ، والتي تُشَبَّه بها وذلك أنَّ المتعمِّد لفعْلِ الشيء الذي قَدْ نُهِيَ عنه تسمى معصيته تِلْكَ جِهَالَةً، قال مجاهدٌ: مِنَ الجهالةِ ألاَّ يعلم حَلاَلاً مِنْ حرامٍ «٢» ، ومن جهالته أنْ يركِّب الأمر.

قُلْتُ: أيْ: يتعمَّده، ومن الجهالة الَّتي لا تُضَادُّ العلم قوله صلّى الله عليه وسلّم في استعاذته: «أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» «٣» ومنها قولُ الشَّاعر: [الوافر]

أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أحد علينا ...

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

«٤»

قال الفخْر «١» : قال الحَسَنُ: كُلُّ مَنْ عَمِلَ معصيةً، فهو جاهلٌ، فقيل: المعنى أنه جاهلٌ بمقدارِ ما فاتَهُ منَ الثَّواب، وما استحقه من العقابِ، قلْتُ: وأيضاً فهو جاهلٌ بقَدْر مَنْ عصاه.

انتهى.

والإشارةُ بقوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ، إلى ما تقدَّم من النهْيِ عن طَرْدِ المؤمنين، وبَيَانِ فَسَادِ مَنْزَعِ العارضين لذلك، وتفضيل الآياتِ: تبيينُها وشَرْحُها وإظهارُها، قلْتُ: ومما يناسِبُ هذا المَحَلَّ ذِكْرُ شيء ممَّا ورد في فَضْلِ المُصَافَحَة، وقد أسند أبُو عُمَر في «التمهيد» ، عن عبد الرحْمَنِ بْنِ الأسود «٢» ، عن أَبِيهِ وعلقمة أنهما قَالاَ: «مَنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ المُصَافَحَةُ» ، وروى مالكٌ في «الموطإ» ، عن عطاءٍ الخراسانيّ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تَصَافَحُوا يَذْهَبُ الغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا، وَتَذْهَب «٣» الشَّحْنَاءُ» ، قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديث يتَّصلُ مِنْ وجوه شتى حِسَانٍ كلُّها، ثم أسند أبو عُمَر من طريقِ أبي دَاوُد وغَيْره، عن البَرَاءِ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَتَصَافَحَانِ إلاَّ غُفِرَ لهما قبل أن يتفرّقا» «٤» ، ثم أسند أبو عُمَرَ عن البَرَاء بنِ عازب، قال:

«لقيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ كُنْتُ لأحْسِبُ أَنَّ المُصَافَحَةَ لِلْعَجَمِ فَقَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالمُصَافَحَةِ مِنْهُمْ مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ مَوَدَّةً بَيْنَهُمَا، ونَصِيحَةً، إلاَّ أُلْقِيَتْ ذُنُوبُهُمَا بَيْنَهُمَا» «٥» ، وأسند أبو عُمَرَ عن عمر بْنِ الخَطَّابِ، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذَا التقى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ تِسْعُونَ مِنْهَا لِلَّذِي بَدَأَ بِالمُصَافَحَةِ، وَعَشَرَةٌ لِلَّذِي صُوفِحَ، وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إلَى اللَّهِ أحسنهما بشرا بصاحبه» «٦» .

انتهى.

وقد ذكرنا/ طَرَفاً مِنْ آدَابِ المُصَافحة فِي غَيْرِ هذا الموضعِ، فَقِفْ عليه، واعمل به، تَرْشَدْ، فإنَّ العلْم إنما يرادُ للعَمَل، وباللَّه التوفيق.

وخُصَّ سبيلُ المُجْرمينَ بالذِّكْر لأنهم الذين آثَرُوا ما تقدَّم من الأقوال، وهو أهَمُّ في هذا الموضِعِ لأنها آياتُ رَدٍّ علَيْهم.

وأيضاً: فتَبْيِينُ سَبِيلِهِمْ يتضمَّن بيانَ سَبِيلِ المُؤْمنين، وتَأوَّلَ ابنُ زَيْد أنَّ قوله:

الْمُجْرِمِينَ مَعْنِيٌّ به الآمِرُونَ بطَرْد الضَّعَفَةِ «١» .

وقوله سبحانه: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ ...

الآية: أَمَرَ اللَّهُ سبحانه نَبيَّه- عليه السلام- أنْ يجاهرهم بالتبرّي ممّا هم فيه، وتَدْعُونَ: معناه تعبدون، ويْحْتَمَلُ أنْ يريدَ: تَدْعُونَ في أموركُمْ، وذلك مِنْ معنى العبَادةِ، واعتقادهم الأصنامَ آلهة.

وقوله تعالى: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي: المعنى: قل إني على أمْر بيِّن، وَكَذَّبْتُمْ بِهِ، الضمير في «بِهِ» عائدٌ على «بَيِّن» ، أو علَى الرَّبِّ، وقيل: على القُرآن، وهو جليٌّ، وقال بعضُ المفسِّرين: الضميرُ في «به» الثانِي عائدٌ على «مَا» ، والمُرَادُ بها الآياتُ المقْتَرَحَةُ على ما قال بعض المفسِّرين، وقيل: المرادُ به العذابُ، وهو يترجَّح من وجْهَيْن:

أحدهما: مِنْ جهة المعنى وذلك أنَّ قوله: وَكَذَّبْتُمْ بِهِ يتضمَّن أنَّكم واقعتم مَا تَسْتَوْجِبُون به العَذَابَ إلاَّ أنه ليس عنْدِي.

والآخَرُ: مِنْ جهة لَفْظِ الاستعجالِ الذي لَمْ يأت في القُرآن إلاَّ للعذابِ.

وأما اقتراحهم للآيَاتِ، فَلمْ يكُنْ باستعجال.

وقوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، أي: القضاء والإنفاذ، ويَقُصُّ الْحَقَّ، أيْ: يخبر به والمعنى: يقُصُّ القَصَص الحَقَّ، وقرأ حمزةُ «٢» والكِسَائيُّ وغيرهما: «يَقْضِي الحَقَّ» ، أي: ينفذه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

والثّانِي: تَعْبُدُونَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وأهْواءَهُمْ: دِينُهم.

قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ إنَّما عَبَدْتُمُوها عَلى طَرِيقِ الهَوى، لا عَلى طَرِيقِ البَيِّنَةِ والبُرْهانِ.

ومَعْنى "إذا" مَعْنى الشَّرْطِ؛ والمَعْنى: قَدْ ضَلَلْتُ إنَّ عَبَدْتُها.

وقَرَأ طَلْحَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: "قَدْ ضَلِلْتُ" بِكَسْرِ اللّامِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِن المُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ ﴾ ﴿ قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكم واللهُ أعْلَمُ بِالظالِمِينَ ﴾ أمَرَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُجاهِرَهم بِالتَبَرِّي مِمّا هم فِيهِ؛ و"أنْ أعْبُدَ"؛ هو بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ؛ والتَقْدِيرُ: "عن عِبادَةِ"؛ ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ؛ فَتَسَلَّطَ الفِعْلُ؛ ثُمَّ وُضِعَ "أنْ أعْبُدَ"؛ مَوْضِعَ المَصْدَرِ؛ وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "اَلَّذِينَ"؛ عَلى زَعْمِ الكُفّارِ؛ حِينَ أنْزَلُوها مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ؛ و"تَدْعُونَ"؛ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: تَدْعُونَ في أُمُورِكُمْ؛ وذَلِكَ مِن مَعْنى العِبادَةِ واعْتِقادِها آلِهَةً.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "قَدْ ضَلَلْتُ"؛ ﴾ بِفَتْحِ اللامِ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "ضَلِلْتُ"؛ بِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ و"إذًا"؛ في هَذا المَوْضِعِ مُتَوَسِّطَةٌ؛ وما بَعْدَها مُعْتَمِدٌ عَلى ما قَبْلَها؛ فَهي غَيْرُ عامِلَةٍ؛ إلّا أنَّها تَتَضَمَّنُ مَعْنى الشَرْطِ؛ فَهي بِتَقْدِيرِ: "إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ"؛ و"أهْواءَ": جَمْعُ "هَوًى"؛ وهو الإرادَةُ والمَحَبَّةُ في المُرْدِياتِ مِنَ الأُمُورِ؛ هَذا غالِبُ اسْتِعْمالِ الهَوى؛ وقَدْ تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: هَذِهِ الآيَةُ تَمادٍ في إيضاحِ مُبايَنَتِهِ لَهُمْ؛ والمَعْنى: "قُلْ إنِّي عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ"؛ فَحُذِفَ المَوْصُوفُ؛ ثُمَّ دَخَلَتْ هاءُ المُبالَغَةِ؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ  ﴾ ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الهاءُ في "بَيِّنَةٍ"؛ مُجَرَّدَةً لِلتَّأْنِيثِ؛ ويَكُونَ بِمَعْنى البَيانِ؛ كَما قالَ: ﴿ وَيَحْيا مَن حَيَّ عن بَيِّنَةٍ  ﴾ ؛ والمُرادُ بِالآيَةِ: "إنِّي أيُّها المُكَذِّبُونَ؛ في اعْتِقادِي؛ ويَقِينِي؛ وما حَصَلَ في نَفْسِي مِنَ العِلْمِ؛ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي".

"وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما"؛ اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى "بَيِّنٍ"؛ في تَقْدِيرِ هاءِ المُبالَغَةِ؛ أو عَلى "اَلْبَيانِ"؛ اَلَّتِي هي "بَيِّنَةٍ"؛ بِمَعْناهُ في التَأْوِيلِ الآخَرِ؛ أو عَلى الرَبِّ؛ وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ؛ وهو - وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ جَلِيٌّ - فَإنَّهُ بَعْضُ البَيانِ الَّذِي مِنهُ حَصَلَ الِاعْتِقادُ واليَقِينُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَيَصِحُّ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أُمُورٌ أُخَرُ؛ غَيْرُ القُرْآنِ؛ وقَعَ لَهُ العِلْمُ أيْضًا مِن جِهَتِها؛ كَتَكْلِيمِ الحِجارَةِ لَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ورُؤْيَتِهِ لِلْمَلَكِ قَبْلَ الوَحْيِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى "ما"؛ والمُرادُ بِها الآياتُ المُقْتَرَحَةُ - عَلى ما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ -؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِها العَذابُ؛ وهَذا يَتَرَجَّحُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما مِن جِهَةِ المَعْنى؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: "وَكَذَّبْتُمْ بِهِ"؛ يَتَضَمَّنُ أنَّكم واقَعْتُمْ ما تَسْتَوْجِبُونَ بِهِ العَذابَ؛ إلّا أنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي؛ والآخَرُ مِن جِهَةِ اللَفْظِ؛ وهو الِاسْتِعْجالُ الَّذِي لَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ "اِسْتِعْجالُهُمْ"؛ إلّا لِلْعَذابِ؛ لِأنَّ اقْتِراحَهم بِالآياتِ لَمْ يَكُنْ بِاسْتِعْجالٍ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ ؛ أيِ القَضاءُ والإنْفاذُ؛ "يَقُصُّ الحَقَّ"؛ أيْ يُخْبِرُ بِهِ؛ والمَعْنى: يَقُصُّ القَصَصَ الحَقَّ.

وهَذِهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٍ ؛ ونافِعٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ "يَقْضِ الحَقَّ"؛ أيْ: يُنْفِذُهُ؛ وتُرَجَّحُ هَذِهِ القِراءَةُ بِقَوْلِهِ: "اَلْفاصِلِينَ"؛ لِأنَّ الفَصْلَ مُناسِبٌ لِلْقَضاءِ؛ وقَدْ جاءَ أيْضًا الفَصْلَ والتَفْصِيلَ مَعَ القَصَصِ؛ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَهُوَ أسْرَعُ الفاصِلِينَ"؛ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: وقَرَأ عَبْدُ اللهِ ؛ وأُبَيٌّ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وطَلْحَةُ ؛ والأعْمَشُ: "يَقْضِي بِالحَقِّ"؛ بِزِيادَةِ باءِ الجَرِّ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "يَقْضِي الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "لَوْ كانَ عِنْدِي الآياتُ المُقْتَرَحَةُ - أوِ العَذابُ؛ عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ - لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ أيْ: "لَوَقَعَ الِانْفِصالُ؛ وتَمَّ النِزاعُ؛ لِظُهُورِ الآيَةِ المُقْتَرَحَةِ؛ أو لِنُزُولِ العَذابِ"؛ بِحَسَبِ التَأْوِيلَيْنِ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ المَعْنى: "لَقامَتِ القِيامَةُ"؛ ورَواهُ النَقّاشُ عن عِكْرِمَةَ ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْنى "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ أيْ: لَذُبِحَ المَوْتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ قائِلَهُ سَمِعَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ  ﴾ ؛ وذَبْحُ المَوْتِ هُنا لائِقٌ؛ فَنَقَلَهُ إلى هَذا المَوْضِعِ دُونَ شَبَهٍ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ إلى ابْنِ جُرَيْجٍ ؛ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِهَذِهِ السُورَةِ؛ والظَنُّ بِابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ إنَّما فَسَّرَ الَّذِي في يَوْمِ الحَسْرَةِ؛ ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِالظالِمِينَ ﴾ ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ والتَهْدِيدَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي عاد به الكلام إلى إبطال الشرك بالتبرّئ من عبادة أصنامهم فإنَّه بعد أن أبطل إلهية الأصنام بطريق الاستدلال من قوله ﴿ قل أغير الله أتّخذ وليّاً ﴾ [الأنعام: 14] الآية.

وقوله: ﴿ قُلْ أرَأيْتكُم إنْ أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ﴾ [الأنعام: 40] الآية وقوله: ﴿ قل أرأيتُم إنْ أخَذَ الله سمعكم وأبصاركم ﴾ [الأنعام: 46] الآية.

جاء في هذه الآية بطريقة أخرى لإبطال عبادة الأصنام وهي أنّ الله نهى رسوله عليه الصلاة والسلام عن عبادتها وعن اتّباع أهواء عبدتها.

وبُني ﴿ نُهيت ﴾ على صيغة المجهول للاستغناء عن ذكر الفاعل لظهور المراد، أي نهاني الله.

وهو يتعدّى بحرف (عن) فحذف الحرف حذفاً مطّرداً مع (أنْ).

وأجري على الأصنام اسم الموصول الموضوع للعقلاء لأنَّهم عاملوهم معاملة العقلاء فأتى لهم بما يحكي اعتقادهم، أو لأنَّهم عبدوا الجنّ وبعض البشر فغُلِّب العُقلاء من معبوداتهم.

ومعنى ﴿ تدعون ﴾ تعبدون وتَلْجئُون إليهم في المهمّات، أي تدعونهم.

و ﴿ مِن دون الله ﴾ حال من المفعول المحذوف، فعامِلُه ﴿ تدعون ﴾ .

وهو حكاية لما غلب على المشركين من الاشتغال بعبادة الأصنام ودعائهم عن عبادة الله ودعائه، حتَّى كأنَّهم عبدوهم دون الله، وإن كانواإنّما أشركوهم بالعبادة مع الله ولو في بعض الأوقات.

وفيه نداء عليهم باضطراب عقيدتهم إذْ أشركوا مع الله في العبادة من لا يستحقّونها مع أنَّهم قائلون بأنّ الله هو مالك الأصنام وجاعلها شفعاء لكن ذلك كالعدم لأنّ كلّ عبادة توجَّهُوا بها إلى الأصنام قد اعتدوا بها على حقّ الله في أن يَصْرفوها إليه.

وجملة ﴿ قل لا أتَّبع أهواءكم ﴾ استئناف آخر ابتدائي، وقد عدل عن العطف إلى الاستئناف ليكون غرضاً مستقلاً.

وأعيد الأمر بالقول زيادة في الاهتمام بالاستئناف واستقلاله ليكون هذا النفي شاملاً للاتِّباع في عبادة الأصنام وفي غيرها من ضلالتهم كطلب طرد المؤمنين عن مجلسه.

والأهواء جمع هَوى، وهو المحبَّة المفرطة.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ولئن اتَّبعتَ أهواءهم ﴾ في سورة [البقرة: 120].

وإنَّما قال: لا أتَّبع أهواءكم } دون لا أتَّبعكم للإشارة إلى أنَّهم في دينهم تابعون للهوى نابذون لدليل العقل.

وفي هذا تجهيل لهم في إقامة دينهم على غير أصل متين.

وجملة ﴿ قد ضللت إذا ﴾ جواب لشرط مقدّر، أي إنْ اتَّبعتُ أهواءكم إذَنْ قد ضللتُ.

وكذلك موقع (إذَنْ) حين تدخل على فعل غير مستقبل فإنَّها تكون حينئذٍ جواباً لشرط مقدّر مشروط ب (إنْ) أوْ (لوْ) مُصرّح به تارة، كقول كُثَيِّر: لَئنْ عاد لي عبد العزيز بمثلها *** وأمكنني منها إذَنْ لا أقيلها ومقدّرٍ أخرى كهذه الآية، وكقوله تعالى: ﴿ وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ﴾ [المؤمنون: 91].

وتقديم جواب (إذن) على (إذَنْ) في هذه الآية للاهتمام بالجواب.

ولذلك الاهتمام أكّد ب ﴿ قد ﴾ مع كونه مفروضاً وليس بواقع، للإشارة إلى أنّ وقوعه محقّق لو تحقّق الشرط المقدّر الذي دلّت عليه (إذَنْ).

وقوله: ﴿ وما أنا من المهتدين ﴾ عطف على ﴿ قد ضَلَلْتُ ﴾ ، عطف عليه للدلالة على أنَّه جزاء آخر للشرط المقدّر، فيدلّ على أنَّه إن فعل ذلك يخرج عن حاله التي هو عليها الآن من كونه في عداد المهتدين إلى الكون في حالة الضلال، وأفاد مع ذلك تأكيد مضمون جملة ﴿ قد ضللت ﴾ لأنَّه نفَى عن نفسه ضدّ الضلال فتقرّرت حقيقة الضلال على الفرض والتقدير.

وتأكيد الشيء بنفي ضدّه طريقة عربية قد اهتديتُ إليها ونبَّهت عليها عند قوله تعالى: ﴿ قد ضلّوا وما كانوا مُهتدين ﴾ في هذه السورة [140].

ونظيره قوله تعالى: وأضلّ فرعون قومه وما هدى } [طه: 79].

وقد أتي بالخبر بالجار والمجرور فقيل: ﴿ من المهتدين ﴾ ولم يقل: وما أنا مهتد، لأنّ المقصود نفي الجملة التي خبرها ﴿ من المهتدين ﴾ ، فإنّ التعريف في ﴿ المهتدين ﴾ تعريف الجنس، فإخبار المتكلم عن نفسه بأنّه من المهتدين يفيد أنَّه واحد من الفئة التي تُعرف عند الناس بفئة المهتدين، فيفيد أنَّه مهتد إفادة بطريقة تشبه طريقة الاستدلال.

فهو من قبيل الكناية التي هي إثبات الشيء بإثبات ملزومه.

وهي أبلغ من التصريح.

قال في «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿ قال إنِّي لِعَمَلِكُمْ من القَالين ﴾ [الشعراء: 168]: قولك فلان من العلماء أبلغ من قولك: فلان عالم، لأنَّك تشهد له بكونه معدوداً في زمرتهم ومعروفة مساهمته لهم في العلم.

وقال عند قوله تعالى: ﴿ قالوا سواء علينا أوعَظت أم لم تكن من الواعظين ﴾ في سورة [الشعراء: 136].

فإن قلت لوقيل: أوعظت أو لم تعظ، كان أخصر، والمعنى واحد.

قلت: ليس المعنى بواحد وبينهما فرق لأنّ المراد سواء علينا أفعلتَ هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلاً من أهله ومباشرته، فهو أبلغ في قلَّة الاعتداد بوعظه من قوله: أم لم تعظ.

وقال الخفاجي إنّ أصل هذا لابن جنّي.

ولهذا كان نفي هذا الخبر مفيداً نفي هذه النسبة الكنائية فكانت أبلغيَّتُه في النفي كأبلغيَّته في الإثبات، لأنّ المفاد الكنائي هُو هُو.

ولذلك فسّره في الكشاف} بقوله: «وما أنا من الهدى في شيء».

ولم يتفطَّن لهذه النكتة بعض الناظرين نقله عنه الطيبي فقال: إنَّه لمَّا كان قولك: هو من المهتدين، مفيداً في الإثبات أنّ للمخبر عنه حظوظاً عظيمة في الهدى فهو في النفي يُوجِب أن تنفى عنه الحظوظ الكثيرة، وذلك يصدق بأن يبقى له حظّ قليل.

وهذا سفسطة خفيت عن قائلها لأنَّه إنَّما تصحّ إفادة النفي ذلك لو كانت دلالة المثبَت بواسطة القيود اللفظية، فأمَّا وهي بطريق التكنية فهي ملازمة للفظ إثباتاً ونفياً لأنَّها دلالة عقلية لا لفظية.

ولذا قال التفتزاني: «هو من قبيل تأكيد النفي لا نفي التأكيد» فهو يفيد أنّه قد انسلخ عن هذه الزمرة التي كان معدوداً منها وهو أشدّ من مطلق الاتّصاف بعدم الهدى لأنّ مفارقة المرء فئته بعد أن كان منها أشدّ عليه من اتِّصافه بما يخالف صفاتهم قبل الاتِّصال بهم.

وقد تقدّم قوله تعالى: ﴿ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ في سورة [البقرة: 67]، وأحلنا بسطه على هذا الموضع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ في البَيِّنَةِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: الحَقُّ الَّذِي بانَ لَهُ.

والثّانِي: المُعْجِزُ في القُرْآنِ.

﴿ وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وكَذَّبْتُمْ بِالبَيِّنَةِ.

والثّانِي: وكَذَّبْتُمْ بِرَبِّكم.

﴿ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي أُوعِدُوا بِهِ قَبْلَ وقْتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: ما اسْتَعْجَلُوهُ مِنِ اقْتِراحِ الآياتِ لِأنَّهُ طَلَبُ الشَّيْءِ في غَيْرِ وقْتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الحُكْمُ في الثَّوابِ والعِقابِ.

والثّانِي: الحُكْمُ في تَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ.

﴿ يَقُصُّ الحَقَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ ﴿ يَقُصُّ ﴾ بِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مِنَ القَصَصِ وهو الإخْبارُ بِهِ، وقَرَأ الباقُونَ "يَقْضِي" بِالضّادِ مُعْجَمَةً مِنَ القَضاءِ، وهو صُنْعُ الحَقِّ وإتْمامُهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ والأرْزاقِ والأقْدارِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الوُصُولُ إلى العِلْمِ بِالغَيْبِ.

﴿ وَيَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ما في البَرِّ ما عَلى الأرْضِ، وما في البَحْرِ ما عَلى الماءِ، وهو الظّاهِرُ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّ البَرَّ القَفْرُ، والبَحْرَ القُرى لِوُجُودِ الماءِ فِيها، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بَحْرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ﴾ يَعْنِي قَبْلَ يُبْسِها وسُقُوطِها.

﴿ وَلا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما في بَطْنِها مِن بَذْرٍ.

والثّانِي: ما تُخْرِجُهُ مِن زَرْعٍ.

﴿ وَلا رَطْبٍ ولا يابِسٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّطْبَ النَّباتُ واليابِسَ الجَواهِرُ.

والثّانِي: أنَّ الرَّطْبَ الحَيُّ، واليابِسَ المَيِّتُ.

﴿ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ يَعْنِي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن مسعود قال: مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب، وعمار، وبلال، وخباب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك منّ الله عليهم من بيننا، أو نحن نكون تبعاً لهؤلاء؟

أطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك.

فأنزل فيهم القرآن ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ إلى قوله: ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ .

وأخرج أبن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال مشى عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وقرظة بن عبد، عمر، وابن نوفل، والحارث بن عامر بن نوفل، ومطعم بن عدي بن الخيار بن نوفل، في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد فانهم عبيدنا وعسفاؤنا كان أعظم له في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه، فذكر ذلك أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب: لو فلعت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم وما يصيرون إليه من أمرهم، فأنزل الله: ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ إلى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ قالوا: وكانوا بلالاً، وعمار بن ياسر، وسالماً مولى أبي حذيفة، وصبحاً مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمر، وذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد، وأشباههم ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا ﴾ الآية.

فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مقالته، فأنزل الله: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وأبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن خباب قال «جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال، وصهيب، وعمار، وخباب، في أناس ضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به، فقالوا: انا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب ستأتيك فنستحي أن ترانا العرب قعوداً مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت.

قال: نعم.

قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً، فدعا بالصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الآية ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى قوله: ﴿ فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعا فأتيناه وهو يقول ﴿ سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه...

﴾ [ الكهف: 28] الآية.

قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، تركناه حتى يقوم» .

وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن عمر بن عبد الله بن المهاجر مولى غفرة، أنه قال في أسطوان التوبة: كان أكثر نافلة النبي صلى الله عليه وسلم إليها، وكان إذا صلى الصبح انصرف إليها وقد سبق إليها الضعفاء، والمساكين، وأهل الضر، وضيفان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤلفة قلوبهم، ومن لا مبيت له إلا المسجد.

قال: وقد تحلقوا حولها حلقاً بعضها دون بعض فينصرف إليهم من مصلاه من الصبح، فيتلو عليهم ما أنزل الله عليه من ليلته، ويحدثهم ويحدثونه حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطول والشرف والغني فلم يجدوا إليه مخلصاً، فتاقت أنفسهم إليه وتاقت نفسه إليهم، فأنزل الله عز وجل ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه....

﴾ [ الكهف: 28] إلى منتهى الآيتين، فلما نزل ذلك فيهم قالوا: يا رسول الله لو طردتهم عنا ونكون نحن جلساءك وإخوانك لا نفارقك، فأنزل الله عز وجل ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى منتهى الآيتين.

وأخرج الفربابي وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة، أنا، وعبد الله بن مسعود، وبلال، ورجل من هذيل، واثنين، قالوا: يا رسول الله أطردهم فانا نستحي أن نكون تبعاً لهؤلاء، فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: المصلين بلال، وابن أم عبد، كانا يجالسان محمداً صلى الله عليه وسلم فقالت قريش تحقره لهما: لولاهما واشباههما لجالسناه، فنهى عن طردهم حتى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: كان رجال يستبقون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم بلال، وصهيب، وسلمان، فيجيء أشراف قومه وسادتهم وقد أخذ هؤلاء المجلس فيجلسون ناحية فقالوا: صهيب رومي، وسلمان فارسي، وبلال حبشي، يجلسون عنده ونحن نجيء فنجلس ناحية، حتى ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انا سادة قومك وأشرافهم، فلو أدنيتنا منك إذا جئنا؟

قال: فهم إن فعل، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: كان أشراف قريش يأتون النبي صلى الله عليه وسلم وعنده بلال، وسلمان، وصهيب، وغيرهم مثل ابن أم عبد، وعمار، وخباب، فإذا أحاطوا به قال أشراف قريش: بلال حبشي، وسلمان فارسي، وصهيب رومي، فلو نحاهم لأتيناه، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ يعني يعبدون ربهم بالغداة والعشي، يعني الصلاة المكتوبة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال الصلاة المفروضة، الصبح والعصر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: هم أهل الذكر لا تطردهم عن الذكر قال سفيان: هم أهل الفقر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ يعني أنه جعل بعضهم اغنياء وبعضهم فقراء، فقال الأغيناء للفقراء ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ﴾ يعني هؤلاء هداهم الله، وإنما قالوا ذلك استهزاءً وسخرياً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ يقول: ابتلينا بعضهم ببعض.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ﴾ لو كان بهم كرامة على الله ما أصابهم هذا من الجهد.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض...

﴾ الآية.

قال: هم أناس كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من الفقراء، فقال أناس من أشراف الناس: نؤمن لك، فإذا صلينا معك فأخر هؤلاء الذين معك فليصلوا خلفنا.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد ومسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ماهان قال: أتى قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: انا أصبنا ذنوباً عضاماً؟

فما رد عليهم شيئاً، فانصرفوا فأنزل الله: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا...

﴾ الآية.

فدعاهم فقرأها عليهم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير قال: أخبرت أن قوله: ﴿ سلام عليكم ﴾ قال: كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم بدأهم فقال: سلام عليكم، وإذا لقيهم فكذلك أيضاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وكذلك نفصل الآيات ﴾ قال: نبين الآليات.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولتستبين سبيل المجرمين ﴾ قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء.

قوله تعالى ﴿ قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ أخرج ابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم عن هزيل بن شرحبيل قال: جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة فسألهما عن ابنة وابنة ابن وأخت؟

فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائت عبد الله فإنه سيتابعنا، فأتى عبد الله فأخبره فقال: ﴿ قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ يعني: الأصنام، ومعنى ﴿ تَدْعُونَ ﴾ : تعبدون، ويجوز أن يكون المعنى: تدعونهم (١) ﴿ مِنْ ﴾ في قوله ﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ إضافة الدعاء إلى ﴿ دُونِ ﴾ بمعنى: ابتداء الغاية؛ لأن كل عبادة كانت لغير الله فهو من جملة عبادة من يُعبد من دون الله فجعل ﴿ مِنْ دُونِ ﴾ ] (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: دينكم) (٤) قال أبو إسحاق: (إنما عبدتموها [على طريق الهوى لا] (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا ﴾ معنى ﴿ إِذًا ﴾ الشرط، المعنى: قد ضللت إن عبدتها (٧) ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ ﴾ إن أنا فعلت (٨) ﴿ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ : من الذين سلكوا سُبَلَ الهدى) (٩) (١) أي: الأصنام، وقد ذكر الوجهين ابن عطية 5/ 218، وابن الجوزي 3/ 51، والقرطبي 6/ 437.

(٢) لفظ: (دون) ساقط من (ش).

(٣) ذكر هذا الوجه الهمداني في "الفريد" 2/ 158.

(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 50، وفي "تنوير المقباس" 2/ 255 نحوه.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٦) "معاني القرآن" 2/ 255.

(٧) هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 255، وذكره ابن عطية 5/ 218، وابن الجوزي 3/ 51.

(٨) "تنوير المقباس" 2/ 25، وفيه: ( ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ ﴾ عن الهدى ﴿ إِذًا ﴾ إن فعلت ذلك).

(٩) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 149.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ﴾ الإشارة إلى ما تقدّم من النهي عن الطرد وغير ذلك، وتفصيل الآيات شرحها وبيانها ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين ﴾ بتاء الخطاب ونصب السبيل على أنه مفعول به، وقرئ بتاء التأنيث ورفع السبيل على أنه فاعل مؤنث وبالباء والرفع على تذكير السبيل، لأنه يجوز فيه التذكير والتأنيث ﴿ الذين تَدْعُونَ ﴾ أي تعبدون ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً ﴾ أي إن اتبعت أهواءكم ضللت.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بالغدوة ﴾ مضموم الغين ساكن الدال مفتوح الواو وكذا في الكهف: ابن عامر الباقون: بفتح الغين والدال وبالألف ﴿ أنه ﴾ بالفتح ﴿ فإنه ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع.

وقرأ ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب جميعاً بالفتح.

الباقون: بالكسر فيهما ﴿ وليستبين ﴾ بياء الغيبة: زيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ سبيل ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وزيد.

الباقون: بالرفع ﴿ يقص ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وعاصم.

الباقون ﴿ يقضي الحق ﴾ .

الوقوف: ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ من بيننا ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بكس الألف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ أهواءكم ﴾ لا لتعيين "إذا" بما قبله أي قد ضللت "إذا" اتبعت ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ وكذبتم به ﴾ ط ﴿ تستعجلون به ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ الفاصلين ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد المقصود.

﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين أمر الرسول  بالإنذار وهو الإعلام بموضع المخافة فقال له ﴿ وأنذر به ﴾ قال ابن عباس والزجاج: أي بالقرآن وهو المذكور هنا في قوله ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليّ  ﴾ وقال الضحاك: أي بالله.

قيل: والأول أولى لأن الإنذار والتخويف إنما يقع بالقول وفيه نظر، لأن الإنذار لا نزاع فيه أنه قول ولكن المنذر به قلما يكون قولاً لقوله ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة  ﴾ ﴿ فأنذرتكم ناراً تلظى  ﴾ ولو زعم أن المراد وأنذرهم النار والعذاب بواسطة القرآن قلنا: فقدر مثله ههنا، والمعنى أنذرهم العذاب بقول ينبىء عن شدة سخط الله وعقوبته.

أما ﴿ الذين يخافون أن يحشروا ﴾ فقيل: إنهم الكافرون الذين سبق ذكرهم، فلعل ناساً من المشركين من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقاً فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار فأمر أن ينذر هؤلاء دون المتمردين منهم.

