الآية ٥٩ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٥٩ من سورة الأنعام

۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ ٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 122 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٩ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٩ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) قال البخاري : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) [ لقمان : 34 ] .

وفي حديث عمر [ رضي الله عنه ] أن جبريل حين تبدى له في صورة أعرابي فسأل عن الإسلام والإيمان والإحسان ، قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قال له : " خمس لا يعلمهن إلا الله " ، ثم قرأ : ( إن الله عنده علم الساعة ) الآية [ لقمان : 34 ] .

وقوله : ( ويعلم ما في البر والبحر ) أي : يحيط علمه الكريم بجميع الموجودات ، بريها وبحريها لا يخفى عليه من ذلك شيء ، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء .

وما أحسن ما قال الصرصري : فلا يخفى عليه الذر إما تراءى للنواظر أو توارى وقوله : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) أي : ويعلم الحركات حتى من الجمادات ، فما ظنك بالحيوانات ، ولا سيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم ، كما قال تعالى : ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) [ غافر : 19 ] .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الحسن بن الربيع ، حدثنا أبو الأحوص ، عن سعيد بن مسروق ، عن حسان النمري عن ابن عباس في قوله : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) قال : ما من شجرة في بر ولا بحر إلا وملك موكل بها ، يكتب ما يسقط منها .

وقوله : ( ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يا بس إلا في كتاب مبين ) قال محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن النضر ، عن أبيه سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : إن تحت الأرض الثالثة وفوق الرابعة من الجن ما لو أنهم ظهروا - يعني لكم - لم تروا معهم نورا ، على كل زاوية من زوايا الأرض خاتم من خواتيم الله ، عز وجل ، على كل خاتم ملك من الملائكة يبعث الله ، عز وجل ، إليه في كل يوم ملكا من عنده : أن احتفظ بما عندك .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري : حدثنا مالك بن سعير ، حدثنا الأعمش ، عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث قال : ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة إلا عليها ملك موكل يأتي الله بعلمها : رطوبتها إذا رطبت ، ويبسها إذا يبست .

وكذا رواه ابن جرير ، عن أبي الخطاب زياد بن عبد الله الحساني ، عن مالك بن سعير ، به ثم قال ابن أبي حاتم : ذكر عن أبي حذيفة ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن قيس ، عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق الألواح ، فكتب فيها أمر الدنيا حتى ينقضي ما كان من خلق مخلوق ، أو رزق حلال أو حرام ، أو عمل بر أو فجور وقرأ هذه الآية : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) إلى آخر الآية .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قال أبو جعفر: يقول: وعند الله مفاتح الغيب.

(29) و " المفاتح ": جمع " مِفْتَح ", يقال فيه: " مِفْتح " و " مِفْتَاح ".

فمن قال: " مِفْتَح "، جمعه " مفاتح ", ومن قال: " مفتاح "، جمعه " مفاتيح " .

* * * ويعني بقوله: " وعنده مفاتح الغيب "، خزائن الغيب, كالذي:- 13305- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وعنده مفاتح الغيب "، قال، يقول: خزائن الغيب.

13306- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن مسعر, عن عمرو بن مرة, عن عبد الله بن سلمة, عن ابن مسعود قال: أعطي نبيُّكم كل شيءٍ إلا مفاتح الغيب.

(30) 13307 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس: " وعنده مفاتح الغيب "، قال: هن خمس: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَـزِّلُ الْغَيْثَ إلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [سورة لقمان: 34] .

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: والله أعلم بالظالمين من خلقه، وما هم مستحقُّوه وما هو بهم صانع, فإنّ عنده علم ما غاب علمه عن خلقه فلم يطلعوا عليه ولم يدركوه، ولن يعلموه ولن يدركوه (31) =" ويعلم ما في البر والبحر "، يقول: وعنده علم ما لم يغب أيضًا عنكم, لأن ما في البر والبحر مما هو ظاهر للعين، يعلمه العباد.

فكأن معنى الكلام: وعند الله علم ما غابَ عنكم، أيها الناس، مما لا تعلمونه ولن تعلموه مما استأثرَ بعلمه نفسَه, ويعلم أيضًا مع ذلك جميع ما يعلمه جميعُكم, لا يخفى عليه شيء, لأنه لا شيءَ إلا ما يخفى عن الناس أو ما لا يخفى عليهم.

فأخبر الله تعالى ذكره أن عنده علم كل شيء كان ويكون، وما هو كائن مما لم يكن بعد, وذلك هو الغيب.

(32) * * * القول في تأويل قوله : وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولا تسقط ورقةٌ في الصحاري والبراري، ولا في الأمصار والقرى، إلا الله يعلمها =" ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين "، يقول: ولا شيء أيضًا مما هو موجود، أو ممّا سيوجد ولم يوجد بعد, إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ, مكتوبٌ ذلك فيه، ومرسوم عددُه ومبلغه، والوقت الذي يوجد فيه، والحالُ التي يفنى فيها.

ويعني بقوله: " مبين "، أنه يبين عن صحة ما هو فيه، بوجود ما رُسم فيه على ما رُسم.

(33) * * * فإن قال قائل: وما وجهُ إثباته في اللوح المحفوظ والكتاب المبين، ما لا يخفى عليه, وهو بجميعه عالم لا يُخَاف نسيانَه؟

قيل له : لله تعالى ذكره فعل ما شاء.

وجائز أن يكون كان ذلك منه امتحانًا منه لحفَظَته، واختبارًا للمتوكلين بكتابة أعمالهم, فإنهم فيما ذُكر مأمورون بكتابة أعمال العباد، ثم بعرضها على ما أثبته الله من ذلك في اللوح المحفوظ, حتى أثبت فيه ما أثبت كل يوم.

وقيل إن ذلك معنى قوله: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [سورة الجاثية: 29] .

وجائز أن يكون ذلك لغير ذلك مما هو أعلم به, إمّا بحجة يحتج بها على بعض ملائكته، وأما على بني آدم وغير ذلك، وقد:- 13308 - حدثني زياد بن يحيى الحسّاني أبو الخطاب قال، حدثنا مالك بن سعير قال، حدثنا الأعمش, عن يزيد بن أبي زياد, عن عبد الله بن الحارث قال: ما في الأرض من شجرة ولا كمغرِز إبرة, إلا عليها ملك موكّل بها يأتي الله بعلمها: (34) يبسها إذا يبست، ورطوبتها إذا رَطبت.

(35) * * * --------------- الهوامش : (29) في المطبوعة: "يقول: وعنده مفاتح الغيب" ، والصواب ما في المخطوطة.

(30) الأثر: 13306 -"عبد الله بن سلمة المرادي" ، تابعي ثقة ، من فقهاء الكوفة بعد الصحابة.

مضى برقم: 12398.

وهذا خبر الإسناد ، رواه أحمد في مسنده: 3659 ، انظر شرح أخي السيد أحمد لهذا الخبر هناك.

(31) في المطبوعة: "ولم يعلموه ، ولن يدركوه" ، وفي المخطوطة: "ولم يعلموه ولا يدركوه" ، والصواب الدال عليه السياق ، هو ما أثبته.

(32) انظر تفسير"الغيب" فيما سلف ص: 371 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(33) انظر تفسير"مبين" فيما سلف من فهارس اللغة (بين).

(34) في المطبوعة: "يأتي الله يعلمه يبسها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب ، وهذا عبث من الناشر.

(35) الأثر: 13308 -"زياد بن يحيى بن زياد بن حسان الحساني النكري" ، أبو الخطاب ، ثقة ، روى له الستة.

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1/2/549.

هذا ، وقد جاء في المخطوطة وتفسير ابن كثير"زياد بن عبد الله الحساني أبو الخطاب" ، وهو خطأ لا شك فيه ، فإن الذي يروي عن"مالك بن سعير" هو"زياد بن يحيى الحساني ، أبو الخطاب" ، فضلا عن أنه ليس في الرواة من يسمى"زياد بن عبد الله الحساني أبو الخطاب".

و"مالك بن سعير بن الخمس التميمي" ، قال أبو زرعة وأبو حاتم: "صدوق" ، وضعفه أبو داود ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وهو مترجم في التهذيب ، والبخاري في الكبير 4/1/315 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وابن أبي حاتم 4/1/209.

و"يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي" هو مولى"عبد الله بن الحارث" ، مضى مرارًا ، آخرها رقم: 12740.

و"عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم" ، هو"ببة" ، ثقة ، مضى برقم: 12740.

وهذا الخبر ، ذكره ابن كثير في تفسيره من طريق ابن أبي حاتم ، عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري ، عن مالك بن سعير ، بمثله.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 15 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وأبي الشيخ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَجاء في الخبر أن هذه الآية لما نزلت نزل معها اثنا عشر ألف ملك .وروى البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عيه وسلم قال : ( مفاتح الغيب خمس لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ) .وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية ; والله تعالى يقول : " قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله " [ النمل : 65 ] .ومفاتح جمع مفتح , هذه اللغة الفصيحة .و يقال : مفتاح ويجمع مفاتيح .وهي قراءة ابن السميقع " مفاتيح " .والمفتح عبارة عن كل ما يحل غلقا , محسوسا كان كالقفل على البيت أو معقول كالنظر وروى ابن ماجه في سننه وأبو حاتم البستي في صحيحه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه ) .وهو في الآية استعارة عن التوصل إلى الغيوب كما يتوصل في الشاهد بالمفتاح إلى المغيب عن الإنسان ; ولذلك قال بعضهم : هو مأخوذ من قول الناس افتح علي كذا ; أي أعطني أو علمني ما أتوصل إليه به .فالله تعالى عنده علم الغيب , وبيده الطرق الموصلة إليه , لا يملكها إلا هو , فمن شاء إطلاعه عليها أطلعه , ومن شاء حجبه عنها حجبه .ولا يكون ذلك من إفاضته إلا على رسله ; بدليل قوله تعالى : " وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء " [ آل عمران : 179 ] وقال : " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول " [ الجن : 26 - 27 ] .الآية وقيل : المراد بالمفاتح خزائن الرزق ; عن السدي والحسن .مقاتل والضحاك : خزائن الأرض .وهذا مجاز , عبر عنها بما يتوصل إليها به .وقيل : غير هذا مما يتضمنه معنى الحديث أي عنده الآجال ووقت انقضائها .وقيل : عواقب الأعمار وخواتم الأعمال ; إلى غير هذا من الأقوال .والأول المختار .والله أعلم .قال علماؤنا : أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من كتابه إلا من اصطفى من عباده .فمن قال : إنه ينزل الغيث غدا وجزم فهو كافر , أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا .وكذلك من قال : إنه يعلم ما في الرحم فهو كافر ; فإن لم يجزم وقال : إن النوء ينزل الله به الماء عادة , وأنه سبب الماء عادة , وأنه سبب الماء على ما قدره وسبق في علمه لم يكفر ; إلا أنه يستحب له ألا يتكلم به , فإن فيه تشبيها بكلمة أهل الكفر , وجهلا بلطيف حكمته ; لأنه ينزل متى شاء , مرة بنوء كذا , ومرة دون النوء ; قال الله تعالى : ( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب ) على ما يأتي بيانه في " الواقعة " إن شاء الله .قال ابن العربي : وكذلك قول الطبيب : إذا كان الثدي الأيمن مسود الحلمة فهو ذكر , وإن كان في الثدي الأيسر فهو أنثى , وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فالولد أنثى ; وادعى ذلك عادة لا واجبا في الخلقة لم يكفر ولم يفسق .وأما من ادعى الكسب في مستقبل العمر فهو كافر .أو أخبر عن الكوائن المجملة أو المفصلة في أن تكون قبل أن تكون فلا ريبة في كفره أيضا .فأما من أخبر عن كسوف الشمس والقمر فقد قال علماؤنا : يؤدب ولا يسجن .أما عدم تكفيره فلأن جماعة قالوا : إنه أمر يدرك بالحساب وتقدير المنازل حسب ما أخبر الله عنه من قوله : " والقمر قدرناه منازل " [ يس : 39 ] .وأما أدبهم فلأنهم يدخلون الشك على العامة , إذ لا يدركون الفرق بين هذا وغيره ; فيشوشون عقائدهم ويتركون قواعدهم في اليقين فأدبوا حتى يسروا ذلك إذا عرفوه ولا يعلنوا به .قلت : ومن هذا الباب أيضا ما جاء في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أتى عرافا فسأل عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ) .والعراف هو الحازر والمنجم الذي يدعي علم الغيب .وهي من العرافة وصاحبها عراف , وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها .وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم , وأسباب معتادة في ذلك .وهذا الفن هو العيافة ( بالياء ) .وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة ; قاله القاضي عياض .والكهانة : ادعاء علم الغيب .قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب ( الكافي ) : من المكاسب المجتمع على تحريمها الربا ومهور البغايا والسحت والرشا وأخذ الأجرة على النياحة والغناء , وعلى الكهانة وادعاء الغيب وأخبار السماء , وعلى الزمر واللعب والباطل كله .قال علماؤنا : وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان بإتيان المنجمين , والكهان لا سيما بالديار المصرية ; فقد شاع في رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم اتخاذ المنجمين , بل ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقه والدين فجاءوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال , واستخرجوا منهم الأموال فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل , ومن أديانهم على الفساد والضلال .وكل ذلك من الكبائر ; لقوله عليه السلام : ( لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ) .فكيف بمن اتخذهم وأنفق عليهم معتمدا على أقوالهم .روى مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس عن الكهان فقال : ( إنهم ليسوا بشيء ) فقالوا : يا رسول الله , إنهم يحدثونا أحيانا بشيء فيكون حقا !

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة فيخلطون معها مائة كذبة ) .قال الحميدي : ليس ليحيى بن عروة عن أبيه عن عائشة في الصحيح غير هذا وأخرجه البخاري أيضا من حديث أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن عن عروة عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم ) .وسيأتي هذا المعنى في " سبأ " إن شاء الله تعالى .وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِخصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات المجاورة للبشر , أي يعلم ما يهلك في البر والبحر .ويقال : يعلم ما في البر من النبات والحب والنوى , وما في البحر من الدواب ورزق ما فيها " وما تسقط من ورقة إلا يعلمها " روى يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من زرع على الأرض ولا ثمار على الأشجار ولا حبة في ظلمات الأرض إلا عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم رزق فلان بن فلان ) وذلك قوله في محكم كتابهوَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍوحكى النقاش عن جعفر بن محمد أن الورقة يراد بها السقط من أولاد بني آدم , والحبة يراد بها الذي ليس بسقط , والرطب يراد به الحي , واليابس يراد به الميت .قال ابن عطية : وهذا قول جار على طريقة الرموز , ولا يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغي أن يلتفت إليه .وقيل : المعنى " وما تسقط من ورقة " أي من ورقة الشجر إلا يعلم متى تسقط وأين تسقط وكم تدور في الهواء , ولا حبة إلا يعلم متى تنبت وكم تنبت ومن يأكلها , " وظلمات الأرض " بطونها وهذا أصح ; فإنه موافق للحديث وهو مقتضى الآية .والله الموفق للهداية .وقيل : " في ظلمات الأرض " يعني الصخرة التي هي أسفل الأرضين السابعة ." ولا رطب ولا يابس " بالخفض عطفا على اللفظ .وقرأ ابن السميقع والحسن وغيرهما بالرفع فيهما عطفا على موضع " من ورقة " ; ف " - من " على هذا للتوكيدإِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍأي في اللوح المحفوظ لتعتبر الملائكة بذلك , لا أنه سبحانه كتب ذلك لنسيان يلحقه , تعالى عن ذلك .وقيل : كتبه وهو يعلمه لتعظيم الأمر , أي اعلموا أن هذا الذي ليس فيه ثواب ولا عقاب مكتوب , فكيف بما فيه ثواب وعقاب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه الآية العظيمة، من أعظم الآيات تفصيلا لعلمه المحيط، وأنه شامل للغيوب كلها، التي يطلع منها ما شاء من خلقه.

وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، فضلا عن غيرهم من العالمين، وأنه يعلم ما في البراري والقفار، من الحيوانات، والأشجار، والرمال والحصى، والتراب، وما في البحار من حيواناتها، ومعادنها، وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها، ويشتمل عليه ماؤها.

{ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ } من أشجار البر والبحر، والبلدان والقفر، والدنيا والآخرة، إلا يعلمها.

{ وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ } من حبوب الثمار والزروع، وحبوب البذور التي يبذرها الخلق؛ وبذور النوابت البرية التي ينشئ منها أصناف النباتات.

{ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ } هذا عموم بعد خصوص { إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } وهو اللوح المحفوظ، قد حواها، واشتمل عليها، وبعض هذا المذكور، يبهر عقول العقلاء، ويذهل أفئدة النبلاء، فدل هذا على عظمة الرب العظيم وسعته، في أوصافه كلها.

وأن الخلق -من أولهم إلى آخرهم- لو اجتمعوا على أن يحيطوا ببعض صفاته، لم يكن لهم قدرة ولا وسع في ذلك، فتبارك الرب العظيم، الواسع العليم، الحميد المجيد، الشهيد، المحيط.

وجل مِنْ إله، لا يحصي أحد ثناء عليه، بل كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده، فهذه الآية، دلت على علمه المحيط بجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الحوادث.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) مفاتح الغيب خزائنه ، جمع مفتح .

واختلفوا في مفاتح الغيب ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول : قال رسول الله : " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله ، لا يعلم ما تغيض الأرحام أحد إلا الله تعالى ، [ ولا يعلم ما في الغد إلا الله عز وجل ] ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة أحد إلا الله " .

وقال الضحاك ومقاتل : مفاتح الغيب خزائن الأرض ، وعلم نزول العذاب .

وقال عطاء : ما غاب عنكم من الثواب والعقاب .

وقيل : انقضاء الآجال ، وقيل : أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمالهم ، وقيل : هي ما لم يكن بعد ، أنه يكون أم لا يكون ، وما يكون كيف يكون ، وما لا يكون أن لو كان كيف يكون؟

وقال ابن مسعود : " أوتي نبيكم علم كل شيء إلا علم مفاتيح الغيب " .

( ويعلم ما في البر والبحر ) قال مجاهد : البر : المفاوز والقفار ، والبحر : القرى والأمصار ، لا يحدث فيهما شيء إلا يعلمه ، وقيل : هو البر والبحر المعروف ، ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) يريد ساقطة وثابتة ، يعني : يعلم عدد ما يسقط من ورق الشجر وما يبقى عليه ، وقيل : يعلم كم انقلبت ظهرا لبطن إلى أن سقطت على الأرض ، ( ولا حبة في ظلمات الأرض ) قيل : هو الحب المعروف في بطون الأرض ، وقيل : هو تحت الصخرة في أسفل الأرضين ، ( ولا رطب ولا يابس ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : الرطب : الماء ، واليابس : البادية ، وقال عطاء : يريد ما ينبت وما لا ينبت ، وقيل : ولا حي ولا ميت ، وقيل : هو عبارة عن كل شيء ، ( إلا في كتاب مبين ) يعني أن الكل مكتوب في اللوح المحفوظ .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(وعنده) تعالى (مفاتح الغيب) خزائنه أو الطرق الموصلة إلى عمله (لا يعلمها إلا هو) وهي الخمسة التي في قوله (إن الله عنده علم الساعة) الآية كما رواه البخاري (ويعلم ما) يحدث (في البر) القفار (والبحر) القرى التي على الأنهار (وما تسقط من) زائدة (ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس) عطف على ورقة (إلا في كتاب مبين) هو اللوح المحفوظ، والاستثناء بدل اشتمال من الاستثناء قبله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وعند الله -جل وعلا- مفاتح الغيب أي: خزائن الغيب، لا يعلمها إلا هو، ومنها: علم الساعة، ونزول الغيث، وما في الأرحام، والكسب في المستقبل، ومكان موت الإنسان، ويعلم كل ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة من نبتة إلا يعلمها، فكل حبة في خفايا الأرض، وكل رطب ويابس، مثبت في كتاب واضح لا لَبْس فيه، وهو اللوح المحفوظ.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يمضى السياق القرآنى مع المكذبين المتعجلين للعذاب ، فيسوق لهم صورة لعلم الله الشامل الذى لا يند عنه شىء { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ } .قال القرطبى : { مَفَاتِحُ } جمع مفتح ، ويقال مفتاح ويجمع مفاتيح ، وهى قراءة ابن السميقع ، والمفتح عبارة عن كل ما يخل غلقاً محسوساً كان كالقفل على البيت ، أو معقولا كالنظر ، وروى ابن ماجه فى سننه وأبى حاتم البستى فى صحيحه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر ، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه ، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه " ، وهو فى الآية استعارة عن التوصل إلى الغيوب كما يتوصل فى الشاهد بالمفتح إلى الغيب عن الإنسان .

ولذلك قال بعضهم هو مأخوذ من قول الناس افتح على كذا ، أى : أعطنى أو علمنى ما أتوصل إليه به فالله - تعالى - عنده علم الغيب ، وبيده الطرق الموصلة إليه لا يملكها إلا هو ، فمن شاء إطلاعه عليها أطلعه ، ومن شاء حجبه عنها حجبه .والغيب : ما غاب عن علم الناس بحيث لا سبيل لهم إلى معرفته ، وهو يشمل الأعيان المغيبة كالملائكة والجن ، ويشمل الأعراض الخفية ومواقيت الأشياء وغير ذلك .

وقدم الظرف لإفادة الاختصاص ، أى : عنده لا عند غيره مفاتيح الغيب ، وجملة " لا يعلمها إلا هو " فى موضع الحال من مفاتح ، وهى مؤكدة لمضمون ما قبلها .ومعنى { لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ } أى : لا يعلم الغيوب علماً تاماً مستقلا إلا هو - سبحانه - فأما ما أطلع عليه بعض أصفيائه من الغيوب فهو إخبار منه لهم ، فكان فى الأصل راجعاً إلى علمه هو .

قال - تعالى - { عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ } ثم بين - سبحانه - أن علمه ليس مقصوراً على المغيبات ، وإنما هو يشملها كما يشمل المشاهدات فقال : { وَيَعْلَمُ مَا فِي البر والبحر } .قال الراغب : أصل البحر كل مكان واسع جامع للماء الكثير ، وقيل إن أصله الماء الملح دون العذب وأطلق على النهر بالتوسع أو التغليب ، والبر ما يقابله من الأرض وهو ما يسمى باليابسة .وهذه الجملة معطوفة على جملة ، وعنده مفتاح الغيب ، لغفادة تعميم علمه - سبحانه - بالأشياء الظاهرة المتفاوتة فى الظهور بعد إفادة علمه بما لا يظهر الناس .وقدم ذكر البر على البحر على طريقة الترقى من الأقل إلى الأعظم ، لأن قسم البحر من الأرض أكبر من قسم البر ، وخفاياه أكثر وأعظم ، وخصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات المجاورة للبشر .ثم صرح - سبحانه - بشمول علمه لكل كلى وجزئى ، ولكل صغير وكبير ، ولكل دقيق وجليل ، فقال - تعالى - { وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرض وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } .أى : وما تسقط ورقة ما من شجرة من الأشجار ولا حبة فى باطن الأرض وأجوافها ، ولا رطب ولا يابس من الثمار أو غيرها إلا ويعلمه الله علما تاما شاملا ، لأن كل ذلك مكتوب ومحفوظ فى العلم الإلهى الثابت .وجملة { وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا } معطوفة على جملة ، ويعلم ما فى البر والبحر ، لقصد زيادة التعميم فى الجزئيات الدقيقة .والمراد بظلمات الأرض بطونها ، وكنَّى بالظلمة عن البطن لأنه لا يدرك ما فيه كما لا يدرك ما فى الظلمة .وقوله { إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } تأكيد لقوله " لا يعلمها " لأن المراد بالكتاب المبين علم الله - تعالى - الذى وسع كل شىء ، أو اللوح المحفوظ الذى هو محل معلوماته - عز وجل - .قال الإمام الرازى : قال الزجاج : يجوز أن الله - تعالى - : أثبت كيفية المعلومات فى كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال - تعالى - : { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ } ثم قال الإمام الرازى : وفائدة هذا الكتاب أمور :أحدها : أنه - تعالى - : إنما كتب هذه الأحوال فى اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علمه فى المعلومات ، وأنه لا يغيب عنه مما فى السموات والأرض شىء ، فيكون ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث فى صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقاً له .وثانيها : أنه يجوز أن يقال : أنه - تعالى - : ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تنبيها للمكلفين على أمر الحساب ، وإعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون فى الدنيا شىء ، لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التى ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف فبأن لا يهمل الأحوال المشتملة على الثواب والعقاب أولى .وثالثها : أنه - تعالى - : علم أحوال جميع الموجودات ، فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم وإلا لزم الجهل ، فإذا كتب أحوال جميع الموجودات فى ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع - أيضاً - تغييرها ، وإلا لزم الكذب ، فتصير كتابة جملة الأحوال فى ذلك الكتاب موجبا تاما ، وسببا كاملا فى أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم كما قال صلى الله عليه وسلم " جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " .ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أمور من أهمها :أن علم الله - تعالى - : محيط بالكليات والجزئيات ، وبكل شىء فى هذا الكون ، وبذلك يتبين بطلان رأى بعض الفلاسفة الذين قالوا بأن الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات .أن علم الغيب مرده إلى الله وحده ، قال الحاكم : دل قوله تعالى { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ } على بطلان قول الإمامية : إن الإمام يعلم شيئاً من الغيب " .وقال القاسمى : قال صاحب " فتح البيان " : فى هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين وغيرهم من مدعى الكشف والإلهام ما ليس من شأنهم ولا يدخل تحت قدرتهم ولا يحيط به علمهم .ولقد ابتلى الإسلام وأهله بقوم سوء من هذه الأجناس الضالة والأنواع المخذولة ، ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم سوى خطة السوء المذكورة فى قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم " من أتى كاهنا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد " قال ابن مسعود " أوتى نبيكم كل شىء إلا مفاتيح الغيب " .وروى البخارى بسنده عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مفاتيح الغيب خمس لا يعملها إلا الله .

لا يعلم أحد ما يكون فى غد إلا الله ، ولا يعلم أحد ما يكون فى الأرحام إلا الله .

ولا تعمل نفس ماذا تكسب غداً ، ولا تدرى نفس بأى أرض تموت ، ولا يدرى أحد متى يجىء المطر " .وقال القرطبى : قال علماؤنا : أضاف - سبحانه علم الغيب إلى نفسه فى غير ما آية من كتابه إلا من اصطفى من عباده ، فمن قال : إنه ينزل الغيث غدا وجزم فهو كافر ، وكذلك من قال : إنه يعلم ما فى الرحم فهو كافر .

وفى صحيح مسلم عن عائشة قالت : من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون فى غد فقد أعظم على الله الفرية؛ والله تعالى يقول : { قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله } ثم قال : وقد انقلبت الأحوال فى هذه الأزمان بإتيان المنجمين والكهان لا سيما بالديار المصرية فقد شاع فى رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم اتخاذ المنجمين ، بل ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقر والدين فلجأوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال ، واستخرجوا منهم الأموال ، فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل ، ومن أديانهم على الفساد والضلال ، وكل ذلك من الكبائر لحديث النبى صلى الله عليه وسلم " من أتى عرافا فسأله عن شىء لم تقبل له صلاة أربعين يوما " والعراف هو الحازر والمنجم الذى يدعى علم الغيب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِىَ الأمر بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ والله أَعْلَمُ بالظالمين ﴾ .

اعلم أن المعنى ﴿ لَّوْ أَنَّ عِندِى ﴾ أي في قدرتي وإمكاني ﴿ مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ من العذاب ﴿ لَقُضِىَ الأمر بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ لأهلكتكم عاجلاً غضباً لربي، واقتصاصاً من تكذيبكم به.

ولتخلصت سريعاً ﴿ والله أَعْلَمُ بالظالمين ﴾ وبما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره، والمعنى: إني لا أعلم وقت عقوبة الظالمين.

والله تعالى يعلم ذلك فهو يؤخره إلى وقته، والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البر والبحر وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس لإلا في كتاب مبين ﴾ .

اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى ﴿ والله أَعْلَمُ بالظالمين ﴾ يعني أنه سبحانه هو العالم بكل شيء فهو يعجل ما تعجيله أصلح ويؤخر ما تأخيره أصلح.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المفاتح جمع مفتح.

ومفتح، والمفتح بالكسر المفتاح الذي يفتح به والمفتح بفتح الميم الخزانة وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مفتح، قال الفراء في قوله تعالى: ﴿ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بالعصبة  ﴾ يعني خزائنه فلفظ المفاتح يمكن أن يكون المراد منه المفاتيح ويمكن أن يراد منه الخزائن، أما على التقدير الأول.

فقد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلاق والأقفال فالعالم بتلك المفاتيح وكيفية استعمالها في فتح تلك الأغلاق والأقفال يمكنه أن يتوصل بتلك المفاتيح إلى ما في تلك الخزائن فكذلك هاهنا الحق سبحانه لما كان عالماً بجميع المعلومات عبر عن هذا المعنى بالعبارة المذكورة وقرئ ﴿ مفاتيح ﴾ وأما على التقدير الثاني فالمعنى وعنده خزائن الغيب.

فعلى التقدير الأول يكون المراد العلم بالغيب، وعلى التقدير الثاني المراد منه القدرة على كل الممكنات في قوله: ﴿ وَإِن مّن شَيء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ  ﴾ وللحكماء في تفسير هذه الآية كلام عجيب مفرع على أصولهم فإنهم قالوا: ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول وأن العلم بالمعلول لا يكون علة للعلم بالعلة.

قالوا: وإذا ثبت هذا فنقول: الموجود إما أن يكون واجباً لذاته، وإما أن يكون ممكناً لذاته، والواجب لذاته ليس إلا الله سبحانه وتعالى.

وكل ما سواه فهو ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلا بتأثير الواجب لذاته وكل ما سوى الحق سبحانه فهو موجود بإيجاده كائن بتكوينه واقع بإيقاعه.

إما بغير واسطة وإما بواسطة واحدة وإما بوسائط كثيرة على الترتيب النازل من عنده طولاً وعرضاً.

إذا ثبت هذا فنقول: علمه بذاته يوجب عمله بالأثر الأول الصادر منه، ثم علمه بذلك الأثر الأول يوجب عمله بالأثر الثاني لأن الأثر الأول علة قريبة للأثر الثاني.

وقد ذكرنا أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فبهذا علم الغيب ليس إلا علم الحق بذاته المخصوصة ثم يحصل له من علمه بذاته علمه بالآثار الصادرة عنه على ترتيبها المعتبر، ولما كان علمه بذاته لم يحصل إلا لذاته لا جرم صح أن يقال: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ فهذا هو طريقة هؤلاء الفرقة الذين فسروا هذه الآية بناء على هذه الطريقة.

ثم اعلم أن هاهنا دقيقة أخرى، وهي: أن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام والكمال إلا للعقلاء الكاملين الذين تعودوا الإعراض عن قضايا الحس والخيال وألفوا استحضار المعقولات المجردة، ومثل هذا الإنسان يكون كالنادر وقوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ قضية عقلية محضة مجردة فالإنسان الذي يقوى عقله على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جداً.

والقرآن إنما أنزل لينتفع به جميع الخلق.

فهاهنا طريق آخر وهو أن من ذكر القضية العقلية المحضة المجردة، فإذا أراد إيصالها إلى عقل كل أحد ذكر لها مثالاً من الأمور المحسوسة الداخلة تحت القضية العقلية الكلية ليصير ذلك المعقول بمعاونة هذا المثال المحسوس مفهوماً لكل أحد، والأمر في هذه الآية ورد على هذا القانون، لأنه قال أولاً: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ ثم أكد هذا المعقول الكلي المجرد بجزئي محسوس فقال: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي البر والبحر ﴾ وذلك لأن أحد أقسام معلومات الله هو جميع دواب البر، والبحر، والحس، والخيال قد وقف على عظمة أحوال البر والبحر، فذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظمة ذلك المعقول.

وفيه دقيقة أخرى وهي: إنه تعالى قدم ذكر البر، لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر، وكثرة ما فيه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال، وكثرة ما فيها من الحيوان والنبات والمعادن.

وأما البحر فإحاطة العقل بأحواله أقل إلا أن الحس يدل على أن عجائب البحار في الجملة أكثر وطولها وعرضها أعظم وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب.

فإذا استحضر الخيال صورة البحر والبر على هذه الوجوه.

ثم عرف أن مجموعها قسم حقير من الأقسام الداخلة تحت قوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ فيصير هذا المثال المحسوس مقوياً ومكملاً للعظمة الحاصلة تحت قوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ ثم إنه تعالى كما كشف عن عظمة قوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب ﴾ بذكر البر والبحر كشف عن عظمة البر والبحر بقوله: ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا ﴾ وذلك لأن العقل يستحضر جميع ما في وجه الأرض من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال، ثم يستحضركم فيها من النجم والشجر ثم يستحضر أنه لا يتغير حال ورقة إلا والحق سبحانه يعلمها ثم يتجاوز من هذا المثال إلى مثال آخر أشد هيئة منه وهو قوله: ﴿ وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظلمات الأرض ﴾ وذلك لأن الحبة في غاية الصغر وظلمات الأرض موضع يبقى أكبر الأجسام وأعظمها مخفياً فيها فإذا سمع أن تلك الحبة الصغيرة الملقاة في ظمات الأرض على اتساعها وعظمتها لا تخرج عن علم الله تعالى البتة، صارت هذه الأمثلة منبهة على عظمة عظيمة وجلالة عالية من المعنى المشار إليه بقوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ بحيث تتحير العقول فيها وتتقاصر الأفكار والألباب عن الوصول إلى مباديها، ثم إنه تعالى لما قوى أمر ذلك المعقول المحض المجرد بذكر هذه الجزئيات المحسوسة فبعد ذكرها عاد إلى ذكر تلك القضية العقلية المحضة المجردة بعبارة أخرى فقال: ﴿ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ ﴾ وهو عين المذكور في قوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ فهذا ما عقلناه في تفسير هذه الآية الشريفة العالية.

ومن الله التوفيق.

المسألة الثانية: المتكلمون قالوا إنه تعالى فاعل العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان، ومن كان كذلك كان عالماً بها فوجب كونه تعالى عالماً بها والحكماء قالوا: إنه تعالى مبدأ لجميع الممكنات، والعلم بالمبدأ يوجب العلم بالأثر فوجب كونه تعالى عالماً بكلها: واعلم أن هذا الكلام من أدل الدلائل على كونه تعالى عالماً بجميع الجزئيات الزمانية وذلك لأنه لما ثبت أنه تعالى مبدأ لكل ما سواه وجب كونه مبدأ لهذه الجزئيات بالأثر.

فوجب كونه تعالى عالماً بهذه التغيرات والزمانيات من حيث إنها متغيرة وزمانية وذلك هو المطلوب.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ يدل على كونه تعالى منزهاً عن الضد والند وتقريره: أن قوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب ﴾ يفيد الحصر، أي عنده لا عند غيره.

ولو حصل موجود آخر واجب الوجود لكان مفاتح الغيب حاصلة أيضاً عند ذلك الآخر، وحينئذ يبطل الحصر.

وأيضاً فكما أن لفظ الآية يدل على هذا التوحيد، فكذلك البرهان العقلي يساعد عليه.

وتقريره: أن المبدأ لحصول العلم بالآثار والنتائج والصنائع هو العلم بالمؤثر والمؤثر الأول في كل الممكنات هو الحق سبحانه.

فالمفتح الأول للعلم بجميع المعلومات هو العلم به سبحانه لكن العلم به ليس إلا له لأن ما سواه أثر والعلم بالأثر لا يفيد العلم بالمؤثر.

فظهر بهذا البرهان أن مفاتح الغيب ليست إلا عند الحق سبحانه.

والله أعلم.

المسألة الرابعة: قرئ ﴿ ولا حبة وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ ﴾ بالرفع وفيه وجهان: الأول: أن يكون عطفاً على محل من ورقة وأن يكون رفعاً على الابتداء وخبره ﴿ إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ ﴾ كقولك: لا رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار.

المسألة الخامسة: قوله: ﴿ إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ ﴾ فيه قولان: الأول: أن ذلك الكتاب المبين هو علم الله تعالى لا غير.

وهذا هو الصواب.

والثاني: قال الزجاج: يجوز أن يكون الله جل ثناؤه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال عز وجل: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كتاب مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا  ﴾ وفائدة هذا الكتاب أمور: أحدها: أنه تعالى إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات وأنه لا يغيب عنه مما في السموات والأرض شيء.

فيكون في ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقاً له.

وثانيها: يجوز أن يقال إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تنبيهاً للمكلفين على أمر الحساب وإعلاماً بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء: لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف فبأن لا يهمل الأحول المشتملة على الثواب والعقاب أولى.

وثالثها: أنه تعالى علم أحوال جميع الموجودات فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم، وإلا لزم الجهل.

فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع أيضاً تغييرها وإلا لزم الكذب فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجباً تاماً وسبباً كاملاً في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم كما قال صلوات الله عليه: جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة، لأنّ المفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن المتوثق منها بالأغلاق والأقفال.

ومن علم مفاتحها وكيف تفتح، توصل إليها، فأراد أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده لا يتوصل إليها غيره كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها، فهو المتوصل إلى ما في المخازن.

والمفاتح: جمع مفتح وهو المفتاح.

وقرئ: ﴿ مفاتيح ﴾ ، وقيل: هي جمع مفتح- بفتح الميم- وهو المخزن.

﴿ وَلاَ حَبَّةٍ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ ﴾ عطف على ورقة وداخل في حكمها، كأنه قيل: وما يسقط من شيء من هذه الأشياء إلا يعلمه.

وقوله: ﴿ إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ ﴾ كالتكرير لقوله: ﴿ إِلاَّ يَعْلَمُهَا ﴾ لأنّ معنى ﴿ إِلاَّ يَعْلَمُهَا ﴾ ومعنى ﴿ إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ ﴾ واحد.

والكتاب المبين: علم الله تعالى، أو اللوح: وقرئ: ﴿ ولا حبةٌ ولا رطبٌ ولا يابسٌ ﴾ بالرفع.

وفيه وجهان: أن يكون عطفاً على محل ﴿ مِن وَرَقَةٍ ﴾ وأن يكون رفعاً على الابتداء وخبره ﴿ إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ ﴾ : كقولك: لا رجل منهم ولا امرأة إلاّ في الدار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ﴾ خَزائِنُهُ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وهو المَخْزَنُ أوْ ما يَتَوَصَّلُ بِهِ إلى المُغَيَّباتِ مُسْتَعارٌ مِنَ المَفاتِحِ الَّذِي هو جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ المِيمِ وهو المِفْتاحُ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «مَفاتِيحُ» والمَعْنى أنَّهُ المُتَوَصِّلُ إلى المُغَيَّباتِ المُحِيطُ عِلْمُهُ بِها.

﴿ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ ﴾ فَيَعْلَمُ أوْقاتَها وما في تَعْجِيلِها وتَأْخِيرِها مِنَ الحُكْمِ فَيُظْهِرُها عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وتَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَتُهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْلَمُ الأشْياءَ قَبْلَ وُقُوعِها.

﴿ وَيَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ عَطْفٌ لِلْأخْبارِ عَنْ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ تَعالى بِالمُشاهَداتِ عَلى الإخْبارِ عَنِ اخْتِصاصِ العِلْمِ بِالمُغَيَّباتِ بِهِ.

﴿ وَما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ﴾ مُبالَغَةً في إحاطَةِ عِلْمِهِ بِالجُزْئِيّاتِ.

﴿ وَلا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ ﴾ مَعْطُوفاتٌ عَلى ورَقَةٍ وقَوْلُهُ: ﴿ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ بَدَلٌ مِنِ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ بَدَلُ الكُلِّ عَلى أنَّ الكِتابَ المُبِينَ عِلْمُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوْ بَدَلُ الِاشْتِمالِ إنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّوْحُ وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ لِلْعَطْفِ عَلى مَحَلِّ ورَقَةٍ أوْ رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} المفاتح جمع مفتح وهو المفتاح وهى خزائن العذاب والرزق أو ما غاب عن العباد من الثواب والعقاب والآجال والأحوال جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة لأن المفاتح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلاق والأقفال ومن علم مفاتحها وكيفية فتحها توصل إليها فأراد أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده لا يتوصل إليها غيره كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها فهو المتوصل إلى ما في المخازن قيل عنده مفاتح الغيب وعندك مفاتح الغيب فمن آمن بغيبه أسبل الله الستر على عيبه {وَيَعْلَمُ مَا فِي البر} من النبات والدواب {والبحر} من الحيوان والجواهر وغيرهما {وَمَا تَسْقُطُ من

ورقة إلا يعلمها} ما للنفى ومن للاستغراق أى يعلم عددها

الأنعام (٥٩ _ ٦٣)

واحوالها قيل السقوط وبعد {وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظلمات الأرض وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ} عطف على وَرَقَةٍ وداخل في حكمها وقوله {إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ} كالتكرير لقوله إِلاَّ يَعْلَمُهَا لأن معنى إِلاَّ يَعْلَمُهَا ومعنى إلا كتاب مُّبِينٍ واحد وهو علم الله أو اللوح

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ﴾ أيْ مَفاتِيحُهُ كَما قُرِئَ بِهِ؛ فَهو جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ المِيمِ وهو كَمِفْتاحٍ آلَةِ الفَتْحِ، وقِيلَ: أنَّهُ جَمْعُ مِفْتاحٍ كَما قِيلَ في جَمْعِ مِحْرابٍ مَحارِبَ، والكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ حَيْثُ شَبَّهَ الغَيْبَ بِالأشْياءِ المُسْتَوْثَقِ مِنها بِالأقْفالِ.

وأثْبَتَ لَهُ المَفاتِيحَ تَخْيِيلًا وهي باقِيَةٌ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ، وجَعْلُها بِمَعْنى العِلْمِ قَرِينَةَ المُكْنِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً؛ بَعِيدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ تَكَلُّفُ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: الأقْرَبُ أنْ يَعْتَبِرَ هُناكَ اسْتِعارَةً مُصَرِّحَةً تَحْقِيقِيَّةً بِأنْ يُسْتَعارَ العِلْمُ لِلْمَفاتِحِ وتُجْعَلَ القَرِينَةُ الإضافَةَ إلى الغَيْبِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ مِنَ المَفاتِحِ: الخَزائِنُ فَهي حِينَئِذٍ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ المِيمِ وهو المَخْزَنُ وجَوَّزَ الواحِدِيُّ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الفَتْحِ ولَيْسَ بِالمُتَبادِرِ.

وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيِلِيَّةٌ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِإفادَةِ الحَصْرِ.

والمُرادُ بِالغَيْبِ المُغَيَّباتُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْراقِ، والمَقْصُودُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو العالِمُ بِالمُغَيَّباتِ جَمِيعِها كَما هي ابْتِداءٌ، ﴿ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿ مَفاتِحُ ﴾ ، والعامِلُ فِيها -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- ما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ أوْ نَفْسُهُ إنْ رُفِعْتَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والكَلامُ إمّا مَسُوقٌ لِبَيانِ اخْتِصاصِ المَقْدُوراتِ الغَيْبِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ العِلْمِ إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ كُلِّها بِهِ تَعالى مِن حَيْثُ القُدْرَةِ، والمَعْنى إنَّ ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ لَيْسَ مَقْدُورًا لِي حَتّى أُلْزِمَكم بِتَعْجِيلِهِ ولا مَعْلُومًا لَدَيَّ حَتّى أُخْبِرَكم بِوَقْتِ نُزُولِهِ؛ بَلْ هو مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ قُدْرَةً وعِلْمًا فَيُنْزِلُهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ، وإمّا لِإثْباتِ العِلْمِ العامِّ لَهُ سُبْحانَهُ وهو عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَعْدَ إثْباتِ العِلْمِ الخاصِّ وهو عِلْمُهُ بِالظّالِمِينَ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ مَعْنى الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالمَفاتِحِ الخَزائِنُ أنَّهُ سُبْحانَهُ القادِرُ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ وتَلا ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ الآيَةَ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا نَحْوَ ذَلِكَ، ولَعَلَّ الحَمْلَ عَلى الِاسْتِغْراقِ أوْلى، وما في الأخْبارِ يُحْمَلُ عَلى بَيانِ البَعْضِ المُهِمِّ لا عَلى دَعْوى الحَصْرِ إذْ لا شُبْهَةَ في أنَّ ما عَدا الخَمْسِ مِنَ المُغَيَّباتِ لا يَعْلَمُهُ أيْضًا إلّا اللَّهُ تَعالى ﴿ ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ وعِنْدَهُ مَفاتِحُ ﴾ إلَخْ أوْ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَهُ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ حالِيَّتِها، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها تَأْكِيدًا فَقَدْ مَنَعَهُ البَعْضُ لِأنَّ المَعْطُوفَ لا يَصْلُحُ لِلتَّأْكِيدِ ولَوْ كانَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِالمُغَيَّباتِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ المُحِقِّينَ عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ والِاخْتِصاصِ لِأنَّ عِلْمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ مُتَغايِرانِ فَلا يُؤَكِّدُ أحَدُهُما الآخَرَ، نَعَمْ قِيلَ: مَن لَمْ يَجْعَلْها مُؤَكِّدَةً جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْها فَيَكُونُ الجُمْلَتانِ مُسْتَأْنِفَتَيْنِ لِتَفْصِيلِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وشُمُولِهِ لا غَيْرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَجْمُوعُ مُؤَكِّدًا لِاشْتِمالِهِ عَلى مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ لِأنَّ لَيْسَ تَوْكِيدًا اصْطِلاحِيًّا، والمُرادُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ -كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- بَيانُ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ تَعالى بِالمُشاهَداتِ إثْرَ بَيانِ تَعَلُّقِهِ بِالمُغَيَّباتِ تَكْمِلَةً لَهُ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الكُلَّ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ المُحِيطِ سَواءٌ، والمُرادُ مِنَ (البَرِّ) الصَّحْراءُ، ومِنَ (البَحْرِ) خِلافُهُ، وفي القامُوسِ أنَّهُ الماءُ الكَثِيرُ أوِ المِلْحُ فَقَطْ ويُجْمَعُ وجَمْعُهُ أبْحُرٍ وبُحُورٍ وبِحارٍ وتَصْغِيرُهُ أُبَيْحِرٌ لا بُحَيْرٌ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِالبَرِّ القِفارُ وبِالبَحْرِ كُلُّ قَرْيَةٍ فِيها ماءٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى يَعْلَمُ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ مُفَصَّلَةً عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها وأنْواعِها وتَكَثُّرِ أفْرادِها ﴿ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ﴾ أيْ وما تَسْقُطُ ورَقَةٌ مِن أيِّ شَجَرَةٍ كانَتْ إلّا عالِمًا بِها، فَـ (مِن) زائِدَةٌ في الفاعِلِ، والجُمْلَةُ بَعْدَ إلّا في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ، وجاءَتِ الحالُ مِنَ النَّكِرَةِ لِاعْتِمادِها عَلى النَّفْيِ، والتَّفْرِيغُ في الحالِ شائِعٌ سائِغٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِلنَّكِرَةِ، والكَلامُ مَسُوقٌ كَما قِيلَ لِبَيانِ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِأحْوالِ المُشاهَداتِ المُتَغَيِّرَةِ بَعْدَ بَيانِ تَعَلُّقِهِ بِذَواتِها فَإنَّ تَخْصِيصَ حالِ السُّقُوطِ بِالذِّكْرِ لَيْسَ إلّا بِطَرِيقِ الإكْفاءِ بِذِكْرِها عَنْ ذِكْرِ سائِرِ الأحْوالِ كَما أنَّ ذِكْرَ أحْوالِ الوَرَقَةِ وما عُطِفَ عَلَيْها خاصَّةً دُونَ أحْوالِ سائِرِ ما في البَرِّ والبَحْرِ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها نِطاقُ الحَصْرِ بِاعْتِبارِ أنَّها أنَمُوذَجٌ لِأحْوالِ سائِرِها، قِيلَ: ولَعَلَّ الِاكْتِفاءَ بِحالِ السُّقُوطِ دُونَ الِاكْتِفاءِ بِغَيْرِها مِنَ الأحْوالِ لِشِدَّةِ مُلاءَمَتِها لِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في آيَةِ التَّوَفِّي، ولِأنَّ التَّغْيِيرَ فِيها أظْهَرُ فَهو أوْفَقُ بِما سِيقَتْ لَهُ الآيَةُ، وقِيلَ: لِأنَّ العِلْمَ بِالسُّقُوطِ لِكَوْنِهِ مِنَ الأحْوالِ السّاقِطَةِ الَّتِي يُغْفَلُ عَنْها يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِغَيْرِهِ مِنَ الأحْوالِ المُعْتَنى بِها فَتَدَبَّرْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما تَتَغَيَّرُ ورَقَةٌ مِن حالٍ إلى حالٍ إلّا يَعْلَمُها ﴿ ولا حَبَّةٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ ورَقَةٍ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي ظُلُماتِ الأرْضِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ ﴿ حَبَّةٍ ﴾ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ ظُهُورِ عِلْمِهِ تَعالى، والمُرادُ مِن ظُلُماتِ الأرْضِ بُطُونُها وكَنّى بِالظُّلْمَةِ عَنِ البَطْنِ لِأنَّهُ لا يُدْرَكُ فِيهِ كَما لا يُدْرَكُ في الظُّلْمَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المُرادُ ظُلُماتُ الأرْضِ ما تَحْتَ الصَّخْرَةِ في أسْفَلِ الأرَضِينَ السَّبْعِ أوْ تَحْتَ حَجَرٍ أوْ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ ورَقَةٍ ﴾ أيْضًا داخِلٌ مَعَها في حُكْمِها، والمُرادُ بِالرَّطْبِ واليابِسِ رَطْبٌ ويابِسٌ مِن شَأْنِهِما السُّقُوطُ كالثِّمارِ مَثَلًا لِاقْتِضاءِ العَطْفِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ 95 - كالتَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ إلّا يَعْلَمُها لِأنَّ مَعْناها واحِدٌ في المَآلِ سَواءٌ أُرِيدَ بِالكِتابِ المُبِينِ عِلْمُهُ تَعالى أوِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي هو مَحَلُّ مَعْلُوماتِهِ سُبْحانَهُ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأرادَ كَما قالَ السَّعْدُ أنَّهُ تَكْرِيرٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ فَهو صِفَةٌ لِلْمَذْكُوراتِ كَما أنَّ ﴿ إلا يَعْلَمُها ﴾ صِفَةٌ لِوَرَقَةٍ، وأُورِدَ عَلَيْهِ بِأنَّ صِفَةَ شَيْءٍ كَيْفَ تَكُونُ تَكْرِيرًا لِصِفَةِ شَيْءٍ آخَرَ مَعْنًى وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ الوَرَقَةَ داخِلَةٌ في الرُّطَبِ واليابِسِ فَلا تَغايُرَ بِحَسْبِ المَعْنى فَيَصِحُّ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ بَدَلُ الكُلِّ إنْ فُسِّرَ الكِتابُ بِالعِلْمِ وبَدَلُ الِاشْتِمالِ إنْ فُسِّرَ بِاللَّوْحِ وفِيهِ تَأمُّلٌ، وقُرِئَ ولا حَبَّةٌ ولا رَطْبٌ ولا يابِسٌ بِالرَّفْعِ عَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ ورَقَةٍ، وخَصَّ بَعْضُهم هَذِهِ القِراءَةَ بِالأخِيرَيْنِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ ﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ ، قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ لِشُمُولِ الرَّطْبِ واليابِسِ حِينَئِذٍ لِما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ السُّقُوطُ، وقَدْ جَعَلَهُما غَيْرُ واحِدٍ شامِلَيْنِ لِجَمِيعِ الأشْياءِ لِأنَّ الأجْسامَ كُلَّها لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ رَطْبَةً أوْ يابِسَةً ويَدْخُلَ في ذَلِكَ الحارِّ والبارِدِ، والمُرادُ مِن كُلٍّ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ لا مُصْطَلَحَ الأطِبّاءِ كَما لا يَخْفى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِالرَّطْبِ ما يَنْبُتُ واليابِسِ ما لا يَنْبُتُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ الأوَّلَ الماءُ والثّانِيَ الثَّرى، ورَوى أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ ما يُفِيدُ العُمُومُ ولَعَلَّهُ الأوْلى بِالقَبُولِ، وقِيلَ: الرَّطْبُ الحَيُّ واليابِسُ المَيِّتُ ورَوى الإمامِيَّةُ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الوَرَقَةُ السِّقْطُ والحَبَّةُ الوَلَدُ وظُلُماتُ الأرْضِ والرُّطَبُ ما يَحْيى واليابِسُ ما يَغِيضُ، وأنا أجِلُّ أبا عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ التَّفَوُّهِ بِهَذا التَّفْسِيرِ إذْ هو خِلافُ الظّاهِرِ جَدًّا، ومِثْلُهُ في عَدَمِ التَّبادُرِ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحادَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى شَجَرَةً تَحْتَ العَرْشِ لَيْسَ مَخْلُوقٌ إلّا لَهُ فِيها ورَقَةٌ فَإذا سَقَطَتْ ورَقَتُهُ خَرَجَتْ رُوحُهُ مِن جَسَدِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ ﴾ ثُمَّ إنَّ تَفْسِيرَ الكِتابِ بِاللَّوْحِ هو الَّذِي مَشى عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ الزَّجّاجُ فَقَدْ قالَ: إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ المَعْلُوماتِ في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها ﴾ ، وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ «إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ مَقادِيرَ الخُلُقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماءَ والأرْضَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ»، وفائِدَةُ ذَلِكَ أُمُورٌ: أحَدُها اعْتِبارُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُوافِقاتُ المُحْدَثاتِ لِلْمَعْلُوماتِ الإلَهِيَّةِ، وثانِيهُما وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الحَسَنُ تَنْبِيهَ المُكَلَّفِينَ عَلى عَدَمِ إهْمالِ أحْوالِهِمُ المُشْتَمِلَةِ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ حَيْثُ ذَكَرَ أنَّ الوَرَقَةَ والحَبَّةَ في الكِتابِ، وثالِثُها عَدَمُ تَغْيِيرِ المَوْجُوداتِ عَنِ التَّرْتِيبِ السّابِقِ في الكِتابِ، ولِذا جاءَ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا الكِتابُ يُسَمّى اللَّوْحَ المَحْفُوظَ لِحِفْظِهِ عَنِ التَّحْرِيفِ ووُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ أوْ مِنَ المَحْوِ والإثْباتِ بِناءً عَلى أنَّهُما إنَّما يَكُونانِ في صُحُفِ المَلائِكَةِ دُونَهُ، والبَلْخِيُّ اخْتارَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ أنَّهُ مَحْفُوظٌ غَيْرُ مَنسِيٍّ ولا مَغْفُولٍ عَنْهُ كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: ما تَصْنَعُهُ مَسْطُورٌ مَكْتُوبٌ عِنْدِي فَإنَّهُ إنَّما يُرِيدُ أنَّهُ حافِظٌ لَهُ يُرِيدُ مُكافَأتَهُ عَلَيْهِ وأنْشُدُ لِذَلِكَ: إنَّ لِسَلْمى عِنْدَنا دِيوانًا وذَكَرَ الإمامُ هَهُنا ما سَمّاهُ دَقِيقَةً، وهو أنَّ القَضايا العَقْلِيَّةَ المَحْضَةَ يَصْعُبُ تَحْصِيلُ العِلْمِ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ إلّا لِلْعُقَلاءِ الكامِلِينَ الَّذِينَ تَعَوَّدُوا الإعْراضَ عَنْ قَضايا الحِسِّ والخَيالِ وألِفُوا اسْتِحْضارَ المَعْقُولاتِ المُجَرَّدَةِ وهم كالكِبْرِيتِ الأحْمَرِ ﴿ وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ﴾ مِن تِلْكَ القَضايا وحَيْثُ أُرِيدَ إيصالُها إلى كُلِّ عَقْلٍ لِأنَّ القُرْآنَ إنَّما نَزَلَ لِيَنْتَفِعَ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ، ذَكَرَ مِثالًا مِنَ الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ تِلْكَ القَضِيَّةِ العَقْلِيَّةِ الكُلِّيَّةِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ المَعْقُولِ بِمُعاوَنَةِ هَذا المِثالِ المَحْسُوسِ مَفْهُومًا لِكُلِّ واحِدٍ فَذَكَرَ ﴿ ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ لِيَكْشِفَ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ عِظَةِ المَعْقُولِ وقِدَمِ ذِكْرِ البَرِّ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ شاهَدَ أحْوالَهُ وكَثْرَةَ ما فِيهِ وأمّا البَحْرُ فَإحاطَةُ العَقْلِ بِأحْوالِهِ أقَلُّ إلّا أنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَجائِبَ البِحارِ في الجُمْلَةِ أكْثَرُ وطُولَها وعَرْضَها أعْظَمُ وما فِيها مِنَ الحَيْواناتِ وأجْناسِ المَخْلُوقاتِ أعْجَبُ فَإذا اسْتَحْضَرَ الخَيالُ مَعْلُوماتِ البَرِّ والبَحْرِ وعَرَفَ أنَّ مَجْمُوعَها حَقِيرٌ جَنْبِ ما دَخَلَ في دائِرَةِ عُمُومٍ، ﴿ وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ﴾ يَصِيرُ ذَلِكَ مُقَوِّيًا ومُكَمِّلًا لِلْعَظَمَةِ الحاصِلَةِ تَحْتَ ذَلِكَ ثُمَّ كَشَفَ سُبْحانَهُ عَنْ عَظَمَةِ البَرِّ والبَحْرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ العَقْلَ يَسْتَحْضِرُ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ المُدُنِ والقُرى والمَفاوِزِ والمَهالِكِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ كَمْ فِيها مِنَ النَّجْمِ والشَّجَرِ ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ أنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ حالُ ورَقَةٍ إلّا والحَقُّ يَعْلَمُها ثُمَّ ذَكَرَ مِثالًا أشَدَّ هَيْبَةً وهو ﴿ ولا حَبَّةٍ ﴾ إلَخْ وذَلِكَ لِأنَّ الحَبَّةَ تَكُونُ في غايَةِ الصِّغَرِ، وظُلُماتُ الأرْضِ يَخْفى فِيها أكْبَرُ الأجْسامِ وأعْظَمُها فَإذا سَمِعَ العاقِلُ أنَّ تِلْكَ الحَبَّةَ الصَّغِيرَةَ المُلْقاةَ في ظُلُماتِ الأرْضِ عَلى اتِّساعِها وعَظَمَتِها لا تَخْرُجُ مَن عِلْمِهِ سُبْحانَهُ انْتَبَهَ غايَةَ الِانْتِباهِ وفازَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ بِالحَظِّ الأوْفَرِ مِنَ المَعْنى المُشارِ إلَيْهِ في صَدْرِ الآيَةِ، ثُمَّ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَوِيَ ذَلِكَ المَعْقُولُ المَحْضُ المُجَرَّدُ بِذِكْرِ هَذِهِ الجُزْئِيّاتِ المَحْسُوسَةِ عادَ إلى ذِكْرِ تِلْكَ القَضِيَّةِ بِعِبارَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلا في كِتابٍ ﴾ فَإنَّهُ عَيَّنَ ما تَقَدَّمَ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ في الآيَةِ فَلا تُغْفَلُ، وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى عالِمٌ بِالجُزْئِيّاتِ ونُسِبَتِ المُخالَفَةُ فِيهِ لِلْفَلاسِفَةِ، والحَقُّ أنَّهم لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وإنَّما يُنْكِرُونَ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِها بِوَجْهٍ جُزْئِيٍّ، وهو بَحْثٌ طَوِيلُ الذَّيْلِ وكَذا بَحْثُ عِلْمِهِ تَعالى مِن حَيْثُ هو وقَدْ أُلِّفَتْ فِيهِ الرَّسائِلُ وصارَ مُعْتَرَكَ أفْهامِ الأواخِرِ والأوائِلِ، وسُبْحانَ مَن لا يَقْدُرُ قَدْرَهُ غَيْرُهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ يعني: خزائن الأرض والرزق ونزول العذاب.

ويقال: عنده الوصلة إلى علم الغيب لاَ يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني: يعلم ما يهلك في البر والبحر.

ويقال: يعلم ما في البر من النبات والحب والنوى وما في البحر من الدواب وقوت ما فيها وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ من الشجر إِلَّا يَعْلَمُها يعلم من وقت سقوطه، وموضع مسقطه.

وروى مجاهد عن ابن عباس  قال: ليس أحد من خلق الله تعالى أكثر من الملائكة، وليس من شجرة تخرج إلا وملك موكل بها.

ويقال: إن الإنسان كالشجرة، وأعضاءه كالأغصان، والحركات منه كالأوراق، فهو يعلم حركة بني آدم.

ثم قال تعالى: وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ يعني: تحت الصخرة التي هي أسفل الأرضين السابعة.

ويقال: الحبة التي تحت الأرض التي يخرج منها النبات.

ثم قال: وَلا رَطْبٍ يعني: الماء وَلا يابِسٍ يعني: الحجر ويقال: ولا رطب: يعني العمران والأمصار والقرى وَلا يابِسٍ يعني: الخراب والبادية إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ يعني في اللوح المحفوظ.

ويقال: وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ يعني: لا قليل ولا كثير إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ يعني: في اللوح المحفوظ.

ويقال: القرآن قد بيّن فيه كل شيء، بعضه مفسر، وبعضه يعرف بالاستدلال والاستنباط.

وقرأ بعضهم: وَلا حَبَّةٍ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ كل ذلك بالضم على معنى الابتداء.

وهي قراءة شاذة والقراءة المعروفة بالكسر لأجل: مِنْ.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ:

المعنى: لو كان عندي الآياتُ المُقْتَرَحةُ، أو العذابُ علَى التأويل الآخر، لقُضِيَ الأمر، أي: لَوَقَع الانفصال، وتَمَّ النزاعُ لظهور الآية المُقْتَرَحَةِ، أو لِنزولِ العذابِ بحسب التأْويلَيْنِ، وقِيلَ: المعنى: لَقَامَتِ القيامةُ، وقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ: يتضمَّن الوعيدَ والتَّهْديدَ.

وقوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ: مفَاتِحُ: جَمْعُ مَفْتَحٍ، وهذه استعارة عبارةً عن التوصُّل إلى الغيوب كما يَتوصَّل في الشاهِدِ بالمِفْتَاحِ إلى المُغَيَّب، ولو كان جَمْعَ «مِفْتَاحٍ» ، لقال: مَفَاتِيح، ويظهرُ أيضاً أنَّ «مَفَاتِح» جمْعُ «مَفْتَح» - بفتح الميم-، أي: مواضِعِ تَفْتَحُ عن المغيَّبات ويؤيِّد هذا قَوْلُ السُّدِّيِّ وغيره: مَفاتِحُ الْغَيْبِ: خزائِنُ الغَيْب، فأما مِفْتَح «١» - بالكسر-، فهو بمعنى مِفْتَاح، قال الزَّهْرَاوِيُّ:

وَمِفْتَحٌ أفصحُ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ وغيره: الإشارةُ بِمَفَاتِحِ الغَيْبِ هي إلى الخَمْسة في آخر لُقْمَان: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ...

«٢» [لقمان: ٣٤] الآية، قلت: وفي «صحيحِ البخاريِّ» ، عن سالمِ بنِ عبد اللَّهِ «٣» ، عَنْ أبيه أنَّ رسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم قالَ: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللَّهُ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَفاتِحُ: جَمْعُ مِفْتَحٌ؛ يُقالُ مِفْتَحٌ ومِفْتاحٌ، فَمَن قالَ مِفْتَحٌ، جَمَعَهُ: مَفاتِحُ.

ومَن قالَ: مِفْتاحٌ، جَمَعَهُ: مَفاتِيحُ.

وفي "مَفاتِحِ الغَيْبِ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها خَمْسٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

رَوى البُخارِيُّ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « "مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ، لا يَعْلَمُ مَتى تَقُومُ السّاعَةُ إلّا اللَّهُ، ولا يَعْلَمُ ما تَغِيضُ الأرْحامُ إلّا اللَّهُ، ولا يَعْلَمُ ما في غَدٍ إلّا اللَّهُ، ولا تَعْلَمُ نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إلّا اللَّهُ، ولا يَعْلَمُ مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ إلّا اللَّهُ"» قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أُوتِيَ نَبِيُّكم عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ إلّا مَفاتِيحُ الغَيْبِ.

والثّانِي: أنَّها خَزائِنُ غَيْبِ السَّماواتِ مِنَ الأقْدارِ والأرْزاقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ما غابَ عَنَ الخَلْقِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وما تَصِيرُ إلَيْهِ الأُمُورُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والرّابِعُ خَزائِنُ غَيْبِ العَذابِ، مَتى يَنْزِلُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والخامِسُ الوَصْلَةُ إلى عِلْمِ الغَيْبِ إذا اسْتَعْلَمَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والسّادِسُ: عَواقِبُ الأعْمارِ وخَواتِيمُ الأعْمالِ.

والسّابِعُ: ما لَمْ يَكُنْ، هَلْ يَكُونُ، أمْ لا يَكُونُ؟

وما يَكُونُ كَيْفَ يَكُونُ وما لا يَكُونُ، إنْ كانَ، كَيْفَ يَكُونُ؟

فَأمّا البَرُّ، فَهو القَفْرُ.

وفي البَحْرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الماءُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهُ يَعْلَمُها ساقِطَةً وثابِتَةً، كَما تَقُولُ: ما يَجِيئُكَ أحَدٌ إلّا وأنا أعْرِفُهُ، لَيْسَ تَأْوِيلُهُ: اعْرِفْهُ في حالِ مَجِيئِهِ فَقَطْ.

فَأمّا ظُلُماتُ الأرْضِ، فالمُرادُ بِها بَطْنُ الأرْضِ.

وَفِي الرَّطْبِ واليابِسِ، خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الرَّطْبَ: الماءُ، واليابِسُ: البادِيَةُ.

والثّانِي: الرَّطْبُ: ما يَنْبُتُ، واليابِسُ: ما لا يَنْبُتُ، والثّالِثُ: الرَّطْبُ: الحَيُّ، واليابِسُ: المَيِّتُ.

والرّابِعُ: الرَّطْبُ: لِسانُ المُؤْمِنِ يَذْكُرُ اللَّهَ، واليابِسُ: لِسانُ الكافِرِ لا يَتَحَرَّكُ بِذِكْرِ اللَّهِ.

والخامِسُ: أنَّهُما الشَّيْءُ يَنْتَقِلُ مِن إحْدى الحالَتَيْنِ إلى الأُخْرى، فَهو يَعْلَمُهُ رَطْبًا، ويَعْلَمُهُ يابِسًا.

وفي الكِتابِ المُبِينِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ عِلْمُ اللَّهِ المُتْقَنِ؛ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في إحْصاءِ هَذِهِ الأشْياءِ في كِتابٍ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

أحَدُها: أنَّهُ أحْصاها في كِتابٍ، لَتَقِفَ المَلائِكَةُ عَلى نَفاذِ عِلْمِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عِبادَهُ عَلى تَعْظِيمِ الحِسابِ، وأعْلَمَهم أنَّهُ لا يَفُوتُهُ ما يَصْنَعُونَ، لِأنَّ مِن يُثْبِتُ ما لا ثَوابَ فِيهِ ولا عِقابَ، فَهو إلى إثْباتِ ما فِيهِ ثَوابٌ وعِقابٌ أسْرَعُ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ: العِلْمُ؛ فالمَعْنى: أنَّها مُثْبَتَةٌ في عِلْمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ "مَفاتِحُ": جَمْعُ "مِفْتَحٌ"؛ وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ؛ عِبارَةٌ عَنِ التَوَصُّلِ إلى الغُيُوبِ؛ كَما يُتَوَصَّلُ في الشاهِدِ بِالمِفْتاحِ إلى المُغَيَّبِ عَنِ الإنْسانِ؛ ولَوْ كانَ جَمْعَ "مِفْتاحٌ"؛ لَقالَ: "مَفاتِيحُ"؛ ويَظْهَرُ أيْضًا أنَّ "مَفاتِحُ"؛ جَمْعُ "مَفْتَحٌ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ أيْ: مَواضِعُ تُفَتَّحُ عَنِ المُغَيَّباتِ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ السُدِّيِّ ؛ وغَيْرِهِ: "مَفاتِحُ الغَيْبِ": خَزائِنُ الغَيْبِ؛ فَأمّا "مِفْتَحٌ"؛ بِالكَسْرِ؛ فَهو بِمَعْنى "مِفْتاحٌ"؛ وقالَ الزَهْراوِيُّ: و"مِفْتَحٌ"؛ أفْصَحُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ: اَلْإشارَةُ بَـ "مَفاتِحُ الغَيْبِ"؛ هي إلى الخَمْسَةِ الَّتِي في آخِرِ "لُقْمانَ": ﴿ إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ  ﴾ ؛ اَلْآيَةِ؛ لِأنَّها تَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ؛ ثُمَّ قَوّى البَيانَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ ؛ تَنْبِيهًا عَلى أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ المُجاوِرَةِ لِلْبَشَرِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "مِن ورَقَةٍ"؛ ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ في ورَقِ النَباتِ؛ و"مِن"؛ زائِدَةٌ؛ و ﴿ "إلا يَعْلَمُها"؛ ﴾ يُرِيدُ: عَلى الإطْلاقِ؛ وقَبْلَ السُقُوطِ؛ ومَعَهُ؛ وبَعْدَهُ؛ و ﴿ وَلا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ﴾ ؛ يُرِيدُ: في أشَدِّ حالِ التَغَيُّبِ؛ وهَذا كُلُّهُ - وإنْ كانَ داخِلًا في قَوْلِهِ: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ﴾ ؛ عِنْدَ مَن رَآها في الخَمْسَةِ؛ وغَيْرِها - فَفِيهِ البَيانُ؛ والإيضاحُ؛ والتَنْبِيهُ عَلى مَواضِعِ العِبَرِ؛ أيْ: "إذا كانَتْ هَذِهِ المَحْقُوراتُ مَعْلُومَةً؛ فَغَيْرُها مِنَ الجَلائِلِ أحْرى".

﴿ وَلا رَطْبٍ ولا يابِسٍ ﴾ ؛ عُطِفَ عَلى اللَفْظِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا رَطْبٌ ولا يابِسٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ في "وَرَقَةٍ"؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: "وَما تَسْقُطُ ورَقَةٌ"؛ و ﴿ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ ؛ قِيلَ: يَعْنِي "كِتابًا"؛ عَلى الحَقِيقَةِ؛ ووَجْهُ الفائِدَةِ فِيهِ امْتِحانُ ما يَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ الحَفَظَةَ يَرْفَعُونَ ما كَتَبُوهُ؛ ويُعارِضُونَهُ بِهَذا الكِتابِ المُشارِ إلَيْهِ؛ لِيَتَحَقَّقُوا صِحَّةَ ما كَتَبُوهُ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ ؛ عِلْمُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ وحَكى النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَوْلًا: "إنَّ الوَرَقَةَ يُرادُ بِها السَقْطُ مِن أولادِ بَنِي آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والحَبَّةَ يُرادُ بِها الَّذِي لَيْسَ يَسْقُطُ؛ والرَطْبَ يُرادُ بِهِ الحَيُّ؛ واليابِسَ يُرادُ بِهِ المَيْتُ".

وهَذا قَوْلٌ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الرُمُوزِ؛ ولا يَصِحُّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ ولا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَيْلِ ويَعْلَمُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ فِيها إيضاحُ الآياتِ المَنصُوبَةِ لِلنَّظَرِ؛ وفِيها ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ؛ أنَّ هَذا أيْضًا إماتَةٌ وبَعْثٌ عَلى نَحْوٍ ما.

والتَوَفِّي هو اسْتِيفاءُ عَدَدٍ؛ قالَ الشاعِرُ: إنَّ بَنِي الأدْرَمِ لَيْسُوا مِن أحَدْ ∗∗∗ ولا تَوَفّاهم قُرَيْشٌ في العَدَدْ وصارَتِ اللَفْظَةُ عُرْفًا في المَوْتِ؛ وهي في النَوْمِ عَلى بَعْضِ التَجَوُّزِ.

و"جَرَحْتُمْ" مَعْناهُ: كَسَبْتُمْ؛ ومِنهُ جَوارِحُ الصَيْدِ؛ أيْ: كَواسِبُهُ؛ ومِنهُ جَوارِحُ البَدَنِ؛ لِأنَّها كَواسِبُ النَفْسِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "جَرَحْتُمْ"؛ هُنا؛ مِن "اَلْجَرْحُ"؛ كَأنَّ الذَنْبَ جَرْحٌ في الدِينِ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "جَرْحُ اللِسانِ كَجَرْحِ اليَدِ"؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - أو سَلْمانَ - شَكَّ ابْنُ دِينارٍ - أنَّهُ قالَ: "إنَّ هَذِهِ الذُنُوبَ جِراحاتٌ؛ فَمِنها شَوًى؛ ومِنها مَقْتَلَةٌ؛ ألا وإنَّ الشِرْكَ بِاللهِ تَعالى مَقْتَلَةٌ".

و"يَبْعَثُكُمْ"؛ يُرِيدُ الإيقاظَ؛ فَفي "فِيهِ"؛ عائِدٌ عَلى النَهارِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وذَكَرَ النَوْمَ مَعَ اللَيْلِ؛ واليَقَظَةَ مَعَ النَهارِ؛ بِحَسَبِ الأغْلَبِ؛ وإنْ كانَ النَوْمُ يَقَعُ بِالنَهارِ؛ واليَقَظَةُ بِاللَيْلِ؛ فَنادِرٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى التَوَفِّي؛ أيْ: "يُوقِظُكم في التَوَفِّي"؛ أيْ: "فِي خِلالِهِ؛ وتَضاعِيفِهِ"؛ قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَيْلِ؛ وهَذا قَلَقٌ في اللَفْظِ؛ وهو في المَعْنى نَحْوٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وأبُو رَجاءٍ: "لِيَقْضِيَ أجَلًا مُسَمًّى"؛ والمُرادُ بِالأجَلِ آجالُ بَنِي آدَمَ؛ ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ ؛ يُرِيدُ: بِالبَعْثِ؛ والنُشُورِ؛ ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ ﴾ ؛ أيْ: يُعْلِمُكم إعْلامَ تَوْقِيفٍ؛ ومُحاسَبَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عُطف على جملة: ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ [الأنعام: 58] على طريقة التخلّص.

والمناسبة في هذا التخلّص هي الإخبار بأنّ الله أعلم بحالة الظالمين، فإنّها غائبة عن عيان الناس، فالله أعلم بما يناسب حالهم من تعجيل الوعيد أو تأخيره، وهذا انتقال لبيان اختصاصه تعالى بعلم الغيب وسعة علمه ثم سعة قدرته وأنّ الخلق في قبضة قدرته.

وتقديم الظرف لإفادة الاختصاص، أي عنده لا عند غيره.

والعندية عندية علم واستئثار وليست عندية مكان.

والمفاتح جمع مِفْتَح بكسر الميم وهو الآلة التي يفتح بها المغلق، وتسمّى المِفتاح.

وقد قيل: إنّ مفتح أفصح من مفتاح، قال تعالى: ﴿ وآتيناه من الكنوز ما إنّ مَفَاتِحَه لتنوء بالعُصْبَة أولي القوة ﴾ [القصص: 76].

والغيب ما غاب على علم الناس بحيث لا سبيل لهم إلى علمه، وذلك يشمل الأعيان لمغيَّبة كالملائكة والجنّ، والأعراض الخفيَّة، ومواقيت الأشياء.

و ﴿ مفاتح الغيب ﴾ هنا استعارة تخييلية تنبني على مكنية بأن شُبِّهت الأمور المغيّبة عن الناس بالمتاع النفيس الذي يُدّخر بالمخازن والخزائن المستوثق عليها بأقفال بحيث لا يعلم ما فيها إلاّ الذي بيده مفاتحها.

وأثبتت لها المفاتِح على سبيل التخييلية.

والقرينة هي إضافة المفاتح إلى الغيب، فقوله: ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ بمنزلة أن يقول: عنده علم الغيب الذي لا يعلمه غيرُه.

ومفاتح الغيب جَمْع مضاف يعمّ كلّ المغيّبات، لأنّ علمها كلّها خاصّ به تعالى، وأمّا الأمور التي لها أمارات مثل أمارات الأنواء وعلامات الأمراض عند الطبيب فتلك ليْست من الغيب بل من أمور الشهادة الغامضة.

وغمُوضُها متفاوت والناس في التوصّل إليْها متفاوتون ومعرفتهم بها من قبيل الظنّ لا من قبيل اليقين فلا تسمّى عِلماً، وقيل: المفاتح جمع مَفْتَح بفتح الميم وهو البيت أو المخزن الذي من شأنه أن يُغلق على ما فيه ثم يُفْتح عند الحاجة إلى ما فيه، ونقل هذا عن السدّي، فيكون استعارة مصرّحة والمشبَّه هو العلم بالغيب شبّه في إحاطته وحَجبه المغيِّبات ببيت الخزم تشبيه معقول بمحسوس.

وجملة ﴿ لا يعلمها إلاّ هو ﴾ مُبيَّنة لمعنى ﴿ عندَه ﴾ ، فهي بيان للجملة التي قبلها ومفيدة تأكيداً للجملة الأولى أيضاً لرفع احتمال أن يكون تقديم الظرف لمجرّد الاهتمام فأعيد ما فيه طريق مُتَعيِّن كونُه للقصر.

وضمير ﴿ يعلمها ﴾ عائد إلى ﴿ مفاتح الغيب ﴾ على حذف مضاف من دلالة الاقتضاء.

تقديره: لا يعلم مكانَها إلاّ هو، لأنّ العلم لا يتعلّق بذوات المفاتح، وهو ترشيح لاستعارة مفاتح الغيب للعلم بالمغيّبات، ونفيُ علم غيره لها كناية عن نفي العلم بما تغلق عليه المفاتح من علم المغيّبات.

ومعنى: ﴿ لا يعلمها إلاّ هو ﴾ أي علماً مستقلاً به، فأمَّا ما أطْلع عليه بعضَ أصفيائه، كما قال تعالى: ﴿ عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً إلاّ مَن ارتضى مِن رسول ﴾ [الجن: 26] فذلك علم يحصل لمن أطلعه بإخبار منه فكان راجعاً إلى علمه هو.

والعلم معرفة الأشياء بكيفية اليقين.

وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر أنّ رسول يالله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ مفاتح الغيب خمس: إنّ الله عندَه علمُ الساعة، ويُنزّل الغيث، ويعلَم ما في الأرحام، وما تدري نفس مَاذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت إنّ الله عليم خبير ﴾ .

وجملة: ﴿ ويعلم ما في البرّ والبحر ﴾ عطف على جملة ﴿ لا يعلمها إلاّ هو ﴾ ، أو على جملة ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ ، لأنّ كلتيهما اشتملت على إثبات علم لله ونفي علم عن غيره، فعُطفت عليهما هذه الجملة التي دلَّت على إثبات علم لله تعالى، دون نفي علم غيره وذلك علم الأمور الظاهرة التي قد يتوصّل الناس إلى علم بعضها، فعطفُ هذه الجملة على جملة ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ لإفادة تعميم علمه تعالى بالأشياء الظاهرة المتفاوتة في الظهور بعد إفادة علمه بما لا يظهر للناس.

وظهور ما في البرّ للناس على الجملة أقوى من ظهور ما في البحر.

وذكر البرّ والبحر لقصد الإحاطة بجميع ما حوته هذه الكرة، لأنّ البرّ هو سطح الأرض الذي يمشي فيه الحيوان غير سابح، والبحر هو الماء الكثير الذي يغمر جزءاً من الأرض سواء كان الماء ملحاً أم عذباً.

والعرب تسمِّي النهر بحراً كالفرات ودجلة.

والموصول للعموم فيشمل الذوات والمعاني كلّها.

وجملة: ﴿ وما تسقط من ورقة ﴾ عطف على جملة: ﴿ ويعلم ما في البرّ والبحر ﴾ لقصد زيادة التعميم في الجزئيات الدقيقة.

فإحاطة العلم بالخفايا مع كونها من أضعف الجزئيات مؤذن بإحاطة العلم بما هو أعظم أولى به.

وهذه من معجزات القرآن فإنّ الله علِمَ ما يعتقده الفلاسفة وعلم أنْ سيقول بقولهم من لا رسوخ له في الدين من أتباع الإسلام فلم يترك للتأويل في حقيقة علمه مجالاً، إذ قال: ﴿ وما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها ولا حبَّة في ظُلمات الأرض ﴾ كما سنبيّن الاختيار في وجه إعرابه.

والمراد بالورقة ورقة من الشّجر.

وحرف (مِنْ) زائد لتأكيد النفي ليفيد العموم نصّاً.

وجملة ﴿ يعلمها ﴾ في موضع الحال من ﴿ ورقة ﴾ الواقعة في حيِّز النفي المستغنية بالعموم عن الصفة.

وذلك لأنّ الاستثناء مفرّغ من أحوال، وهذه الحال حال لازمة بعد النفي حصل بها مع الفعل المنفي الفائدة الاستثناء من عموم الأحوال، أي ما تسقط من ورقة في حالة إلاّ حالة يعلمها.

والأظهر في نظم قوله: ﴿ وما تسقط من ورقة ﴾ أن يكون ﴿ ورقة ﴾ في محلّ المبتدأ مجرور بِ ﴿ منْ ﴾ الزّائدة، وجملة ﴿ تسْقط ﴾ صفة ل ﴿ ورقة ﴾ مقدّمة عليها فتُعرب حالاً، وجملة ﴿ إلاّ يعلمها ﴾ خبر مفرّغ له حرفُ الاستثناء.

﴿ ولا حبّة ﴾ عطف على المبتدأ بإعادة حرف النفي، و ﴿ في ظلمات الأرض ﴾ صفة ل ﴿ حبّة ﴾ ، أي ولا حبّة من بذور النبت مظروفة في طبقات الأرض إلى أبعد عمق يمكن، فلا يكون ﴿ حبَّة ﴾ معمولاً لفعل ﴿ تسقط ﴾ لأنّ الحبَّة التي تسقط لا تبلغ بسقوطها إلى ظلمات الأرض.

﴿ ولا رطببٍ ولا يابس ﴾ معطوفان على المبتدأ المجرور ب ﴿ من ﴾ .

والخبر عن هذه المبتدآت الثلاثة هو قوله: ﴿ إلاّ في كتاب مبين ﴾ لوروده بعد الثلاثة، وذلك ظاهر وقُوع الإخبار به عن الثلاثة، وأنّ الخبر الأول راجع إلى قوله: ﴿ من ورقة ﴾ .

والمراد بالكتاب المبين العلم الثابت الذي لا يتغيّر، وما عسى أن يكون عند الله من آثار العلم من كتابة أو غيرها لم يطلعنا على كنهها.

وقيل: جرّ ﴿ حبَّة ﴾ عطف على ﴿ ورقة ﴾ مع إعادة حرف النفي، و ﴿ في ظلمات الأرض ﴾ وصف ل ﴿ حبّة ﴾ .

وكذلك قوله: ﴿ ولا رطب ولا يابس ﴾ بالجرّ عطفاً على ﴿ حبَّة ﴾ و ﴿ ورقة ﴾ ، فيقتضي أنَّها معمولة لفعل ﴿ تسقط ﴾ ، أي ما يَسقط رطب ولا يابس، ومقيَّدة بالحال في وقوله: ﴿ إلاّ يعلمها ﴾ .

وقوله: ﴿ إلاّ في كتاب مبين ﴾ تأكيد لقوله: ﴿ إلاُّ يعلمها ﴾ لأنّ المراد بالكتاب المبين علم الله تعالى سواء كان الكتاب حقيقة أم مجازاً عن الضبط وعدم التبديل.

وحسَّن هذا التأكيد تجديد المعنى لبعد الأول بالمعطوفات وصفاتها، وأعيد بعبارة أخرى تفنّناً.

وقد تقدّم القول في وجه جمع ﴿ ظلمات ﴾ عند قوله تعالى: ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ في هذه السورة [1].

ومبين إمّا من أبان المتعدّي، أي مبين لبعض مخلوقاته ما يريده كالملائكة، أو من أبَانَ القاصر الذي هو بمعنى بان، أي بيّن، أي فصل بما لا احتمال فيه ولا تردّد.

وقد علم من هاته الآيات عموم علمه تعالى بالكلِّيّات والجزئيّات.

وهذا متَّفق عليه عند أهل الأديان دون تصريح به في الكتب السابقة وما أعلنه إلاّ القرآن في نحو قوله: ﴿ وهو بكلّ شيء عليم ﴾ [البقرة: 29].

وفيه إبطال لقول جمهور الفلاسفة أنّ الله يعلم الكلِّيّات خاصّة ولا يعلم الجزئيّات، زعماً منهم بأنَّهم ينزّهون العلم الأعلى عن التجزّي؛ فهم أثبتوا صفة العلم لله تعالى وأنكروا تعلّق علمه بجزئيات الموجودات.

وهذا هو المأثور عنهم عند العلماء.

وقد تأوّله عنهم ابن رشد الحفيدُ ونصير الدين الطُوسي.

وقال الإمام الرازي في «المباحث المشرقية»: ولا بدّ من تفصيل مذهب الفلاسفة فإنّ اللائق بأصولهم أن يقال: الأمور أربعة أقسام؛ فإنَّها إمَّا أن لا تكون متشكِّلة ولا متغيِّرة، وإمَّا أن تكون متشكّلة غير متغيِّرة، وإمَّا أن تكون متغيِّرة غير متشكّلة؛ وإمَّا أن تكون متشكّلة ومتغيّرة معاً.

فأمَّا ما لا تكون متشكِّلة ولا متغيِّرة فإنَّه تعالى عالم به سواء كان كليّاً أو جزئياً.

وكيف يمكن القول بأنَّه تعالى لا يعلم الجزئيّات منها مع اتِّفاق الأكثر منهم على علمه تعالى بذاته المخصوصة وبالعقول.

وأمّا المتشكِّلة غير المتغيِّرة وهي الأجرام العلوية فهي غير معلومة له تعالى بأشخاصها عندهم، لأنّ إدراك الجسمانيات لا يكون إلاّ بالآت جسمانية.

وأمّا المتغيِّرة غير المتشكّلة فذلك مثل الصور والأعراض الحادثة والنفوس الناطقة، فإنَّها غير معلومة له لأنّ تعلّقها يحوج إلى آلة جسمانية بل لأنَّها لمّا كانت متغيّرة يلزم من تغيّرها العلم.

وأمّا ما يكون متشكِّلاً ومتغيِّراً فهو الأجسام الكائنة الفاسدة.

وهي يمتنع أن تكون مُدْركة له تعالى للوجهين (أي المذكورين في القسمين الثاني والثالث) اه.

وقد عُدّ إنكار الفلاسفة أنّ الله يعلم الجزئيَّات من أصول ثلاثة لهم خالفت المعلوم بالضرورة من دين الإسلام.

وهي: إنكار علم الله بالجزئيَّات؛ وإنكار حشر الأجساد، والقول بقدم العالم.

ذكر ذلك الغزالي في «تهافت الفلاسفة» فمن يوافقهم في ذلك من المسلمين يعتبر قوله كفراً، لكنَّه من قبيل الكفر باللازم فلا يعتبر قائله مرتدّاً إلاّ بعد أن يوقف على ما يفضي إليه قولُه ويأبى أن يرجع عنه فحينئذٍ يستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلاّ حكم بردّته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ في البَيِّنَةِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: الحَقُّ الَّذِي بانَ لَهُ.

والثّانِي: المُعْجِزُ في القُرْآنِ.

﴿ وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وكَذَّبْتُمْ بِالبَيِّنَةِ.

والثّانِي: وكَذَّبْتُمْ بِرَبِّكم.

﴿ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي أُوعِدُوا بِهِ قَبْلَ وقْتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: ما اسْتَعْجَلُوهُ مِنِ اقْتِراحِ الآياتِ لِأنَّهُ طَلَبُ الشَّيْءِ في غَيْرِ وقْتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الحُكْمُ في الثَّوابِ والعِقابِ.

والثّانِي: الحُكْمُ في تَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ.

﴿ يَقُصُّ الحَقَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ ﴿ يَقُصُّ ﴾ بِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مِنَ القَصَصِ وهو الإخْبارُ بِهِ، وقَرَأ الباقُونَ "يَقْضِي" بِالضّادِ مُعْجَمَةً مِنَ القَضاءِ، وهو صُنْعُ الحَقِّ وإتْمامُهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ والأرْزاقِ والأقْدارِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الوُصُولُ إلى العِلْمِ بِالغَيْبِ.

﴿ وَيَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ما في البَرِّ ما عَلى الأرْضِ، وما في البَحْرِ ما عَلى الماءِ، وهو الظّاهِرُ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّ البَرَّ القَفْرُ، والبَحْرَ القُرى لِوُجُودِ الماءِ فِيها، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بَحْرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ﴾ يَعْنِي قَبْلَ يُبْسِها وسُقُوطِها.

﴿ وَلا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما في بَطْنِها مِن بَذْرٍ.

والثّانِي: ما تُخْرِجُهُ مِن زَرْعٍ.

﴿ وَلا رَطْبٍ ولا يابِسٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّطْبَ النَّباتُ واليابِسَ الجَواهِرُ.

والثّانِي: أنَّ الرَّطْبَ الحَيُّ، واليابِسَ المَيِّتُ.

﴿ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ يَعْنِي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ قال: يقول خزائن الغيب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ قال: هن خمس ﴿ إن الله عنده علم الساعة: وينزل الغيث ﴾ إلى قوله: ﴿ عليم خبير ﴾ .

وأخرج أحمد والبخاري ومحشيش بن أصرم في الاستقامة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله تبارك وتعالى» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن مسعود قال: اعطى نبيكم كل شيء إلا مفاتيح الغيب الخمس، ثم قال: ﴿ إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث ﴾ [ لقمان: 34] إلى آخر الآية.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في قوله: ﴿ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ﴾ قال: هو قوله عز وجل ﴿ إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث ﴾ [ لقمان: 34] إلى آخر الآية.

قوله تعالى ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ﴾ أخرج مسدد في مسنده وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ﴾ قال: ما من شجرة على ساق إلا موكل بها ملك يعلم ما يسقط منها حين يحصيه، ثم يرفع علمه وهو أعلم منه.

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن جحاده في قوله: ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ﴾ قال: لله تبارك وتعالى شجرة تحت العرش ليس مخلوق إلا له فيها ورقة، فإذا سقطت ورقته خرجت روحه من جسده، فذلك قوله: ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ﴾ .

وأخرج الخطيب في تاريخه بسند ضعيف عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من زرع على الأرض، ولا ثمار على أشجار إلا عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم هذا رزق فلان بن فلان» ، وذلك قوله تعالى ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ .

قوله تعال ﴿ ولا حبة في ظلمات الأرض ﴾ أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: إن تحت الأرض الثالثة وفوق الأرض الرابعة من الجن ما لو أنهم ظهروا لكم لم تروا معه نوراً، على كل زاوية من زواياه خاتم من خواتم الله، على كل خاتم ملك من الملائكة، يبعث الله إليه في كل يوم ملكاً من عنده أن احتفظ بما عندك.

قوله تعالى ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن الحارث قال: ما في الأرض من شجرة صغيرة ولا كبيرة، ولا كمغر زابرة رطبة ولا يابسة إلا عليها ملك موكل بها يأتي الله بعلمها، رطوبتها إذا رطبت، ويبسها إذا يبست كل يوم، قال الأعمش: وهذا في الكتاب ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن كعب قال: ما من شجرة ولا موضع ابرة إلا وملك وكل بها يرفع علم ذلك إلى الله تعالى، فإن ملائكة السماء أكثر من عدد التراب.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس.

أنه تلا هذه الآية ﴿ ولا رطب ولا يابس ﴾ فقال ابن عباس: الرطب واليابس من كل شيء.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: خلق الله النور وهي الدواة، وخلق الألواح فكتب فيها أمر الدنيا حتى تنقضي ما كان من خلق مخلوق أو رزق حلال أو حرام، أو عمل برِّ أو فجور، ثم قرأ هذه الآية ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ ثم وكل بالكتاب حفظة، ووكل بخلقه حفظة، فتنسخ حفظة الخلق من الذكر ما كنتم تعملون في كل يوم وليلة، فيجري الخلق على ما وكل به، مقسوم على من وكل به، فلا يغادر أحداً منهم فيجرون على ما في أيديهم مما في الكتاب، فلا يغادر منه شيء قبل ما كنا نراه إلا كتب عملنا قال: ألستم بعرب؟

هل تكون نسخة إلا من شيء قد فرغ منه؟

ثم قرأ هذه الآية ﴿ انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ [ الجاثية: 29] .

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي عمران الجوني في قوله: ﴿ قل إني على بينة من ربي ﴾ قال: على ثقة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: في قراءة عبد الله ﴿ يقضي الحق وهو أسرع الفاصلين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأصمعي قال: قرأ أبو عمرو ﴿ ويقضي الحق ﴾ وقال: لا يكون الفصل إلا بعد القضاء.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حسن بن صالح بن حي عن مغيرة عن إبراهيم النخعي أنه قرأ ﴿ يقضي الحق وهو خير الفاصلين ﴾ قال ابن حي: لا يكون الفصل إلا مع القضاء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ﴾ الآية.

المفاتح جمع مِفْتح وَمَفْتحٍ، فالمفتح بالكسر: المفتاح الذي يفتح به، والمفتح بفتح الميم الخزانة، وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مَفْتح (١) قال الفراء في قوله تعالى: ﴿ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ  ﴾ (يعني: خزائنه) (٢) قال السدي (٣) (٤) ﴿ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ﴾ : خزائن الغيب)، وخو ذلك قال ابن عباس (٥) (٦) (٧) واختلفوا في معنى ﴿ الْغَيْبِ ﴾ هاهنا، فقال ابن عباس] (٨) (٩) وقال مقاتل: (يعني: خزائن غيب العذاب متى ينزل بكم ﴿ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ﴾ ) (١٠) وروي عن ابن عباس: (خزائن الأرض والرزق ونزول العذاب) (١١) (١٢) وقال أبو إسحاق: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ﴾ (أي: عنده الوصلة إلى علم الغيب قال: وكل ما لا يعلم إذا استعلم يقال فيه: افتح عليَّ) (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ قال مجاهد: (البر: القفار، والبحر: كل قرية فيها ماء) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾ قال أبو إسحاق: (المعنى: أنه يعلمها ساقطة وثابتة، كما تقول: ما يجيئك أحد إلا وأنا أعرفه، فليس تأويله إلا وأنا أعرفه في حال مجيئه فقط) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ ﴾ تقديره: ولا من ﴿ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ ﴾ قالوا: يعني: في الثرى تحت الأرض (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: ما ينبت وما لا ينبت) (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ قال صاحب "النظم" (٢١) ﴿ وَلَا يَابِسٍ ﴾ ثم استأنف خبراً آخر بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ بمعنى: وهو ﴿ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ أيضًا؛ لأنك لو جعلت قوله ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾ متصلًا بالكلام الأول فسد المعنى)، وبيان فساده (٢٢) ﴿ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ (٢٣) ﴿ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ (٢٤) ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا  ﴾ ، فأعلم جل وعز أنه قد أثبت ما خلق من قبل خلقه) (٢٥) قال ابن الأنباري وغيره (٢٦) (٢٧) (٢٨) فذكر ما ذكر تبارك وتعالى: [من هذا (٢٩) (٣٠) (٣١) (١) انظر: "العين" 3/ 194، و"الجمهرة" 1/ 386، و"تهذيب اللغة" 3/ 2732 ، و"الصحاح" 1/ 389، و"مجمل اللغة" 3/ 710، و"مقاييس اللغة" 4/ 469 ، و"المفردات" ص 621، و"اللسان" 6/ 3339 (فتح).

(٢) "معاني القرآن" 2/ 310.

(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 212، وابن أبي حاتم 4/ 1304 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 277.

(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 52، عن ابن عباس والضحاك ومقاتل والسدي والحسن.

وقال القرطبي في "تفسيره" 2/ 7: (قيل: المراد بالمفاتح خزائن الرزق، عن السدي والحسن) ا.

هـ (٥) ذكره الماوردي 2/ 121، والواحدي في "الوسيط" 1/ 52، وابن الجوزي 3/ 53، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 213 بسند ضعيف عن عطاء الخرساني عن ابن عباس ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ﴾ قال: هن خمس: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  ﴾ ، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 28.

(٦) ذكره الثعلبي في "الكشف" 178 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 52، والبغوي 3/ 150، والقرطبي 7/ 2.

(٧) "تفسير مقاتل" 1/ 564.

(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) "تفسير مقاتل" 1/ 564.

(١١) ذكره الماوردي 2/ 121، وابن الجوزي 3/ 53، وأبو حيان 4/ 144، وفي "تنوير المقباس" 2/ 26 نحوه.

(١٢) ذكره الثعلبي في "الكشف" 178 ب، والبغوي 3/ 150، والقرطبي 7/ 2.

(١٣) "معاني القرآن" 2/ 257، ونحوه ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 435.

(١٤) في (أ): (المُفتح)، بالضم، وفي (ش): (المَفتَح)، بسكون ثم فتح، وقال السمين في "الدر" 4/ 660، وابن حجر في "الفتح" 8/ 291: (جوز الواحدي أنه جمع مفتح بفتح الميم على أنه مصدر) ا.

هـ.

زاد ابن حجر: (وهو بمعنى: الفتح، أي: عنده فتوح الغيب، أي: يفتح الغيب على من يشاء من عباده، ولا يخفى بعد هذا التأويل للحديث المذكور في الباب، وأن مفاتح الغيب لا يعلمها أحد إلا الله سبحانه وتعالى) ا.

هـ والحديث المقصود هو ما أخرجه البخاري في صحيحه (4627)، كتاب التفسير باب (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) عن عبد الله بن عمر عن النبي  قال: "مفاتح الغيب خمس: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  ﴾ ، وانظر: الأحاديث في هذا الباب في مرويات الإمام أحمد في "التفسير" 3/ 371 - 374.

(١٥) في (أ): (ما شاء).

(١٦) ذكره الثعلبي 178 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 53، وابن الجوزي 3/ 54.

وقال الماوردي 2/ 121: (الجمهور وهو الظاهر أن: ما في البر ما على الأرض، وما في البحر ما على الماء.

وقال مجاهد: البر: القفر، والبحر: القرى لوجود الماء فيها، فلذلك سميت بحرًا) ا.

هـ.

بتصرف.

(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 2/ 257، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 2/ 436.

(١٨) انظر: "الدر المصون" 4/ 661.

(١٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 53، وذكره الثعلبي في "الكشف" 178 ب، والبغوي 3/ 151، عن عطاء فقط.

(٢٠) "تنوير المقباس" 2/ 62، وذكره الثعلبي 178 ب، والبغوي 3/ 151، وانظر: "زاد المسير" 3/ 54.

(٢١) كتاب "نظم القرآن" للجرجاني مفقود، وذكر قوله السمين في "الدر" 4/ 662، ورجح الزمخشري 2/ 24 - 25، وأبو حيان في "البحر" 4/ 146، كونه استثناء بعد استثناء للتأكيد قال أبو حيان: (هذا الاستثناء جار مجرى التوكيد؛ لأن قوله:== ﴿ وَلَا حَبَّةٍ ﴾ ﴿ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ ﴾ معطوف على قوله: ﴿ مِنْ وَرَقَةٍ ﴾ والاستثناء الأول منسحب عليها كما تقول: ما جاءني من رجل إلا أكرمته ولا امرأة، أي: إلا كرمتها، ولكنه لما طال الكلام أعيد الاستثناء على سبيل التوكيد وحسنه كونه فاصلة) ا.

هـ ملخصًا، وجعل بعضهم الاستثناء الثاني بدلاً من الأول.

انظر: "غرائب الكرماني" 1/ 363، و"البيان" 1/ 324، و"التبيان" 1/ 337، و"الفريد" 2/ 161.

(٢٢) قال السمين في "الدر" 4/ 662: (فساد المعنى من حيث اعتقد أنه استثناء آخر مستقل، ولو جعله استثناء مؤكدًا للأول لم يفسد المعنى، وكيف يتصور تمام الكلام على قوله: ﴿ وَلَا يَابِسٍ ﴾ ويبتدأ بإلا، وكيف تقع إلا هكذا؟) ا.

هـ.

ملخصًا.

(٢٣) لفظ: ﴿ وَلَا أَكْبَرَ ﴾ ساقط من (أ).

(٢٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٢٥) "معاني القرآن" 2/ 257، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 437: (أي: إلا يعلمه علمًا يقينًا، ويجوز أن يكون المعنى: إلا قد كتبه قبل أن يخلقه، والله أعلم بما أراد) ا.

هـ.

(٢٦) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 213، و"معاني النحاس" 2/ 437، و"تفسير الرازي" 13/ 10 - 11.

(٢٧) في النسخ (يكون) بالياء، والأولى تكون بالتاء.

(٢٨) في (ش): (ليقف).

(٢٩) لفظ: (من هذا) ساقط من (أ).

(٣٠) ذكره ابن الجوزي 3/ 54 - 55.

(٣١) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب ﴾ استعارة وعبارة عن التوصل إلى الغيب كما يتوصل بالمفاتح إلى ما في الخزائن، وهو جمع مفتح بكسر الميم بمعنى مفتاح، ويحتمل أن يكون جمع مفتح بالفتح وهو المخزن ﴿ وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظلمات الأرض ﴾ تنبيه بها على غيرها لأنها أشدّ تغييباً من كل شيء ﴿ كتاب مُّبِينٍ ﴾ اللوح المحفوظ، وقيل: علم الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بالغدوة ﴾ مضموم الغين ساكن الدال مفتوح الواو وكذا في الكهف: ابن عامر الباقون: بفتح الغين والدال وبالألف ﴿ أنه ﴾ بالفتح ﴿ فإنه ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع.

وقرأ ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب جميعاً بالفتح.

الباقون: بالكسر فيهما ﴿ وليستبين ﴾ بياء الغيبة: زيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ سبيل ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وزيد.

الباقون: بالرفع ﴿ يقص ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وعاصم.

الباقون ﴿ يقضي الحق ﴾ .

الوقوف: ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ من بيننا ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بكس الألف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ أهواءكم ﴾ لا لتعيين "إذا" بما قبله أي قد ضللت "إذا" اتبعت ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ وكذبتم به ﴾ ط ﴿ تستعجلون به ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ الفاصلين ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد المقصود.

﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين أمر الرسول  بالإنذار وهو الإعلام بموضع المخافة فقال له ﴿ وأنذر به ﴾ قال ابن عباس والزجاج: أي بالقرآن وهو المذكور هنا في قوله ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليّ  ﴾ وقال الضحاك: أي بالله.

قيل: والأول أولى لأن الإنذار والتخويف إنما يقع بالقول وفيه نظر، لأن الإنذار لا نزاع فيه أنه قول ولكن المنذر به قلما يكون قولاً لقوله ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة  ﴾ ﴿ فأنذرتكم ناراً تلظى  ﴾ ولو زعم أن المراد وأنذرهم النار والعذاب بواسطة القرآن قلنا: فقدر مثله ههنا، والمعنى أنذرهم العذاب بقول ينبىء عن شدة سخط الله وعقوبته.

أما ﴿ الذين يخافون أن يحشروا ﴾ فقيل: إنهم الكافرون الذين سبق ذكرهم، فلعل ناساً من المشركين من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقاً فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار فأمر أن ينذر هؤلاء دون المتمردين منهم.

ثم قال هذا القائل ولا يجوز حمله على المؤمنين لأنهم يعلمون أنهم يحشرون، والعلم خلاف الخوف والظن.

وضعف بأن الخوف شامل للناس كافة لعدم الجزم بالثواب وقبول الطاعة وإن كانوا مقرين بصحة الحشر والنشر فالظاهر أن الضمير يتناول الكل لأن العاقل لا بد أن يخاف الحشر سواء كان جازماً به أو شاكاً فيه.

وأيضاً إنه مأمور بتبليغ الكل فلا وجه للتخصيص.

وقيل: إنهم قوم مسلمون مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه لعلهم يدخلون في زمرة أهل التقوى من المسلمين.

وقيل: هم أهل الكتاب لأنهم مقرون بالعبث.

ومعنى ﴿ إلى ربهم ﴾ إلى حكمه وقضائه فلا يلزم منه مكان ولا جهة.

أما قوله ﴿ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ﴾ فقال الزجاج: إن الجملة في موضع الحال من ضمير ﴿ يحشروا ﴾ أي يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم.

فإن كان الضمير للكفار فظاهر، وإن كان للمؤمنين فشفاعة الملائكة والرسل إذا كانت بإذن الله  فإنها تكون بالحقيقة من الله  فصح أنه ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع، ولا بد من هذه الحال لأن الحشر مطلقاً ليس مخوفا وإنما المخوف هو الحشر على هذه الحالة لأنهم اعتقدوا أن لا ناصر ولا شفيع إلا الله وإذا لم يكن الله ناصراً وشفيعاً لزم أن لا يكون ناصراً أصلاً.

﴿ لعلهم يتقون ﴾ قال ابن عباس: لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي.

قالت المعتزلة: فيه دلالة على أنه أراد من الكفار التقوى والطاعة.

وأجيب بأن الترجي راجع إلى العباد.

ولما أمر بإنذار عموم المكلفين ليتقوا أردفهم بذكر المتقين وأمر بتقريبهم وإكرامهم.

"روي عن ابن مسعود أن الملأ من قريش مروا على رسول الله  - وعنده صهيب وبلال وخباب وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين - فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء أتريد أن نكون تبعاً لهؤلاء؟

اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك.

فقال  : ما أنا بطارد المؤمنين.

فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت.

فقال: نعم طمعاً في إيمانهم" .

وروي أن عمر قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون.

ثم إنهم قالوا للرسول  : اكتب بذلك كتاباً، فدعا الصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت ﴿ ولا تطرد ﴾ الآية.

فرمى بالصحيفة واعتذر عمر عن مقالته.

قال سلمان وخباب: فينا نزلت.

فكان رسول الله  يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم  ﴾ فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه.

وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات، أثنى الله عليهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي.

قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أي يصلون صلاة الصبح والعصر.

وقيل: أي يذكرون ربهم طرفي النهار، والمراد بالغداة والعشي الدوام.

والغداة لغة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والعشي ما بين الزوال إلى الغروب.

قال الجوهري: غدوة بالتنوين نكرة وبدونه معرفة غير مصروفة كسحر.

ومحل ﴿ يريدون وجهه ﴾ نصب على الحال أو على الاستئناف كأنه قيل: ما أرادوا بالمواظبة على الدعاء؟

فأجيب بقوله ﴿ يريدون وجهه ﴾ ولا يثبت به لله  عضو كما زعمت المجسمة ولكن المراد به التعظيم، فقد يعبر به عن ذات الشيء أو حقيقته كما يقال: هذا وجه الرأي وذاك وجه الدليل.

وأيضاً المحبة تستلزم طلب رؤية الوجه فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا.

ثم علل النهي بقوله ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ قيل: الضمير عائد إلى المشركين أي لا يؤاخذوا بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويدعوك ذلك إلى أن تطرد المؤمنين، والأولى أن يعود إلى الفقراء ليناسب قوله ﴿ فتطردهم ﴾ كما في قصة نوح ﴿ إن حسابهم إلا على ربي  ﴾ وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم كان الأمر على ما زعموا فيما يلزمك إلا اعتبار الظاهر إن كان لهم باطن غير مرضي فحسابهم لا يتعدى إليك كما أن حسابك لا يتعدى إليهم، فالجملتان لهما مؤدى واحد وهو المفهوم من قوله ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى  ﴾ كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه.

وقيل: ما عليك من حساب رزقهم من شيء ولا من حساب رزقك عليهم من شيء.

وإنما الرازق لك ولهم هو الله  فدعهم يكونوا عندك، أما قوله ﴿ فتطردهم ﴾ فهو جواب النفي في ﴿ ما عليك ﴾ وفي انتصاب ﴿ فتكون ﴾ وجهان: أحدهما أنه جواب النهي، والثاني أنه عطف على ﴿ فتطردهم ﴾ على وجه التسبب، لأن كونه ظالماً معلوم من طردهم ومسبب عنه، فإن طرد من يستوجب التقريب والترحيب وضع للشيء في غير موضعه ومن هنا طعن بعض الناس في عصمة النبي  قالوا: كان يقول كلما دخل أولئك الفقراء عليه بعد هذه الواقعة مرحباً بمن عاتبني ربي فيهم أو لفظ هذا معناه.

والجواب أنه ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما أفرد لهم مجلساً تألفاً لقلوبالمشركين وتكثيراً لسواد الإسلام مع علمه بأنه لا يفوت الفقراء بهذه المصالحة أمر مهم في الدنيا ولا في الدين، فغاية ذلك أنه يكون من باب تبرك الأولى والأفضل، ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الفتن العظيم ﴿ فتنا ﴾ ابتلينا بعض الناس ببعض، فأحد الفريقين وهم الكفار يرى الآخر مقدماً عليه في المناصب الدينية فيقول ﴿ أهؤلاء ﴾ المسترذلون ﴿ منّ الله عليهم من بيننا ﴾ كقوله: ﴿ أألقي الذكر عليه من بيننا  ﴾ والفريق الآخر يرى الأول مقدماً عليه في الخيرات العاجلة والخصب والسعة الراحة والدعة فيقول: أهذا هو الذي فضله الله علينا.

وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله فهو صواب، ولا اعتراض عليه بحكم المالكية وبحسب رعاية الأصلح.

وبالجملة فصفات الكمال غير محصورة ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة بل هي موزعة على الخلائق وكلها محبوبة لذاتها.

فكل إنسان يحسد صاحبه على ما آتاه الله  من صفة الكمال، فمن عرف سر القدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض لغيره وعاش عيشاً طيباً في الدنيا والآخرة.

قال هشام بن الحكم الافتتان الاختبار والامتحان، وفيه دليل على أنه  لا يعلم الجزيئات إلا عن حدوثها.

والجواب أنه يعامل المكلف معاملة المختبر وقد مر مراراً.

وقالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال لأن تلك الفتنة التي ألقاها الله  ليست إلا اعتراضهم على الله والاعتراض عليه كفر.

فهو  خالق للكفر.

وأيضاً منة الله عليهم ليست إلا بالإيمان ومتابعة الرسول، فلو كان الموجد للإيمان هو العبد كان العبد هو المان على نفسه.

أجاب المعتزلة بأن معنى فتناهم ليقولوا خذلناهم حتى آل أمرهم إلى أن قالوا: فتكون اللام لام العاقبة، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع أنا ننقل الكلام إلى الخذلان فلا بد من الانتهاء إليه تعالى ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ بمن يصرف كل ما أنعم به عليه فيما أعطاه لأجله فيظهر أفعاله على حسب معلوم الله  .

وقال في الكشاف: أي الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان، وبمن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق.

﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيّه  عن طردهم وكان إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" .

وقال ماهان الحنفي: أتى قوم النبي  فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً، وأظهروا الندامة والأسف فما أخاله رد عليهم بشيء.

فلما ذهبوا وتولوا نزلت الآية.

قال في التفسير الكبير: الأقرب أن تحمل الآية على عمومها، فكل من آمن بآيات الله  يدخل تحت هذا التشريف والإكرام ثم أبدى إشكالاً وهو أن المفسرين اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من جميع آي هذه السورة إنها نزلت بسبب الأمر الفلاني؟

قلت: لا استبعاد في أن تنزل السورة دفعة وينزل الصحابة كل آية منها على واقعة تناسبها، كيف وهم أعرف بحقائق التنزيل وأعلم بدقائق التأويل لأنهم أهل مشاهدة الوحي وأرباب مزاولة الأمر والنهي؟!

واعلم أن ما سوى الله  فهو آيات وجود الله،وأنها لا تكاد تنحصر فيجب على المكلف أن يكون مدة حياته كالسابح في تلك البحار والسائح في هذه القفار ليكون دائماً مترقياً في معارجها مترقباً أن تفيض عليه الأنوار من مدارجها فيستعد لبشارة ﴿ سلام عليكم ﴾ ويستأهل لكرامة ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم.

قال الزجاج: ﴿ سلام ﴾ إما مصدر "سلمت سلاماً وتسليماً" مثل: كلمت كلاماً وتكليماً.

ومعناه الدعاء بأن يسلم من الآفات في نفسه ودينه، وإما أن يكون جمع سلامة.

وقيل: السلام هو الله أي الله عليكم أي على حفظكم ولعل هذا الوجه إنما يتأتى في المعرف لا في المنكر.

﴿ كتب ربكم ﴾ من جملة المقول لهم تبشيراً بسعة رحمة الله وقبوله التوبة.

ومعنى كتب على نفسه أوجب على ذاته إيجاب الكرم لا إيجاباً يستحق بتركه الذم.

وقالت المعتزلة: كونه عالماً بقبح القبائح وباستغنائه عنها يمنعه عن الإقدام عليها ولو فعل كان ظلماً، وإيجاب الرحمة ينافي القول بأنه منع الكافر من الإيمان ثم أمره حال ذلك المنع بالإيمان ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان، وأجيب بأنه فاعل لما يشاء ولا اعتراض عليه.

﴿ أنه من عمل ﴾ من قرأ بالفتح فعلى الإبدال من الرحمة، ومن قرأ بالكسر فعلى الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: إنه من عمل ﴿ منكم سوءاً بجهالة ﴾ وهو في موضع الحال أي عمله وهو جاهل.

والمراد أنه فاعل فعل الجهال لأن من عمل ما يضره في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه لا من أهل الحكمة والتدبير، أو أنه جاهل بعاقبته ومن حق الحكيم أن لا يقدم على ما لا يعرف مآل حاله.

﴿ ثم تاب من بعده ﴾ بأن يندم على ما فعله ﴿ وأصلح ﴾ العمل في المستقبل ﴿ فأنه غفور ﴾ يزيل العقاب عنه ﴿ رحيم ﴾ يوصل الثواب إليه من قرأ بالكسر فعلى: أن الجملة جزاء للشرط، ومن قرأ بالفتحفعلى أن الخبر أو المبتدأ محذوف أي فغفرانه كائن أو فأمره أنه غفور.

قيل: إن الآية نزلتفي عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما طلبوا ولم يعلم أنها مفسدة.

﴿ وكذلك ﴾ أي كما فصلنا في هذه السورة دلائلنا على التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ﴿ نفصل الآيات ﴾ ونميزها لك في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل ﴿ وليستبين ﴾ معطوف على محذوف كأنه قيل: ليظهر الحق وليستبين، أو معلق بمحذوف أي وليستبين سبيل المجرمين فصلنا ذلك التفصيل البين.

من رفع "السبيل" قرأ ﴿ ليستبين ﴾ بالياء أو بالتاء لأن السبيل يذكر ويؤنث، ومن نصب السبيل قرأ ﴿ لتستبين ﴾ بتاء الخطاب مع الرسول يقال: استبان الأمر وتبين واستبنته وتبينته واستبانة سبيل المجرمين تستلزم استبانة طريق المحقين، فلذلك اقتصر على أحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ ولم يذكر البرد.

وإنما ذكر المجرمين دون المحقين لأن طريق الحق واحد والمجرمون أصناف يشتبه أمرهم، فمنهم من هو مطبوع على قلبه، ومنهم من يرجى فيهم قبول الإسلام، ومنهم من دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده فينبغي أن يستوضح سبيلهم ليعامل كلاً منهم بما يجب، ومن جملة ذلك أنه نهى عن عبادة معبوداتهم وذلك قوله ﴿ قل إني نهيت ﴾ أي صرفت بدلائل العقلية والسمعية ﴿ أن أعبد الذين تدعون ﴾ تعبدون ﴿ من دون الله قل لا أتبع أهواءكم ﴾ لأن عبادة المصنوع والمخلوف محض التقليد وعين الهواى ﴿ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ﴾ أثبت الضلال إذ ذاك ونفى الهدى مع أنهما متلازمان للتقرير والتأكيد، وفيه تعريض بهم أنهم كذلك.

ثم نبه على ما يجب اتباعه بقوله ﴿ قل إني على بينة من ربي ﴾ على حجة واضحة من مغفرة ربي وأنه لا معبود سواه ﴿ وكذبتم ﴾ أنتم به حيث أشركتم به غيره.

يقال: أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه إذا كان ثابتاً عنده بدليل.

وقيل: أي على حجة من جهة ربي وهي القرآن ﴿ وكذبتم به ﴾ أي بالبينة وذكر الضمير على تأويل القرآن أو البيان.

﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء  ﴾ قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحرث ورؤساء قريش كانوا يقولون: يا محمد آتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم.

﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ مطلق يتناول الكل.

فقال الأشاعرة: لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله  فيمتنع منه فعل الكفر إلا بإرادة الله، واحتجت المعتزلة بقوله ﴿ يقضي الحق ﴾ أي كل ما قضى به فهو الحق، وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس بحق.

ويمكن أن يقال: إن جميع أحكامه حق وصدق ولا اعتراض لأحد عليه بحكم المالكية.

وانتصاب ﴿ الحق ﴾ على أنه صفة مصدر أي يقضي القضاء الحق، أو مفعول به من قولهم: قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره.

ومثله من قرأ ﴿ يقصر الحق ﴾ كقوله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص  ﴾ أي يقول الحق أو يتبعه من قص أثره ﴿ وهو خير الفاصلين ﴾ أي القاضي، وإنما كتب ﴿ يقض ﴾ في المصاحف بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، وليوافق قراءة ﴿ يقص ﴾ ﴿ قل لو أن عندي ﴾ أي في قدرتي وإمكاني ﴿ ما تستعجلون ﴾ من العذاب ﴿ لقضي الأمر ﴾ أمر الإهلاك ﴿ بيني وبينكم ﴾ عاجلاً غضباً لربي ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ فيؤخر عقابهم إلى وقته وأنا لا أعلم ما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره.

فإن قلت: أما يناقض هذا قوله ﴿ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا  ﴾ فإن استعجال الهلاك ينافي الحرص على الإيمان، لأن من حرص على إيمان أحد حرص على طول حياته طمعاً في إيمانه.

قلت: لا، بل يؤكده لاشتراك كل من الحكمين في الاستعجال اللازم للبشرية في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولا  ﴾ ثم بين  أعلميته بقوله على سبيل الاستعارة ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ أراد أن المتوصل إلى المغيبات وحده كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها ولم يمنعه من ذلك مانع، والمفاتح جمع مفتح وهو المفتاح، أو جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن، قال الحكيم في بيانه: إن العلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول وكل ما سوى الواجب فإنه موجود بإيجاده وتكوينه بواسطة أو بوسائط، فعلمه بذاته يوجب العلم بجميع آثاره على ترتيبها المعتبر - كليات كانت أو جزيئات - وعلمه بذاته لم يحصل إلا لذاته فصح ان يقال: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.

وفيه أنه لا ضد له ولا ند إذ لو كان في الوجود واجب آخر لكانت مفاتح الغيب حاصلة أيضاً عنده فيبطل هذا الحصر، ولا يمكن أن تكون هذه المفاتح عند شيء من الممكنات لأن المحاط لا يحيط بمحيطه فلا يحيط ما دون الواجب بالواجب، فلا يكون المفتاح الأوّل للعلم بجميع المعلومات إلا عنده.

ثم إن قوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ قضية معقولة مجردة، والإنسان الذي يقوي على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جداً والقرآن إنما نزل لينتفع به جميع الناس فذكر من الأمور المحسوسة الداخلة تحت تلك القضية الكلية أمثالاً لها ليعين الحس العقل فقال ﴿ ويعلم ما في البر والبحر ﴾ لأن ذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظيمة لذلك المعقول، وقدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر وكثرة ما فيه من المدن والقرى والجبال والتلال والمعادن والنبات والحيوان، وأما البحر فإحاطة الحس بأحواله أقل مع كثرة ما فيها من العجائب والغرائب أيضاً.

ثم أفرد من هذه المحسوسات قسماً فقال ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ﴾ أي لا يتغير حال ورقة إلا والحق يعلمها.

ثم عدل عن التعجيب من كثرة المدركات إلى التعجيب من صغر المدرك وخفائه فقال ﴿ ولا حبة في ظلمات الأرض ﴾ وفي تخصيص الحبة والورقة تنبيه للمكلفين على أمر الحساب لأنه إذا كان بحيث لا يهمل أمر الأشياء التي ليس لها ثواب ولا عقاب فلأن لا يهمل أمر المكلفين أولى.

ثم عاد إلى ذكر القضية الكلية المجردة بعبارة أخرى فقال ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ قال في الكشاف: ولا حبة ولا رطب ولا يابس عطف على ورقة وداخل في حكمها كأنه قيل: وما يسقط شيء من هذه الأشياء إلا وهو يعلمه.

وقوله ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ إلا يعلمها ﴾ ومعنى ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ واحد.

والكتاب المبين علم الله أو اللوح.

قال علماء التفسير: يجوز أن يكون الله جل شأنه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق لتقف الملائكة على نفاذ علمه في المعلومات وأنه لا يغيب عنه شيء، فيكون في ذلك عبرة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في العالم فيجدونه موافقاً له.

أو لأنه إذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع تغيرها وإلا لزم الكذب أو الجهل فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب سبباً تاماً في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم.

ثم لما بين كمال علمه أردفه ببيان كمال قدرته بقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم ﴾ أي يتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز.

وذلك أن الأرواح الجسمانية تغور حالة النوم من الظاهر إلى الباطن فتتعطل الحواس عن بعض الاعمال، وأما عند الموت فتصير جملة البدن معطلة عن كل الأعمال فلهذا كان النوم أخا الموت فصح إطلاق لفظ الوفاة على النوم من هذا الوجه ﴿ ويعلم ما جرحتم ﴾ أي ما كسبتم من العمل بالنهار ومنه الجوارح للأعضاء وللسباع ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ أي يردّ إليكم أرواحكم بالنهار ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ أي أعماركم المكتوبة.

وقضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت.

ثم لما ذكر أنه يميتهم أولاً ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جارياً مجرى الإحياء بعد الإماتة فلا جرم استدل بذلك على صحة البعث في القيامة فقال ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ في ليلكم ونهاركم وجميع أحوالكم وأوقاتكم.

واعلم أن في هذه الآية إشكالاً لأن قوله ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ كان ينبغي أن يكون بعد قوله ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ فإن البعث في النهار مقدم على الكسب فيه بل على تعلق العلم بالكسب.

ويمكن أن يجاب بأن المراد ويعلم ما جرحتم في النهار الماضي بدليل قوله ﴿ جرحتم ﴾ دون "تجرحون" ثم يبعثكم في النهار الآتي.

والغرض بيان إحاطة علمه وقدرته بالزمانين المحيطين بالليل.

ولعل صاحب الكشاف لمكان هذا الإشكال عدل عن هذا التفسير إلى أن قال: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ والخطاب للكفرة أي أنتم منسدحون الليل كالحيف.

والانسداح الانبطاح أو الاستلقاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ ما كسبتم من الآثام فيه ﴿ ثم يبعثكم ﴾ من القبور ﴿ فيه ﴾ أي في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام في النهار ومن أجله كقولك: فيم دغوتني؟

فيقول: في أمر كذا ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم ﴿ ثم إليه مرجعكم ﴾ وهو المرجع إلى موقف الحساب.

والأصوب عندي أن يقال: الخطاب عام، وكذا الكسب في النهار فينبغي أن لا يقيد بالآثام.

أما الضمير في ﴿ فيه ﴾ فيكون جارياً مجرى اسم الإشارة إلى الكسب.

والبعث هو البعث من القبور إلى آخر ما قال والله علم.

التأويل: ﴿ وأنذر به ﴾ أي بهذه الحقائق والمعاني ﴿ الذين يخافون ﴾ أي يرجون ﴿ أن يحشروا إلى ربهم ﴾ بجذبات العناية ويتحقق لهم أن ﴿ ليس لهم ﴾ في الوصول إلى الله ﴿ من دونه ولي ﴾ من الأولياء ﴿ ولا شفيع ﴾ يعني من الأنبياء، لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق.

﴿ ولا تطرد الذين يدعون ﴾ أخبر عن الفقراء أنهم جلساؤه بالغداة والعشي كما قال "أنا جليس من ذكرني" فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك لا يريدون الدنيا ولا الآخرة ولكن يريدون وجهه.

وكل له سؤل ودين ومذهب *** ووصلكم سؤلي وديني رضاكم قال المحققون: الإرادة اهتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصلإلى الله.

فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ولا يجد من دون الوصول إلى الله  سكوناً ولا قراراً ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ يعني الذي لنا معك في الحساب من المواصلة والتوحيد في الخلوة فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك ثقلاً ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ أي الذي لنا معهم في الحساب من التفرد للوصول والوصال ليس لك إلى ذلك حاجة ليثقل عليهم ﴿ فتطردهم ﴾ فتكسر قلوبهم بالطرد ﴿ فتكون من الظالمين ﴾ بوضع الكسر مقام الجبر فإنك بعثت لجبر قلوبهم لا لكسر قلوبهم كقوله ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين  ﴾ ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ ليشكر الفاضل وليصبر المفضول فيستويان في الفضل فلهذا قيل: لسليمان ولأيوب كليهما: نعم العبد.

مع قدرة سليمان على أسباب الطاعة وعجز أيوب عنها.

ومن فتنة الفاضل في المفضول رؤية فضله على المفضول أو تحقيره، ومنع حقه عنه في فضله، ومن فتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخطه عليه في منع حقه من فضله عنه، فإن المعطي والمانع هو الله.

ومنه أن لا يرىالفاضل مستحقاً للفضل ليقولوا ﴿ أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إنه  من كمال فضله على الفقراء حملهم محمل الأكابر والملوك في الدنيا فقال لنبيه  : "كن مبتدئاً بالسلام عليهم وفي الآخرة فألهم الملائكة أن يسلموا عليهم في الجنة" { ﴿ سلام عليكم طبتم  ﴾ بل سلم بذاته عليهم ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ وكل ذلك نتيجة سلامتهم من ظلمة الخلقة بإصابة رشاش النور في الأزل فلهذا قال ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ أي الرحمة الخاصة كما خص الخضر في قوله ﴿ وآتيناه رحمة من عندنا  ﴾ والرحمة العامة كما في الحديث الرباني للجنة "إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" ﴿ أنه من عمل منكم ﴾ أي من المؤمنين ﴿ سوءاً بجهالة ﴾ أي بجهالة الجهولية التي جبل الإنسان عليها لا بجهالة الضلالة التي هي نتيجة إخطاء النور فإن هذه لا توبة لها ﴿ ثم تاب من بعده ﴾ أي رجع إلى الله بقدم السير من بعد إفساد الاستعداد الفطري وأصلح الاستعداد بالأعمال الصالحة لقبول الفيض.

﴿ قل إني نهيت ﴾ في الأزل بإصابة النور المرشش.

﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ من عبادة الهوى ﴿ لقضي الأمر ﴾ يعني أمر القتال والخصومات ولاسترحت من أذيتكم لأن الشيء إنما ينفعل عن ضده لا عن شبيهه ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ يعني العلوم العقلية التي هي سبب فتح باب صور عالم الشهادة كالنقاش ينشيء الصور في ذهنه ثم يصوّرها في الخارج.

وإنما وحد الغيب وجمع المفاتح لأن عالم الغيب عالم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة يعلم التكوين ﴿ ويعلم ما في البر ﴾ وهو عالم الشهادة ﴿ والبحر ﴾ وهو عالم الغيب ﴿ و ﴾ بهذا العلم ﴿ ما تسقط من ورقة ﴾ عن شجرة الوجود ﴿ إلا يعلمها ﴾ لأنه مكونها ومسقطها ﴿ ولا حبة ﴾ هي حبة الروح ﴿ في ظلمات ﴾ صفات أرض النفس، أو حبة المحبة في ظلمات أرض القلب ﴿ ولا رطب ولا يابس ﴾ الرطب المؤمن، واليابس ما سيصير موجوداً وما قد صار.

أو الرطب الروحانيات.

واليابس الجمادات.

أو الرطب المؤمن، واليابس الكافر.

أو الرطب العالم، واليابس الجاهل.

أو الرطب العارف، واليابس الزاهد.

أو الرطب أهل المحبة، واليابس أهل السلوة.

أو الرطب صاحب الشهود، اليابس صاحب الوجود.

أو الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنصيبه ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ ليل القضاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ نهار القدر أو الليل، ليل صفات البشرية والنهار نهار الشهود في عالم الوحدة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ ﴾ .

هذا - والله أعلم - يحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ  ﴾ ، وصلة قوله: ﴿ مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ ؛ كانوا يطلبون منه  ويسألونه أشياء من التوسيع في الرزق، وغير ذلك مما كان يعدهم من الكرامة والمنزلة والسعة، وكان يوعدهم بالعذاب ويخوفهم بالهلاك، فيستعجلون ذلك منه ويطلبون منه ما أوعدهم فقال: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ ﴾ ، ليس ذلك عندي، لا يعلم ذلك إلا هو.

ومفاتح: من المفتح، ليس من المفتاح [؛ لأن المفتاح] يكون جمعه مفاتيح، والمفتح: يقال في النصر والمعونة؛ يقال: فتح الله عليه بلدة كذا، أي: نصره وجعله غالباً عليهم، ويقال فيما يحدثه ويستفيد منه: فتح فلان على فلان باب كذا، أي: علمه علم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ ﴾ .

أي: من عنده يستفاد ذلك ومنه يكون، ومن نصر آخر إنما ينصر به، ومن علم آخر علما إنما يعلمه به، ومن وسع على آخر رزقاً إنما يوسعه بالله، كل هذا يشبه أن يخرج تأويل الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .

هذا يحتمل وجوهاً؛ يحتمل [أي يعلم] ما في البر والبحر من الدواب، وما يسكن فيها من ذي الروح، كثرتها وعددها وصغيرها [وكبيرها] لا يخفى عليه شيء.

والثاني: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ ، أي: يعلم رزق كل ما في البر والبحر من الدواب ويعلم حاجته، ثم يسوق إلى كل من ذلك رزقه.

يذكر هذا - والله أعلم - ليعلموا أنه لما ضمن للخلق لكل منهم رزقه، يسوق إليه رزقه من غير تكلف ولا طلب؛ [كما يسوق أرزاق] كل ما في البر والبحر من غير طلب ولا تكلف، لا تضيق قلوبهم لذلك، فما بالكم تضيق قلوبكم على ذلك، وقد ضمن ذلك لكم كما ضمن لأولئك؟!

والثالث: يعلم ما في البر والبحر من اختلاط الأقطار بعضها ببعض، ومن دخول بعض في بعض، يخرج هذا على الوعيد: أنه لما كان عالماً بهذا كله يعلم بأعمالكم ومقاصدكم.

فإن قيل: هذا الذي ذكر كله في الظاهر دعوى، فما الدليل على أنه كذلك؟

قيل: اتساق التدبير في كل شيء وآثاره فيه يدل على أنه كان بتدبير واحد؛ لأن آثار التدبير في كل شيء واتساقه على سنن واحد ظاهرة بادية، فذلك يدل على ما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ...

﴾ \[الآية\].

يحتمل الكتاب - هاهنا -: التقدير والحكم اختلف فيه؛ قال بعضهم: قوله: ﴿ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: محفوظ كله عنده؛ يقول الرجل لآخر: عملك كله عندي مكتوب، يريد الحفظ، أي: محفوظ عندي، وذلك جائز في الكلام.

وقيل: الكتاب - هاهنا -: [هو] اللوح المحفوظ، أي: كله مبين فيه.

وقال الحسن - رحمه الله -: إن الله يخرج كتاباً في كل ليلة قدر، ويدفعه إلى الملائكة، وفيه مكتوب كل ما يكون في تلك السنة؛ ليحفظوه على ما يكون.

أو كلام نحو هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ﴾ .

قال بعض أهل الكلام: إن لكل حاسة من هذه الحواس روحاً تقبض عند النوم، ثم ترد إليها، سوى روح الحياة فإنها لا تقبض؛ لأنه يكون أصم بصيراً متكلماً ناطقاً، ويكون أعمى سميعاً، ويكون أخرس سميعاً بصيراً، فثبت أن لكل حاسة من حواس النفس روحاً على حدة تقبض عند النوم، ثم ترد إليها إذا ذهب النوم.

وأما الروح التي بها تحيا النفس: فإنه لا يقبض ذلك منه إلا عند انقضاء أجله وهو الموت.

وقالت الفلاسفة: الحواس هي التي تدرك صور الأشياء بطينتها.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ﴾ .

فيه دلالة أن ليس ذكر الحكم في حال أو تخصيص الشيء في حال دلالة سقوط ذلك في حال أخرى؛ لأنه قال: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ﴾ ، ليس فيه أنه لا يعلم ما جرحنا بالليل، بل يعلم ما يكون منا بالليل والنهار جميعاً، وليس فيه أنه لا يتوفانا بالنهار وألا نجرح بالليل، لكنه ذكر الجرح بالنهار والوفاة بالليل؛ [لما أن الغالب أن يكون النوم بالليل والجرح بالنهار؛ فهو كقوله -  : ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ ليس ألا يبصر بالليل، لكن ذكر النهار] لما أن الغالب مما يبصر إنما يكون بالنهار؛ فعلى ذلك الأول.

ثم فيه دلالة أن النائم غير مخاطب في حال نومه؛ حيث ذكر الوعيد فيما يجرحون بالنهار ولم يذكر بالليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ﴾ .

قال بعضهم: جرحتم، أي: أثمتم بالنهار.

وقيل: يعلم ما كسبتم بالنهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ .

يستدل بقوله: ﴿ يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ على الإحياء بعد الموت؛ لأنه يذهب أرواح هذه الحواس ثم يردها إليها من غير أن يبقى لها أثر، فكيف تنكرون البعث بعد الموت وإن لم يبق من أثر الحياة [شيء]؟!

ثم القول في الجمع بعد التفرق مما الخلق يفعل ذلك ويقدر عليه؛ نحو ما يجمع من التراب المتفرق فيجعله طيناً، ورفع البناء من مكان، ووضعه في مكان آخر، وغير ذلك من جمع بعض إلى بعض، وتركيب بعض على بعض؛ فدل أن الأعجوبة في ردّ ما ذهب كله حتى لم يبق له أثر، لا في جمع ما تفرق، والله أعلم.

وقوله - عز جل -: ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ .

أي: يوقظكم، ويرد إليكم أرواح الحواس.

﴿ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ .

أي: مسمى العمر إلى الموت.

﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

خرج هذا على الوعيد لما ذكرنا؛ ليكونوا على حذر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .

يعلم كل ما يغيب عن الخلق ولا يخفى عليه شيء؛ لأنه عالم بذاته لا يحجبه شيء، ليس كعلم من يعلم بغيره، فيحول بينه وبين العلم بالأشياء الحجب والأستار، فأما الله -  وتعالى - فعالم بذاته لا يعزب عنه شيء، ولا يكون له حجاب عن شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً ﴾ : فيه جميع ما يحتاج أهل التوحيد في التوحيد؛ لأنه أخبر أنه قاهر لخلقه وهم مقهورون، ومن البعيد أن يشبه القاهر المقهور بشيء، أو يشبه المقهور القاهر بوجه، أو يكون المقهور شريك القاهر في معنى؛ لأنه لو كان شيء من ذلك لم يكن قاهرا من جميع الوجوه، ولا كان الخلق مقهوراً في الوجوه كلها، فإذا كان الله قاهراً بذاته الخلق كله كانت آثار قهره فيهم ظاهرة، وأعلام سلطانه فيهم بادية؛ دل على تعاليه عن الأشباه والأضداد، وأنه كما وصف ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ .

يكون على وجهين: أحدهما: وهو القاهر وهو فوق عباده.

الثاني: على التقديم والتأخير؛ وهو فوق عباده القاهر.

ويحتمل قوله: ﴿ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ : بالنصر لهم والمعونة والدفع عنهم؛ كقوله: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  ﴾ ، أي: بالنصر والمعونة، والعظمة والرفعة والجلال، ونفاذ السلطان والربوبية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً ﴾ .

أخبر أنه القاهر فوق عباده، وأنه أرسل عليهم الحفظة؛ ليعلموا أن إرسال الحفظة عليهم لا لحاجة له [في ذلك لما أخبر [أنه] قاهر فوق عباده ولو كان ذلك لحاجة له] لم يكن قاهراً؛ لأن كل من وقعت له حاجة صار مقهوراً تحت قهر آخر، فالله -  - يتعالى عن أن تمسه حاجة، أو يصيبه شيء مما يصيب الخلق، بل إنما أرسلهم عليهم لحاجة الخلق: إما امتحاناً منه للحفظة على محافظة أعمال العباد والكتابة عليهم، من غير أن تقع له في ذلك حاجة، يمتحنهم على ذلك، ولله أن يمتحن عباده بما شاء من أنواع المحن، وإن أكرمهم ووصفهم بالطاعة في الأحوال كلها بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات.

والثاني: يرسلهم عليهم بمحافظة أعمالهم والكتابة عليهم؛ ليكونوا على حذر في ذلك [العمل]، [وذلك في الزجر أبلغ وأكثر؛ لأن من علم أن عليه رقيباً في عمله وفعله كان أحذر في ذلك العمل].

وأنظر فيه، وأحفظ له ممن لم يكن عليه ذلك، وإن كان يعلم كل مسلم أن الله عالم الغيب لا يخفى عليه شيء، عالم بما كان منهم وبما يكون أنه كيف يكون؟

ومتى يكون؟

ثم اختلف في الحفظة هاهنا: قال بعضهم: هم الذين قال الله [فيهم]: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ  وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ  وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ  وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ  عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ  يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ  ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ  فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ  كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ  وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ  كِرَاماً كَاتِبِينَ  يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ  ﴾ يكتبون أعمالهم ويحفظونها عليهم.

وقال آخرون: هم الذين يحفظون أنفاس الخلق، ويعدون عليهم إلى وقت انقضائها وفنائها، ثم تقبض منه الروح ويموت؛ ألا ترى أنه قال على أثره: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ﴾ ؛ دل على أن الحفظة - هاهنا - هم الذين سلطوا على حفظ الأنفاس، والعد عليهم إلى وقت الموت، والله أعلم.

ثم في قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه ذكر مجيء الموت وتوفي الرسل، وقال: ﴿ خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ  ﴾ ومجيء الموت هو توفي الرسل وتوفي الرسل هو مجيء الموت.

ثم أخبر أنه خلق الموت دل أنه خلق توفيهم، فاحتال بعض المعتزلة في هذا وقال: إن الملك هو الذي ينزع الروح ويجمعه في [موضع]، ثم إن الله يتلفه ويهلكه.

فلئن كان ما قال، فإذن لا يموت بتوفي الرسل أبداً؛ لأنهم إذا نزعوا وجمعوا في موضع تزداد حياة الموضع الذي جمعوا فيه؛ لأنه اجتمع كل روح النفس في ذلك الموضع، فإن لم يكن دل أن ذلك خيال، والوجه فيه ما ذكرنا من الدلالة، وهو ظاهر بحمد الله، يعرفه كل عاقل يتأمل فيه ولم يعاند، وبالله التوفيق.

ثم اختلف في قوله: ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ : قال بعضهم: هو ملك الموت وحده، وإن خرج الكلام مخرج العموم بقوله: ﴿ رُسُلُنَا ﴾ ، والمراد منه الخصوص؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ  ﴾ ، أخبر أنه هو الموكل والمسلط على ذلك.

وقال آخرون: يتوفاه أعوان ملك الموت، ثم يقبضه ملك الموت ويتوفاه.

وقال قائلون: يكون معه ملائكة تقبض الأنفس، ويتوفاه ملك الموت.

لكن [ذكر] ذلك لا ندري أن كيف هو،؟

ليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة، ولكن إلى معرفة ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ﴾ فيه إخبار عن شدة طاعة الملائكة ربهم، وأن الرأفة لا تأخذهم فيما فيه تأخير أمر الله وتفريطه؛ لأن من دخل على من في النزع، أخذته من الرأفة ما لو ملك حياته لبذل له، فأخبر عز وجل أنهم لا يفرطون فيما أمروا ولا يؤخرونه؛ لتعظيمهم أمر الله وشدة طاعتهم له، وعلى ذلك وصفهم: ﴿ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ ﴾ .

ذكر الرد إلى الله، وأنه مولاهم الحق، وإن كانوا في الأحوال كلها مردودين إلى الله، وكان مولاهم الحق في الدنيا والآخرة.

وكذلك قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً  ﴾ وكذلك قوله: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ  ﴾ كان الملك له في الدنيا والآخرة، وكانوا بارزين له جميعاً في الأوقات كلها؛ لما كانوا أصحاب الشكوك، فارتفع ذلك عنهم، وخلص بروزهم وردهم إلى الله خالصاً لا شك فيه؛ وكذلك كان الملك [له] في الدنيا والآخرة وهي الأيام كلها، لكن نازعه غيره في الملك في الدنيا، ولا أحد ينازعه في ذلك اليوم في الملك، فقال: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ  ﴾ ؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ ﴾ ، كان مولاهم الحق في الأوقات كلها والأحوال، ولكن عند ذلك يظهر لهم أنه كان مولاهم الحق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل: ردوا إلى ما وعدهم وأوعد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ ﴾ : في تأخير الموت والحياة، وقبض الأرواح، وتوفي الأنفس.

ويحتمل [قوله]: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ ﴾ في التعذيب في النار والثواب والعقاب ليس يدفع ذلك عنهم دافع سواه، ولا ينازعه أحد في الحكم.

﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ ﴾ .

عن الحسن قال: هو سريع العقاب؛ لأنه إنما يحاسب ليعذب كما روي: "من نوقش الحساب عذب" وهو أسرع الحاسبين؛ لأنه لا يحاسب عن حفظ ولا تفكر، ولا يشغله شيء، وأما غيره: فإنما يحاسب عن حفظ وتفكر وعن شغل، فهو أسرع الحاسبين؛ إذ لا يشغله شيء.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وعند الله وحده خزائن الغيب، لا يعلمها غيره، ويعلم كل ما في البر من مخلوقات من حيوان ونبات وجماد، ويعلم ما في البحر من حيوان ونبات، وما تسقط من ورقة في أي مكان، ولا توجد حبة مخبوءة في الأرض، ولا يوجد رطب، ولا يوجد يابس، إلا كان مثبتًا في كتاب واضح هو اللوح المحفوظ.

من فوائد الآيات الله تعالى يجعل العباد بعضهم فتنة لبعض، فتتفاوت درجاتهم في الرزق وفي الكفر والإيمان، والكفر والإيمان ليس منوطًا بسعة الرزق وضيقه.

من أخلاق الداعية طلاقة الوجه وإلقاء التحية والتبسط والسرور باصحابه.

على الداعية اجتناب الأهواء في عقيدته ومنهجه وسلوكه.

إثبات تفرد الله عز وجل بعلم الغيب وحده لا شريك له، وسعة علمه في ذلك، وأنه لا يفوته شيء ولا يعزب عنه من مخلوقاته شيء إلا وهو مثبت مدوَّن عنده سبحانه بأدق تفاصيله.

<div class="verse-tafsir" id="91.0e3AX"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد