الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٩٠ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 84 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٠ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - : ( أولئك ) يعني : الأنبياء المذكورين مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان وهم الأشباه ( الذين هدى الله ) أي : هم أهل الهداية لا غيرهم ( فبهداهم اقتده ) أي : اقتد واتبع .
وإذا كان هذا أمرا للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فأمته تبع له فيما يشرعه [ لهم ] ويأمرهم به .
قال البخاري عند هذه الآية : حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام ، أن ابن جريج أخبرهم قال : أخبرني سليمان الأحول أن مجاهدا أخبره ، أنه سأل ابن عباس : أفي ( ص ) سجدة؟
فقال : نعم ، ثم تلا ( ووهبنا له إسحاق ) إلى قوله : ( فبهداهم اقتده ) ثم قال : هو منهم - زاد يزيد بن هارون ومحمد بن عبيد وسهل بن يوسف ، عن العوام ، عن مجاهد قال : قلت لابن عباس ، فقال : نبيكم - صلى الله عليه وسلم - ممن أمر أن يقتدي بهم وقوله : ( قل لا أسألكم عليه أجرا ) أي : لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا القرآن ) أجرا ) أي : أجرة ، ولا أريد منكم شيئا ( إن هو إلا ذكرى للعالمين ) أي : يتذكرون به فيرشدوا من العمى إلى الهدى ، ومن الغي إلى الرشاد ، ومن الكفر إلى الإيمان .
القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " أولئك "، هؤلاء القوم الذين وكلنا بآياتنا وليسوا بها بكافرين, هم الذين هداهم الله لدينه الحق, وحفظ ما وكلوا بحفظه من آيات كتابه، والقيام بحدوده، واتباع حلاله وحرامه، والعمل بما فيه من أمر الله، والانتهاء عما فيه من نهيه, فوفقهم جل ثناؤه لذلك =" فبهداهم اقتده "، يقول تعالى ذكره: فبالعمل الذي عملوا، والمنهاج الذي سلكوا، وبالهدى الذي هديناهم، والتوفيق الذي وفقناهم =" اقتده "، يا محمد، أي: فاعمل، وخذ به واسلكه, فإنه عمل لله فيه رضًا، ومنهاجٌ من سلكه اهتدى.
* * * وهذا التأويل على مذهب من تأوّل قوله: فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ، أنهم الأنبياء المسمون في الآيات المتقدمة.
وهو القول الذي اخترناه في تأويل ذلك.
* * * وأما على تأويل من تأول ذلك: أن القوم الذين وكّلوا بها هم أهل المدينة = أو: أنهم هم الملائكة = فإنهم جعلوا قوله: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ، اعتراضًا بين الكلامين, ثم ردّوا قوله: " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده "، على قوله: " أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوّة ".
* ذكر من قال ذلك: 13531 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ إلى قوله: " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده "، يا محمد .
13532- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أولئك الذين هدى الله "، يا محمد," فبهداهم اقتده "، ولا تقتد بهؤلاء.
13533 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " .
13534 - حدثنا علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: ثم قال في الأنبياء الذين سماهم في هذه الآية: " فبهداهم اقتده ".
* * * ومعنى: " الاقتداء " في كلام العرب، بالرجل: اتباع أثره، والأخذ بهديه.
يقال: " فلان يقدو فلانًا "، إذا نحا نحوه، واتبع أثره," قِدَة، وقُدوة وقِدوة وقِدْيَة ".
(64) * * * القول في تأويل قوله : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل " لهؤلاء الذين أمرتك أن تذكّرهم بآياتي، أن تبسَل نفس بما كسبت، من مشركي قومك يا محمد: " لا أسألكم "، على تذكيري إياكم، والهدى الذي أدعوكم إليه، والقرآن الذي جئتكم به, عوضًا أعتاضه منكم عليه، وأجرًا آخذه منكم, (65) وما ذلك مني إلا تذكير لكم، ولكل من كان مثلكم ممن هو مقيم على باطل، بَأسَ الله أن يَحُلّ بكم، وسَخَطه أن ينـزل بكم على شرككم به وكفركم = وإنذارٌ لجميعكم بين يدي عذاب شديد, لتذكروا وتنـزجروا.
(66) * * * ------------------ الهوامش : (64) في المطبوعة: "كتب مكان"وقدية""وقدوة" ، وهو خطأ صرف ، خالف ما في المخطوطة وهو الصواب.
(65) انظر تفسير"الأجر فيما سلف من فهارس اللغة (أجر).
(66) انظر تفسير"ذكرى" فيما سلف ص: 439.
قوله تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدهفيه مسألتان :الأولى قوله تعالى : فبهداهم اقتده الاقتداء طلب موافقة الغير في فعله .
فقيل : المعنى اصبر كما صبروا .
وقيل : معنى فبهداهم اقتده التوحيد ، والشرائع مختلفة .
وقد احتج بعض العلماء بهذه الآية على وجوب اتباع شرائع الأنبياء فيما عدم فيه النص ; كما في صحيح مسلم وغيره : أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانا فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ; فقال [ ص: 33 ] رسول الله صلى الله وعليه وسلم : القصاص القصاص .
فقالت أم الربيع : يا رسول الله أيقتص من فلانة ؟
والله لا يقتص منها .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله يا أم الربيع القصاص كتاب الله .
قالت : والله لا يقتص منها أبدا .
قال : فما زالت حتى قبلوا الدية .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره .
فأحال رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوله : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس الآية .
وليس في كتاب الله تعالى نص على القصاص في السن إلا في هذه الآية ; وهي خبر عن شرع التوراة ومع ذلك فحكم بها وأحال عليها .
وإلى هذا ذهب معظم أصحاب مالك وأصحاب الشافعي ، وأنه يجب العمل بما وجد منها .
قال ابن بكير : وهو الذي تقتضيه أصول مالك وخالف في ذلك كثير من أصحاب مالك وأصحاب الشافعي والمعتزلة ; لقوله تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا .
وهذا لا حجة فيه ; لأنه يحتمل التقييد إلا فيما قص عليكم من الأخبار عنهم مما لم يأت في كتابكم .
وفي صحيح البخاري عن العوام قال : سألت مجاهدا عن سجدة " ص " فقال : سألت ابن عباس عن سجدة " ص " فقال : أوتقرأ ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ؟
وكان داود عليه السلام ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به .الثانية : قرأ حمزة والكسائي " اقتد قل " بغير هاء في الوصل .
وقرأ ابن عامر " اقتدهي قل " .
قال النحاس : وهذا لحن ; لأن الهاء لبيان الحركة في الوقف وليست بهاء إضمار ولا بعدها واو ولا ياء ، وكذلك أيضا لا يجوز " فبهداهم اقتد قل " .
ومن اجتنب اللحن واتبع السواد قرأ " فبهداهم اقتده " فوقف ولم يصل ; لأنه إن وصل بالهاء لحن وإن حذفها خالف السواد .
وقرأ الجمهور بالهاء في الوصل على نية الوقف وعلى نية الإدراج اتباعا لثباتها في الخط .
وقرأ ابن عياش وهشام " اقتده قل " بكسر الهاء ، وهو غلط لا يجوز في العربية .[ ص: 34 ] قوله تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا أي جعلا على القرآن .إن هو أي القرآن .إلا ذكرى للعالمين أي هو موعظة للخلق .
وأضاف الهداية إليهم فقال : " فبهداهم اقتده " لوقوع الهداية بهم .
وقال : ذلك هدى الله لأنه الخالق للهداية .
{ أُولَئِكَ } المذكورون { الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ } أي: امش -أيها الرسول الكريم- خلف هؤلاء الأنبياء الأخيار، واتبع ملتهم وقد امتثل صلى الله عليه وسلم، فاهتدى بهدي الرسل قبله، وجمع كل كمال فيهم.
فاجتمعت لديه فضائل وخصائص، فاق بها جميع العالمين، وكان سيد المرسلين، وإمام المتقين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وبهذا الملحظ، استدل بهذه من استدل من الصحابة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفضل الرسل كلهم.
{ قُلْ } للذين أعرضوا عن دعوتك: { لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا } أي: لا أطلب منكم مغرما ومالا، جزاء عن إبلاغي إياكم، ودعوتي لكم فيكون من أسباب امتناعكم، إن أجري إلا على الله.
{ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ } يتذكرون به ما ينفعهم، فيفعلونه، وما يضرهم، فيذرونه، ويتذكرون به معرفة ربهم بأسمائه وأوصافه.
ويتذكرون به الأخلاق الحميدة، والطرق الموصلة إليها، والأخلاق الرذيلة، والطرق المفضية إليها، فإذا كان ذكرى للعالمين، كان أعظم نعمة أنعم الله بها عليهم، فعليهم قبولها والشكر عليها.
( أولئك الذين هدى الله ) أي : هداهم الله ، ( فبهداهم ) فبسنتهم وسيرتهم ، ( اقتده ) الهاء فيها هاء الوقف ، وحذف حمزة والكسائي الهاء في الوصل ، والباقون بإثباتها وصلا ووقفا ، وقرأ ابن عامر : " اقتده " بإشباع الهاء كسرا ( قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو ) ما هو ، ( إلا ذكرى ) أي : تذكرة وعظة ، ( للعالمين )
«أولئك الذين هدى» هم «الله فبهداهم» طريقهم من التوحيد والصبر «اقتده» بهاء السكت وقفا ووصلا وفي قراءة بحذفها وصلا «قل» لأهل مكة «لا أسألكم عليه» أي القرآن «أجرا» تعطونيه «إن هو» ما القرآن «إلا ذكرى» عظة «للعالمين» الإنس والجن.
أولئك الأنبياء المذكورون هم الذين وفقهم الله تعالى لدينه الحق، فاتبع هداهم -أيها الرسول- واسلك سبيلهم.
قل للمشركين: لا أطلب منكم على تبليغ الإسلام عوضًا من الدنيا، إنْ أجري إلا على الله، وما الإسلام إلا دعوة جميع الناس إلى الطريق المستقيم وتذكير لكم ولكل مَن كان مثلكم، ممن هو مقيم على باطل، لعلكم تتذكرون به ما ينفعكم.
ثم قال - تعالى - { أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } أى : أولئك الأنبياء الذين ذكرناهم لك - يا محمد - هم الذين هديناهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم فبهداهم ، أى : فبطريقتهم فى الإيمان بالله وفى تمسكهم بمكارم الأخلاق كن مقتديا ومتأسيا .والمقصود إنما هو التأسى بهم فى أصول الدين ، أما الفروع القابلة للنسخ فإنهم يختلفون فيها ويجوز عدم الاقتداء بهم بالنسبة لها قال - تعالى - { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً } وتكرير اسم الإشارة لتأكيد تمييز المشار إليه ، ولما يقتضيه للتكرير من الاهتمام بالخبر .وفى قوله { فَبِهُدَاهُمُ اقتده } تعريض بالمشركين إذ أن النبى صلى الله عليه وسلم ما جاء إلا على سنة الرسل كلهم وأنه ما كان بدعا منهم ، أما هم فقد اختلقوا لأنفسهم عبادات ما أنزل الله بها من سلطان .ثم ختم الله - تعالى - هذا السياق بقوله : { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } أى : قل أيها الرسول الكريم لمن بعثت إليهم لا أطلب منكم على ما أدعوكم إليه من خير وما أبلغكم إياه من قرآن أجرا قليلا أو كثيرا .{ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذكرى لِلْعَالَمِينَ } أى : ما هذا القرآن إلا تذكيرا وموعظة للناس أجمعين فى كل زمان ومكان .قال بعضهم : وفى الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجن والإنس وأن دعوته قد عمت جميع الخلائق .وبعد أن بين - سبحانه - ما دار بين إبراهيم وقومه من مجالات تتعلق بإثبات وحدانية الله ، وإبطال الشرك ، وحكى جانبا من النعم التى أنعم بها على خليله وعلى كل من سار على نهجه ، وأخبر بأن هذا القرآن ما هو إلا تذكير للعالمين وأن المذكر به - لا يريد منهم أجرا على تبليغه ، بعد كل ذلك أخذ القرآن فى الرد على منكرى نزول الكتب السماوية وفى بيان عاقبتهم الوخيمة بسبب هذا الجحود فقال - تعالى - : { وَمَا قَدَرُواْ الله .
.
.
} .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: لا شبهة في أن قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله ﴾ هم الذين تقدم ذكرهم من الأنبياء، ولا شك في أن قوله: ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ أمر لمحمد عليه الصلاة والسلام، وإنما الكلام في تعيين الشيء الذي أمر الله محمداً أن يقتدي فيه بهم، فمن الناس من قال: المراد أنه يقتدي بهم في الأمر الذي أجمعوا عليه، وهو القول بالتوحيد والتنزيه عن كل ما لا يليق به في الذات والصفات والأفعال وسائر العقليات، وقال آخرون: المراد الاقتداء بهم في جميع الأخلاق الحميدة والصفات الرفيعة الكاملة من الصبر على أذى السفهاء والعفو عنهم، وقال آخرون: المراد الاقتداء بهم في شرائعهم إلا ما خصه الدليل، وبهذا التقدير كانت هذه الآية دليلاً على أن شرع من قبلنا يلزمنا، وقال آخرون: إنه تعالى إنما ذكر الأنبياء في الآية المتقدمة ليبين أنهم كانوا محترزين عن الشرك مجاهدين بإبطاله بدليل أنه ختم الآية بقوله: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ثم أكد إصرارهم على التوحيد وإنكارهم للشرك بقوله: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين ﴾ .
ثم قال في هذه الآية: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله ﴾ أي هداهم إلى إبطال الشرك وإثبات التوحيد ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ أي اقتد بهم في نفي الشرك وإثبات التوحيد وتحمل سفاهات الجهال في هذا الباب.
وقال آخرون: اللفظ مطلق فهو محمول على الكل إلا ما خصه الدليل المنفصل.
قال القاضي: يبعد حمل هذه الآية على أمر الرسول بمتابعة الأنبياء عليهم السلام المتقدمين في شرائعهم لوجوه: أحدها: أن شرائعهم مختلفة متناقضة فلا يصح مع تناقضها أن يكون مأموراً بالاقتداء بهم في تلك الأحكام المتناقضة.
وثانيها: أن الهدى عبارة عن الدليل دون نفس العمل.
وإذا ثبت هذا فنقول: دليل ثبات شرعهم كان مخصوصاً بتلك الأوقات لا في غير تلك الأوقات.
فكان الاقتداء بهم في ذلك الهدى هو أن يعلم وجوب تلك الأفعال في تلك الأوقات فقط، وكيف يستدل بذلك على اتباعهم في شرائعهم في كل الأوقات؟.
وثالثها: أن كونه عليه الصلاة والسلام متبعاً لهم في شرائعهم يوجب أن يكون منصبه أقل من منصبهم وذلك باطل بالإجماع، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على وجوب الاقتداء بهم في شرائعهم.
والجواب عن الأول: أن قوله: ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ يتناول الكل.
فأما ما ذكرتم من كون بعض الأحكام متناقضة بحسب شرائعهم.
فنقول: ذلك العام يجب تخصيصه في هذه الصورة فيبقى فيما عداها حجة.
وعن الثاني: أنه عليه الصلاة والسلام لو كان مأموراً بأن يستدل بالدليل الذي استدل به الأنبياء المتقدمون لم يكن ذلك متابعة، لأن المسلمين لما استدلوا بحدوث العالم على وجود الصانع لا يقال: إنهم متبعون لليهود والنصارى في هذا الباب، وذلك لأن المستدل بالدليل يكون أصيلاً في ذلك الحكم، ولا تعلق له بمن قبله البتة، والاقتداء والاتباع لا يحصل إلا إذا كان فعل الأول سبباً لوجوب الفعل على الثاني، وبهذا التقرير يسقط السؤال.
وعن الثالث: أنه تعالى أمر الرسول بالاقتداء بجميعهم في جميع الصفات الحميدة والأخلاق الشريفة، وذلك لا يوجب كونه أقل مرتبة منهم، بل يوجب كونه أعلى مرتبة من الكل على ما سيجيء تقريره بعد ذلك إن شاء الله تعالى، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على أن شرع من قبلنا يلزمنا.
المسألة الثانية: احتج العلماء بهذه الآية على أن رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم السلام، وتقريره: هو أنا بينا أن خصال الكمال، وصفات الشرف كانت مفرقة فيهم بأجمعهم، فداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر على النعمة، وأيوب كان من أصحاب الصبر على البلاء ويوسف كان مستجمعاً لهاتين الحالتين.
وموسى عليه السلام كان صاحب الشريعة القوية القاهرة والمعجزات الظاهرة، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، كانوا أصحاب الزهد، وإسماعيل كان صاحب الصدق، ويونس صاحب التضرع، فثبت إنه تعالى إنما ذكر كل واحد من هؤلاء الأنبياء لأن الغالب عليه كان خصلة معينة من خصال المدح والشرف، ثم أنه تعالى لما ذكر الكل أمر محمداً عليه الصلاة والسلام بأن يقتدي بهم بأسرهم، فكان التقدير كأنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجمع من خصال العبودية والطاعة كل الصفات التي كانت مفرقة فيهم بأجمعهم ولما أمره الله تعالى بذلك، امتنع أن يقال: إنه قصر في تحصيلها، فثبت أنه حصلها، ومتى كان الأمر كذلك، ثبت أنه اجتمع فيه من خصال الخير ما كان متفرقاً فيهم بإسرهم، ومتى كان الأمر كذلك، وجب أن يقال: إنه أفضل منهم بكليتهم.
والله أعلم.
المسألة الثالثة: قال الواحدي: قوله: ﴿ هدَى الله ﴾ دليل على أنهم مخصوصون بالهدى، لأنه لو هدى جميع المكلفين لم يكن لقوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله ﴾ فائدة تخصيص.
المسألة الرابعة: قال الواحدي: الاقتداء في اللغة إتيان الثاني بمثل فعل الأول لأجل أنه فعله.
روى اللحياني عن الكسائي أنه قال: يقال لي بك قدوة وقدوة.
المسألة الخامسة: قال الواحدي: قرأ ابن عامر ﴿ اقتده ﴾ بكسر الدال وبشم الهاء للكسر من غير بلوغ ياء، والباقون ﴿ اقتده ﴾ ساكنة الهاء، غير أن حمزة والكسائي يحذفانها في الوصل ويثبتانها في الوقف، والباقون يثبتونها في الوصل والوقف.
والحاصل: أنه حصل الإجماع على إثباتها في الوقف.
قال الواحدي: الوجه الإثبات في الوقف والحذف في الوصل، لأن هذه الهاء هاء وقعت في السكت بمنزلة همزة الوصل في الابتداء، وذلك لأن الهاء للوقف، كما أن همزة الوصل للابتداء بالساكن، فكما لا تثبت الهمزة حال الوصل، كذلك ينبغي أن لا تثبت الهاء إلا أن هؤلاء الذين أثبتوا راموا موافقة المصحف، فإن الهاء ثابتة في الخط فكرهوا مخالفة الخط في حالتي الوقف والوصل فأثبتوا.
وأما قراءة ابن عامر: فقال أبو بكر ومجاهد: هذا غلط، لأن هذه الهاء هاء وقف، فلا تعرب في حال من الأحوال، وإنما تذكر ليظهر بها حركة ما قبلها.
قال أبو علي الفارسي: ليس بغلط، ووجهها أن تجعل الهاء كناية عن المصدر، والتقدير: فبهداهم اقتد الاقتداء، فيضمر الاقتداء لدلالة الفعل عليه، وقياسه إذا وقف أن تسكن الهاء، لأن هاء الضمير تسكن في الوقف، كما تقول: اشتره.
والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ فالمراد به أنه تعالى لما أمره بالاقتداء بهدى الأنبياء عليهم السلام المتقدمين، وكان من جملة هداهم ترك طلب الأجر في إيصال الدين وإبلاغ الشريعة.
لا جرم اقتدى بهم في ذلك، فقال: ﴿ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ ولا أطلب منكم مالاً ولا جعلاً ﴿ إِنْ هُوَ ﴾ يعني القرإن ﴿ إِلاَّ ذكرى للعالمين ﴾ يريد كونه مشتملاً على كل ما يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم وقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذكرى للعالمين ﴾ يدل على أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كل أهل الدنيا لا إلى قوم دون قوم.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِي الله ﴾ وكانوا حاجوه في توحيد الله ونفي الشركاء عنه منكرين لذلك ﴿ وَقَدْ هدان ﴾ يعني إلى التوحيد ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ وقد خوفوه أن معبوداتهم تصيبه بسوء ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً ﴾ إلاّ وقت مشيئة ربي شيئاً يخاف، فحذف الوقت، يعني لا أخاف معبوداتكم في وقت قط؛ لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة، إلاّ إذا شاء ربي أن يصيبني بمخوف من جهتها إن أصبت ذنباً استوجب به إنزال المكروه، مثل أن يرجمني بكوكب أو بشقة من الشمس أو القمر، أو يجلعها قادرة على مضرتي ﴿ وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَيْء عِلْماً ﴾ أي ليس بعجب ولا مستبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها ﴿ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ﴾ فتميزوا بين الصحيح والفاسد والقادر والعاجز ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ ﴾ لتخويفكم شيئاً مأمون الخوف لا يتعلق به ضرر بوجه ﴿ و ﴾ أنتم ﴿ لا تخافون ﴾ ما يتعلق به كل مخوف وهو إشراككم بالله ما لم ينزل بإشراكه ﴿ سلطانا ﴾ أي حجة، لأن الإشراك لا يصحّ أن يكون عليه حجة، كأنه قال: وما لكم تنكرون علي الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف.
ولم يقل: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم، احترازاً من تزكيته نفسه، فعدل عنه إلى قوله: ﴿ فَأَىُّ الفريقين ﴾ يعني فريقي المشركين والموحدين.
ثم استأنف الجواب على السؤال بقوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ ﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم.
وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس ﴿ وَتِلْكَ ﴾ إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم عليه السلام على قومه من قوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ إلى قوله: ﴿ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ﴾ .
ومعنى ﴿ ءاتيناهآ ﴾ أرشدناه إليها ووفقناه لها ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ يعني في العلم والحكمة.
وقرئ بالتنوين ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِهِ ﴾ الضمير لنوح أو لإبراهيم.
و ﴿ دَاوُودُ ﴾ عطف على نوحاً، أي وهدينا داود ﴿ وَمِنْ ءابَائِهِمْ ﴾ في موضع النصب عطفاً على كلاًّ، بمعنى: وفضلنا بعض آبائهم ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ ﴾ مع فضلهم وتقدمهم وما رفع لهم من الدرجات.
لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم، كما قال تعالى وتقدّس ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [الزمر: 65] .
﴿ ءاتيناهمالكتاب ﴾ يريد الجنس ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا ﴾ بالكتاب والحكمة والنبوّة.
أو بالنبوّة ﴿ هؤلاء ﴾ يعني أهل مكة ﴿ قَوْماً ﴾ هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم بدليل قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ وبدليل وصل قوله: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء ﴾ بما قبله.
وقيل: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكل من آمن به.
وقيل: كل مؤمن من بني آدم.
وقيل: الملائكة وادّعى الأنصار أنها لهم.
وعن مجاهد: هم الفرس.
ومعنى توكيلهم بها: أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكّل الرجل بالشيء ليقوم به، ويتعهده ويحافظ عليه.
والباء في ﴿ بِهَا ﴾ صلة كافرين.
وفي ﴿ بكافرين ﴾ تأكيد النفي.
﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ فاختص هداهم بالاقتداء، ولا تقتد إلاّ بهم.
وهذا معنى تقديم المفعول، والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع، فإنها مختلفة وهي هدى، ما لم تنسخ.
فإذا نسخت لم تبق هدى، بخلاف أصول الدين فإنها هدى أبداً.
والهاء في ﴿ اقتده ﴾ للوقف تسقط في الدرج.
واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ ﴾ يُرِيدُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم.
﴿ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ فاخْتَصَّ طَرِيقَهم بِالِاقْتِداءِ والمُرادُ بِهُداهم ما تَوافَقُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وأُصُولِ الدِّينِ دُونَ الفُرُوعِ المُخْتَلَفِ فِيها، فَإنَّها لَيْسَتْ هُدًى مُضافًا إلى الكُلِّ ولا يُمْكِنُ التَّأسِّي بِهِمْ جَمِيعًا.
فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ، والهاءُ في اقْتَدِهْ لِلْوَقْفِ ومَن أثْبَتَها في الدَّرْجِ ساكِنَةً كابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، ويَحْذِفُ الهاءَ في الوَصْلِ خاصَّةً حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأشْبَعَها بِالكَسْرِ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ عَلى أنَّها كِنايَةُ المَصْدَرِ وكَسْرُها بِغَيْرِ إشْباعٍ بِرِوايَةِ هِشامٍ.
﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى التَّبْلِيغِ أوِ القُرْآنِ.
﴿ أجْرًا ﴾ جُعْلًا مِن جِهَتِكم كَما لَمْ يَسْألْ مَن قَبْلِي مِنً النَّبِيِّينَ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ فِيهِ.
﴿ إنْ هُوَ ﴾ أيِ التَّبْلِيغُ أوِ القُرْآنُ أوِ الغَرَضُ.
﴿ إلا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ﴾ إلّا تَذْكِيرًا ومَوْعِظَةً لَهم.
<div class="verse-tafsir"
أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)
{أولئك الذين هَدَى الله} أي الأنبياء الذين مر ذكرهم
الأنعام (٩٠ _ ٩٢)
{فَبِهُدَاهُمُ اقتده} فاختص هداهم بالاقتداء ولا تقتد إلا بهم وهذا معنى تقديم المفعول والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع فهي مختلفة والهاء في اقتده للوقف تسقط في الوصل واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء فى المصحف وبحذفها حمزة وعلى في الوصل ويختلسها شامي {قُل لا أسألكم عَلَيْهِ} على الوحي أو على تبليغ الرسالة والدعاء إلى التوحيد {أجرا} جعلا وفيه دليلا على أن أخذ الأجر على تعليم القرآن ورواية الحديث لا يجوز {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذكرى للعالمين} ما القرآن إلا عظة للجن والانس
﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والسُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ المُوَكَّلِينَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ ﴾ أيْ هَدَيْناهم إلى الحَقِّ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الهِدايَةِ وحِفْظِ المَهْدِيِّ إلَيْهِ اعْتِمادًا عَلى غايَةِ ظُهُورِهِ ﴿ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ أيِ اجْعَلْ هُداهم مُنْفَرِدًا بِالِاقْتِداءِ واجْعَلِ الِاقْتِداءَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، والمُرادُ (بِهُداهُمْ) عِنْدَ جَمْعِ طَرِيقِهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ وأُصُولِ الدِّينِ دُونَ الشَّرائِعِ القابِلَةِ لِلنَّسْخِ فَإنَّها بَعْدَ النَّسْخِ لا تَبْقى هُدًى وهم أيْضًا مُخْتَلِفُونَ فِيها فَلا يُمْكِنُ التَّأسِّي بِهِمْ جَمِيعًا، ومَعْنى أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالِاقْتِداءِ بِذَلِكَ الأخْذُ بِهِ لا مِن حَيْثُ أنَّهُ طَرِيقُ أُولَئِكَ الفِخامِ بَلْ مِن حَيْثُ أنَّهُ طَرِيقُ العَقْلِ والشَّرْعِ فَفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهم عَلى أنَّ طَرِيقَهم هو الحَقُّ المُوافِقُ لِدَلِيلِ العَقْلِ والسَّمْعِ.
وبِهَذا أجابَ العَلّامَةُ الثّانِي عَمّا أوْرَدَهُ سُؤالًا مِن أنَّ الواجِبَ في الِاعْتِقاداتِ وأُصُولِ الدِّينِ هو اتِّباعُ الدَّلِيلِ مِنَ العَقْلِ والسَّمْعُ فَلا يَجُوزُ سِيَّما لِلنَّبِيِّ أنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ، فَما مَعْنى أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاقْتِداءِ؟
وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ اعْتِقادَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِأجْلِ اعْتِقادِهِمْ بَلْ لِأجْلِ الدَّلِيلِ فَلا مَعْنى لِأمْرِهِ بِالِاقْتِداءِ بِذَلِكَ.
واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ الأخْذَ بِأُصُولِ الدِّينِ حاصِلٌ لَهُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فَلا مَعْنى لِلْأمْرِ بِأخْذِ ما قَدْ أُخِذَ قَبْلُ؛ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى الأمْرِ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ.
وحَقَّقَ القُطْبُ الرّازِيُّ في حَواشِيهِ عَلى الكَشّافِ أنَّهُ يَتَعَيَّنُ أنَّ الِاقْتِداءَ المَأْمُورَ بِهِ لَيْسَ إلّا في الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والصِّفاتِ الكامِلَةِ كالحِلْمِ والصَّبْرِ والزُّهْدِ وكَثْرَةِ الشُّكْرِ والتَّضَرُّعِ ونَحْوِها ويَكُونُ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أفْضَلُ مِنهم قَطْعًا لِتَضَمُّنِها أنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى أُولَئِكَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى فَضائِلِ الأخْلاقِ وصِفاتِ الكَمالِ؛ وحَيْثُ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَقْتَدِيَ بِهُداهم جَمِيعًا امْتَنَعَ لِلْعِصْمَةِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ؛ فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدِ امْتَثَلَ وأتى بِجَمِيعِ ذَلِكَ وحَصَّلَ تِلْكَ الأخْلاقَ الفاضِلَةَ الَّتِي في جَمِيعِهِمْ فاجْتَمَعَ فِيهِ مِن خِصالِ الكَمالِ ما كانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ وحِينَئِذٍ يَكُونُ أفْضَلَ مِن جَمِيعِهِمْ قَطْعًا كَما أنَّهُ أفْضَلُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، وهو اسْتِنْباطٌ حَسَنٌ واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِها عَلى أنَّهُ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وفي أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ دُونَ الِاقْتِداءِ بِهِمْ ما لا يَخْفى مِنَ الإشارَةِ إلى عُلُوِّ مَقامِهِ عِنْدَ أرْبابِ الذَّوْقِ.
والهاءُ في (اقْتَدِهْ) هاءُ السَّكْتِ الَّتِي تُزادُ في الوَقْفِ ساكِنَةً أيْضًا إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ.
ويَحْذِفُ الهاءَ في الوَصْلِ خاصَّةً حَمْزَةُ والكِسائِيُّ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (اقْتَدِهِ) بِكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ؛ وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ القُرّاءُ اخْتِلاسًا، وهي رِوايَةُ هِشامٍ عَنْهُ.
ورَوى غَيْرُهُ إشْباعَها وهو كَسْرُها ووَصْلُها بِياءٍ.
وزَعَمَ أبُو بَكْرِ بْنُ مُجاهِدٍ أنَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ غَلَطٌ؛ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّ الهاءَ هاءُ الوَقْفِ فَلا تَحَرُّكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وإنَّما تُذْكَرُ لِيَظْهَرَ بِها حَرَكَةُ ما قَبْلَها.
وتَعَقَّبَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّ الهاءَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ ولَيْسَتْ هاءُ السَّكْتِ أيِ اقْتَدِ الِاقْتِداءَ، ومَثَلُهُ -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- قَوْلُهُ: هَذا سُراقَةُ لِلْقُرْآنِ يَدْرُسُهُ والمَرْءُ عِنْدَ الوَشا إنْ يَلْقَها ذِيبُ فَإنَّ الهاءَ فِيهِ ضَمِيرُ الدَّرْسِ لا مَفْعُولٌ لِأنَّ ”يَدْرُسُ“ قَدْ تَعَدّى إلى القُرْآنِ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ هاءَ السَّكْتِ قَدْ تُحَرَّكُ تَشْبِيهًا لَها بِهاءِ الضَّمِيرِ والعَرَبُ كَثِيرًا ما تُعْطِي الشَّيْءَ حُكْمَ ما يُشْبِهُهُ وتَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ قَوْلُ أبِي الطِّيبِ: واحَرَّ قَلْباهُ مِمّا قَلْبُهُ شَبِمُ بِضَمِّ الهاءِ وكَسْرِها عَلى أنَّها هاءُ السَّكْتِ، شُبِّهَتْ بِهاءِ الضَّمِيرِ فَحُرِّكَتْ.
واسْتَحْسَنَ صاحِبُ الدُّرِّ المَصُونَ جَعْلَ الكَسْرِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لا لِشَبَهِ الضَّمِيرِ لِأنَّ هاءَهُ لا تُكْسَرُ بَعْدَ الألْفِ فَكَيْفَ ما يُشْبِهُها.
وزَعَمَ الإمامُ أنَّ إثْباتَ الهاءِ في الوَصْلِ لِلِاقْتِداءِ بِالإمامِ ولا يُقْتَدى بِهِ في ذَلِكَ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ القِراءَةَ بِغَيْرِ نَقْلٍ تَقْلِيدًا لِلْخَطِّ وهو وهْمٌ ﴿ قُلْ لا أسْألُكُمْ ﴾ أيْ لا أطْلُبُ مِنكم ﴿ عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى القُرْآنِ أوْ عَلى التَّبْلِيغِ فَإنَّ مَساقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِما وإنْ لَمْ يَجْرِ ذَكَرُهُما ﴿ أجْرًا ﴾ أيْ جُعْلًا قَلَّ أوْ كَثُرَ كَما لَمْ يَسْألْهُ مِن قَبْلِي مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُمَمَهُمْ، قِيلَ: وهَذا مِن جُمْلَةِ ما أُمِرْنا بِالِاقْتِداءِ بِهِ مِن هُداهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهو ظاهِرٌ عَلى ما قالَهُ القُطْبُ لِأنَّ الكَفَّ عَنْ أخْذِ أجْرٍ في مُقابَلَةِ الإحْسانِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ ومَحاسِنِ الأفْعالِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مِن خَصَّ الهُدى السّابِقَ بِالأُصُولِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ بَيْنَ القَوْلِ بِهِ والقَوْلِ بِذَلِكَ الِاخْتِصاصِ تَنافِيًا.
وأُجِيبَ بِأنَّ اسْتِفادَةَ الِاقْتِداءِ بِالأُصُولِ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لا يُنافِي أنْ يُؤَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاقْتِداءِ بِأمْرٍ آخَرَ كالتَّبْلِيغِ.
وتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ هُناكَ إنَّما هو لِنَفْيِ اتِّباعِ طَرِيقَةِ غَيْرِهِمْ في شَيْءٍ آخَرَ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ يَحِلُّ أخْذُ الأجْرِ لِلتَّعْلِيمِ وتَبْلِيغِ الأحْكامِ؛ وفِيهِ كَلامٌ لِلْفُقَهاءِ عَلى طُولِهِ مَشْهُورٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ ﴿ إنْ هُوَ ﴾ أيْ ما القُرْآنُ ﴿ إلا ذِكْرى ﴾ أيْ تَذْكِيرٌ فَهو مَصْدَرٌ، وحِمْلُهُ عَلى ضَمِيرِ القُرْآنِ لِلْمُبالَغَةِ ولا حاجَةَ لِتَأْوِيلِهِ بِمُذَكَّرٍ ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ 90 - كافَّةً فَلا يَخْتَصُّ بِهِ قَوْمٌ دُونَ ءاخَرِينَ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى عُمُومِ بَعْثَتِهِ .
<div class="verse-tafsir"
وَوَهَبْنا لَهُ يعني: لإبراهيم إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ قال الضحاك: ولدت سارة إسحاق ولها تسعة وتسعون سنة.
ولإبراهيم مائة وعشرون سنة ثم ولد لإسحاق يعقوب كُلًّا هَدَيْنا يعني: إسحاق ويعقوب هديناهما بالنبوة والإسلام وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ يعني: هديناه للنبوة والإسلام من قبل إبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ قال الكلبي: يعني من ذرية نوح.
وقال الضحاك: يعني من ذرية إبراهيم داوُدَ النبي- - وَسُلَيْمانَ وهو ابن داود وَأَيُّوبَ وهو من ولد عيصو بن إسحاق وَيُوسُفَ وهو ابن يعقوب وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يعني: نعطيهم أفضل الثواب وَزَكَرِيَّا يعني: من ذرية إبراهيم زكريا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ قال الضحاك: كان إلياس من ولد إسماعيل.
وذكر عن القتبي أنه كان من سبط يوشع بن نون كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ يعني: من المرسلين وَإِسْماعِيلَ وهو من صلب إبراهيم- - وَالْيَسَعَ قرأ حمزة والكسائي والليسع مشددا.
وقرأ الباقون وَالْيَسَعَ بالتخفيف.
فمن قرأ بالتشديد فالاسم منه ليسع ثم أدخلت الألف واللام للتعريف فصار الليسع.
ومن قرأ بالتخفيف فالاسم منه يسع.
ثم أدخلت الألف واللام للتعريف فصار اليسع.
وكذا هذا الاختلاف في سورة ص وكان اليسع تلميذ إلياس وكان خليفته من بعده.
وَيُونُسَ ابن متى وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ بالرسالة والنبوة في ذلك الزمان ثم ذكر آباءهم فقال: وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ يعني: وقد اصطفيناهم بالنبوة يعني: آدم ونوحاً وإدريس وهوداً وصالحاً- عليهم السلام- وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو دين الإسلام ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يعني: دين الله يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يعني: يكرم بدينه من يشاء من عباده وَلَوْ أَشْرَكُوا يعني: هؤلاء النبيين لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا يعني: إنما فضلهم الله بالطاعة.
ثم قال: أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ يعني: العلم والفهم والفقه وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها أي: الأنبياء هؤُلاءِ يعني: أهل مكة فَقَدْ وَكَّلْنا بِها يعني: ألزمنا بها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ.
قال سعيد بن جبير هم الأنصار.
ويقال فَإِنْ يَكْفُرْ بِها يعني: بآياتنا فَقَدْ وَكَّلْنا بِها يعني: بالإيمان بها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ يعني: الأنبياء الذين سبق ذكرهم.
ويقال: الملائكة.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ يعني: أمة محمد- - فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قوما ليسوا بها كافرين.
يعني: النبيين الذين قصّ الله عنهم.
ثم قال أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ يعني الأنبياء فَبِهُداهُمُ يعني: بسنتهم وتوحيدهم اقْتَدِهْ على دينهم استقم واعمل به.
وفي هذه الآية دليل أن شرائع المتقدمين واجبة علينا ما لم يظهر نسخها إذا ثبت ذلك في الكتاب، أو على لسان الرسول لأن الله تعالى أمرنا بأن نقتدي بهداهم، واسم الهدى يقع على التوحيد والشرائع.
مثل قوله: الم.
ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 1- 2] والكتاب يشتمل على الشرائع وغيرها.
قرأ حمزة والكسائي: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ بالهاء في الوقف والوصل جميعاً وقرأ الباقون: بالهاء في الوصل والوقف جميعاً لأنها هاء الوقف.
مثل قوله: كِتابِيَهْ وحِسابِيَهْ ثم قال: قُلْ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً يعني: قل للمشركين لا أسألكم على الإيمان والقرآن جَعْلاً إِنْ هُوَ يعني: ما هو وهو القرآن إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ يعني: موعظة للعالمين الإنس والجن.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
تستعملُ في المراتِبِ والمنازل المعنويَّة.
وقوله سبحانه: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ...
الآية: وَوَهَبْنا: عطْفٌ على «آتينا» وإسحاق ابنُهُ من سارَّة، ويعقوبُ هو ابْنُ إسحاقَ، وقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ: المعنى:
وهَدَيْنَا من ذرِّيته، والضمير في ذُرِّيَّتِهِ، قال الزَّجَّاج «١» : جائزٌ أنْ يعود على إبراهيم، ويعترض هذا بذكْرِ لوطٍ- عليه السلام- إذ ليس هو مِنْ ذرِّيَّة إبراهيم، بل هو ابْنُ أخيه، وقيلَ: ابنُ أختِهِ، ويتخرَّج ذلك عند مَنْ يرى الخالَ أباً، وقيل: يعود الضميرُ على نوح، وهذا هو الجيّد، ونصب/ داوُدَ: يحتملُ أنْ يكون ب وَهَبْنا، ويحتمل أنْ يكون ب هَدَيْنا، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: وعدٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ لمن أحْسَنَ في عبادته، وترغيبٌ في الإحسان، وفي هذه الآية أنَّ عيسى- عليه السلام- مِنْ ذرِّية نوحٍ أو إبراهيم بحَسَب الاختلاف في عَوْد الضمير من ذُرِّيَّتِهِ، وهو ابنُ ابنة وبهذا يستدلُّ في الأحباس على أنَّ ولد البنْتِ من الذِّرِّيَّة، ويُونُسُ هو ابن متى، وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ: معناه:
عالمي زمانهم.
وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠)
وقوله سبحانه: وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ: المعنى: وهدَيْنا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعاتٍ، ف «مِنْ» للتبعيض، والمراد: مَنْ آمن منهم، نبيّا كان أو غير نبيّ، واجْتَبَيْناهُمْ، أي: تخيَّرناهم وهَدَيْنَاهم، أيْ: أرشدْناهم إلى الإيمان، والفوز برضا اللَّه عزَّ وجلَّ، والذرية: الأبناءُ، ويطلَقُ على جميعِ البَشَر ذرِّيَّة لأنهم أبناء.
وقوله تعالى: ذلِكَ هُدَى اللَّهِ ...
الآية: ذلِكَ: إشارة إلى النعمة في قوله:
وَاجْتَبَيْناهُمْ وأُولئِكَ: إشارة إلى مَنْ تقدَّم ذكره، والكتابُ يراد به الصُّحُفُ والتوراةُ والإنجيل والزَّبُور.
وقوله سبحانه: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ: إشارة إلى كُفَّار قريشٍ، وإلى كلِّ كافر في ذلك العَصْر قاله ابن عباس وغيره «٢» ، وقوله: فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ:
هم مؤمنو أهْل المدينة قاله ابن عباس وغيره «١» ، والآية على هذا التأويلِ، وإن كان القصْدُ بنزولها هذَيْن الصِّنْفَيْن، فهي تعم الكَفَرة والمؤمنين إلى يوم القيامة، وقال الحسن وغيره:
المراد ب «القَوْم» : مَنْ تَقَدَّم ذكْره من الأنبياء والمؤمنين «٢» ، وقال أبو رجاء: المرادُ:
الملائكةُ «٣» .
قلتُ: ويحتمل أنْ يكون المراد الجميعَ.
وقوله سبحانه: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ، والظاهر في الإشارة ب أُولئِكَ إلى المذكورين قبلُ من الأنبياء ومَنْ معهم من المؤمنين المهدِّيين، ومعنى الاقتداء: اتباع الأثر في القول والفعل والسّيرة، وإنما يصحّ اقتداؤه صلّى الله عليه وسلّم بجميعهم في العقودِ، والإيمان، والتوحيدِ الذي ليْسَ بينهم فيه اختلاف، وأما أعمالُ الشرائع فمختلفةٌ، وقد قال عزَّ وجلَّ: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨] ، واعلم أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو وغيره مخاطَبٌ بشَرْع مَنْ قبله في العقود والإيمانِ والتوحيدِ «٤» لأنا نجد شرعنا ينبىء أنّ الكفار الذين كانوا قبل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كَأَبَوَيْهِ وغيرهما في النَّار، ولا يُدْخِلُ اللَّهُ تعالى أحداً النار إلا بتَرْك ما كُلِّفَ، وذلك في قوله سبحانه: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] ، وغير ذلك، وقاعدةُ المتكلِّمين: أن العقل لا يوجِبُ ولا يكلِّف، وإنما يوجب «٥» الشرْعُ، فالوجه في هذا أنْ يقال: إنَّ آدم- عليه السلام- فَمَنْ بعده، دعا إلى توحيد اللَّه (عزَّ وجلَّ) دعاءً عامًّا، واستمر ذلك على العالَمِ، فواجبٌ على الآدميّ أن
يبحث عن الشرْعِ الآمِرِ بتوحيدِ اللَّهِ تعالى، وينظر في الأَدلَّة المنصوبة على ذلك بحسب إيجاب الشرعِ النَّظَرَ فيها، ويؤمنَ، ولا يَعْبُدَ غير اللَّه، فمَنْ فَرَضْناه لم يجدْ سبيلاً إلى العلْمِ بشرعٍ آمِرٍ بتوحيد اللَّهِ، وهو مع ذلك لم يَكْفُرْ، ولا عَبَدَ صنماً، بل تخلى، فأولئك أَهْلُ الفَتراتِ الذين أَطْلَقَ عليهم أهل العلْمِ أنهم في الجَنَّة، وهم بمنزلةِ الأطفالِ والمجانينِ، ومَنْ قَصَّرَ في النظر والبَحْث، فعبد صنماً أو غيره، وكَفَرَ، فهو تاركٌ للواجب عليه، مستوجِبٌ للعقاب بالنَّار، فالنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قَبْلَ مبعثِهِ ومَنْ كان معه مِنَ النَّاس وقَبْلَه- مخاطَبُونَ على أَلْسِنَةِ الأنبياء قَبْلُ بالتوحيد، وغيرُ مخاطبين بفُرُوعِ «١» شرائعهم إذ هي مختلفةٌ، وإذ لم يدعهم إليها نبيٌّ قال/ الفَخْر «٢» : واحتجَّ العلماءُ بهذه الآية على أن محمداً صلّى الله عليه وسلّم أَفْضَلُ من جميع الأنبياءِ- عليهم السلام- وتقريره: أنا بيَّنَّا أنَّ خصال الكمالِ وصفاتِ الشَّرَفِ كانَتْ مفرَّقة فيهم، ثم إنه تعالى، لمَّا ذكر الكل، أمر محمدا صلّى الله عليه وسلّم أنْ يجمع من خصال الطاعة والعبوديَّة والأخلاقِ الحميدة كُلَّ الصفاتِ التي كانَتْ مفرَّقة فيهم بأجمعهم، ولمَّا أمره اللَّه تعالى بذلك، امتنع أنْ يقال: إنه قصَّر في تحصيلها فثبت أنه حَصَّلها، ومتى كان الأمر كذلك، ثبت أنه اجتمع فيه مِنْ خصال الخَيْر ما كان فيهم مفرَّقاً بأسرهم، ومتى كان الأمر كذلك، وجب أنْ يقال: إنه أفضلهم بكلِّيَّتهم واللَّه أعلم.
انتهى.
وقرأ حمزة «٣» والكسائيُّ: «فَبِهُدَاهُمُ اقتد» - بحذف الهاءِ في الوَصْل، وإثباتها في الوَقْف-، وهذا هو القياسُ شبيهة بألفِ الوَصْل في أنها تُقْطَعُ في الابتداء، وتَسْقُط في الوصل.
وقوله سبحانه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً، أي: قل لهؤلاء الكفرة المعاندين: لا أسألكم على دعائي إياكم بالقُرآن إلى عبادة اللَّه تعالى- أُجْرَةً إن هو إلا موعظة وذكرى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ ﴾ يَعْنِي النَّبِيِّينَ المَذْكُورِينَ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: بِشَرائِعِهِمْ وبِسُنَنِهِمْ فاعْمَلْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: اقْتَدِ بِهِمْ في صَبْرِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، يُثْبِتُونَ الهاءَ مِن قَوْلُهُ: "اقْتَدِهِ" في الوَصْلِ ساكِنَةً.
وكانَ حَمْزَةُ، وخَلْفٌ، ويَعْقُوبُ، والكِسائِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ، واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ، يَحْذِفُونَ الهاءَ في الوَصْلِ.
ولا خِلافَ في إثْباتِها في الوَقْفِ، وإسْكانِها فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ يَعْنِي عَلى القُرْآَنِ.
والذِّكْرى: العِظَةُ.
والعالَمُونَ هاهُنا: الجِنُّ والإنْسُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَمِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ ذَلِكَ هُدى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عنهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هو إلا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ﴾ والمَعْنى: "وَهَدَيْنا مِن آبائِهِمْ؛ وذُرِّيّاتِهِمْ؛ وإخْوانِهِمْ؛ جَماعاتٍ"؛ فَـ "مِن"؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ والمُرادُ: "مَن آمَنَ مِنهُمْ؛ نَبِيًّا كانَ؛ أو غَيْرَ نَبِيٍّ"؛ ويَدْخُلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - في ضَمِيرِ قَوْلِهِ: "وَمِن آبائِهِمْ"؛ ولِهَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: اَلْخالُ أبٌ؛ والخالَةُ أُمٌّ.
"واجْتَبَيْناهُمْ"؛ مَعْناهُ: تَخَيَّرْناهُمْ؛ وأرْشَدْناهُمْ؛ وضَمَمْناهم إلى خاصَّتِنا؛ وأرْشَدْناهم إلى الإيمانِ؛ والفَوْزِ بِرِضا اللهِ تَعالى ؛ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: أخْلَصْناهم.
و"اَلذُّرِّيَّةُ": اَلْأبْناءُ؛ ويُطْلَقُ عَلى جَمِيعِ البَشَرِ "ذُرِّيَّةٌ"؛ لِأنَّهم أبْناءٌ؛ وقالَ قَوْمٌ: "اَلذُّرِّيَّةُ"؛ تَقَعُ عَلى الآباءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ نَوْعُ البَشَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكَ هُدى اللهِ يَهْدِي بِهِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "ذَلِكَ": إشارَةٌ إلى النِعْمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ "واجْتَبَيْناهُمْ"؛ ﴾ وإضافَةُ الهُدى إلى اللهِ تَعالى إضافَةُ مِلْكٍ؛ و"لَحَبِطَ"؛ مَعْناهُ: تَلَفَ؛ وذَهَبَ؛ لِسُوءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ.
و"أُولَئِكَ": إشارَةٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ و"الكِتابَ"؛ يُرادُ بِهِ المُصْحَفُ؛ والتَوْراةُ؛ والإنْجِيلُ؛ والزَبُورُ؛ "والحُكْمَ"؛ يُرادُ بِهِ اللُبُّ؛ والفِطْنَةُ؛ والفَقْهُ في دِينِ اللهِ تَعالى ؛ و"هَؤُلاءِ": إشارَةٌ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ المُعادِينَ لِرَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وإلى كُلِّ كُفّارٍ في ذَلِكَ العَصْرِ؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ و"قَوْمًا"؛ يُرادُ بِهِ مُؤْمِنُو أهْلِ المَدِينَةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ فالآيَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - وإنْ كانَ القَصْدُ في نُزُولِها هَذَيْنِ الصِنْفَيْنِ - فَهي تَعُمُّ الكَفَرَةَ والمُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقالَ قَتادَةُ أيْضًا؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اَلْمُرادُ بِالقَوْمِ: مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ؛ والمُؤْمِنِينَ؛ وقالَ أبُو رَجاءٍ: اَلْمُرادُ: اَلْمَلائِكَةُ؛ والباءُ في "بِها"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "بِكافِرِينَ"؛ والباءُ في "بِكافِرِينَ"؛ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الظاهِرُ في الإشارَةِ؛ بِـ "أُولَئِكَ"؛ أنَّها إلى المَذْكُورِينَ قَبْلُ مِنَ الأنْبِياءِ؛ ومَن مَعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ المَهْدِيِّينَ؛ ومَعْنى الِاقْتِداءِ: اِتِّباعُ الأثَرِ في القَوْلِ؛ والفِعْلِ؛ والسِيرَةِ؛ وإنَّما يَصِحُّ اقْتِداؤُهُ بِجَمِيعِهِمْ في العُقُودِ؛ والأيْمانِ والتَوْحِيدِ؛ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَهم فِيهِ اخْتِلافٌ؛ وأمّا أعْمالُ الشَرائِعِ فَمُخْتَلِفَةٌ؛ وقَدْ قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِـ "أُولَئِكَ"؛ إلى قَوْلِهِ: "قَوْمًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في المُرادِ بِالقَوْمِ؛ ويُقْلِقُ بَعْضَها.
قالَ القاضِي ابْنُ الباقِلّانِيِّ: واخْتَلَفَ الناسُ: هَلْ كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ مَبْعَثِهِ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ؟
فَقالَتْ طائِفَةٌ: كانَ مُتَعَبِّدًا؛ واخْتُلِفَ: بِشَرْعِ مَن؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بِشَرْعِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وفِرْقَةٌ: بِشَرْعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وفِرْقَةٌ: بِشَرْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالوَقْفِ في ذَلِكَ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: لَمْ يَكُنْ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ؛ وهو الَّذِي يُتَرَجَّحُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا يُحْمَلُ كَلامُ القاضِي عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ في تَوْحِيدٍ؛ ولا مُعْتَقَدٍ؛ لِأنّا نَجِدُ شَرْعَنا يُنَبِّئُ أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - كَأبَوَيْهِ؛ وغَيْرِهِما - في النارِ؛ ولا يُدْخِلُ اللهُ تَعالى أحَدًا النارَ إلّا بِتَرْكِ ما كُلِّفَ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقاعِدَةُ المُتَكَلِّمِينَ أنَّ العَقْلَ لا يُوجِبُ؛ ولا يُكَلِّفُ؛ وإنَّما يُوجِبُ الشَرْعُ؛ فالوَجْهُ في هَذا أنْ يُقالَ: إنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَمَن بَعْدَهُ؛ دَعا إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى دُعاءً عامًّا؛ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ عَلى العالَمِ؛ فَواجِبٌ عَلى الآدَمِيِّ البالِغِ أنْ يَبْحَثَ عَلى الشَرْعِ الآمِرِ بِتَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؛ ويَنْظُرَ في الأدِلَّةِ المَنصُوبَةِ عَلى ذَلِكَ؛ بِحَسَبِ إيجابِ الشَرْعِ النَظَرَ فِيها؛ ولا يَعْبُدَ غَيْرَ اللهِ تَعالى ؛ فَمَن فَرَضْناهُ لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلى العِلْمِ بِشَرْعٍ آمِرٍ بِتَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَكْفُرْ؛ ولا عَبَدَ صَنَمًا؛ بَلْ تَخَلّى؛ فَأُولَئِكَ أهْلُ الفَتْراتِ؛ الَّذِينَ أطْلَقَ عَلَيْهِمْ أهْلُ العِلْمِ أنَّهم في الجَنَّةِ؛ وهم بِمَنزِلَةِ الأطْفالِ؛ والمَجانِينِ؛ ومَن قَصَّرَ في النَظَرِ؛ والبَحْثِ؛ فَعَبَدَ صَنَمًا؛ وكَفَرَ؛ فَهَذا تارِكٌ لِلْواجِبِ عَلَيْهِ؛ مُسْتَوْجِبٌ العِقابَ بِالنارِ؛ فالنَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ المَبْعَثِ؛ ومَن كانَ مَعَهُ مِنَ الناسِ؛ وقَبْلَهُ؛ مُخاطَبُونَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - قَبْلُ بِتَوْحِيدِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وغَيْرُ مُخاطَبِينَ بِفُرُوعِ شَرائِعِهِمْ؛ إذْ هي مُخْتَلِفَةٌ؛ وإذْ لَمْ يَدْعُهم إلَيْها نَبِيٌّ؛ وأمّا بَعْدَ مَبْعَثِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَهَلْ هو وأُمَّتُهُ مُخاطَبُونَ بِشَرْعِ مَن تَقَدَّمَ؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَسْنا مُخاطَبِينَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَحْنُ مُخاطَبُونَ بِشَرْعِ مَن قَبْلَنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَن قالَ مِن هَذِهِ الطائِفَةِ: إنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وأُمَّتَهُ مُخاطَبُونَ بِكُلِّ شَرائِعِ مَن تَقَدَّمَ؛ عَلى الإطْلاقِ؛ فَقَدْ أحالَ؛ لِأنَّ أحْكامَ الشَرائِعِ تَأْتِي مُخْتَلِفَةً؛ وإنَّما يَتَّخِذُونَ قَوْلَ مَن قالَ مِنها: إنّا مُتَعَبِّدُونَ بِما صَحَّ نَقْلُهُ مِن شَرائِعِ مَن قَبْلَنا؛ ولَمْ تَخْتَلِفْ فِيهِ الشَرائِعُ؛ وبِالآخِرِ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ؛ لِأنَّهُ الناسِخُ المُتَقَدِّمُ؛ ويُرْتَكَزُ في صِحَّةِ نَقْلِ ذَلِكَ إلى ما وقَعَ في القُرْآنِ؛ وفي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن حِكايَةِ أحْكامٍ سالِفَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ﴾ ؛ وكَقَوْلِهِ: أقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي؛ وكَحِكايَةِ تَزْوِيجِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - ابْنَتَهُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وكَحَدِيثِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في قَضِيَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بَيْنَ المَرْأتَيْنِ في الوَلَدِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ.
ولا يَقْتَضِي قَوْلُهم أكْثَرَ مِن جَوازِ أنْ يُتَعَبَّدَ بِذَلِكَ؛ وأمّا وُجُوبُ أنْ يُتَعَبَّدَ [بِهِ] فَغَيْرُ لازِمٍ؛ ولا يَتَعَلَّقَ عِنْدِي أشْبَهَ في ذَلِكَ مِن أنْ يُقالَ: اَلنَّبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَرَعَ لِأُمَّتِهِ أنْ يُصَلِّيَ [الواحِدُ مِنَ] الناسِ صَلاتَهُ إذا ذَكَرَها؛ ثُمَّ مَثَّلَ في ذَلِكَ - لا عَلى طَرِيقِ التَعْلِيلِ - بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُوسى: ﴿ وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي ﴾ ؛ فَنَنْقُلُ نَحْنُ هَذا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَوازِلِ؛ ونَقُولُ: إنَّهُ كَما شَرَعَ عِنْدَنا المِثالَ في نِسْيانِ الصَلاةِ؛ كَذَلِكَ نُشَرِّعُ هَذِهِ الأمْثِلَةَ كُلَّها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قِياسٌ ضَعِيفٌ؛ ولَوْ ذَكَرَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَوْلَهُ تَعالى ﴿ وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي ﴾ ؛ عَلى جِهَةِ التَعْلِيلِ؛ لَكانَتِ الحُجَّةُ بِهِ قَوِيَّةً؛ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: يَصِحُّ عِنْدَنا نَقْلُ ما في الشَرائِعِ مِن جِهَةِ مَن أسْلَمَ مِنهُمْ؛ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ ؛ وغَيْرِهِ؛ صِحَّةً نَنْقُلُها؛ وكَذَلِكَ ما شَرَعَهُ الحَوارِيُّونَ لا سَبِيلَ إلى صِحَّةِ شَرْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأهْلُ مَكَّةَ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وأهْلُ المَدِينَةِ؛ وعاصِمٌ: "اِقْتَدِهْ"؛ بِهاءِ السَكْتِ؛ ثابِتَةً في الوَصْلِ؛ والوَقْفِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "اِقْتَدِ"؛ قالَ: بِحَذْفِ الهاءِ في الوَصْلِ؛ وإثْباتِها في الوَقْفِ؛ وهَذا هو القِياسُ؛ وهي تُشْبِهُ ألِفَ الوَصْلِ في أنَّها تُقْطَعُ في الِابْتِداءِ؛ وتُوصَلُ غَيْرَ مُبْتَدَإٍ بِها؛ فَكَذَلِكَ هَذِهِ؛ تَثْبُتُ في الوَقْفِ؛ وتُحْذَفُ في الوَصْلِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "اِقْتَدِهِ"؛ بِكَسْرِ الهاءِ؛ دُونَ بُلُوغِ الياءِ؛ قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهَذا غَلَطٌ لِأنَّها هاءُ وقْفٍ؛ لا تُعْرَبُ عَلى حالٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "اِقْتَدِ الِاقْتِداءَ"؛ وقَرَأ ابْنُ ذِكْوانَ عَلى هَذِهِ: "اِقْتَدِهِ"؛ بِإشْباعِ الياءِ بَعْدَ الهاءِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ كَسْرَ الهاءِ إنَّما هو في هاءِ السَكْتِ؛ كَما قَدْ تُسَكَّنُ هاءُ الضَمِيرِ أحْيانًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ ولا تَجُوزُ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِإشْباعِ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ لا أسْألُكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُعانِدِينَ: لا أسْألُكم عَلى دُعائِي إيّاكم بِالقُرْآنِ إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ؛ أسْتَكْثِرُ بِها؛ وأُخْتَصُّ بِدُنْياها؛ إنِ القُرْآنُ إلّا مَوْعِظَةٌ؛ وذِكْرى؛ ودُعاءٌ لِجَمِيعِ العالَمِينَ".
<div class="verse-tafsir"
جملة ابتدائية قصد من استئنافها استقلالها للاهتمام بمضمونها، ولأنّها وقعت موقع التّكرير لمضمون الجملتين اللّتين قبلها: جملة ﴿ وهديناهم إلى صراط مستقيم ﴾ [الأنعام: 87] وجملة ﴿ أولئك الذّين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوءة ﴾ [الأنعام: 89].
وحقّ التكرير أن يكون مفصولاً، وليبنى عليها التّفريع في قوله: ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ .
والمشار إليهم باسم الإشارة هم المشار إليهم بقوله ﴿ أولئك الّذين آتيناهم الكتاب والحكم والنّبوءة ﴾ [الأنعام: 89] فإنّهم الّذين أمر نبيّنا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهداهم.
وتكرير اسم الإشارة لتأكيد تمييز المشار إليه ولما يقتضيه التكرير من الاهتمام بالخبر.
وأفاد تعريف المسند والمسند إليه قصر جنس الّذين هداهم الله على المذكورين تفصيلاً وإجمالاً، لأنّ المهديين من البشر لا يعدون أن يكونوا أولئك المسمّين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، فإنّ من آبائهم آدم وهو الأب الجامع للبشر كلّهم، فأريد بالهدى هدى البشر، أي الصرف عن الضلالة، فالقصر حقيقي.
ولا نظر لصلاح الملائكة لأنّه صلاح جبليّ.
وعدل عن ضمير المتكلّم إلى اسم الجلالة الظاهر لقَرْن هذا الخبر بالمهابة والجلالة.
وقوله: ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ تفريع على كمال ذلك الهُدَى، وتخلُّص إلى ذكر حظّ محمدّ صلى الله عليه وسلم من هُدى الله بعد أن قُدّم قبله مُسْهَبُ ذكر الأنبياء وهديهم إشارة إلى علوّ منزلة محمّد صلى الله عليه وسلم وأنّها منزلة جديدة بالتّخصيص بالذكر حيث لم يذكر مع الأنبياء المتقدّمين، وأنّه جمَعَ هُدى الأوّلين، وأكملت له الفضائل، وجُمع له ما تفرّق من الخصائص والمزايا العظيمة.
وفي إفراده بالذكر وترك عدّه مع الأوّلين رمز بديع إلى فذاذته وتفرّد مقداره، ورَعْي بديع لحال مجيء رسالته بعد مرور تلك العصور المتباعدة أو المتجاورة، ولذلك قُدّم المجرور وهو ﴿ بهداهم ﴾ على عامله، للاهتمام بذلك الهدى لأنّه هو منزلتك الجامعة للفضائل والمزايا، فلا يليق به الاقتداء بهُدى هو دون هُداهم.
ولأجل هذا لم يسبق للنّبيء صلى الله عليه وسلم اقتداء بأحد ممّن تحنّفوا في الجاهليّة أو تنصَّروا أو تهوّدوا.
فقد لقي النّبيء صلى الله عليه وسلم زيدَ بن عَمْرو بن نُفَيْللٍ قبل النّبوءة في بَلْدَح وعَرض عليه أن يأكل معه من سُفْرته، فقال زيد « والاقتداء افتعال من القُدوةَ بضمّ القاف وكسرها وقياسه على الإسوة يقتضي أنّ الكسر فيه أشهر.
وقال في المصباح}: الضمّ أكثر.
ووقع في «المقامات» للحريري «وقدوة الشحَّاذين» فضُبط بالضمّ.
وذكره الواسطي في إشرح ألفاظ المقامات» في القاف المضمومة، وروى فيه فتح القاف أيضاً، وهو نادر.
والقدوة هو الّذي يَعمل غيرُه مثل عمله، ولا يعرف له في اللّغة فعل مجرّد فلم يسمع إلاّ اقتدى.
وكأنّهم اعتبروا القدوة اسماً جامداً واشتقّوا منه الافتعال للدّلالة على التّكلّف كما اشتقّوا من اسم الخريف اخترف، ومن الأسوة ائْتسى، وكما اشتقّوا من اسم النمر تَنَمَّر، ومن الحجَر تحجَّر.
وقد تستعمل القدوة اسم مصدر لاقتدى.
يقال: لي في فلان قُدوة كما في قوله تعالى: ﴿ لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة ﴾ [الممتحنة: 6].
وفي قوله: ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ تعريض للمشركين بأنّ محمّداً صلى الله عليه وسلم ما جاء إلاّ على سنّة الرّسل كلّهم وأنّه ما كان بدعاً من الرّسل.
وأمْرُ النّبيء صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهُداهم يؤذن بأنّ الله زوى إليه كلّ فضيلة من فضائلهم الّتي اختصّ كلّ واحد بها سواء ما اتّفق منه واتّحد، أو اختلف وافترق، فإنّما يقتدي بما أطلعه الله عليه من فضائل الرّسل وسيرهم، وهو الخُلُق الموصوف بالعظيم في قوله تعالى: ﴿ وإنّك لعلى خلق عظيم ﴾ [القلم: 4].
ويشمل هداهم ما كان منه راجعاً إلى أصول الشّرائع، وما كان منه راجعاً إلى زكاء النّفس وحسن الخُلق.
وأمّا مَا كان منه تفاريع عن ذلك وأحكاماً جزئيّة من كلّ ما أبلغه الله إيّاه بالوحي ولم يأمره باتّباعه في الإسلام ولا بيّن له نسخه، فقد اختلف علماؤنا في أنّ الشّرائع الإلهيّة السّابقة هل تعتبر أحكامها من شريعة الإسلام إذا أبلغها الله إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم ولم يجعل في شريعته ما ينسخها.
وأرى أنّ أصل الاستدلال لهذا أنّ الله تعالى إذا ذكر في كتابه أو أوحى إلى رسوله عليه الصلاة والسلام حكاية حكم من الشرائع السابقة في مقام التّنويه بذلك والامتنان ولم يقارنه ما يدلّ على أنّه شُرِع للتّشديد على أصحابه عقوبة لهم، ولا ما يدلّ على عدم العمل به، فإنّ ذلك يدلّ على أنّ الله تعالى يريد من المسلمين العمل بمثله إذا لم يكن من أحكام الإسلام ما يخالفه ولا من أصوله ما يأباه، مثل أصل التّيسير ولا يقتضي القياسُ على حكم إسلامي ما يناقض حكماً من شرائع مَن قَبلنا.
ولا حجّة في الآيات الّتي فيها أمرُ النّبيء صلى الله عليه وسلم باتّباع مَن قبله مثل هذه الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿ ثمّ أوحينا إليك أن اتّبِعْ ملّة إبراهيم حنيفاً ﴾ [النحل: 123] ومثل قوله تعالى: ﴿ شَرع لكم من الدّين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ [الشورى: 13]، لأنّ المقصود من ذلك أصول الدّيانة وأسس التّشريع الّتي لا تختلف فيها الشّرائع، فمن استدلّ بقوله تعالى: ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ فاستدلاله ضعيف.
قال الغزالي في «المستصفى» «أراد بالهُدى التّوحيد ودلالةَ الأدلّة العقليّة على الوحدانيّة والصّفات لأنّه تعالى أمره بالاقتداء بهداهم فلو كان المراد بالهدى شرائعهم لكان أمراً بشرائع مختلفة وناسخة ومنسوخة فدلّ أنّه أراد الهدى المشترك بين جميعهم» اه.
ومعنى هذا أنّ الآية لا تقوم حجّة على المخالف فلا مانع من أن يكون فيها استئناس لمن رأى حجّيّة شرع من قبلنا على الصّفات الّتي ذكرتُها آنفاً.
وفي «صحيح البخاري» في تفسير سورة (ص) عن العَوّام قال: سألت مجاهداً عن سجدة ص فقال: سألت ابن عبّاس من أين سجدتَ (أي من أيّ دليل أخذت أن تسجد في هذه الآية، يريد أنّها حكاية عن سجود داوود وليس فيها صيغة أمر بالسجود) فقال: «أوَمَا تقرأ ﴿ أولئك الّذين هدى الله فبهداهم اقتده ﴾ فكان داوود ممّن أمر نبيئُكم أن يقتدِي به فسجدها داوود فسجدها رسول الله».
والمذاهب في هذه المسألة أربعة: المذهب الأوّل: مذهب مالك فيما حكاه ابن بكير وعبدُ الوهّاب والقرافي ونسبوه إلى أكثر أصحاب مالك: أنّ شرائع من قبلنا تكون أحكاماً لنا، لأنّ الله أبلغها إلينا.
والحجّة على ذلك ما ثبت في الصحاح من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية الرُّبَيْععِ بنتتِ النضر حين كسَرَتْ ثنيّة جاريةٍ عمداً أنْ تُكْسر ثنيّتها فراجعتْه أمّها وقالت: واللّهِ لا تُكْسَر ثنيّةُ الرّبيع فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " كتابُ الله القصاص "، وليس في كتاب الله حكم القصاص في السنّ إلاّ ما حكاه عن شرع التّوراة بقوله ﴿ وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس إلى قوله والسنّ بالسنّ ﴾ [المائدة: 45].
وما في «الموطأ» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نسي الصلاة فليصلّها إذا ذكرها فإنّ الله تعالى يقول في كتابه: ﴿ أقِمْ الصّلاة لذِكْري ﴾ [طه: 14] وإنّما قاله الله حكاية عن خِطابه لموسى عليه السلام، وبظاهر هذه الآية لأنّ الهدى مصدر مضاف فظاهره العموم، ولا يُسلّم كونُ السياق مخصّصاً له كما ذهب إليه الغزالي.
ونقل علماء المالكية عن أصحاب أبي حنيفة مثلَ هذا.
وكذلك نقل عنهم ابنُ حزم في كتابه «الإعراب في الحيرَة والالتباس الواقعين في مذاهب أهل الرأي والقياس».
وفي «توضيح» صدر الشريعة حكايتُه عن جماعة من أصحابهم ولم يُعيّنه.
ونقله القرطبي عن كثير من أصحاب الشافعي.
وهو منقول في كتب الحنفيّة عن عامّة أصحاب الشّافعي.
المذهب الثّاني: ذهب أكثر الشّافعيّة والظاهرية: أنّ شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا.
واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿ لكُللٍ جعلنا منكم شِرْعَةً ومنهاجاً ﴾ [المائدة: 48].
ونسب القرطبي هذا القول للكثير من أصحاب مالك وأصحاب الشّافعي.
وفي «توضيح» صدر الشّريعة نسبة مثل هذا القول لجماعة من أصحابهم.
الثالث: إنّما يلزم الاقتداء بشرع إبراهيم عليه السلام لقوله تعالى: ﴿ ثمّ أوحينا إليك أن اتَّبِعْ ملّة إبراهيم حَنيفاً ﴾ [النحل: 123].
ولم أقف على تعيين من نسب إليه هذا القول.
الرّابع: لا يلزم إلاّ اتّباع شريعة عيسى لأنّها آخر الشّرائع نَسخت ما قبلها.
ولم أقف على تعيين صاحب هذا القول.
قال ابن رشد في «المقدّمات»: وهذا أضعف الأقوال.
والهاء في قوله: ﴿ اقتده ﴾ ساكنة عند جمهور القرّاء، فهي هاء السكت الّتي تُجلب عند الوقف على الفعل المعتلّ اللاّم إذا حذفت لامَه للجازم، وهي تثبت في الوقف وتحذف في الوصل، وقد ثبتت في المصحف لأنّهم كانوا يكتبون أواخر الكلم على مراعاة حال الوقف.
وقد أثبتها جمهور القرّاء في الوصل، وذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف وهو وارد في الكلام الفصيح.
والأحسن للقارئ أن يقف عليها جرياً على الأفصح، فجمهور القرّاء أثبتوها ساكنة ما عدا رواية هشام عن ابن عامر فقد حرّكها بالكسر، ووجَّه أبو عليّ الفارسي هذه القراءة بأنّها تجعل الهاء ضمير مصدر «اقْتد»، أي اقتد الاقتداء، وليست هاء السكت، فهي كالهاء في قوله تعالى: ﴿ عذاباً لا أعذّبُه أحداً من العالمين ﴾ [المائدة: 115] أي لا أعذّب ذلك العذاب أحداً.
وقرأ حمزة، والكسائي، وخَلف، بحذف الهاء في حالة الوصل على القياس الغالب.
﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذكرى للعالمين ﴾ .
استئناف عُقّب به ذلك البيانُ العظيم الجامع لأحوال كثير من الأمم.
والإيماءُ إلى نبوءة جمع من الأنبياء والصّالحين، وبيان طريقة الجدل في تأييد الدّين، وأنّه ما جاء إلاّ كما جاءت مِلل تلك الرّسل، فلذلك ذيَّله الله بأمر رسوله أن يُذكِّر قومه بأنّه يذكِّرُهم.
كما ذكَّرتْ الرّسلُ أقوامهم، وأنّه ما جاء إلاّ بالنّصح لهم كما جاءت الرّسل.
وافتتح الكلام بفعل ﴿ قل ﴾ للتّنبيه على أهميّته كما تقدّم في هذه السّورة غير مرّة.
وقُدّم ذلك بقوله: ﴿ لا أسألكم عليه أجراً ﴾ أي لست طالبَ نفع لنفسي على إبلاغ القرآن، ليكون ذلك تنبيهاً للاستدلال على صدقه لأنّه لو كان يريد لنفسه نفعاً لصانعهم ووافقهم.
قال في «الكشاف» في سورة هود (51) عند قوله تعالى حكاية من هود ﴿ يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إنْ أجريَ إلاّ على الّذي فطَرنيَ أفَلا تعقلون ﴾ ما من رسول إلاّ واجه قومه بهذا القول لأنّ شأنهم النّصيحة والنّصيحة لا يمحّصها ولا يمحِّضُها إلاّ حَسم المطامع وما دام يتوهّم شيء منها لم تنفع ولم تنجع اه.
قلت: وحكى الله عن نوح مثل هذا في قوله في سورة [هود: 29] ﴿ ويَا قوم لا أسألكم عليه مَالاً إنْ أجريَ إلاّ على الله ﴾ وقال لرسوله أيضاً في سورة [الشّورى: 23] ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى.
فليس المقصود من قوله: لا أسألكم عليه أجراً ﴾ ردّ اعتقاد معتقد أو نفي تهمة قيلت ولكن المقصود به الاعتبار ولفت النّظر إلى محض نصح الرّسول صلى الله عليه وسلم في رسالته وأنّها لنفع النّاس لا يجرّ منها نفعاً إلى نفسه.
والضمير في قوله: ﴿ عليه ﴾ وقوله: ﴿ إن هو ﴾ راجع إلى معروف في الأذهان؛ فإنّ معرفة المقصود من الضمير مغنية عن ذكر المعاد مثل قوله تعالى: ﴿ حتّى توارتْ بالحجاب ﴾ [ص: 32]، وكما في حديث عُمر في خبر إيلاء النّبيء صلى الله عليه وسلم «فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته فضرب بأبي ضرباً شديداً فقال: أثمّ هو» ألخ.
والتّقدير: لا أسألكم على التّبليغ أو الدّعاء أجراً وما دعائي وتبليغي إلاّ ذِكْرى بالقرآن وغيره من الأقوال.
والذّكرى اسم مصدر الذِكر بالكسر، وهو ضدّ النّسيان، وتقدّم آنفاً.
والمُراد بها هنا ذكر التّوحيد والبعث والثّواب والعقاب.
وجَعَل الدّعوة ذكرى للعالمين، لأنّ دعوته صلى الله عليه وسلم عامّة لسائر النّاس.
وقد أشعر هذا بأنّ انتفاء سؤال الأجر عليه لسببين: أحدهما: أنّه ذِكرى لهم ونصح لنفعهم فليس محتاجاً لِجَزاءٍ منهم، ثانيهما: أنّه ذكرى لغيرهم من النّاس وليس خاصّاً بهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَإنْ تَكْفُرْ بِها قُرَيْشٌ فَقَدْ وكَّلْنا بِها الأنْصارَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: فَإنْ يَكْفُرْ بِها أهْلُ مَكَّةَ فَقَدْ وكَّلْنا بِها أهْلَ المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: فَإنْ تَكْفُرْ بِها قُرَيْشٌ فَقَدْ وكَّلْنا بِها المَلائِكَةَ، قالَهُ أبُو رَجاءٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والخامِسُ: أنَّهم كُلُّ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَقَدْ وكَّلْنا بِها ﴾ أيْ أقَمْنا بِحِفْظِها ونُصْرَتِها، يَعْنِي: كُتُبَ اللَّهِ وشَرِيعَةَ دِينِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج سعيد بن منصور والبخاري والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ﴾ قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدى بهداهم، وكان يسجد في ص.
ولفظ ابن أبي حاتم عن مجاهد: سألت ابن عباس عن السجدة التي في ص؟
فقرأ هذه الآية وقال: أمر نبيكم أن يقتدى بداود عليه السلام.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: قص الله عليه ثمانية عشر نبياً، ثم أمره أن يقتدي بهم.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم.
أنه قرأ ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ بين الهاء إذا وصل ولا يدغمها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس.
في قوله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً ﴾ قال: قل لهم يا محمد لا أسألكم على ما أدعوكم إليه عرضاً من عرض الدنيا.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ﴾ الآية، هذه الآية متصلة بالأولى على قول الحسن وقتادة والزجاج؛ لأنه في ذكر النبيين الذين تقدم ذكرهم إذ هم الموكلون بآيات الله، وعلى قول الباقين رجع إلى ذكر النبيين (١) ﴿ هَدَى اللَّهُ ﴾ دليل على أنهم مخصوصون بالهدى؛ لأنه لو هدى جميع المكلفين لم يكن لقوله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ﴾ فائدة وتخصيص (٢) وقوله تعالى: ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ ، قال الكلبي: (فبشرائعهم وبسنتهم اعمل) (٣) (٤) (٥) قال الليث: (القدو (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) واختلف القراء (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) والاختيار عند النحويين (١٧) (١٨) (١٩) قال أبو علي: (وقول حمزة والكسائي القياس، وفي ترك قول الأكثر ضرب من الاستيحاش وإن كان الصواب والقياس ما قرأ) (٢٠) وقرأ ابن عامر (اقتدِه) بكسر الدال وبشمِّ الهاء الكسر من غير بلوغ ياء، قال أبو بكر بن مجاهد (٢١) (٢٢) (٢٣) قال أبو علي: (ليس بغلط، ووجهها أن تجعل الهاء كناية عن المصدر لا التي تلحق (٢٤) (٢٥) (٢٦) هذا سُرَاقَةُ لِلقُرْآنِ يَدْرُسُهُ ...
والمَرْءُ عِنْدَ الرُّشَا إِنْ يَلْقَها ذِئبُ فالهاء كناية عن المصدر، ودل يدرسه على الدرس، ولا يجوز أن يكون ضمير القرآن؛ لأن الفعل قد تعدى إليه باللام فلا يجوز أن يتعدى إليه وإلى ضميره، كما أنك إذا قلت: أزيدًا ضربته، لم تنصب (٢٧) ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ يكون اقتد الاقتداء، فتضمر (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد: مالاً تعطونيه) (٣٠) (٣١) (٣٢) ﴿ إِنْ هُوَ ﴾ يعني: القرآن ﴿ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: موعظة للخلق أجمعين) (٣٣) (٣٤) ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾ مما أمر به من هدى النبيين والاقتداء بهم في ذلك، وذلك أن من الاقتداء بالنبيين ترك طلب الأجر من الناس على دعائهم إلى الله عز وجل وتبيين طريق الحق لمن التمسه، فكأنه يقول: فبهدى الأنبياء حيث لم يسألوا أجرًا اقتد و ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾ (٣٥) (٣٦) وقال أهل العلم: (وهذه الآية تدل على أن شريعة محمد وشريعة الأنبياء الماضين (٣٧) (٣٨) (١) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 266.
(٢) ذكره الرازي 13/ 70 عن الواحدي.
(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 78، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 81.
(٤) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 270.
(٥) انظر: "الجمهرة" 2/ 677، و"الصحاح" 6/ 2459، و"مجمل اللغة" 3/ 746 ، و"مقاييس اللغة" 5/ 66، و"اللسان" 6/ 3556 (قدا).
(٦) القدو: بفح القاف، وسكون الدال وبعدها واو.
(٧) في (ش): (يتشعب).
(٨) قدوة: بكسر القاف وضمها، وسكون الدال.
(٩) في (ش): (ولما يقتدى به)، وهو تحريف.
(١٠) "تهذيب اللغة" 3/ 2893 (قدا).
(١١) "تهذيب اللغة" 3/ 2893.
(١٢) جاء في (ش): (يقال: لي بك قدوة وقدوة وقدوة)، وهو تحريف والصواب: قدوة، بكسر القاف وضمها، وقدة: بكسر القاف وفتح الدال بعدها هاء، كما ورد في المراجع السابقة.
(١٣) قرأ حمزة والكسائي: (اقتد قل) بغير هاء في الوصل.
وقرأ ابن عامر: (اقتده قل) بكسر الدال ويشم الهاء الكسر في الوصل من غير بلوغ ياء، وروي عنه: (اقتدهي قل) بياء بعد الهاء في الوصل.
وقرأ الباقون: (اقتده) بهاء ساكنة في الوصل والوقف.
ولا خلاف بينهم أنه بهاء ساكنة في الوقف.
انظر: "السبعة" ص 262، و"المبسوط" ص 171، و"الغاية" ص 245، و"التذكرة" 2/ 404، و"التيسير" ص 105.
(١٤) في (ش): (لا يثبت)، بالياء.
(١٥) في (ش): (لا يثبت)، بالياء.
(١٦) نقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 13/ 71، وهذا القول فيه نظر؛ لأن القراءة سبعية مأخوذة بالرواية، وقد ذكر هذا القول عن الواحدي القاسمي في "تفسيره" 6/ 619، وذكر عن الخفاجي أنه قال: (إن هذا مما لا ينبغي ذكره؛ لأنه يقتضي أن القراءة بغير نقل تقليد للخط، فمن قاله فقد وهم) اهـ.
(١٧) انظر: "معاني الأخفش" 2/ 281، و"معاني الزجاج" 2/ 270، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 564.
(١٨) في (أ)، (ش): (وليكون) والصواب: ولكون.
(١٩) في (ش): (أدرجت، الهاء).
(٢٠) "الحجة" لأبي علي 3/ 352.
(٢١) أبو بكر بن مجاهد: أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي، تقدمت ترجمته.
(٢٢) في (ش): (يدخل لتبيين).
وانظر: "البغداديات" ص 152.
(٢٣) "السبعة" ص 262، ونحوه قال النحاس في "إعرابه" 1/ 564، وابن خالويه في "إعراب القراءات" 1/ 164، وفي "الحجة" لابن خالويه ص 145 قال: (وهذا قول ضعيف مردود؛ لأنها قراءة سبعية)، قال أبو حيان في "البحر" 4/ 176: (تغليط ابن مجاهد غلط) اهـ، وانظر: "الدر المصون" 5/ 32.
(٢٤) في (ش): (يلحق)، وانظر: "كتاب الشعر" 2/ 501.
(٢٥) قراءة المصحف بالياء، وهي قراءة الجمهور، وقرأ حمزة بالتاء.
انظر: "السبعة" ص 219، و"الحجة" لأبي علي 3/ 100.
(٢٦) لم أقف على قائله، وهو في "الكتاب" 3/ 67، و"الأصول" 2/ 193، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 91، و"المقرب" 1/ 115، و"رصف المباني" ص 320، 382، و"اللسان" 4/ 1999 (سرق)، و"الدر المصون" 5/ 32، والرشا بضم الراء وكسرها جمع رشوة، وهو يصف مقرئًا بقبول الرشوة والحرص عليها كحرص الذئب على فريسته.
والشاهد: يدرسه: حيث جاءت الهاء مفعولًا مطلقًا ترجع إلى المصدر المدلول عليه بالفعل وهو مضمون الدرس، أي: يدرس الدرس.
انظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 587.
(٢٧) في (ش): (ينصب).
(٢٨) في (ش): (فيضمر).
(٢٩) "الحجة" 2/ 375، 3/ 352 - 353، وانظر: "الحجة" لابن زنجلة ص 260،== و"الكشف" 1/ 438، وقال الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 370، في توجيه قراءة ابن عامر: (جعلها اسمًا ولم يجعلها هاء السكت؛ لأنها لو كانت عنده هاء السكت ما جرها، والمعنى: فبهداهم اقتد اقتداء، وهو مذهب حسن في اللغة) اهـ.
(٣٠) لم أقف عليه.
وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1340 بسند ضعيف عنه قال: (يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه عرضا من عرض الدنيا) اهـ، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 53.
(٣١) لفظ: (الكلبي) ساقط من (أ).
(٣٢) انظر: "تنوير المقباس" 2/ 40.
(٣٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 79، وفي "تنوير المقباس" 2/ 40 نحوه.
(٣٤) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 72، والخازن 2/ 157، والقاسمي 6/ 619.
(٣٥) جاء في (ش): تكرار قوله (اقتد وقيل لا أسألكم عليه أجرًا).
(٣٦) انظر: الرازي 13/ 72، والخازن 2/ 157.
(٣٧) أي في التوحيد، أما أعمال الشرائع فمختلفة، انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 276، والرازي 13/ 71 - 72، والقرطبي 7/ 35 - 36، وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في "الفتاوى" 19/ 7: (وشرع من قبلنا إنما هو شرع لنا فيما ثبت أنه شرع لهم دون ما رووه لنا) اهـ.
(٣٨) الأولى: واحدة لأنها خبر عن الشريعة فتوافقها في التأنيث.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أولئك الذين هَدَى الله ﴾ إشارة إلى الأنبياء المذكورين ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ استدل به من قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا، فأما أصول الدين من التوحيد والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فاتفقت فيه جميع الأمم والشرائع، وأما الفروع ففيها وقع الاختلاف بين الشرائع؛ والخلاف هل يقتدي النبي صلى الله عليه وسلم فيها بمن قبله أم لا؟
والهاء في اقتده للوقف فينبغي أن تسقط في الوصل، ولكن من أثبتها فيه راعى ثبوتها في خط المصحف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ واليسع ﴾ بتشديد اللام: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالتخفيف، ﴿ اقتده ﴾ بإشباع الهاء: ابن عامر الحلواني عن هشام مختلسة، وبحذف الهاء في الوصل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بسكون هاء السكت على الأصل.
الوقوف: ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ كلاً هدينا ﴾ ج لأن ﴿ ونوحاً ﴾ مفعول ما بعده، ولو وصل التبس بأنه مفعول ما قبله مع اتفاق الجملتين ﴿ وهارون ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ وإلياس ﴾ ط ﴿ من الصالحين ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولوطا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للعطف.
﴿ وإخوانهم ﴾ ج لبيان أن قوله ﴿ واجتبيناهم ﴾ يعود إلى قوله ﴿ كلاً هدينا ﴾ كقوله ﴿ وممن هدينا واجتبينا ﴾ ولاحتمال الواو الحال أي وقد اجتبيناهم وذكر هديناهم بعده ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ والنبوّة ﴾ ج ﴿ بكافرين ﴾ ه ﴿ اقتده ﴾ ط ﴿ أجراً ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه.
التفسير: لما حكى حجج إبراهيم صلوات الرحمن عليه في التوحد والذب عن الدين الحنيفي عدّد وجوه نعمه وإحسانه عليه بعد نعمة إيتاء الحجة ورفع الدرجة فقال ﴿ ووهبنا له ﴾ باللفظ الدال على العظمة كما يقوله عظماء الملوك ليدل بذلك على عظم العطية، وذلك أنه جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله وعقبه.
قيل: وإنما لم يذكر إسماعيل مع إسحق وإن كان هو أيضاً ابنه لصلبه، لأن المقصود بالذكر ههنا أنبياء بني إسرائيل وهم بأسرهم أولاد إسحق ويعقوب، وأما إسماعيل فإنه ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد ، ولا يجوز ذكر محمد في هذا المقام لأنه أمر محمداً أن يحتج على العرب بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد شرفه الله بالنعم الجسام في الدين والدنيا، ومن جملة ذلك أن آتاه أولاداً كانوا ملوكاً وأنبياء، فإذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض، فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحق.
أما قوله ﴿ ونوحاً هدينا من قبل ﴾ فالمقصود منه بيان كرامة إبراهيم بحسب الآباء أيضاً مثل نوح وإدريس وشيث، وأما الضمير في قوله ﴿ ومن ذريته ﴾ فقد قيل: إنه يعود إلى "نوح" لأنه أقرب ولأنه ذكر في جملتهم لوطاً وهو كان ابن أخي إبراهيم وما كان من ذريته، بل كان من ذرية نوح، ولأن ولد الإنسان لا يقال إنه ذريته فعلى هذا إسماعيل ما كان من ذرية إبراهيم وكان من ذرية نوح، ولأن يونس لم يكن من ذرية إبراهيم على قول بعضهم.
وقيل: الضمير عائد إلى إبراهيم لأنه هو المقصود بالذكر هو هذا المقام.
واعلم أن الله ذكر أربعة من الأنبياء وهم: نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب.
ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر نبياً: داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً.
فالمجموع ثمانية عشر.
وأنه لم يراع الترتيب بينهم في الآية لا بحسب الفضل والشرف ولا بحسب الزمان والمدة، فاستدل العلماء بذلك على أن الواو لا تفيد الترتيب.
وقال في التفسير الكبير: إن وجه الترتيب أنه خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الكرامة.
فمن المراتب المعتبرة عند الجمهور الملك والسلطنة وقد أعطى داود وسليمان من ذلك نصيباً عظيماً، والمرتبة الثانية البلاء والمحنة وقد خص أيوب بذلك، والثالثة استجماع الحالتين وذلك في حق يوسف فإنه ابتلي أوّلاً ثم أوتي الملك ثانياً.
الرابعة قوّة المعجزات وكثرة البراهين والبينات وذلك حال موسى وهارون الخامسة الزهد الكامل كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ولهذا وصفهم بأنهم من الصالحين.
السادسة الأنبياء الذين ليس لهم في الخلق أتباع ولا أشياع وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط.
وأما المراد بقوله ﴿ كلاً هدينا ونوحاً هدينا ﴾ قيل: المراد الهداية إلى طريق الجنة بدليل قوله ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ فإن جزاء المحسن على إحسانه لا يكون إلا الثواب.
وقيل: لا يبعد أن يقال: المراد الهداية إلى الدين والمعرفة لأنهم اجتهدوا في طلب الحق فجازاهم الله بالوصال والوصول كما قال ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾ وقيل: إنها الإرشاد إلى النبوّة والرسالة لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك، وهذا إنما يصح عند من جوز أن تكون الرسالة جزاء على عمل.
واستدل بعضهم بقوله ﴿ وكلاً فضلنا على العالمين ﴾ على أن الأنبياء أفضل من الملائكة، وذلك أن العالم اسم لكل موجود سوى الله فيدخل فيه الملائكة وكذا الأولياء.
وقيل: فضلناهم على عالمي زمانهم فلا يتم الاستدلال.
قال القاضي: ويمكن أن يقال: المراد وكل من الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين.
ثم الكلام في أن أي الأنبياء أفضل من بعض كلام آخر لا تعلق له بالأول.
ثم قال ﴿ ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ﴾ معطوف على ﴿ كلاً ﴾ أي فضلنا بعض آبائهم.
فالآباء هم الأصول، والذريات هم الفروع، والإخوان فروعالأصول.
وفيه دليل على أنه خص كل من تعلق بهؤلاء بنوع من الشرف والكرامة.
ثم إن قلنا المراد من الهداية الهداية إلى الثواب والجنة فقوله ﴿ من آبائهم ﴾ وكلمة "من" للتبعيض يدل على أنه قد كان في آباء هؤلاء الأنبياء من كان غير مؤمن ولا واصل إلى الجنة، وإن فسرنا الهداية بالنبوة لم يفد ذلك إلا أنه يفيد أن لا تكون المرأة رسولاً ولا نبياً ﴿ واجتبيناهم ﴾ أي اصطفيناهم من جبيت الماء في الحوض وجبوته في جمعته، ﴿ ذلك هدى الله ﴾ إشارة إلى معرفة التوحيد والتنزيه بدليل قوله ﴿ ولو أشركوا لحبط ﴾ وفيه دليل على أن الهداية من الله وليس للعبد فيها اختيار.
وفيه تهديد عظيم كقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ والغرض من ذلك زجر الأمة.
﴿ أولئك ﴾ يعني الأنبياء الثمانية عشر.
﴿ الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ﴾ ولا بد بحكم العطف من تغاير الأمور الثلاثة.
ووجه بأن الحكام على الخلق ثلاث طوائف: الحكام على بواطن الناس وهم العلماء، والحكام على ظواهر الخلق وهم السلاطين، والجامعون بين الأمرين وهم الأنبياء.
فالأمور الثلاثة إشارة إلى هذه الأصناف الثلاثة.
ومعنى إيتاء الكتاب الفهم التام بما في هذا الجنس والعلم المحيط بحقائقه وأسراره.
ولو قيل: المراد بالإيتاء الإبتداء بالوحي والتنزيل كصحف إبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى لم يشمل كل المذكورين لأنه تعالى ما أنزل على كل واحد منهم كتاباً على التعيين.
﴿ فإن يكفر بها ﴾ أي بالأمور الثلاثة أو بالنبوة ﴿ هؤلاء ﴾ يعني أهل مكة ﴿ فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ﴾ أي ليسوا كافرين بها ومن توكيلهم بها أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه.
ومن القوم؟
قيل: كل مؤمن وقيل: أهل المدينة وهم الأنصار.
وقيل: هم المهاجرون.
وقال الحسن: هم الأنبياء الذين تقدم ذكرهم واختاره الزجاج لقوله عقيب ذلك ﴿ أولئك الذين هدى الله ﴾ وقال أبو رجاء: يعني الملائكة وضعف بأن اسم القوم قلما يقع على غير بني آدم.
وفي الآية دلالة على أنه سينصر نبيه ويظاهر دين الإسلام على كل الأديان وقد وقع ما وعد وكان إخباراً بالغيب فصح إعجاز القرآن.
وفيها استدلال للأشاعرة على أنه خلق قوماً للإيمان ولو كان خلق الكل للإيمان والبيان والتمكين وفعل الألطاف مشتركاً بين الكل لم يصح هذا التخصيص.
أجاب الكعبي بأنه زاد المؤمنين من الألطاف ما لا يحصيه إلا الله، وبتقدير أن يستوي فإذا لم ينتفع به الكافر صح بحسب الظاهر أن يقال إنه لم يحصل له تلك الألطاف.
ورد بأن الألطاف الداعية إلى الإيمان مشترك فيها بين الكافر والمؤمن، وبأن الوالد لما سوّى بين الولدين في العطية ثم إن أحدهما ضيع نصيبه فأي عاقل يجوّز أن يقول أحد إن الأب ما أنعم عليه وما أعطاه شيئاً ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ من حذف الهاء في الوصل فعلى الأصل، ومن أثبتها في الوصل كما في الوقف أراد موافقة المصحف فإن الهاء ثابتة في الخط فكره مخالفة الخط في الحالين.
وأما قراءة ابن عامر بكسر الهاء بغير إشباع فقال أبو بكر بن مجاهد: إنها غلط.
وقال أبو علي الفارسي: ليست بغلط ووجهها أن يجعل الهاء كناية عن المصدر الدال عليه الفعل.
والتقدير: فبهداهم اقتد الاقتداء.
وتقديم المفعول للاختصاص أي لا تقتد إلا بهم.
ولا خلاف في أنه أمر لمحمد بالاقتداء بالأنبياء المذكورين.
إنما الكلام في تفسير الهدى.
فمن الناس من قال: المراد الذي أجمعوا عليه وهو القول بالتوحيد والتنزيه عن كل ما لا يليق به في الذات والصفات والأفعال.
وقال آخرون: المراد به الاقتداء بهم في شرائعهم إلا ما خصه الدليل، وعلى هذا فيلزمنا شرع من قبلنا، وقيل: اللفظ مطلق فيحمل على الكل إلا ما خصه الدليل المفصل.
وقال القاضي: هذا بعيد لأن شرائعهم مختلفة متناقضة ولا يمكن الإتيان بالأمور المتناقضة معاً، ولأن الهدى عبارة عن الدليل دون نفس العمل، ودليل إثبات شرعهم كان مخصوصاً بتلك الأوقات، ولأن منصبهم يلزم أن يكون أجل من منصبه وأنه باطل بالإجماع، وأجيب بأن العام يجب تخصيصه في الصورة المتناقضة فيبقى فيما عداها حجة، وبأن المستدل بالدليل فصل في ذلك الحكم فلا معنى للاقتداء بالدليل إلا إذا كان فعل الأول سبباً لوجوب الفعل على الثاني، وبأنه يلزم أن يكون منصبه أجل من منصبهم لأنه أمر باستجماع خصال الكمال وصفات الشرف التي كانت متفرقة فيها كالشكر في داود وسليمان، والصبر في أيوب، والزهد في زكريا ويحيى وعيسى، والصدق في إسماعيل، والتضرع في يونس، والمعجزات الباهرة في موسى وهارون، ولهذا قال "لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي" ولما أمره بالاقتداء بالأنبياء وكان من جملة هداهم أن لا يطلبوا الأجر أي المال والجعل في ايصال الدين وإبلاغ الشريعة قيل له: ﴿ قل لا أسألكم ﴾ أيها الأمة ﴿ عليه ﴾ على البلاغ ﴿ أجراً إن هو ﴾ يعني القرآن ﴿ إلا ذكرى للعالمين ﴾ يريد كونه مشتملاً على كل ما يحتاجون إليه في المعاش والمعاد.
وفيه دليل على أنه كان مبعوثاً إلى الناس كافة لا إلى قوم دون قوم.
التأويل: ومما رفعنا به درجات إبراهيم أنا وهبنا له إسحق ويعقوب.
ولعله أفرد ذكر إسماعيل لمكان محمد وآله كيلا يقع ذكره تبعاً لموهبة إبراهيم، فإن الكائنات تبيع لوجود محمد وآله، ومن آبائهم إلى آدم ومن ذرياتهم إلى محمد ﴿ واجتبيناهم ﴾ في الأزل لهذا الشأن ﴿ وهديناهم ﴾ إلى الأبد ﴿ ولو أشركوا ﴾ بأن لاحظوا غيرنا فأثبتوا شيئاً من دوننا ونسبوا شيئاً من الحوادث إلى غير قدرتنا، أو لم يبدلوا أنانيتهم في هويتنا ﴿ لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ لتلاشي عرفانهم وتلف ما سلف من إحسانهم ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ لأنهم سلكوا حتى انتهى مسير كل منهم إلى ما قدر له: آدم في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، وجميع الملائكة المقربين إلى سدرة المنتهى، وأنت محمد إلى مقام قاب قوسين أو أدنى ﴿ قل لا أسألكم ﴾ أيها الأنبياء على الاقتداء ﴿ أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين ﴾ ليعلموا أن الطريق إلى الله لا يسلك إلا بالاقتداء، أو ﴿ لا أسألكم ﴾ أيها الأمة على دعوتكم إلى الحق ﴿ أجراً أن هو إلا ذكرى للعالمين ﴾ من الله وبه وإليه وهو المستعان.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ أي: ذلك الهدي الذي هدى هؤلاء فبهداه اهتدوا.
وفي الآية [دلالة] نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله قد شاء أن يهدي الخلائق كلهم لكن لم يهتدوا، وعلى قولهم لم يكن من الله إلى الرسل والأنبياء من الهداية والفضل إلا كان ذلك إلى جميع الكفرة، فالآية تكون مسلوبة الفائدة على قولهم؛ لأنه ذكر أنه يهدي من يشاء وهم يقولون: شاء أن يهدي الكل لكن لم يهتدوا، فإن كان كما ذكروا لم يكن لقوله: ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ فائدة؛ دل أنه من الخلائق من قد شاء ألا يهديهم إذا علم منهم أنهم لا يهتدون ولا يختارون الهدى، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
هذا بناء على الحكم فيهم لو أشركوا إلا أنهم [لا] يشركون؛ لأن الله قد عصمهم واختارهم لرسالته واختصهم لنبوته، فلا يحتمل أن يشركوا، لكن ذكر هذا؛ ليعلموا أن حكمه واحد فيمن أشرك في الله غيره وضيعا كان أو شريفاً.
وقوله: ﴿ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ : من الحسنات والخيرات التي كانت قبل الإشراك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ ﴾ : قيل: الكتب التي أعطى الرسل.
﴿ وَٱلْحُكْمَ ﴾ قيل: العلم والفقه والفهم.
وقيل: الأحكام التي أعطاهم، والنبوة هي أنباء الغيب؛ وقد ذكرنا [هذا].
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .
قيل: ﴿ بِهَا ﴾ كناية عن أنباء الغيب، والنبوة التي ذكر.
وقيل: ﴿ بِهَا ﴾ كناية عن الكتب التي أنزلها على الرسل.
وقيل: هي كناية عن الآيات والحجج التي أعطى رسوله.
وقوله: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ .
اختلف فيه قال بعضهم: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا ﴾ - يعني: أهل مكة - ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ : أهل المدينة من الأنصار والمهاجرين؛ وهو قول ابن عباس.
وقيل: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ ، يعني: من عد من الرسل والأنبياء.
وقيل: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ ، يعني: أهل قرابتك وأهل وصلتك، فقد وكلنا بها قوماً من غير أهل قرابتك ليسوا بها بكافرين.
وقيل: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، يعني: أهل زمانك، ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً ﴾ : من تقدمهم من آبائهم وأجدادهم، ﴿ لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ .
وقيل: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، يعني: أهل الأرض، ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً ﴾ ، يعني: أهل السماء، ﴿ لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ .
قال الحسن - رحمه الله -: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، يعني: أمتك، فقد وكل الله بها النبيين والصالحين من الأمم الخالية، ﴿ لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ ، والله أعلم بذلك وهو كما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ ﴾ .
يحتمل [فبهديهم الذي هدوا هم] أهدِ أنت أمتك.
ويحتمل: فبهداهم الذي هدوا هم اهتد أنت؛ يأمره - عز وجل بالاقتداء بإخوانه الذين مضوا من الرسل.
والهدى: هو اسم ما يدان به ليس هو اسم الأفعال، لا يقال: لتارك الصلاة والزكاة والصيام: هداك، إنما يقال ذلك لمن دان بضد الهدى.
أمر رسوله أن يقتدي بهم بذلك، وذلك يدل على أن الأنبياء والرسل كانوا على دين واحد، وأن الدين لا يحتمل النسخ والتغيير.
ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ﴾ أخبر [أنه شرع لنا الدين الذي وصى به نوحاً]، وذلك يدل [على] أن الدين واحد لا يحتمل النسخ، وأما الشرائع: فهي مختلفة؛ لأنها تحتمل النسخ، وتحتمل الأمر بالاقتداء بهم ما ذكر.
﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ أي: اقتد بمن تقدم من الرسل، ولا تأخذ على تبليغ الرسالة أجرا كما لم يأخذوا هم.
وفي قوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ دليل نقض قول من يجيز أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم ورواية الحديث وغير ذلك من العبادات؛ وكذلك قوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ﴾ ؛ كأنه - والله أعلم - يجعل لهم العذر في ترك الإجابة له بما يلحقهم من ثقل الأجر والغرم، والله أعلم.
وفيه - أيضاً - دلالة تنقض مذهب القرامطة؛ لأنهم يعرضون مذهبهم على الناس، ويأخذون منهم المواثيق والجعل في ذلك، وإنما أخذ المواثيق من الرسل على تبليغ الرسالة إلى قومهم، وأمروا بتأليف قلوب الخلق، وهي أخذ الجعل منهم نفور قلوبهم وطباعهم عن ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ ﴾ .
أي: ما هذا القرآن إلا ذكرى، أي: عظة وزجر للعالمين.
<div class="verse-tafsir"
أولئك الأنبياء، ومن ذُكِرَ معهم من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم، هم أهل الهداية حقًّا، فَاتَّبِعْهُم وتَأسَّ بهم، وقل -أيها الرسول- لقومك: لا أطلب منكم على إبلاغ هذا القرآن جزاء، فالقرآن ليس إلا موعظة للعالمين من الإنس والجن ليسترشدوا به إلى الصراط المستقيم، والطريق الصحيح.
من فوائد الآيات من فضائل التوحيد أنه يضمن الأمن للعبد، خاصة في الآخرة حين يفزع الناس.
تُقَرِّر الآيات أن جميع من سبق من الأنبياء إنما بَلَّغوا دعوتهم بتوفيق الله تعالى لا بقدرتهم.
الأنبياء يشتركون جميعًا في الدعوة إلى توحيد الله تعالى مع اختلاف تشريعاتهم في العبادة.
الاقتداء بالأنبياء سنة محمودة، وخاصة في أصول التوحيد.
<div class="verse-tafsir" id="91.GbLQ2"