ثم قال هذا القائل ولا يجوز حمله على المؤمنين لأنهم يعلمون أنهم يحشرون، والعلم خلاف الخوف والظن.

وضعف بأن الخوف شامل للناس كافة لعدم الجزم بالثواب وقبول الطاعة وإن كانوا مقرين بصحة الحشر والنشر فالظاهر أن الضمير يتناول الكل لأن العاقل لا بد أن يخاف الحشر سواء كان جازماً به أو شاكاً فيه.

وأيضاً إنه مأمور بتبليغ الكل فلا وجه للتخصيص.

وقيل: إنهم قوم مسلمون مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه لعلهم يدخلون في زمرة أهل التقوى من المسلمين.

وقيل: هم أهل الكتاب لأنهم مقرون بالعبث.

ومعنى ﴿ إلى ربهم ﴾ إلى حكمه وقضائه فلا يلزم منه مكان ولا جهة.

أما قوله ﴿ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ﴾ فقال الزجاج: إن الجملة في موضع الحال من ضمير ﴿ يحشروا ﴾ أي يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم.

فإن كان الضمير للكفار فظاهر، وإن كان للمؤمنين فشفاعة الملائكة والرسل إذا كانت بإذن الله  فإنها تكون بالحقيقة من الله  فصح أنه ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع، ولا بد من هذه الحال لأن الحشر مطلقاً ليس مخوفا وإنما المخوف هو الحشر على هذه الحالة لأنهم اعتقدوا أن لا ناصر ولا شفيع إلا الله وإذا لم يكن الله ناصراً وشفيعاً لزم أن لا يكون ناصراً أصلاً.

﴿ لعلهم يتقون ﴾ قال ابن عباس: لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي.

قالت المعتزلة: فيه دلالة على أنه أراد من الكفار التقوى والطاعة.

وأجيب بأن الترجي راجع إلى العباد.

ولما أمر بإنذار عموم المكلفين ليتقوا أردفهم بذكر المتقين وأمر بتقريبهم وإكرامهم.

"روي عن ابن مسعود أن الملأ من قريش مروا على رسول الله  - وعنده صهيب وبلال وخباب وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين - فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء أتريد أن نكون تبعاً لهؤلاء؟

اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك.

فقال  : ما أنا بطارد المؤمنين.

فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت.

فقال: نعم طمعاً في إيمانهم" .

وروي أن عمر قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون.

ثم إنهم قالوا للرسول  : اكتب بذلك كتاباً، فدعا الصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت ﴿ ولا تطرد ﴾ الآية.

فرمى بالصحيفة واعتذر عمر عن مقالته.

قال سلمان وخباب: فينا نزلت.

فكان رسول الله  يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم  ﴾ فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه.

وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات، أثنى الله عليهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي.

قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أي يصلون صلاة الصبح والعصر.

وقيل: أي يذكرون ربهم طرفي النهار، والمراد بالغداة والعشي الدوام.

والغداة لغة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والعشي ما بين الزوال إلى الغروب.

قال الجوهري: غدوة بالتنوين نكرة وبدونه معرفة غير مصروفة كسحر.

ومحل ﴿ يريدون وجهه ﴾ نصب على الحال أو على الاستئناف كأنه قيل: ما أرادوا بالمواظبة على الدعاء؟

فأجيب بقوله ﴿ يريدون وجهه ﴾ ولا يثبت به لله  عضو كما زعمت المجسمة ولكن المراد به التعظيم، فقد يعبر به عن ذات الشيء أو حقيقته كما يقال: هذا وجه الرأي وذاك وجه الدليل.

وأيضاً المحبة تستلزم طلب رؤية الوجه فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا.

ثم علل النهي بقوله ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ قيل: الضمير عائد إلى المشركين أي لا يؤاخذوا بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويدعوك ذلك إلى أن تطرد المؤمنين، والأولى أن يعود إلى الفقراء ليناسب قوله ﴿ فتطردهم ﴾ كما في قصة نوح ﴿ إن حسابهم إلا على ربي  ﴾ وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم كان الأمر على ما زعموا فيما يلزمك إلا اعتبار الظاهر إن كان لهم باطن غير مرضي فحسابهم لا يتعدى إليك كما أن حسابك لا يتعدى إليهم، فالجملتان لهما مؤدى واحد وهو المفهوم من قوله ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى  ﴾ كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه.

وقيل: ما عليك من حساب رزقهم من شيء ولا من حساب رزقك عليهم من شيء.

وإنما الرازق لك ولهم هو الله  فدعهم يكونوا عندك، أما قوله ﴿ فتطردهم ﴾ فهو جواب النفي في ﴿ ما عليك ﴾ وفي انتصاب ﴿ فتكون ﴾ وجهان: أحدهما أنه جواب النهي، والثاني أنه عطف على ﴿ فتطردهم ﴾ على وجه التسبب، لأن كونه ظالماً معلوم من طردهم ومسبب عنه، فإن طرد من يستوجب التقريب والترحيب وضع للشيء في غير موضعه ومن هنا طعن بعض الناس في عصمة النبي  قالوا: كان يقول كلما دخل أولئك الفقراء عليه بعد هذه الواقعة مرحباً بمن عاتبني ربي فيهم أو لفظ هذا معناه.

والجواب أنه ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما أفرد لهم مجلساً تألفاً لقلوبالمشركين وتكثيراً لسواد الإسلام مع علمه بأنه لا يفوت الفقراء بهذه المصالحة أمر مهم في الدنيا ولا في الدين، فغاية ذلك أنه يكون من باب تبرك الأولى والأفضل، ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الفتن العظيم ﴿ فتنا ﴾ ابتلينا بعض الناس ببعض، فأحد الفريقين وهم الكفار يرى الآخر مقدماً عليه في المناصب الدينية فيقول ﴿ أهؤلاء ﴾ المسترذلون ﴿ منّ الله عليهم من بيننا ﴾ كقوله: ﴿ أألقي الذكر عليه من بيننا  ﴾ والفريق الآخر يرى الأول مقدماً عليه في الخيرات العاجلة والخصب والسعة الراحة والدعة فيقول: أهذا هو الذي فضله الله علينا.

وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله فهو صواب، ولا اعتراض عليه بحكم المالكية وبحسب رعاية الأصلح.

وبالجملة فصفات الكمال غير محصورة ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة بل هي موزعة على الخلائق وكلها محبوبة لذاتها.

فكل إنسان يحسد صاحبه على ما آتاه الله  من صفة الكمال، فمن عرف سر القدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض لغيره وعاش عيشاً طيباً في الدنيا والآخرة.

قال هشام بن الحكم الافتتان الاختبار والامتحان، وفيه دليل على أنه  لا يعلم الجزيئات إلا عن حدوثها.

والجواب أنه يعامل المكلف معاملة المختبر وقد مر مراراً.

وقالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال لأن تلك الفتنة التي ألقاها الله  ليست إلا اعتراضهم على الله والاعتراض عليه كفر.

فهو  خالق للكفر.

وأيضاً منة الله عليهم ليست إلا بالإيمان ومتابعة الرسول، فلو كان الموجد للإيمان هو العبد كان العبد هو المان على نفسه.

أجاب المعتزلة بأن معنى فتناهم ليقولوا خذلناهم حتى آل أمرهم إلى أن قالوا: فتكون اللام لام العاقبة، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع أنا ننقل الكلام إلى الخذلان فلا بد من الانتهاء إليه تعالى ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ بمن يصرف كل ما أنعم به عليه فيما أعطاه لأجله فيظهر أفعاله على حسب معلوم الله  .

وقال في الكشاف: أي الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان، وبمن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق.

﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيّه  عن طردهم وكان إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" .

وقال ماهان الحنفي: أتى قوم النبي  فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً، وأظهروا الندامة والأسف فما أخاله رد عليهم بشيء.

فلما ذهبوا وتولوا نزلت الآية.

قال في التفسير الكبير: الأقرب أن تحمل الآية على عمومها، فكل من آمن بآيات الله  يدخل تحت هذا التشريف والإكرام ثم أبدى إشكالاً وهو أن المفسرين اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من جميع آي هذه السورة إنها نزلت بسبب الأمر الفلاني؟

قلت: لا استبعاد في أن تنزل السورة دفعة وينزل الصحابة كل آية منها على واقعة تناسبها، كيف وهم أعرف بحقائق التنزيل وأعلم بدقائق التأويل لأنهم أهل مشاهدة الوحي وأرباب مزاولة الأمر والنهي؟!

واعلم أن ما سوى الله  فهو آيات وجود الله،وأنها لا تكاد تنحصر فيجب على المكلف أن يكون مدة حياته كالسابح في تلك البحار والسائح في هذه القفار ليكون دائماً مترقياً في معارجها مترقباً أن تفيض عليه الأنوار من مدارجها فيستعد لبشارة ﴿ سلام عليكم ﴾ ويستأهل لكرامة ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم.

قال الزجاج: ﴿ سلام ﴾ إما مصدر "سلمت سلاماً وتسليماً" مثل: كلمت كلاماً وتكليماً.

ومعناه الدعاء بأن يسلم من الآفات في نفسه ودينه، وإما أن يكون جمع سلامة.

وقيل: السلام هو الله أي الله عليكم أي على حفظكم ولعل هذا الوجه إنما يتأتى في المعرف لا في المنكر.

﴿ كتب ربكم ﴾ من جملة المقول لهم تبشيراً بسعة رحمة الله وقبوله التوبة.

ومعنى كتب على نفسه أوجب على ذاته إيجاب الكرم لا إيجاباً يستحق بتركه الذم.

وقالت المعتزلة: كونه عالماً بقبح القبائح وباستغنائه عنها يمنعه عن الإقدام عليها ولو فعل كان ظلماً، وإيجاب الرحمة ينافي القول بأنه منع الكافر من الإيمان ثم أمره حال ذلك المنع بالإيمان ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان، وأجيب بأنه فاعل لما يشاء ولا اعتراض عليه.

﴿ أنه من عمل ﴾ من قرأ بالفتح فعلى الإبدال من الرحمة، ومن قرأ بالكسر فعلى الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: إنه من عمل ﴿ منكم سوءاً بجهالة ﴾ وهو في موضع الحال أي عمله وهو جاهل.

والمراد أنه فاعل فعل الجهال لأن من عمل ما يضره في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه لا من أهل الحكمة والتدبير، أو أنه جاهل بعاقبته ومن حق الحكيم أن لا يقدم على ما لا يعرف مآل حاله.

﴿ ثم تاب من بعده ﴾ بأن يندم على ما فعله ﴿ وأصلح ﴾ العمل في المستقبل ﴿ فأنه غفور ﴾ يزيل العقاب عنه ﴿ رحيم ﴾ يوصل الثواب إليه من قرأ بالكسر فعلى: أن الجملة جزاء للشرط، ومن قرأ بالفتحفعلى أن الخبر أو المبتدأ محذوف أي فغفرانه كائن أو فأمره أنه غفور.

قيل: إن الآية نزلتفي عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما طلبوا ولم يعلم أنها مفسدة.

﴿ وكذلك ﴾ أي كما فصلنا في هذه السورة دلائلنا على التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ﴿ نفصل الآيات ﴾ ونميزها لك في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل ﴿ وليستبين ﴾ معطوف على محذوف كأنه قيل: ليظهر الحق وليستبين، أو معلق بمحذوف أي وليستبين سبيل المجرمين فصلنا ذلك التفصيل البين.

من رفع "السبيل" قرأ ﴿ ليستبين ﴾ بالياء أو بالتاء لأن السبيل يذكر ويؤنث، ومن نصب السبيل قرأ ﴿ لتستبين ﴾ بتاء الخطاب مع الرسول يقال: استبان الأمر وتبين واستبنته وتبينته واستبانة سبيل المجرمين تستلزم استبانة طريق المحقين، فلذلك اقتصر على أحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ ولم يذكر البرد.

وإنما ذكر المجرمين دون المحقين لأن طريق الحق واحد والمجرمون أصناف يشتبه أمرهم، فمنهم من هو مطبوع على قلبه، ومنهم من يرجى فيهم قبول الإسلام، ومنهم من دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده فينبغي أن يستوضح سبيلهم ليعامل كلاً منهم بما يجب، ومن جملة ذلك أنه نهى عن عبادة معبوداتهم وذلك قوله ﴿ قل إني نهيت ﴾ أي صرفت بدلائل العقلية والسمعية ﴿ أن أعبد الذين تدعون ﴾ تعبدون ﴿ من دون الله قل لا أتبع أهواءكم ﴾ لأن عبادة المصنوع والمخلوف محض التقليد وعين الهواى ﴿ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ﴾ أثبت الضلال إذ ذاك ونفى الهدى مع أنهما متلازمان للتقرير والتأكيد، وفيه تعريض بهم أنهم كذلك.

ثم نبه على ما يجب اتباعه بقوله ﴿ قل إني على بينة من ربي ﴾ على حجة واضحة من مغفرة ربي وأنه لا معبود سواه ﴿ وكذبتم ﴾ أنتم به حيث أشركتم به غيره.

يقال: أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه إذا كان ثابتاً عنده بدليل.

وقيل: أي على حجة من جهة ربي وهي القرآن ﴿ وكذبتم به ﴾ أي بالبينة وذكر الضمير على تأويل القرآن أو البيان.

﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء  ﴾ قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحرث ورؤساء قريش كانوا يقولون: يا محمد آتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم.

﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ مطلق يتناول الكل.

فقال الأشاعرة: لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله  فيمتنع منه فعل الكفر إلا بإرادة الله، واحتجت المعتزلة بقوله ﴿ يقضي الحق ﴾ أي كل ما قضى به فهو الحق، وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس بحق.

ويمكن أن يقال: إن جميع أحكامه حق وصدق ولا اعتراض لأحد عليه بحكم المالكية.

وانتصاب ﴿ الحق ﴾ على أنه صفة مصدر أي يقضي القضاء الحق، أو مفعول به من قولهم: قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره.

ومثله من قرأ ﴿ يقصر الحق ﴾ كقوله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص  ﴾ أي يقول الحق أو يتبعه من قص أثره ﴿ وهو خير الفاصلين ﴾ أي القاضي، وإنما كتب ﴿ يقض ﴾ في المصاحف بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، وليوافق قراءة ﴿ يقص ﴾ ﴿ قل لو أن عندي ﴾ أي في قدرتي وإمكاني ﴿ ما تستعجلون ﴾ من العذاب ﴿ لقضي الأمر ﴾ أمر الإهلاك ﴿ بيني وبينكم ﴾ عاجلاً غضباً لربي ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ فيؤخر عقابهم إلى وقته وأنا لا أعلم ما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره.

فإن قلت: أما يناقض هذا قوله ﴿ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا  ﴾ فإن استعجال الهلاك ينافي الحرص على الإيمان، لأن من حرص على إيمان أحد حرص على طول حياته طمعاً في إيمانه.

قلت: لا، بل يؤكده لاشتراك كل من الحكمين في الاستعجال اللازم للبشرية في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولا  ﴾ ثم بين  أعلميته بقوله على سبيل الاستعارة ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ أراد أن المتوصل إلى المغيبات وحده كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها ولم يمنعه من ذلك مانع، والمفاتح جمع مفتح وهو المفتاح، أو جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن، قال الحكيم في بيانه: إن العلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول وكل ما سوى الواجب فإنه موجود بإيجاده وتكوينه بواسطة أو بوسائط، فعلمه بذاته يوجب العلم بجميع آثاره على ترتيبها المعتبر - كليات كانت أو جزيئات - وعلمه بذاته لم يحصل إلا لذاته فصح ان يقال: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.

وفيه أنه لا ضد له ولا ند إذ لو كان في الوجود واجب آخر لكانت مفاتح الغيب حاصلة أيضاً عنده فيبطل هذا الحصر، ولا يمكن أن تكون هذه المفاتح عند شيء من الممكنات لأن المحاط لا يحيط بمحيطه فلا يحيط ما دون الواجب بالواجب، فلا يكون المفتاح الأوّل للعلم بجميع المعلومات إلا عنده.

ثم إن قوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ قضية معقولة مجردة، والإنسان الذي يقوي على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جداً والقرآن إنما نزل لينتفع به جميع الناس فذكر من الأمور المحسوسة الداخلة تحت تلك القضية الكلية أمثالاً لها ليعين الحس العقل فقال ﴿ ويعلم ما في البر والبحر ﴾ لأن ذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظيمة لذلك المعقول، وقدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر وكثرة ما فيه من المدن والقرى والجبال والتلال والمعادن والنبات والحيوان، وأما البحر فإحاطة الحس بأحواله أقل مع كثرة ما فيها من العجائب والغرائب أيضاً.

ثم أفرد من هذه المحسوسات قسماً فقال ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ﴾ أي لا يتغير حال ورقة إلا والحق يعلمها.

ثم عدل عن التعجيب من كثرة المدركات إلى التعجيب من صغر المدرك وخفائه فقال ﴿ ولا حبة في ظلمات الأرض ﴾ وفي تخصيص الحبة والورقة تنبيه للمكلفين على أمر الحساب لأنه إذا كان بحيث لا يهمل أمر الأشياء التي ليس لها ثواب ولا عقاب فلأن لا يهمل أمر المكلفين أولى.

ثم عاد إلى ذكر القضية الكلية المجردة بعبارة أخرى فقال ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ قال في الكشاف: ولا حبة ولا رطب ولا يابس عطف على ورقة وداخل في حكمها كأنه قيل: وما يسقط شيء من هذه الأشياء إلا وهو يعلمه.

وقوله ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ إلا يعلمها ﴾ ومعنى ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ واحد.

والكتاب المبين علم الله أو اللوح.

قال علماء التفسير: يجوز أن يكون الله جل شأنه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق لتقف الملائكة على نفاذ علمه في المعلومات وأنه لا يغيب عنه شيء، فيكون في ذلك عبرة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في العالم فيجدونه موافقاً له.

أو لأنه إذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع تغيرها وإلا لزم الكذب أو الجهل فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب سبباً تاماً في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم.

ثم لما بين كمال علمه أردفه ببيان كمال قدرته بقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم ﴾ أي يتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز.

وذلك أن الأرواح الجسمانية تغور حالة النوم من الظاهر إلى الباطن فتتعطل الحواس عن بعض الاعمال، وأما عند الموت فتصير جملة البدن معطلة عن كل الأعمال فلهذا كان النوم أخا الموت فصح إطلاق لفظ الوفاة على النوم من هذا الوجه ﴿ ويعلم ما جرحتم ﴾ أي ما كسبتم من العمل بالنهار ومنه الجوارح للأعضاء وللسباع ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ أي يردّ إليكم أرواحكم بالنهار ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ أي أعماركم المكتوبة.

وقضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت.

ثم لما ذكر أنه يميتهم أولاً ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جارياً مجرى الإحياء بعد الإماتة فلا جرم استدل بذلك على صحة البعث في القيامة فقال ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ في ليلكم ونهاركم وجميع أحوالكم وأوقاتكم.

واعلم أن في هذه الآية إشكالاً لأن قوله ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ كان ينبغي أن يكون بعد قوله ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ فإن البعث في النهار مقدم على الكسب فيه بل على تعلق العلم بالكسب.

ويمكن أن يجاب بأن المراد ويعلم ما جرحتم في النهار الماضي بدليل قوله ﴿ جرحتم ﴾ دون "تجرحون" ثم يبعثكم في النهار الآتي.

والغرض بيان إحاطة علمه وقدرته بالزمانين المحيطين بالليل.

ولعل صاحب الكشاف لمكان هذا الإشكال عدل عن هذا التفسير إلى أن قال: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ والخطاب للكفرة أي أنتم منسدحون الليل كالحيف.

والانسداح الانبطاح أو الاستلقاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ ما كسبتم من الآثام فيه ﴿ ثم يبعثكم ﴾ من القبور ﴿ فيه ﴾ أي في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام في النهار ومن أجله كقولك: فيم دغوتني؟

فيقول: في أمر كذا ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم ﴿ ثم إليه مرجعكم ﴾ وهو المرجع إلى موقف الحساب.

والأصوب عندي أن يقال: الخطاب عام، وكذا الكسب في النهار فينبغي أن لا يقيد بالآثام.

أما الضمير في ﴿ فيه ﴾ فيكون جارياً مجرى اسم الإشارة إلى الكسب.

والبعث هو البعث من القبور إلى آخر ما قال والله علم.

التأويل: ﴿ وأنذر به ﴾ أي بهذه الحقائق والمعاني ﴿ الذين يخافون ﴾ أي يرجون ﴿ أن يحشروا إلى ربهم ﴾ بجذبات العناية ويتحقق لهم أن ﴿ ليس لهم ﴾ في الوصول إلى الله ﴿ من دونه ولي ﴾ من الأولياء ﴿ ولا شفيع ﴾ يعني من الأنبياء، لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق.

﴿ ولا تطرد الذين يدعون ﴾ أخبر عن الفقراء أنهم جلساؤه بالغداة والعشي كما قال "أنا جليس من ذكرني" فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك لا يريدون الدنيا ولا الآخرة ولكن يريدون وجهه.

وكل له سؤل ودين ومذهب *** ووصلكم سؤلي وديني رضاكم قال المحققون: الإرادة اهتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصلإلى الله.

فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ولا يجد من دون الوصول إلى الله  سكوناً ولا قراراً ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ يعني الذي لنا معك في الحساب من المواصلة والتوحيد في الخلوة فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك ثقلاً ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ أي الذي لنا معهم في الحساب من التفرد للوصول والوصال ليس لك إلى ذلك حاجة ليثقل عليهم ﴿ فتطردهم ﴾ فتكسر قلوبهم بالطرد ﴿ فتكون من الظالمين ﴾ بوضع الكسر مقام الجبر فإنك بعثت لجبر قلوبهم لا لكسر قلوبهم كقوله ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين  ﴾ ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ ليشكر الفاضل وليصبر المفضول فيستويان في الفضل فلهذا قيل: لسليمان ولأيوب كليهما: نعم العبد.

مع قدرة سليمان على أسباب الطاعة وعجز أيوب عنها.

ومن فتنة الفاضل في المفضول رؤية فضله على المفضول أو تحقيره، ومنع حقه عنه في فضله، ومن فتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخطه عليه في منع حقه من فضله عنه، فإن المعطي والمانع هو الله.

ومنه أن لا يرىالفاضل مستحقاً للفضل ليقولوا ﴿ أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إنه  من كمال فضله على الفقراء حملهم محمل الأكابر والملوك في الدنيا فقال لنبيه  : "كن مبتدئاً بالسلام عليهم وفي الآخرة فألهم الملائكة أن يسلموا عليهم في الجنة" { ﴿ سلام عليكم طبتم  ﴾ بل سلم بذاته عليهم ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ وكل ذلك نتيجة سلامتهم من ظلمة الخلقة بإصابة رشاش النور في الأزل فلهذا قال ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ أي الرحمة الخاصة كما خص الخضر في قوله ﴿ وآتيناه رحمة من عندنا  ﴾ والرحمة العامة كما في الحديث الرباني للجنة "إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" ﴿ أنه من عمل منكم ﴾ أي من المؤمنين ﴿ سوءاً بجهالة ﴾ أي بجهالة الجهولية التي جبل الإنسان عليها لا بجهالة الضلالة التي هي نتيجة إخطاء النور فإن هذه لا توبة لها ﴿ ثم تاب من بعده ﴾ أي رجع إلى الله بقدم السير من بعد إفساد الاستعداد الفطري وأصلح الاستعداد بالأعمال الصالحة لقبول الفيض.

﴿ قل إني نهيت ﴾ في الأزل بإصابة النور المرشش.

﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ من عبادة الهوى ﴿ لقضي الأمر ﴾ يعني أمر القتال والخصومات ولاسترحت من أذيتكم لأن الشيء إنما ينفعل عن ضده لا عن شبيهه ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ يعني العلوم العقلية التي هي سبب فتح باب صور عالم الشهادة كالنقاش ينشيء الصور في ذهنه ثم يصوّرها في الخارج.

وإنما وحد الغيب وجمع المفاتح لأن عالم الغيب عالم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة يعلم التكوين ﴿ ويعلم ما في البر ﴾ وهو عالم الشهادة ﴿ والبحر ﴾ وهو عالم الغيب ﴿ و ﴾ بهذا العلم ﴿ ما تسقط من ورقة ﴾ عن شجرة الوجود ﴿ إلا يعلمها ﴾ لأنه مكونها ومسقطها ﴿ ولا حبة ﴾ هي حبة الروح ﴿ في ظلمات ﴾ صفات أرض النفس، أو حبة المحبة في ظلمات أرض القلب ﴿ ولا رطب ولا يابس ﴾ الرطب المؤمن، واليابس ما سيصير موجوداً وما قد صار.

أو الرطب الروحانيات.

واليابس الجمادات.

أو الرطب المؤمن، واليابس الكافر.

أو الرطب العالم، واليابس الجاهل.

أو الرطب العارف، واليابس الزاهد.

أو الرطب أهل المحبة، واليابس أهل السلوة.

أو الرطب صاحب الشهود، اليابس صاحب الوجود.

أو الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنصيبه ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ ليل القضاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ نهار القدر أو الليل، ليل صفات البشرية والنهار نهار الشهود في عالم الوحدة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ هذا يدل على أن النهي عن الطرد ليس للإبعاد خاصة في المجلس، ولكن في كل شيء في بشاشة الوجه واللطف في الكلام وفي كل شيء؛ لأنه قال ﴿ فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ قال بعضهم ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ هو أن يبدأهم بالسلام فذلك الذي كتب على نفسه الرحمة.

وقال بعضهم قوله ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ أي: لم يأخذهم في أول ما وقعوا في المعصية ولكن أمهلهم إلى وقت وجعل لهم المخرج من ذلك بالتوبة وعلى ذلك ما روي عن ابن عباس -  - أنه قال: "فتح الله للعبد التوبة إلى أن يأتيه الموت".

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي: كل من عمل سوءاً بجهالة ثم تاب من بعد ذلك وأصلح أنه يغفر له ما كان منه.

ومن قرأها بالنصب عطفه على قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لذلك.

وجائز أن يكون قوله ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ أي: كتب على خلقه الرحمة أن يرحم بعضهم بعضاً.

وجائز ما ذكرنا أنه كتب على نفسه الرحمة أي: أوجب أن يرحم ويغفر لمن تاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ﴾ جائز أن يكون الآية في الكافر إذا تاب يغفر الله له ما كان منه في حال الكفر والشرك كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ...

 ﴾ الآية، وقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

وجائز أن تكون في المؤمنين.

ثم ذكر عملا بجهالة وإن لم يكن يعمل بالجهل لأن الفعل فعل الجهل وإن كان فعله لم يكن على الجهل؛ وكذلك ما ذكر من النسيان والخطأ في الفعل؛ لأن فعله فعل ناس وفعل مخطىء وإن لم يفعله الكافر على النسيان والخطأ، وإلا لو كان على حقيقة الخطأ والنسيان لكان لا يؤاخذ به؛ لقوله ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ  ﴾ لكن الوجه ما ذكرنا أن الفعل فعل نسيان وخطأ وإن لم يكن ناسياً ولا مخطئاً فيه، وعلى ذلك [الفعل] فعل جهل وإن لم يكن جاهلا والفعل فعل جهل وإن لم يكن بالجهل، والمؤمن جميع ما يتعاطى من المساوي يكون لجهالة؛ لأنه إنما يعمل السوء إما لغلبة شهوة أو للاعتماد على كرم ربه بالعفو عنه والصفح عن ذلك ويعمل السوء على نية التوبة والعزم عليها في آخره.

على هذه الوجوه الثلاثة يقع المؤمن في المعصية وأما على التعمد فلا يعمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ قرئ بالياء والتاء جميعاً.

فمن قرأ بالتاء نصب السبيل بجعل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه سلم، أي: لتعرف سبيل المجرمين.

ومن قرأ بالياء رفع "السبيل" كأنه قال نفصل الآيات وجوهاً.

أي: نبين الآيات ما يعرف السامعون أنها آيات من عند الله غير مخترعة من عند الخالق ولا مفتراة ما يبين سبيل المجرمين من سبيل المهتدين.

والثاني: نفصل الآيات ما بالخلق حاجة إليها وإلى معرفتها.

والثالث: نبين من الآيات ما بين المختلفين، أي: بين سبيل المجرمين وبين سبيل المهتدين.

﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ تأويله ما ذكرنا أن من قرأ بالتاء حمله على خطاب رسول الله  أي: نبين من الآيات لتعرف سبيل المجرمين بالنصب.

ومن قرأ بالياء نبين من الآيات ليتبين سبيل المجرمين من سبيل غير المجرمين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ معناه - والله أعلم -: إني نهيت بما أكرمت من العقل واللب أن أعبد الذين تعبدون من دون الله.

أو يقول: إني نهيت بما أكرمت من الوحي والرسالة أن أعبد الذين تدعون من دون الله.

﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ ثم أخبر أن ما يعبدون هم من دون الله إنما يعبدونه اتباعاً لهوى أنفسهم وأن ما يعبده هو ليس يتبع هوى نفسه، ولكن إنما يتبع الحجة والسمع وما يستحسنه العقل؛ ألا ترى أنه قال ﴿ قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي ﴾ أي: على حجة من ربي؟!

يخبر أن ما يعبده هو يعبده اتباعاً للحجة والعقل، وما يعبدون اتباعاً لهوى أنفسهم، وما يتبع بالهوى يجوز أن يترك أتباعه ويتبع غيره لما تهوى نفسه هذا ولا تهوى الأول وأما ما يتبع بالحجة والسمع وما يستحسنه العقل فإنه لا يجوز أن يترك اتباعه ويتبع غيره وفيه تعريض بسفههم؛ لأنه قال ﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ أي: لو اتبعت هواكم لضللت أنا، وأنتم إذا اتبعتم أهواءكم لعبادتكم غير الله ضلال ولستم من المهتدين؛ فهو تعريض بالتسفيه لهم والشتم منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ قيل: على بيان من ربي وحجة، وقيل على دين من ربي.

وقوله عز وجل ﴿ وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ قيل بالقرآن، وقيل: العذاب ما أوعدتكم ويحتمل كذبتم ما وعدتكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ أي: العذاب كقوله -  -: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ  ﴾ وغيره فقال ما عندي ما تستعجلون به من العذاب.

ثم هذا يدل على أن قوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ أن المراد بالخزائن العذاب أي: ليس عندي ذلك، إنما ذلك إلى الله وعنده ذلك وهو قوله: ﴿ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ ﴾ ، أي: ما الحكم والقضاء إلا لله.

﴿ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ ﴾ اختلف في تلاوته وتأويله: قرأ بعضهم بالضاد وآخرون بالصاد.

فمن قرأ بالصاد ﴿ يَقُصُّ ﴾ يقول يبين الحق؛ لأن القصص هو البيان.

وقال آخر ﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ ﴾ أي: خير المبينين.

ومن قرأ بالضاد يقول يقضي بحكم.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم أي: يقضي بالحق وكذلك روي في حرف ابن مسعود  أنه قرأ (يقضي بالحق) وقيل فيه إضمار، أي: يقضي ويحكم وحكمه الحق.

﴿ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ ﴾ أي: القاضين والفصل والقضاء واحد؛ لأنه بالقضاء يفصل والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ عن ابن عباس -  -: ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ لأهلكتكم.

وقيل: ﴿ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ ، أي: لعجلته لكم بالقضاء [فيما بيننا، يخبر] عن رحمة الله وحلمه، أي: لو كان بيدي لأرسلته عليكم، لكن الله بفضله ورحمته يؤخر ذلك عنكم.

ثم فيه نقض على المعتزلة في قولهم بأن الله لا يفعل بالعبد إلا الأصلح في الدين؛ لأنه قال: ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ ، ثم لا يحتمل أن تأخير العذاب والهلاك خير لهم وأصلح، ثم هو يهلكهم ويكون عظة لغيرهم وزجراً لهم، ثم إن الله -  - أخر ذلك العذاب عنهم وإن كان فيه شر لهم؛ فدل أن الله قد يفعل بالعبد ما ليس ذلك بأصلح له في الدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

أي: عليم بمن الظالم منا؟

وهم كانوا ظلمة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: إني نهاني الله عن عبادة الذين تعبدونهم من دون الله، قل -أيها الرسول-: لا أتبع أهواءكم في عبادة غير الله، فأنا إن اتبعت أهواءكم في ذلك أكون ضالًّا عن طريق الحق، لا أهتدي إليه، وهذا شأن كل من اتبع الهوى دون برهان من الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.OaoWJ"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله