الآية ٧٩ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٧٩ من سورة الأنعام

إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٧٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 136 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٩ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٩ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( إني وجهت وجهي ) أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي ( للذي فطر السماوات والأرض ) أي : خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق .

) حنيفا ) أي في حال كوني حنيفا ، أي : مائلا عن الشرك إلى التوحيد ; ولهذا قال : ( وما أنا من المشركين ) وقد اختلف المفسرون في هذا المقام ، هل هو مقام نظر أو مناظرة؟

فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر ، واختاره ابن جرير مستدلا بقوله : ( لئن لم يهدني ربي [ لأكونن من القوم الضالين ] ) وقال محمد بن إسحاق : قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه ، حين تخوفت عليه النمرود بن كنعان ، لما أن قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكك على يديه ، فأمر بقتل الغلمان عامئذ .

فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها ، ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد ، فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك .

وذكر أشياء من خوارق العادات ، كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف .

والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، كان في هذا المقام مناظرا لقومه ، مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام ، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية ، التي هي على صورة الملائكة السماوية ، ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه ، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته ، ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر ، وغير ذلك مما يحتاجون إليه .

وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل ، وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة ، وهي : القمر ، وعطارد ، والزهرة ، والشمس ، والمريخ ، والمشترى ، وزحل ، وأشدهن إضاءة وأشرقهن عندهم الشمس ، ثم القمر ، ثم الزهرة .

فبين أولا أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية ; لأنها مسخرة مقدرة بسير معين ، لا تزيغ عنه يمينا ولا شمالا ولا تملك لنفسها تصرفا ، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة ، لما له في ذلك من الحكم العظيمة ، وهي تطلع من المشرق ، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه ، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال .

ومثل هذه لا تصلح للإلهية .

ثم انتقل إلى القمر .

فبين فيه مثل ما بين في النجم .

ثم انتقل إلى الشمس كذلك .

فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار ، وتحقق ذلك بالدليل القاطع ( قال يا قوم إني بريء مما تشركون ) أي : أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن ، فإن كانت آلهة ، فكيدوني بها جميعا ثم لا تنظرون ( إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) أي : إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها ، الذي بيده ملكوت كل شيء ، وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه ، كما قال تعالى : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) [ الأعراف : 54 ] وكيف يجوز أن يكون إبراهيم [ الخليل ] ناظرا في هذا المقام ، وهو الذي قال الله في حقه : ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ) الآيات [ الأنبياء : 51 ، 52 ] ، وقال تعالى : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) [ النحل : 120 - 123 ] ، وقال تعالى : ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) [ الأنعام : 161 ] .

وقد ثبت في الصحيحين ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " كل مولود يولد على الفطرة " وفي صحيح مسلم ، عن عياض بن حماد ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " قال الله : إني خلقت عبادي حنفاء " وقال الله في كتابه العزيز : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) [ الروم : 30 ] ، وقال تعالى : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) [ الأعراف : 172 ] ومعناه على أحد القولين ، كقوله : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) كما سيأتي بيانه .

فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة ، فكيف يكون إبراهيم الخليل - الذي جعله الله ( أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ) [ النحل : 120 ] ناظرا في هذا المقام ؟!

بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة ، والسجية المستقيمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا شك ولا ريب .

ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا قوله تعالى

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن خليله إبراهيم عليه السلام: أنه لما تبيّن له الحق وعرَفه, شهد شهادةَ الحقّ, وأظهر خلاف قومِه أهلِ الباطل وأهلِ الشرك بالله، ولم يأخذه في الله لومة لائم, ولم يستوحش من قِيل الحقِّ والثبات عليه, مع خلاف جميع قومه لقوله، وإنكارهم إياه عليه, وقال لهم: " يا قوم إنّي بريء مما تشركون " مع الله الذي خلقني وخلقكم في عبادته من آلهتكم وأصنامكم, (69) إني وجهت وجهي في عبادتي إلى الذي خلق السماوات والأرض, الدائم الذي يبقى ولا يفنى، ويُحْيي ويميت = لا إلى الذي يفنى ولا يبقى، ويزول ولا يدوم، ولا يضر ولا ينفع.

ثم أخبرهم تعالى ذكره: أن توجيهه وجهه لعبادته، بإخلاص العبادة له، والاستقامة في ذلك لربه على ما يحبُّ من التوحيد, لا على الوجه الذي يوجَّه له وَجْهه من ليس بحنيف, ولكنه به مشرك, (70) إذ كان توجيه الوجه على غير التحنُّف غير نافع موجِّهه، (71) بل ضارّه ومهلكه =" وما أنا من المشركين "، ولست منكم ، أي : لست ممن يدين دينكم، ويتّبع ملّتكم أيُّها المشركون.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول: 13465م - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول قوم إبراهيم لإبراهيم: تركت عبادة هذه؟

فقال: " إني وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض "، فقالوا: ما جئت بشيء!

ونحن نعبده ونتوجّهه!

فقال : لا حنيفًا!!

قال: مخلصًا, لا أشركه كما تُشْركون.

------------------- الهوامش : (69) انظر تفسير"فطر" فيما سلف ص: 283 ، 284.

(70) انظر تفسير"الحنيف" فيما سلف 3: 104 - 108 ، 6 494 ، 9 : 250.

(71) في المطبوعة: "إذا كان توجيه الوجه لا على التحنيف" ، وفي المخطوطة: " .

.

.

توجيه الوجه على التحنف" ، والصواب ما أثبت.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين قوله تعالى إني وجهت وجهي أي قصدت بعبادتي وتوحيدي الله عز وجل وحده .

وذكر الوجه لأنه أظهر ما يعرف به الإنسان صاحبه .

حنيفا مائلا إلى الحق .وما أنا من المشركين اسم " ما " وخبرها .

وإذا وقفت قلت : أنا ، زدت الألف لبيان الحركة ، وهي اللغة الفصيحة .

وقال الأخفش : ومن العرب من يقول : " أن " وقال الكسائي : ومن العرب من يقول : " أنه " ثلاث لغات .

وفي الوصل أيضا ثلاث لغات : أن تحذف الألف في الإدراج ; [ ص: 27 ] لأنها زائدة لبيان الحركة في الوقف .

ومن العرب من يثبت الألف في الوصل ; كما قال الشاعر : أنا سيف العشيرة فاعرفوني وهي لغة بعض بني قيس وربيعة ; عن الفراء .

ومن العرب من يقول في الوصل : آن فعلت ، مثل عان فعلت ; حكاه الكسائي عن بعض قضاعة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا } أي: لله وحده، مقبلا عليه، معرضا عن من سواه.

{ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } فتبرأ من الشرك، وأذعن بالتوحيد، وأقام على ذلك البرهان وهذا الذي ذكرنا في تفسير هذه الآيات، هو الصواب، وهو أن المقام مقام مناظرة، من إبراهيم لقومه، وبيان بطلان إلهية هذه الأجرام العلوية وغيرها.

وأما من قال: إنه مقام نظر في حال طفوليته، فليس عليه دليل

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

قال «إني وجهت وجهي» قصدت بعبادتي «للذي فطر» خلق «السماوات والأرض» أي الله «حنيفا» مائلا إلى الدين القيم «وما أنا من المشركين» به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إني توجَّهت بوجهي في العبادة لله عز وجل وحده، فهو الذي خلق السموات والأرض، مائلا عن الشرك إلى التوحيد، وما أنا من المشركين مع الله غيره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم إبراهيم هذا الترقى فى الاستدلال على وحدانية الله بقوله - كما حكى القرآن عنه - : { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات والأرض حَنِيفاً } أى : إنى صرفت وجهى وقلبى فى المحبة والعبادة لله الذى أوجد وأنشأ السموات والأرض على غير مثال سابق .ومعنى { حَنِيفاً } مائلا عن الأديان الباطلة والعقائد الزائفة كلها إلى الدين الحق ، وهو - أى حنيفا - حال من ضمير المتكلم فى { وَجَّهْتُ } .وقوله { وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين } أى : وما أنا من الذين يشركون مع الله آلهة أخرى لا فى أقوالهم ولا فى أفعالهم .

وقد أفادت هذه الجملة التأكيد لجملة { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ } .

.

.

إلخ .وبذلك يكون إبراهيم - عليه السلام - قد أقام الأدلة الحكيمة والبراهين الساطعة على وحدانية الله - تعالى - وسفه المعبودات الباطلة وعابديها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ عطف على قوله: ﴿ قَالَ إبراهيم لاِبِيهِ ءَازَرَ ﴾ وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى ﴾ جملة وقعت اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه.

المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله: يقال جن عليه الليل وأجنه الليل، ويقال: لكل ما سترته جن وأجن، ويقال أيضاً جنه الليل، ولكن الاختيار جن عليه الليل، وأجنه الليل.

هذا قول جميع أهل اللغة، ومعنى ﴿ جَنَّ ﴾ ستر ومنه الجنة والجن والجنون والجان والجنين والمجن والجنن والمجن، وهو المقبور.

والمجنة كل هذا يعود أصله إلى الستر والاستتار، وقال بعض النحويين: ﴿ جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ إذا أظلم عليه الليل.

ولهذا دخلت على عليه كما تقول في أظلم.

فأما جنه فستره من غير تضمين معنى ﴿ أَظْلَمَ ﴾ .

المسألة الثالثة: اعلم أن أكثر المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه، فأمر ذلك الملك بذبح كل غلام يولد، فحبلت أم إبراهيم به وماأظهرت حبلها للناس، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر، فجاء جبريل عليه السلام ووضع أصبعه في فمه فمصه فخرج منه رزقه وكان يتعهده جبريل عليه السلام، فكانت الأم تأتيه أحياناً وترضعه وبقي على هذه الصفة حتى كبر وعقل وعرف أن له رباً، فسأل الأم فقال لها: من ربي؟

فقالت أنا، فقال: ومن ربك؟

قالت أبوك، فقال للأب: ومن ربك؟

فقال: ملك البلد.

فعرف إبراهيم عليه السلام جهلهما بربهما فنظر من باب ذلك الغار ليرى شيئاً يستدل به على وجود الرب سبحانه فرأى النجم الذي هو أضوأ النجوم في السماء.

فقال: هذا ربي إلى آخر القصة.

ثم القائلون بهذا القول اختلفوا، فمنهم من قال: إن هذا كان بعد البلوغ وجريان قلم التكليف عليه، ومنهم من قال: إن هذا كان قبل البلوغ.

واتفق أكثر المحققين على فساد القول الأول واحتجوا عليه بوجوه: الحجة الأولى: أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر غير جائز بالإجماع على الأنبياء.

الحجة الثانية: أن إبراهيم عليه السلام كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة بالدليل.

والدليل على صحة ما ذكرناه أنه تعالى أخبر عنه أنه قال قبل هذه الواقعة لأبيه آزر: ﴿ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءالِهَةً إِنّى أراك وقومك في ظلال مبين  ﴾ .

الحجة الثالثة: أنه تعالى حكى عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالرفق حيث قال: ﴿ ياأبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً  ﴾ وحكى في هذا الموضع أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالكلام الخشن واللفظ الموحش.

ومن المعلوم أن من دعا غيره إلى الله تعالى فإنه يقدم الرفق على العنف واللين على الغلظ ولا يخوض في التعنيف والتغليظ إلا بعد المدة المديدة واليأس التام.

فدل هذا على أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن دعا أباه إلى التوحيد مراراً وأطواراً، ولا شك أنه إنما اشتغل بدعوة أبيه بعد فراغه من مهم نفسه.

فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن عرف الله بمدة.

الحجة الرابعة: أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن أراه الله ملكوت السموات والأرض حتى رأى من فوق العرش والكرسي وما تحتهما إلى ما تحت الثرى، ومن كان منصبه في الدين كذلك، وعلمه بالله كذلك، كيف يليق به أن يعتقد إلهية الكواكب؟

الحجة الخامسة: أن دلائل الحدوث في الأفلاك ظاهرة من خمسة عشر وجهاً وأكثر ومع هذه الوجوه الظاهرة كيف يليق بأقل العقلاء نصيباً من العقل والفهم أن يقول بربوبية الكواكب فضلاً عن أعقل العقلاء وأعلم العلماء؟

الحجة السادسة: أنه تعالى قال في صفة إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ  ﴾ وأقل مراتب القلب السليم أن يكون سليماً عن الكفر، وأيضاً مدحه فقال: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إبراهيم رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالمين  ﴾ أي آتيناه رشده من قبل من أول زمان الفكرة.

وقوله: ﴿ وَكُنَّا بِهِ عالمين ﴾ أي بطهارته وكماله ونظيره قوله تعالى: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ .

الحجة السابعة: قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين ﴾ أي وليكون بسبب تلك الإراءة من الموقنين.

ثم قال بعده: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ والفاء تقتضي الترتيب، فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن صار إبراهيم من الموقنين العارفين بربه.

الحجة الثامنة: أن هذه الواقعة إنما حصلت بسبب مناظرة إبراهيم عليه السلام مع قومه، والدليل عليه أنه تعالى لما ذكر هذه القصة قال: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ ﴾ ولم يقل على نفسه، فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد.

لا لأجل أن إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه.

الحجة التاسعة: أن القوم يقولون إن إبراهيم عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس حال ما كان في الغار، وهذا باطل.

لأنه لو كان الأمر كذلك، فكيف يقول: ﴿ يا قوم إنى بَرِئ مما تشْرِكونَ ﴾ مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم.

الحجة العاشرة: قال تعالى: ﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِي الله ﴾ وكيف يحاجونه وهم بعد ما رأوه وهو ما رآهم، وهذا يدل على أنه عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فذكر قوله: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ رداً عليهم وتنبيهاً لهم على فساد قولهم.

الحجة الحادية عشر: أنه تعالى حكى عنه أنه قال للقوم: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله ﴾ وهذا يدل على أن القوم كانوا خوفوه بالأصنام، كما حكى عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ  ﴾ ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالغار.

الحجة الثانية عشرة: أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، ولا شك أن الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدم، ثم غربت، فكان ينبغي أن يستدل بغروبها السابق على أنها لا تصلح للآلهية، وإذا بطل بهذا الدليل صلاحية الشمس للإلهية بطل ذلك أيضاً في القمر والكوكب بطريق الأولى هذا إذا قلنا: إن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة لنفسه.

أما إذا قلنا المقصود منها إلزام القوم وإلجاؤهم، فهذا السؤال غير وارد لأنه يمكن أن يقال أنه إنما اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلع القمر وطلعت الشمس بعده وعلى هذا التقدير، فالسؤال غير وارد، فثبت بهذه الدلائل الظاهرة أنه لا يجوز أن يقال إن إبراهيم عليه السلام قال على سبيل الجزم: هذا ربي.

وإذا بطل هذا بقي هاهنا احتمالان: الأول: أن يقال هذا كلام إبراهيم عليه السلام بعد البلوغ ولكن ليس الغرض منه إثبات ربوبية الكوكب بل الغرض منه أحد أمور سبعة.

الأول: أن يقال إن إبراهيم عليه السلام لم يقل هذا ربي، على سبيل الأخبار، بل الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكوكب وكان مذهبهم أن الكوكب ربهم وآلههم، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم حتى يرجع إليه فيبطله، ومثاله: أن الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم، فيقول: الجسم قديم؟

فإذا كان كذلك، فلم نراه ونشاهده مركباً متغيراً؟

فهو إنما قال الجسم قديم إعادة لكلام الخصم حتى يلزم المحال عليه، فكذا هاهنا قال: ﴿ هذا رَبّى ﴾ والمقصود منه حكاية قول الخصم، ثم ذكر غقيبه ما يدل على فساده وهو قوله: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ وهذا الوجه هو المتعمد في الجواب، والدليل عليه: أنه تعالى دل في أول الآية على هذه المناظرة بقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ ﴾ .

والوجه الثاني في التأويل: أن نقول قوله: ﴿ هذا رَبّى ﴾ معناه هذا ربي في زعمكم واعتقادكم ونظيره أن يقول الموحد للمجسم على سبيل الاستهزاء: أن إلهه جسم محدود أي في زعمه واعتقاده قال تعالى: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكآءِيَ  ﴾ وكان صلوات الله عليه يقول: «يا إله الآلهة».

والمراد أنه تعالى إله الآلهة في زعمهم وقال: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم  ﴾ أي عند نفسك.

والوجه الثالث في الجواب: أن المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام استغناء عنه لدلالة الكلام عليه.

والوجه الرابع: أن يكون القول مضمراً فيه، والتقدير: قال يقولون هذا ربي.

وإضمار القول كثير، كقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل رَبَّنَا  ﴾ أي يقولون ربنا وقوله: ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى  ﴾ أي يقولون ما نعبدهم، فكذا هاهنا التقدير: إن إبراهيم عليه السلام قال لقومه: يقولون هذا ربي.

أي هذا هو الذي يدبرني ويربيني.

والوجه الخامس: أن يكون إبراهيم ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء كما يقال لذليل ساد قوماً هذا سيدكم على سبيل الاستهزاء.

الوجه السادس: أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة إلى الله تعالى لم يقبلوه ولم يلتفتوا إليه، فمال إلى طريق به يستدرجهم إلى استماع الحجة.

وذلك بأن ذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم على مذهبهم بربوبية الكواكب مع أن قلبه صلوات الله عليه كان مطمئناً بالإيمان، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإفساده وأن يقبلوا قوله وتمام التقرير أنه لما يجد إلى الدعوة طريقاً سوى هذا الطريق، وكان عليه السلام مأموراً بالدعوة إلى الله كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر، ومعلوم أن عند الإكراه يجوز إجراء كلمة الكفر على اللسان قال تعالى: ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان  ﴾ فإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة بقاء شخص واحد فبأن يجوز إظهار كلمة الكفر لتخليص عالم من العقلاء عن الكفر والعقاب المؤبد كان ذلك أولى وأيضاً المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر العظيم، ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فهاهنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال.

حتى لو صلى وترك القتال أثم ولو ترك الصلاة وقاتل استحق الثواب، بل نقول: أن من كان في الصلاة فرأى طفلاً أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذ ذلك الطفل أو ذلك الأعمى عن ذلك البلاء.

فكذا هاهنا أن إبراهيم عليه السلام تكلم بهذه الكلمة ليظهر من نفسه موافقة القوم حتى إذا أورد عليهم الدليل المبطل لقولهم كان قبولهم لذلك الدليل أتم وانتفاعهم باستماعه أكمل، ومما يقوي هذا الوجه: أنه تعالى حكى عنه مثل هذا الطريق في موضع آخر وهو قوله: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ  فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ  فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ  ﴾ وذلك لأنهم كانوا يستدلون بعلم النجم على حصول الحوادث المستقبلة فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظاهر مع أنه كان بريئاً عنه في الباطن، ومقصوده أن يتوسل بهذا الطريق إلى كسر الأصنام، فإذا جازت الموافقة في الظاهر هاهنا.

مع أنه كان بريئاً عنه في الباطن، فلم لا يجوز أن يكون في مسألتنا كذلك؟

وأيضاً المتكلمون قالوا: إنه يصح من الله تعالى إظهار خوارق العادات على يد من يدعى الإلهية لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على كذبه فلا يحصل فيه التلبيس بسبب ظهور تلك الخوارق على يده، ولكن لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوة لأنه يوجب التلبيس فكذا هاهنا.

وقوله: ﴿ هذا رَبّى ﴾ لا يوجب الضلال، لأن دلائل بطلانه جلية وفي إظهاره هذه الكلمة منفعة عظيمة وهي استدراجهم لقبول الدليل فكان جائزاً والله أعلم.

الوجه السابع: أن القوم لما دعوه إلى عبادة النجوم فكانوا في تلك المناظرة إلى أن طلع النجم الدري فقال إبراهيم عليه السلام ﴿ هذا رَبّى ﴾ أي هذا هو الرب الذي تدعونني إليه ثم سكت زماناً حتى أفل ثم قال: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ فهذا تمام تقرير هذه الأجوبة على الاحتمال الأول وهو أنه صلوات الله عليه ذكر هذا الكلام بعد البلوغ.

أما الاحتمال الثاني: وهو أنه ذكره قبل البلوغ وعند القرب منه فتقريره أنه تعالى كان قد خص إبراهيم بالعقل الكامل والقريحة الصافية، فخطر بباله قبل بلوغه إثبات الصانع سبحانه فتفكر فرأى النجم، فقال: ﴿ هذا رَبّى ﴾ فلما شاهد حركته قال: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ ثم إنه تعالى أكمل بلوغه في أثناء هذا البحث فقال في الحال: ﴿ إِنّى بَرِئ مّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ فهذا الاحتمال لا بأس به، وإن كان الاحتمال الأول أولى بالقبول لما ذكرنا من الدلائل الكثيرة، على أن هذه المناظرة إنما جرت لإبراهيم عليه السلام وقت اشتغاله بدعوة القوم إلى التوحيد والله أعلم.

المسألة الرابعة: قرأ أبو عمرو وورش عن نافع ﴿ رئي ﴾ بفتح الراء وكسر الهمزة حيث كان، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بكسرهما فإذا كان بعد الألف كاف أو هاء نحو: رآك ورآها فحينئذ يكسرها حمزة والكسائي ويفتحها ابن عامر.

وروى يحيى عن أبي بكر عن عاصم مثل حمزة والكسائي فإذا تلته ألف وصل نحو: رأى الشمس، ورأى القمر.

فإن حمزة ويحيى عن أبي بكر ونصر عن الكسائي يكسرون الراء ويفتحون الهمزة والباقون يقرؤن جميع ذلك بفتح الراء والهمزة، واتفقوا في رأوك، ورأوه أنه بالفتح.

قال الواحدي: أما من فتح الراء والهمزة فعلته واضحة وهي ترك الألف على الأصل نحو: رعى ورمى.

وأما من فتح الراء وكسر الهمزة فإنه أمال الهمزة نحو الكسر ليميل الألف التي في رأى نحو الياء وترك الراء مفتوحة على الأصل.

وأما من كسرهما جميعاً فلأجل أن تصير حركة الراء مشابهة لحركة الهمزة، والواحدي طول في هذا الباب في كتاب البسيط فليرجع إليه.

والله أعلم.

المسألة الخامسة: القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم عليه السلام ولد في الغار وتركته أمه وكان جبريل عليه السلام يربيه كل ذلك محتمل في الجملة.

وقال القاضي: كل ما يجري مجرى المعجزات فإنه لا يجوز لأن تقديم المعجز على وقت الدعوى غير جائز عندهم، وهذا هو المسمى بالإرهاص إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من الله فتجعل تلك الخوارق معجزة لذلك النبي.

وأما عند أصحابنا فالإرهاص جائز فزالت الشبهة والله أعلم.

المسألة السادسة: أن إبراهيم عليه السلام استدل بأفول الكوكب على أنه لا يجوز أن يكون رباً له وخالقاً له.

ويجب علينا هاهنا أن نبحث عن أمرين: أحدهما: أن الأفول ما هو؟

والثاني: أن الأفول كيف يدل على عدم ربوبية الكوكب؟

فنقول: الأفول عبارة عن غيبوبة الشيء بعد ظهوره.

وإذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل، فيقول: الأفول إنما يدل على الحدوث من حيث إنه حركة وعلى هذا التقدير، فيكون الطلوع أيضاً دليلاً على الحدوث، فلم ترك إبراهيم عليه السلام الاستدلال على حدوثها بالطلوع وعول في إثبات هذا المطلوب على الأفول؟

والجواب: لا شك أن الطلوع والغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى الله لابد وأن يكون ظاهراً جلياً بحيث يشترك في فهمه الذكي والغبي والعاقل.

ودلالة الحركة على الحدوث وإن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق.

أما دلالة الأفول فإنها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد، فإن الكوكب يزول سلطانه وقت الأفول فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتم.

وأيضاً قال بعض المحققين: الهوى في خطرة الإمكان أفول، وأحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص وحصة الأوساط وحصة العوام، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان، وكل ممكن محتاج، والمحتاج: لا يكون مقطوع الحاجة، فلابد من الانتهاء إلى من يكون منزهاً عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال: ﴿ ا وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى  ﴾ وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة، فكل متحرك محدث، وكل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر.

فلا يكون الآفل إلهاً بل الإله هو الذي احتاج إليه ذلك الآفل.

وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول والغروب فإنه يزول نوره وينتقص ضوءه ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن يكون كذلك لا يصلح للإلهية، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ كلمة مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فكانت أكمل الدلائل وأفضل البراهين.

وفيه دقيقة أخرى: وهو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين.

ومذهب أهل النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعداً إلى وسط السماء كان قوياً عظيماً التأثير.

أما إذا كان غريباً وقريباً من الأفول فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة.

فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي، يكون ضعيف القوة، ناقص التأثير، عاجزاً عن التدبير، وذلك يدل على القدح في إلهيته، فظهر على قول المنجمين أن للأفول مزيد خاصية في كونه موجباً للقدح في إلهيته، والله أعلم.

أما المقام الثاني: وهو بيان أن كون الكوكب آفلاً يمنع من ربوبيته.

فلقائل أيضاً أن يقول: أقصى ما في الباب أن يكون أفوله دالاً على حدوثه إلا أن حدوثه لا يمنع من كونه رباً لإبراهيم ومعبوداً له، ألا ترى أن المنجمين وأصحاب الوسايط يقولون أن الإله الأكبر خلق الكواكب وأبدعها وأحدثها، ثم أن هذه الكواكب تخلق النبات والحيوان في هذا العالم الأسفل، فثبت أن أفول الكواكب وإن دل على حدوثها إلا أنه لا يمنع من كونها أرباباً للإنسان وآلهة لهذا العالم.

والجواب: لنا هاهنا مقامان: المقام الأول: أن يكون المراد من الرب والإله الموجود الذي عنده تنقطع الحاجات، ومتى ثبت بأفول الكواكب حدوثها، وثبت في بداهة العقول أن كل ما كان محدثاً، فإنه يكون في وجوده محتاجاً إلى الغير.

وجب القطع باحتياج هذه الكواكب في وجودها إلى غيرها، ومتى ثبت هذا المعنى امتنع كونها أرباباً وآلهة.

بمعنى أنه تنقطع الحاجات عند وجودها، فثبت أن كونها آفلة يوجب القدح في كونها أرباباً وآلهة بهذا التفسير.

المقام الثاني: أن يكون المراد من الرب والإله.

من يكون خالقاً لنا وموجداً لذواتنا وصفاتنا.

فنقول: أفول الكواكب يدل على كونها عاجزة عن الخلق والإيجاد وعلى أنه لا يجوز عبادتها وبيانه من وجوه: الأول: أن أفولها يدل على حدوثها.

وحدوثها يدل على افتقارها إلى فاعل قديم قادر ويجب أن تكون قادرية ذلك القادر أزلية.

وإلا لافتقرت قادريته إلى قادر آخر، ولزم التسلسل وهو محال، فثبت أن قادريته أزلية.

وإذا ثبت هذا فنقول: الشيء الذي هو مقدور له إنما صح كونه مقدوراً له باعتبار إمكانه والإمكان واحد في كل الممكنات.

فثبت أن ما لأجله صار بعض الممكنات مقدوراً لله تعالى فهو حاصل في كل الممكنات، فوجب في كل الممكنات أن تكون مقدروة لله تعالى.

وإذا ثبت هذا امتنع وقوع شيء من الممكنات بغيره على ما بينا صحة هذه المقامات بالدلائل اليقينة في علم الأصول.

فالحاصل أنه ثبت بالدليل أن كون الكواكب آفلة يدل على كونها محدثة، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة، وأيضاً فكونها في نفسها محدثة يوجب القول بامتناع كونها قادرة على الإيجاد والإبداع، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة.

ودلائل القرآن إنما يذكر فيها أصول المقدمات، فأما التفريع والتفصيل، فذاك إنما يليق بعلم الجدل.

فلما ذكر الله تعالى هاتين المقدمتين على سبيل الرمز لا جرم اكتفى بذكرهما في بيان أن الكواكب لا قدرة لها على الإيجاد والإبداع، فلهذا السبب استدل إبراهيم عليه السلام بأفولها على امتناع كونها أرباباً وآلهة لحوادث هذا العالم.

الوجه الثاني: أن أفول الكواكب يدل على حدوثها وحدوثها يدل على افتقارها في وجودها إلى القادر المختار، فيكون ذلك الفاعل هو الخالق للأفلاك والكواكب، ومن كان قادراً على خلق الكواكب والأفلاك من دون واسطة أي شيء كان فبأن يكون قادراً على خلق الإنسان أولى لأن القادر على خلق الشيء الأعظم لابد وأن يكون قادراً على خلق الشيء الأضعف، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس  ﴾ وبقوله: ﴿ أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بلى وَهُوَ الخلاق العليم  ﴾ فثبت بهذا الطريق أن الإله الأكبر يجب أن يكون قادراً على خلق البشر، وعلى تدبير العالم الأسفل بدون واسطة الأجرام الفلكية وإذا كان الأمر كذلك كان الاشتغال بعبادة الإله الأكبر أولى من الاشتغال بعبادة الشمس والنجوم والقمر.

الوجه الثالث: أنه لو صح كون بعض الكواكب موجدة وخالقة، لبقي هذا الاحتمال في الكل وحينئذ لا يعرف الإنسان أن خالقه هذا الكوكب.

أو ذلك الآخر أو مجموع الكواكب فيبقى شاكاً في معرفة خالقه.

أما لو عرفنا الكل وأسندنا الخلق والإيجاد والتدبير إلى خالق الكل فحينئذ يمكننا معرفة الخالق والموجد ويمكننا الاشتغال بعبادته وشكره، فثبت بهذه الوجوه أن أفول الكواكب كما يدل على امتناع كونها قديمة فكذلك يدل على امتناع كونها آلهة لهذا العالم وأرباباً للحيوان والإنسان.

والله أعلم.

فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل.

فإن قيل: لا شك أن تلك الليلة كانت مسبوقة بنهار وليل، وكان أفول الكواكب والقمر والشمس حاصلاً في الليل السابق والنهار السابق وبهذا التقرير لا يبقى للأفول الحاصل في تلك الليلة مزيد فائدة.

والجواب أنا بينا أنه صلوات الله عليه إنما أورد هذا الدليل على الأقوام الذين كان يدعوهم من عبادة النجوم إلى التوحيد.

فلا يبعد أن يقال أنه عليه السلام كان جالساً مع أولئك الأقوام ليلة من الليالي وزجرهم عن عبادة الكواكب فبينما هو في تقرير ذلك الكلام إذ وقع بصره على كوكب مضيء.

فلما أفل قال إبراهيم عليه السلام لو كان هذا الكوكب إلهاً لما انتقل من الصعود إلى الأفول ومن القوة إلى الضعف.

ثم في أثناء ذلك الكلام طلع القمر وأفل.

فأعاد عليهم ذلك الكلام، وكذا القول في الشمس، فهذا جملة ما يحضرنا في تقرير دليل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه.

المسألة السادسة: تفلسف الغزالي في بعض كتبه وحمل الكوكب على النفس الناطقة الحيوانية التي لكل كوكب، والقمر على النفس الناطقة التي لكل فلك، والشمس على العقل المجرد الذي لكل ذلك، وكان أبو علي بن سيناء يفسر الأفول بالإمكان، فزعم الغزالي أن المراد بأفولها إمكانها في نفسها، وزعم أن المراد من قوله: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ أن هذه الأشياء بأسرها ممكنة الوجود لذواتها، وكل ممكن فلابد له من مؤثر، ولا بد له من الانتهاء إلى واجب الوجود.

واعلم أن هذا الكلام لا بأس به.

إلا أنه يبعد حمل لفظ الآية عليه، ومن الناس من حمل الكوكب على الحس والقمر على الخيال والوهم، والشمس على العقل، والمراد أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية، ومدبر العالم مستول عليها قاهر لها، والله أعلم.

المسألة السابعة: دل قوله: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ على أحكام: الحكم الأول: هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم إذ لو كان جسماً لكان غائباً عنا أبداً فكان آفلاً أبداً، وأيضاً يمتنع أن يكون تعالى ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى العرش أخرى، وإلا لحصل معنى الأفول.

الحكم الثاني: هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس محلاً للصفات المحدثة كما تقوله الكرامية، وإلا لكان متغيراً، وحينئذ يحصل معنى الأفول، وذلك محال.

الحكم الثالث: تدل هذه الآية على أن الدين يجب أن يكون مبنياً على الدليل لا على التقليد، وإلا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة ألبتة.

الحكم الرابع: تدل هذه الآية على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية لا ضرورية، وإلا لما احتاج إبراهيم إلى الاستدلال.

الحكم الخامس: تدل على هذه الآية على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال في أحوال مخلوقاته، إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر لما عدل إبراهيم عليه السلام إلى هذه الطريقة والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَى القمر بَازِغاً قَالَ هذا رَبّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين ﴾ .

ففيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع، وبزغت الشمس إذا بدأ منها طلوع.

ونجوم بوازغ.

قال الأزهري: كأنه مأخوذ في البزغ وهو الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً، ومعنى الآية أنه اعتبر في القمر مثل ما اعتبر في الكوكب.

المسألة الثانية: دل قوله: ﴿ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين ﴾ على أن الهداية ليست إلا من الله تعالى.

ولا يمكن حمل لفظ الهداية على التمكن وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل.

لأن كل ذلك كان حاصلاً، فالهداية التي كان يطلبها بعد حصول تلك الأشياء لابد وأن تكون زائدة عليها.

واعلم أن كون إبراهيم عليه السلام على مذهبنا أظهر من أن يشتبه على العاقل لأنه في هذه الآية أضاف الهداية إلى الله تعالى، وكذا في قوله: ﴿ الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ وكذا في قوله: ﴿ واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام ﴾ .

أما قوله: ﴿ فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبّى هذا أَكْبَرُ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: إنما قال في الشمس هذا مع أنها مؤنثة، ولم يقل هذه لوجوه: أحدها: أن الشمس بمعنى الضياء والنور، فحمل اللفظ على التأويل فذكر.

وثانيها: أن الشمس لم يحصل فيها علامة التأنيث، فلما أشبه لفظها لفظ المذكر وكان تأويلها تأويل النور صلح التذكير من هاتين الجهتين.

وثالثها: أراد هذا الطالع أو هذا الذي أراه.

ورابعها: المقصود منه رعاية الأدب، وهو ترك التأنيث عند ذكر اللفظ الدال على الربوبية.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ هذا أَكْبَرُ ﴾ المراد منه أكبر الكواكب جرماً وأقواها قوة، فكان أولى بالآلهية.

فإن قيل: لما كان الأفول حاصلاً في الشمس والأفول يمنع من صفة الربوبية، وإذا ثبت امتناع صفة الربوبية للشمس كان امتناع حصولها للقمر ولسائر الكواكب أولى.

وبهذا الطريق يظهر أن ذكر هذا الكلام في الشمس يغني عن ذكره في القمر والكواكب.

فلم لم يقتصر على ذكر الشمس رعاية للإيجاز والاختصار؟

قلنا: إن الأخذ من الأدون فالأدون، مترقياً إلى الأعلى فالأعلى، له نوع تأثير في التقرير والبيان والتأكيد لا يحصل من غيره، فكان ذكره على هذا الوجه أولى.

أما قوله: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ إِنّى بَرِئ مّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ فالمعنى أنه لما ثبت بالدليل أن هذه الكواكب لا تصلح للربوبية والإلهية، لا جرم تبرأ من الشرك.

ولقائل أن يقول: هب أنه ثبت بالدليل أن الكواكب والشمس والقمر لا تصلح للربوبية والإلهية لكن لا يلزم من هذا القدر نفي الشريك مطلقاً وإثبات التوحيد، فلم فرع على قيام الدليل على كون هذه الكواكب غير صالحة للربوبية الجزم بإثبات التوحيد مطلقاً.

والجواب: أن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر الشركاء وإنما نازعوا في هذه الصورة المعينة فلما ثبت بالدليل أن هذه الأشياء ليست أرباباً ولا آلهة، وثبت بالاتفاق نفي غيرها لا جرم حصل الجزم بنفي الشركاء على الإطلاق.

أما قوله: ﴿ إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: فتح الياء من ﴿ وَجْهِىَ ﴾ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم، والباقون تركوا هذا الفتح.

المسألة الثانية: هذا الكلام لا يمكن حمله على ظاهره.

بل المراد وجهت عبادتي وطاعتي، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره، فإنه يتوجه بوجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة.

وأما قوله: ﴿ لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض ﴾ ففيه دقيقة: وهي أنه لم يقل وجهت وجهي إلى الذي فطر السموات والأرض.

بل ترك هذا اللفظ وذكر قوله: ﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى ﴾ والمعنى: أن توجيه وجه القلب ليس إليه، لأنه متعال عن الحيز والجهة، بل توجيه وجه القلب إلى خدمته وطاعته لأجل عبوديته، فترك كلمة إلى هنا والاكتفاء بحرف اللام دليل ظاهر على كون المعبود متعالياً عن الحيز والجهة، ومعنى فطر أخرجهما إلى الوجود، وأصله من الشق، يقال: تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما، وأما الحنيف فهو المائل قال أبو العالية: الحنيف الذي يستقبل البيت في صلاته، وقيل إنه العادل عن كل معبود دون الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ءَازَرَ ﴾ اسم أبي إبراهيم عليه السلام.

وفي كتب التواريخ أنّ اسمه بالسريانية تارح.

والأقرب أن يكون وزن ﴿ ءَازَرَ ﴾ فاعل مثل تارح وعابر وعازر وشالخ وفالغ وما أشبهها من أسمائهم، وهو عطف بيان لأبيه.

وقرئ: ﴿ آزر ﴾ بالضم على النداء.

وقيل: ﴿ آزر ﴾ اسم صنم، فيجوز أن ينبز به للزومه عبادته، كما نبز ابن قيس بالرقيات اللاتي كان يشبب بهنّ، فقيل: ابن قيس الرقيات.

وفي شعر بعض المحدثين: أُدْعَى بَأَسْمَاءَ نَبْزاً في قَبَائِلِهَا ** كَأَنَّ أَسْمَاءَ أَضْحَتْ بَعْدُ أَسْمَائِي أو أريد عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

وقرئ: ﴿ ءأزر ﴾ تتخذ أصناماً آلهة بفتح الهمزة وكسرها بعد همزة الاستفهام وزاي ساكنة وراء منصوبة منونة، وهو اسم صنم.

ومعناه: أتعبد آزراً على الإنكار؟

ثم قال: تتخذ أصناماً آلهة تثبيتاً لذلك وتقريراً، وهو داخل في حكم الإنكار، لأنه كالبيان له ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ عطف على قال إبراهيم لأبيه: وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم ﴾ جملة معترض بها بين المعطوف والمعطوف عليه.

والمعنى: مثل ذلك التعريف والتبصير نعرف إبراهيم ونبصره.

ملكوت السموات والأرض: يعني الربوبية والإلهية ونوفقه لمعرفتها ونرشده بما شرحنا صدره وسدّدنا نظره وهديناه لطريق الاستدلال.

وليكون من الموقنين: فعلنا ذلك.

ونروي: حكاية حال ماضية، وكان أبوه آزر وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤدّ إلى أن شيئاً منها لا يصحّ أن يكون إلها، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثاً أحدثها، وصانعاً صنعها، مدبراً دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها ﴿ هذا رَبّى ﴾ قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه.

لأن ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب، ثم يكرّ عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ لا أحبّ عبادة الأرباب المتغيرين من حال إلى حال، المتنقلين من مكان إلى آخر، المحتجبين بستر، فإنّ ذلك من صفات الأجرام ﴿ بَازِغاً ﴾ مبتدئاً في الطلوع ﴿ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى ﴾ تنبيه لقومه على أنّ من اتخذ القمر إلها وهو نظير الكوكب في الأفول، فهو ضال، وأنّ الهداية إلى الحق بتوفيق الله ولطفه ﴿ هذا أَكْبَرُ ﴾ من باب استعمال النصفة أيضاً مع خصومه ﴿ إِنّى بَرِيء مّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها ﴿ إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السماوات والأرض ﴾ أي للذي دلت هذه المحدثات عليه وعلى أنه مبتدؤها ومبتدعها.

وقيل: هذا كان نظره واستدلاله في نفسه، فحكاه الله.

والأوّل أظهر لقوله: ﴿ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى ﴾ وقوله: ﴿ قَالَ ياقوم إِنّى بَرِيء مّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ .

فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ، وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟

قلت: الاحتجاج بالأفول أظهر، لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب.

فإن قلت: ما وجه التذكير في قوله: ﴿ هذا رَبّى ﴾ والإشارة للشمس؟

قلت: جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارة عن شيء واحد، كقولهم: ما جاءت حاجتك، ومن كانت أمك، و ﴿ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ﴾ [الأنعام: 23] وكان اختيار هذه الطريقة واجباً لصيانة الرب عن شبهة التأنيث.

ألا تراهم قالوا في صفة الله ﴿ علام ﴾ ولم يقولوا ﴿ علامة ﴾ وإن كان العلامة أبلغ، احترازاً من علامة التأنيث.

وقرئ: ﴿ تري إبراهيمَ ملكوتُ السموات والأرض ﴾ بالتاء ورفع الملكوت.

ومعناه: تبصره دلائل الربوبية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي ﴾ ذِكْرُ اسْمِ الإشارَةِ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ وصِيانَةً لِلرَّبِّ عَنْ شُبْهَةِ التَّأْنِيثِ.

﴿ هَذا أكْبَرُ ﴾ كِبَرُهُ اسْتِدْلالًا أوْ إظْهارًا لِشُبْهَةِ الخَصْمِ.

﴿ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ مِنَ الأجْرامِ المُحْدَثَةِ المُحْتاجَةِ إلى مُحْدِثٍ يُحْدِثُها ومُخَصَّصٍ يُخَصِّصُها بِما تَخْتَصُّ بِهِ، ثُمَّ لَمّا تَبَرَّأ مِنها تَوَجَّهَ إلى مُوجِدِها ومُبْدِعِها الَّذِي دَلَّتْ هَذِهِ المُمْكَناتُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ وإنَّما احْتَجَّ بِالأُفُوالِ دُونَ البُزُوغِ مَعَ أنَّهُ أيْضًا انْتِقالٌ لِتَعَدُّدِ دَلالَتِهِ، ولِأنَّهُ رَأى الكَوْكَبَ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ في وسَطِ السَّماءِ حِينَ حاوَلَ الِاسْتِدْلالَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِى فَطَرَ السماوات والأرض} أي للذي دلت هذه المحدثات على أنه منشئها {حَنِيفاً} حال أي مائلاً عن الأديان كلها إلا هذا الإسلام {وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين} بالله شيئاً من خلقه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ثُمَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَبَرَّأ مِمّا تَبْرَأ مِنهُ تَوَجَّهَ إلى مُبْدِعٍ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ ومُوجِدِها فَقالَ: ﴿ إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ﴾ أيْ أوْجَدَ وأنْشَأ ﴿ السَّماواتِ ﴾ الَّتِي هَذِهِ الأجْرامُ مِن أجْزائِها ﴿ والأرْضَ ﴾ الَّتِي تِلْكَ الأصْنامُ مِن أجْزائِها ﴿ حَنِيفًا ﴾ أيْ مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الزّائِغَةِ كُلِّها ﴿ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ 79 - أصْلًا في شَيْءٍ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.

والمُرادُ مِن تَوْجِيهِ الوَجْهِ لِلَّذِي فَطَرَ إلَخْ قَصْدُهُ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ وقالَ الإمامُ: المُرادُ وجَّهْتُ عِبادَتِي وطاعَتِي، وسَبَبُ جَوازِ هَذا الجَوازِ أنَّ مَن كانَ مُطِيعًا لِغَيْرِهِ مُنْقادًا لِأمْرِهِ فَإنَّهُ يَتَوَجَّهُ بِوَجْهِهِ إلَيْهِ فَجَعَلَ تَوَجُّهَ الوَجْهِ إلَيْهِ كِنايَةً عَنِ الطّاعَةِ، والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ صِلَةُ وجَّهَ.

وفي الصِّحاحِ وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ وتَوَجَّهْتُ نَحْوَكَ وإلَيْكَ، وظاهِرُهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ وجَّهَ وتَوَجَّهَ بِاسْتِعْمالِ الأوَّلِ بِاللّامِ والثّانِي بِإلى، وعَلَيْهِ وجْهُ اللّامِ هُنا دُونَ إلى ظاهِرٌ، ولَيْسَ في القامُوسِ تَعَرُّضٌ لِهَذا الفَرْقِ.

وادَّعى الإمامُ أنَّهُ حَيْثُ كانَ المَعْنى تَوْجِيهَ وجْهِ القَلْبِ إلى خِدْمَتِهِ تَعالى وطاعَتِهِ لِأجْلِ عُبُودِيَّتِهِ لا تَوَجُّهَ القَلْبِ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ تُرِكَتْ إلى واكْتَفى بِاللّامِ فَتَرَكَها.

والِاكْتِفاءُ بِاللّامِ هَهُنا دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى كَوْنِ المَعْبُودِ مُتَعالِيًا عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ؛ وفي القَلْبِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ قُصارى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ أنَّ الكَوْكَبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ لا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنها لِلرُّبُوبِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ ولا يَلْزَمُ مِن هَذا القَدْرِ نَفْيُ الشِّرْكِ مُطْلَقًا وإثْباتُ التَّوْحِيدِ فَلِمَ جَزَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإثْباتِ التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشِّرْكِ بَعْدَ إقامَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ؟

فالجَوابُ بِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُساعِدِينَ عَلى نَفْيِ سائِرِ الشُّرَكاءِ وإنَّما نازَعُوا في هَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ فَلَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَيْسَتْ أرْبابًا ولا آلِهَةً وثَبَتَ بِالِاتِّفاقِ نَفِيُ غَيْرِها لا جَرَمَ حَصَلَ الجَزْمُ بِنَفْيِ الشُّرَكاءِ عَلى الِإطْلاقِ.

ثُمَّ أنَّ المَشْهُورَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ مِن أوَّلِ ضُرُوبِ الشَّكْلِ الثّانِي والشَّخْصِيَّةُ عِنْدَهم في حُكْمِ الكُلِّيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا أوِ القَمَرُ أوْ هَذِهِ أوْ أفَلَتْ ولا شَيْءَ مِنَ الإلَهِ بِآفِلٍ أوْ رَبِّي لَيْسَ بِآفِلٍ يَنْتُجُ هَذا أوِ القَمَرَ أوْ هَذِهِ لَيْسَ بَإلَهٍ أوْ لَيْسَ بِرَبِّي.

أمّا الصُّغْرى فَهي كالمُصَرَّحِ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: (فَلَمّا أفَلَ) في المَوْضِعَيْنِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَمّا أفَلَتْ ﴾ في الأخِيرِ، وأمّا الكُبْرى فَمَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ لِأنَّهُ يُشِيرُ إلى قِياسٍ.

وهو كُلُّ آفِلٍ لا يَسْتَحِقُّ العُبُودِيَّةَ.

وكُلُّ مَن لا يَسْتَحِقُّ العُبُودِيَّةَ فَلَيْسَ بَإلَهٍ يَنْتُجُ مِنَ الأوَّلِ كُلُّ آفِلٍ لَيْسَ بَإلَهٍ، ويَسْتَلْزِمُ لا شَيْءَ مِنَ الآفِلِ بِإلَهٍ لِاسْتِلْزامِ المُوجِبَةِ المَعْدُولَةِ السّالِبَةِ المُحَصَّلَةِ.

ويَصِحُّ جَعْلُ الكُبْرى ابْتِداءً سالِبَةً فَيَنْتُجُ ما ذُكِرَ ويَنْعَكِسُ إلى لا شَيْءَ مِنَ الإلَهِ بِآفِلٍ، وهي إحْدى الكُبْرَيَيْنِ ويُعْلَمُ مِن هَذا بِأدْنى التِفاتٍ كَيْفِيَّةَ أخْذِ الكُبْرى الثّانِيَةِ وقالَ المَلَوِيُّ: الأحْسَنُ أنْ يُقالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ يَتَضَمَّنُ قَضِيَّةً وهي لا شَيْءَ مِنَ الآفِلِ يَسْتَحِقُّ العُبُودِيَّةَ فَتُجْعَلُ كُبْرى لِصُغْرى ضَرُورِيَّةً وهي الإلَهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعُبُودِيَّةِ يَنْتُجُ لا شَيْءَ مِنَ الإلَهِ بِآفِلٍ، وإذا ضُمَّتْ هَذِهِ النَّتِيجَةُ إلى القَضِيَّةِ السّابِقَةِ وهي هَذا آفِلٌ ونَحْوُهُ أنْتَجَ مِنَ الثّانِي هَذا لَيْسَ بَإلَهٍ أوْ لا شَيْءَ مِنَ القَمَرِ بَإلَهٍ، وإنْ ضَمَمْتَ عَكْسَها المُسْتَوِيَ إلَيْها أنْتَجَ مِنَ الأوَّلِ المَطْلُوبَ بِعَيْنِهِ فَلا يَتَعَيَّنُ الثّانِي في الآيَةِ بَلِ الأوَّلُ مَأْخُوذٌ مِنها أيْضًا، اهـ.

فَتَأمَّلْ فِيهِ ولا تَغْفُلْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي وقال: هذا بغير فكرة.

فكان ذلك منه زلة.

ويقال: إنما قال ذلك على سبيل الاستفهام أهذا ربي؟

فَلَمَّا أَفَلَ يعني: غاب الكوكب قالَ: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ يعني: لا أحب ربنا يتغير عن حاله ويزول فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً يعني: طالعاً.

ويقال: إن ذلك كان في وقت السحر، وكان ذلك في آخر الشهر.

فرأى كوكباً يعني: الزهرة، حين طلعت، وكان من أضوء الكواكب.

فلما ارتفع وطلع الفجر نقص ضوءه قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ يعني: لا أحب ربنا يتغير.

فلما رأى القمر فرأى ضوءه أكثر قالَ هذا رَبِّي على سبيل الاستفهام فَلَمَّا أَفَلَ يعني: نقص ضوءه حين أسفر الصبح قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ يعني: لئن لم يحفظ ربي قلبي.

لقد كنت اتخذت إلها ما لم يكن إلهاً فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً يعني: طالعة قد ملأت كل شيء ضوءاً ف قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ يعني: أعظم وأكثر نوراً فَلَمَّا أَفَلَتْ يعني: غربت.

علم أنه ليس بإله.

فجاءته أمه فقال لها: من ربي؟

قالت: أنا.

قال: ومن ربك؟

قالت: أبوك.

قال: ومن رب أبي؟

قالت: نمرود بن كنعان.

قال: ومن ربه؟

قالت له: اسكت.

فقال لها: كيف هو؟

هل يأكل ويشرب وينام؟

قالت: نعم.

قال: هذا لا يصلح أن يكون ربًّا وإلها.

فرجعت الأم إلى أب إبراهيم، فأخبرته بالقصة فخرج إليه فسأله مثل ذلك.

ثم قال له في آخره: تعال حتى تعبد الذي خلقني وخلقك وخلق نمرود.

فغضب أبوه، فرجع عنه، ثم دخلت عليه رأفة الوالد لولده، فرجع إليه.

وقال له: ادخل المِصْر لتكون معنا، فدخل فرأى القوم يعبدون الأصنام.

فدعوه إلى عبادة الأصنام ف قالَ لهم حينئذ: يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ فقيل له من تَعْبُد أنت يا إبراهيم؟

فقال أعبد الله الذي خلقني وخلق السموات والأرض.

فذلك قوله: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ يعني: أخلصت ديني وعملي لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ يعني: خلق السموات وَالْأَرْضَ حَنِيفاً يقول: إني وجهت وجهي مخلصاً مستقيماً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ على دينكم.

ويقال: إن قوله هذا رَبِّي قال ذلك لقومه على جهة الاستهزاء بهم.

كما قَالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: 63] ويقال: أراد بهذا أن يستدرجهم فيظهر قبيح فعلهم، وخطأ مذهبهم وجهلهم.

لأنهم كانوا يعبدون النجوم والشمس، والقمر.

فَلَماَّ رَأَى الكوكب قال لهم: هذا رَبِّي.

وأظهر لهم أنه يعبد ما يعبدون.

فلما غاب الكوكب قال لهم: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فأخبرهم بأن الآفل لا يصلح أن يكون إلها.

ثم قال في الشمس والقمر هكذا.

كما روي عن عيسى-  - أنه بعث رسولاً إلى ملك أرض.

فلما انتهى إليهم، جعل يسجد ويصلي عند الصنم ويريهم أنه يعبد الصنم، وهو يريد عبادة الله تعالى.

ثم إن الملك ظهر له عدو.

فقالوا لهذا الرسول: أشر علينا بشيء في هذا الأمر.

فقال: نتشفع إلى هذا الذي نعبده.

فجعلوا يسجدون له ويتشفعون إليه، فلا يسمعون منه جواباً.

فقالوا: إنه لا ينفعنا شيئاً.

قال لهم: لم تعبدون من لا يدفع عنا ضراً؟

ارجعوا حتى نعبد من ينفعنا.

فقالوا لمن نعبد؟

قال: لرب السماء.

فجعل يدعو ويدعون حتى فرّج، الله عنهم.

فآمن به بعضهم.

وكذلك هاهنا أراد إبراهيم-  - أن يريهم قبح ما يعبدون مِن دُونِ الله، لعلهم يرجعون فلما لم يرجعوا قال يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ قرأ حمزة والكسائي رَأى كَوْكَباً بكسر الراء والألف، وهي لغة لبعض العرب والنصب أفصح.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مكانه في الجنَّة، وبه قال سعيدُ بنُ جُبَيْر، وسلمانُ الفارسيُّ «١» ، وقيل: هي رؤيةَ بَصرٍ في ظاهر الملكوت، وقع له معها من الاعتبارِ ورؤيةِ القَلْب: ما لم يقعْ لأحد من أهل زمنه الذين بُعِثَ إليهم قاله ابن عباس «٢» وغيره، وقيل: هي رؤية قَلْب، رأى بها ملكوتَ السمواتِ والأرضِ بفكرته ونظره، ومَلَكُوتَ: بناءُ مبالغةٍ، وهو بمعنى المُلْك، والعربُ تقول: لفلانٍ مَلَكُوتُ اليَمَنِ، أي: مُلْكُه، واللام في: لِيَكُونَ: متعلِّقة بفعلٍ مؤخَّر، تقديره: وليكونَ من الموقنين، أَرَيْنَاهُ، والمُوقُنِ: العالِمُ بالشيء علماً لا يمكنُ أنْ يطرأ له فيه شك، وروي عن ابنِ عبَّاس في تفسير: وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ قال: جلى له الأمورَ سرَّها وعلانيتَها، فلم يَخْفَ عليه شيْءٌ من أعمال الخلائق «٣» ، فلما جعل يلْعَنُ أصحابَ الذنوبِ، قال اللَّه له: إنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ هذا، فَرَدَّه لا يرى أعمالهم.

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)

وقوله سبحانه: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ...

الآية: جَنَّ اللَّيْلُ: ستَرَ وغطى بظلامه، ذهب ابن عباس/ وناسٌ كثيرون إلى أنَّ هذه القصة وقعَتْ في حال صباه وقبل البلوغ والتكليفِ «٤» ، ويحتملُ أنْ تكون وقعتْ له بعد بلوغه وكونه مكلَّفاً، وحكى الطبريُّ هذا عَنْ فرقةٍ، وقالتْ: إنه استفهم قومَهُ على جهة التوقيفِ والتوبيخِ، أي:

هذا ربِّي، وحكي أن النمرودَ جَبَّارَ ذلك الزمان رأى له منجِّموه أنَّ مولوداً يُولَدُ في سَنَةِ كذا في عمله يكون خَرَابُ المُلْك على يديه، فجعل يَتَتَبَّعُ الحبالى، ويوكِّل بهن حُرَّاساً، فمن وضَعَتْ أنثى، تُركَتْ، ومَنْ وضعتْ ذكَراً، حمل إلى المَلِك فذَبَحه، وأن أمَّ إبراهيمَ حَمَلَتْ، وكانَتْ شابَّة قويةً، فسَتَرَتْ حملها، فلما قربت ولادتُها، بعثَتْ أبا إبراهيم إلى

سَفَر، وتحيَّلت لمضيِّه إليه، ثم خرجَتْ هي إلى غارٍ، فولدَتْ فيه إبراهيم، وتركته في الغار، وكانَتْ تتفقَّده فوجدَتْه يتغذى بأنْ يمصَّ أصابعه، فيخرج له منها عسلٌ وسَمْنٌ ونحو هذا، وحُكِيَ: بل كان يغذِّيه مَلَكٌ، وحُكِيَ: بل كانَتْ أمه تأتيه بألبان النِّساء التي ذُبِحَ أبناؤهن، واللَّه أعلم، أيُّ ذلك كان، فشبَّ إبراهيم أضعافَ ما يشب غيره، والمَلِكُ في خلالِ ذلك يحسُّ بولادته، ويشدِّد في طلبه، فمكَثَ في الغار عَشَرَةَ أعوامٍ، وقيل: خمسَ عَشْرة سنةً، وأنه نظر أول ما عَقَل من الغارِ، فرأى الكواكِبَ، وجرَتْ قصة الآية، واللَّه أعلم «١» .

فإن قلنا بأنه وقعَتْ له القصّة في الغار في حال الصّبوة، وعدمِ التكليفِ على ما ذهب إليه بعض المفسّرين، ويحتمله اللفظ، فذلك ينفسم على وجْهين: إما أنْ يجعل قوله:

هذا رَبِّي تصميماً واعتقادا، وهذا باطلٌ لأن التصميم على الكُفْر لم يقع من الأنبياء- صلوات اللَّه عليهم-، وإما أنْ نجعله تعريضاً للنظر والاستدلال كأنه قال: أَهَذَا المُنِيرُ البهيُّ ربِّي إن عضّدت ذلك الدلائل.

وإنا قلنا إن القصَّة وقَعَتْ له في حال كِبَرِهِ، وهو مكلَّف، فلا يجوز أنْ يقولَ هذا مصمِّماً ولا مُعَرِّضاً للنظر لأنها رتبة جهلٍ أو شكٍّ، وهو- عليه السلام- منزَّه معصوم من ذلك كلِّه فلم يبق إلاَّ أنْ يقولها على جهة التَّقْرير لقومه والتوبيخ لهم، وإقامةِ الحُجَّة عليهم في عبادة الأصنام كأنه قال: أَهَذَا المُنِيرُ ربِّي، وهو يريد: على زعمكم كما قال تعالى:

أَيْنَ شُرَكائِيَ [النحل: ٢٧] ، أي: على زعمكم، ثم عَرَضَ إبراهيم عليهم مِنْ حَرَكَة الكوكب وأفولِهِ أَمارةَ الحدوث، وأنه لا يصلحُ أن يكون ربًّا، ثم في آخر أعظم منه وأحرى كذلك، ثم في الشَّمْس كذلك فكأنه يقول: فإذا بان في هذه المُنِيرَاتِ الرفيعةِ أنها لا تصلح للربوبيَّة، فأصنامكم التي هي خشبٌ وحجارةٌ أحرى أنْ يبين ذلك فيها ويَعْضُدُ عندي هذا التأويلَ قولُهُ: إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، قلت: وإلى ترجيحِ هذا أشار عِيَاضٌ في «الشفا» قال: وذهب معظمُ الحُذَّاق من العلماء والمفسرين إلى أن إبراهيم إنما قال ذلك مبكِّتاً لقومه، ومستدلاًّ عليهم.

قال ع «٢» : ومَثَّلَ لهم بهذه الأمور لأنهم كانوا أصْحَابَ علْمِ نجومٍ ونظرٍ في الأفلاك، وهذا الأمر كلُّه إنما وقع في ليلةٍ واحدةٍ، رأى الكوكب، وهو الزّهرة في قول

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: جَعَلْتُ قَصْدِي بِعِبادَتِي وتَوْحِيدِي لَلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ عَزَّ وجَلَّ.

وباقِي الآَيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ.

وَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحاجَّهُ قَوْمُهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جادَلُوهُ في آَلِهَتِهِمْ، وخَوَّفُوهُ بِها، فَقالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ أتُحاجُّونِّي ﴾ .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " أتُحاجُّونِّي " و " تَأْمُرُونِّي " [الزُّمَرِ:٦٤] بِتَشْدِيدِ النُّونِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِتَخْفِيفِها، فَحَذَفا النُّونَ الثّانِيَةَ لالتِقاءِ النُّونَيْنِ.

ومَعْنى ﴿ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ ﴾ أيْ: في تَوْحِيدِهِ.

﴿ وَقَدْ هَدانِي ﴾ ، أيْ: بَيَّنَ لِي ما بِهِ اهْتَدَيْتُ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ: "هَدانِي" بِإمالَةِ الدّالِ.

والإمالَةُ حَسَنَةٌ فِيما كانَ أصْلَهُ الياءُ، وهَذا مِن هَدى يَهْدِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ أيْ: لا أرْهَبُ آَلِهَتَكم، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: نَخافُ أنْ تَمَسَّكَ آَلِهَتُنا بِسُوءٍ، فَقالَ: لا أخافُها لِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا ﴾ فَلَهُ أخافُ ﴿ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ أيْ: عَلَّمَهُ عِلْمًا تامًّا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَلَمّا رَأى الشَمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللهِ وقَدْ هَدانِي ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ لَمّا قَصَدَ رَبَّهُ قالَ: "هَذا"؛ فَذَكَّرَ؛ أيْ: هَذا المَرْئِيُّ؛ أوِ المُنِيرُ؛ ونَحْوُ هَذا؛ "فَلَمّا أفَلَتْ"؛ اَلشَّمْسُ؛ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُمَثِّلُ لَهم بِهِ؛ فَظَهَرَتْ حُجَّتُهُ؛ وقَوِيَ بِذَلِكَ عَلى مُنابَذَتِهِمْ؛ والتَبَرِّي مِن إشْراكِهِمْ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ ؛ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: اَلنّازِلَةُ في حالِ الكِبَرِ والتَكْلِيفِ؛ و ﴿ وَجَّهْتُ وجْهِيَ ﴾ ؛ أيْ: أقْبَلْتُ بِقَصْدِي؛ وعِبادَتِي؛ وتَوْحِيدِي؛ وإيمانِي؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعُمُّهُ المَعْنى المُعَبَّرُ عنهُ بِـ "وَجْهِيَ"؛ و"فَطَرَ"؛ مَعْناهُ: اِبْتَدَعَ في أجْرامٍ؛ و"حَنِيفًا"؛ مَعْناهُ: مُسْتَقِيمًا؛ و"اَلْحَنَفُ": "اَلْمَيْلُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ وأصْلُهُ في الأشْخاصِ؛ وهو في المَعانِي مُسْتَعارٌ؛ فالمُعْوَجُّ في الأجْرامِ أحْنَفُ؛ عَلى الحَقِيقَةِ؛ أيْ مائِلٌ؛ والمُسْتَقِيمُ فِيها أحْنَفُ؛ عَلى تَجَوُّزٍ؛ كَأنَّهُ مالَ عن كُلِّ جِهَةٍ إلى القَوامِ.

"وَحاجَّهُ": "فاعَلَهُ"؛ مِن "اَلْحُجَّةُ"؛ قالَ: "أتُراجِعُونَنِي في الحُجَّةِ في تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؟"؛ وقَرَأ قَوْمٌ: "أتُحاجُّونَنِي"؛ بِإظْهارِ النُونَيْنِ؛ وهو الأصْلُ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "أتُحاجُّونِّي"؛ بِإدْغامِ النُونِ الأُولى في الثانِيَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أتُحاجُّونِي"؛ بِحَذْفِ النُونِ الواحِدَةِ؛ فَقِيلَ: هي الثانِيَةُ؛ وقِيلَ: هي الأُولى؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّها بَقِيَتْ مَكْسُورَةً؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ تُحْذَفَ الأُولى؛ لِأنَّها لِلْإعْرابِ؛ وإنَّما حُذِفَتِ الثانِيَةُ الَّتِي هي تَوْطِئَةٌ لِياءِ المُتَكَلِّمِ؛ كَما حُذِفَتْ في "لَيْتِي"؛ وفي قَوْلِ الشاعِرِ: ...............

∗∗∗ يَسُوءُ الغالِياتِ إذا فَلَيْنِي وكُسِرَتْ - بَعْدَ ذَلِكَ - الأُولى الباقِيَةُ؛ لِمُجاوَرَتِها لِلْياءِ.

"وَقَدْ هَدانِ"؛ أيْ: أرْشَدَنِي إلى مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ؛ وأمالَ الكِسائِيُّ: "هَدانِ"؛ والإمالَةُ في ذَلِكَ حَسَنَةٌ؛ وإذا جازَتِ الإمالَةُ في "غَزا"؛ و"دَعا" - وهُما مِن ذَواتِ الواوِ - فَهي في "هَدانِ" - الَّتِي هي مِن ذَواتِ الياءِ - أجْوَزُ؛ وأحْسَنُ؛ وحُكِيَ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -: خَفْ أنْ تُصِيبَكَ آلِهَتُنا بِبَرَصٍ؛ أو داءٍ؛ لِإذايَتِكَ لَها؛ وتَنَقُّصِكَ؛ فَقالَ لَهم - عَلَيْهِ السَلامُ -: "لَسْتُ أخافُ الَّذِي تُشْرِكُونَ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ؛ ولا غَناءَ عِنْدَهُ"؛ و"ما"؛ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَيَكُونَ - عَلى هَذا - في قَوْلِهِ: "تُشْرِكُونَ"؛ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"؛ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "وَلا أخافُ الأصْنامَ الَّتِي تُشْرِكُونَها بِاللهِ تَعالى في الرُبُوبِيَّةِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "ما"؛ فَلا يُحْتاجُ إلى غَيْرِهِ؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "ما تُشْرِكُونَ بِسَبَبِهِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا ﴾ ؛ اِسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ؛ و"شَيْئًا"؛ مَنصُوبٌ بِـ "يَشاءَ"؛ ولَمّا كانَتْ قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُ لا يَخافُ ضُرًّا؛ اسْتَثْنى مَشِيئَةَ رَبِّهِ تَعالى في أنْ يُرِيدَهُ بِضُرٍّ؛ و"عِلْمًا"؛ نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ؛ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ؛ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقًا"؛ والمَعْنى: "تَصَبَّبَ عَرَقُ زَيْدٍ"؛ فَكَذَلِكَ المَعْنى هُنا: وسِعَ عِلْمُ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ؛ ﴿ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ ؛ تَوْقِيفٌ؛ وتَنْبِيهٌ؛ وإظْهارٌ لِمَوْضِعِ التَقْصِيرِ مِنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ فلمَّا جنّ ﴾ تفريع على قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ [الأنعام: 75] بقرينة قوله: ﴿ رأى كوكباً ﴾ فإنّ الكوكب من ملكوت السماوات، وقولِه في المعطوف عليه ﴿ نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ [الأنعام: 75].

فهذه الرؤية الخاصّة التي اهتدى بها إلى طريق عجيب فيه إبكات لقومه مُلجئ إيّاهم للاعتراف بفساد معتقدهم، هي فرع من تلك الإراءة التي عمَّت ملكوت السماوات والأرض، لأنّ العطف بالفاء يستدعي مزيد الاتِّصال بين المعطوف والمعطوف عليه لما في معنى الفاء من التفريع والتسبّب، ولذلك نعُدّ جعل الزمخشري ﴿ فلما جنّ ﴾ عطفاً على ﴿ قال إبراهيم لأبيه ﴾ [الأنعام: 74]، وجعْله ما بينهما اعتراضاً، غيرَ رشيق.

وقوله: ﴿ جَنّ عليه الليل ﴾ أي أظلم الليل إظلاماً على إبراهيم، أي كان إبراهيم محوطاً بظلمة الليل، وهو يقتضي أنَّه كان تحت السَّماء ولم يكن في بيت.

ويؤخذ من قوله بعده ﴿ قال يا قوم إنِّي بريء مِمَّا تشركون ﴾ أنَّه كان سائراً مع فريق من قومه يشاهدون الكواكب، وقد كان قوم إبراهيم صابئين يعبدون الكواكب ويصوّرون لها أصناماً.

وتلك ديانة الكلدانيين قوم إبراهيم.

يقال: جَنَّة الليل، أي أخفاه، وجَنان الليل بفتح الجيم، وجنُّه: ستره الأشياء المرئية بظلامه الشديد.

يقال: جنَّة الليل، وهو الأصل.

ويقال: جَنّ عليه الليل، وهذا يقصد به المبالغة في الستر بالظلمة حتَّى صارت كأنَّها غطاء، ومع ذلك لم يسمع في كلامهم جنّ اللَّيل قاصراً بمعنى أظلم.

وظاهر قوله: ﴿ رأى كوكباً ﴾ أنَّه حصلت له رؤية الكواكب عَرَضاً من غير قصد للتأمّل وإلاّ فإنّ الأفق في الليل مملوء كواكبَ، وأنّ الكواكب كان حين رآه واضحاً في السماء مشرقاً بنوره، وذلك أنور ما يكون في وسط السماء.

فالظاهر أنَّه رأى كوكباً من بينها شديد الضوء.

فعن زيد بن علي أنّ الكوكب هو الزهرة.

وعن السدّي أنَّه المشتري.

ويجوز أن يكون نَظَر الكواكب فرأى كوكباً فيكون في الكلام إيجاز حذف مثل ﴿ أننِ اضربْ بعصاك البحر فانفلق ﴾ [الشعراء: 63]، أي فضرب فانفلق.

وجملة ﴿ رأى كوكباً ﴾ جواب ﴿ لمَّا ﴾ .

والكوكب: النجم.

وجملة: ﴿ قال هذا ربِّي ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال ينشأ عن مضمون جملة ﴿ رأى كوكباً ﴾ وهو أن يسأل سائل: فماذا كان عندما رآه، فيكون قوله: ﴿ قال هذا ربِّي ﴾ جوباً لذلك.

واسم الإشارة هنا لقصد تمييز الكوكب من بين الكواكب ولكنْ إجراؤه على نظيريه في قوله حين رأى القمر وحين رأى الشمس ﴿ هذا ربِّي هذا ربِّي ﴾ يعيّن أنّ يكون القصد الأصلي منه هو الكناية بالإشارة عن كون المشار إليه أمراً مطلوباً مبحوثاً عنه فإذا عُثر عليه أشير إليه، وذلك كالإشارة في قوله تعالى: ﴿ لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ﴾ [الروم: 56]، وقوله: ﴿ قالت فذلكنّ الذي لمتنّني فيه ﴾ [يوسف: 32] ولم يقل فهو الذي لمتنني.

ولعلّ منه قوله: ﴿ هذه بضاعتُنا رُدّت إلينا ﴾ [يوسف: 65] إذ لم يقتصروا على «بضاعتُنا ردّت إلينا».

وفي «صحيح البخاري» قال الأحنف بن قيس: «ذَهَبْتُ لأنْصُر هذا الرجل» (يعني عليّ بن أبي طالب) ولم يتقدّم له ذكر، لأنّ عليّاً وشأنه هو الجاري في خواطر الناس أيام صفّين، وسيأتي قوله تعالى: ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء ﴾ [الأنعام: 89] يعني كفَّار قريش، وفي حديث سؤال القبر: " فيقال له ما علمك بهذا الرجل " (يعني الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من الأغراض الداعية للتعريف باسم الإشارة التي أهملها علماء البلاغة فيصحّ هنا أن يجعل مستعملاً في معنييه الصريح والكناية.

وتعريف الجزأين مفيد للقصر لأنَّه لم يقل: هذا ربّ.

فدلّ على أنّ إبراهيم عليه السلام أراد استدراج قومه فابتدأ بإظهار أنَّه لا يَرى تعدّد الآلهة ليصل بهم إلى التوحد واستبقى واحداً من معبوداتهم ففرض استحقاقه الإلهية كيلا ينفروا من الإصغاء إلى استدلاله.

وظاهر قوله ﴿ قال ﴾ إنَّه خاطب بذلك غيره، لأنّ القول حقيقته الكلام، وإنَّما يساق الكلام إلى مخاطب.

ولذلك كانت حقيقة القول هي ظاهر الآية من لفظها ومن ترتيب نظمها إذْ رُتِّب قوله ﴿ فلما جنّ ﴾ على قوله: ﴿ وكذلك نري إبْراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ [الأنعام: 75] وقوله: ﴿ وليكون من الموقنين ﴾ [الأنعام: 75] ورتّب ذلك كلّه على قوله: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتَّخذ أصناماً آلهة ﴾ [الأنعام: 74] الآية، ولقوله تعالى: ﴿ قال هذا ربِّي ﴾ وإنَّما يقوله لمخاطب، ولقوله عقب ذلك ﴿ يا قوم إنِّي بريء ممَّا تشركون ﴾ ، ولأنَّه اقتصر على إبطال كون الكواكب آلهة واستدلّ به على براءته ممَّا يشركون مع أنَّه لا يلزم من بطلان إلهية الكواكب بطلان إلهية أجرام أخرى لولا أنّ ذلك هو مدّعى قومه؛ فدلّ ذلك كلّه على أنّ إبراهيم عليه السلام قال ذلك على سبيل المجادلة لقومه وإرخاء العنان لهم ليصلوا إلى تلقّي الحجّة ولا ينفِروا من أول وهلة فيكون قد جمع جمعاً من قومه وأراد الاستدلال عليهم.

وقوله: ﴿ هذا ربِّي ﴾ أي خالقي ومدبِّري فهو مستحقّ عبادتي.

قاله على سبيل الفرض جرياً على معتقد قومه ليصل بهم إلى نقض اعتقادهم فأظهر أنَّه موافق لهم ليهشّوا إلى ذلك ثم يكُرّ عليهم بالإبطال إظهاراً للإنصاف وطلب الحقّ.

ولا يريبك في هذا أنّ صدور ما ظاهره كُفر على لسانه عليه السلام لأنَّه لمّا رأى أنّه ذلك طريق إلى إرشاد قومه وإنقاذهم من الكفر، واجتهد فرآه أرجى للقبول عندهم ساغ له التصريح به لقصد الوصول إلى الحقّ وهو لا يعتقده، ولا يزيد قولُه هذا قومَه كفراً، كالذي يُكره على أن يقول كلمة الكفر وقلبُه مطمئنّ بالإيمان فإنَّه إذا جاز ذلك لحفظ نفس واحدة وإنقاذها من الهلاك كان جوازه لإنقاذ فريق من النَّاس من الهلاك في الدنيا والآخرة أولى.

وقد يكون فعل ذلك بإذن من الله تعالى بالوحي.

وعلى هذا فالآية تقتضي أنّ قومه يعبدون الكواكب وأنَّهم على دين الصابئة وقد كان ذلك الدين شائعاً في بلدان الكلدان التي نشأ فيها إبراهيم عليه السلام وأنّ الأصنام التي كانوا يعبدونها أرادوا بها أنّها صور للكواكب وتماثيلُ لها على حسب تخيّلاتهم وأساطيرهم مثلما كان عليه اليونان القدماء، ويحتمل أنَّهم عبدوا الكواكب وعبدوا صوراً أخرى على أنَّها دون الكواكب كما كان اليونان يقسمون المعبودات إلى آلهة وأنصاف آلهة.

على أنّ الصابئة يعتقدون أنّ للكواكب روحانيات تخدمها.

وأفل النجم أفولاً: غاب، والأفول خاصّ بغياب النيِّرات السماوية، يقال: أفلّ النجم وأفَلَتْ الشمس، وهو المغيب الذي يكون بغروب الكوكب ورَاء الأفق بسبب الدورة اليومية للكرة الأرضية، فلا يقال: أفَلَتْ الشمس أو أفَل النجم إذا احتجب بسحاب.

وقوله: ﴿ لا أحبّ ﴾ الحبّ فيه بمعنى الرضى والإرادة، أي لا أرضى بالآفِل إلهاً، أو لا أريد الآفل إلَهاً.

وقد علم أنّ متعلَّق المحبَّة هو إرادته إلَهاً له بقوله: ﴿ هذا ربِّي ﴾ .

وإطلاق المحبَّة على الإرادة شائع في الكلام، كقوله تعالى: ﴿ فيه رجال يحبّون أن يتطهّروا ﴾ [التوبة: 108].

وقدّره في «الكشَّاف» بحذف مضاف، أي لا أحبّ عبادة الآفلين.

وجاء ب ﴿ الآفلين ﴾ بصيغة جمع الذكور العقلاء المختصّ بالعقلاء بناء على اعتقاد قومه أنّ الكواكب عاقلة متصرّفة في الأكوان، ولا يكون الموجود معبوداً إلاّ وهو عالم.

ووجه الاستدلال بالأفوال على عدم استحقاق الإلهية أنّ الأفول مغيب وابتعاد عن الناس، وشأن الإله أن يكون دائم المراقبة لتدبير عباده فلمَّا أفلّ النجم كان في حالة أفوله محجوباً عن الاطِّلاع على النَّاس، وقد بنَى هذا الاستدلال على ما هو شائع عند القوم من كون أفول النجم مغيباً عن هذا العالم، يعني أنّ ما يغيب لا يستحقّ أنْ يُتَّخذ إلهاً لأنَّه لا يغني عن عباده فيما يحتاجونه حين مغيبه.

وليس الاستدلال منظوراً فيه إلى التغيّر لأنّ قومه لم يكونوا يعلمون الملازمة بين التغيّر وانتفاء صفة الإلهية، ولأنّ الأفول ليس بتغيّر في ذات الكوكب بل هو عَرَض للأبصار المشاهِدة له، أمَّا الكوكب فهو باق في فلكه ونظامه يغيب ويعود إلى الظهور وقوم إبراهيم يعلمون ذلك فلا يكون ذلك مقنعاً لهم.

ولأجل هذا احتجّ بحالة الأفول دون حالة البزوغ فإنّ البزوغ وإن كان طرأ بعد أفول لكنْ الأفول السابقُ غيرُ مشاهد لهم فكان الأفول أخصر في الاحتجاج من أن يقول: إنّ هذا البازغ كان من قَبلُ آفِلاً.

وقوله: ﴿ فلمّا رأى القمر بازغاً ﴾ الخ عطف على جملة محذوفة دلّ عليها الكلام.

والتقدير: فطلع القمر فلَّما رآه بازغاً، فحذفت الجملة للإيجاز وهو يقتضي أنّ القمر طلع بعد أفول الكوكب، ولعلّه اختار لمحاجّة قومه الوقت الذي يغرب فيه الكوكب ويطلع القمر بقرب ذلك، وأنَّه كان آخر اللَّيل ليعقبهما طلوع الشمس.

وأظْهِر اسمُ ﴿ القمر ﴾ لأنَّه حذف معاد الضمير.

والبازغ: الشارق في ابتداء شروقه، والبُزُوغ ابتداء الشروق.

وقوله ﴿ هذا ربِّي ﴾ أفاد بتعريف الجزأين أنَّه أكثر ضوءاً من الكوكب فإذا كان استحقاق الإلهية بسبب النّور فالذي هو أشدّ نوراً أولى بها من الأضعف.

واسم الإشارة مستعمل في معناه الكنائي خاصّة وهو كون المشار إليه مطلوباً مبحوثاً عنه كما تقدّم آنفاً.

وقوله: ﴿ فلَّما أفل قال لَئن لم يهدني ربِّي لأكونَنّ من القوم الضالِّين ﴾ قصد به تنبيه قومه للنظر في معرفة الربّ الحقّ وأنَّه واحد، وأنّ الكوكب والقمر كليهما لا يستحقَّان ذلك مع أنَّه عَرّض في كلامه بأنّ له ربّا يهديه وهم لا ينكرون عليه ذلك لأنَّهم قائلون بعدّة أرباب.

وفي هذا تهيئة لنفوس قومه لما عزم عليه من التصريح بأنّ له ربّاً غير الكواكب.

ثم عَرّض بقومه أنَّهم ضالّون وهيّأهم قبل المصارحة للعلم بأنَّهم ضالّون، لأنّ قوله: ﴿ لأكونَنّ من القوم الضالّين ﴾ يُدخِل على نفوسهم الشكّ في معتقدهم أن يكون ضلالاً، ولأجل هذا التعريض لم يقل: لأكوننّ ضالاّ، وقال ﴿ لأكوننّ من القوم الضالّين ﴾ ليشير إلى أنّ في النَّاس قوماً ضالّين، يعني قومه.

وإنَّما تريَّث إلى أفول القمر فاستدلّ به على انتفاء إلهيته ولم ينفها عنه بمجرّد رؤيته بازغاً مع أنّ أفوله محقّق بحسب المعتاد لأنَّه أراد أن يقيم الاستدلال على أساس المشاهدة على ما هو المعروف في العقول لأنّ المشاهدة أقوى.

وقوله: ﴿ فلمَّا رأى الشمس بازغة ﴾ أي في الصباح بعد أن أفل القمر، وذلك في إحدى الليالي التي يغرب فيها القمر قبيل طلوع الشمس لأنّ الظاهر أنّ هذا الاستدلال كلّه وقع في مجلس واحد.

وقوله للشمس ﴿ هذا ربِّي ﴾ باسم إشارة المذكّر مع أنّ الشمس تجري مجرى المؤنّث لأنّه اعتبرها ربّاً، فروعي في الإشارة معنى الخبر، فكأنَّه قال: هذا الجرْم الذي تدعونه الشمس تبيّن أنَّه هو ربِّي.

وجملة ﴿ هذا ربي ﴾ جارية مجرى العلَّة لجملة ﴿ هذا ربِّي ﴾ المقتضية نقض ربوبية الكوكب والقمر وحصر الرّبوبيّة في الشمس ونفيها عن الكوكب والقمر، ولذلك حذف المُفضّل عليه لظهوره، أي هو أكبر منهما، يعني أن الأكبر الأكثر إضاءة أولى باستحقاق الإلهية.

وقوله: ﴿ قال يا قوم إنِّي بريء ممَّا تشركون ﴾ ، إقناع لهم بأنْ لا يحاولوا موافقته إيَّاهم على ضلالهم لأنَّه لما انتفى استحقاق الإلهية عن أعظم الكواكب التي عبدوها فقد انتفى عمَّا دونها بالأحرى.

والبريء فعيل بمعنى فَاعِل من بَرئ بكسر الرّاء لا غير يَبرَأ بفتح الرّاء لا غير بمعنى تفصّى وتنزّه ونفَى المخالطة بينه وبين المجرور ب (مِن).

ومنه ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ [التوبة: 3]، ﴿ فبرّأهُ الله ممَّا قالُوا ﴾ [الأحزاب: 69]، ﴿ وما أبرّئ نفسي ﴾ [يوسف: 53].

فمعنى قوله ﴿ بريء ﴾ هنا أنَّه لا صلة بينه وبين ما يشركون.

والصلة في هذا المقام هي العبادة إن كان ما يشركون مراداً به الأصنام، أو هي التلبّس والاتِّباع إن كان ما يشركون بمعنى الشرك.

والأظهر أنّ (ما) في قوله ﴿ ما تشركون ﴾ موصولة وأنّ العائد محذوف لأجل الفاصلة، أي ما تشركون به، كما سيأتي في قوله: ﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ [الأنعام: 80] لأنّ الغالب في فعل البراءة أن يتعلَّق بالذوات، ولئلاّ يتكرّر مع قوله بعده ﴿ وما أنا من المشركين ﴾ .

ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، أي من إشراككم، أي لا أتقلَّده.

وتسميته عبادتهم الأصنام إشراكاً لأنّ قومه كانوا يعترفون بالله ويشركون معه في الإلهية غيره كما كان إشراك العرب وهو ظاهر أي القرآن حيث ورد فيها الاحتجاج عليهم بخالق السماوات والأرض، وهو المناسب لضرب المثل لمشركي العرب بشأن إبراهيم وقومه، ولقوله الآتي ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ [الأنعام: 82].

وجملة ﴿ إنّي وجَّهْت وَجْهِي ﴾ بمنزلة بدل الاشتمال من جملة ﴿ إنِّي بريء ممّا تشركون ﴾ ، لأنّ البراءة من الإشراك تشتمل على توجيه الوجه إلى الله، وهو إفراده بالعبادة.

والوجه في قوله: ﴿ وجهي ﴾ .

و ﴿ وجّهت ﴾ مشتقّ من الجهة والوجهة، أي صرفته إلى جهة، أي جعلت كذا جهة له يقصدها.

يقال: وجَّهه فتوجّه إلى كذا إذا ذهب إليه.

ويقال للمكان المقصود وجهة بكسر الواو، وكأنَّهم صاغوه على زنة الهيئة من الوَجه لأنّ القاصد إلى مكان يقصده من نحو وجهه، وفعلوه على زنة الفعلة بكسر الفاء لأنّ قاصد المكان بوجهه تَحْصُل هيئة في وجهه وهي هيئة العزم وتحديقُ النظر.

فمعنى ﴿ وجَّهت وجهي ﴾ صرفتُه وأدرته.

وهذا تمثيل: شبّهت حالة إعراضه عن الأصنام وقصده إلى إفراد الله تعالى بالعبادة بمن استقبل بوجهه شيئاً وقصده وانصرف عن غيره.

وأتي بالموصول في قوله: ﴿ للذي فطر السماوات والأرض ﴾ ليومئ إلى علّة توجّهه إلى عبادته، لأنّ الكواكب من موجودات السماء، والأصنامَ من موجودات الأرض فهي مفطورة لله تعالى.

وفعل (وجَّه) يتعدّى إلى المكان المقصود بإلى، وقد يتعدّى باللام إذا أريد أنَّه انصرف لأجل ذلك الشيء، فيحسن ذلك إذا كان الشيء المقصود مراعى إرضاؤه وطاعته كما تقول: توجّهت للحبيب، ولذلك اختير تعدّيه هنا باللام، لأنّ في هذا التوجّه إرضاء وطاعة.

وفَطَر: خلَق، وأصل الفَطْر الشقّ.

يقال فطر فطوراً إذا شقّ قال تعالى ﴿ فارجع البصر هل تَرى من فُطُور ﴾ [الملك: 3] أي اختلال، شُبّه الخلْق بصناعة الجلد ونحوه، فإنّ الصانع يشقّ الشيء قبل أن يصنعه، وهذا كما يقال: الفَتق والفَلْق، فأطلق الفَطر على إيجاد الشيء وإبداعه على هيئة تؤهّل للفعل.

و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من ضمير المتكلّم في ﴿ وجهتُ ﴾ .

وتقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً ﴾ في سورة [البقرة: 135].

وجملة: وما أنا من المشركين} عطف على الحال، نفَى عن نفسه أن يكون متَّصلاً بالمشركين وفي عدادهم.

فلما تبرّأ من أصنامهم تبرّأ من القوم، وقد جمعهما أيضاً في سورة [الممتحنة: 4] إذ قال ﴿ إنّا بُرَآء منكم وممّا تعبدون من دون الله ﴾ وأفادت جملة ﴿ وما أنا من المشركين ﴾ تأكيداً لجملة ﴿ إنِّي وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً ﴾ ، وإنَّما عطفت لأنَّها قصد منها التبرّئ من أن يكون من المشركين.

وهذا قد جرينا فيه على أنّ قول إبراهيم لمّا رأى النيّرات ﴿ هذا ربِّي ﴾ هو مناظرة لقومه واستدراج لهم، وأنّه كان موقناً بنفي إلهيتها، وهو المناسب لصفة النبوءة أن يكون أوحى إليه ببطلان الإشراك وبالحجج التي احتجّ بها على قومه.

ومن المفسّرين من قال: إنّ كلامه ذلك كان نظراً واستدلالاً في نفسه لقوله: ﴿ لئن لم يهدني ربِّي ﴾ ، فإنَّه يُشعر بأنّه في ضلال لأنَّه طلب هداية بصيغة الاستقبال أي لأجل أداة الشرط، وليس هذا بمتعيّن لأنَّه قد يقوله لتنبيه قومه إلى أنّ لهم ربَّا بيده الهداية، كما بيّنّاه في موضعه، فيكون كلامه مستعملاً في التعريض.

على أنَّه قد يكون أيضاً مراداً به الدوام على الهداية والزيادة فيها، على أنَّه قد يكون أراد الهداية إلى إقامة الحجّة حتَّى لا يتغلّب عليه قومه.

فإذا بنينا على أنّ ذلك كان استدلالاً في نفسه قبل الجزم بالتوحيد فإنّ ذلك كان بإلهام من الله تعالى، فيكون قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ [الأنعام: 75] معناه نريه ما فيها من الدلائل على وجود الصانع ووحدانيته قبل أن نُوحي إليه، ويكون قوله: ﴿ رأى كوكباً ﴾ بمعنى نظر في السماء فرأى هذا الكوكب ولم يكن نظر في ذلك من قبل، ويكون قوله: ﴿ قال هذا ربِّي ﴾ قولاً في نفسه على نحو ما يتحدّث به المفكِّر في نفسه، وهو حديث النفس، كقول النابغة في كلب صيد: قالتْ له النفس إنِّي لا أرى طمعاً *** وإنّ مولاك لم يسلَمْ ولم يَصد وقول العَجّاج في ثور وحشي: ثم انثنى وقال في التفكير *** إنّ الحياة اليوم في الكُرور وقوله: ﴿ هذا ربِّي ﴾ وقوله: ﴿ لا أحبّ الآفلين، ﴾ وقوله: ﴿ لئِن لم يهدني ربِّي ﴾ كلّ ذلك مستعمل في حقائقه من الاعتقاد الحقيقي.

وقوله: ﴿ قال يا قوم ﴾ هو ابتداء خطابه لقومه بعد أن ظهر الحقّ له فأعلن بمخالفته قومه حينئذٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّ آزَرَ اسْمُ أبِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، قالَ مُحَمَّدٌ: كانَ رَجُلًا مِن أهْلِ كُوتى قَرْيَةٌ مِن سَوادِ الكُوفَةِ.

والثّانِي: أنَّ آزَرَ اسْمُ صَنَمٍ، وكانَ اسْمُ أبِيهِ تارِحَ، قالَ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ، وإنَّما هو صِفَةُ سَبٍّ بِعَيْبٍ، ومَعْناهُ مِعْوَجٌّ، كَأنَّهُ عابَهُ بِاعْوِجاجِهِ عَنِ الحَقِّ، قالَهُ الفَرّاءُ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ مِن إبْراهِيمَ - وهو نَبِيٌّ - سَبَّ أباهُ؟

قِيلَ: لِأنَّهُ سَبَّهُ بِتَضْيِيعِهِ حَقَّ اللَّهِ تَعالى، وحَقُّ الوالِدِ يَسْقُطُ في تَضْيِيعِ حَقِّ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ذَلِكَ وذاكَ وذا: إشاراتٌ، إلّا أنَّ ذا لِما قَرُبَ، وذَلِكَ لِما بَعُدَ، وذاكَ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ ما بَعُدَ.

وَفي المُرادِ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا فِيهِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَلَكُوتَ هو المُلْكُ بِالنَّبَطِيَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ المُلْكُ بِالعَرَبِيَّةِ، يُقالُ مُلْكٌ ومَلَكُوتٌ كَما يُقالُ رَهْبَةٌ ورَهَبُوتٌ، ورَحْمَةٌ ورَحَمُوتٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: رَهَبُوتُ خَيْرٍ مِن رَحَمُوتٍ، أيْ أنْ نُرْهَبَ خَيْرٌ مِن أنْ نُرْحَمَ، قالَهُ الأخْفَشُ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ آياتُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: هو الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أنَّ مَلَكُوتَ السَّماواتِ: القَمَرُ، والنُّجُومُ، والشَّمْسُ، ومَلَكُوتُ الأرْضِ: الجِبالُ، والشَّجَرُ، والبِحارُ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِنَ المُوقِنِينَ لِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ.

والثّانِي: مِنَ المُوقِنِينَ نُبُوَّتُهُ وصِحَّةُ رِسالَتِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: ذَكَرَ لَنا أنَّهُ رَأى الزُّهْرَةَ طَلُعَتْ عِشاءً.

﴿ قالَ هَذا رَبِّي ﴾ ومَعْنى جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، أيْ سَتْرِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً لِأنَّ الشَّجَرَ يَسْتُرُها، والجِنُّ لِاسْتِتارِهِمْ عَنِ العُيُونِ، والجُنُونِ لِأنَّهُ يَسْتُرُ العَقْلَ، والجَنِينَ لِأنَّهُ مَسْتُورٌ في البَطْنِ، والمِجَنِّ لِأنَّهُ يَسْتُرُ المُتَتَرِّسَ، قالَ الهُذَلِيُّ وماءٌ ورَدَتْ قُبَيْلَ الكَرى وقَدْ جَنَّهُ السُّدْفُ الأدْهَمُ وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذا رَبِّي ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ قالَ: هَذا رَبِّي في ظَنِّي، لِأنَّهُ في حالِ تَقْلِيبٍ واسْتِدْلالٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اعْتِقادًا أنَّهُ رَبُّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ في حالِ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ، لِأنَّ أُمَّهُ ولَدَتْهُ في مَغارَةٍ حَذَرًا عَلَيْهِ مِن نَمْرُودَ، فَلَمّا خَرَجَ عَنْهُ قالَ هَذا القَوْلَ قَبْلَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، لِأنَّها حالٌ لا يَصِحُّ فِيها كُفْرٌ ولا إيمانٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ بَعْدَ البُلُوغِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ قَوْلَ مُعْتَقَدٍ، وإنَّما قالَهُ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَإذا كانَ الكَوْكَبُ والشَّمْسُ والقَمَرُ وما لَمْ تَصْنَعْهُ يَدٌ ولا عَمِلَهُ بَشَرٌ لَمْ تَكُنْ مَعْبُودَةً لِزَوالِها، فالأصْنامُ الَّتِي هي دُونَها أوْلى ألّا تَكُونَ مَعْبُودَةً.

والخامِسُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَوْبِيخًا عَلى وجْهِ الإنْكارِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ وتَقْدِيرُهُ: أهَذا رَبِّي، كَما قالَ الشّاعِرُ: رَفَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لا تَرْعَ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوَجْهَ هم هُمْ بِمَعْنى أهم هُمْ؟

﴿ فَلَمّا أفَلَ ﴾ أيْ غابَ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفَلاتِ الدَّوالِكَ ﴿ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ يَعْنِي حُبَّ رَبٍّ مَعْبُودٍ، وإلّا فَلا حَرَجَ في مَحَبَّتِهِمْ غَيْرَ حُبِّ الرَّبِّ.

﴿ فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا ﴾ أيْ طالِعًا، وكَذَلِكَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ أيْ طَلَعَتْ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ كانَ أُفُولُها دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ عِبادَتُها وقَدْ عَبَدَها مَعَ العِلْمِ بِأُفُولِها خَلْقٌ مِنَ العُقَلاءِ؟

قِيلَ لِأنَّ تَغَيُّرَها بِالأُفُولِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها مُدَبَّرَةٌ مُحْدَثَةٌ، وما كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ إلَهًا مَعْبُودًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: الشمس والقمر والنجوم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: كشف ما بين السموات والأرض حتى نظر إليهن على صخرة، والصخرة على حوت، وهو الحوت الذي منه طعام الناس، والحوت في سلسلة والسلسلة في خاتم العزة.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: ملك السموات والأرض قال: سلطانهما.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: إنما هو ملك السموات والأرض، ولكنه بلسان النبطية ملكوثا.

وأخرج آدم بن أبي اياس وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: آيات فرجت له السموات السبع، فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: قام على صخرة ففرجت له السموات السبع حتى ننظر إلى العرش وإلى منزله من الجنة، ثم فرجت له الأرضون السبع حتى نظر إلى الصخرة التي عليها الأرضون، كذلك قوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ [ العنكبوت: 27] .

وأخرج أحمد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رأيت ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟

قال: قلت أنت أعلم أي رب...

!

قال: فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي.

قال: فعلمت ما في السموات والأرض، ثم تلا هذه الآية ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ﴾ ثم قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قال: قلت: في الدرجات والكفارات قال: وما الكفارات؟

قلت: نقل الأقدام إلى الجماعات، والمجالس في المساجد خلاف الصلوات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروه، فمن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير، ويكن من خطيئته كهيتئه يوم ولدته أمه، وأما الدرجات فبذل السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام، قال: قل اللهم إني أسألك الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلموهن فإنهن حق» .

وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أشرف على رجل على معصية من معاصي الله فدعا عليه فهلك، ثم أشرف على آخر على معصية من معاصي الله فدعا فهلك، ثم أشرف على آخر فذهب يدعو عليه، فأوحى الله إليه: أن يا إبراهيم أنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على عبادي، فإنهم مني على ثلاث: إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن أخرج من صلبه نسمة تملأ الأرض بالتسبيح، وإما أن أقبضه إلي فإن شئت عفوت وإن شئت عاقبت» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن عطاء قال: لما رفع إبراهيم إلى ملكوت السموات أشرف على عبد يزني فدعا عليه فأهلك، ثم رفع أيضاً فأشرف على عبد يزني فدعا عليه فأهلك، ثم رفع أيضاً فأشرف على عبد يزني، فأراد أن يدعو عليه فقال له ربه: على رسلك يا إبراهيم، فإنك عبد مستجاب لك، وإني من عبدي على إحدى ثلاث خلال: إما أن يتوب إلي فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة، وإما أن يتمادى فيما هو فيه فأنا من ورائه.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: رفع إبراهيم إلى السماء فنظر أسفل منه، فرأى رجلاً على فاحشة فدعا فخسف به حتى دعا على سبعة كلهم يخسف به، فنودي يا إبراهيم رفه عن عبادي ثلاث مرار إني من عبدي بين ثلاث، اما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن استخرج من صلبه ذرية مؤمنة، وإما أن يكفر فحسبه جهنم.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله وعليه وسلم قال: «لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر عبداً على خطيئة فدعا عليه، ثم أبصر عبداً على خطيئة فدعا عليه، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم إنك عبد مستجاب الدعوة فلا تدع على أحد فإني من عبدي على ثلاث: إما أن أخرج من صلبه ذرية تعبدني، وإما أن يتوب في آخر عمره فأتوب عليه، وإما أن يتولى فإن جهنم من ورائه» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن سلمان الفارسي قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض رأى رجلاً على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه، فأوحى الله إليه: أن يا إبراهيم مهلاً فإنك رجل مستجاب لك، وإني من عبدي على ثلاث خصال: إما أن يتوب قبل الموت فأتوب عليه، وإما أن أخرج من صلبه ذرية يذكروني، وإما أن يتولى فجهنم من ورائه.

وأخرج البيهقي في الشعب عن عطاء قال: لما رفع إبراهيم في ملكوت السموات رأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك، ثم رفع فرأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك، ثم رفع فرأى رجلاً يزني فدعا فهلك، ثم رأى رجلاً يزني فدعا فهلك.

فقيل: على رسلك يا إبراهيم إنك عبد مستجاب لك، وإني من عبدي على ثلاث: إما أن يتوب إلي فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة تعبدني، وإما أن يتمادى فيما هو فيه فإن جهنم من ورائه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: يعني خلق السموات والأرض ﴿ وليكون من الموقنين ﴾ فإنه جلا له الأمر سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله: إنك لا تستطيع هذا، فرده الله كما كان قبل ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أن إبراهيم عليه السلام فر به من جبار مترف، فجعل في سرب وجعل زرقه في أطرافه، فجعل لا يمص أصبعاً من أصابعه إلا جعل الله له فيها رزقاً، فلما خرج من ذلك السرب أراه الله ملكوت السموات والأرض، وأراه شمساً وقمراً ونجوماً وسحاباً وخلقاً عظيماً، وأراه ملكوت الأرض فرأى جبالاً وبحوراً وأنهاراً وشجراً ومن كل الدواب وخلقاً عظيماً ﴿ فلما جن عليه الليل رأى كوكباً ﴾ ذكر لنا أن الكوكب الذي رأى الزهرة طلعت عشاء ﴿ قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ﴾ علم أن ربه دائم لا يزول ﴿ فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي ﴾ رأى خلقاً أكبر من الخلق الأوّل ﴿ فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالمين، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر ﴾ أي أكبر خلقاً من الخلقين الأوّلين.

وأبهى وأنور.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان من شأن إبراهيم عليه السلام أن أول ملك ملك في الأرض شرقها وغربها نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أربعة: بن كنعان وسليمان بن داود، وذو القرنين، وبختنصر.

مسلمين وكافرين، وإنه طلع كوكب على نمورد، ذهب بضوء الشمس والقمر ففزع من ذلك، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة فسألهم عن ذلك!

فقالوا: يخرج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك ملكك، وكان مسكنه ببابل الكوفة فخرج من قريته إلى قرية أخرى، وأخرج الرجال وترك النساء، وأمر أن لا يولد مولود ذكر إلا ذبحه فذبح أولادهم.

ثم إنه بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلا آزر أبا إبراهيم، فدعاه فأرسله فقال له: أنظر لا تواقع أهلك.

فقال له آزر أنا أضُنُّ بديني من ذلك، فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه إن وقع عليها، ففر بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يقال لها ادر فجعلها في سرب، فكان يتعهدها بالطعام وما يصلحها، وإن الملك لما طال عليه الأمر قال: قول سحرة كذابين ارجعوا إلى بلدكم، فرجعوا وولد إبراهيم فكان في كل يوم يمر به كأنه جمعة والجمعة كالشهر من سرعة شبابه، ونسي الملك ذاك وكبر إبراهيم ولا يرى أن أحداً من الخلق غيره وغير أبيه وأمه، فقال أبو إبراهيم لأصحابه: إن لي ابناً وقد خبأته فتخافون عليه الملك ان أنا جئت به؟

قالوا: لا فائت به.

فانطلق فأخرجه، فلما خرج الغلام من السرب نظر إلى الدواب والبهائم والخلق، فجعل يسأل أباه فيقول: ما هذا؟

فيخبره عن البعير أنه بعير، وعن البقرة أنها بقرة، وعن الفرس أنها فرس، وعن الشاة أنها شاة.

فقال: ما لهؤلاء بد من أن يكون لهم رب.

وكان خروجه حين خرج من السرب بعد غروب الشمس، فرفع رأسه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشتري، فقال: هذا ربي.

فلم يلبث أن غاب قال: لا أحب رباً يغيب.

قال ابن عباس: وخرج في آخر الشهر فلذلك لم ير القمر قبل الكوكب، فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغاً قد طلع قال: هذا ربي.

فلما أفل يقول غاب ﴿ قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ﴾ فلما أصبح رأى الشمس بازغة ﴿ قال: هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ قال الله له: اسلم.

قال: أسلمت لرب العالمين.

فجعل إبراهيم يدعو قومه وينذرهم، وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها أولاده فيبيعونها، وكان يعطيه فينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه، فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم، ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي، ثم دعا أباه فقال: ﴿ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ﴾ [ مريم: 42] ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة فإذا هن في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم، إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً بين يدي الآلهة وقالوا: إذا كان حين نرجع رجعنا وقد برحت الآلهة من طعامنا فأكلنا، فلما نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال: ألا تأكلون؟

فلما لم تجبه قال: ما لكم لا تنطقون؟

ثم إن إبراهيم أتى قومه فدعاهم، فجعل يدعو قومه وينذرهم، فحبسوه في بيت وجمعوا له الحطب حتى أن المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعن لإبراهيم حطباً، فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب، حتى إن كان الطير ليمر بها فيحترق من شدة وهجها وحرها، فعمدوا إليه فرفعوه إلى رأس البنيان، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك.

قال أنا أعلم به، فإن دعاكم فأغيثوه.

وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض، ليس أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل.

فقذفوه في النار، فناداها فقال: ﴿ يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ [ الأنبياء: 69] وكان جبريل هو الذي ناداها.

فقال ابن عباس: لو لم يتبع برداً سلاماً لمات إبراهيم من بردها، ولم يبق يومئذ في الأرض نار إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى، فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم، فإذا هو ورجل آخر معه ورأس إبراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق، وذكر أن ذلك الرجل ملك الظل، فأنزل الله ناراً فانتفع بها بنو آدم، وأخرجوا إبراهيم فأدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن السدي في قوله: ﴿ رأى كوكباً ﴾ قال: هو المشتري، وهو الذي يطلع نحو القبلة عن المغرب.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن علي في قوله: ﴿ رأى كوكباً ﴾ قال: الزهرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فلما أفل ﴾ أي ذهب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ قال: الزائلين.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ فلما أفلت ﴾ قال: فلما زالت الشمس عن كبد السماء.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت كعب بن مالك الأنصاري وهو يرثي النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: فتغير القمر المنير لفقده ** والشمس قد كسفت وكادت تأفل قال: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ حنيفاً ﴾ قال: ديناً مخلصاً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت حمزة بن عبد المطلب وهو يقول: حمدت الله حين هدى فؤادي ** إلى الإسلام والدين الحنيف وقال: أيضاً رجل من العرب يذكر بني عبد المطلب وفضلهم: أقيموا لنادينا حنيفاً فانتمو ** لنا غاية قد نهتدي بالذوائب وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في قوله: ﴿ حنيفاً ﴾ قال: مخلصاً.

وأخرج مسلم والنسائي وابن مردويه عن عياض بن حمار المجاشعي «أنه شهد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم فسمعه يقول: إن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم من دينكم مما علمني يومي هذا، إن كل مال نحلته عبداً فهو له حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنه أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» .

وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ قال أبو إسحاق: (أي: جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي لله عز وجل) (١) (٢) (١) "معاني القرآن" 2/ 268.

(٢) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 90 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل ﴾ أي ستره يقال: جنْ عليه الليل وأجنه ﴿ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هذا رَبِّي ﴾ يحتمل أن يكون هذا الذي جرى لإبراهيم في الكوكب والقمر والشمس أن يكون قبل البلوغ والتكليف.

وقد روي أن أمه ولدته في غار؛ خوفاً من نمروذ إذ كان يقتل الأطفال؛ لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي، ويحتمل أن يكون جرى له ذلك بعد بلوغه وتكليفه، وأنه قال ذلك لقومه على وجه الرد عليهم والتوبيخ لهم، وهذا أرجح لقوله بعد ذلك ﴿ إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ ولا يتصور أن يقول ذلك وهو منفرد في الغار لأن ذلك يقتضي محاجة وردّا على قومه، وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن يبين لهم الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى أن هذه الأشياء لا يصح أن يكون واحداً منها إلهاً، لقيام الدليل على حدوثها.

وأن الذي أحدثها ودبر طلوعها وغروبها وأفولها هو الإله الحق وحده، وقوله: هذا ربي قول من ينصف خصمه، مع علمه أنه مبطل؛ لأن ذلك أدعى إلى الحق وأقرب إلى رجوع الخصم، ثم أقام عليه الحجة بقوله.

﴿ لا أُحِبُّ الآفلين ﴾ : أي لا أحب عبادة المتغيرين؛ لأن التغير دليل على الحدوث، والحدوث ليس من صفة الإله، ثم استمرّ على ذلك المنهاج في القمر وفي الشمس، فلما أوضح البرهان، وأقام عليهم الحجة، جاهرهم بالبراءة من باطلهم، فقال: ﴿ إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ ، ثم أعلن لعبادته لله وتوحيده له فقال: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات والأرض ﴾ ، ووصف الله تعالى بوصف يقتضي توحيده وانفراده بالملك، فإن قيل: لم احتج بالأفول دون الطلوع، وكلاهما دليل على الحدوث لأنهما انتقال من حال إلى حال؟

فالجواب أنه أظهر في الدلالة، لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أراك ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ لأبيه آزر ﴾ بالضم على النداء: يعقوب ﴿ رأى كوكباً ﴾ بإمالة الهمزة: أبو عمرو غير عباس والنجاري عن ورش.

وكذلك ﴿ رآه ﴾ و ﴿ رآك ﴾ وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وعباس وهبيرة من طريق الخراز بكسر الراء والهمزة.

وافق ابن ذكوان في ﴿ رأى ﴾ فقط وخالفهم فيما اتصلت بالكاف والهاء في سورة النجم.

وافق مجاهد والنقاش بالإمالة وكسر الراء في سورة "اقرأ باسم" ﴿ رأى القمر ﴾ و ﴿ رأى الشمس ﴾ ونحوهما بكسر الراء وفتح الهمزة: حمزة وخلف ونصر وعباس ويحي والخراز.

وروى خلف عن يحي بكسر الراء والهمزة ﴿ أتحاجوني ﴾ بتخفيف النون: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان.

الباقون: بإدغام نون الإعراب في نون الوقاية ﴿ وقد هدان ﴾ بالإمالة: علي.

وقرأ سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الحالين، وافق أبو عمرو ويزيد واسماعيل في الوصل.

﴿ درجات ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.

الوقوف: ﴿ آلهة ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الموقنين ﴾ ه ﴿ رأى كوكباً ﴾ ج لأن جواب "لما" قوله "رأى" مع اتحاد الكلام بلا عطف ﴿ ربي ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع فاء التعقيب فيها.

﴿ الآفلين ﴾ ه ﴿ هذا ربي ﴾ ج لذلك ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ هذا أكبر ﴾ ج لذلك ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ المشركين ﴾ ج لاحتمال الواو الحال أي وقد حاجه.

﴿ قومه ﴾ ط ﴿ هدان ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ شيئا ﴾ ط ﴿ علما ﴾ ط ﴿ تتذكرون ﴾ ه ﴿ سلطانا ﴾ ط للاستفهام بعد تمام الاستفهام ﴿ بالأمن ﴾ ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف التقدير: إن كنتم تعلمون فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿ تعلمون ﴾ ه لتناهي الاستفهام وابتداء إخبار، ولو وصل اتصل بما قبله ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ على قومه ﴾ ط ﴿ من نشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: إنه  كثيراً ما يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم صلوات الرحمن عليه لأنه يعرف بالفضل والتقدم عند جميع الطوائف، وذلك أنه سلم قلبه للرحمن ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان.

ثم إن بظاهر الآية يدل على أن اسم والد ابراهيم هو آزر، ومنهم من قال: اسمه تارح.

قال الزجاج: لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح، فمن الملحدة من طعن في هذا النسب لهذا السبب.

والجواب أن إجماع النسابة لا عبرة به لأن ذلك ينتهي إلى قول الواحد أو الأثنين - مثل وهب وكعب - أو غيرهما.

سلمنا أن اسمه كان "تارح" لكنه من المحتمل أن يكون أحدهما لقباً والآخر اسماً أصلياً، أو يكون آزر صفة مخصوصة في لغتهم كالمخطىء والمخذول.

وقيل: إن آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية وهذا عند من يجوز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب.

وقيل: إن آزر اسم صنم يجوز أن ينبز به للزومه عبادته، فإن من بالغ في محبة واحد فقد يجعل اسم المحبوب اسماً للمحب قال  ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم  ﴾ وقال الشاعر: أدعى بأسماء نبزاً في قبائلها *** كأن أسماء أضحت بعض أسمائي.

أو أريد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

وقيل: إن والد إبراهيم كان تارح وكان آزر عماً له والعم قد يطلق عليه اسم الأب بدليل قوله ﴿ نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق  ﴾ ومعلوم أن إسماعيل كان عماً ليعقوب.

ومما يدل على صحة ظاهر الآية أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا حراصاً متهالكين على تكذيب الرسول  وإظهار نقصه، فلو كان النسب كذباً لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه، وحيث لم يكذبوه علمنا أن النسب صحيح، قالت المعتزلة ومن يجري مجراهم: إن أحداً من آباء الرسول  ما كان كافراً وفسروا قوله ﴿ وتقلبك في الساجدين  ﴾ بانتقاله من ساجد إلى ساجد وأكدوه بما روي أنه  قال: "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وإن آزر كان عم إبراهيم وما كان والداً له لأن إبراهيم شافهه بالغلظة والجفاء في قوله: ﴿ إني أراك وقومك في ضلال مبين ﴾ وقد قال  ﴿ ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما  ﴾ ولأنه ناداه بالاسم في قراءة من قرأ "آزر" بالضم.

والنداء بالاسم دليل الاستخفاف ولهذا لم يقرأ بالضم في قوله ﴿ وقال موسى لأخيه هارون اخلفني  ﴾ وأجيب بأن قوله ﴿ وتقلبك في الساجدين  ﴾ يحتمل وجوهاً أخرى سوف يجيء ذكرها، وبأن قوله "لم أزل أنتقل" محمول على أنه لم يقع في نسبه ما كان سفاحاً.

والتغليظ من إبراهيم إنما كان لأجل إصرار أبيه على الكفر كما قال ﴿ فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه  ﴾ لا لأجل السفه والجفاء لقوله ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب  ﴾ ثم إن إبراهيم احتج على فساد اعتقاد عبدة الأصنام بقوله منكراً على آزر وقومه ﴿ أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ أي معبودين.

وذلك أن الأصنام لو كان لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافياً فلما لم يكن الواحد كافياً دل ذلك على عجزها وإن كثرت، واحتج بعضهم بالآية على وجوب معرفة الله  ،وعلى أن وجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع لأن إبراهيم حكم عليهم بالضلال من حيث النظر والاستدلال، وأجيب بأنه لعله عرف ضلالهم بحكم شرع الأنبياء المتقدمين عليه ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام والاشتغال بغير الله ﴿ نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ﴾ والنكتة فيه أن التخلي عن غير الله يوجب رفع الحجاب وبقدر ذلك يكون حصول التجلي والتحلي بالله وإنما لم يقل "أريناه" بلفظ الماضي لأنه أراد الحكاية كأنه قيل: كيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ في قوة الدين والذب عنه؟

فأجيب أنا كنا نريه الملكوت وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه، أو المقصود بيان ارتفاعه في معارج الكمال وازدياده في ذلك على سبيل الدوام والاستمرار فإن مخلوقاته تعالى وإن كانت متناهية في الذات وفي الصفات إلا أن جهات دلالاتها على ذاته وصفاته  غير متناهية كما قال إمام الحرمين: معلومات الله غير متناهية، ومعلوماته في تلك المعلومات أيضاً غير متناهية.

فإن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل، فكل تلك الأحوال التقديرية معلومة لله  ، وكل تلك الأحوال دالة على حكمة الله  وعظمة قدرته، وإذا كان الجوهر الفرد كذلك فكيف كل الملكوت!

ولهذا قيل: السفر إلى الله  له نهاية، فأما السفر في الله  فإنه بلا نهاية.

والملكوت هو الملك والتاء للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت ومن الرهبة.

قال بعضهم: إنه  أراه الملكوت بالعين.

قالوا: شق له تحت السموات حتى رأى العرش والكرسي إلى منتهى الأجرام العلوية، وشق له الأرض إلى ما تحت الثرى فرأى ما فيها من البدائع والعجائب.

عن ابن عباس أنه قال: لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وأري ما فيها وما في الأرض من العجائب رأى عبداً على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك، فقال الله  له: كف عن عبادي فهم بين خلال ثلاث: إما أن أجعل منهم ذرية طيبة، أو يتوبون فأغفر لهم، أو النار من ورائهم.

وقال الأكثرون: إن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة، لأن ملك السموات والأرض لا يرى وإنما يعرف بالعقل ولو أريد نفس السموات والأرض صار لفظ الملكوت ضائعاً.

وأيضاً قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ جارٍ مجرى الشرع والتفسير لتلك الإراءة فثبت أنه استدل بتغير الأجرام وإمكانها وحدوثها على وجود الإله الواجب الحكيم.

ثم قال بالآخرة ﴿ وتلك حجتنا ﴾ والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه.

وأيضاً الإراءة بالعين تفيد العلم الضروري بالإله القادر ومثل هذه المعرفة لا توجب المدح والثواب كما للكفار في الأخرة.

وأيضاً اليقين عبارة عن تحصيل علم بالتأمل إذا كان مسبوقاً بالشك، فالمراد نري إبراهيم ليستدل بها وليكون من الموقنين، أو ليكون من الموقنين نريه، أو فعلنا ذلك وذلك أن الإراءة قد تصير سبباً للجحود لا الإيقان كما في حق فرعون ﴿ ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى  ﴾ وأيضاً الإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال، وبتقدير الإمكان لا يكون لها دوام وبقاء، وبتقدير البقاء تكون شاغلة للرائي عن الله.

أما إذا نظر بعين البصيرة في المخلوقات وعرف حدوثها وإمكانها، وعرف أن كل ممكن يحتاج إلى الصانع الحق الواجب فكأنه بهاتين المقدمتين قد طالع صفحة الملكوت بعين عقله وسمعبأذن قلبه شهادتها بالاحتياج والانقياد لله، وهذه الرؤية باقية غير زائلة ولا شاغلة عن الله بل هي شاغلة للقلب والروح بالله.

وهذه الرؤية وإن كانت حاصلة لجميع الموحدين لقوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ إلا أن الاطلاع على تفاصيل آثار حكمة الله  في كل واحد من مخلوقات هذه العوالم بحسب أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها وعوارضها ولواحقها كما هي، لا تحصل إلا لأكابر الأنبياء ولهذا قال  في دعائه "أرني الأشياء كما هي" ثم إن الإنسان في أول استدلاله لا ينفك قلبه عن اختلاج شبهة فيه، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت كان لكل واحد منها نوع تأثير وقوة، ويكون جارياً مجرى تكرار الدرس الواحد وتزداد النفس بكل منها نوراً وإشراقاً وانبساطاً إلى أن يحصل الجزم ويكمل الإيقان وتطلع شمس العلم والعرفان إلى حيث أتيح لها من الارتقاء والتصاعد وذلك قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ قال في الكشاف: إنه معطوف على قوله ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ وقوله ﴿ وكذلك نرى ﴾ جملة وقعت اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه.

يقال: جن عليه الليل وأجنه الليل.

والتركيب يدور على الستر ومنه الجنة والجن والمجنون والجنين.

وقيل: جن عليه الليل أي أظلم عليه ولأجل هذا التضمين عدي بــ"على".

وأما "أجنة" فمعناه ستره من غير تضمين معنى أظلم.

واعلم أن كثيراً من المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه.

فأمر بذبح كل غلام يولد فحملت أم إبراهيم  به وما أظهرت حملها للناس، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر فجاء جبريل  فوضع أصبعه في فيه فمصه فخرج منه رزقه، وكان يتعهده جبريل  وكانت الأم تأتيه أحياناً وترضعه.

وبقي في الغار حتى كبر وعرف أن له رباً فسأل الأم فقال لها: من ربي؟

فقالت: أنا.

فقال: من ربك؟

فقالت: أبوك.

فقال لأبيه: من ربك؟

فقال: ملك البلد.

فعرف إبراهيم جهلهما بربهما.

فنظر من باب ذلك الغار ليرى ما يستدل به على وجود الرب  فرأى النجم الذي كان أصغر النجوم في السماء فقال: هذا ربي إلى آخر القصة.

ثم منهم من قال: كان هذا بعد البلوغ وأوان التكليف، ومنهم من قال: كان هذا قبل البلوغ.

وأكثر المحققين على فساد هذا القول لوجوه منها: أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر لا يجوز على الأنبياء بالاتفاق.

ومنها أن إبراهيم كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة لأن الله  أخبر عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد بالرفق مراراً بقوله ﴿ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر  ﴾ الآيات.

وفي هذا الموضع دعا أباه إلى التوحيد بالكلام الخشن، والدعوة بالرفق مقدمة على الدعوة بالخشونة والغلظة.

ومنها أن هذه الواقعة كانت بعد أن أراه ملكوت السموات والأرض بدليل فاء التعقيب في قوله ﴿ فلما جن ﴾ ومنها أنه تعالى وصفه بقوله ﴿ إذ جاء ربه بقلب سليم  ﴾ ومدحه بقوله ﴿ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل  ﴾ أي من أول زمان الفطرة.

ومنها قوله عقيب هذه القصة ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ﴾ ولم يقل "على نفسه".

ومنها أنه قال بعد القصة ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم.

ومنها قوله ﴿ وحاجة قومه ﴾ وفيه دليل على أنه إنما اشتغل بالنظر في الكواكب بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فقال ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ رداً وتنبيهاً على فساد قولهم، ويؤكده قوله ﴿ كيف أخاف ما أشركتم ﴾ لأنه يدل على أنهم كانوا قد خوفوه بالأصنام كما في قصة هود ﴿ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء  ﴾ ومنها أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، وكان ينبغي أن يستدل أوّلاً بغروب الشمس على عدم إلهيتها ثم يبطل إلهية القمر وسائر الكواكب بالطريق الأولى، ولما لم يكن كذلك علمنا أن المقصود إلزام القوم وإفحامهم.

والابتداء بأفول الكوكب لأنه اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلعت الشمس.

ثم ههنا احتمالان: الأول أن يقال إن هذا كلام إبراهيم بعد البلوغ ولكنه ذكره بلفظهم حتى يرجع إليه فيبطله، مثاله: أن يقول في مناظرة من يزعم قدم الجسم: الجسم قديم فإن كان كذلك فلم نشاهده ونراه متركباً متغيراً.

فقولك "الجسم قديم" إعادة لكلام الخصم لإلزام الحجة عليه، أو المراد هذا ربي في زعمكم واعتقادكم كقول الموحد للجسم: الإله جسم محدود أي في زعمه واعتقاده.

قال  ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي  ﴾ وقال ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم  ﴾ أي عند نفسك.

وكان  يقول: " يا إله الآلهة في زعمهم" .

أو المراد منه لاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام لدلالة الكلام، أو أضمر القول أي يقولون هذا ربي وإضمار القول كثير ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا  ﴾ أي يقولان ربنا ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم  ﴾ أي يقولون: ما نعبدهم ﴿ إلا ليقربونا  ﴾ أو ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء، أو أنه  قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة لم يقبلوا قوله فمال إلى الاستدراج وذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم مع أن إبراهيم كان مطمئناً بالإيمان فكان بمنزلة المكره على كلمة الكفر حيث لم يجد إلى الدعوة المأمور بها طريقاً سوى ذلك.

وإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة تعود إلى شخص واحد لقوله  ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ فلأن يجوز ذكرها لتخليص جم غفير من الكفر والعقاب الأبدي أولى.

قالت العلماء: إن المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر.

ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فههنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال حتى لو صلى وترك القتال أثم.

وإن من كان في الصلاة فرأى طفلاً أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذهما ومثل هذه الواقعة قوله ﴿ فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم  ﴾ وذلك أنهم كانوا يستدلون بعلم النجوم على الحوادث المستقبلة فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظاهر مع إنه كان بريئاً عنه في الباطن ليتوصل بذلك إلى كسر الأصنام قال المتكلمون: إنه يصح من الله  إظهار خوارق العادات على يد من يدعي الإلهية، لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على كذبه فلا يروج التلبيس ولكنه لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوّة كاذباً لأن التلبيس يروج حينئذ فكذا ههنا قوله ﴿ هذا ربي ﴾ لا يوجب الضلال لأن دلائل بطلانه جلية وفي ذلك استدراج لهم لقبول الدليل فكان جائزاً.

الاحتمال الثاني: أنه ذكر ذلك قبل البلوغ فلعله خطر بباله لشدة ذكائه قبل بلوغه إثبات الصانع  فتفكر فرأى النجم فقال ﴿ هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ﴾ ثم إنه  أكمل بلوغه في أثناء هذا الفكر فقال عند أفول الشمس ﴿ إني بريء مما تشركون ﴾ واعلم أن القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم  ولد في الغار وتركته أمه وكان جبريل يربيه محتملة في الجملة، لأن الإرهاص - وهو تقديم المعجز على وقت الدعوى - جائز عندنا.

ولم يجوّزه القاضي إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من الله  فتكون تلك الخوارق معجزة لذلك الرسول.

قال في الكشاف: فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟

قلت الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب.

وأنا أقول: الاحتجاج بالبزوغ في الآية لا يصح لأنه  بين أنه نظر إلى الكوكب وقت كونه طالعاً لا حين بزوغه ليلزم مشاهدة التغير والانتقال، وكذا إلى القمر وإلى الشمس دليله أنه لم يقل رأى القمر يبزغ بل بازغاً.

ولو سلم فإن أحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص والأوساط والعوام، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان فكل ممكن محتاج والمحتاج لا يجوز أن يكون منقطع الحاجات فلا بد من الانتهاء إلى الواجب بالذات.

وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة، فكل متحرك محدث وكل محدث فهو محتاج إلى القديم.

وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب، فكل كوكب يغرب فإنه يزول نوره ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن كان كذلك فإنه لا يصلح للإلهية، أقصى ما في الباب أن يقال:إن لهاتأثيرات في أحوال العالم السفلى، ولكن تلك التأثيرات لما لم تكن لها بذاتها لزم استناد الكل إلى الواجب  وهو الإله الأعظم القادر على خلق السموات والنجوم النيرات، فيجب أن يكون قادراً على خلق البشر وعلى تدبير السفليات بالطريق الأولى فلا يلزم من وضع الواسطة رفع المبدأ بحال،ويعلم من قوله ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ أنه  ليس بجسم وإلا كان غائباً عنا فكان آفلاً، وإنه لا يصح عليه المجيء والذهاب والنزول والصعود ولا الصفات المحدثة.

وفيه أن معارف الأنبياء استدلالية لا ضرورية وأنه لا سبيل إلى معرفته تعالى إلى النظر والاستدلال.

أما قوله ﴿ فلما رأى القمر بازغاً ﴾ يقال بزغ القمر أو الشمس إذا ابتدأ بالطلوع.

وأصل البزغ الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً قاله الأزهري.

وفي قوله ﴿ إن لم يهدني ربي ﴾ إشارة إلى أن الهداية ليست إلا من الله  .

والمعتزلة حملوها على التمكين وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل، وزيف بأن كل ذلك كان حاصلاً فالهداية التي كان يطلبها بعد ذلك لا بد أن تكون زائدة عليها ﴿ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ﴾ أراد هذا الطالع أو هذا المرئي، أو ذكر بتأويل الضياء والنور، أو باعتبار الخبر وهو رب مع رعاية الأدب وهو ترك التأنيث عند اللفظ الدال على الربوبية كما لم يقولوا في صفة الله علامة وإن كانت بتاء مبالغة ﴿ هذا أكبر ﴾ أي أكبر الكواكب جرماً ونوراً، وقد برهن في الهيئة على أنها مائة وستة وستون مثلاً لكرة الأرض كلها.

وإنما لم يقتصر على ذكر الشمس أوّلاً مع أنه يلزم منه عدم ربوبية ما دونها من القمر والكواكب، لأنه أراد الأخذ من الأدون إلى الأعلى لمزيد التقرير والتصوير ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ قيل: لا يلزم من نفي ربوبية النجوم نفي الشريك مطلقاً.

والجواب أن القوم لم ينازعوه إلا في الصور المذكورة، فلما أثبت أنها ليست أرباباً ثبت بالاتفاق نفي الشركاء على الإطلاق.

ومعنى ﴿ وجهت وجهي للذي فطر ﴾ وجهت عبادتي لأجله فإن من كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره فإنه يوجه وجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة.

وأصل الفطر الشق يقال: تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما، والحنيف المائل عن كل معبود سوى الله  .

قال أبو العالية: الذي يستقبل البيت في صلاته.

ثم إن قومه حاجوه متمسكين بالتقليد تارة كقولهم ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة  ﴾ وكقولهم للرسول  ﴿ أجعل الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عجاب  ﴾ ومخوّفين إياه بالأصنام أخرى فأجابهم بقوله ﴿ أتحاجوني في الله وقد هدان ﴾ أي لما ثبت بالدليل الموجب للهداية صحة قولي فكيف ألتفت إلى حجتكم الواهية؟

﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر ﴿ إلا أن يشاء ﴾ إلا وقت مشيئة ﴿ ربي ﴾ شيئاً يخاف.

فحذف المضاف أي إلا إن أذنبت فيشاء إنزال العقوبة بي، أو إلا أن يريد ابتلائي بمحنة، أو إلا أن يمكن بعض تلك الأصنام من ضري مثل أن يرجمني بكوكب، أو كان قد أودع فيها طلسم فيصيبني مكروه من جهته بإذن الله  ، وفائدة الاستثناء أنه لو حدث به شيء من المكاره في الأيام المستقبلة لم يحمله الحمقى والجهلة على قدرة الأصنام ﴿ وسع ربي كل شيء علماً ﴾ فلا يفعل إلا الخير والصلاح ﴿ أفلا تتذكرون ﴾ أن نفي الأنداد عن رب الأرباب لا يوجد حلول العقاب ونزول العذاب، وأن الصحيح لا يساوي الفاسد، والعاجز لا يساوي القادر؟

ثم أكد ذلك بقوله ﴿ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً ﴾ إذ لا سلطان فينزل.

وقيل: إنه لا يمتنع عقلاً أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للصلاة والدعاء، ولكنه لم يؤمر به.

والمعنى ما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم إلا من في موضع الخوف؟

ثم قال ﴿ فأي الفريقين ﴾ يعني فريقي المشركين والموحدين.

ولم يقل "فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم" اجتناباً عن تزكية نفسه.

والغرض إني أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية، والمعنى أن الذي حصل لهم الأمن المطلق هم المستجمعون لكمال القوة النظرية وسنامه الإيمان، ولكمال القوة العلمية وهو وضع الأشياء في موضعها وإليه الإشارة بقوله ﴿ ولم يلبسوا ﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم ﴿ بظلم ﴾ .

قالت الأشاعرة: شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم، ولو كان ترك الظلم داخلاً في الإيمان لم يكن لهذا التقييد فائدة فثبت أن الفاسق مؤمن.

وقالت المعتزلة: شرط في حصول الأمن حصول الأمرين: الإيمان وعدم الظلم.

فوجب أن لا يحصل إلا من الفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له أبداً.

وأجيب بأن الظلم ههنا الشرك لقوله ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ واجتماعه مع الإقرار بالصانع ممكن وحينئذ يصح إطلاق اللبس بمعنى الخلط ويكون المراد: الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا له شريكاً في المعبودية، ويؤيده أن القصة وردت في نفس الأضداد والأنداد.

وأيضاً لا يلزم من عدم الأمن المطلق حصول القطع بالعذاب الأبدي.

واعلم أن المحاجة في الله تارة تكون موجبة للذم والإنكار كمحاجة قوم إبراهيم، وتارة تكون موجبة للمدح وذلك إذا كان الغرض تقريراً لدين الحق والمذهب الصدق كمحاجة إبراهيم من قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ إلى ههنا وإليها الإشارة بقوله ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ﴾ أرشدناه إليها ووفقناه لها ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأنه رفع يتعدى إلى واحد، ومن قرأ بالتنوين فيكون كقوله ﴿ ورفع بعضهم درجات  ﴾ وقد تقدم في البقرة، واختلف في تلك الدرجات فقيل: أعماله في الآخرة، وقيل: تلك الحجج درجات رفيعة لأنها تقتضي ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني إلى أعلى العالم الروحاني، وقيل: نرفع من نشاء في الدنيا بالنبوة والحكمة، وفي الآخرة بالجنة والثواب.

أو نرفع درجات من نشاء بالحكمة والعلم ﴿ إن ربك حكيم عليم ﴾ فيرفع الدرجات بمقتضى الحكمة والعلم لا لموجب التشهي والشهوة.

التأويل: رأى إبراهيم ملكوت الأشياء أي بواطنها ليكون من الموقنين عند كشفها كما كان موقناً عند كشف الضلال المودع في آزر وقومه ﴿ فلما جن عليه ﴾ ظلمة ليل البشرية أمطر سحاب العناية غيث الهداية على أرض قلبه فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه، فرأى نور الرشد في صورة الكوكب طالعاً من أفق سماء روحانيته فقال: ﴿ هذا ربي ﴾ أراد به سره المكوكب لا الكوكب وإن لم يشعر به نفسه كما قيل: هوى فؤادي ولم يعلم به بدني *** فالجسم في غربة والروح في وطن فإن كذبت النفس فيما قالت للكواكب "هذا ربي" ما كذب الفؤاد ما رأى من الكوكب.

فقال ﴿ هذا ربي ﴾ فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب قال سره ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ فلما تسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر ﴿ قال هذا ربي فلما أفل ﴾ عند رجوعه إلى أوصافه ازداد الشوق قال إن ﴿ لم يهدني ربي ﴾ برفع حجب الأوصاف ويبقني على وجود الخليقة ﴿ لأكونن من القوم الضالين ﴾ عن الحق كآزر وقومه.

فلما انخرقت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية، وأشرقت أرض القلب بنور ربها ﴿ قال هذا ربي فلما أفلت ﴾ شمس الهداية تعززاً وتعظماً ليغرب إبراهيم  عن شرك الأنانية.

إن شمس النهار تغرب بالليل *** وشمس القلوب ليست تغيب.

تبرأ عن الأضداد والأنداد ونزعته همة الخلة عن الجهات وخلصه تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال.

فقال ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ وقد يدور في الخلد أن إبراهيم صلوات الله الرحمن عليه جن عليه ظلمة الشهبة فنظر أولاً في عالم الأجسام فوجدها آفلة في أفق التغير فلم يرها تصلح للإلهية، فارتقى منها إلى عالم النفوس المدبرة للأجسام فرآها آفلة في أفق الاستكمال فكان حكمها حكم ما دونها فصعد منها إلى عالم العقول المجردة، فصادفها آفلة في أفق الإمكان فلم يبقَ إلا الواجب الحق.

ومن الناس من حمل الكوكب على الحس، والقمر على الخيال، والشمس على الوهم والعقل، ومراده أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية القوة، ومدبر العالم قاهر لها مستولٍ عليها ﴿ وحاجة قومه ﴾ ليسبلوا ستور شبههم على شموس عرفانه، وقد هداني إليه بالعيان بعد توالي البرهان ﴿ إلا أن يشاء ربي شيئاً ﴾ من الخذلان وهذا محال لأنه ﴿ وسع ربي كل شيء علماً ﴾ فهو أعلم بأهل العرفان وبأصحاب الخذلان ﴿ ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان حتى قال لجبريل: أما إليك فلا ﴿ وتلك ﴾ يعني إراءة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق والتبري عما سواه والخلاص عن شرك الأنانية والإيمان الحقيقي بالعيان حتى ارتقى من الأفعال إلى الصفات ثم إلى الذات ﴿ آتيناها إبراهيم ﴾ بذاتنا من غير واسطة حتى جعلها حجة على قومه ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ بجذبات الألوهية عن حضيض الأنانية الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ ﴾ .

قيل: آزر: هو اسم أبي إبراهيم،  .

والحسن يقرأ: ﴿ آزَرَ ﴾ ، بالرفع ويجعله اسم أبيه.

وقال آخرون: هو اسم صنم، فهو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر أصنامناً آلهة.

وقوله: ﴿ أَتَتَّخِذُ ﴾ .

استعظاماً لما يعبد من الأصنام دون الله؛ لأن مثل هذا إنما يقال على العظيم من الفعل.

وقال أبو بكر الكيساني: قوله: ﴿ آزَرَ ﴾ قيل: هو اسم عيب عندهم؛ كأنه قال: يا ضال أتتخذ أصناماً آلهة؛ كقول الرجل لآخر: يا ضال.

وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة كان اسم أبيه أو اسم صنم.

وفي الآية دلالة أن أباه كان من رؤساء قومه بقوله: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

وفيه دلالة أن لا بأس للرجل أن يشتم أباه لمكان ربه؛ لأن إبراهيم -  - سماه ضالا.

وفيه دلالة أن الإيمان والتوحيد يلزم أهل الفترة في حال الفترة؛ لأن إبراهيم -  - سماهم ضلالا وهو لم يكن في ذلك [الوقت] رسولاً، إنما بعث رسولاً من بعد، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: ضلالاً لا شك فيه ولا شبهة، وهو ما ذكر في آية أخرى حيث عبد ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً  ﴾ هذا الضلال البين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ ﴾ : ذكر كذلك - والله أعلم - على معنى كما أريناك ملكوت السماوات والأرض والآيات؛ كذلك كنا أرينا إبراهيم.

و ﴿ نُرِيۤ ﴾ بمعنى: أرينا وذلك جائز في اللغة، و "كذلك" لا تذكر إلا على تقدم شيء، لكن الوجه فيه ما ذكرنا كما أريناك من السماوات والأرض من الآيات والحجج والبراهين؛ كذلك كنا أرينا إبراهيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: سلطان السماوات والأرض.

وقيل: الشمس والقمر والكواكب.

وقيل: فرجت له السماوات السبع، حتى نظر إلى ما تحت العرش وما فيهن؛ وكذلك فرجت له الأرضون حتى رأى ما فيهن.

وقيل: ﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : خَبِّئ إبراهيم -  - من الجبابرة في سرب، فجعل الله في أصابعه رزقاً، فإذا مص إصبعا من أصابعه وجد فيها رزقاً، فلما خرج أراه الله الشمس والقمر، فكان ذلك ملكوت السماوات، وملكوت الأرض: الجبال والبحار والأشجار.

وقيل: نظر إلى ملك الله فيها حتى نظر إلى مكانه ورأى الجنة، وفتحت له الأرضون حتى نظر إلى أسفل الأرضين، فذلك قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا  ﴾ قال: أري مكانه في الجنة.

وقيل: أجره الثناء الحسن.

وقال أبو عوسجة: ﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ من الملك؛ وكذلك قال أبو عبيدة، وهو كجبروت ورحموت ورهبوت؛ فكذلك ملكوت.

وأصله: ما ذكر من الآيات والعجائب، [والله أعلم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ﴾ .

الإيقان بالشيء هو العلم بالشيء حقيقة بعد الاستدلال والنظر فيه والتدبر؛ ولذلك لا يوصف الله باليقين، ولا يجوز لله -  - أن يقال: موقن؛ لما ذكرنا [أنه] هو العلم الذي يعقب الاستدلال، وذلك منفي عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ﴾ .

قيل في قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ ﴾ أي: كما أريناك ملكوت ما ذكر، فقوله: ﴿ نُرِيۤ ﴾ بمعنى أرينا.

وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ له وجهان: أحدهما: أنه كما أريناك ما أيقنت به أن الربوبية لله، وأنه الواحد لا شريك له من الآيات والأدلة، أريناه - أيضاً - ما ذكر حتى أيقن، فهو - والله أعلم - على التسوية بين الأسباب الدالة على الوحدانية لله والربوبية في المعنى، وإن كانت لأعيانها مختلفة، وعلى أن طريق المعرفة الاستدلال بما أنشأ الله من الدلالة لا السمع والحس، وإن كان في حجة السمع تأكيد.

والثاني: أن يكون ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ ﴾ على ما أظهر من الحجج على قومه؛ وهو كقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ ، وأعطاه ما أراه وأشعر قلبه من الحجج التي ألزم قومه بها أنطق بها الله - عز وجل - لسانه ليلزم حججه خلقه، والله الموفق.

﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : الملك في الحقيقة من الوجه الذي يكون آية للإيقان ودليلا للإحاطة بالحق.

ثم اختلف في وجه ذلك: فمنهم من قال: هو ما أرى بصره، أعني: بصر الوجه؛ نحو الذي ذكر من فتح السماء حتى رأى ما فيها من العجائب والآيات إلى العرش، أو حيث قد زوى الأرض حتى رأى ما فيها من أنواع الخلق إلى الثرى، أو حيث بلغ.

ومنهم من قال: رفع إلى السماء حتى كانت الأرض بمن فيها [له] رأي العين، وكان له - صلوات الله عليه - مثل هذا من الأمور؛ نحو: أمر النار بالهجرة إلى حيث لا ضرع ولا زرع، وما جعل رزقه في أصابعه، وأمر بلوغ صوته في قوله -  -: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ  ﴾ [أن] كان على ما سمع منه، والله أعلم.

ومنهم من قال: هو ما أرى بصر قلبه من وجوه العبر وأنواع الأدلة عند التأمل في خلق الله بالفكر من غير أن كان في الخلق تغير على الأحوال التي كانت عليه، وهو أحق من يكون له في الذي كان كفاية عن حدوث أحوال تدل إذ هي حجج الله يستدل على قومه، من الوجه الذي جعل لجميع الخلق، لا من جهة خصوص آيات؛ فثبت أن ذلك كان له بهذا الوجه.

ثم هو يخرج على وجوه؛ منها: ما رأى من تسخير القمر والشمس والنجوم، وقطعها في كل يوم وليلة أطراف السماء والأرض جميعاً، ومسيرها تحت الأرض إلى أن يعود كل إلى مطلعه، يسير كل ذلك ما فوق الأرض إلى السماء، واستواء أحوال ذلك على ما عليه حد في كل عام وشهر، لا يزداد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر، مع عظيم ما بها من المنافع لأنواع دواب الأرض والطير جميعاً حتى يوقن كل متأمل أن مثل هذا لا يعمل بالطباع إلا أن يكون له مدبر حكيم جعله ذلك الطبع وسواه على ما شاء من الحد، وألا يتسق الأمر على التدبر والحكمة، إلا أن يكون مدبر ذلك، بحيث لا يحتاج إلى معين، ولا يجوز أن يكون له فيه منافع، ثم هو بذاته عليم قدير، وما في الأرض من تدبير الليل والنهار وأنهما يتعاقبان أبداً، ويسيران يقهران ما فيها من الجبابرة والفراعنة، حتى إن اجتمع جميع أهل الأرض على زيادة [في واحد] أو نقصان، أو تقديم أو تأخير؛ لما لهم من الحاجة، أو بما فيهم من القوة والقدرة مع معونة الجميع لهم في ذلك لم يتهيأ لهم، ولا بلغ توهم أحد في احتمال ذلك حتى يصير عند وجود كلٍّ كأن الآخر لم يكن قط، ثم عند العود إليهم كأنه لم يفارقهم قط، مع ما أودع أهل الأرض بهما من المنافع، وعليهم فيها أنواع مضار، ولهما سلطان على أعمارهم، على ما فيهما من أثر التسخير والتذليل الذي كل مقهور بالآخر، إذا جاء سلطانه وبلغ حده، وليس في واحد منهما امتناع عن قهر الآخر، وإن كان هو الظاهر القوي جريا جميعاً على حد واحد وسنن واحدة، ولا على ذلك على ما دل عليه الأول، مع ما فيما من [أثر العيث] [أمراً] ظاهراً لا يحتمل أن يجهله إلا سفيه معاند، والله أعلم.

ثم النور والظلمة والظل ونحو ذلك الذي يبسط بسعة جميع أطراف السماء والأرض يستر واحد كل شيء، ويبدي آخر عن كل شيء، ويحيط الثالث بكل شيء، ثم تعلق منافع الأهل بها على اختلافها، وبالسماء [و]الأرض على تباعد ما بينهما، وبالسهل والجبل [والبحر والبر] على تضاد معانيهما؛ وعلى ذلك جميع الأمور، فكان - صلوات الله عليه - بما أرى من المعنى وغيره من الموقنين أن لا إله إلا الله وجه إليه نفسه، وأن كل شيء نسب إليه الألوهية، محال أن يكون فيه وله إمكان ذلك، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

تكلموا في تأويل الآية على وجوه ثلاثة: فمنهم من جعل الأمر على ما عليه الظاهر: أنه غير عارف بربه حق المعرفة إلى أن عرف من الوجه الذي بان له عند الفراغ من آخر ما نسب إليه الربوبية أنه لا يعرف من جهة درك الحواس ووقوعها عليه، ولكن من جهة الآيات وآثار العقل، فقال: ﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

﴾ الآية، لكن أهل هذا القول اختلفوا على وجوه ثلاثة: أحدها: ما روي في التفسير أنه ربّي في السرب، ولم يكن نظر إلى شيء من خلق السماء، فنظر عن باب السرب في أوّل الليل، فرأى الزهرة بضوئها وتلألئها، وكان في علمه أن له ربا وأنه يرى، فلم ير أضوأ منها ولا أنور، فقال: هذا ربي، فلما أفل وله علم أن الرب دائم لا يزول، فقال: لا أحبّ، بمعنى: ليس هذا برب؛ كقوله: ﴿ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ  ﴾ أي: ليس لنا، وقول عيسى حيث قال: ﴿ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ  ﴾ [بمعنى]: ما قلت ذلك، لكن أهل هذا التفسير حملوا الأفول على غيبوبته بنفسه، وهو عندنا على غيبوبته في سلطان القمر [وقهر سلطان القمر] لما طلع سلطان النجم، وعنده أن الرب لا يقهر وأن سلطانه لا يزول؛ وعلى ذلك أمر القمر والشمس بظلمة الليل، وفي ذلك أنه لو كان [عنده أن الرب لا يقهر وأن سلطانه لا يزول] [وأنه لا يرى] لأنكر من ذلك الوجه أن يكون ربه بل أقر به، وأنكر الأفول والزوال، وهذا ينقض قول من يصفه بالزوال والانتقال من حال إلى حال.

ومنهم من يقول: كان هذا [منه في وقت] لم يكن جرى عليه القلم سمع الخلق يقولون في خلق السماء والأرض ونحو ذلك، وينسبون ذلك إلى الله؛ وعلى ذلك أمر جميع أهل الشرك؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ...

﴾ \[المؤمنون: 84\] إلى قوله: ﴿ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ ﴾ \[المؤمنون: 91\] ثم رآهم عبدوا الأصنام وسموها آلهة، فتأمل فوجدها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر، علم أن مثلها لا يحتمل أن يكون يخلق ما ذكر، وأن الذي ذلك فعله لعلي عظيم، يجب طلب معرفته من العلو بما كان يسمع [نسبة] الملائكة إلى السماء ونزول الغيث منها، ومجيء النور والظلمة وكل أنواع البركات وغيرها منها، فصرف تدبير الطلب الذي نسب إليه الخلق إليها.

ثم أوّل ما أخذ في التأمل والنظر لم يقع بصره على أحسن وأبهى من الذي ذكر، فظنه ذلك، ثم لما قهر وقد كان علم بأن خالق من ذكر لا يجوز أن يقهر، فمن ذلك علم أنه ليس هو وقال لِمَنْ قَهَرَ، [و] ذلك إلى أن قهر الليل ضوء الشمس، وصار بحيث لا يجري له السلطان، ورأى في الكل آثار التسخير والتذليل، ولم ير فيها أعلام من [له] الأمر والخلق، فعلم أن الرب لا يدرك من ذلك الوجه، ولا يعرف من جهة الحواس، فرجع إلى ما سمع من أنه خلق السماوات والأرض، فوجه نفسه إليه بالعبودية، واعترف له بالربوبية بما في الخلق من آثار ذلك، وفي القول من تسمية من له الخلق ربا وإلها، فآمن به، وذلك كان أول أحوال احتماله علم الاستدلال وبلوغه المبلغ الذي من بلغه يجري عليه الخطاب، ولا قوة إلا بالله.

ومنهم من قال: إنه كان بالغاً قد جرى عليه القلم، وقد كان رأى ما ذكر غير مرة، لكن الله لما أراد أن يهديه ألهمه ذلك وألقاه في نفسه، فانتبه انتباه الإنسان لشيء كان عنه غافلا من قبل، فرأى كوكباً أحمر يطلع عند غروب الشمس، فراعاه إلى أن أفل، فأراد [إذن] من الله قربة، وعلم أن ربه لا يزول ولا يتغير، ففزع إليه وقال: ﴿ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ ﴾ ؛ وكذا ذكر في القمر والشمس إلى أن عرف الله، فتبرأ مما كانوا يشركون، وتوجه بالتوحيد والعبادة إليه؛ وإلى هذا التأويل ذهب الحسن.

الأول: روي عن ابن عباس  .

والثاني: قال به جماعة أهل الكلام، ونحن نتبرأ إلى الله أن نجعله رجلا بالغاً جرى عليه القلم، وهو كان - عن الله - بهذه الغفلة حتى يتوهمه في معنى نجم أو قمر أو شمس، مع ما يرى فيها الظهور بعد أن لم يكن، والأفول بعد الوجود، ثم آثار التسخير والعجز عن التدبير بما هو في جهد وبلاء، ومن له يعمل في راحة وسرور، ثم لا يرى في شيء من العالم أو له معنى يدل على رجوع التدبير إليه، فيتحقق له القول بذلك، والله يصفه بقوله: ﴿ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ  ﴾ قيل: سليم من الشرك لم يشبه بشيء، وقال: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ وما يذكرونه إنما آتاه على نفسه إذ هو في الغفلة عنها، والجهل بمن له الآيات شريك قومه، وقد قال - أيضاً -: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، ومعلوم أن ذلك على معاينته أو أنه قد أرى كلا منهما، ولكن على ما بينت من الوجهين وفيهما حقيقة ذلك.

وليس في قوله: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ﴾ دلالة الشك في الابتداء، أو الجهل في الحال التي يحتمل العلم به [فسمى به] عز وجل، ولكن على أنه على ذلك الوجه يكون الإيقان ممن لا يقع عليه الحواس، ولا يوجب الضرورات، إنما هو الاستدلال بالآثار أو تلقي الأخبار، ولا قوة إلا بالله.

وذلك كقوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا  ﴾ لا عن وضع كان، وقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ لا أن كانوا من قبل في الظلمات، وقول يوسف -  -: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ  ﴾ لا عن كونه فيها؛ وهكذا أمر الإيقان: أن يكون العبد في كل وقت موقناً بالله، وأن لا إله غيره، لا عن شك فيما تقدمه من الوقت أو الجهل، فمثله أمر إبراهيم،  .

والوجه الثاني - مما تكلم في التأويل: أن يكون إبراهيم -  - كان مؤمناً في ذلك الوقت، عارفاً بربه حق المعرفة، ولكنه كلم قومه كلام مستدرج بإظهار المتابعة لهم على هواهم؛ فيكونون به أوثق وإليه أميل، وذلك أبلغ في الحجاج وألطف في المكيدة، فيبين لهم ما أراد من غير جهة النقض والعناد، فبدأ بتعظيم ما عظموه؛ إذ هم قوم كانوا يعظمون النجوم، وبالعلم بأمرها أخبروا نمرود بولادة من يهلك على يده هو ويزول ملكه، وهذا كما ذكر أنه نظر [نظرة] في النجوم في مقاييسها وعلمها؛ لا أنه نظر إليها، ثم قال الذي ذكر لا من حيث علم النجوم، ولكن من حيث علمه أنه يموت ومن يَمُت يسقم، لكن أراهم الموافقة في العلم الذي لهم في ذلك الباب دعوى؛ فكذلك ما نحن فيه.

وعلى ذلك أمر الند الذي كان يعبده قوم عظَّمه الحواريُّ الذي أرسل إليهم، حتى اطمأنوا إليه وصدروا عن تدبيره وبلوا بعد، وكاد يحيط بهم، فدعاهم إلى دعاء الند ليكشف لهم؛ إذ لمثله يعبد حتى أيسوا، فدعاهم إلى الله فكشف عنهم، فأمنوا به، فمثله الأول.

وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، لكنه ذكر أنهم كانوا أصحاب نجوم وكهانة، ومن ذلك قوله لا يعبد النجم ولا يراه ربا فكيف أظهر الموافقة بتسمية النجم ربا، ثم النقض عليه بالأفول؟!

ولكن ذلك لو كان فإنما كان في قوم يعبدون النجوم والشمس والقمر، فألزمهم بالأفول؛ إذ فيه تسخير وغلبة سلطان على سلطان، وهذا الوجه يجوز أن يظهر على إضمار معنى في نفسه مستقيم: كالمكره على عبادة صليب يقصد قصد عبادة الله ونحوه، والمكره على شتم محمد  يقصد قصد محمد آخر يصوره في وهمه ونحو ذلك، فهو على ما قال: ﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ  ﴾ على جعل ﴿ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ  ﴾ شرطا في نفسه في قوله: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا  ﴾ ، والله أعلم.

وقيل في الاستدراج من غير هذا الوجه، على التسليم أنهم أهل كهانة ونجوم، وهو أنه لما رآهم يعبدون الأصنام والأوثان، دعاهم من طريق المقابلة؛ إذ هم مالوا إلى ذلك بما رأوا من حسن ذلك في البصر، بما قد زين بأنواع الزينة وحلي بأنواع الحلي، فأراهم أنه يعبد النجم وما ذكر، وأن الذي ذكر أحسن وأعظم نوراً وضياء؛ إذ هو بجوهره ونفسه كذلك، وما كانوا يعبدون بما فعلوا به وجعلوه كذلك؛ ليكره إليهم عبادتهم الأصنام، ويستنقذهم عما اعتادوه بالمعنى الذي ذكرت، ثم ألزمهم فساد ما مالوا إليه وقبلوا منه، قبل أن يقر ذلك في قلوبهم وتطمئن إلى ذلك أنفسهم، بما أظهر من فساد أن يكون الذي بذلك الوصف من التسخير أو ملكه على شرف الزوال، أو يصير بحيث يقر في قلوبهم عبادة من لا يشهدونه وقت العبادة؛ فيلزمهم على ذلك عبادة المستحق لها.

أو أن يقول: إذا كانت النجوم وما ذكر مع ضيائها ونورها وكثرة منافع الخلق بها لم تصلح لها الألوهية عند الجميع بالأفول والتسخير، فالذي كانوا يعبدون على ما سخرهم كانوا تحت البشر أذلاء، لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع أحق ألا يكون له الربوبية، وألا توجه إليه العبودية، والله أعلم.

فهذا النوع من الاستدراج فيما لو ظهر أنهم لم يكونوا يتخذون النجوم أرباباً يعبدونها؛ وكذلك الذي ذكره القتبي.

والتأويل الثالث للآية يخرج مخرج الإنكار والاستهزاء، ويكون في ذلك معنى الاستدراج؛ إذ هو الإلزام من حيث لا يشعر به، أو نقض أسباب الشبه درجة فدرجة في حلول المقت ولزوم المقصود بتعاطي ذلك الابتداء بالكشف عن الأسباب.

ثم قيل في هذا بأوجه: أحدها: أنهم كانوا يعبدون النجوم وما ذكر، ويدعون إلى ذلك الأولاد والصبيان - وإبراهيم منهم - فيما كانوا يدعونه إليه، فقال لما رأى النجم: هذا الذي تعبدون ربي، إي: إلى عبادته تدعونني، أي: هذا ربي الذي تدعونني إلى عبادته، فلما رآه طالعاً سائحاً غائباً ثبت عنده أنه سخر، فقال: لا أحب عبادته، لكن ذا قد يكون في خاص نفسه متفكراً في الذي دعوه إليه؛ ليعرف دفع قولهم من الوجه الذي يقر ذلك في القلوب إذا قابلهم به.

وقد يكون في ملأ منهم يظهر لهم قوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ على إضمار: تدعونني إليه؛ ليلزمهم بما بان له فساد الربوبية، فيكون استدراجاً أيضاً؛ لأنه ألزمهم بعد ظهور الوفاق منه لهم.

وقد يكون ذكر هذا الذي تدعونني إليه أنه ربي سرا، ويهزأ بهم بإظهار الموافقة، يبين لهم ذلك بما ألزمهم أن الابتداء لم يكن على المساعدة؛ إذ ذلك [المعنى] الذي به ألزم كان ظاهرا عنده في الابتداء وعندهم جميعاً.

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ على ما يقال: هذا فلان الذي تخبرونني عنه، بمعنى: أهذا هو؟!

على إنكار أنه ليس بالمحل الذي أخبرتموني عنه، أو على الاستفهام ليقرره عنده.

وأي الوجهين كان فقد هزئ بهم، وظهر في المتعقب أن الأول كان على الهزء بهم والإنكار، أو الاستفهام؛ وذلك كقوله: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ  ﴾ على أنهم لم يخلقوا كخلقه، يوضح قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ في الأول: ﴿ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ ﴾ .

ويجوز أن يكون هذا أضمر في قوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ ، أي: رب هذا ربي إلى آخر ما ذكر، ثم رجع إليه [عند التقرير] عندهم أنه لا يليق بالربوبية الذي ظنوا أنه ساعدهم عليه.

ثم قد بينا الدليل على أنه لم يكن كافراً في ذلك الوقت مع ما قد ثبت من عصمة الرسل عن الكبائر، فكيف يبلون بالكفر والله يقول: ﴿ ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ وكل متمكن فيه الكفر شريك أمثاله، فلا وجه لتخصيص الأهل.

ثم جملة ذلك أن الله  لو أراد أن يبين حقيقة الحال، أو كانت بنا إلى معرفة حقيقة ذلك من المراد والوقت حاجة في أمر الدين - لكان يبين ذلك، أو يرد في ذلك عن [رسول الله]  لكن العلم بحقيقة ذلك إذ هو علم الشهادة بما ليس لنا، وعلينا بالوصول [عمل تكلف، ولا تكلف الشهادة بوقت القول، وهو متمكن فيه فحقه أن يتأمل وجه الحكمة في ذكر القصة وما فيها من الحجة في أمر الدين]، فهو - والله أعلم - يخرج على وجوه: أحدها: على جعل ذلك حجة لرسالة رسوله؛ إذ هو من أنباء الغيب، ونبي الله نشأ بمكة ولم يكن ثم من يعلمه ذلك، ولا فارق قومه واختلف إلى من عنده علم الأنبياء بتوارثهم كتب الأنبياء، ولا كان رسول الله  ممن يخط بيمينه أو يقف على المكتوب؛ دل أنه علمه بالله  وتعالى ، مع ما كان في القصة حجج التوحيد ودفع عبادة الأصنام وتسفيه أهل ذلك، فلم يحتمل أن يكون تعليم مثل ذلك من الدافعين لذلك المدعين على إبراهيم اليهودية والنصرانية؛ وبعد فإن كتبهم بغير لسانه، وفي العبارة بلسان [غيره] توهم الاختلاف والتغيير، فلا يحتمل الاحتجاج بمثله بما يحتمل الإنكار والدفع.

[الثاني]: وفيه استعطاف قوم رسول الله  ؛ إذ هم من ذرية إبراهيم -  - بما يدعوهم إلى دين آبائهم، مع ما كانوا هم أصحاب تقليد وحفظ آثار الآباء، فألزمهم القول في آبائهم بما لا مدفع لهم القول بغير الذي قلدوا؛ إذ إبراهيم -  - عند جميع المشركين إمام يؤتم به أحق من كل أب، مع ما كان كل مولود على دينه مذكوراً محفوظاً في الخلق، ومن خالفهم فهو ممحوق الاسم والذكر جميعاً، فكان في ذلك أعظم الدليل أن هؤلاء من الأنبياء أحق بالتقليد من الذين اتبعوه؛ وعلى ذلك اتفاق أهل الكتاب على موالاة إبراهيم من غير أن تهيأ لهم دفع ما أثبت رسول الله  من توحيده، ولا ما قرره عندهم من دينه بشيء يجدونه خلافاً لذلك في كتبهم.

والثالث: أن إبراهيم -  - صرف معرفة الرب من جهة خلقه، ودان بدينه من جهة النظر في الآيات والبحث عنها، دون أن يقلد أباه أو قومه؛ ليعرف سبيل طلب الحق ووجه اتباعه؛ ليكون ذلك تذكرة لجميع ذريته.

والرابع: أنه ذكر الخبر عن أحواله بمخرج ظاهر يوهم المكروه، وله وجه الصرف إلى ما [ليس] فيه نفار عنه للطبع، ولا يأباه للعقل؛ ليمتحن عباده بالقول فيه والوقف في أمره.

والخامس: ليعلم أن المحاجة في الدين على قدر ما تحتمله العقول لازمة؛ إذ بها أفحم إبراهيم قومه وأظهر دين ربه، فيبطل بذلك قول كثير من المسلمين الذين يكرهون المناظرة في الدين، ويرون في ذلك تقليد الإسنادين وظواهر ما جاءت به الآثار، التي في اتباع أمثالها تناقض عند العقلاء، ولا قوة إلا بالله.

والسادس: أن المناظرة تكون بوجهين: بطلب الدلالة في تثبت القول، وبإظهار الفساد بما يتمكن فيه من العيب؛ إذ هو رد ما ادعوا من الربوبية فيمن ذكر، بما في ذلك من آثار التدبير لغيره؛ وكذلك قال في الأصنام: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَنِي  ﴾ إلى آخر ما أخبر؛ فمرة أبطل قولهم بالمعنى الذي بضده احتج في ثبات قوله، [وجائز في كل ذلك أن يقول لهم]: ما الدليل على ما تدعون لما تذكرون من الربوبية؟

والسابع: جواز التسليم بإظهار الموافقة، وإن كان المسلم بحقيقة ذلك منكرا وله دافعاً، إذا كان في المساعدة بذلك في الظاهر نيل الفرصة والظفر بالبغية؛ إذ على ذلك خرجت مناظرته قومه، [وعلى ذكر] ما احتج به في قوله: ﴿ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ  ﴾ إذ قال خصمه: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ  ﴾ ، وإقباله على حجة هي أوضح من ذلك وأقهر للعقل وألزم في الطبع، فقال: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ  ﴾ .

والثامن: أن يعلم أن الله لم يهمل القوم في شيء من الأزمنة دون أن يجعل لهم أدلة للحق يظفرون بها لو تأملوا، ولا ألزم خلقه في زمان من الأزمان بشيء لو بحث عنه لا يوقف عليه ولا يتهيأ له؛ ولذلك أظهر الحجج وآثار البينات؛ ليعلم أنه جعل أوامره كلها تالية الأدلة والبراهين؛ ليقطع بها عذر من تأبى نفسه القيام بها.

والتاسع: أن يعلم أنه لا أحد يقوم بالحجاج ولا ينطق بحسن البيان إلا بعطية الله وامتنانه عليه بما ينطق به لسانه ويوفقه للقيام به بقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ .

ثم العاشر: أن يكون بفضله ينال الدرجات في أمر دينه، ويرتقي إلى منازل الفضل والشرف بمشيئته؛ كما قال: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ﴾ ، وأنه متى شاء الرفع كان، والله أعلم.

وقد قال بعض أصحاب الإمامة في تأويل الآية: زعم أنهم أخذوه من شرح على أن تأويل النجم: المأذون، والقمر: اللاحق، والشمس: الإمام، بمعنى: أنه قال للمأذون: هذا ربي عنى به رب التربية رباه بالعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ أَفَلَ ﴾ .

أي: فني ما عنده رغب عنه وقال: لا أحب هذا، ثم ظفر باللاحق، ثم كذلك بالإمام، ثم توجه نحو التالي بالقبول من الرسول؛ إذ التالي عندهم هو الذي فطن ما ذكر، فلما جاوز درجة المتم - وهو الإمام - صار إلى درجة الرسالة، وهو القابل من التالي بالخيال والمصور للشرائع عندهم، فألزموا بهذا عبادة أرباب، وأن الارتفاع من درجة إلى درجة بأولئك.

وذلك أمر متناقض على المتأمل؛ لأنه لما فني ما عند المأذون صار إلى اللاحق، والمأذون كان به مأذوناً فلم يكن الثاني بما يصير إليه أحق من الأول؛ إذ لو كان به صار مأذوناً ولو كان ثم درجة أخرى، فإما أن يكون ينال تلك في الوقت الذي يلقى المأذون ذلك إلى غيره أو لا: فإن كان لا ينال فلا أسفه من المأذون؛ حيث امتنع عما يُعْليه إلى الدرجة الثانية وبلغ غيره أو ينال معه، فإذا صار هو معه في درجة المتم فكيف قال: لا أحبه، وهو آثر الذي ذلك وصفه؟!

ثم كيف قال لا أحب وذهاب ما به أخذ بحظه عن الأخذ من الآخر؟!

أو كيف صار ربه قبل أن يربيه، فلما رباه تبرأ من ربوبيته وآثر ربا آخر؟!

فإذا عاقبة شكره وسعي ربه في شأنه كفرانه به؛ وكذلك درجة فدرجة حتى يكفر بالتالي ثم بالعقل، ثم يصير إلى رب العالمين، وهو الربّ في الابتداء والانتهاء، لا رب لأحد سواه [جل عن الشركاء]؛ إذ إليه حاصل الأمر ومصير الخلق، ولو كان كل مرتق حدا يرتقي آخر لكانت تلك الحدود يكون أبدا آخرها، فيكون الكل توالى أو مطلقاً، ويبطل الأولاء والمأذونون والأئمة جميعاً، وقد كرم الله -  - عليا - كرم الله وجهه - عن هذا الخيال، وعصمه عن هذا الوسواس، والحمد لله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إني أخلصت ديني للذي خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق، مائلًا عن الشرك إلى التوحيد الخالص، ولست من المشركين الذين يعبدون معه غيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.j9D8x"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد