الآية ٨٥ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٨٥ من سورة الأنعام

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٨٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٥ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٥ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وفي ذكر عيسى عليه السلام في ذرية إبراهيم أو نوح على القول الآخر دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل لأن عيسى عليه السلام إنما ينسب إلى إبراهيم عليه السلام بأمه مريم عليها السلام فإنه لا أب له.

قال ابن أبي حاتم حدثنا سهل بن يحيى العسكري حدثنا عبد الرحمن بن صالح حدثنا علي بن عابس عن عبد الله بن عطاء المكي عن أبي حرب بن أبي الأسود قال أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم تجده في كتاب الله - وقد فرأته من أوله إلى آخره فلم أجده؟

قال أليس تقرأ سورة الأنعام "ومن ذريته داود وسليمان" حتى بلغ "ويحيى وعيسى" قال بلى.

قال أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟

قال صدقت.

فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته أو وقف على ذريته أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم فأما إذا أعطى الرجل بنيه أو وقف عليهم فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه واحتجوا بقول الشاعر العربي: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأجانب وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيه أيضا لما ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للحسن بن علي إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فسماه ابنا فدل على دخوله في الأبناء.

وقال آخرون: هذا تجوز.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهدينا أيضًا لمثل الذي هدينا له نوحًا من الهدى والرشاد من ذريته: زكريا بن إدُّو بن برخيَّا، (40) ويحيى بن زكريا, وعيسى ابن مريم ابنة عمران بن ياشهم بن أمون بن حزقيا, (41) = وإلياس .

* * * واختلفوا في" إلياس ".

فكان ابن إسحاق يقول: هو إلياس بن يسى (42) بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران، ابن أخي موسى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.

* * * وكان غيره يقول: هو إدريس.

وممن ذكر ذلك عنه عبد الله بن مسعود.

13515 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن عبيدة بن ربيعة, عن عبد الله بن مسعود قال: " إدريس "، هو " إلياس ", و " إسرائيل "، هو " يعقوب ".

(43) * * * وأما أهل الأنساب فإنهم يقولون: " إدريس "، جدّ نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، و " أخنوخ " هو " إدريس بن يرد بن مهلائيل ".

وكذلك روي عن وهب بن منبه.

* * * والذي يقول أهل الأنساب أشبه بالصواب.

وذلك أنّ الله تعالى ذكره نسب " إلياس " في هذه الآية إلى " نوح "، وجعله من ذريته، و " نوح " ابن إدريس عند أهل العلم, فمحال أن يكون جدّ أبيه منسوبًا إلى أنه من ذريته.

* * * وقوله: " كل من الصالحين "، يقول: من ذكرناه من هؤلاء الذين سمينا (44) =" من الصالحين ", يعني: زكريا ويحيى وعيسى وإلياس صلى الله عليهم.

(45) ------------------- الهوامش : (40) في كتاب القوم ( بن عِدُّوْ ( في"عزرا".

الإصحاح الخامس والسادس.

وفي المطبوعة: "بن أزن" وفي المخطوطة: "بن أدر" ، وقال صاحب قاموس الكتاب: "زكريا بن يبرخيا ابن عدو .

.

.

يذكر بأنه"بن عدو" ، وسبب ذلك على الأرجح أن أباه برخيا ، مات في ريعان الشباب ، فنسب حسب العوائد ، إلى جده"عدو" الذي كان مشهورًا أكثر من أبيه".

وفي كتاب القوم ( يبرخيّا ( ، وكان في المطبوعة"بركيا" ، وهو في المخطوطة غير حسن الكتابة ، فأثبت ما في تاريخ الطبري 2: 13.

(41) في المطبوعة: "عمران بن أشيم بن أمور" ، خطأ ، صوابه مما سلف 6: 328 ، 329 ، ومن تاريخ الطبري 2: 13.

(42) في تاريخ الطبري 2: 13"بن ياسين".

(43) الأثر: 13515 -"عبيدة بن ربيعة" ، كوفي ، روى عن ابن مسعود ، وعثمان ابن عفان.

روى عنه الشعبي ، وأبو إسحق السبيعي.

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/91.

و"أبو إسحق" هو السبيعي ، كما سلف ، وكان في المخطوطة والمطبوعة"ابن إسحق" ، وهو خطأ محض.

وهذا الخبر ذكره البخاري تعليقًا (الفتح 6: 265) ، وقال الحافظ: "أما قول ابن مسعود ، فوصله عبيد بن حميد ، وابن أبي حاتم بإسناد حسن ، عنه".

(44) انظر تفسير"كل" فيما سلف ص: 507 ، تعليق: 2 ، والمرجع هناك.

(45) انظر تفسير"الصالح" فيما سلف من فهارس اللغة (صلح).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قد تقدم في " النساء " بيان ما لا ينصرف من هذه الأسماء ولم ينصرف داود لأنه اسم أعجمي ، ولما كان على فاعول لا يحسن فيه الألف واللام لم ينصرف .

وإلياس أعجمي .

قال الضحاك : كان إلياس من ولد إسماعيل .

وذكر القتبي قال : كان من سبط يوشع بن نون .

وقرأ الأعرج والحسن وقتادة " والياس " بوصل الألف .وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وعاصم " واليسع " بلام مخففة .

وقرأ الكوفيون إلا عاصما " والليسع " وكذا قرأ الكسائي ، ورد قراءة من قرأ واليسع قال : لأنه لا يقال اليفعل مثل اليحيى .

قال النحاس : وهذا الرد لا يلزم ، والعرب تقول : اليعمل واليحمد ، ولو نكرت يحيى لقلت اليحيى .

ورد أبو حاتم على من قرأ [ ص: 31 ] الليسع وقال : لا يوجد ليسع .

وقال النحاس : وهذا الرد لا يلزم ، فقد جاء في كلام العرب حيدر وزينب ، والحق في هذا أنه اسم أعجمي ، والعجمة لا تؤخذ بالقياس إنما تؤخذ سماعا والعرب تغيرها كثيرا ، فلا ينكر أن يأتي الاسم بلغتين .

قال مكي : من قرأ بلامين فأصل الاسم ليسع ، ثم دخلت الألف واللام للتعريف .

ولو كان أصله يسع ما دخلته الألف واللام ; إذ لا يدخلان على يزيد ويشكر : اسمين لرجلين ; لأنهما معرفتان علمان .

فأما ليسع نكرة فتدخله الألف واللام للتعريف ، والقراءة بلام واحدة أحب إلي ; لأن أكثر القراء عليه .

وقال المهدوي : من قرأ اليسع بلام واحدة فالاسم يسع ، ودخلت الألف واللام زائدتين ، كزيادتهما في نحو الخمسة عشر ، وفي نحو قوله :وجدنا يزيد بن الوليد مباركا شديدا بأعباء الخلافة كاهلهوقد زادوها في الفعل المضارع نحو قوله :فيستخرج اليربوع من نافقائه ومن بيته بالشيخة اليتقصعيريد الذي يتقصع .

قال القشيري : قرئ بتخفيف اللام والتشديد .

والمعنى واحد في أنه اسم لنبي معروف ; مثل إسماعيل وإبراهيم ، ولكن خرج عما عليه الأسماء الأعجمية بإدخال الألف واللام .

وتوهم قوم أن اليسع هو إلياس ، وليس كذلك ; لأن الله تعالى أفرد كل واحد بالذكر .

وقال وهب : اليسع هو صاحب إلياس ، وكانا قبل زكرياء ويحيى وعيسى .

وقيل : إلياس هو إدريس وهذا غير صحيح لأن إدريس جد نوح وإلياس من ذريته .

وقيل : إلياس هو الخضر .

وقيل : لا ، بل اليسع هو الخضر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى } ابنه { وَعِيسَى } ابن مريم.

{ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ } هؤلاء { مِنَ الصَّالِحِينَ } في أخلاقهم وأعمالهم وعلومهم، بل هم سادة الصالحين وقادتهم وأئمتهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وزكريا ) وهو زكريا بن آذن ، ( ويحيى ) وهو ابنه ، ( وعيسى ) وهو ابن مريم بنت عمران ، ( وإلياس ) اختلفوا فيه ، قال ابن مسعود : هو إدريس ، وله اسمان مثل يعقوب وإسرائيل ، والصحيح أنه غيره ، لأن الله تعالى ذكره في ولد نوح ، وإدريس جد أبي نوح وهو إلياس ياسين بن فنحاص بن عيزار بن هارون بن عمران ( كل من الصالحين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وزكريا ويحيى» ابنه «وعيسى» ابن مريم يفيد أن الذرية تتناول أولاد البنت «وإلياس» ابن أخي هارون أخي موسى «كل» منهم «من الصالحين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكذلك هدينا زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، وكل هؤلاء الأنبياء عليهم السلام من الصالحين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قال - تعالى - { وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وموسى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين وَزَكَرِيَّا ويحيى وعيسى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصالحين وَإِسْمَاعِيلَ واليسع وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين } .الضمير فى قوله - تعالى - { وَمِن ذُرِّيَّتِهِ } يرى ابن جرير وغيره أنه يعود إلى نوح لأنه أقرب مذكور .ويرى جمهور المفسرين أنه يعود على إبراهيم لأن الكلام فى شأنه وفى شأن النعم التى منحها الله إياه .وقد ذكر الله فى هذه الآيات أربعة عشر نبيا وهم :1 - داود بن يسى من بط يهوذا من بنى إسرائيل وكانت ولادته فى بيت لحم سنة 1085 ق .

م تقريبا وهو الذى قتل جالوت كما جاء فى القرآن الكريم { وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ الله الملك والحكمة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ } وكانت وفاته سنة 1000 ق .

م تقريبا .2 - سليمان بن داود - عليهما السلام - ولد بأورشليم حوالى سنة 1043 ق .

م وتوفى سنة 975 ق .

م .

وقد جاء ذكر داود وسليمان فى كثير من آيات القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله - تعالى -{ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ الحمد لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا على كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ المؤمنين } 3 - أيوب ، قال ابن جرير : هو ابن موصى بن روم بن عيص بن إسحاق ، وروى الطبرانى أن مدة عمره كانت ثلاثة وتسعين سنة .4 - يوسف وهو ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليه السلام - وكانت ولادته قبل ميلاد عيسى - عليه السلام - بألفى سنة تقريبا .5 - موسى وهو ابن عمران بن يصهر بن ماهيث بن لاوى بن يعقوب وكانت ولادته حوالى القرن الرابع عشر ق .

م .6 - هارون وهو أخو موسى لأمه وقيل لأبيه وأمه ، وقيل مات قبيل موسى بزمن يسير .7 - زكريا وهو ابن أزن بن بركيا ويتصل نسبه بسليمان - عليه السلام - وكان قريب العهد بعيسى حيث تولى كفالة أمه مريم كما جاء فى القرآن الكريم { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } 8 - يحيى وهو ابن زكريا .9 - عيسى وهو ابن مريم .

قال ابن كثير .

وفى ذكر عيسى فى ذرية إبراهيم أو نوح دلالة على دخول ولد البنات فى ذرية الرجل ، لأن انتساب عيسى ليس إلا من جهة أم مريم .10 - الياس وهو ابن فنحاص بن العيزار بن هارون أخى موسى وهو المعروف فى كتب الإسرائيليين باسم " إيليا " وقد أرسله الله إلى بنى إسرائيل حين عبدوا الأوثان قال - تعالى - { وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المرسلين إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخالقين } ويقال إنه كان موجوداً فى زمن الملك " آخاب " ملك بنى إسرائيل فى حوالى سنة 918 ق .

م .11 - إسماعيل وهو الابن الأكبر لإبراهيم - عليهما السلام - وجد محمد صلى الله عليه وسلم .12 - اليسع وهو ابن شافاط وكانت وفاته حوالى سنة 840 ق .

م ودفن بالسامرة .13 - يونس وهو ابن متى أرسله الله إلى أهل نينوى من بلاد أشور فى حوالى القرن الثامن ق .

م .14 - لوط وهو ابن هاران بن تارح فهو ابن أخى إبراهيم وكانت رسالته إلى أهل سدوم من شرق الأردن .وقوله { وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين } أى : وكل واحد من هؤلاء الأنبياء المذكورين لا بعضهم دون بعض فضلناه بالنبوة على العالمين من أهل عصره .قال الجمل : اعلم أن الله - تعالى - ذكر هنا ثمانية عشر نبياً من غير ترتيب لا بحسب الزمان ولا بحسب الفضل لأن الواو لا تقتضى الترتيب ، ولكن هنا لطيفة فى هذا الترتيب وهى أن الله - تعالى - خص كل طائفة من الأنبياء بنوع من الكرامة والفضل .

فذكر أولا نوحاً وإبراهيم وإسحاق ويعقوب لأنهم أصول الأنبياء وإليهم يرجع حسبهم جميعاً .

ثم من المراتب المعتبرة بعد النبوة الملك والقدرة والسلطان وقد أعطى الله من ذلك داود وسليمان حظاً وافراً .ومن المراتب الصبر عند نزول البلاء والمحن والشدائد وقد خص الله بهذه أيوب .

ثم عطف على هاتين المرتبتين من جمع بينهما وهو يوسف فإنه صبر على البلاء والشدة إلى أن آتاه الله ملك مصر مع النبوة ، ثم من المراتب المعتبرة فى تفضيل الأنبياء كثرة المعجزات وقوة البراهين وقد خص الله موسى وهارون من ذلك بالحظ الوافر ، ومن المراتب المعتبرة الزهد فى الدنيا وقد خص الله بذلك زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ، ثم ذكر الله بعد هؤلاء الأنبياء من لم يبق له أتباع ولا شريعة وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط فإذا اعتبرنا هذه اللطيفة كان هذا الترتيب حسناً والله أعلم بمراده وأسرار كتابه .ومن المعروف أن الأنبياء الذين يجب الإيمان بهم على التفصيل خمسة وعشرون نبياً .

وهم هؤلاء الثمانى عشرة الذين ذكروا فى هذه الآيات ، يضاف إليهم سبعة نظمهم الناظم فى قوله :حتم على كل ذى التكليف معرفة ...

بأبنياء على التفصيل قد علموافى تلك حجتنا منهم ثمانية ...

من بعد عشر ويبقى سبعة وهمإدريس ، هود ، شعيب ، صالح وكذا ...

ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه أظهر حجة الله تعالى في التوحيد ونصرها وذب عنها عدد وجوه نعمه وإحسانه عليه.

فأولها: قوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم ﴾ والمراد إنا نحن آتيناه تلك الحجة وهديناه إليها وأوقفنا عقله على حقيقتها.

وذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة وهو كناية الجمع على وفق ما يقوله عظماء الملوك.

فعلنا، وقلنا، وذكرنا.

ولما ذكر نفسه تعالى هاهنا باللفظ الدال على العظمة وجب أن تكون تلك العظمة عظمة كاملة رفيعة شريفة، وذلك يدل على أن إيتاء الله تعالى إبراهيم عليه السلام تلك الحجة من أشرف النعم، ومن أجل مراتب العطايا والمواهب.

وثانيها: أنه تعالى خصه بالرفعة والاتصال إلى الدرجات العالية الرفيعة.

وهي قوله: ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ .

وثالثها: أنه جعله عزيزاً في الدنيا، وذلك لأنه تعالى جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله، ومن ذريته وأبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة، لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء والملوك، والمقصود من هذه الآيات تعديد أنواع نعم الله على إبراهيم عليه السلام جزاء على قيامه بالذب عن دلائل التوحيد، فقال: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق ﴾ لصلبه ﴿ وَيَعْقُوبَ ﴾ بعده من إسحاق.

فإن قالوا: لم لم يذكر إسماعيل عليه السلام مع إسحاق، بل أخر ذكره عنه بدرجات؟

قلنا: لأن المقصود بالذكر هاهنا أنبياء بني إسرائيل، وهم بأسرهم أولاد إسحاق ويعقوب.

وأما إسماعيل فإنه ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز ذكر محمد عليه الصلاة والسلام في هذا المقام، لأنه تعالى أمر محمداً عليه الصلاة والسلام أن يحتج على العرب في نفي الشرك بالله بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد رزقه الله النعم العظيمة في الدين والدنيا، ومن النعم العظيمة في الدنيا أن آتاه الله أولاداً كانوا أنبياء وملوكاً، فإذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد عليه الصلاة والسلام امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض، فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحاق.

وأما قوله: ﴿ وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ﴾ فالمراد أنه سبحانه جعل إبراهيم في أشرف الأنساب، وذلك لأنه رزقه أولاداً مثل إسحاق، ويعقوب.

وجعل أنبياء بني إسرائيل من نسلهما، وأخرجه من أصلاب آباء طاهرين مثل نوح.

وإدريس، وشيث.

فالمقصود بيان كرامة إبراهيم عليه السلام بحسب الأولاد وبحسب الآباء.

أما قوله: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وسليمان ﴾ فقيل المراد ومن ذرية نوح، ويدل عليه وجوه: الأول: أن نوحاً أقرب المذكورين وعود الضمير إلى الأقرب واجب.

الثاني: أنه تعالى ذكر في جملتهم لوطاً وهو كان ابن أخ إبراهيم وما كان من ذريته، بل كان من ذرية نوح عليه السلام، وكان رسولاً في زمان إبراهيم.

الثالث: أن ولد الإنسان لا يقال أنه ذريته، فعلى هذا إسماعيل عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم، بل هو من ذرية نوح عليه السلام.

الرابع: قيل إن يونس عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم عليه السلام، وكان من ذريةنوح عليه السلام.

والقول الثاني: أن الضمير عائد إلى إبراهيم عليه السلام، والتقدير: ومن ذرية إبراهيم داود وسليمان.

واحتج القائلون بهذا القول: بأن إبراهيم هو المقصود بالذكر في هذه الآيات وإنما ذكر الله تعالى نوحاً لأن كون إبراهيم عليه السلام من أولاده أحد موجبات رفعة إبراهيم.

واعلم أنه تعالى ذكر أولاً أربعة من الأنبياء، وهم: نوح، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب.

ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر من الأنبياء: داود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهرون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسمعيل، واليسع، ويونس، ولوطاً، والمجموع ثمانية عشر.

فإن قيل: رعاية الترتيب واجبة، والترتيب إما أن يعتبر بحسب الفضل والدرجة وإما أن يعتبر بحسب الزمان والمدة، والترتيب بحسب هذين النوعين غير معتبر في هذه الآية فما السبب فيه؟

قلنا: الحق أن حرف الواو لا يوجب الترتيب، وأحد الدلائل على صحة هذا المطلوب هذه الآية فإن حرف الواو حاصل هاهنا مع أنه لا يفيد الترتيب ألبتة، لا بحسب الشرف ولا بحسب الزمان وأقول عندي فيه وجه من وجوه الترتيب، وذلك لأنه تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الإكرام والفضل.

فمن المراتب المعتبرة عند جمهور الخلق: الملك والسلطان والقدرة، والله تعالى قد أعطى داود وسليمان من هذا الباب نصيباً عظيماً.

والمرتبة الثانية: البلاء الشديد والمحنة العظيمة، وقد خص الله أيوب بهذه المرتبة والخاصية.

والمرتبة الثالثة: من كان مستجمعاً لهاتين الحالتين، وهو يوسف عليه السلام، فإنه نال البلاء الشديد الكثير في أول الأمر، ثم وصل إلى الملك في آخر الأمر.

والمرتبة الرابعة: من فضائل الأنبياء عليهم السلام وخواصهم قوة المعجزات وكثرة البراهين والمهابة العظيمة والصولة الشديدة وتخصيص الله تعالى إياهم بالتقريب العظيم والتكريم التام، وذلك كان في حق موسى وهرون.

والمرتبة الخامسة: الزهد الشديد والإعراض عن الدنيا، وترك مخالطة الخلق، وذلك كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، ولهذا السبب وصفهم الله بأنهم من الصالحين.

والمرتبة السادسة: الأنبياء الذين لم يبق لهم فيما بين الخلق أتباع وأشياع، وهم إسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط.

فإذا اعتبرنا هذا الوجه الذي راعيناه ظهر أن الترتيب حاصل في ذكر هؤلاء الأنبياء عليهم السلام بحسب هذا الوجه الذي شرحناه.

المسألة الثانية: قال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا ﴾ اختلفوا في أنه تعالى إلى ماذا هداهم؟

وكذا الكلام في قوله: ﴿ وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ﴾ وكذا قوله في آخر الآية: ﴿ ذلك هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .

قال بعض المحققين: المراد من هذه الهداية الثواب العظيم، وهي الهداية إلى طريق الجنة، وذلك لأنه تعالى لما ذكر هذه الهداية قال بعدها: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ وذلك يدل على أن تلك الهداية كانت جزاء المحسنين على إحسانهم وجزاء المحسن على إحسانه لا يكون إلا الثواب، فثبت أن المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الجنة.

فأما الإرشاد إلى الدين وتحصيل المعرفة في قلبه، فإنه لا يكون جزاء له على عمله، وأيضاً لا يبعد أن يقال: المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الدين والمعرفة، وإنما ذلك كان جزاء على الإحسان الصادر منهم، لأنهم اجتهدوا في طلب الحق، فالله تعالى جازاهم على حسن طلبهم بإيصالهم إلى الحق، كما قال: ﴿ والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ  ﴾ .

والقول الثالث: أن المراد من هذه الهداية: الإرشاد إلى النبوة والرسالة، لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك.

فإن قالوا: لو كان الأمر كذلك لكان قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ يقتضي أن تكون الرسالة جزاء على عمل، وذلك عندكم باطل.

قلنا: يحمل قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ على الجزاء الذي هو الثواب والكرامة، فيزول الإشكال.

والله أعلم.

المسألة الثالثة: احتج القائلون بأن الأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة بقوله تعالى بعد ذكر هؤلاء عليهم السلام: ﴿ وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين ﴾ وذلك لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى، فيدخل في لفظ العالم الملائكة، فقوله تعالى: ﴿ وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين ﴾ يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين.

وذلك يقتضي كونهم أفضل من الملائكة، ومن الأحكام المستنبطة من هذه الآية: أن الأنبياء عليهم السلام يجب أن يكونوا أفضل من كل الأولياء، لأن عموم قوله تعالى: ﴿ وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين ﴾ يوجب ذلك.

قال بعضهم: ﴿ وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين ﴾ معناه فضلناه على عالمي زمانهم.

قال القاضي: ويمكن أن يقال المراد: وكلاًّ من الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين.

ثم الكلام بعد ذلك في أن أي الأنبياء أفضل من بعض، كلام واقع في نوع آخر لا تعلق به بالأول والله أعلم.

المسألة الرابعة: قرأ حمزة والكسائي ﴿ واللسيع ﴾ بتشديد اللام وسكون الياء، والباقون ﴿ واليسع ﴾ بلام واحدة.

قال الزجاج: يقال فيه الليسع واليسع بتشديد اللام وتخفيفها.

المسألة الخامسة: الآية تدل على أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى جعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أنه لا ينتسب إلى إبراهيم إلا بالأم، فكذلك الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن انتسبا إلى رسول الله بالأم وجب كونهما من ذريته، ويقال: إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف.

المسألة السادسة: قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ءابَائِهِمْ وذرياتهم وإخوانهم ﴾ يفيد أحكاماً كثيرة: الأول: أنه تعالى ذكر الآباء والذريات والأخوان، فالآباء هم الأصول، والذريات هم الفروع، والاخوان فروع الأصول، وذلك يدل على أنه تعالى خص كل من تعلق بهؤلاء الأنبياء بنوع من الشرف والكرامة، والثاني: أنه تعالى قال: ﴿ وَمِنْ ءابَائِهِمْ ﴾ وكلمة من للتبعيض.

فإن قلنا: المراد من تلك الهداية الهداية إلى الثواب والجنة والهداية إلى الإيمان والمعرفة، فهذه الكلمة تدل على أنه قد كان في آباء هؤلاء الأنبياء من كان غير مؤمن ولا واصل إلى الجنة.

أما لو قلنا: المراد بهذه الهداية النبوة لم يفد ذلك.

الثالث: أنا إذا فسرنا هذه الهداية بالنبوة كان قوله: ﴿ وَمِنْ ءَابَائِهِمْ وذرياتهم وإخوانهم ﴾ كالدلالة على أن شرط كون الإنسان رسولاً من عند الله أن يكون رجلاً، وأن المرأة لا يجوز أن تكون رسولاً من عند الله تعالى، وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿ واجتبيناهم ﴾ يفيد النبوة، لأن الاجتباء إذا ذكر في حق الأنبياء عليهم السلام لا يليق به إلا الحمل على النبوة والرسالة.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ واعلم أنه يجب أن يكون المراد من هذا الهدى هو معرفة التوحيد وتنزيه الله تعالى عن الشرك، لأنه قال بعده: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وذلك يدل على أن المراد من ذلك الهدي ما يكون جارياً مجرى الأمر المضاد للشرك.

وإذا ثبت أن المراد بهذا الهدى معرفة الله بوحدانيته.

ثم إنه تعالى صرح بأن ذلك الهدى من الله تعالى، ثبت أن الإيمان لا يحصل إلا بخلق الله تعالى، ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بنفي الشرك فقال: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ ﴾ والمعنى أن هؤلاء الأنبياء لو أشركوا لحبط عنهم طاعاتهم وعباداتهم.

والمقصود منه تقرير التوحيد وإبطال طريقة الشرك.

وأما الكلام في حقيقة الإحباط فقد ذكرناه على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِي الله ﴾ وكانوا حاجوه في توحيد الله ونفي الشركاء عنه منكرين لذلك ﴿ وَقَدْ هدان ﴾ يعني إلى التوحيد ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ وقد خوفوه أن معبوداتهم تصيبه بسوء ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً ﴾ إلاّ وقت مشيئة ربي شيئاً يخاف، فحذف الوقت، يعني لا أخاف معبوداتكم في وقت قط؛ لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة، إلاّ إذا شاء ربي أن يصيبني بمخوف من جهتها إن أصبت ذنباً استوجب به إنزال المكروه، مثل أن يرجمني بكوكب أو بشقة من الشمس أو القمر، أو يجلعها قادرة على مضرتي ﴿ وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَيْء عِلْماً ﴾ أي ليس بعجب ولا مستبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها ﴿ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ﴾ فتميزوا بين الصحيح والفاسد والقادر والعاجز ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ ﴾ لتخويفكم شيئاً مأمون الخوف لا يتعلق به ضرر بوجه ﴿ و ﴾ أنتم ﴿ لا تخافون ﴾ ما يتعلق به كل مخوف وهو إشراككم بالله ما لم ينزل بإشراكه ﴿ سلطانا ﴾ أي حجة، لأن الإشراك لا يصحّ أن يكون عليه حجة، كأنه قال: وما لكم تنكرون علي الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف.

ولم يقل: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم، احترازاً من تزكيته نفسه، فعدل عنه إلى قوله: ﴿ فَأَىُّ الفريقين ﴾ يعني فريقي المشركين والموحدين.

ثم استأنف الجواب على السؤال بقوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ ﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم.

وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس ﴿ وَتِلْكَ ﴾ إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم عليه السلام على قومه من قوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ إلى قوله: ﴿ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ﴾ .

ومعنى ﴿ ءاتيناهآ ﴾ أرشدناه إليها ووفقناه لها ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ يعني في العلم والحكمة.

وقرئ بالتنوين ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِهِ ﴾ الضمير لنوح أو لإبراهيم.

و ﴿ دَاوُودُ ﴾ عطف على نوحاً، أي وهدينا داود ﴿ وَمِنْ ءابَائِهِمْ ﴾ في موضع النصب عطفاً على كلاًّ، بمعنى: وفضلنا بعض آبائهم ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ ﴾ مع فضلهم وتقدمهم وما رفع لهم من الدرجات.

لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم، كما قال تعالى وتقدّس ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [الزمر: 65] .

﴿ ءاتيناهمالكتاب ﴾ يريد الجنس ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا ﴾ بالكتاب والحكمة والنبوّة.

أو بالنبوّة ﴿ هؤلاء ﴾ يعني أهل مكة ﴿ قَوْماً ﴾ هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم بدليل قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ وبدليل وصل قوله: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء ﴾ بما قبله.

وقيل: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكل من آمن به.

وقيل: كل مؤمن من بني آدم.

وقيل: الملائكة وادّعى الأنصار أنها لهم.

وعن مجاهد: هم الفرس.

ومعنى توكيلهم بها: أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكّل الرجل بالشيء ليقوم به، ويتعهده ويحافظ عليه.

والباء في ﴿ بِهَا ﴾ صلة كافرين.

وفي ﴿ بكافرين ﴾ تأكيد النفي.

﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ فاختص هداهم بالاقتداء، ولا تقتد إلاّ بهم.

وهذا معنى تقديم المفعول، والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع، فإنها مختلفة وهي هدى، ما لم تنسخ.

فإذا نسخت لم تبق هدى، بخلاف أصول الدين فإنها هدى أبداً.

والهاء في ﴿ اقتده ﴾ للوقف تسقط في الدرج.

واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ﴾ أيْ كُلًّا مِنهُما.

﴿ وَنُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ﴾ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ، عَدَّ هُداهُ نِعْمَةً عَلى إبْراهِيمَ مِن حَيْثُ إنَّهُ أبُوهُ وشَرَفُ الوالِدِ يَتَعَدّى إلى الوَلَدِ.

﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ ﴾ الضَّمِيرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذِ الكَلامُ فِيهِ.

وقِيلَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أقْرَبُ ولِأنَّ يُونُسَ ولُوطًا لَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَوْ كانَ لِإبْراهِيمَ اخْتَصَّ البَيانُ بِالمَعْدُودِينَ في تِلْكَ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها والمَذْكُورُونَ في الآيَةِ الثّالِثَةِ عَطْفٌ عَلى نُوحًا، ﴿ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ﴾ أيُّوبُ بْنُ أمُوصَ مِن أسْباطِ عِيصَ بْنِ إسْحاقَ.

﴿ وَيُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ أيْ ونَجْزِي المُحْسِنِينَ جَزاءً مِثْلَ ما جَزَيْنا إبْراهِيمَ بِرَفْعِ دَرَجاتِهِ وكَثُرَ أوْلادُهُ والنُّبُوَّةُ فِيهِمْ.

﴿ وَزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى ﴾ هو ابْنُ مَرْيَمَ وفي ذِكْرِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذُّرِّيَّةَ تَتَناوَلُ أوْلادَ البِنْتِ.

﴿ وَإلْياسَ ﴾ قِيلَ هو إدْرِيسُ جَدُّ نُوحٍ فَيَكُونُ البَيانُ مَخْصُوصًا بِمَن في الآيَةِ الأُولى.

وقِيلَ هو مِن أسْباطِ هارُونَ أخِي مُوسى.

﴿ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ وهو الإتْيانُ بِما يَنْبَغِي والتَّحَرُّزُ عَمّا لا يَنْبَغِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَزَكَرِيَّا ويحيى وعيسى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ} أي كلهم {مِّنَ الصالحين} وذكر عيسى معهم دليل على أن النسب يثبت من قبل الأم أيضاً لأنه جعله من ذرية نوح عليه السلام وهو لا يتصل به إلا بالأم وبذا أجيب الحجاج حين أنكر أن يكون بنو فاطمة أولاد النبي عليه السلام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وزَكَرِيّا ﴾ هو ابْنُ أزْنَ بْنِ بَرَكِيا كانَ مِن ذُرِّيَّةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقُتِلَ بَعْدَ قَتْلِ ولَدِهِ وكانَ لَهُ يَوْمَ بُشِّرَ بِهِ اثْنانِ وتِسْعُونَ، وقِيلَ: تِسْعٌ وتِسْعُونَ، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ وفِيهِ خَمْسُ لُغاتٍ أشْهَرُها المَدُّ، والثّانِيَةُ القَصْرُ، وقُرِئَ بِهِما في السَّبْعِ، وزَكَرِيَّ بِتَشْدِيدِ الياءِ وتَخْفِيفِها وزَكَرٍ كَقَلَمٍ (ويَحْيى) ابْنُهُ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ وعَلى القَوْلَيْنِ كَما قالَ الواحِدِيُّ لا يَنْصَرِفُ وسُمِّيَ بِذَلِكَ عَلى القَوْلِ الثّانِي لِأنَّهُ حَيِيٌّ بِهِ رَحِمُ أُمِّهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وهو اسْمٌ عِبْرانِيٌّ أوْ سُرْيانِيٌّ وفي الصَّحِيحِ «أنَّهُ رَبْعَةٌ أحْمَرُ كَأنَّما خَرَجَ مِن دِيماسٍ،» وفي ذِكْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذُّرِّيَّةَ يَتَناوَلُ أوْلادَ البَناتِ لِأنَّ انْتِسابَهُ لَيْسَ إلّا مِن جِهَةِ أُمِّهِ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أبٌ يَصْرِفُ إضافَتَهُ إلى الأُمِّ إلى نَفْسِهِ فَلا يَظْهَرُ قِياسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ في كَوْنِهِ ذُرِّيَّةً لِجَدِّهِ مِنَ الأُمِّ وتُعُقِّبَ بِأنَّ مُقْتَضى كَوْنِهِ بِلا أبٍ أنْ يُذْكَرَ في حَيِّزِ الذُّرِّيَّةِ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ والذّاهِبُونَ إلى دُخُولِ ابْنِ البِنْتِ في الذُّرِّيَّةِ يَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِها احْتَجَّ مُوسى الكاظِمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ما رَواهُ البَعْضُ عَنِ الرَّشِيدِ وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ أنَّ أبا جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اسْتَدَلَّ بِها عِنْدَ الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ بِآيَةِ المُباهَلَةِ حَيْثُ «دَعا  الحَسَنَ والحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بَعْدَما نَزَلَ ﴿ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ ﴾ » وادَّعى بَعْضُهم أنَّ هَذا مِن خَصائِصِهِ  ، وقَدِ اخْتَلَفَ إفْتاءُ أصْحابِنا في هَذِهِ المَسْألَةِ والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ القَوْلُ بِالدُّخُولِ، وإلْياسُ قالَ ابْنُ إسْحاقَ في المُبْتَدَإ: هو ابْنُ يَسَ بْنِ فَنْحاصَ بْنِ العِيزارَ بْنِ هارُونَ أخِي مُوسى بْنِ عِمْرانَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وحَكى القُتَبِيُّ أنَّهُ مِن سِبْطِ يُوشَعَ، وقِيلَ: مِن ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ إدْرِيسُ وهو عَلى ما قالَ ابْنُ إسْحَقَ ابْنُ يَرِدَ بْنِ مِهْلايِيلَ بْنِ أنُوشَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ وهو جَدُّ نُوحٍ كَما أشَرْنا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وفي المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ ألْفُ سَنَةٍ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ قَبْلَ نُوحٍ يَكُونُ البَيانُ مُخْتَصًّا بِمَن في الآيَةِ الأوْلى، ونَصَّ الشِّهابُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وزَكَرِيّا ﴾ وما بَعْدَهُ حِينَئِذٍ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الكَلامِ السّابِقِ ﴿ كُلٌّ ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ ﴿ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ 58 - أيِ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِما يَنْبَغِي، والتَّحَرُّزُ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ فَيُوصَفُ بِما هو مِن أعْلى مَراتِبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِها لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِمَضْمُونِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَوَهَبْنا لَهُ يعني: لإبراهيم إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ قال الضحاك: ولدت سارة إسحاق ولها تسعة وتسعون سنة.

ولإبراهيم مائة وعشرون سنة ثم ولد لإسحاق يعقوب كُلًّا هَدَيْنا يعني: إسحاق ويعقوب هديناهما بالنبوة والإسلام وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ يعني: هديناه للنبوة والإسلام من قبل إبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ قال الكلبي: يعني من ذرية نوح.

وقال الضحاك: يعني من ذرية إبراهيم داوُدَ النبي-  - وَسُلَيْمانَ وهو ابن داود وَأَيُّوبَ وهو من ولد عيصو بن إسحاق وَيُوسُفَ وهو ابن يعقوب وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يعني: نعطيهم أفضل الثواب وَزَكَرِيَّا يعني: من ذرية إبراهيم زكريا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ قال الضحاك: كان إلياس من ولد إسماعيل.

وذكر عن القتبي أنه كان من سبط يوشع بن نون كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ يعني: من المرسلين وَإِسْماعِيلَ وهو من صلب إبراهيم-  - وَالْيَسَعَ قرأ حمزة والكسائي والليسع مشددا.

وقرأ الباقون وَالْيَسَعَ بالتخفيف.

فمن قرأ بالتشديد فالاسم منه ليسع ثم أدخلت الألف واللام للتعريف فصار الليسع.

ومن قرأ بالتخفيف فالاسم منه يسع.

ثم أدخلت الألف واللام للتعريف فصار اليسع.

وكذا هذا الاختلاف في سورة ص وكان اليسع تلميذ إلياس وكان خليفته من بعده.

وَيُونُسَ ابن متى وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ بالرسالة والنبوة في ذلك الزمان ثم ذكر آباءهم فقال: وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ يعني: وقد اصطفيناهم بالنبوة يعني: آدم ونوحاً وإدريس وهوداً وصالحاً- عليهم السلام- وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو دين الإسلام ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يعني: دين الله يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يعني: يكرم بدينه من يشاء من عباده وَلَوْ أَشْرَكُوا يعني: هؤلاء النبيين لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا يعني: إنما فضلهم الله بالطاعة.

ثم قال: أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ يعني: العلم والفهم والفقه وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها أي: الأنبياء هؤُلاءِ يعني: أهل مكة فَقَدْ وَكَّلْنا بِها يعني: ألزمنا بها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ.

قال سعيد بن جبير هم الأنصار.

ويقال فَإِنْ يَكْفُرْ بِها يعني: بآياتنا فَقَدْ وَكَّلْنا بِها يعني: بالإيمان بها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ يعني: الأنبياء الذين سبق ذكرهم.

ويقال: الملائكة.

وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ يعني: أمة محمد-  - فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قوما ليسوا بها كافرين.

يعني: النبيين الذين قصّ الله عنهم.

ثم قال أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ يعني الأنبياء فَبِهُداهُمُ يعني: بسنتهم وتوحيدهم اقْتَدِهْ على دينهم استقم واعمل به.

وفي هذه الآية دليل أن شرائع المتقدمين واجبة علينا ما لم يظهر نسخها إذا ثبت ذلك في الكتاب، أو على لسان الرسول  لأن الله تعالى أمرنا بأن نقتدي بهداهم، واسم الهدى يقع على التوحيد والشرائع.

مثل قوله: الم.

ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 1- 2] والكتاب يشتمل على الشرائع وغيرها.

قرأ حمزة والكسائي: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ بالهاء في الوقف والوصل جميعاً وقرأ الباقون: بالهاء في الوصل والوقف جميعاً لأنها هاء الوقف.

مثل قوله: كِتابِيَهْ وحِسابِيَهْ ثم قال: قُلْ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً يعني: قل للمشركين لا أسألكم على الإيمان والقرآن جَعْلاً إِنْ هُوَ يعني: ما هو وهو القرآن إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ يعني: موعظة للعالمين الإنس والجن.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ب يَشاءَ، ولما كانتْ قوة الكلامِ أنه لا يخَافُ ضرراً، استثنى مشيئةَ ربِّه تعالى في أن يريده بضرّ، وعِلْماً: نصبٌ على التمييز، وهو مصدرٌ بمعنى الفاعل كما تقول العرب: تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقاً، المعنى: تصبَّبَ عَرَقُ زَيْدٍ فكذلك المعنى هنا وِسَعِ علْمُ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ، أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ: توقيفٌ وتنبيه وإظهار لموضعِ التقصيرِ منهم، وقوله: وَكَيْفَ أَخافُ مَا أَشْرَكْتُمْ ...

الآيةَ إلى تَعْلَمُونَ، هي كلُّها من قول إبراهيم- عليه السلام- لقومه، وهي حجته القاطعة لهم، والمعنى: وكيف أخاف أصناماً لا خَطْب لها، إذ نبذتُها، ولا تخافُونَ أنتم اللَّهَ عزَّ وجلَّ، وقد أشركتم به في الربوبيَّة مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً والسلطانُ: الحُجَّة، ثم استفهم على جهة التقرير: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ، مني ومنكم أَحَقُّ بِالْأَمْنِ، قال أبو حَيَّان «١» : وَكَيْفَ: استفهام، معناه التعجّب والإنكار.

انتهى.

وقوله سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ...

الآية، قال ابنُ إسحاق، وابنُ زيدٍ، وغيرهما: هذا قولٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ ابتداء حُكْمٍ فَصْلٍ عامٍّ لِوَقْتِ مُحاجَّة إبراهيم وغيره، ولكلِّ مؤمن «٢» تقدَّم أو تأَخَّر.

قال ع «٣» : هذا هو البيِّن الفصيحُ الذي يرتبطُ به معنى الآية، ويحسُنُ رصْفها، وهو خبرٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ، ويَلْبِسُوا: معناه: يَخْلِطُوا، والظُّلْم في هذا الموضع:

الشِّرْك تظاهرت بذلك الأحاديثُ الصحيحةُ، وفي قراءة «٤» مجاهدٍ: «وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ» وَهُمْ مُهْتَدُونَ، أي: راشدون.

وقوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ: «تلك» : إشارةٌ إلى هذه الحجَّة المتقدِّمة.

وقوله سبحانه: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ، «الدرجات» : أصلها في الأجسام، ثم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ﴾ ولَدًا لَصُلْبِهِ "وَيَعْقُوبُ" ولَدًا لَإسْحاقَ "كُلًّا" مِن هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ هَدْينا أيْ: أرْشَدَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ ﴾ في "هاءِ الكِنايَةِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى نُوحٍ؛ رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ.

والثّانِي: إلى إبْراهِيمَ، قالَهُ عَطاءٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: كِلا القَوْلَيْنِ جائِزٌ، لِأنَّ ذِكْرَهُما جَمِيعًا قَدْ جَرى، واحْتَجَّ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى: ذَكَرَ في سِياقِ الآَياتِ لُوطًا، ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ.

وأجابَ عَنْهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ: ووَهَبَنا لَهُ لُوطًا في المُعاضَدَةِ والنُّصْرَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ مِن أبْيَنِ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ إبْراهِيمُ، لِأنَّ افْتِتاحَ الكَلامِ إنَّما هو بِذِكْرِ ما أثابَ بِهِ إبْراهِيمُ.

فَأمّا "يُوسُفُ" فَهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.

قالَ الفَرّاءُ: "يُوسُفُ" .

بِضَمِّ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبَعْضُ بَنِي أسَدٍ يَقُولُ: "يُؤْسُفُ" بِالهَمْزِ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: "يُوسِفُ" بِكَسْرِ السِّينِ، وبَعْضُ بَنِي عَقِيلٍ يَقُولُ: "يُوسَفُ" بِفَتْحِ السِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ أيْ: كَما جَزَيْنا إبْراهِيمَ عَلى تَوْحِيدِهِ وثَباتِهِ عَلى دِينِهِ، بِأنْ رَفَعْنا دَرَجَتَهُ، ووَهَبْنا لَهُ أوْلادًا أنْبِياءَ أتْقِياءَ، كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ.

فَأمّا عِيسى، وإلْياسَ، واليَسَعَ، ولُوطًا، فَأسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ يَقْرَؤُونَ "اليَسَعَ" بِلامٍ واحِدَةٍ مُخَفَّفًا، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هاهُنا وفي "ص": "إلِلْيَسَّعَ" بِلامَيْنِ مَعَ التَّشْدِيدِ.

قالَ الفَرّاءُ: وهي أشْبَهُ بِالصَّوابِ، وبِأسْماءِ الأنْبِياءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولِأنَّ العَرَبَ لا تَدْخُلُ عَلى "يَفْعَلُ"، إذا كانَ في مَعْنى فَلانٍ، ألِفًا ولامًا، يَقُولُونَ: هَذا يَسَعُ قَدْ جاءَ، وهَذا يَعْمُرُ، وهَذا يَزِيدُ، فَهَكَذا الفَصِيحُ مِنَ الكَلامِ.

وَأنْشَدَنِي بَعْضُهم.

وجَدْنا الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا شَدِيدًا بِأحْناءِ الخِلافَةِ كاهِلُهُ فَلَمّا ذَكَرَ الوَلِيدَ بِالألِفِ واللّامِ، أتْبَعَهُ يَزِيدُ بِالألِفِ واللّامِ، وكُلُّ صَوابٍ.

وقالَ مَكِّيُّ: مَن قَرَأهُ بِلامٍ واحِدَةٍ، فالأصْلُ عِنْدَهُ: يَسَعُ، ومَن قَرَأهُ بِلامَيْنِ، فالأصْلُ عِنْدَهُ: لَيَسَعُ، فَأدْخَلُوا عَلَيْهِ حَرْفَ التَّعْرِيفِ.

وباقِي أسْماءِ الأنْبِياءِ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها، والمُرادُ بِالعالَمِينَ: عالِمُو زَمانِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ ﴾ "مِن" هاهُنا لَلتَّبْعِيضِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هَدَيْنا هَؤُلاءِ، وهَدَيْنا بَعْضَ آَبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ.

﴿ واجْتَبَيْناهُمْ ﴾ مِثْلُ اخْتَرْناهم واصْطَفَيْناهم، وهو مَأْخُوذٌ مَن جَبَيْتُ الشَّيْءَ: إذا أخْلَصْتَهُ لَنَفْسِكَ.

وجَبَيْتَ الماءَ في الحَوْضِ: إذا جَمَعْتَهُ فِيهِ.

فَأمّا الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، فَهو التَّوْحِيدُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ وَزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ وَإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ ﴾ "وَوَهَبْنا"؛ عُطِفَ عَلى "آتَيْناها"؛ وإسْحاقُ: اِبْنُهُ مِن سارَةَ؛ ويَعْقُوبُ هو ابْنُ إسْحاقَ ؛ و"كُلًّا"؛ و"نُوحًا"؛ مَنصُوبانِ عَلى المَفْعُولِ؛ مُقَدَّمانِ عَلى الفِعْلِ؛ وقَوْلُهُ: "مِن قَبْلُ"؛ لِقِدَمِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَوْلُهُ: "وَمِن ذُرِّيَّتِهِ"؛ اَلْمَعْنى: "وَهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ..."؛ والضَمِيرُ في "ذُرِّيَّتِهِ": قالَ الزَجّاجُ: جائِزٌ أنْ يَعُودَ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويُعْتَرَضَ هَذا بِذِكْرِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وهو لَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ بَلْ هو ابْنُ أخِيهِ؛ وقِيلَ: اِبْنُ أُخْتِهِ؛ ويُتَخَرَّجُ عِنْدَ مَن يَرى الخالَ أبًا؛ وقِيلَ: يَعُودُ الضَمِيرُ عَلى نُوحٍ؛ وهَذا هو الجَيِّدُ.

وداوُدُ: يُقالُ: هو ابْنُ أيْشى؛ وسُلَيْمانُ: اِبْنُهُ؛ وأيُّوبُ هو - فِيما يُقالُ - أيُّوبُ بْنُ رازِحَ بْنِ عِيصُو بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويُوسُفُ هو ابْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ؛ ومُوسى؛ وهارُونُ - عَلَيْهِما السَلامُ - هُما ابْنا عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ؛ ونَصْبُ "داوُدَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِـ "وَوَهَبْنا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِـ "هَدَيْنا".

وهَذِهِ الأسْماءُ كُلُّها فِيها العُجْمَةُ والتَعْرِيفُ؛ فَهي غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ؛ ومُوسى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وزْنُهُ "مُفْعِلٌ"؛ فَعَلى هَذا يَنْصَرِفُ في النَكِرَةِ؛ وقِيلَ: وزْنُهُ "فُعْلى"؛ فَعَلى هَذا لا يَنْصَرِفُ في مَعْرِفَةٍ ولا نَكِرَةٍ.

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ؛ وعْدٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِمَن أحْسَنَ في عَمَلِهِ؛ وتَرْغِيبٌ في الإحْسانِ؛ وزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَلامُ - فِيما يُقالُ - هو ابْنُ آذَنَ بْنِ بَرْكَنا؛ " وعِيسى " - عَلَيْهِ السَلامُ - ابْنُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ بْنِ ياشَهْمَ بْنِ آمُونَ بْنِ حَزْقِياءَ؛ وإلْياسُ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو ابْنُ نَسْمى بْنِ فِنْحاصَ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ بْنِ عِمْرانَ ؛ ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ قالَ: إدْرِيسُ هو إلْياسُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ورَدَّ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّ إدْرِيسَ هو جَدُّ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ تَظاهَرَتْ بِذَلِكَ الرِواياتُ؛ و"زَكَرِيّاءُ"؛ قَرَأتْهُ طائِفَةٌ بِالمَدِّ؛ وقَرَأتْهُ طائِفَةٌ بِالقَصْرِ "زَكَرِيّا"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ - بِاخْتِلافٍ عنهُ -؛ والحَسَنُ ؛ وقَتادَةُ ؛ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ مِن "إلْياسَ".

وفِي هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ؛ أو إبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ بِحَسَبِ الِاخْتِلافِ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن "ذُرِّيَّتِهِ"؛ وهو ابْنُ ابْنَتِهِ؛ وبِهَذا يُسْتَدَلُّ في الأحْباسِ عَلى أنَّ ولَدَ البِنْتِ مِنَ الذُرِّيَّةِ؛ وإسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو أكْبَرُ ولَدَيْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وهو مِن "هاجَرَ"؛ واليَسَعُ: قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: وهو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وقالَ: غَيْرُهُ: هو اليَسَعُ بْنُ أخُطُوبَ بْنِ العَجُوزِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "واليَسَعَ"؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "واللَيْسَعَ"؛ كَأنَّ الألِفَ واللامَ دَخَلَتْ عَلى "فَيْعَلَ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: فالألِفُ واللامُ في "اَلْيَسَعَ"؛ زائِدَةٌ لا تُؤْثِرُ مَعْنى تَعْرِيفٍ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ؛ كَـ "اَلرَّجُلُ"؛ و"اَلْغُلامُ"؛ ولا لِلْجِنْسِ؛ كَـ "اَلْإنْسانُ"؛ و"اَلْبَهائِمُ"؛ ولا صِفَةً غالِبَةً؛ كَـ " اَلْعَبّاسُ "؛ و" اَلْحارِثُ "؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ "اَلْيَسَعَ" فِعْلًا؛ وحِينَئِذٍ يَجْرِي صِفَةً؛ وإذا كانَ فِعْلًا وجَبَ أنْ يَلْزَمَهُ الفاعِلُ؛ ووَجَبَ أنْ يُحْكى؛ إذْ هي جُمْلَةٌ؛ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِحاقُ اللامِ لَهُ؛ إذِ اللامُ لا تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تَكُونَ الألِفُ واللامُ زائِدَةً؛ كَما هي زائِدَةٌ في قَوْلِهِمْ: "اَلْخَمْسَةَ العَشَرَ دِرْهَمًا"؛ وفي قَوْلِ الشاعِرِ: يا لَيْتَ أُمَّ العَمْرِ كانَتْ صاحِبِي بِالعَيْنِ؛ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ؛ وفي قَوْلِهِ: وجَدْنا الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا ∗∗∗ ∗∗∗ شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهْ وأمّا "اَللَّيْسَعَ"؛ فالألِفُ واللامُ فِيهِ بِمَنزِلَتِها في " اَلْحارِثُ "؛ و" اَلْعَبّاسُ "؛ لِأنَّهُ مِن أبْنِيَةِ الصِفاتِ؛ لَكِنَّها بِمَنزِلَةِ "اَلْيَسَعَ"؛ في أنَّهُ خارِجٌ عَمّا عَلَيْهِ الأسْماءُ الأعْجَمِيَّةُ؛ إذْ لَمْ يَجِئْ فِيها شَيْءٌ هو عَلى هَذا الوَزْنِ؛ كَما لَمْ يَجِئْ مِنها شَيْءٌ فِيهِ لامُ تَعْرِيفٍ؛ فَهُما مِنَ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ؛ إلّا أنَّهُما مُخالِفانِ لِلْأسْماءِ فِيما ذُكِرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأمّا "اَلْيَزِيدَ"؛ فَإنَّهُ لَمّا سُمِّيَ بِهِ أُزِيلَ مِنهُ مَعْنى الفِعْلِ؛ وأُفْرِدَتْ فِيهِ الِاسْمِيَّةُ؛ فَحَصَلَ فِيهِ العَلَمِيَّةُ؛ وزِيدَتْ فِيهِ الألِفُ واللامُ لا لِتَعْرِيفٍ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: دَخَلَتِ الألِفُ واللامُ إتْباعًا لِلَفْظِ "اَلْوَلِيدُ".

ويُونُسُ هو ابْنُ مَتّى؛ ويُقالُ: "يُونُسُ"؛ و"يُونَسُ"؛ و"يُونِسُ"؛ وكَذَلِكَ: "يُوسُفُ"؛ و"يُوسَفُ"؛ و"يُوسِفُ"؛ وبِكَسْرِ النُونِ مِن "يُونِسَ"؛ والسِينِ مِن "يُوسِفَ"؛ قَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ مُصَرِّفٍ؛ وابْنُ وثّابٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ والأعْمَشُ ؛ في جَمِيعِ القُرْآنِ؛ و"العالَمِينَ"؛ مَعْناهُ: عالَمِي زَمانِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ ووهبنا ﴾ عطف على جملة ﴿ آتيناها ﴾ [الأنعام: 83] لأنّ مضمونها تكرمة وتفضيل.

وموقع هذه الجملة وإن كانت معطوفة هو موقع التذييل للجمل المقصود منها إبطال الشرك وإقامةُ الحجج على فساده وعلى أنّ الصالحين كلّهم كانوا على خلافه.

والوَهْب والهِبة: إعطاء شيء بلا عوض، وهو هنا مجاز في التّفضّل والتّيسير.

ومعنى هبة يعقوب لإبراهيم أنّه وُلد لابنه إسحاق في حياة إبراهيم وكبر وتزوّج في حياته فكان قرّة عين لإبراهيم.

وقد مضت ترجمة إبراهيم عليه السلام عند قوله تعالى: ﴿ وإذْ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات ﴾ [البقرة: 124].

وترجمةُ إسحاق، ويعقوب، عند قوله تعالى: ﴿ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ﴾ [البقرة: 132] وقوله: ﴿ وإله آبائك إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاق ﴾ [البقرة: 133] كلّ ذلك في سورة البقرة.

وقوله: ﴿ كلاّ هدينا ﴾ اعتراض، أي كلّ هؤلاء هديناهم يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فحذف المضاف إليه لظهوره وعوض عنه التّنوين في «كلّ» تنوينَ عوض عن المضاف إليه كما هو المختار.

وفائدة ذكر هديهما التّنويه بإسحاق ويعقوب، وأنّهما نبيئان نالا هدى الله كهَدْيه إبراهيم، وفيه أيضاً إبطال للشرك، ودمغ، لقريش ومشركي العرب، وتسفيه لهم بإثبات أنّ الصالحين المشهورين كانوا على ضدّ معتقدهم كما سيصرّح به في قوله: ﴿ ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ (الأعراف: 88.

( وجملة: ﴿ ونوحاً هدينا من قبل ﴾ عطف على الاعتراض، أي وهدينا نوحاً من قبلهم.

وهذا استطراد بذكر بعض من أنعم الله عليهم بالهدى، وإشارة إلى أنّ الهدى هو الأصل، ومن أعظم الهدى التّوحيد كما علمت.

وانتصب ﴿ نوحاً ﴾ على أنّه مفعول مقدّم على ﴿ هدينا ﴾ للاهتمام، و ﴿ من قبل ﴾ حال من ﴿ نوحا ﴾ .

وفائدة ذكر هذا الحال التّنبيه على أنّ الهداية متأصّلة في أصول إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

وبُني ﴿ قبل ﴾ على الضمّ، على ما هو المعروف في (قبلُ) وأخواتتِ غيرٍ من حذف ما يضاف إليه قبلُ وينوى معناه دون لفظه.

وتقدمت ترجمة نوح عند قوله تعالى: ﴿ إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً ﴾ في سورة آل عمران (33.

(وقوله: ﴿ من ذرّيته ﴾ حال من داوود، و ﴿ داود ﴾ مفعول (هدينا) محذوفاً.

وفائدة هذا الحال التّنويه بهؤلاء المعدودين بشرف أصلهم وبأصل فضلهم، والتّنويه بإبراهيم أو بنوح بفضائل ذرّيّته.

والضمير المضاف إليه عائد إلى نوح لا إلى إبراهيم لأنّ نوحاً أقرب مذكور، ولأنّ لوطاً من ذرّية نوح، وليس من ذرية إبراهيم حسبما جاء في كتاب التّوراة.

ويجوز أن يكون لوط عومل معاملة ذرّيّة إبراهيم لشدّة اتّصاله به.

كما يجوز أن يجعل ذكر اسمه بعد انتهاء أسماء من هم من ذرّيّة إبراهيم منصوباً على المدح بتقدير فعللٍ لا على العَطف.

وداود تقدّم شيء من ترجمته عند قوله تعالى: ﴿ وقَتل داودُ جالوتَ ﴾ في سورة البقرة (251).

ونكمّلها هنا بأنّه داود بن يِسيِّ من سبط يهوذا من بني إسرائيل.

ولد بقرية بيت لحم سنة1085 قبل المسيح، وتوفّي في أورشليم سنة 1015.

وكان في شبابه راعياً لغنم أبيه.

وله معرفة النغَم والعزف والرمي بالمقلاع.

فأوحى الله إلى (شمويل) نبيء بني إسرائيل أنْ يبارك داودَ بن يسيّ، ويمسحه بالزيت المقدّس ليكون ملكاً على بني إسرائيل، على حسب تقاليد بني إسرائيل إنباء بأنّه سيصير ملكاً على إسرائيل بعد موت (شاول) الذي غضب الله عليه.

فلمّا مسحه (شمويل) في قرية بيت لحم دُون أن يعلم أحد خطر لشاول، وكان مريضاً، أن يتّخذ من يضرب له بالعود عندما يعتاده المرض، فصادف أن اختاروا له داود فألحقه بأهل مجلسه ليسمع أنغامه.

ولما حارب جنُدُ (شاول) الكنعانيين كما تقدّم في سورة البقرة، كان النصر للإسرائيليين بسبب داود إذ رمى البطل الفلسطيني (جالوت) بمقلاعه بين عينيه فصرعه وقطع رأسه، فلذلك صاهره (شاولُ) بابنته (ميكال)، ثم أن (شاول) تغيّر على داود، فخرج داود إلى بلاد الفلسطينيين وجمع جماعة تحت قيادته، ولما قُتل (شاول) سنة1055 بايعت طائفة من الجند الإسرائيلي في فلسطين داودَ ملكاً عليهم.

وجعل مقرّ ملكه (حَبْرُون)، وبعد سبع سنين قُتل ملك إسرائيل الذي خلف شاولَ فبايعت الإسرائيليون كلّهم داود ملكاً عليهم، ورجع إلى أورشليم، وآتاه الله النّبوءة وأمره بكتابة الزبور المسمّى عند اليهود بالمزامير.

وسليمان تقدّمت ترجمته عند قوله تعالى: ﴿ واتّبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ﴾ في سورة البقرة (102.

(وأيّوب نبيء أثبت القرآنُ نبوءته.

وله قصّة مفصّلة في الكتاب المعروف بكتاب أيّوب، من جملة كتب اليهود.

ويظُنّ بعض المؤرّخين أنّ أيّوب من ذرّيّة (ناحور) أخي إبراهيم.

وبعضهم ظنّ أنّه ابن حفيد عيسو بننِ إسحاق بننِ إبراهيم، وفي كتابه أنّ أيّوب كان ساكناً بأرض عُوص (وهي أرض حَوران بالشّام، وهي منازل بني عوص بن إرَم بن سام بن نوح، وهم أصول عاد) وكانت مجاورة لحدود بلاد الكلدان، وقد ورد ذكر الكلدان في كتاب أيّوب وبعض المحقّقين يظنّ أنّه من صنف عَربي وأنّه من عُوص، كما يدلّ عليه عدم التّعرض لنسبته في كتابه، والاقتصار على أنّه كان بأرض عوص (الذين هم من العرب العاربة).

وزعموا أنّ كلامه المسطور في كتابه كان بلغة عربيّة، وأنّ موسى عليه السلام نقله إلى العبرانيّة.

وبعضهم يظنّ أنّ الكلام المنسوب إليه كان شِعراً ترجمه موسى في كتابه وأنّه أوّل شعر عرف باللّغة العربيّة الأصليّة.

وبعضهم يقول: هو أوّل شعر عرفه التّاريخ، ذلك لأنّ كلامه وكلام أصحابه الثّلاثة الّذين عَزّوه على مصائبه جَارٍ على طريقة شعريّة لا محالة.

ويوسف هو ابن يعقوب ويأتي تفصيل ترجمته في سورة يوسف.

وموسى وهارون وزكرياء تقدّمت تراجمهم في سورة البقرة.

وترجمة عيسى تقدّمت في سورة البقرة وفي سورة آل عمران.

ويحيى تقدّمت ترجمته في آل عمران.

وقوله: وكذلك نجزي المحسنين} اعتراض بين المتعاطفات، والواو للحال، أي وكذلك الوهْب الّذي وهبنا لإبراهيم والهدي الّذي هدينا ذرّيّته نجزي المحسنين مثله، أو وكذلك الهدي الّذي هدينا ذرّيّة نوح نجزي المحسنين مثل نوح، فعلم أنّ نوحاً أو إبراهيم من المحسنين بطريق الكناية، فأمّا إحسان نوح فيكون مستفاداً من هذا الاعتراض، وأمّا إحسان إبراهيم فهو مستفاد ممّا أخبر الله به عنه من دعوته قومه وبذله كلّ الوسع لإقلاعهم عن ضلالهم.

ويجوز أن تكون الإشارة هنا إلى الهدي المأخوذ من قوله: ﴿ هدينا ﴾ الأول والثّاني، أي وكذلك الهدي العظيم نجزي المحسنين، أي بمثله، فيكون المراد بالمحسنين أولئك المهديّين من ذرّيّة نوح أو من ذرّيّة إبراهيم.

فالمعنى أنّهم أحسنوا فكان جزاء إحسانهم أن جعلناهم أنبياء.

وأمّا إلياس فهو المعروف في كتب الإسرائيليّين باسم إيليا، ويسمّى في بلاد العرب باسم إلياس أو (مَار إلياس) وهو إلياس التشبي.

وذكر المفسّرون أنّه إلياس بن فنحاص بن إلعاز، أو ابن هارون أخي موسى فيكون من سبط لاوي.

كان موجوداً في زمن الملك (آخاب) ملك إسرائيل في حدود سنة ثمان عشرة وتسعمائة قبل المسيح.

وهو إسرائيلي من سكان (جِلْعاد) بكسر الجيم وسكون اللاّم صقع جبلي في شرق الأرْدُن ومنه بَعْلبك.

وكان إلياس من سبط روبين أو من سبط جَاد.

وهذان السّبطان هما سكّان صقع جِلْعاد، ويقال لإلياس في كتب اليهود التشبي، وقد أرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل لمّا عبدوا الأوثان في زمن الملك (آخاب) وعبدوا (بَعْل) صنم الكنعانيّين.

وقد وعظهم إلياس وله أخبار معهم.

أمره الله أن يجعل اليسع خليفة له في النّبوءة، ثمّ رفع الله إلياس في عاصفة إلى السّماء فلم يُر له أثر بعدُ، وخلفه اليسع في النّبوءة في زمن الملك (تهورام) بن (آخاب) ملك إسرائيل.

وقوله: ﴿ كلّ من الصّالحين ﴾ اعتراض.

والتّنوين في كلّ عوض عن المضاف إليه، أي كلّ هؤلاء المعدودين وهو يشمل جميع المذكورين إسحَاقَ ومن بعده.

وأمّا إسماعيل فقد تقدّمت ترجمته في سورة البقرة.

واليسع اسمه بالعبرانيّة إليشع بهمزة قطع مكسورة ولام بعدها تحتيّة ثمّ شين معجمة وعين وتعريبه في العربيّة اليسع بهزة وصل ولام ساكنة في أوّله بعدها تحتيّة مفتوحة في قراءة الجمهور.

وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف «اللَّيْسَع» بهمزة وصل وفتح اللاّم مشدّدة بعدها تحتيّة ساكنة بوزن ضَيْغَم، فهما لغتان فيه.

وهو ابن (شافاط) من أهل (آبل محولة).

كان فلاّحاً فاصطفاه الله للنّبوءة على يد الرّسول إلياس في مدّة (آخاب) وصحب إلياسَ.

ولمّا رفع إلياس لازم سيرة إلياس وظهرت له معجزات لبني إسرائيل في (أريحا) وغيرها.

وتوفّي في مدّة الملك (يُوءَاش) ملك إسرائيل وكانت وفاته سنة أربعين وثمانمائة840 قبل المسيح ودفن بالسّامرة.

والألف واللاّم في اليسع من أصل الكلمة، ولكن الهمزة عوملت معاملة همزة الوصل للتّخفيف فأشبه الاسم الّذي تدخل عليه اللاّم الّتي للمْححِ الأصللِ مثل العبّاس، وما هي منها.

وأمّا يونس فهو ابن متَّى، واسمه في العبرانيّة (يونان بن أمِتَّاي)، وهو من سبط (زَبولُون).

ويجوز في نونه في العربيّة الضمّ والفتح والكسر.

ولد في بلدة (غاث ايفر) من فلسطين، أرسله الله إلى أهْل (نَيْنوَى) من بلاد أشور.

وكان أهلها يومئذٍ خليطاً من الأشوريين واليهود الّذين في أسر الأشوريّين، ولمّا دعاهم إلى الإيمان فأبوا توعّدهم بعذاب فتأخّر العذاب فخرج مغاضِباً وذهب إلى (يافا) فركب سفينة للفنيقيّين لتذهب به إلى ترشيش (مدينة غربي فلسطين إلى غربي صور وهي على البحر ولعلّها من مراسي الوجه البحري من مصر أو من مراسي برقة لأنّه وصف في كتب اليهود أنّ سليمان كان يجلب إليه الذهب والفضّة والقرود والطواويس من ترشيش، فتعيّن أن تكون لترشيش تجارة مع الحبشة أو السّودان، ومنها تصدر هذه المحصولات.

وقيل هي طرطوشة من مراسي الأندلس.

وقيل (قرطاجنّة) مرسى إفريقيّة قرب تونس.

وقد قيل في تواريخنا أنّ تونس كان اسمها قبل الفتح الإسلامي ترشيش.

وهذا قريب لأنّ تجارتها مع السّودان قد تكون أقرب) فهال البحر على السّفينة وثقلت وخيف غرقها، فاقترعوا فكان يونس ممّن خاب في القرعة فرُمي في البحر والتقمه حوت عظيم فنادى في جوفه: ﴿ لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين ﴾ [الأنبياء: 87]، فاستجاب الله له، وقذفه الحوت على الشاطئ.

وأرسله الله ثانياً إلى أهل نينوى وآمنوا وكانوا يزيدون على مائة ألف.

وكانت مدّته في أوّل القرن الثامن قبل الميلاد.

ولم نقف على ضبط وفاته.

وذكر ابن العربي في «الأحكام» في سورة الصافات أنّ قبره بقرية جلجون بين القدس وبلد الخليل، وأنّه وقف عليه في رحلته.

وستأتي أخبار يونس في سورة يونس وسورة الأنبياء وسورة الصافات.

وأمّا لوط فهو ابن هَارَان بن تارح، فهو ابن أخي إبراهيم.

ولد في (أور الكلدانيين).

ومات أبوه قبل تارح، فاتّخذ تارحُ لوطاً في كفالته.

ولمّا مات تارح كان لوط مع إبراهيم ساكنيْن في أرض حاران (حوران) بعد أن خرج تارحُ أبُو إبراهيم من أور الكلدانيّين قاصدين أرض كنعان.

وهاجر إبراهيم مع لوط إلى مصر لقحط أصاب بلاد كنعان، ثمّ رجعا إلى بلاد كنعان، وافترق إبراهيم ولوط بسبب خصام وقع بين رُعاتهما، فارتحل لوط إلى (سَدُوم)، وهي من شَرق الأرْدُن إلى أن أوحي إليه بالخروج منها حين قدّر الله خسفها عقاباً لأهلها فخرج إلى (صوغر) مع ابنته ونسله هناك، وهم (المؤابيون) و(بنو عمون).

وقوله: ﴿ وكلاّ فضّلنا على العالمين ﴾ جملة معترضة، والواو اعتراضيّة، والتّنوين عوض عن المضاف إليه، أي كلّ أولئك المذكورين من إسحاق إلى هنا.

و (كلّ) يقتضي استغراق ما أضيف إليه.

وحكم الاستغراق أن يثبت الحكم لكلّ فرد فرد لا للمجموع.

والمراد تفضيل كلّ واحد منهم على العالمين من أهل عصره عدا من كان أفضلَ منه أو مساوياً له، فاللاّم في ﴿ العالمين ﴾ للاستغراق العرفي، فقد كان لوط في عصر إبراهيم وإبراهيم أفضلُ منه.

وكان من غيرهما من كانوا في عصر واحد ولا يعرف فضل أحدهم على الآخر.

وقال عبد الجبّار: يمكن أن يقال: المراد وكلّ من الأنبياء يُفضّلون على كلّ مَن سواهم من العالمين.

ثمّ الكلام بعد ذلك في أنّ أي الأنبياء أفضل من الآخر كلام في غرض آخر لا تعلّق له بالأوّل اه.

ولا يستقيم لأنّ مقتضى حكم الاستغراق الحكم على كلّ فردٍ فردٍ.

وتتعلّق بهذه الآية مسألة مهمّة من مسائِل أصول الدّين.

وهي ثبوت نبوءة الّذين جرى ذكر أسمائهم فيها، وما يترتّب على ثبوت ذلك من أحكام في الإيمان وحقّ النّبوءة.

وقد أعرض عن ذكرها المفسّرون وكان ينبغي التّعرّض لها لأنَّها تتفرّع إلى مسائل تهمّ طالب العلوم الإسلاميّة مَعرفتُها، وأحقّ مظِنّة بذكرها هو هذه الآية وما هو بمعنى بعضها.

فأمّا ثبوت نبوءة الّذين ذُكرت أسماؤهم فيها فلأنّ الله تعالى قال بعد أن عدّ أسماءهم ﴿ أولئك الّذين آتيناهم الكِتاب والحُكم والنّبوءة ﴾ .

فثبوت النّبوءة لهم أمر متقرّر لأنّ اسم إشارة ﴿ أولئك ﴾ قريب من النصّ في عوده إلى جميع المسمَّيْنَ قبله مع ما يعضّده ويكمّله من النصّ بنبوءة بعضهم في آيات تماثِل هذه الآية، مثل آية سورة النّساء (163) ﴿ إنَّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ﴾ الآيات، ومثل الآيات من سورة مريم (41) واذكر في الكتاب إبراهيم الآيات.

وللنّبوءة أحكام كثيرة تتعلّق بموصوفها وبمعاملة المسلمين لمن يتّصف بها.

منها معنى النّبيء والرّسوللِ، ومعنى المعجزة الّتي هي دليلُ تحقّق النّبوءة أو الرّسالة لمن أتى بها، وما يترتّب على ذلك من وجوب الإيمان بما يبلّغه عن الله تعالى من شرع وآداب، ومَسائلُ كثيرة من ذلك مبسوطة في علم الكلام فليرجع إليها.

إنّما الّذي يهمّنا من ذلك في هذا التّفسير هو ما أومأ به قوله تعالى في آخرها ﴿ فإنْ يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ﴾ [الأنعام: 89].

فمن علم هذه الآيات في هذه السّورة وكان عالماً بمعناها وجب عليه الإيمان بنبوءة من جَرت أسماؤهم فيها.

وقد ذكر علماؤنا أنّ الإيمان بأنّ الله أرْسَلَ رسلاً وَنَبَّأ أنبياء لإرشاد النّاس واجب على الجملة، أيْ إيماناً بإرسال أفرادٍ غير معيّنين، أو بنبوءة أفراد غير معيّنين دون تعيين شخص معيَّن باسمه ولا غير ذلك ممّا يميّزه عن غيره إلاّ محمّداً صلى الله عليه وسلم قال الشيخ أبو محمّد بن أبي زيد في «الرسالة» «الباعثثِ (صفة لله تعالى) الرسللِ إليهم لإقامة الحجّة عليهم».

فإرسال الرسل جائز في حقّ الله غير واجب، وهو واقع على الإجمال دون تعيين شخص معيّن.

وقد ذكر صاحب»المقاصد» أنّ إرسال الرّسل محتاج إليه، وهو لطف من الله بخلقه وليس واجباً عليه.

وقالت المعتزلة وجمع من المتكلمين (أي من أهل السنّة) ممّا وراء النّهر بوجوب إرسال الرّسل عليه تعالى.

ولم يذكر أحد من أيمّتنا وجوب الإيمان بنبيء معيّن غير محمدّ صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى الخلق كافّة.

قال أبو محمّد بن أبي زيد: «ثُمّ ختَم أي اللّهُ الرّسالةَ والنِّذارةَ والنّبوءةَ بمحمّد نبيئه صلى الله عليه وسلم إلخ»، لأنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الّذي رواه عمر بن الخطّاب من سؤال جبريلَ النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: " أن تُؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله " إلخ.

فلم يعيّن رسلاً مخصوصين.

وقال في جواب سؤاله عن الإسلام «الإسلام أن تشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله».

فمن علم هذه الآيات وفهم معناها وجب عليه الاعتقاد بنبوءة المذكورين فيها.

ولعلّ كثيراً لا يقرأونها وكثيراً ممّن يقرأونها لا يفهمون مدلولاتها حقّ الفهم فلا يطالبون بتطلّب فهمها واعتقاد ما دلّت عليه إذ ليس ذلك من أصول الإيمان والإسلام ولكنّه من التّفقّه في الدّين.

قال القاضي عياض في فصللٍ (سابعٍ) من فصول الباب الثّالث من القسم الرّابع من كتاب «الشّفاء» «وهذا كلّه (أي ما ذكره من إلزام الكفر أو الجُرم الموجببِ للعقوبة لمن جاء في حقّهم بما ينافي ما يجب لهم) فيمن تكلّم فيهم (أي الأنبياء أو الملائكة) بما قلناه على جملة الملائكة والنّبيئين (أي على مجموعهم لا على جميعهم قاله الخفاجي يريد بالجميع كلّ فرد فرد) مِمّن حقّقنا كونَه منهم ممّن نصّ الله عليه في كتابه أو حقّقنا عِلمه بالخبر المتواتر والإجماع القاطع والخبرِ المشتهر المتّفق عليه (الواو في هذا التّقسيم بمعنى أو).

فأمّا من لم يثبت الإخبار بتعيينه ولا وقَع الإجماع على كونه من الأنبياء كالخِضِر، ولقمانَ، وذي القرنين، ومريم، وآسية (امرأة فرعون) وخالدٍ بن سنان المذكورِ أنّه نبيء أهل الرسّ، فليس الحكم في سابّهم والكافر بهم كالحكم فيما قدّمناه» اه.

فإذا علمت هذا علمت أنّ ما وقع في أبيات ثلاثةٍ نظمها البعض، (ذكرها الشّيخ إبراهيم البيجوري في مبحث الإيمان من شرحه على «جوهرة التَّوحيد»: حَتم على كلّ ذي التكليف معرفة *** بأنبياءٍ على التفصيل قد علموا في «تلك حُجّتنا» منهم ثمانية *** من بعد عَشر ويبقَى سبعة وهمُ إدريس.

هود.

شعيب، صالح وكذا *** ذو الكِفّل، آدم، بالمختار قد ختموا لا يستقيم إلاّ بتكلّف، لأنّ كون معرفة ذلك حتماً يقتضي ظاهره الاصطلاحيّ أنّه واجب، وهذا لا قائل به فإنْ أراد بالحتم الأمرَ الّذي لا ينبغي إهماله كان مُتأكّداً لقوله: على كلّ ذي التّكليف.

فلو عوّضه بكلّ ذي التّعليم.

ولعلّه أراد بالحتم أنّه يتحتّم على من علم ذلك عدمُ إنكار كوننِ هؤلاء أنبياءَ بالتّعيين، ولكن شاء بين وجوب معرفة شيء وبين منع إنكاره بعد أن يُعرف.

فأمّا رسالة هود وصالح وشعيب فقد تكرّر ذكرها في آيات كثيرة.

وأمّا معرفة نبوءة ذي الكفل ففيها نظر إذ لم يصرّح في سورة الأنبياء بأكثر من كونه من الصّابرين والصّالحين.

واختلف المفسّرون في عدّه من الأنبياء، ونسب إلى الجمهور القول بأنّه نبيء.

وعن أبي موسى الأشعري ومجاهد: أنّ ذا الكفل لم يكن نبيئاً.

وسيأتي ذكر ذلك في سورة الأنبياء.

وأمّا آدم فإنّه نبيء منذ كونه في الجنّة فقد كلّمه الله غيرَ مرّة.

وقال ﴿ ثمّ اجتباه ربّه فتاب عليه وهدى ﴾ [طه: 122] فهو قد أهبط إلى الأرض مشرّفاً بصفة النّبوءة.

وقصّة ابني آدم في سورة المائدة دالّة على أنّ آدم بلّغ لأبنائه شَرعاً لقوله تعالى فيها ﴿ إذ قرّبا قرباناً فتُقبّل من أحدهما ولم يُتقبّل من الآخر قال لأقتلنّك قال إنّما يتقبّل الله من المتّقين لئن بسطتّ إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنّي أخاف الله ربّ العالمين إنّي أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النّار وذلك جزاء الظّالمين ﴾ (المائدة: 27 29.

(فالّذي نعتمده أنّ الّذي ينكر نبوءة معيَّن ممّن سمّي في القرآن في عداد الأنبياء في سورة النّساء وسورة هود وسورة الأنعام وسورة مريم، وكان المنكر محقّقاً علمُه بالآية الّتي وصف فيها بأنّه نبيء ووقف على دليل صحّة ما أنكره وروجع فصمّم على إنكاره، إنّ ذلك الإنكار يكون كفراً لأنّه أنكر معلوماً بالضّرورة بعد التّنبيه عليه لئلاّ يعتذر بجهللٍ أو تأويللٍ مقبول.

واعلَمْ أنّي تطلّبت كشف القناع عن وجه الاقتصار على تسمية هؤلاء الأنبياء من بين سائر الأنبياء من ذرّيّة إبراهيم أو ذرّيّة نوح، (على الوجهين في معاد ضمير ﴿ ذرّيّته ﴾ ).

فلم يتّضح لي وتطلّبت وجه ترتيب أسمائهم هذا التّرتيبَ، وموالاة بعض هذه الأسماء لبعض في العطف فلم يَبْدُ لي، وغالب ظنّي أنّ من هذه الوجوه كون هؤلاء معروفون لأهل الكتاب وللمشركين الّذين يقتبسون معرفة الأنبياء من أهل الكتاب، وأنّ المناسبة في ترتيبهم لا تخلو من أن تكون ناشئة عن الابتداء بذكر أنّ إسحاق ويعقوب موهبة لإبراهيم وهما أب وابنه، فنشأ الانتقال من واحد إلى آخر بمناسبة للانتقال، وأنّ توزيع أسمائهم على فواصل ثلاث لا يخلو عن مناسبة تجمع بين أصحاب تلك الأسماء في الفاصلة الشّاملة لأسمائهم.

ويجوز أنّ خفّة أسماء هؤلاء في تعريبها إلى العربيّة حُروفاً ووزناً لها أثر في إيثارها بالذّكر دون غيرها من الأسماء نحو (شَمعون وشمويل وحزقيال ونحميا)، وأنّ المعدودين في هذه الآيات الثّلاث توزّعوا الفضائل إذ منهم الرّسل والأنبياء والملوك وأهل الأخلاق الجليلة العزيزة من الصّبر وجهاد النّفس والجهاد في سبيل الله والمصابرة لتبليغ التّوحيد والشّريعة ومكارم الأخلاق، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى في آخر الآيات ﴿ أولئك الّذين آتيناهم الكتاب والحكم والنّبوءة ﴾ [الأعراف: 89] ومن بينهم أصلاً الأمّتين العربيّة والإسرائيليّة.

فلمّا ذكر إسحاق ويعقوب أردف ذكرُهما بذكر نبيئيْن من ذرّيّة إسحاق ويعقوب، وهما أب وابنه من الأنبياء هما داوود وسليمان مبتدءاً بهما على بقيّة ذرّيّة إسحاق ويعقوب، لأنّهما نالا مَجْدَين عظيمين مجدِ الآخرة بِالنّبوءة ومجد الدنيا بالملك.

ثمّ أردف بذكر نبيئين تماثلاً في أنّ الضرّ أصاب كليهما وأنّ انفراج الكرب عنهما بصبرهما.

وهما أيّوب ويوسف.

ثمّ بذكر رسولين أخوين هما موسى وهارون، وقد أصاب موسى مثلُ ما أصاب يوسفَ من الكيد له لقتله ومن نجاته من ذلك وكفالته في بيت المُلك، فهؤلاء الستّة شملتهم الفاصلة الأولى المنتهية بقوله تعالى: ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ .

ثمّ بذكر نبيئين أب وابنه وهما زكرياء ويحيى.

فناسبَ أن يذكر بعدهما رسولان لا ذرّيّة لهما، وهما عيسى وإلياس، وهما متماثلان في أنّهما رفعا إلى السّماء.

فأمّا عيسى فرفْعه مذكور في القرآن، وأمّا إلياس فرفعه مذكور في كتب الإسرائليين ولم يذكره المفسّرون من السلف.

وقد قيل: إنّ إلياس هو إدريس وعليه فرفعه مذكور في قوله تعالى: ﴿ واذكر في الكتاب إدريس إنّه كان صديقاً نبيئاً ورفعناه مكاناً علياً ﴾ في سورة مريم (56، 57).

وابتدئ بعيسى عطفاً على يحيى لأنّهما قريبان ابنا خالة، ولأنّ عيسى رسول وإلياس نبيء غير رسول.

وهؤلاء الأربعة تضمّنتهم الفاصلة الثّانية المنتهية بقوله تعالى: كلّ من الصّالحين } .

وعُطف اليسع لأنّه خليفة إلياس وتلميذه، وأدمج بينه وبين إلياس إسماعيل تنهية بذكر النّبيء الّذي إليه ينتهي نسب العرب من ذرّيّة إبراهيم.

وخُتوا بيونس ولوط لأنّ كلاً منهما أرسل إلى أمّة صغيرة.

وهؤلاء الأربعة تضمّنتهم الفاصلة الثّالثة المنتهية بقوله: ﴿ وكلاً فضّلنا على العالمين ﴾ .

وقوله: ﴿ ومن آبائهم ﴾ عطف على قوله: ﴿ كُلاً ﴾ .

فالتَّقدير: وهدينا من آبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم.

وجعل صاحب «الكشاف» (مِن) اسما بمعنى بعض، أي وهدينا بعض آبائهم على طريقته في قوله تعالى: ﴿ من الَّذين هادوا يحرّفون ﴾ [النساء: 46].

وقدّر ابنُ عطيّة ومن تبعه المعطوف محذوفاً تقديره: ومن آبائهم جمعاً كثيراً أو مهديين كثيرين، فتكون (مِن) تبعيضية متعلّقة ب ﴿ هدينا ﴾ .

والذرّيَّات جمع ذرّيَّة، وهي مَن تناسل من الآدمي من أبناء أدْنَيْن وأبنائهم فيشمل أولاد البنين وأولاد البنات.

ووجه جمعه إرادة أنّ الهدى تعلّق بذرّيّة كلّ من له ذرّيّة من المذكورين للتنبيه على أنّ في هدي بعض الذرّية كرامة للجدّ، فكلّ واحد من هؤلاء مراد وقوعُ الهدي في ذرّيَّته.

وإنْ كانت ذرّياتهم راجعين إلى جدّ واحد وهو نوح عليه السّلام.

ثمّ إن كان المراد بالهدى المقدّر الهُدَى المماثل للهُدى المصرّح به، وهو هُدى النّبوءة، فالآباء يشمل مثل آدم وإدريس عليهم السلام فإنّهم آباء نوح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَإنْ تَكْفُرْ بِها قُرَيْشٌ فَقَدْ وكَّلْنا بِها الأنْصارَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: فَإنْ يَكْفُرْ بِها أهْلُ مَكَّةَ فَقَدْ وكَّلْنا بِها أهْلَ المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: فَإنْ تَكْفُرْ بِها قُرَيْشٌ فَقَدْ وكَّلْنا بِها المَلائِكَةَ، قالَهُ أبُو رَجاءٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهم كُلُّ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَقَدْ وكَّلْنا بِها ﴾ أيْ أقَمْنا بِحِفْظِها ونُصْرَتِها، يَعْنِي: كُتُبَ اللَّهِ وشَرِيعَةَ دِينِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي حرب بن أبي الأسود قال: أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم تجده في كتاب الله، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده.

قال ألست تقرأ سورة الأنعام ﴿ ومن ذريته داود وسليمان ﴾ حتى بلغ ﴿ ويحيى وعيسى ﴾ قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟

قال: صدقت.

وأخرج أبو الشيخ والحاكم والبيهقي عن عبد الملك بن عمير قال: دخل يحيى بن يعمر على الحجاج، فذكر الحسين فقال الحجاج: لم يكن من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم: فقال يحيى: كذبت.

فقال لتأتيني على ما قلت ببينة.

فتلا ﴿ ومن ذريته داود وسليمان ﴾ إلى قوله: ﴿ وعيسى وإلياس ﴾ فأخبر تعالى أن عيسى من ذرية إبراهيم بأمه.

قال صدقت.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: الخال والد، والعم، والد، نسب الله عيسى إلى أخواله قال: ﴿ ومن ذريته ﴾ حتى بلغ إلى قوله: ﴿ وزكريا ويحيى وعيسى ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحاً هدينا من قبل ﴾ ثم قال في إبراهيم ﴿ ومن ذريته داود وسليمان ﴾ إلى قوله: ﴿ وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلا فضلنا على العالمين ﴾ ثم قال في الأنبياء الذين سماهم الله في هذه الآية ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ واجتبيناهم ﴾ قال أخلصناهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ قال: يريد هؤلاء الذين قال: هديناهم وفضلناهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ ﴾ الضمير لإبراهيم أو لنوح عليهما السلام، والأول هو الصحيح لذكر لوط وليس من ذرية إبراهيم ﴿ دَاوُودَ ﴾ عطف على نوحاً أي وهدينا داود ﴿ وعيسى ﴾ فيه دليل على أن أولاد البنات يقال فيهم ذرية، لأن عيسى ليس له أب فهو ابن ابنة نوح.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ واليسع ﴾ بتشديد اللام: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالتخفيف، ﴿ اقتده ﴾ بإشباع الهاء: ابن عامر الحلواني عن هشام مختلسة، وبحذف الهاء في الوصل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بسكون هاء السكت على الأصل.

الوقوف: ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ كلاً هدينا ﴾ ج لأن ﴿ ونوحاً ﴾ مفعول ما بعده، ولو وصل التبس بأنه مفعول ما قبله مع اتفاق الجملتين ﴿ وهارون ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ وإلياس ﴾ ط ﴿ من الصالحين ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولوطا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للعطف.

﴿ وإخوانهم ﴾ ج لبيان أن قوله ﴿ واجتبيناهم ﴾ يعود إلى قوله ﴿ كلاً هدينا ﴾ كقوله ﴿ وممن هدينا واجتبينا  ﴾ ولاحتمال الواو الحال أي وقد اجتبيناهم وذكر هديناهم بعده ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ والنبوّة ﴾ ج ﴿ بكافرين ﴾ ه ﴿ اقتده ﴾ ط ﴿ أجراً ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: لما حكى حجج إبراهيم صلوات الرحمن عليه في التوحد والذب عن الدين الحنيفي عدّد وجوه نعمه وإحسانه عليه بعد نعمة إيتاء الحجة ورفع الدرجة فقال ﴿ ووهبنا له ﴾ باللفظ الدال على العظمة كما يقوله عظماء الملوك ليدل بذلك على عظم العطية، وذلك أنه جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله وعقبه.

قيل: وإنما لم يذكر إسماعيل مع إسحق وإن كان هو أيضاً ابنه لصلبه، لأن المقصود بالذكر ههنا أنبياء بني إسرائيل وهم بأسرهم أولاد إسحق ويعقوب، وأما إسماعيل فإنه ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد  ، ولا يجوز ذكر محمد  في هذا المقام لأنه أمر محمداً أن يحتج على العرب بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد شرفه الله بالنعم الجسام في الدين والدنيا، ومن جملة ذلك أن آتاه أولاداً كانوا ملوكاً وأنبياء، فإذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض، فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحق.

أما قوله ﴿ ونوحاً هدينا من قبل ﴾ فالمقصود منه بيان كرامة إبراهيم بحسب الآباء أيضاً مثل نوح وإدريس وشيث، وأما الضمير في قوله ﴿ ومن ذريته ﴾ فقد قيل: إنه يعود إلى "نوح" لأنه أقرب ولأنه  ذكر في جملتهم لوطاً وهو كان ابن أخي إبراهيم وما كان من ذريته، بل كان من ذرية نوح، ولأن ولد الإنسان لا يقال إنه ذريته فعلى هذا إسماعيل ما كان من ذرية إبراهيم وكان من ذرية نوح، ولأن يونس  لم يكن من ذرية إبراهيم على قول بعضهم.

وقيل: الضمير عائد إلى إبراهيم لأنه هو المقصود بالذكر هو هذا المقام.

واعلم أن الله  ذكر أربعة من الأنبياء وهم: نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب.

ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر نبياً: داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً.

فالمجموع ثمانية عشر.

وأنه لم يراع الترتيب بينهم في الآية لا بحسب الفضل والشرف ولا بحسب الزمان والمدة، فاستدل العلماء بذلك على أن الواو لا تفيد الترتيب.

وقال في التفسير الكبير: إن وجه الترتيب أنه  خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الكرامة.

فمن المراتب المعتبرة عند الجمهور الملك والسلطنة وقد أعطى داود وسليمان من ذلك نصيباً عظيماً، والمرتبة الثانية البلاء والمحنة وقد خص أيوب بذلك، والثالثة استجماع الحالتين وذلك في حق يوسف فإنه ابتلي أوّلاً ثم أوتي الملك ثانياً.

الرابعة قوّة المعجزات وكثرة البراهين والبينات وذلك حال موسى وهارون الخامسة الزهد الكامل كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ولهذا وصفهم بأنهم من الصالحين.

السادسة الأنبياء الذين ليس لهم في الخلق أتباع ولا أشياع وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط.

وأما المراد بقوله ﴿ كلاً هدينا ونوحاً هدينا ﴾ قيل: المراد الهداية إلى طريق الجنة بدليل قوله ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ فإن جزاء المحسن على إحسانه لا يكون إلا الثواب.

وقيل: لا يبعد أن يقال: المراد الهداية إلى الدين والمعرفة لأنهم اجتهدوا في طلب الحق فجازاهم الله بالوصال والوصول كما قال ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا  ﴾ وقيل: إنها الإرشاد إلى النبوّة والرسالة لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك، وهذا إنما يصح عند من جوز أن تكون الرسالة جزاء على عمل.

واستدل بعضهم بقوله ﴿ وكلاً فضلنا على العالمين ﴾ على أن الأنبياء أفضل من الملائكة، وذلك أن العالم اسم لكل موجود سوى الله  فيدخل فيه الملائكة وكذا الأولياء.

وقيل: فضلناهم على عالمي زمانهم فلا يتم الاستدلال.

قال القاضي: ويمكن أن يقال: المراد وكل من الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين.

ثم الكلام في أن أي الأنبياء أفضل من بعض كلام آخر لا تعلق له بالأول.

ثم قال ﴿ ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ﴾ معطوف على ﴿ كلاً ﴾ أي فضلنا بعض آبائهم.

فالآباء هم الأصول، والذريات هم الفروع، والإخوان فروعالأصول.

وفيه دليل على أنه  خص كل من تعلق بهؤلاء بنوع من الشرف والكرامة.

ثم إن قلنا المراد من الهداية الهداية إلى الثواب والجنة فقوله ﴿ من آبائهم ﴾ وكلمة "من" للتبعيض يدل على أنه قد كان في آباء هؤلاء الأنبياء من كان غير مؤمن ولا واصل إلى الجنة، وإن فسرنا الهداية بالنبوة لم يفد ذلك إلا أنه يفيد أن لا تكون المرأة رسولاً ولا نبياً ﴿ واجتبيناهم ﴾ أي اصطفيناهم من جبيت الماء في الحوض وجبوته في جمعته، ﴿ ذلك هدى الله ﴾ إشارة إلى معرفة التوحيد والتنزيه بدليل قوله ﴿ ولو أشركوا لحبط ﴾ وفيه دليل على أن الهداية من الله  وليس للعبد فيها اختيار.

وفيه تهديد عظيم كقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ والغرض من ذلك زجر الأمة.

﴿ أولئك ﴾ يعني الأنبياء الثمانية عشر.

﴿ الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ﴾ ولا بد بحكم العطف من تغاير الأمور الثلاثة.

ووجه بأن الحكام على الخلق ثلاث طوائف: الحكام على بواطن الناس وهم العلماء، والحكام على ظواهر الخلق وهم السلاطين، والجامعون بين الأمرين وهم الأنبياء.

فالأمور الثلاثة إشارة إلى هذه الأصناف الثلاثة.

ومعنى إيتاء الكتاب الفهم التام بما في هذا الجنس والعلم المحيط بحقائقه وأسراره.

ولو قيل: المراد بالإيتاء الإبتداء بالوحي والتنزيل كصحف إبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى لم يشمل كل المذكورين لأنه تعالى ما أنزل على كل واحد منهم كتاباً على التعيين.

﴿ فإن يكفر بها ﴾ أي بالأمور الثلاثة أو بالنبوة ﴿ هؤلاء ﴾ يعني أهل مكة ﴿ فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ﴾ أي ليسوا كافرين بها ومن توكيلهم بها أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه.

ومن القوم؟

قيل: كل مؤمن وقيل: أهل المدينة وهم الأنصار.

وقيل: هم المهاجرون.

وقال الحسن: هم الأنبياء الذين تقدم ذكرهم واختاره الزجاج لقوله عقيب ذلك ﴿ أولئك الذين هدى الله ﴾ وقال أبو رجاء: يعني الملائكة وضعف بأن اسم القوم قلما يقع على غير بني آدم.

وفي الآية دلالة على أنه  سينصر نبيه ويظاهر دين الإسلام على كل الأديان وقد وقع ما وعد وكان إخباراً بالغيب فصح إعجاز القرآن.

وفيها استدلال للأشاعرة على أنه  خلق قوماً للإيمان ولو كان خلق الكل للإيمان والبيان والتمكين وفعل الألطاف مشتركاً بين الكل لم يصح هذا التخصيص.

أجاب الكعبي بأنه زاد المؤمنين من الألطاف ما لا يحصيه إلا الله، وبتقدير أن يستوي فإذا لم ينتفع به الكافر صح بحسب الظاهر أن يقال إنه لم يحصل له تلك الألطاف.

ورد بأن الألطاف الداعية إلى الإيمان مشترك فيها بين الكافر والمؤمن، وبأن الوالد لما سوّى بين الولدين في العطية ثم إن أحدهما ضيع نصيبه فأي عاقل يجوّز أن يقول أحد إن الأب ما أنعم عليه وما أعطاه شيئاً ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ من حذف الهاء في الوصل فعلى الأصل، ومن أثبتها في الوصل كما في الوقف أراد موافقة المصحف فإن الهاء ثابتة في الخط فكره مخالفة الخط في الحالين.

وأما قراءة ابن عامر بكسر الهاء بغير إشباع فقال أبو بكر بن مجاهد: إنها غلط.

وقال أبو علي الفارسي: ليست بغلط ووجهها أن يجعل الهاء كناية عن المصدر الدال عليه الفعل.

والتقدير: فبهداهم اقتد الاقتداء.

وتقديم المفعول للاختصاص أي لا تقتد إلا بهم.

ولا خلاف في أنه أمر لمحمد  بالاقتداء بالأنبياء المذكورين.

إنما الكلام في تفسير الهدى.

فمن الناس من قال: المراد الذي أجمعوا عليه وهو القول بالتوحيد والتنزيه عن كل ما لا يليق به في الذات والصفات والأفعال.

وقال آخرون: المراد به الاقتداء بهم في شرائعهم إلا ما خصه الدليل، وعلى هذا فيلزمنا شرع من قبلنا، وقيل: اللفظ مطلق فيحمل على الكل إلا ما خصه الدليل المفصل.

وقال القاضي: هذا بعيد لأن شرائعهم مختلفة متناقضة ولا يمكن الإتيان بالأمور المتناقضة معاً، ولأن الهدى عبارة عن الدليل دون نفس العمل، ودليل إثبات شرعهم كان مخصوصاً بتلك الأوقات، ولأن منصبهم يلزم أن يكون أجل من منصبه وأنه باطل بالإجماع، وأجيب بأن العام يجب تخصيصه في الصورة المتناقضة فيبقى فيما عداها حجة، وبأن المستدل بالدليل فصل في ذلك الحكم فلا معنى للاقتداء بالدليل إلا إذا كان فعل الأول سبباً لوجوب الفعل على الثاني، وبأنه يلزم أن يكون منصبه أجل من منصبهم لأنه أمر باستجماع خصال الكمال وصفات الشرف التي كانت متفرقة فيها كالشكر في داود وسليمان، والصبر في أيوب، والزهد في زكريا ويحيى وعيسى، والصدق في إسماعيل، والتضرع في يونس، والمعجزات الباهرة في موسى وهارون، ولهذا قال "لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي" ولما أمره بالاقتداء بالأنبياء وكان من جملة هداهم أن لا يطلبوا الأجر أي المال والجعل في ايصال الدين وإبلاغ الشريعة قيل له: ﴿ قل لا أسألكم ﴾ أيها الأمة ﴿ عليه ﴾ على البلاغ ﴿ أجراً إن هو ﴾ يعني القرآن ﴿ إلا ذكرى للعالمين ﴾ يريد كونه مشتملاً على كل ما يحتاجون إليه في المعاش والمعاد.

وفيه دليل على أنه  كان مبعوثاً إلى الناس كافة لا إلى قوم دون قوم.

التأويل: ومما رفعنا به درجات إبراهيم أنا وهبنا له إسحق ويعقوب.

ولعله أفرد ذكر إسماعيل لمكان محمد  وآله كيلا يقع ذكره تبعاً لموهبة إبراهيم، فإن الكائنات تبيع لوجود محمد  وآله، ومن آبائهم إلى آدم ومن ذرياتهم إلى محمد ﴿ واجتبيناهم ﴾ في الأزل لهذا الشأن ﴿ وهديناهم ﴾ إلى الأبد ﴿ ولو أشركوا ﴾ بأن لاحظوا غيرنا فأثبتوا شيئاً من دوننا ونسبوا شيئاً من الحوادث إلى غير قدرتنا، أو لم يبدلوا أنانيتهم في هويتنا ﴿ لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ لتلاشي عرفانهم وتلف ما سلف من إحسانهم ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ لأنهم سلكوا حتى انتهى مسير كل منهم إلى ما قدر له: آدم في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، وجميع الملائكة المقربين إلى سدرة المنتهى، وأنت محمد إلى مقام قاب قوسين أو أدنى ﴿ قل لا أسألكم ﴾ أيها الأنبياء على الاقتداء ﴿ أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين ﴾ ليعلموا أن الطريق إلى الله لا يسلك إلا بالاقتداء، أو ﴿ لا أسألكم ﴾ أيها الأمة على دعوتكم إلى الحق ﴿ أجراً أن هو إلا ذكرى للعالمين ﴾ من الله وبه وإليه وهو المستعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ .

يحتمل ما ذكرنا من رفع الدرجات ما ذكر من [هبة] هؤلاء.

وفيه دليل أن ما يكون له من الفضل في هبة أولاده يكون ذلك في أولاد أولاده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ﴾ : الهداية هدايتان: [هداية] إصابة الحق، وهداية العلم بالحق، وهي هداية البيان، فهذه الهداية مما يشترك فيها المسلم والكافر جميعاً.

وأما هداية إصابة الحق: فهي خاصة للرسل والأنبياء والمسلمين جميعاً.

والهداية - هاهنا - هي إصابة الحق لا العلم بالحق؛ لأنهم اشتركوا جميعاً في العلم بالحق: الكافر والمسلم.

﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ ﴾ .

قيل: ذرية إبراهيم.

وقيل: ذرية نوح كانوا جميعاً من ذرية نوح وإبراهيم ومن ذكر من الرسل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

[أي: كذلك نجزي المحسنين] بالذكر والشرف والثناء الحسن إلى يوم القيامة؛ كما جزى هؤلاء الرسل بالذكر والشرف والثناء الحسن في ملأ الناس.

ويحتمل أن يذكروا في ملأ الملائكة؛ كما ذكروا في ملأ الخلق في الأرض.

ويحتمل: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ في الآخرة بالثواب ورفع الدرجات والجزاء الجزيل، ثم ذكر في فريق: أنه ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، وذكر في فريق آخر: ﴿ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ ، وذكر في فريق: ﴿ وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، وهذا - والله أعلم - ليس على تخصيص كل فريق بما ذكر من الذكر، ولكن على الجمع أنهم محسنون صالحون مفضلون على العالمين.

ثم يحتمل التفضيل لهم بالنبوة: أنهم فضلوا على العالمين بالنبوة.

ويحتمل: أنهم كانوا مفضلين على العالمين بالإحسان والصلاح، لو لم يكن لهم رسالة ولا نبوة.

ثم يحتمل أنه سماهم محسنين باختيارهم الحال التي كانوا أهلا للرسالة والنبوة، فإن كان هذا فهم الرسل خاصة.

ويحتمل: محسنين باختيارهم الهداية وإصابة الحق، فإن كان هذا فهو مما يشترك الأنبياء وأهل الإسلام فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ﴾ : أما آباؤهم: من تقدمهم، وذرياتهم: من تأخرهم، وإخوانهم: الذين يقارنونهم.

وقيل: ذرياتهم محمد  .

وقيل: المؤمنين من بعدهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ ﴾ .

يحتمل: اجتباهم بالنبوة والرسالة.

﴿ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ : فذلك لهم خاصة.

ويحتمل: اجتبيناهم بالتوحيد ودين الإسلام، فذلك يعم الأنبياء والمؤمنين جميعاً؛ لأنه اجتباهم بذلك جميعاً.

ويحتمل: اجتباهم بما ذكر من رفع الدرجات والفضائل، ويكون صلة قوله: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ  ﴾ ، وذلك - أيضاً - يعم الرسل والمؤمنين، والله أعلم بذلك.

وفي قوله: ﴿ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ...

﴾ الآية: دلالة أن من آبائهم وذرياتهم من لم يجتبهم بقوله: ﴿ وَمِنْ ﴾ ؛ إذ "من" هو حرف للتبعيض.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ووفقنا كذلك كلا من زكريا ويحيى وعيسى بن مريم وإلياس -عليهم السلام-، وكل هؤلاء الأنبياء من الصالحين اختارهم الله رسلًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.3GEvm"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد