الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٩٨ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 128 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٨ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قول تعالى : ( وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ) يعني : آدم عليه السلام ، كما قال : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) [ النساء : 1 ] .
وقوله : ( فمستقر ) اختلفوا في معنى ذلك ، فعن ابن مسعود ، وابن عباس ، وأبي عبد الرحمن السلمي ، وقيس بن أبي حازم ومجاهد ، وعطاء ، وإبراهيم النخعي ، والضحاك وقتادة والسدي ، وعطاء الخراساني : ( فمستقر ) أي : في الأرحام قالوا - أو : أكثرهم - : ( ومستودع ) أي : في الأصلاب .
وعن ابن مسعود وطائفة عكس ذلك .
وعن ابن مسعود أيضا وطائفة : فمستقر في الدنيا ، ومستودع حيث يموت .
وقال سعيد بن جبير : ( فمستقر ) في الأرحام وعلى ظهر الأرض ، وحيث يموت .
وقال الحسن البصري : المستقر الذي قد مات فاستقر به عمله .
وعن ابن مسعود : ومستودع في الدار الآخرة .
والقول الأول هو الأظهر ، والله أعلم .
وقوله : ( قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ) أي : يفهمون ويعون كلام الله ومعناه .
القول في تأويل قوله : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإلهكم، أيها العادلون بالله غيره =" الذي أنشأكم " ، يعني: الذي ابتدأ خلقكم من غير شيء، فأوجدكم بعد أن لم تكونوا شيئًا (16) =" من نفس واحدة "، يعني: من آدم كما:- 13613 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " من نفس واحدة "، قال: آدم عليه السلام.
13614 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة "، من آدم عليه السلام.
* * * وأما قوله: " فمستقر ومستودع "، فإن أهل التأويل في تأويله مختلفون.
فقال بعضهم: معنى ذلك: وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة, فمنكم مستقِرٌّ في الرحم، ومنكم مستودع في القبر حتى يبعثه الله لنَشْر القيامة.
* ذكر من قال ذلك: 13615 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو معاوية, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن إبراهيم, عن عبد الله: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ، [سورة هود: 6].
قال: مُسْتَقَرَّهَا ، في الأرحام = وَمُسْتَوْدَعَهَا ، حيث تموت.
13616- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم, عن إسماعيل, عن إبراهيم, عن عبد الله أنه قال: " المستودع " حيث تموت, و " المستقر "، ما في الرحم .
13617- حدثت عن عبيد الله بن موسى, عن إسرائيل, عن السدي, عن مرة, عن عبد الله بن مسعود قال: " المستقر "، الرحم, و " المستودع "، المكان الذي تموت فيه.
13618 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا محمد بن فضيل وعلي بن هاشم, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن إبراهيم: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا قال: مُسْتَقَرَّهَا ، في الأرحام = وَمُسْتَوْدَعَهَا ، في الأرض، حيث تموت فيها.
13619 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس, عن ليث, عن مقسم قال: مُسْتَقَرَّهَا ، في الصلب حيث تأويل إليه = وَمُسْتَوْدَعَهَا ، حيث تموت.
* * * وقال آخرون: " المستودع "، ما كان في أصلاب الآباء = و " المستقر "، ما كان في بطون النساء، وبطون الأرض، أو على ظهورها.
* ذكر من قال ذلك: 13620 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا كلثوم بن جبر, عن سعيد بن جبير في قوله: " فمستقر ومستودع "، قال: مستودعون، ما كانوا في أصلاب الرجال.
فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض أو في بطنها, فقد استقرّوا.
13621- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن علية, عن كلثوم بن جبر, عن سعيد بن جبير: " فمستقر ومستودع "، قال: المستودعون ما كانوا في أصلاب الرجال.
فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض، فقد استقروا.
13622- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن المغيرة بن النعمان, عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ، [سورة هود : 6].
قال: " المستودع " في الصلب = و " المستقر "، ما كان على وجه الأرض أو في الأرض.
(17) * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمستقر في الأرض على ظهورها، ومستودع عند الله.
* ذكر من قال ذلك: 13623 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن المغيرة, عن أبي الجبر بن تميم بن حذلم, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " المستقر " الأرض," والمستودع "، عند الرحمن.
(18) 13624 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: " المستقر "، الأرض, و " المستودع "، عند ربك.
13625 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن إبراهيم قال، قال عبد الله: مُسْتَقَرَّهَا ، في الدنيا, وَمُسْتَوْدَعَهَا ، في الآخرة = يعني=" فمستقر ومستودع ".
13626 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير قال: " المستودع "، في الصلب, و " المستقر "، في الآخرة وعلى وجه الأرض.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: فمستقر في الرحم، ومستودع في الصلب.
* ذكر من قال ذلك: 13627 - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص, عن أبي الحارث, عن عكرمة, عن ابن عباس في قول الله: " فمستقر ومستودع "، قال: مستقر في الرحم, ومستودع في صلب، لم يخلق سَيُخلق.
(19) 13628 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن يحيى الجابر, عن عكرمة: " فمستقر ومستودع "، قال: " المستقر "، الذي قد استقر في الرحم, و " المستودع "، الذي قد استودع في الصلب.
(20) 13629 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن أبي الجبر تميم, عن سعيد بن جبير, قال ابن عباس: سل!
فقلت: " فمستقرّ ومستودع " ؟
قال: " المستقر "، في الرحم, و " المستودع "، ما استودع في الصلب.
(21) 13630- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: " فمستقر ومستودع "، قال: " المستقر " الرحم, و " المستودع "، ما كان عند رب العالمين مما هو خالقه ولم يخلق.
13631- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في قوله: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا [سورة هود: 6] ، قال: " المستقر "، ما كان في الرحم مما هو حيٌّ، ومما قد مات = و " المستودع "، ما في الصلب.
13632- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر, عن سعيد بن جيير قال: قال لي ابن عباس, وذلك قبل أن يَخْرُج وجهي (22) أتزوّجت يا ابن جبير؟
قال: قلت لا وما أريد ذاك يومي هذا!
قال فقال: أما إنه مع ذلك سيخرج ما كان في صلبك من المستودَعين.
13633- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جيير قال: قال لي ابن عباس: تزوجت؟
قلت: لا !
قال: فضرب ظهري وقال: ما كان من مستودَع في ظهرك سيخرج.
13634- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " فمستقر ومستودع "، قال: " المستقر "، في الأرحام, و " المستودع "، في الصلب، لم يخلق وهو خالقه.
13635- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " فمستقر ومستودع "، قال: " المستقر "، في الرحم, و " المستودع "، ما استودع في أصلاب الرجال والدوابّ.
13636 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد قال: " المستقر "، ما استقرّ في الرحم, و " المستودع "، ما استودع في الصلب.
13637- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن أبي الجبر بن تميم, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, بنحوه.
(23) 13638 - حدثنا هناد قال، حدثنا عبيدة بن حميد, عن عمار الدهني, عن رجل, عن كريب قال: دعاني ابن عباس فقال: اكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله بن عباس، إلى فلان حَبْر تَيْماء، سلامٌ عليك, فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو, أما بعد = قال، فقلت: تبدؤه تقول: السلام عليك؟
فقال: إن الله هو السلام = ثم قال: اكتب " سلامٌ عليك, أما بعد، فحدثني عن: " مستقر ومستودع ".
قال: ثم بعثني بالكتاب إلى اليهودي, فأعطيته إياه.
فلما نظر إليه قال: مرحبًا بكتاب خليلي من المسلمين !
فذهب بي إلى بيته, ففتح أسفاطًا له كبيرة, (24) فجعل يطرح تلك الأشياء لا يلتفت إليها.
قال قلت: ما شأنك؟
قال: هذه أشياء كتبها اليهود!
حتى أخرج سفر موسى عليه السلام، قال: فنظر إليه مرتين فقال: " المستقر "، الرحم، قال: ثم قرأ: وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ [سورة الحج: 5] ، وقرأ: وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ ، [سورة البقرة :36] ، [سورة الأعراف:24].
قال: مستقرُّه فوق الأرض, ومستقرُّه في الرحم, ومستقره تحت الأرض حتى يصير إلى الجنة أو إلى النار.
(25) 13639 - حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء: " فمستقر ومستودع "، قال: " المستقر "، ما استقر في أرحام النساء, و " المستودع "، ما استودع في أصلاب الرجال.
13640- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء قال: " المستقر "، الرحم, و " المستودع "، في أصلاب الرجال.
13641- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا روح بن عبادة, عن ابن جريج, عن عطاء = وعن ابن أبي نجيح, عن مجاهد = قال: " المستقر "، الرحم, و " المستودع "، في الأصلاب.
13642- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثناعيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " فمستقر "، ما استقر في أرحام النساء =" ومستودع "، ما كان في أصلاب الرجال .
13643- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه .
13644- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد قال: " المستقر "، ما استقر في الرحم, و " المستودع "، ما استودع في الصلب.
13645- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: " المستقر "، الرحم," والمستودع "، الصلب .
13646 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا معاذ بن معاذ, عن ابن عون قال: أتينا إبراهيم عند المساء فأخبرونا أنه قد مات، فقلنا: هل سأله أحدٌ عن شيء؟
قالوا: عبد الرحمن بن الأسود، عن " المستقر " و " المستودع "، فقال: " المستقر "، في الرحم, و " المستودع "، في الصلب.
13647- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا ابن عون قال: أتينا إبراهيم وقد مات، قال: فحدثني بعضهم: أنّ عبد الرحمن بن الأسود سأله قبل أن يموت عن " المستقر " و " المستودع ", فقال: " المستقر "، في الرحم," والمستودع "، في الصلب.
13648- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن ابن عون: أتينا منـزل إبراهيم, فسألنا عنه فقالوا: قد توفي.
وسأله عبد الرحمن بن الأسود, فذكر نحوه.
13649- حدثني به يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن ابن عون: أنه بلغه: أنّ عبد الرحمن بن الأسود سأل إبراهيم عن ذلك, فذكر نحوه.
13650- حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة, عن العلاء بن هارون قال: انتهيت إلى منـزل إبراهيم حين قبض, فقلت لهم: هل سأله أحد عن شيء؟
قالوا: سأله عبد الرحمن بن الأسود عن " مستقر ومستودع ", فقال: أما " المستقر "، فما استقر في أرحام النساء, و " المستودع "، ما في أصلاب الرجال.
(26) 13651- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس, عن ليث, عن مجاهد في" فمستقر ومستودع "، قال: " المستقر "، الرحم, و " المستودع "، الصلب.
13652 - حدثني يونس قال، حدثني سفيان, عن رجل حدَّثه، عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: ألا تنكح؟
ثم قال: أما إني أقول لك هذا، وإني لأعلم أن الله مخرجٌ من صلبك ما كان فيه مستودَع.
(27) 13653- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: " المستقر " ، في الرحم, و " المستودع "، في الصلب.
13654- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن ابن عباس: " فمستقر ومستودع "، قال: " مستقر "، في الرحم, و " مستودع "، في الصلب.
13655 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " فمستقر ومستودع "، قال: " مستقر "، في الرحم, و " مستودع "، في الصلب.
13656 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك: " فمستقر ومستودع "، أما " مستقر "، فما استقر في الرحم = وأما " مستودع "، فما استودع في الصلب.
13657 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فمستقر ومستودع "، قال: " مستقر "، في الأرحام," ومستودع "، في الأصلاب.
13658- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير = وأبي حمزة, عن إبراهيم = قالا " مستقر ومستودع "," المستقر "، في الرحم, و " المستودع "، في الصلب.
* * * وقال آخرون: " المستقر "، في القبر," والمستودع "، في الدنيا.
* ذكر من قال ذلك: 13659 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كان الحسن يقول: " مستقر "، في القبر," ومستودع " في الدنيا، وأوشك أن يلحق بصاحبه.
* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه عمّ بقوله: " فمستقر ومستودع "، كلَّ خلقه الذي أنشأ من نفس واحدة، مستقرًّا ومستودعًا, ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى.
ولا شك أنّ من بني آدم مستقرًّا في الرحم، ومستودعًا في الصلب, ومنهم من هو مستقر على ظهر الأرض أو بطنها، ومستودع في أصلاب الرجال, ومنهم مستقر في القبر، مستودع على ظهر الأرض.
فكلٌّ" مستقر " أو " مستودع " بمعنى من هذه المعاني، فداخل في عموم قوله: " فمستقر ومستودع " ومراد به، إلا أن يأتي خبرٌ يجب التسليم له بأنه معنيٌّ به معنى دون معنى، وخاص دون عام.
* * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: " فمستقر ومستودع " .
فقرأت ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) ، بمعنى: فمنهم من استقرّه الله في مقرِّه، فهو مستقَرٌّ = ومنهم من استودعه الله فيما استودعه فيه، فهو مستودَع فيه.
* * * وقرأ ذلك بعض أهل المدينة وبعض أهل البصرة: (فَمُسْتَقِرٌّ)، بكسر " القاف " بمعنى: فمنهم من استقرّ في مقرّه، فهو مستقِرّ به.
* * * وأولى القراءتين بالصواب عندي، وإن كان لكليهما عندي وجه صحيح: (فَمُسْتَقَرٌّ) ، بمعنى: استقرّه الله في مستقَرِّه, ليأتلف المعنى فيه وفي" المستودَع "، في أن كل واحد منهما لم يسمَّ فاعله, وفي إضافة الخبر بذلك إلى الله في أنه المستقِرُّ هذا، والمستودِع هذا.
وذلك أن الجميع مجمعون على قراءة قوله: " ومستودَع " بفتح " الدال " على وجه ما لم يسمَّ فاعله, فإجراء الأوّل = أعني قوله: " فمستقر " = عليه، أشبه من عُدُوله عنه.
* * * وأما قوله: " قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون "، يقول تعالى: قد بيّنا الحجج، وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها (28) =" لقوم يفقهون "، مواقعَ الحجج ومواضع العبر، ويفهمون الآيات والذكر, (29) فإنهم إذا اعتبروا بما نبّهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عاينوا من البشر، وخلقي ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور, علموا أنّ ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه، كما:- 13660- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون "، يقول: قد بينا الآيات لقوم يفقهون.
* * * -------------------- الهوامش : (16) انظر تفسير"أنشأ" فيما سلف: 263 ، 264.
(17) الأثر: 13622 -"المغيرة بن النعمان النخعي" ، يروي عن سعيد بن جبير ، وروى عنه شعبة ، والثوري ، ومسعر ، وغيرهم.
ثقة.
مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/325 ، وابن أبي حاتم 4/1/231.
(18) الأثر: 13623 -"المغيرة" في هذ1 الإسناد ، هو"المغيرة بن مقسم الضبي" ، إمام مشهور ، مضى مرارًا ، آخرها رقم: 9292.
و"أبو الجبر بن تميم بن حذلم" ، كان في المطبوعة هنا ، وفي رقم: 13629 ، 13637"أبو الخير تميم بن حذلم" ، وفي المخطوطة: "أبو الحر تميم بن حذلم" ، غير منقوطة وبإسقاط"بن" ، وهوخطأ.
فإن"تميم بن حذلم الضبي" كنيته"أبو سلمة" ، أو "أبو حذلم" ، وهو من أصحاب عبد الله بن مسعود ، وأدرك أبا بكر ، فهو تابعي قديم ، وليس يروى عنه"مغيرة" ، إنما يروى عنه من طريق ابنه هذا ، ومن طريق إبراهيم اللخعي.
وهو مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/151 ، 152 ، وابن أبي حاتم 1/1/442.
وأما ابنه"أبو الجبر بن تميم" ، فاسمه"عبد الرحمن بن تميم بن حذلم الضبي" ، روى عنه أبو إسحق الهمداني ، ومغيرة.
فلذلك صححت ما كان في المخطوطة ، والمطبوعة ، وزدت"بن" ، وكذلك أشار إليه البخاري في التاريخ وغيره في ترجمة أبيه ، الكبير 1/2/151 ، 152.
و"أبو الجبر" بالجيم والباء ، وهو مذكور في أكثر الكتب"أبو الخير" ، وهو خطأ ، ضبطه عبد الغني في المؤتلف والمختلف ، وابن ماكولا ، والدولابي ، وكذلك ذكره ابن أبي حاتم في الكنى (4/ 2/ 355) في حرف الجيم ، وهو مترجم أيضًا فيه 2/2/218.
وانظر الأثرين التاليين رقم: 13629 ، 13637.
(19) في المطبوعة: "وسيخلق" بزيادة الواو ، ولا ضرورة لها.
(20) الأثر: 13628 -"يحيى الجابر" ، هو"يحيى بن المجبر" منسوبًا لجده ، و"يحيى بن عبد الله بن الحارث بن المجبر التيمي" ، مضى برقم: 10188 - 10190 ، وكان في المطبوعة هنا"يحيى الجابري" ، وهو خطأ صرف.
(21) الأثر: 13629 -"أبو الجبر بن تميم" ، انظر التعليق على رقم: 13623 ، وكان في المطبوعة: "أبو الخير تميم" ، وفي المخطوطة: "أبو الحبر تميم" غير منقوط ، وهما خطأ.
(22) قوله: "وذلك قبل أن يخرج وجهي" ، يعني: قبل أن تنبت لحيته ، وهذا تعبير عزيز لا تجد تفسيره في كتب اللغة والمجاز ، فقيده.
(23) الأثر: 13637 -"أبو الجبر بن تميم" ، مضى برقم: 13623 ، 13629 ، تصحيحه ، وكان هنا أيضًا في المطبوعة: "أبو الخير تميم" ، وفي المخطوطة: "أبو الخير تميم" غير منقوط.
(24) "الأسفاط" جمع"سفط" (بفتحتين): وهو وعاء كالجوالق ، وبين الخبر هنا أنهم كانوا يستخدمونه في حفظ الكتب والأسفار.
(25) الأثر: 13638 -"كريب" هو"كريب بن أبي مسلم الهاشمي" مولى ابن عباس ، تابعي ثقة ، مضى برقم: 1075.
(26) الأثر: 13650 -"عبيد الله بن محمد بن هرون الفريابي" ، شيخ الطبري ، مضى برقم: 17 ، 9227.
و"ضمرة بن ربيعة الفلسطيني" ، مضى برقم: 7134 ، 12868.
و"العلاء بن هرون الواسطي" ، سكن الرملة.
روى عن ابن عون.
ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/362.
وأخشى أن يكون هذا الخبر ، عن العلاء بن هرون ، عن ابن عون ، بل أرجح أن يكون كذلك.
(27) في المطبوعة: "ما كان فيه مستودعًا" ، غير ما في المخطوطة بلا طائل.
(28) انظر تفسير"فصل" فيما سلف ص: 561 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(29) انظر تفسير"فقه" فيما سلف ص: 433 ، تعليق2 ، والمراجع هناك.
قوله تعالى وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون قوله تعالى وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة يريد آدم عليه السلام .
وقد تقدم في أول السورة .فمستقر قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج وشيبة والنخعي بكسر القاف ، والباقون بفتحها .
وهي في موضع رفع بالابتداء ، إلا أن التقدير في من كسر القاف فمنها " مستقر " والفتح بمعنى لها مستقر .
قال عبد الله بن مسعود : فلها مستقر في الرحم ومستودع في الأرض التي تموت فيها ; وهذا التفسير يدل على الفتح .
وقال الحسن : فمستقر في القبر .
وأكثر أهل التفسير يقولون : المستقر ما كان في الرحم ، والمستودع ما كان في الصلب ; رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وقاله النخعي .
وعن ابن عباس أيضا : مستقر في الأرض ، ومستودع في الأصلاب .
قال سعيد بن جبير : قال لي ابن عباس هل تزوجت ؟
قلت : لا ; فقال : إن الله عز وجل يستخرج من ظهرك ما استودعه فيه .
وروي عن ابن عباس أيضا أن المستقر من خلق ، والمستودع من لم يخلق ; ذكره الماوردي .
وعن ابن عباس أيضا : ومستودع عند الله .[ ص: 44 ] قلت : وفي التنزيل ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين والاستيداع إشارة إلى كونهم في القبر إلى أن يبعثوا للحساب .
وقد تقدم في البقرة .قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون قال قتادة : فصلنا بينا وقررنا .
والله أعلم .
{ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } وهو آدم عليه السلام.
أنشأ الله منه هذا العنصر الآدمي؛ الذي قد ملأ الأرض ولم يزل في زيادة ونمو، الذي قد تفاوت في أخلاقه وخلقه، وأوصافه تفاوتا لا يمكن ضبطه، ولا يدرك وصفه، وجعل الله لهم مستقرا، أي منتهى ينتهون إليه، وغاية يساقون إليها، وهي دار القرار، التي لا مستقر وراءها، ولا نهاية فوقها، فهذه الدار، هي التي خلق الخلق لسكناها، وأوجدوا في الدنيا ليسعوا في أسبابها، التي تنشأ عليها وتعمر بها، وأودعهم الله في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، ثم في دار الدنيا، ثم في البرزخ، كل ذلك، على وجه الوديعة، التي لا تستقر ولا تثبت، بل ينتقل منها حتى يوصل إلى الدار التي هي المستقر، وأما هذه الدار، فإنها مستودع وممر { قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } عن الله آياته، ويفهمون عنه حججه، وبيناته.
( وهو الذي أنشأكم ) خلقكم وابتدأكم ، ( من نفس واحدة ) يعني : آدم عليه السلام ، ( فمستقر ومستودع ) قرأ ابن كثير وأهل البصرة " فمستقر " بكسر القاف ، يعني : فمنكم مستقر ومنكم مستودع ، وقرأ الآخرون بفتح القاف ، أي : فلكم مستقر ومستودع .
واختلفوا في المستقر والمستودع ، قال عبد الله بن مسعود : فمستقر في الرحم إلى أن يولد ، ومستودع في القبر إلى أن يبعث .
وقال سعيد بن جبير وعطاء : فمستقر في أرحام الأمهات ومستودع في أصلاب الآباء ، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس قال سعيد بن جبير : قال لي ابن عباس هل تزوجت قلت : لا قال : إنه ما كان من مستودع في ظهرك فيستخرجه الله عز وجل .
وروي عن أبي أنه قال : مستقر في أصلاب الآباء ، ومستودع في أرحام الأمهات .
وقيل : مستقر في الرحم ومستودع فوق الأرض ، قال الله تعالى : " ونقر في الأرحام ما نشاء " ( الحج ، 5 ) .
وقال مجاهد : مستقر على ظهر الأرض في الدنيا ومستودع عند الله في الآخرة ، ويدل عليه قوله تعالى : " ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين " ( البقرة ، 36 ) .
وقال الحسن : المستقر في القبور والمستودع في الدنيا ، وكان يقول : يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك ويوشك أن تلحق بصاحبك .
وقيل : المستودع القبر والمستقر الجنة والنار ، لقوله عز وجل في صفة الجنة والنار : " حسنت مستقرا " ( الفرقان ، 76 ) " ساءت مستقرا " ( الفرقان ، 66 ) ، ( قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ) .
«وهو الذي أنشأكم» خلقكم «من نفس واحدة» من آدم «فّمُستقِرٌ» منكم في الرحم «ومستودع» منكم في الصلب وفي قراءة بفتح القاف أي مكان قرار لكم «قد فصَّلنا الآيات لقوم يفقهون» ما يقال لهم.
والله سبحانه هو الذي ابتدأ خلقكم أيها الناس من آدم عليه السلام؛ إذ خلقه من طين، ثم كنتم سلالة ونسلا منه، فجعل لكم مستقَرًا تستقرون فيه، وهو أرحام النساء، ومُستودعًا تُحفَظُون فيه، وهو أصلاب الرجال، قد بينا الحجج وميزنا الأدلة، وأحكمناها لقوم يفهمون مواقع الحجج ومواضع العبر.
ثم ساق - سبحانه - لونا رابعا من دلائل كمال قدرته ورحمته .
فقال - تعالى - : { وَهُوَ الذي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } .أى : وهو - سبحانه - الذى أوجدكم من نفس واحدة هى نفس أبيكم آدم - عليه السلام - قال - تعالى - { ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً } وفى هذه الجملة الكريمة تذكير بنعمة أخرى من نعم الله على خلقه ، لأن رجوع الناس إلى أصل واحد أقرب إلى التواد والتراحم والتعاطف ، وفيها - أيضاً - دليل على عظيم قدرته - عز وجل - .
والفاء فى قوله - تعالى - { فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } للتفريع عن أنشأكم .أى : أنشأكم من نفس واحدة فلكم موضع الاستقرار فى الأرحام أو فى الأرض وموضع استيداع فى الأصلاب أو فى القبور .وهذا التفسير مأثور عن ابن عباس ، وقد زكاه الإمام الرازى فقال : ومما يدل على قوة هذا القول أن النطقة الواحدة لا تبقى فى صلب الأب زمانا طويلا فالمستقر أقرب إلى الثبات من المستودع " .وقيل المستقر حالة الإنسان بعد الموت لأنه إن كان سعيدا فقد استقرت تلك السعادة ، وكذلك إن كان شقيا ، والمستودع حالة قبل الموت لأن الكافر قد ينقلب مؤمنا .وقيل : المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل الدنيا واستقر فيها ، والمستودع الذى لم يخلق بعد وسيخلق .والذى نراه أن الرأى الأول هو الصحيح لأنه رأى جمهور المفسرين ، ولأن شواهد القرآن تؤيده كما فى قوله - تعالى - { وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ } وكما فى قوله - تعالى - { وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَآءُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } وقرىء { فَمُسْتَقِرٌّ } - بكسر القاف - أى : فمنكم مستقر فى الأرحام ومنكم مستودع .وقوله { قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } أى : قد فصلنا الآيات الدالة على قدرتنا ووضحناها لقوم يفقهون ما يتلى عليهم ويتدبرونه فينتفعون بذلك .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قيل " يعلمون " مع ذكر النجوم و { يَفْقَهُونَ } مع ذكر إنشاء بنى آدم؟
قلت : كان إنشاء الإنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا فكان ذكر الفقه الذى هو استعمال فطنته وتدقيقه نظره مطابقا له .وقد علق صاحب الانتصاف على كلام الزمخشرى بما ملخصه : " جواب الزمخشرى صناعى ، والتحقيق أنه لما أريد فصل كليهما بفاصلة تنبيها على استقلال كل واحدة منهما بالمقصود من الحجة ، كره فصلهما بفاصلتين متساويتين فى اللفظ ، لما فى ذلك من التكرار فعدل إلى فاصلة مخالفة تحسيناً للنظم واتساقا فى البلاغة ، ويحتمل وجهاً آخر فى تخصيص الأولى بالعلم والثانية بالفقه وهو أنه لما كان المقصود التعريض بمن لا يتدبر آيات الله ولا يعتبر بمخلوقاته وكانت الآية الأولى خارجة عن أنفس النظار ومنافية لها ، إذ النجوم والنظر فيها وعلم الحكمة الإلهية فى تدبيره لها أمر خارج عن نفس الناظر ، ولا كذلك النظر فى إنشائهم من نفس واحدة ، وتقلباتهم فى أطوار مختلفة فإنه نظر لا يعدو نفس الناظر ولا يتجاوزها ، فإذا تمهد ذلك فجهل الإنسان بنفسه وبأحواله أبشع من جهله بالأمور الخارجة عنه كالنجوم والأفلاك ، فلما كان الفقه أدنى درجات العلم إذ هو عبارة عن الفهم نفى من أبشع القبيلين جهلا وهم الذين لا يتبصرون فى أنفسهم ، ونفى الأدنى أبشع من نفى الأعلى درجة فخص به أسوأ الفريقين حالا .
.
وإذا قيل : فلان " لا يفقه شيئاً " كان أذم فى العرف من قولك : فلان لا يعلم شيئاً وكأن معنى قولك لا يفقه شيئاً ليست له أهلية الفهم وإن فهم ، وأما قولك " لا يعلم شيئاً " فغايته نفى حصول العلم له ، وقد يكون له أهلية الفهم والعلم لو يعلم .
هذا نوع رابع من دلائل وجود الإله وكمال قدرته وعلمه، وهو الاستدلال بأحوال الإنسان فنقول لا شبهة في أن النفس الواحدة هي آدم عليه السلام وهي نفس واحدة.
وحواء مخلوقة من ضلع من أضلاعه.
فصار كل الناس من نفس واحدة وهي آدم.
فإن قيل: فما القول في عيسى؟
قلنا: هو أيضاً مخلوق من مريم التي هي مخلوقة من أبويها.
فإن قالوا: أليس أن القرآن قد دل على أنه مخلوق من الكلمة أو من الروح المنفوخ فيها فكيف يصح ذلك؟
قلنا: كلمة من تفيد ابتداء الغاية ولا نزاع أن ابتداء تكون عيسى عليه السلام كان من مريم وهذا القدر كاف في صحة هذا اللفظ.
قال القاضي: فرق بين قوله: ﴿ أَنشَأَكُمْ ﴾ وبين قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ لأن أنشأكم يفيد أنه خلقكم لا ابتداء.
ولكن على وجه النمو والشنوء لا من مظهر من الأبوين، كما يقال: في النبات إنه تعالى أنشأه بمعنى النمو والزيادة إلى وقت الانتهاء.
وأما قوله: ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ ففيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾ بكسر القاف والباقون بفتحها قال أبو علي الفارسي.
قال سيبويه، يقال: قر في مكانه واستقر فمن كسر القاف كان المستقر بمعنى القار وإذا كان كذلك وجب أن يكون خبره المضمر منكم أي منكم مستقر.
ومن فتح القاف فليس على أنه مفعول به لأن استقر لا يتعدى فلا يكون له مفعول به فيكون اسم مكان فالمستقر بمنزلة المقر.
وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون خبره المضمر منكم بل يكون خبره لكم فيكون التقدير لكم مقر وأما المستودع فإن استودع فعل يتعدى إلى مفعولين تقول استودعت زيداً ألفاً وأودعت مثله، فالمستودع يجوز أن يكون اسماً للإنسان الذي استودع ذلك المكان ويجوز أن يكون المكان نفسه.
إذا عرفت هذا فنقول: من قرأ مستقراً بفتح القاف جعل المستودع مكاناً ليكون مثل المعطوف عليه والتقدير فلكم مكان استقرار ومكان استيداع ومن قرأ ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾ بالكسر، فالمعنى: منكم مستقر ومنكم مستودع، والتقدير: منكم من استقر ومنكم من استودع.
والله أعلم.
المبحث الثاني: الفرق بين المستقر والمستودع أن المستقر أقرب إلى النبات من المستودع فالشيء الذي حصل في موضع ولا يكون على شرف الزوال يسمى مستقراً فيه، وأما إذا حصل فيه وكان على شرف الزوال يسمى مستودعاً لأن المستودع في معرض أن يسترد في كل حين وأوان.
إذا عرفت هذا فنقول: كثر اختلاف المفسرين في تفسير هذين اللفظين على أقوال: فالأول: وهو المنقول عن ابن عباس في أكثر الروايات أن المستقر هو الأرحام والمستودع الأصلاب قال كريب: كتب جرير إلى ابن عباس يسأله عن هذه الآية فأجاب المستودع الصلب والمستقر الرحم ثم قرأ: ﴿ وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَاء ﴾ ومما يدل أيضاً على قوة هذا القول أن النطفة الواحدة لا تبقى في صلب الأب زماناً طويلاً والجنين يبقى في رحم الأم زماناً طويلاً، ولما كان المكث في الرحم أكثر مما في صلب الأب كان حمل الاستقرار على المكث في الرحم أولى.
والقول الثاني: أن المستقر صلب الأب والمستودع رحم الأم، لأن النطفة حصلت في صلب الأب لا من قبل الغير وهي حصلت في رحم الأم بفعل الغير، فحصول تلك النطفة في الرحم من قبل الرجل مشبه بالوديعة لأن قوله: ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ يقتضي كون المستقر متقدماً على المستودع وحصول النطفة في صلب الأب مقدم على حصولها في رحم الأم، فوجب أن يكون المستقر ما في أصلاب الآباء، والمستودع ما في أرحام الأمهات.
والقول الثالث: وهو قول الحسن المستقر حاله بعد الموت لأنه إن كان سعيداً فقد استقرت تلك السعادة، وإن كان شقياً فقد استقرت تلك الشقاوة ولا تبديل في أحوال الإنسان بعد الموت وأما قبل الموت فالأحوال متبدلة.
فالكافر قد ينقلب مؤمناً والزنديق قد ينقلب صديقاً، فهذه الأحوال لكونها على شرف الزوال والفناء لا يبعد تشبيهها بالوديعة التي تكون مشرفة على الزوال والذهاب.
والقول الرابع: وهو قول الأصم.
إن المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل الدنيا واستقر فيها، والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق.
والقول الخامس: للأصم أيضاً المستقر من استقر في قرار الدنيا والمستودع من في القبور حتى يبعث.
وعن قتادة على العكس منه فقال مستقر في القبر ومستودع في الدنيا.
القول السادس: قول أبي مسلم الأصبهاني أن التقدير هو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمنكم مستقر ذكر ومنكم مستودع أنثى إلا أنه تعالى عبر عن الذكر بالمستقر لأن النطفة إنما تتولد في صلبه وإنما تستقر هناك وعبر عن الأنثى بالمستودع لأن رحمها شبيهة بالمستودع لتلك النطفة.
والله أعلم.
المبحث الثالث: مقصود الكلام أن الناس إنما تولدوا من شخص واحد وهو آدم عليه السلام، ثم اختلفوا في المستقر والمستودع بحسب الوجوه المذكورة فنقول: الأشخاص الإنسانية متساوية في الجسمية ومختلفة في الصفات التي باعتبارها حصل التفاوت في المستقر والمستودع والاختلاف في تلك الصفات لابد له من سبب ومؤثر وليس السبب هو الجسمية ولوازمها وإلا لامتنع حصول التفاوت في الصفات، فوجب أن يكون السبب هو الفاعل المختار الحكيم ونظير هذه الآية في الدلالة قوله تعالى: ﴿ واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وألوانكم ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الأيات لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ والمراد من هذا التفصيل أنه بين هذه الدلائل على وجه الفصل للبعض عن البعض.
ألا ترى أنه تعالى تمسك أولاً بتكوين النبات والشجر من الحب والنوى، ثم ذكر بعده التمسك بالدلائل الفلكية من ثلاثة وجوه، ثم ذكر بعده التمسك بأحوال تكوين الإنسان فقد ميز تعالى بعض هذه الدلائل عن بعض، وفصل بعضها عن بعض لقوم يفقهون، وفيه أبحاث: الأول: قوله: ﴿ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ ظاهره مشعر بأنه تعالى قد يفعل الفعل لغرض وحكمة.
وجواب أهل السنة: أن اللام لام العاقبة، أو يكون ذلك محمولاً على التشبيه بحال من يفعل الفعل لغرض.
والثاني: أن هذه الآية تدل على أنه تعالى أراد من جميع الخلق الفقه، والفهم والإيمان.
وما أراد بأحد منهم الكفر.
وهذا قول المعتزلة.
وجواب أهل السنة: أن المراد منه كأنه تعالى يقول: إنما فصلت هذا البيان لمن عرف وفقه وفهم، وهم المؤمنون لا غير.
والثالث: أنه تعالى ختم الآية السابقة، وهي الآية التي استدل فيها بأحوال النجوم بقوله: ﴿ يَعْلَمُونَ ﴾ وختم آخر هذه الآية بقوله: ﴿ يَفْقَهُونَ ﴾ والفرق أن إنشاء الإنس من واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيراً، فكان ذكر الفقه هاهنا لأجل أن الفقه يفيد مزيد فطنة وقوة وذكاء وفهم.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
من فتح قاف المستقر، كان المستودع اسم مكان مثله أو مصدراً.
ومن كسرها، كان اسم فاعل والمستودع اسم مفعول.
والمعنى فلكم مستقرّ في الرحم.
ومستودع في الصلب، أو مستقر فوق الأرض ومستودع تحتها.
أو فمنكم مستقر ومنكم مستودع.
فإن قلت: لم قيل ﴿ يَعْلَمُونَ ﴾ مع ذكر النجوم و ﴿ يَفْقَهُونَ ﴾ مع ذكر إنشاء بني آدم؟
قلت: كان إنشاء الإنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيراً، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقاً له.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ ﴾ خَلَقَها لَكم.
﴿ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ في ظُلُماتِ اللَّيْلِ في البَرِّ والبَحْرِ، وإضافَتُها إلَيْهِما لِلْمُلابَسَةِ أوْ في مُشْتَبِهاتِ الطُّرُقِ وسَمّاها ظُلُماتٍ عَلى الِاسْتِعارَةِ، وهو إفْرادٌ لِبَعْضِ مَنافِعِها بِالذِّكْرِ بَعْدَ ما أجْمَلَها بِقَوْلِهِ لَكم.
﴿ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ ﴾ بَيَّنّاها فَصْلًا فَصْلًا.
﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.
﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ هو آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ ﴾ أيْ فَلَكُمُ اسْتِقْرارٌ في الأصْلابِ، أوْ فَوْقَ الأرْضِ واسْتِيداعٌ في الأرْحامِ، أوْ تَحْتَ الأرْضِ أوْ مَوْضِعِ اسْتِقْرارٍ واسْتِيداعٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والبَصْرِيّانِ بِكَسْرِ القافِ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ، والمُسْتَوْدَعُ اسْمُ مَفْعُولٍ أيْ فَمِنكم قارٌّ ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ، لِأنَّ الِاسْتِقْرارَ مِنّا دُونَ الِاسْتِيداعِ.
﴿ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ ذُكِرَ مَعَ ذِكْرِ النُّجُومِ يَعْلَمُونَ لِأنَّ أمْرَها ظاهِرٌ، ومَعَ ذِكْرِ تَخْلِيقِ بَنِي آدَمَ يَفْقَهُونَ لِأنَّ إنْشاءَهم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وتَصْرِيفُهم بَيْنَ أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ دَقِيقٌ غامِضٌ يَحْتاجُ إلى اسْتِعْمالِ فِطْنَةٍ وتَدْقِيقِ نَظَرٍ.
<div class="verse-tafsir"
{وَهُوَ الذي أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ واحدة} هي آدم عليه السلام {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} فَمُسْتَقَر بالكسر مكي وبصري فمن فتح القاف كان المستودع اسم مكان مثله ومن كسرها كان اسم فاعل والمستودع اسم مفعول يعني فلكم مستقر في الرحم ومستودع في الصلب أو مستقر فوق الأرض ومستودع تحتها أو فمنكم مستقر ومنكم مستودع {قَدْ فَصَّلْنَا الآيات
لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} وإنما قيل يعلمون ثم ويفقهون هنا لأن الدلالة ثمّ أظهر وهنا أدق لأن إنشاء الإنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة أدق فكان ذكر الفقه الدال على تدقيق النظر أوفق
﴿ وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ أيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى فَإنَّ رُجُوعَ الكَثْرَةِ إلى أصْلٍ واحِدٍ أقْرَبُ إلى التَّوادِّ والتَّعاطُفِ.
وفِيهِ أيْضًا دَلالَةٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ ﴾ أيْ فَلَكُمُ اسْتِقْرارٌ في الأصْلابِ أوْ فَوْقَ الأرْضِ، واسْتِيداعٌ في الأرْحامِ أوْ في القَبْرِ أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ واسْتِيداعٍ فِيما ذُكِرَ، وجُعِلَ الصُّلْبُ مَقَرَّ النُّطْفَةِ والرَّحِمُ مُسْتَوْدَعَها لِأنَّها تَحْصُلُ في الصُّلْبِ لا مِن قِبَلِ شَخْصٍ آخَرَ وفي الرَّحِمِ مِن قِبَلِ الأبِ فَأشْبَهَتِ الوَدِيعَةَ كَأنَّ الرَّجُلَ أوْدَعَها ما كانَ عِنْدَهُ.
وجُعِلَ وجْهُ الأرْضِ مُسْتَقَرًّا وبَطْنُها مُسْتَوْدَعًا لِتَوَطُّنِهِمْ في الأوَّلِ واتِّخاذِهِمُ المَنازِلَ والبُيُوتَ فِيهِ وعَدَمِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في الثّانِي، وقِيلَ: التَّعْبِيرُ عَنْ كَوْنِهِمْ في الأصْلابِ أوْ فَوْقَ الأرْضِ بِالِاسْتِقْرارِ لِأنَّهُما مَقَرُّهُمُ الطَّبِيعِيُّ كَما أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ كَوْنِهِمْ في الأرْحامِ أوْ في القَبْرِ بِالِاسْتِيداعِ لِما أنَّ كُلًّا مِنهُما لَيْسَ بِمَقَرِّهِمُ الطَّبِيعِيِّ وأخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُسْتَقَرَّ الرَّحِمُ، والمُسْتَوْدَعَ الأصْلابُ، وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّ حَبْرَ تَيْما كَتَبَ إلَيْهِ يَسَألُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ فَأجابَهُ بِما ذُكِرَ ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ المُسْتَقَرِّ بِالرَّحِمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ ﴾ وأمّا تَفْسِيرُ المُسْتَوْدَعِ بِالأصْلابِ فَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّهُ لَيْسَ بِواضِحٍ ولَيْسَ كَما قالَ، فَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ بَعْدَ أنْ فَرَّقَ بَيْنَ المُسْتَقَرِّ والمُسْتَوْدَعِ بِأنَّ المُسْتَقَرَّ أقْرَبُ إلى الثَّباتِ مِنَ المُسْتَوْدَعِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ هَذا القَوْلِ -يَعْنِي المَرْوِيَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما- أنَّ النُّطْفَةَ الواحِدَةَ لا تَبْقى في صُلْبِ الأبِ زَمانًا طَوِيلًا والجَنِينَ يَبْقى زَمانًا طَوِيلًا، ولَمّا كانَ المُكْثُ في الرَّحِمِ أكْثَرَ مِمّا في صُلْبِ الأبِ كانَ حَمْلُ الِاسْتِقْرارِ عَلى المُكْثِ في الرَّحِمِ أوْلى.
ويَلْزَمُ ذَلِكَ أنَّ حَمْلَ الِاسْتِيداعِ عَلى المُكْثِ في الصُّلْبِ أوْلى.
وأنا أقُولُ: لَعَلَّ حَمْلَ المُسْتَوْدَعِ عَلى الصُّلْبِ بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ أخْرَجَ مِن بَنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم يَوْمَ المِيثاقِ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ وكانَ ما كانَ رَدَّهم إلى ما أخْرَجَهم مِنهُ فَكَأنَّهم ودِيعَةٌ هُناكَ تَخْرُجُ حِينَ يَشاءُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، وقَدْ أطْلَقَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما اسْمَ الوَدِيعَةِ عَلى ما في الصُّلْبِ صَرِيحًا.
فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ لِيَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أتَزَوَّجْتَ؟
قُلْتُ: لا وما ذَلِكَ في نَفْسِي اليَوْمَ قالَ: إنْ كانَ في صُلْبِكَ ودِيعَةٌ فَسَتَخْرُجُ.
ورُوِيَ تَفْسِيرُ المُسْتَوْدَعِ بِالدُّنْيا والمُسْتَقَرِّ بِالقَبْرِ عَنِ الحَسَنِ وكانَ: يَقُولُ يا ابْنَ آدَمَ أنْتَ ودِيعَةٌ في أهْلِكَ ويُوشِكُ أنْ تَلْحَقَ بِصاحِبِكَ ويُنْشِدَ قَوْلَ لَبِيَدٍ: وما المالُ والأهْلُونَ إلّا ودِيعَةٌ ولا بُدَّ يَوْمًا أنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ وقالَ سُلَيْمانُ بْنُ زَيْدٍ العَدَوِيُّ في هَذا المَعْنى: فُجِعَ الأحِبَّةُ بِالأحِبَّةِ قَبْلَنا فالنّاسُ مَفْجُوعٌ بِهِ ومُفْجَعُ مُسْتَوْدَعٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ مَدْخَلًا فالمُسْتَقِرُّ يَزُورُهُ المُسْتَوْدَعُ وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ أنَّ المُسْتَقَرَّ الذَّكَرُ لِأنَّ النُّطْفَةَ إنَّما تَتَوَلَّدُ في صُلْبِهِ، والمُسْتَوْدَعُ الأُنْثى لِأنَّ رَحِمَها شَبِيهٌ بِالمُسْتَوْدَعِ لِتِلْكَ النُّطْفَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمِنكم ذَكَرٌ ومِنكم أُنْثى وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (فَمُسْتَقِرٌّ) بِكَسْرِ القافِ وهو حِينَئِذٍ اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى قارٍّ ﴿ ومُسْتَوْدَعٌ ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ، والمُرادُ: فَمِنكم مُسْتَقِرٌّ ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ.
ووَجْهُ كَوْنِ الأوَّلِ مَعْلُومًا والثّانِي مَجْهُولًا أنَّ الِاسْتِقْرارَ هُنا بِخِلافِ الِاسْتِيداعِ والمُتَعاطِفانِ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَصْدَرانِ أوِ اسْما مَكانٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ اسْمَ مَفْعُولٍ لِأنَّ ”اسْتَقَرَّ“ لا يَتَعَدّى وكَذا الثّانِي لِيَكُونَ كالأوَّلِ ﴿ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ ﴾ المُبَيِّنَةَ لِتَفاصِيلِ خَلْقِ البَشَرِ ومِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ ﴿ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ 98 - مَعانِيَ ذَلِكَ، قِيلَ: ذُكِرَ مَعَ ذِكْرِ النُّجُومِ ﴿ يَعْلَمُونَ ﴾ ومَعَ ذِكْرِ إنْشاءِ بَنِي آدَمَ ﴿ يَفْقَهُونَ ﴾ لِأنَّ الإنْشاءَ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وتَصْرِيفَهم بَيْنَ أحْوالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ ألْطَفُ وأدَقُّ صَنْعَةً وتَدْبِيرًا فَكانَ ذِكْرُ الفِقْهِ الَّذِي هو اسْتِعْمالُ فِطْنَةٍ وتَدْقِيقُ نَظَرٍ مُطابِقًا لَهُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الفِقْهَ أبْلَغُ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: هَما بِمَعْنى إلّا أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ فَصْلُ كَلِّ آيَةٍ بِفاصِلَةٍ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما بِالمَقْصُودِ مِنَ الحُجَّةِ وكُرِهَ الفَصْلُ بِفاصِلَتَيْنِ مُتَساوِيَتَيْنِ لَفْظًا لِلتَّكْرارِ عُدِلَ إلى فاصِلَةٍ مُخالِفَةٍ تَحْسِينًا لِلنَّظْمِ وافْتِنانًا في البَلاغَةِ وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ وجْهًا ءاخَرَ في تَخْصِيصِ الأُولى بِالعِلْمِ والثّانِيَةِ بِالفِقْهِ وهو أنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ التَّعْرِيضَ بِمَن لا يَتَدَبَّرُ ءاياتِ اللَّهِ تَعالى ولا يَعْتَبِرُ بِمَخْلُوقاتِهِ وكانَتِ الآياتُ المَذْكُورَةُ أوَّلًا خارِجَةً عَنْ أنْفُسِ النُّظّارِ إذِ النُّجُومُ والنَّظَرُ فِيها وعِلْمُ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ في تَدْبِيرِهِ لَها أمْرٌ خارِجٌ عَنْ نَفْسِ النّاظِرِ ولا كَذَلِكَ النَّظَرِ في إنْشائِهِمْ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وتَقْلِيبِهِمْ في أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وأحْوالٍ مُتَغايِرَةٍ فَإنَّهُ نَظَرٌ لا يَعْدُو نَفْسَ النّاظِرِ ولا يَتَجاوَزُها فَإذا تَمَهَّدَ هَذا فَجَهْلُ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ وأحْوالِهِ وعَدَمُ النَّظَرِ والتَّفَكُّرِ فِيها أبْشَعُ مِن جَهْلِهِ بِالأُمُورِ الخارِجَةِ عَنْهُ كالنُّجُومِ والأفْلاكِ ومَقادِيرِ سَيْرِها وتَقَلُّبِها، فَلَمّا كانَ الفِقْهُ أدْنى دَرَجاتِ العِلْمِ إذْ هو عِبارَةٌ عَنِ الفَهْمِ نُفِيَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ عَنْ أبْشَعِ القَبِيلَتَيْنِ جَهْلًا وهُمُ الَّذِينَ لا يَتَبَصَّرُونَ في أنْفُسِهِمْ، ونَفْيُ الأدْنى أبْشَعُ مِن نَفْيِ الأعْلى فَخَصَّ بِهِ أسْوَأ الفَرِيقَيْنِ حالًا و(يَفْقَهُونَ) هَهُنا مُضارِعُ فَقِهَ الشَّيْءَ بِكَسْرِ القافِ إذا فَهِمَهُ ولَوْ أدْنى فَهْمٍ ولَيْسَ مِن فَقُهَ بِالضَّمِّ لِأنَّ تِلْكَ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ ومَعْناهُ صارَ فَقِيهًا.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ إذا قِيلَ: فَلانٌ لا يَفْقَهُ شَيْئًا كانَ أذَمَّ في العُرْفِ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ لا يَعْلَمُ شَيْئًا وكانَ مَعْنى قَوْلِكَ: لا يَفْقَهُ شَيْئًا؛ لَيْسَتْ لَهُ أهْلِيَّةُ الفَهْمِ وإنْ فَهِمَ، وأمّا قَوْلُكَ: لا يَعْلَمُ شَيْئًا فَغايَتُهُ عَدَمُ حُصُولِ العِلْمِ لَهُ وقَدْ يَكُونُ لَهُ أهْلِيَّةُ الفَهْمِ والعِلْمِ لَوْ تَعَلَّمَ.
واسْتُدِلَّ عَلى أنَّ التّارِكَ لِلتَّفَكُّرِ في نَفْسِهِ أجْهَلُ وأسْوَأُ حالًا مِنَ التّارِكِ لِلْفِكْرَةِ في غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ.
﴾ ﴿ وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ فَخَصَّ التَّبَصُّرَ في النَّفْسِ بَعْدَ انْدِراجِها فِيما في الأرْضِ مِنَ الآياتِ، وأنْكَرَ عَلى مَن لا يَتَبَصَّرُ في نَفْسِهِ إنْكارًا مُسْتَأْنَفًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ <div class="verse-tafsir"
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها يعني: لتعرفوا الطريق.
فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني: لتهتدوا بالكواكب في اللَّيالي وتعرفوا بها قبلتكم.
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ يعني: بينَّا العلامات لوحدانية الله تعالى.
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وإنما أضاف إلى أهل العلم، لأنهم هم الذين ينتفعون به، فكأنه بيِّن لهم.
ويقال لقوم يعلمون يعني: يصدقون أنه من الله تعالى.
ثم قال: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ يعني: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وهو آدم.
فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ يعني: في الرحم ومستودع في الصلب.
ويقال: مستقر في الصلب ومستودع في الرحم.
ويقال: مستقر في الدنيا ومستودع في القبر.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو فَمُسْتَقَرٌّ بكسر القاف، وقرأ الباقون بالنصب.
فمن قرأ بالنصب فمعناه فلكم مستقر ولكم مستودع يعني: موضع قرار وموضع إيداع ومن قرأ بالكسر فعلى معنى الفاعل يقال قَرّ الشيء واستقر بمعنى واحد يعني كنتم مستقرين قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ يعني: بيّنا الآيات لمن له عقل وذهن.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
بالاعتبار في أنواع الثمرات.
وقوله سبحانه: انْظُرُوا، وهو نظرُ بَصَرٍ تتركَّب عليه فكرةُ قَلْبٍ، «والثمر» في اللغة: جَنَى الشجر وما يطلع، وإن سمي الشجر: ثماراً، فبتجوُّز، وقرأ جمهور «١» الناس:
وَيَنْعِهِ- بفتح الياء-، وهو مصدر يَنَعَ يَيْنَعُ إذا نَضِجَ، وبالنُّضْج فسره ابن «٢» عباس، وقد يستعمل «يَنَعَ» بمعنى استقل واخضر ناضراً، قال الفخر «٣» : وقدَّم سبحانه الزَّرع لأنه غذاء، والثِّمار فواكهٌ وإنما قدَّم النخل على الفواكِهِ لأن التمر يجرِي مجرى الغذاءِ/ بالنسبة إلى العرب.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ: جَعَلُوا: بمعنى صيّروا، والْجِنَّ: مفعول، وشُرَكاءَ مفعولٌ ثانٍ.
قال ص: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ: جَعَلُوا: بمعنى: صَيَّروا، والجمهورُ على نَصْب «الجنِّ» ، فقال ابن عطيَّة «٤» وغيره: هو مفعولٌ أول ل جَعَلُوا، وشُرَكاءَ الثاني، وجوَّزوا فيه أن يكون بدلاً من شُرَكاءَ، ولِلَّهِ في موضع المفعول الثاني، وشُرَكاءَ الأول، وردَّه أبو حَيَّان «٥» بأن البدل حينئذ لا يَصحُّ أن يحل محلَّ المبدل منه إذ لو قلْتَ: وجعلوا للَّه الجنَّ، لم يصحَّ، وشرط البدل أنْ يكون على نيَّة تكرار العامل على الأشهر، أو معمولاً للعاملِ، في المُبْدَلِ منه على قول، وهذا لا يصحُّ كما ذكرنا، قلْتُ: وفيه نظر.
انتهى، قلتُ: وما قاله الشيخُ أبو حَيَّان عندي ظاهرٌ، وفي نظر الصَّفَاقُسِيِّ نَظَرٌ، وهذه الآية مشيرة إلى العادِلِينَ باللَّه تعالى، والقائلين: إن الجنَّ تعلم الغيْبَ، العابدين للجنِّ، وكانت طوائفُ من العرب تفعَلُ ذلك، وتستجير بجِنِّ الوادِي
أحَدُها: فَمُسْتَقَرٌّ في الأرْحامِ، ومُسْتَوْدَعٌ في الأصْلابِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والضَّحّاكُ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: المُسْتَقَرُّ في الأرْحامِ، والمُسْتَوْدَعُ في القَبْرِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّالِثُ: المُسْتَقَرُّ في الأرْضِ، والمُسْتَوْدَعُ في الأصْلابِ، رَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: المُسْتَقَرُّ والمُسْتَوْدَعُ في الرَّحِمِ، رَواهُ قابُوسُ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والخامِسُ: المُسْتَقَرُّ حَيْثُ يَأْوِي، والمُسْتَوْدَعُ حَيْثُ يَمُوتُ، رَواهُ مُقْسِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والسّادِسُ: المُسْتَقَرُّ في الدُّنْيا، والمُسْتَوْدَعُ في القَبْرِ.
والسّابِعُ: المُسْتَقَرُّ في القَبْرِ، والمُسْتَوْدَعِ في الدُّنْيا، وهو عَكْسُ الَّذِي قَبْلَهُ، رُوِيا عَنِ الحَسَنِ.
والثّامِنُ: المُسْتَقَرُّ في الدُّنْيا، والمُسْتَوْدَعُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والتّاسِعُ: المُسْتَقَرُّ في الأصْلابِ، والمُسْتَوْدَعُ في الأرْحامِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، وهو عَكْسُ الأوَّلِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ هَذِهِ المُخاطَبَةُ تَعُمُّ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ؛ فالحُجَّةُ بِها عَلى الكافِرِينَ قائِمَةٌ؛ والعِبْرَةُ بِها لِلْمُؤْمِنِينَ مُمْكِنَةٌ مُتَعَرِّضَةٌ؛ و"جَعَلَ"؛ هُنا بِمَعْنى "خَلَقَ"؛ لِدُخُولِها عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ؛ وقَدْ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "صَيَّرَ"؛ ويُقَدَّرُ المَفْعُولُ الثانِي في "لِتَهْتَدُوا"؛ لِأنَّهُ يُقَدَّرُ: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُجُومَ هِدايَةً"؛ و"فِي ظُلُماتِ"؛ هي هَهُنا عَلى حَقِيقَتِها؛ في ظُلْمَةِ اللَيْلِ؛ بِقَرِينَةِ "اَلنُّجُومِ"؛ اَلَّتِي لا تَكُونُ إلّا بِاللَيْلِ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الظُلُماتُ هُنا الشَدائِدَ؛ في المَواضِعِ الَّتِي يَتَّفِقُ أنْ يُهْتَدى فِيها بِالشَمْسِ.
وذَكَرَ اللهُ تَعالى النُجُومَ في ثَلاثِ مَنافِعَ؛ وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِمَصابِيحَ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ ؛ فالواجِبُ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ ما عَدا هَذِهِ الوُجُوهِ مِن قَوْلِ أهْلِ التَأْثِيرِ باطِلٌ؛ واخْتِلاقٌ عَلى اللهِ تَعالى وكُفْرٌ بِهِ.
و"فَصَّلْنا"؛ مَعْناهُ: "بَيَّنّا؛ وقَسَّمْنا"؛ و"اَلْآياتِ": اَلدَّلائِلَ؛ و ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ تَخْصِيصٌ لَهم بِالذِكْرِ؛ وتَنْبِيهٌ مِنهم لِتَحْصِيلِهِمُ الآياتِ المُفَصَّلَةِ المَنصُوبَةِ؛ وغَيْرُهم تَمُرُّ عَلَيْهِمُ الآياتُ وهم مُعْرِضُونَ عنها.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْإنْشاءُ: فِعْلُ الشَيْءِ؛ و ﴿ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ ؛ يُرِيدُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "فَمُسْتَقَرُّ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "فَمُسْتَقِرٌّ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ؛ وأجْمَعُوا عَلى فَتْحِ الدالِ مِن "مُسْتَوْدَعٌ"؛ بِأنْ يُقَدَّرَ: "مَوْضِعُ اسْتِيداعٍ"؛ وأنْ يُقَدَّرَ أيْضًا مَفْعُولًا؛ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في "مُسْتَقَرٌّ"؛ لِأنَّ "اِسْتَقَرَّ"؛ لا يَتَعَدّى؛ فَيُبْنى مِنهُ مَفْعُولٌ؛ أما إنَّهُ رَوى هارُونُ الأعْوَرُ؛ عن أبِي عَمْرٍو: "وَمُسْتَوْدِعٌ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ فَمَن قَرَأ: "فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ" - عَلى أنَّها مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ؛ ومَوْضِعُ اسْتِيداعٍ - عَلَّقَها بِمَجْرُورٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَلَكم مُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ"؛ ومَن قَرَأ: "فَمُسْتَقِرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ" - عَلى اسْمِ الفاعِلِ في "مُسْتَقِرٌّ"؛ واسْمِ المَفْعُولِ في "مُسْتَوْدَعٌ" - عَلَّقَها بِمَجْرُورٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَمِنكم مُسْتَقِرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ"؛ واضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذا الِاسْتِقْرارِ والِاسْتِيداعِ؛ فَقالَ الجُمْهُورُ: "مُسْتَقَرٌّ في الرَحِمِ؛ ومُسْتَوْدَعٌ في ظُهُورِ الآباءِ؛ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ تَعالى بِخُرُوجِهِمْ"؛ وقالَ ابْنُ عَوْنٍ: "مَشَيْتُ إلى مَنزِلِ إبْراهِيمَ النَخَعِيِّ ؛ وهو مَرِيضٌ؛ فَقالُوا: قَدْ تُوُفِّيَ؛ فَأخْبَرَنِي بَعْضُهم أنَّ عَبْدَ الرَحْمَنِ بْنَ الأسْوَدِ سَألَهُ عن "مُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ"؛ فَقالَ: مُسْتَقَرٌّ في الرَحِمِ؛ ومُسْتَوْدَعٌ في الصُلْبِ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مُسْتَقَرٌّ في القُبُورِ؛ ومُسْتَوْدَعٌ في الدُنْيا"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "اَلْمُسْتَقَرُّ الأرْضُ؛ والمُسْتَوْدَعُ عِنْدَ الرَحِمِ"؛ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: "اَلْمُسْتَوْدَعُ في الصُلْبِ؛ والمُسْتَقَرُّ في الآخِرَةِ"؛ والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَظَرُ أنَّ ابْنَ آدَمَ هو مُسْتَوْدَعٌ في ظَهْرِ أبِيهِ؛ ولَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ فِيهِ اسْتِقْرارًا مُطْلَقًا؛ لِأنَّهُ يَنْتَقِلُ لا مَحالَةَ؛ يَنْتَقِلُ إلى الرَحِمِ؛ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى الدُنْيا؛ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى القَبْرِ؛ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى المَحْشَرِ؛ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى الجَنَّةِ؛ أوِ النارِ؛ فَيَسْتَقِرُّ في إحْداهُما؛ اسْتِقْرارًا مُطْلَقًا؛ ولَيْسَ فِيها مُسْتَوْدَعٌ؛ لِأنَّهُ لا نَقْلَةَ لَهُ بَعْدُ؛ وهو في كُلِّ رُتْبَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ بَيْنَ هَذَيْنِ الظَرْفَيْنِ مُسْتَقِرٌّ؛ بِالإضافَةِ إلى الَّتِي قَبْلَها؛ ومُسْتَوْدَعٌ؛ بِالإضافَةِ إلى الَّتِي بَعْدَها؛ لِأنَّ لَفْظَ الوَدِيعَةِ يَقْتَضِي فِيها نَقْلَةً ولا بُدَّ.
وَ"يَفْقَهُونَ" مَعْناهُ: يَفْهَمُونَ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا آنِفًا.
<div class="verse-tafsir"
هذا تذكير بخلق الإنسان وكيف نشأ هذا العدد العظيم من نفْس واحدة كما هو معلوم لهم، فالّذي أنشأ النّاس وخلقهم هو الحقيق بعبادتهم دون غيره ممّا أشركوا به، والنّظر في خلقة الإنسان من الاستدلال بأعظم الآيات.
قال تعالى: ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ [الذاريات: 21].
والقصر الحاصل من تعريف المسند إليه والمسند تعريض بالمشركين، إذ أشركوا في عبادتهم مع خالقهم غيرَ من خلقهم على نحو ما قررتُه في الآية قبل هذه.
والإنشاء: الإحداث والإيجاد.
والضّمير المنصوب مراد به البشر كلّهم.
والنّفس الواحدة هي آدم عليه السّلام.
وقوله: ﴿ فمستقرّ ﴾ الفاء للتّفريع عن ﴿ أنشأكم ﴾ ، وهو تفريع المشتَمَل عليه المقارن على المشتمِل.
وقرأه الجمهور ﴿ مستقَر ﴾ بفتح القاف وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وروح عن يعقوب «بكسر القاف».
فعلى قراءة فتح القاف يكون مصدراً ميمياً، و ﴿ مستَودَع ﴾ كذلك، ورفعهما على أنّه مبتدأ حُذف خبره، تقديره: لكم أو منكم، أو على أنّه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فأنتم مُستقرّ ومستودَع.
والوصف بالمصدر للمبالغة في الحاصل به، أي فتفرّع عن إنشائكم استقرار واستيداع، أي لكم.
وعلى قراءة كسر القاف يكون المستقرّ اسم فاعل.
والمستودَع اسم مفعول من استودعَه بمعنى أودعه، أي فمستقِرّ منكم أقررناه فهو مستقرّ، ومستودَع منكم ودّعناه فهو مستودَع.
والاستقرار هو القرار، فالسّين والتّاء فيه للتّأكيد مثل استجاب.
يقال: استقرّ في المكان بمعنى قرّ.
وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ لكلّ نبأ مستقرّ ﴾ في هذه السورة [67].
والاستيداع: طلب التّرك، وأصله مشتقّ من الوَدْع، وهو التّرك على أن يُسترجع المستوْدَعُ.
يقال: استودعه مالاً إذا جعله عنده وديعة، فالاستيداع مؤذن بوضع موقّت، والاستقرار مؤذن بوضع دائم أو طويل.
وقد اختلف المفسّرون في المراد بالاستقرار والاستيداع في هذه الآية مع اتّفاقهم على أنّهما متقابلان.
فعَن ابن مسعود: المستقَرّ الكون فوق الأرض، والمستودَع الكون في القبْر.
وعلى هذا الوجه يكون الكلام تنبيهاً لهم بأنّ حياة النّاس في الدّنيا يعقبها الوضع في القبور وأنّ ذلك الوضع استيداع موقّت إلى البعث الّذي هو الحياة الأولى ردّاً على الّذين أنكروا البعث.
وعن ابن عبّاس: المستقرّ في الرّحم والمستودَع في صلب الرجل، ونقل هذا عن ابن مسعود أيضاً، وقاله مجاهد والضحْاك وعطاء وإبراهيم النخعي، وفسّر به الزجّاج.
قال الفخر: وممّا يدلّ على قوّة هذا القول أنّ النّطفة الواحدة لا تبقى في صلب الأب زماناً طويلاً والجنين يبقى في رَحم الأمّ زماناً طويلاً.
وعن غير هؤلاء تفسيرات أخرى لا يثلج لها الصّدر أعرضنا عن التّطويل بها.
وقال الطّبري إنّ الله لم يخصّص معنى دون غيره، ولا شكّ أنّ من بني آدم مستقرّاً في الرّحم ومستودَعاً في الصلب، ومنهم من هو مستقرّ على ظهر الأرض أو بطنها ومستودَع في أصلاب الرّجال، ومنهم مستقرّ في القبر مستودَع على ظهر الأرض، فكلّ مستقِرّ أو مستودع بمعنى من هذه المعاني داخل في عموم قوله: فمستقَرّ ومستودع} اه.
وقال ابن عطيّة: الّذي يقتضيه النّظر أنّ ابن آدم هو مستودَع في ظهر أبيه وليس بمستقرّ فيه لأنّه ينتقل لا محالة ثمّ ينتقل إلى الرّحم ثمّ ينتقل إلى الدّنيا ثمّ ينتقل إلى القبر ثمّ ينتقل إلى الحشر ثمّ ينتقل إلى الجنّة أو النّار.
وهو في كلّ رتبة بين هذين الظرفين مستقِرّ بالإضافة إلى الّتي قبلها ومستودَع بالإضافة إلى الّتي بعدها اه.
والأظهر أن لا يقيّد الاستيداع بالقبور بل هو استيداع من وقت الإنشاء، لأنّ المقصود التّذكير بالحياة الثّانية، ولأنّ الأظهر أنّ الواو ليست للتّقسيم بل الأحسن أن تكون للجمع، أي أنشأكم فشأنكم استقرار واستيداع فأنتم في حال استقراركم في الأرض ودائع فيها ومرجعكم إلى خالقكم كما ترجع الوديعة إلى مودِعها.
وإيثار التّعبير بهذين المصدرين ما كان إلاّ لإرادة توفير هذه الجملة.
وعلى قراءة كسر القاف هو اسم فاعل.
﴿ ومستودع ﴾ اسم مفعول، والمعنى هو هو.
وقوله: ﴿ قد فصّلنا الآيات لقوم يفقهون ﴾ تقرير لنظيره المتقدّم مقصود به التّذكير والإعذار.
وعدل عن (يعلمون) إلى ﴿ يفقهون ﴾ لأنّ دلالة إنشائهم على هذه الأطوار من الاستقرار والاستيداع وما فيهما من الحكمة دلالة دقيقة تحتاج إلى تدبّر، فإنّ المخاطبين كانوا معرضين عنها فعبّر عن علمها بأنّه فِقه، بخلاف دلالة النّجوم على حكمة الاهتداء بها فهي دلالة متكرّرة، وتعريضاً بأنّ المشركين لا يعلمون ولا يفقهون، فإنّ العلم هو المعرفة الموافقة للحقيقة، والفقه هو إدراك الأشياء الدّقيقة.
فحصل تفصيل الآيات للمؤمنين وانتفى الانتفاع به للمشركين، ولذلك قال بعدَ هذا ﴿ إنّ في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ [الأنعام: 99].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَمُسْتَقَرٌّ في الأرْضِ ومُسْتَوْدَعٌ في الأصْلابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: فَمُسْتَقَرٌّ في الرَّحِمِ ومُسْتَوْدَعٌ في القَبْرِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّالِثُ: فَمُسْتَقَرٌّ في أرْحامِ النِّساءِ ومُسْتَوْدَعٌ في أصْلابِ الرِّجالِ، قالَهُ عَطاءٌ، وقَتادَةُ.
والرّابِعُ: فَمُسْتَقَرٌّ في الدُّنْيا ومُسْتَوْدَعٌ في الآخِرَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: فَمُسْتَقَرٌّ في الأرْضِ ومُسْتَوْدَعٌ في القَبْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّادِسُ: أنَّ المُسْتَقَرَّ ما خُلِقَ، والمُسْتَوْدَعُ ما لَمْ يُخْلَقْ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ رِزْقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحَيَوانِ.
والثّانِي: نَباتُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الثِّمارِ.
﴿ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا ﴾ يَعْنِي زَرْعًا رُطَبًا بِخِلافِ صِفَتِهِ عِنْدَ بَذْرِهِ.
﴿ نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا ﴾ يَعْنِي السُّنْبُلَ الَّذِي قَدْ تَراكَبَ حَبُّهُ.
﴿ وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ ﴾ القِنْوانُ جَمْعُ قِنْوٍ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ الطَّلْعُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ الجِمارُ.
والثّالِثُ: هي الأعْذاقُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أثَّتْ أعالِيهِ وآدَتْ أُصُولُهُ ومالَ بِقِنْوانٍ مِنَ البُسْرِ أحَمَرا ﴿ دانِيَةٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: دانِيَةٌ مِنَ المُجْتَنِي لِقِصَرِ نَخْلِها وقُرْبِ تَناوُلِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: دانِيَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِتَقارُبِها، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ وَجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ ﴾ يَعْنِي بَساتِينَ مِن أعْنابٍ.
﴿ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُشْتَبِهًا ورَقُهُ مُخْتَلِفًا ثَمَرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: مُشْتَبِهًا لَوْنُهُ مُخْتَلِفًا طَعْمُهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالضَّمِّ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ، وفي اخْتِلافِهِ بِالضَّمِّ والفَتْحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الثُّمُرَ بِالضَّمِّ جَمْعُ ثِمارٍ، وبِالفَتْحِ جَمْعُ ثَمَرَةٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
والثّانِي: أنَّ الثُّمُرَ بِالضَّمِّ: المالُ، وبِالفَتْحِ: ثَمَرُ النَّخْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.
﴿ وَيَنْعِهِ ﴾ يَعْنِي نُضْجَهُ وبُلُوغَهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن عباس في قوله: ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ﴾ قال: يضل الرجل وهو الظلمة والجور عن الطريق.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والخطيب في كتاب النجوم عن عمر بن الخطاب قال: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في بركم وبحركم ثم امسكوا، فإنها والله ما خلقت إلا زينة للسماء ورجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها، وتعلموا من النسبة ما تصلون به أرحامكم، وتعلموا ما يحل لكم من النساء ويحرم عليكم ثم امسكوا.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والخطيب في كتاب النجوم عن قتادة قال: إن الله إنما جعل هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدي بها، وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال رأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، وإن ناساً جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والطوير والقصير والحسن والدميم، ولو أن أحداً علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء.
وأخرج ابن مردويه والخطيب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا» .
وأخرج الخطيب عن مجاهد قال: لا بأس أن يتعلم الرجل من النجوم ما يتهتدي به في البر والبحر، ويتعلم منازل القمر.
وأخرج ابن أبي حاتم والمرهبي في فضل العلم عن حميد الشامي قال: النجوم هي علم آدم عليه السلام.
وأخرج المرهبي عن الحسن بن صالح قال: سمعت عن ابن عباس أنه قال: ذلك علم ضيعه الناس النجوم.
وأخرج الخطيب عن عكرمة.
أنه سأل رجلاً عن حساب النجوم وجعل الرجل يتحرج أن يخبره؟
فقال: عكرمة: سمعت ابن عباس يقول: علم عجز الناس عنه، وددت أني علمته!
قال الخطيب: مراده الضرب المباح الذي كانت العرب تختص به.
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبد الله بن حفص قال: خصت العرب بخصال بالكهانة والقيافة والعيافة والنجوم والحساب، فهدم الإِسلام الكهانة وثبت الباقي بعد ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن القرظي قال: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء من نجم ولكن يتبعون الكهنة، وْيتخذون النجوم علة.
وأخرج أبو داود والخطيب عن سمرة بن جندب أنه خطب، فذكر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أما بعد فإن ناساً يزعمون أن كسوف الشمس، وكسوف هذا القمر، وزوال هذه النجوم عن مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض، وإنهم قد كذبوا ولكنها آيات من آيات الله يعتبر بها عباده لينظر من يحدث له منهم توبة» .
وأخرج الخطيب عن عمر بن الخطاب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تسألوا عن النجوم، ولا تفسروا القرآن برأيكم، ولا تسبوا أحداً من أصحابي، فإن ذلك الايمان المحض» .
وأخرج ابن مردويه والخطيب عن علي قال: «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم، وأمرني باسباغ الطهور» .
وأخرج ابن مردويه والمرهبي والخطيب عن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم» .
وأخرج الخطيب عن عائشة قالت «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم» .
وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية والخطيب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ذكر أصحابي فامسكوا، وإذا ذكر القدر فامسكوا، وإذا ذكر النجوم فامسكوا» .
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والخطيب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخاف على أمتي خصلتين: تكذيباً بالقدر وتصديقاً بالنجوم، وفي لفظ: وحذقا بالنجوم» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «من اقتبس علماً من النجوم أقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة والخطيب عن ابن عباس قال: إن قوماً ما ينظرون في النجوم ويحسبون ابراجاً، وما أرى الذين يفعلون ذلك من خلاق.
وأخرج الخطيب عن ميمون بن مهران قال: قلت لابن عباس أوصني.
قال: أوصيك بتقوى الله وإياك وعلم النجوم فإنه يدعو إلى الكهانة، وإياك أن تذكر أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بخير فَيُكِبُّكَ الله على وجهك في جهنم فإن الله أظهر بهم هذا الدين، وإياك والكلام في القدر فإنه ما تكلم فيه اثنان إلا اثماً أو اثم أحدهما.
وأخرج الخطيب في كتاب النجوم بسند ضعفه عن عطاء قال: قيل لعلي بن أبي طالب: هل كان للنجوم أصل؟
قال: نعم، كان نبي من الأنبياء يقال له يوشع بن نون.
فقال له قومه: انا لا نؤمن بك حتى تعلمنا بدء الخلق وآجاله، فأوحى الله تعالى إلى غمامة فأمطرتهم، واستنقع على الجبل ماء صافياً، ثم أوحى الله إلى الشمس والقمر والنجوم أن تجري في ذلك الماء، ثم أوحى إلى يوشع بن نون أن يرتقي هو وقومه على الجبل، فارتقوا الجبل فقاموا على الماء حتى عرفوا بدء الخلق وآجاله، بمجاري الشمس والقمر والنجوم، وساعات الليل والنهار، فكان أحدهم يعلم متى يموت، ومتى يمرض، ومن ذا الذي يولد له، ومن ذا الذي لا يولد له.
قال: فبقوا كذلك برهة من دهرهم، ثم إن داود عليه السلام قاتلهم على الكفر، فأخرجوا إلى داود في القتال من لم يحضر أجله، ومن حضر أجله خلفوه في بيوتهم، فكان يقتل من أصحاب داود ولا يقتل من هؤلاء أحد، فقال داود رب ها أنا أقاتل على طاعتك ويقاتل هؤلاء على معصيتك، فيقتل أصحابي ولا يقتل من هؤلاء أحد؟!
فأوحى الله إليه: أني كنت علمتهم بدء الخلق وآجاله، وإنما أخرجوا إليك من لم يحضر أجله، ومن حضر أجله خلفوه في بيوتهم، فمن ثم يقتل من أصحابك ولا يقتل منهم أحد.
قال داود: يا رب على ماذا علمتهم؟
قال: على مجاري الشمس والقمر والنجوم، وساعات الليل والنهار، فدعا الله فحبست الشمس عليهم، فزاد في النهار فاختلطت الزيادة بالليل والنهار، فلم يعرفوا قدر الزيادة فاختلط عليهم حسابهم.
قال علي رضي الله عنه: فمن ثم كره النظر في النجوم.
وأخرج المرهبي في فضل العلم عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: لما فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خيبر دعا بقوسه واتكأ على سيتها، وحمد الله وذكر ما فتح الله على نبيه ونصره، ونهى عن خصال عن مهر البغي، وعن خاتم الذهب، وعن المياثر الحمر، وعن لبس الثياب القسي، وعن ثمن الكلب، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية، وعن الصرف الذهب بالذهب والفضة بالفضة بينهما فضل، وعن النظر في النجوم.
وأخرج المرهبي عن مكحول قال: قال ابن عباس: لا تُعَلِمْ النجوم فانها تدعوا إلى الكهانة.
وأخرج ابن مردويه من طريق الحسن عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد طهر الله هذه الجزيرة من الشرك ما لم تضلهم النجوم» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن متعلم حروف أبي جاد وراء في النجوم ليس له عند الله خلاق يوم القيامة» .
أما قوله تعالى: ﴿ وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ﴾ .
أخرج ابن مردويه عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نصب آدم بين يديه ثم ضرب كتفه اليسرى، فخرجت ذريته من صلبه حتى ملأوا الأرض» .
قوله تعالى: ﴿ فمستقر ومستودع ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمستقر ومستودع ﴾ قال: المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما استودع في أصلاب الرجال والدواب.
وفي لفظ: المستقر ما في الرحم وعلى ظهر الأرض وبطنها مما هو حي ومما قد مات.
وفي لفظ: المستقر ما كان في الأرض، والمستودع ما كان في الصلب.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فمستقر ومستودع ﴾ قال: مستقرها في الدنيا ومستودعها في الآخرة.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني عن ابن مسعود قال: المستقر الرحم، والمستودع المكان الذي تموت فيه.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن مسعود قال: إذا كان أجل الرجل بأرض أتيحت له إليها الحاجة، فإذا بلغ أقصى أثره قبض.
فتقول الأرض يوم القيامة: هذا ما استودعتني.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿ فمستقر ومستودع ﴾ قالا: مستقر في القبر، ومستودع في الدنيا أوشك أن يلحق بصاحبة.
وأخرج أبو الشيخ عن عوف قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنبئت بكل مستقر ومستودع من هذه الأمة إلى يوم القيامة كما علم آدم الأسماء كلها» .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: من اشتكى ضرسه فليضع يده عليه وليقرأ ﴿ وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم ﴿ فمستقر ﴾ بنصب القاف.
وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: أتزوجت؟
قلت لا، وما ذاك في نفسي اليوم.
قال: إن كان في صلبك وديعة فستخرج.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ يقول: بينا الأيات ﴿ لقوم يفقهون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: آدم) (١) ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ قال ابن الأنباري: (أي: أراد: فلكم مستقر ومستودع، وبهذا الإضمار يحسن اتصال هذا الكلام بما قبله وحسن الإضمار؛ لأن الفاء يغلب على ما بعدها الاتصال بما يسبقها، فحذف ما يحذف بعد الفاء؛ إنما هو لدلالة الذي قبلها عليه للمواصلة، كقول العرب: إن تزرني فمحسن، وإن قصدتني فبار، وهم يريدون: فأنت بار، فيحذفون لوضوح المعنى) (٢) وأما تفسير: المستقر والمستودع، فقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: مستقر في الأرحام ومستودع في الأصلاب) (٣) (٤) (٥) وقال كريب (٦) (٧) ﴿ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ ﴾ ) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقال سعيد بن جبير: ( ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾ في بطون الأمهات ﴿ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ : في أصلاب الآباء، قال: وقال لي ابن عباس: أتزوجتَ يا ابن جبير؟
قلت: لا، وما أريد ذلك يومي هذا.
قال: فضرب ظهري، وقال: أما أنه مع ذاك ما كان من مستودع في ظهرك فسيخرج) (١٣) وأكثر أهل التفسير والمعاني: على أن المستقر والمستودع في الأصلاب والأرحام (١٤) (١٥) فأما المستودع فإن استودع فعلٌ يتعدى إلى مفعولين، [تقول] (١٦) (١٧) (١) ذكره السيوطي في "الدر" 3/ 66، وذكره ابن أبي حاتم 4/ 1355 عن أكثرهم.
(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 88 لفظ: (أي: فلكم مستقر ومستودع) فقط، والباقي لم أقف عليه.
(٣) لم أقف عليه من رواية عطاء، وهو في "تفسير عطاء الخراساني" ص 88، من قوله، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 289 بسند جيد عن عطاء فقط.
(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (فمُسْتَقِر) بكسر القاف وفتحها الباقون.
انظر: "السبعة" ص 263، و"المبسوط" ص 172، و"الغاية" ص 246، و"التذكرة" 2/ 405، و"التيسير" ص 105، و"النشر" 2/ 260.
(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 287 - 288، من عدة طرق جيدة، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 316.
وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وذكره ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 289، وقال: (أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عباس بإسناد صحيح) اهـ.
(٦) كريب بن أبي مسلم، أبو رشدين المدني، الهاشمي، مولى ابن عباس، تابعي، إمام ثقة، موصوف بالخير والديانة، لازم ابن عباس ما، وكان عنده عنه حمل بعير من الكتب، توفي رحمه الله تعالى سنة 98 هـ.
انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 293، و"الجرح والتعديل" 7/ 168، و"تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 66، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 479، و"تهذيب التهذيب" 3/ 468.
(٧) تَيْماء: بالفتح والمد، بلد في أطراف الشام بين الشام ووادي القرى.
انظر: "معجم البلدان" 2/ 66.
(٨) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 88، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 289 بسند ضعيف وفيه قال: (المستقر: الرحم، ثم قرأ: ﴿ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ ﴾ ، وقرأ ﴿ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ ﴾ ، قال: مستقرة فوق الأرض، ومستقرة في الرحم، ومستقرة تحت الأرض، حتى يصير إلى الجنة أو إلى النار) اهـ.
(٩) أخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 289 بسند ضعيف عن العوفي عن ابن عباس قال: (المستقر في الأرحام ، والمستودع في الصلب لم يخلق وهو خالقه) ا.
هـ.
(١٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 290، وابن أبي حاتم 4/ 1355 عن عكرمة عن ابن عباس.
(١١) الوالبي هو: علي بن أبي طلحة.
والأثر عنه أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 289، وابن أبي حاتم 4/ 1357 بسند جيد.
(١٢) لم أقف عليه من رواية الضحاك، وقد أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 289 بسند ضعيف عن الضحاك من قوله.
وقال ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1357 روى عن الضحاك عن ابن عباس قال: (المستودع: المكان الذي تموت فيه) اهـ.
(١٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 288 - 289، والواحدي في "الوسيط" 1/ 88 من عدة طرق جيدة.
(١٤) قال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 568: (أكثر أهل التفسير يقولون: المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما كان في الصلب)، وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 347، ونحوه قال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 201، واليزيدي في "غريب القرآن" ص 140، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 157، وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 178: (وهذا القول أظهر والله أعلم) ا.
هـ، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 298، والقرطبي 7/ 46.
(١٥) "الكتاب" 4/ 70.
(١٦) في (ش): (يقول)، بالياء.
(١٧) "الحجة" لأبي علي 3/ 364 - 365، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 347، و"معاني الزجاج" 2/ 274، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 568، و"معاني القراءات" 1/ 373 ، و"إعراب القراءات" 1/ 166، و"الحجة" لابن زنجلة ص 262، و"الكشاف" 1/ 442.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ من كسر القاف من مستقر فهو اسم فاعل، ومستودع اسم مفعول، والتقدير: فمنكم مستقرّ ومستودع، والاستقرار في الرحمن والاستيداع في الصلب، وقيل: الاستقرار فوق الأرض والاستيداع تحتها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يجعلونه ﴾ ﴿ يبدونها ﴾ و ﴿ يخفون ﴾ بياآت الغيبة: أبو عمرو وابن كثير، الباقون: على الخطاب ﴿ ولينذر ﴾ بياء الغيبة: أبو بكر وحماد.
الباقون: بتاء الخطاب ﴿ بينكم ﴾ بفتح النون: أبو جعفر ونافع وعلي وحفص والمفضل.
الباقون: بالرفع ﴿ وجعل الليل ﴾ على لفظ المضي ونصب الليل عاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ وجاعل الليل ﴾ على لفظ اسم الفاعل وبالإضافة ﴿ وجنات ﴾ بالرفع: الأعشى والبرجمي الباقون: بالنصب ﴿ فمسستقر ﴾ بكسر القاف: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب.
الباقون: بالفتح ﴿ ثمره ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف وكذلك في آخر السورة ويس.
الباقون: بفتحتين ﴿ وخرقوا ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع.
الباقون: بالتخفيف.
الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يجعلونه ﴾ بياء الغيبة.
ومن قرأ بالتاء فوقفه حائز لانتهاء الاستفهام مع اتفاق الخطاب على تقدير وقد علمتم ﴿ آباؤكم ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط لأن قوله ذرهم} معطوف على ﴿ قل ﴾ ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ ومن حولها ﴾ ط ﴿ يحافظون ﴾ ه ﴿ أنزل الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج لاتساق الكلام معنى مع تقدير حذف أي يقولون أخرجوا ﴿ أنفسكم ﴾ ط لأن المراد من اليوم يوم القيامة ﴿ تستكبرون ﴾ ه ﴿ ظهوركم ﴾ ج لاتحاد القول.
والوقف أوضح لابتداء النفي وانقطاع النظم ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ والنوى ﴾ ط ﴿ من الحي ﴾ ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ فالق الإصباح ﴾ ج لمن قرأ ﴿ وجعل ﴾ لانقطاع النظم واتصال المعنى على تقدير فلق وجعل، أو وقد جعل وعامل الحال معنى الفعل في فالق ﴿ حسباناً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ومستودع ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقصود ﴿ متراكباً ﴾ ط ومن قرأ ﴿ وجنات ﴾ بالرفع فللعطف على ﴿ قنوان ﴾ لفظاً فيلزمه وقفه على ﴿ دانية ﴾ وإلا فليعطف ويفهم أن ﴿ جنات ﴾ من جملة النخل، ومن خفض فوقفه على ﴿ متراكباً ﴾ جائز للعطف على قوله ﴿ خضراً ﴾ مع وقوع العارض ﴿ وغير متشابه ﴾ ط ﴿ وينعه ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه.
التفسير: اعلم أن مدار القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد.
فبعد ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك شرع في تقرير أمر النبوة فقال ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ قال ابن عباس: أي ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أنكروا النبوة والرسالة.
وقال أيضاً في رواية: ما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير.
وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته.
وقال الأخفش: ما عرفوه حق معرفته أي في اللطف بأوليائه أو في القهر لأعدائه.
وقال الجوهري: قدر الشيء مبلغه وقدرت الشيء أقدره وأقدره قدراً من التقدير أي حرره وعرف مقداره.
ثم بيّن سبب عدم عرفانه بقوله ﴿ إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ وإنما كان منكر البعث والرسالة غير عارف بالله ، لأنه إما أن يدعي أنه ما كلف أحداً من الخلائق تكليفاً أصلاً وهو باطل لأنه فتح باب المنكرات والقبائح بأسرها، وإما أن يسلم أنه كلف الخلق بالأوامر والنواهي ولكن لا على ألسنة الرسل وهذا أيضاً جهل.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون العقل كافياً في إيجاب الواجبات وحظر المنكرات؟
فالجواب هب أن الأمر كذلك إلا أنه لا يمتنع تأكيد التصريف العقلي بل يجب تفصيل ذلك المجمل بالتعريفات المشروحة على ألسنة الرسل، لأن أكثر العقول قاصرة عن إدراك مدارك الأحكام الشرعية كما أن نور البصر قاصر عن إدراك المبصرات إلا إذا أعين بنور من خارج كنور الشمس أو السراج.
وأيضاً تفويض مصالح العباد إلى مقتضى عقولهم يؤدي إلى التنازع والتشاجر لتصادم الأهواء وتناقض الآراء فلا بد من أن يتفقوا على واحد يصدرون عن رأيه، وتعيين ذلك الواحد من الخلق ترجيح بلا مرجح وإشراف على الضلال لإحتمال الخطأ في اجتهادهم، فلعل الخير في نظرهم يكون شراً في نفس الأمر فلزم أن يكون التعيين من الله بكونه أعرف بالبواطن كقوله ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ وإنما يعرف ذلك المعين بظهور المعجزة على وفق دعواه تصديقاً له، ومن أنكر ذلك ولم يجوّز خرق العادة فقد وصف الله بالعجز ونقصان القدرة.
وقد طعن بعض الملحدة في الآية بأن هؤلاء القائلين إن كانوا كفار قريش أو البراهمة فهم ينكرون رسالة كل الأنبياء كما ينكرون رسالة محمد فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ على أن قوله ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ بتاء الخطاب إنما يليق باليهود وإن كانوا أهل الكتاب فهم لا يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء، بل يقرّون بنزول التوراة على موسى والإنجيل على عيسى.
وأيضاً الأكثرون اتفقوا على أن السورة مكية وأنها نزلت دفعة واحدة ومناظرات اليهود مع رسول الله وآله كانت مدنية، فكيف يمكن حمل الآية على تلك المناظرة؟
والجواب أنهم إن كانوا كفار قريش فإنهم كانوا مختلطين باليهود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات على يد موسى كالعصا وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها وكان جارياً مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى.
وعلى هذا لا يبعد إيراد نبوة موسى إلزاماً لهم في قولهم ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ ولما كان كفار قريش مع اليهود والنصارى متشاركين في إنكار نبوة محمد وآله لم يبعد أن يكون الكلام الواحد خطأ بالكفار قريش أوّلاً ولأهل الكتاب آخراً وأما إن كانوا أهل الكتاب - وهو المشهور عند الجمهور - فالوجه ما روي عن ابن عباس أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلاً سميناً دخل على رسول الله وآله فقال له رسول الله وآله: " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟
فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود" .
فضحك القوم فغضب ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء.
فقال له قومه: ما هذا الذي بلغنا عنك؟
فقال: إنه أغضبني: ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.
فلعل مالك بن الصيف لما تأذى من الكلام المذكور طعن في نبوة الرسول وإنه ما أنزل عليه من شيء البتة فأمر بأن يقول في جوابه ﴿ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ أي لما سلمت أن الله أنزل الوحي والتنزيل على بشر وهو موسى فكيف يمكنك أن تقطع بأنه ما أنزل عليّ شيئاً غاية ما في الباب أن تطالبني بالمعجز.
والحاصل أنهم قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله فألزموا ما لا بد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم بالتحريف وإبداء بعض وإخفاء بعض.
وقيل: اللفظ وإن كان مطلقاً بحسب اللغة إلا أنه مقيد بحسب العرف بتلك الواقعة، فكأنه قال: ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين، وهذا كما إذا أرادت المرأة أن تخرج من الدار فغضب الزوج وقال: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيراً من الفقهاء قالوا: التعليق مقيد بتلك المرة حتى لو خرجت مرة أخرى لم تطلق.
ويرد على هذا التوجيه أن قوله ﴿ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ لا يكون مبطلاً لكلام الخصم.
أما قوله "إن السورة مكية والمناظرات مدينة" فأجيب عنه بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنه نزلت بالمدينة في هذه الواقعة والله أعلم.
ومن الأحكام المستنبطة من الآية أن قوله ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ يفيد أن عقول الخلق قاصرة عن كنه معرفة الله وإن كانوا مقرين بالنبوة والرسالة لإطلاق قوله في موضع آخر ﴿ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته ﴾ ومنها أن النكرة في سياق النفي تعم وإلا لم يكن قوله ﴿ من أنزل ﴾ مبطلاً لقوله ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ ومنها أن النقض يقدح في صحة الكلام وإلا لم يكن في قوله ﴿ من أنزل ﴾ حجة.
ويعلم منه أن قول من يقول إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقض مبطلاً ضعيف وإلا بطلت حجة الله في هذه الآية، فإن لليهود حينئذ أن تقول: معجزات موسى كانت أظهر وأبهر من معجزاتك فلا يلزم نبوتك.
ومنها أن الغزالي رحمه الله تكلف وقال: حاصل الآية يرجع إلى أن موسى أنزل الله عليه شيئاً، وأحد من البر ما أنزل الله عليه شيئاً فينتج من الشكل الثاني أن موسى ما كان من البشر وهذا خلف محال، وليس هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ولا بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية وهي قولهم ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ فوجب القول بكونها كاذبة فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف.
ثم اعلم أنه وصف كتاب موسى بكونه نوراً وهدى للناس والعطف يقتضي المغايرة.
فالمراد بالنور ظهوره في نفسه.
وبالهدى كونه سبباً لظهور غيره كقوله في وصف القرآن ﴿ ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا ﴾ قال أبو علي الفارسي ﴿ يجعلونه قراطيس ﴾ أي ذات قراطيس أي يودعونه إياها.
فإن قيل: إذا كان جميع الكتب كذلك فلم ذكر في معرض الذم؟
قلنا: لأنهم جعلوه قراطيس مفرقة مبعضة ليتوسلوا بذلك إلى إبداء بعض وإخفاء بعض مما فيه نعت محمد ، أو شيء من الأحكام التي لا توافق هواهم كالرجم وغيره ﴿ وعلمتم ﴾ أيها اليهود على لسان محمد ﴿ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وقيل: كانوا يقرؤن الآيات المشتملة على نعت محمد وما كانوا يفقهون معانيها إلى أن بعث الله محمداً، فظهر أن المراد منها هو البشارة بمقدمه، وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم ﴾ ﴿ قل الله ﴾ أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون على أن ينكروا ذلك فإن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف المؤيد قول صاحبه بالمعجزات الباهرة لا يكون إلا من الله .
ونظره ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ﴾ والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها، فسواء أقر الخصم به أولم يقر فالغرض حاصل.
﴿ ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ يقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه إنما أنت لاعب و ﴿ يلعبون ﴾ حال من ﴿ ذرهم ﴾ أو من ﴿ خوضهم ﴾ ويحتمل أن يكون ﴿ في خوضهم ﴾ حالاً من ﴿ يلعبون ﴾ وأن يكون صلة له أو لـ ﴿ ذرهم ﴾ .
والمعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والإنذار هذا المبلغ العظيم فقد قضيت ما عليك كقوله ﴿ إن عليك إلا البلاغ ﴾ قيل: إنها منسوخة بآية السيف وفيه نظر لأنه مذكور لأجل التهديد فلم يكن نزول آية القتال رافعاً لشيء من مدلولات هذه الآية.
ثم لما ذكر حال التوراة أعقبه بذكر القرآن فقال ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ وفائدة هذا الوصف أنه كان من الممكن أن يظن أن محمداً مخصوص من الله بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من تركيب القرآن على هذا النسق من الفصاحة، فنفى ذلك الوهم وبين أن الله هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل ﴿ مبارك ﴾ كثير خيره دائم نفعه باعث على الخيرات زاجر عن المنكرات لما فيه من أصول العلوم النظرية والعملية.
وقد جرت سنة الله بأن الباحث عنه والمتمسك به يفوز بعز في الدنيا وسعادة في الآخرة وقد جرب فوجد كذلك.
﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ أي موافق لما قبله من الكتب الإلهية.
أما في الأصول فلأنه يمتنع وقوع التفاوت فيها بحسب الأزمنة والأمكنة.
وأما في الفروع فلأنها مشتملة على التبشير بمقدم محمد .
ويحصل منه أن التكاليف الموجودة فيها إنما تبقى إلى وقت ظهوره ثم تصير منسوخة ﴿ ولتنذر ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فلأنه أسند الإنذار إلى الكتاب مجازاً لأنه سبب الإنذار ﴿ إنما أنذركم بالوحي ﴾ وهو معطوف على ما دل عليه سائر الأوصاف كأنه قيل: أنزلناه للبركة ولتصديق ما تقدمه من الكتب وللإنذار، قال ابن عباس: سميت مكة أم القرى لأن الأراضين دحيت من تحتها.
وقال أبو بكر الأصم: لأنها قبلة أهل الدنيا فصارت هي كالأصل وسائر البلاد تبعاً، وأيضاً الناس يجتمعون إليها للحج وللتجارة كما يجتمع الأولاد إلى الأم.
وقيل: لأن الكعبة أول بيت وضع للناس.
وقيل: إن مكة أول بلدة في الأرض ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي أهل أم القرى ومن حولها.
قيل: المراد أهل جزيرة العرب فاستدل اليهود بذلك على أنه مبعوث إلى العرب فقط.
وأجيب بأن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على نفي ما عداها لا سيما وقد ثبت بالتواتر أنه كان يدعي أنه رسول إلى العالمين.
ويحتمل أن يقال: ما حوالي مكة يتناول جميع البلاد ﴿ والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ﴾ أي بهذا الكتاب لأن أصل الدين خوف العاقبة فمن خالفها لم يزل به الخوف حتى يؤمن.
وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير قاعدة البعث والقيامة مثل محمد ، وفيه أن كفار مكة يبعد منهم قبول هذا الدين لأنهم كانوا لا يعتقدون البعث والحشر ﴿ وهم على صلاتهم يحافظون ﴾ يعني أن الإيمان بالآخرة كما أنه يحمل المكلف على الإيمان بالنبي وبالكتاب كذلك يحمله على محافظة الصلوات.
وخص الصلاة بالذكر لأنها عماد الدين وسنام الطاعات كاد المحافظ عليها أن يأتي بأخواتها كلها ويجتنب المنكرات بأسرها.
ثم ذكر ما يدل على وعيد من ادّعى النبوّة وإنزال الكتاب عليه فرية وافتراء فقال ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ قال المفسرون: نزلت في الكذابين مسيلمة الحنفي والأسود العنسي.
عن النبي "رأيت فيما يرى النائم كأن في يدي سوارين من ذهب فكبرا علي وأهماني.
فأوحى الله إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا عني فأوّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء الأسود العنسي" .
﴿ أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ﴾ كان مسيلمة يقول: محمد وآله رسول الله في بني قريش، وأنا رسول الله في بني حنيفة.
واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من نسب إلى الله ما هو بريء منه إما في الذات وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلاً تحت هذا الوعيد ﴿ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ﴾ قال المفسرون: هو النضر بن الحرث كان يدعي معارضة القرآن وهو قوله ﴿ لو نشاء لقلنا مثل هذا ﴾ وروي أن عبد الله بن سعد أبي سرح القرشي كان يكتب الوحي لرسول الله ، وكان إذا تلا عليه "سميعاً عليماً" كتب هو "عليماً حكيماً" وإذا قال "عليماً حكيماً" كتب "غفوراً رحيماً" فلما نزل ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] أملاه الرسول .
فلما وصل إلى قوله ﴿ أنشأناه خلقاً آخر ﴾ عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال: تبارك الله أحسن الخالقين فقال النبي اكتبها فكذلك نزلت، فشك عبد الله وقال: لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، وإن كان كاذباً لقد قلت كما قال فارتد عن الإسلام ولحق بمكة.
فلما دخل رسول الله مكة فر إلى عثمان - وكان أخاه من الرضاعة - فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة، ثم أتى به رسول الله فاستأمن له.
ثم فصل ما أجمل من الوعيد فقال ﴿ ولو ترى ﴾ الآية.
وجوابه محذوف أي لرأي يا إنسان أمراً عظيماً ﴿ إذ الظالمون ﴾ يعني الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة.
فاللام للعهد، ويحتمل أن تكون للجنس فيندرج هؤلاء فيه.
وغمرات الموت شدائده وسكراته.
وأصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ﴾ قيل: إنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من أجسادهم فما الفائدة في هذا الخطاب؟
وأجيب بوجوه منها: أن المراد ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة إذا ما دخلوا جهنم، وغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد والتعذيبات ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ بالعذاب يكلمونهم يقولون لهم ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ من هذا العذاب الشديد إن قدرتم.
ومنها ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ﴾ عند نزول الموت بهم في الدنيا ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ لقبض أرواحهم يقولون لهم ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ من هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام، ومنها هاتوا أرواحكم وأخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويقول: أخرج إليّ مالي عليك ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك.
ومنها أنه ليس بأمر وإنما هو وعيد وتقريع كقوله القائل: امض الآن لترى ما يحل بك، والتحقيق أن نفس المؤمن حال النزع تنبسط في الخروج إلى لقاء ربه، ونفس الكافر تكره ذلك ويشق عليها الخروج، وقطع التعلق لأنها تصير إلى العذاب وإليه الإشارة في الحديث " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فهؤلاء الكفار يكرههم الملائكة على نزع الروح وعلى فراق المألوف.
وفي الآية دلالة على أن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل المحسوس، لأن المخرج يجب أن يكون مغايراً للمخرج منه ﴿ اليوم ﴾ يريد وقت الإماتة أو الوقت الممتد الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة ﴿ تجزون عذاب الهون ﴾ كقولك "رجل سوء" بالإضافة لأن العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالإهانة كما أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم، والتركيب يدور على قلة المبالاة بالشيء ومنه بالفتح السكينة والوقار، وهان عليه الشيء أي حقر، وأهانه استخف به، والاسم الهون بالضم والهوان والمهانة.
والحاصل أنه جمع لهم بين الأمرين الإيلام والإهانة ﴿ بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ يعني أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بمجموع الأمرين: الافتراء على الله والتكبر على آيات الله وهو عدم الإيمان بها.
قال الواحدي ﴿ وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ أي لا تصلون له لقوله "من سجد لله سجدة واحدة بنية صادقة فقد برىء من الكبر" ﴿ ولقد جئتمونا ﴾ يحتمل أن يكون معطوفاً على قول الملائكة ﴿ أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون ﴾ ثم الملائكة إما الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم، وإما الملائكة الموكلون بعذابهم، ويحتمل أن يكون القائل هو الله إن جوزنا أنه يتكلم مع الكفار ﴿ فرادى ﴾ جمع ينون ولا ينوّن واحده.
قيل: فرد على غير قياس: فردان كسكارى وسكران قاله ابن قتيبة.
وقيل: فريد كرديف وردا في وهم الحداة والأعوان لأنه إذا أعيا أحدهم خلفه الآخر ﴿ كما خلقناكم ﴾ أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو مجيئاً مثل خلقنا لكم.
﴿ أوّل مرة ﴾ والمراد التوبيخ والتقريع لأنهم بذلوا جهدهم وصرفوا كدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين: أحدهما المال والجاه، والثاني أنهم عبدوا الأصنام وجعلوها شركاء لله فيهم فقلبوا القضية وتركوا الحقيقة، وذلك أن النفس الإنسانية إنما تعلقت بالجسد ليكون البدن آلة لها في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة، فإذا فارقت البدن ولم يحصل لها هذان المطلبان عظم خسرانها وطال حرمانها فاستحق التوبيخ بقوله ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ أي منفردين عما يجب من الأعمال والعقائد.
ثم إنها مع ذلك اكتسبت أشياء قد علق الرجاء بها لأنه أفنى العمر في تحصيلها وأنها ليست مما يبقى معها فلا جرم استحق التقريع بقوله ﴿ وتركتم ما خوّلناكم ﴾ أي أعطينا وتفضلنا به عليكم ﴿ وراء ظهوركم ﴾ يعني أنها كالشيء الذيي يبقى وراء ظهر الإنسان فلن يمكنه الانتفاع به وربما بقي معوج الرأس بسبب التفاته إليه ﴿ وما نرى معكم شفعاءكم ﴾ أي ليسوا معكم حتى يروا، أو ليسوا معكم بالشفاعة والنصرة كما زعمتم بدليل قوله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ الآية.
من قرأ بالنصب على الظرف فمعناه وقع التقطع بينكم كقوله ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ يقال: جمع بين الشيئين أي وقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره.
وقيل: المراد لقد تقطع وصلكم بينكم كقولهم إذا كان غداً فأتني أي إذا كان الرجاء أو البلاء غداً فأتني فأضمر لدلالة الحال، ومن قرأ بالرفع فلأنه أسند الفعل إلى الظرف اتساعاً كما تقول: قوتل خلفكم وأمامكم، أو لأن المراد بالبين الوصل وإنما حسن استعماله في معنى الوصلة مع أن أصله الافتراق والتباين لأنه يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ومواصلة من بعض الوجوه كقولهم: بيني وبينه مشاركة وبيني وبينه رحم.
والمعنى لقد تقطع وصلكم.
قلت: ويحتمل أن يكون البين بمعنى الافتراق ويفيد المبالغة كقولهم: جد جده.
فإذن العاقل من يكسب الزاد ليوم المعاد حتى لا يوبخ بقوله ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ ويصرف المال في وجوه التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله حتى لا يخاطب بقوله ﴿ وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ﴾ بل يكون من زمرة ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ﴾ كيلا تطول حسرته يوم ينقطع بين النفس والجسد وصله.
ثم إنه لما فرغ من تقرير التوحيد والنبوّة والمعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال قدرته لتعلم أن حال المباحث العقلية والنقلية إنما هو معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله فقال ﴿ أن الله فالق الحب والنوى ﴾ أي بالنبات والشجر.
وعن مجاهد أراد الشقين اللذين في الحنطة والنواة، والفلق هو الشق.
وعن ابن عباس والضحاك: الفلق هو الخلق.
ووجه بأن العقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انشقاق، فإخراج الشيء من العدم إلى الوجود شق لذلك العدم وفلق بحسب التخيل والتعقل.
واعلم أنه إذا وقعت الحبة والنواة في الأرض الرطبة ثم مر بها قدر من المدة أظهر الله في أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً، أما العالي فيخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء، وأما السافل فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة، وههنا عجائب منها: أن طبيعة الشجرة إن كانت تقتضي الهويّ في الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة إلى الهواء وبالعكس.
فاتصال الشجرتين على التبادل ليس بمقتضى الطبع والخاصية بل بمقتضى إرادة الموجد المختار.
ومنها أن باطن الأرض جسم صلب كثيف لا تنفذ فيه المسلة ولا السكين، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق مع غاية نعومتها تقوى على النفوذ والغوص في جرم الأرض، فحصول هذه القوّة الشديدة للجرم الضعيف ليس إلا بتقدير العزيز العليم.
ومنها أنه يتولد من النواة شجرة ويحصل من الشجرة أغصان وأوراق وأزهار وأثمار، وللثمر قشر أعلى وقشر أسفل وفيه اللب، وفي اللب الدهن الذي هو المقصود الأصلي فتولد هذه الأجرام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وطعومها وأشكالها مع تساوي تأثيرات النجوم والطبائع في المادة الواحدة يدل على وجود الفاعل المختار.
ومنها أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فالأترج قشره حار يابس ولحمه بارد رطب، وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه بارد يابس وماؤه ولحمه حار رطب.
ومنها أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة، فبعضها يكون لبه في الداخل وقشره في الخارج كالجوز واللوز، وبعضها يكون فاكهته المطلوبة في الخارج والخشبة في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضها يكون لنواها لب كالخوخ وقد لا يكون كالتمر، وبعض الفواكه يكون كله مطلوباً كالتين.
فهذه الأحوال المختلفة والأشكال المتخالفة.
تتضمن حكماً وفوائد لا يعلمها إلا مبدعها.
ومنها أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة وجدت في وسطها خطاً واحدا ًمستقيماً يشبه النخاع في بدن الإنسان ولا يزال يستدق حتى يخرج عن إدراك الحس، ثم ينفصل عن ذلك الخط خطوط دقائق أصغر من الأول، فكأنه أوجد ذلك لتقوى به الجاذبة المركوزة في جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة.
فإذا وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في إيجاد جملة تلك الشجرة أكثر، وعلمت أن عنايته بتخليق الحيوان الذي خلق النبات لأجله يكون أكمل، وكذا عنايته بحال الإنسان الذي خلق لأجله النبات والحيوان ويصير ذلك مرقاة لك إلى وجود الصانع الخبير الحكيم القدير.
ثم بين كونه فالق الحب والنوى بقوله ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت، لأن النامي في حكم الحيوان ولهذا قال ﴿ يحيي الأرض بعد موتها ﴾ ثم عطف على قوله ﴿ فالق الحب ﴾ قوله ﴿ ومخرج الميت من الحي ﴾ قال ابن عباس: أخرج من النطفة بشراً حياً ثم يخرج من البشر الحي نطفة، أو يخرج من البيض دجاجة ومن الدجاجة بيضاً، أو يخرج المؤمن من الكافر كما في حق إبراهيم، والكافر من المؤمن كنوح وابنه، أو المطيع من العاصي والعاصي من المطيع، أو العالم من الجاهل والجاهل من العالم، أو الكامل من الناقص والناقص من الكامل، وقد يجعل الضار نافعاً وبالعكس.
يحكى أن إنساناً سقى الأفيون في الشراب ليموت فلما تناوله ظن القوم أنه سموت فرفعوه وجعلوه في بيت مظلم فلدغته حية وصارت تلك اللدغة لقوّة حرارة سم الحية سبباً لدفع ضرر برد الأفيون.
ونقل عن عبد القاهر الجرجاني أن قوله ﴿ ومخرج الميت ﴾ معطوف على قوله ﴿ يخرج ﴾ وإنما حسن عطف الاسم على الفعل ههنا، لأن لفظ الفعل يدل على اعتناء الفعل بذلك الفعل في كل وقت بخلاف لفظ الاسم ولهذا قال ﴿ هل من خالق غير الله يرزقكم ﴾ ليفيد أنه يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة إذا ثبت هذا فنقول الحي أشرف من الميت، فذكره بلفظ الفعل فيدل على أن الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من العكس ﴿ ذلكم الله ﴾ المدبر الخالق النافع الضار المحيي المميت ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره، أم كيف تستبعدون البعث والنشور لأن الإعادة أهون من الإبداء؟
ثم عدل عن الأحوال الأرضية إلى الاستدلال بما فوقها وهي الأحوال الفلكية فقال ﴿ فالق الإصباح ﴾ وهو مصدر سمي بهالصبح، المراد فالق ظلمة الإصباح وهو الغبش في آخر الليل وكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة.
ثم إنه شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى فيه جدولاً من النور.
فالمعنى فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح، وحسن الحذف للعلم به.
أو المراد فالق الإصباح ببياض النهار وإسفاره ومنه قولهم "انشق عمود الفجر وانصدع الفجر" أو المراد مظهر الإصباح بواسطة فلق الظلمة، فذكر السبب وأراد المسبب، أو الفالق بمعنى الخالق كما مر وقد سلف لنا تقرير الصبح في البقرة في تفسير قوله عز من قائل ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ﴾ ثم إن كون الصبح بسبب وقوع ضوء الشمس على ضلع مخروط ظل الأرض في جانبه الشرقي لا ينافي كون الله فالق الإصباح بالحقيقة، كما أن وجود النهار بسبب طلوع جرم الشمس عن الأفق لا ينافي ذلك، والإمام فخر الدين الرازي أراد أن يبين أن ذلك بقدرة الفاعل المختار فنفى كونه بسبب ضوء الشمس بحجج اخترعها من عنده وكلها خلاف المعقول والمنقول من علم الرياضة فلذلك أسقطناها عن درجة الاعتبار.
النوع الثاني من الدلائل الفلكية الدالة على التوحيد قوله ﴿ وجاعل الليل سكناً ﴾ حجة من قرأ باسم الفاعل أن المعطوف عليه اسم فاعل، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله بعد ذلك ﴿ والشمس والقمر ﴾ منصوبان ولا بد من عامل وما ذلك إلا أن يقدر "جاعل" بمعنى "جعل".
والسكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه من زوج أو حبيب ومنه قيل للنار: سكن كما سموها المؤنسة لأنها يستأنس بها، والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه وجمامه.
ويحتمل أن يراد: وجعل الليل مسكوناً فيه كما قال ﴿ لتسكنوا فيه ﴾ فالليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم، فهما نعمتان من الله وآيتان على وحدته وقدرته.
النوع الثالث قوله ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ أي سببي حسبان لأن حساب الأوقات يعلم بسيرهما ودورهما.
والحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب بالكسر.
وقيل: إنه جمع حساب مثل "شهاب" وشهبان".
قال في الكشاف: الشمس والقمر قرئا بالحركات الثلاث.
فالنصب على إضمار فعل دل عليه ﴿ جاعل الليل ﴾ أو يعطفان على محل الليل لأن اسم الفاعل أريد به ههنا الاستمرار كما تقول: الله عالم قادر.
فلا تقصد زماناً دون زمان فتكون الإضافة غير حقيقة ويكون لليل محل.
قلت: وهذا مناقض لما ذكره في ﴿ مالك يوم الدين ﴾ من أنه يجوز أن يراد به زمان مستمر حتى تكون الإضافة حقيقية، ويصح وقوعه صفة للمعرفة.
وأما وجه الجر فظاهر.
ووجه الرفع كونهما مبتدأين محذوفي الخبر أي والشمس والقمر مجعولان أو محسوبان حسباناً ﴿ وذلك ﴾ الجعل ﴿ تقدير العزيز ﴾ الذي قهرهما ﴿ العليم ﴾ الذي دبرهما.
وذلك أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيآتها المحدودة وأوضاعها المعينة لا يتم إلا بقدرة شاملة لجميع الممكنات وعلم نافذ في الكليات والجزيئات.
النوع الرابع قوله ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم ﴾ عد ههنا من منافع النجوم كونها سبباً للاهتداء إلى الطرق والمسالك ﴿ في ظلمات البر والبحر ﴾ حيث لا يرون شمساً ولا قمراً.
والتقدير في ظلمات الليل بالبر والبحر فأضافها إليهما لملابستها لهما.
وقيل: المراد ظلمات بر التعطيل وبحر التشبيه فإن اختصاص كل من هذه الكواكب بحال وصفة أخرى مع تشاركها في الجسمية دليل ظاهر على مختار قادر.
وأيضاً اتصافها بالأعضاء والأبعاض والحدود والأحياء مع أنها لا تصلح للإلهية بالاتفاق دليل على تنزيه الله من هذه السمات ولهذا قال ﴿ قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ﴾ فيستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب.
ثم عدل عن الآيات الآفاقية إلى آيات الأنفس فقال ﴿ وهو الذي أنشأكم ﴾ أي خلقكم بطريق النشؤ والنماء ﴿ من نفس واحدة ﴾ هي آدم وحوّاء مخلوقة من ضلع من أضلاعه، وكذا عيسى لأنه من مريم وإن كان يتوسط كلمة "كن" أبو بالنفخ وهي من آدم ﴿ فمستقر ﴾ من قرأ بكسر القاف فالتقدير فمنكم مستقر ﴿ و ﴾ منكم ﴿ مستودع ﴾ الأول اسم فاعل والثاني اسممفعول.
ومن قرأ بفتح القاف فالتقدير: فلكم مستقر ولكم مستودع.
فيكون كلاهما اسمي مكان أو مصدراً.
وذلك أن استقر لازم فلا يجيء منه المفعول به بلا واسطة فينبغي تفسير مستودع أيضاً بما يشاكله استحساناً.
وعن ابن عباس: أن المستودع الصلب والمستقر الرحم لقوله ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ ولأن اللبث في الرحم أكثر فيكون لفظ القرار بذلك أنسب بخلاف المستودع فإنه في معرض الاسترداد ساعة فساعة، وهذا شأن المني في الأصلاب فإنه بصدد الإراقة في كل حين وأوان.
وقيل: المستقر صلب الأب والمستودع الرحم، لأن النطفة قد حصلت في صلب الأب أوّلاً واستقرت هناك، ثم حصلت في الرحم على سبيل الوديعة، ولأن هذا الترتيب يناسب تقديم المستقر على المستودع.
وعن الحسن: المستقر حاله بعد الموت لأن سعادته وشقاوته تبقى وتستقر على حالة واحدة والمستودع حاله قبل الموت، لأن الكافر قد ينقلب مؤمناً والفاسق صالحاً والوديعة على شرف الزوال والذهاب.
وقال الأصم: المستقر الذي خلق من النفس الأولى وحصل في الوجود والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق.
وعنه أيضاً المستقر من في قرار الدنيا، والمستودع من في القبور إلى يوم البعث.
وعن قتادة بالعكس.
وعن أبي مسلم الأصفهاني: المستقر الذكر لأن النطفة إنما تستقر في صلبه، والمستودع الأنثى لأنها تستودع النطفة.
وحاصل الكلام أن الإنسان خلق من نفس واحدة ثم إنه يتقلب في الأطوار ويتردد في الأحوال، وليس هذا بمقتضى الطبع والخاصية وإلا لتساوى الكل في الأخلاق والأمزجة فذلك إذن بتدبير فاعل قدير مختار خبير.
ولهذا قال ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ ميزنا بعضها عن بعض ﴿ لقوم يفقهون ﴾ لأن الفائدة تعود إليهم وإن كان الإرشاد عاماً، ولأن آيات الأنفس أقرب إلى الاعتبار وأهون لدى الاستبصار ختم هذه الآية بالفقه، وخصص خاتمة الآية الأولى بالعلم ليعلم أن الغافل عن هذه لا فطنة له ولا ذكاء أصلاً فضلاً عن العلم.
ثم عدد ما كونه نعمة أبين فيه من كونه آية فقال ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ قيل: أي من جانب السماء وقيل: أي من السحاب لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت.
وقال أكثر أهل الظاهر: أي من السماء نفسها لأنه فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد.
ونحن قد حكينا في أول سورة البقرة مذهب الحكماء في هذا الباب والله أعلم.
قال ابن عباس: يريد بالماء ههنا المطر، ولا تنزل قطرة من السماء إلا ومعها ملك.
والفلاسفة يحملون ذلك على الطبيعة الحالة فيها الموجبة للنزول إلى مركزها.
﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة ذلك الماء وذلك يوجب الطبع والمتكلمون ينكرونه ﴿ نبات كل شيء ﴾ قال الفراء: أي نبات كل شيء له نبات فيخصص بنبت كل صنف من أصناف النامي ويخرج ما عدا ذلك.
وفي الآية التفاتان: الأول من الحكاية إلى الغيبة حيث لم يقل "نحن الذين أنزلنا" والثاني من الغيبة إلى الحكاية وأنت خبير أن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب باب من أبواب البلاغة، وصيغة الجمع لأجل التعظيم كما هو ديدن الملوك.
ثم لما بين أن السبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف كثيرة فصل ذلك بعض التفصيل حسب ما ذكر في قوله ﴿ إن الله فالق الحب والنوى ﴾ فقال ﴿ فأخرجنا منه ﴾ أي من النبات ﴿ خضراً ﴾ شيئاً أخضر طرياً وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة.
﴿ نخرج منه ﴾ أي من ذلك الخضر ﴿ حباً متراكباً ﴾ بعضه على بعض.
قال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت والذرة، فأصل ذلك هو العود الأخضر وتكون السنبلة راكبة عليه من فوقه والحبات متراكبة وفوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كالإبر.
والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة.
ولما ذكر ما نبت من الحب أتبعه ذكر ما ينبت من النوى فقال ﴿ ومن النخل ﴾ وهو خبر وقوله ﴿ من طلعها ﴾ بدل منه كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل ﴿ قنوان ﴾ أو الخبر محذوف لدلالة أخرجنا عليه.
والتقدير: ومخرجة من طلع النخل قنوان وهو جمع قنو كصنوان وصنو.
والقنو العذق وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب، والطلع أول ما يبدو من غذق النخلة.
قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية من تحتها.
وعنه أيضاً أنه أراد عذوق النخلة اللاصقة بالأرض.
قال الزجاج: ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن أحد القسمين يغني عن الآخر كما قال ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ ويحتمل أن يقال: ترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأتم.
وقيل: أراد بكونها دانية أنها سهلة المجتنى متعرضة للقاطف كالشيء الداني القريب المتناول، وأن النخلة وإن كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها بالثمر لا تنتظر الطول ﴿ وجنات من أعناب ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ خضراً ﴾ أي وأخرجنا به جنات من أعناب.
ومن قرأ بالرفع فعلى أنها مبتدأ محذوف الخبر أي وثم جنات من أعناب، أو وجنات من أعناب مخرجة، ولا يجوز أن يكون عطفاً على قنوان وإن جوّزه في الكشاف، إذا يصير المعنى وحاصلة أو مخرجة من النخل من طلعها جنات حصلت من أعناب.
أما قوله ﴿ والزيتون والرمان ﴾ بالنصب فللعطف على منصوبات قبلها أو للاختصاص لفضل هذين الصنفين.
قال الفراء: أراد شجر الزيتون وشجر الرمان فحذف المضاف.
واعلم أنه قدم الزرع على الأشجار لأنه غذاء وثمار الأشجار فواكه والغذاء مقدم على الفواكه، ثم قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يقوم مقام الغذاء ولا سيما للعرب.
ومن فضائلها أن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوانات مشابهات كثرة ولهذا قال "أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من بقية طينة آدم" ثم ذكر العنب عقيب النخل لأنه أشرف أنواع الفواكه وأنه ينتفع به من أوّل ظهوره إلى آخر حاله.
فأوّله خيوط دقيقة حامضة الطعم لذيذة وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه، ثم يظهر الحصرم وهو طعام شريف للأصحاء وللمرضى من أصحاب الصفراء، ثم يتم العنب فيؤكل كما هو ويدخر ويتخذ منه الزبيب والدبس والخمر والخل ومنافع كل منها لا تحصى، إلا أن الخمر حرمها الشرع لإسكارها.
وأخس ما في العنب عجمه والأطباء يتخذون منه جوارشنات نافعة للمعدة الضعيفة الرطبة.
ويتلو العنب في المنفعة الزيتون لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل منه الزيت الذي يعظم غناؤه، وأما الرمان فحاله عجيبة جداً لأنه قشر وشحم وعجم وماء.
والثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة، وأما ماء الرمان فبالضد من هذه الصفات وأنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف وهو غذاء من وجه ودواء من وجه، وكأنه جمع فيه بين المتضادين فيكون دلالة القدرة والرحمة والحكمة فيه أكمل وأنواع النبات أكثر من أن يفي بشرحها المجلدات فاكتفى بذكر هذه الأنواع الخمسة تنبيهاً على البواقي.
وأما قوله ﴿ مشتبهاً وغير متشابه ﴾ ففي تفسيره وجوه الأوّل أن هذه الفواكه تكون متشابهة في اللون والشكل مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذّة، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس.
الثاني أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابهاً في الطعم والخاصية، وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنها تكون مختلفة، ومنهم من يقول: الأشجار متشابهة والثمار مختلفة.
ومنهم من قال: بعض حبات العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه وذلك أنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة فإنها بقيت على أوّل حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة، ومعنى اشتبه وتشابه واحد يقال: اشتبه الشيئان وتشابها كقولك: استويا وتساويا.
وإنما قال ﴿ مشتبهاً ﴾ ولم يقل "مشتبهين" إما اكتفاء بوصف أحدهما، أو على تقدير والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك كقوله: رماني بأمر كنت ووالدي *** بريئا ومن أجل الطويّ رماني ﴿ انظروا إلى ثمره ﴾ من قرأ بفتحتين فلأنه جمع ثمرة مثل: بقر وبقرة، وشجر وشجرة.
ومن قرأ بضمتين فعلى أنه جمع ثمرة أيضاً مثل: خشبة وخسب.
قال ﴿ كأنهم خشب مسندة ﴾ أو على أن ثمرة جمعت على ثمار ثم جمع ثمار على ثمر ﴿ إذا أثمر ﴾ إذا أخرج ثمره ﴿ وينعه ﴾ يقال: ينعت الثمرة ينعاً وينعاً بالفتح والضم إذا أدركت ونضجت.
أمر بالنظر في حال ثمر كل شجرة أوّل حدوثها وفي آخر حالها فإنها قد تكون موصوفة بالخضرة والحموضة ثم تصير إلى السواد والحلاوة، وربما كانت أوّل الأمر باردة بحسب الطبيعة ثم تصير حارة الطبع وقد يخرج ضيئلاً ضعيفاً لا يكاد ينتفع به، ثم يؤول إلى كمال اللذة والمنفعة فحصول هذه الانتقالات والتغيرات لا بد له من سبب مستقل في التأثير سوى الطبائع والفصول والأفلاك والنجوم وما ذاك إلا السبب الأوّل ومبدع الكل، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ قال القاضي: المراد لمن يطلب بالإيمان بالله لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن، ويحتمل أن يقال: خص المؤمنين لأنهم المنتفعون بذلك دون غيرهم، أو المراد أن هذه الدلالة على قوّتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله في حقه بالإيمان وإلا فلا ينتفع به ألبتة ويكون من زمرة من قال في حقهم ﴿ وجعلوا الله شركاء الجن ﴾ قال الكلبي: عن ابن عباس نزلت في الزنادقة قالوا إن الله وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب.
قال في التفسير الكبير: هذا مذهب المجوس فإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة لأن المجوس يلقبون بالزنادقة لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله يسمى بالزند والمنسوب إليه زندي، ثم عرّب فقيل زنديق، ثم جمع فقيل زنادقة، ثم إنهم قالوا كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان، وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن وهو المسمى بإبليس في شرعنا، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة كقولهم إنه فكر في مملكة نفسه واستعظمها ففعل نوعاً من العجب فتولد الشيطان من ذلك العجب، وكقولهم شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان.
والأقلون منهم قالوا إنه قديم أزلي والحاصل أنهم يقولون: عسكر الله هم الملائكة، وعسكر إبليس هم الشياطين والملائكة فيهم كثرة عظيمة وهم أرواح طاهرة مقدسة تلهم الأرواح البشرية الطاعات، والشياطين فيهم أيضاً كثرة عظيمة يلقون الوساوس إلى الأرواح البشرية، والله مع عسكره يحاربون إبليس مع عسكره فلهذا السبب حكى الله عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن بلفظ الجمع وإن كان شريكه عندهم بالحقيقة واحداً وهو أهرمن.
وانتصاب ﴿ الجن ﴾ على أنه بدل أو بيان لشركاء أو على أنه مفعول أول لـ ﴿ جعلوا ﴾ و ﴿ شركاء ﴾ ثانيه ويكون ﴿ لله ﴾ طرفاً لغواً.
وفائدة تقديم المفعول الثاني على هذا القول استعظام أن يتخذ لله شريك كائناً من كان، ملكاً أو جنياً أو إنسياً، ولذلك قدم اسم الله على الشركاء.
وقرىء ﴿ الجن ﴾ بالرفع كأنه قيل: من هم؟
فقيل: الجن.
وبالجر على الإضافة التي للتبيين.
وقيل: إن الآية نزلت في الكفار الذين جعلوا الملائكة بنات الله.
وحسن إطلاق الجن على الملائكة لاستتارهم عن العيون.
ومعنى كونهم شركاء أنها مدبرة لأحوال هذا العالم ومعينة لله إعانة الولد للوالد.
وعن الحسن وطائفة من المفسرين: أن المراد أن الجن دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام وإلى القول بالشركة فأطاعوهم كما يطاع الله.
أما قوله ﴿ وخلقهم ﴾ فإشارة إلى الدليل القاطع على إبطال الشريك.
والضمير فيه إما أن يعود إلى الجن أو إلى الجاعلين فإن عاد إلى الجن فإن قلنا إن الآية نزلت في المجوس فتقريره أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس محدث ولو لم يعترفوا بذلك والبرهان العقلي قائم على أن ما سوى الحق الواحد ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محدث، فنقول حينئذ، كل محدث مخلوق وله خالق وما ذاك إلا الله ، وحينئذ يلزمهم نقض قولهم لأنه ثبت أن إله الخير قد فعل أعظم الشرور وهو خلق إبليس الذي هو مادة كل شر.
وإن قلنا.
إنها نزلت في كفار العرب القائلين الملائكة بنات الله، فظاهر لأنهم يسلمون أن الملائكة مخلوقون وأنهم تولدوا منه تولد الولد من الوالد.
وإن عاد الضمير إلى الجاعلين فالمعنى.
وعلموا أن الله خلقهم دون الجن كقوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ ولم يمنعهم علمهم أن يتّخذوا من لا يخلق شريكاً للخالق.
والجملة في موضع الحال أي وقد خلقهم.
وقرىء ﴿ وخلقهم ﴾ بسكون اللام أي اختلاقهم للإفك يعني جعلوا لله خلقهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم ﴿ والله أمرنا بها ﴾ ثم حكي عن قوم آخرين نوعاً آخر من الإشراك فقال ﴿ وخرقوا له بنين وبنات ﴾ وذلك قول أهل الكتابين في المسيح وعزير، وقول قريش في الملائكة، ومن هنا يعلم ضعف قول من قال ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن ﴾ نزل في كفار قريش لأنه لزم التكرار من غير فائدة ظاهرة، يقال: خرق الإفك وخلقه واخترقه واختلقه بمعنى.
قال الحسن: كلمة عربية كان الرجل، إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله أعلم.
ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا له بنين وبنات.
أما قوله ﴿ بغير علم ﴾ فكالتنبيه على إبطال قولهم، فإن من عرف الإله حق معرفته استحال أن يثبت له ولداً لأن ذلك الولد إن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلاً بنفسه قائماً بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخرة تعلق الفرعية، وإن كان ممكن الوجود لذاته كان موجوداً بإيجاد الواجب وكان عبداً له لا ولداً.
وأيضاً الولد إنما يحتاج إليه ليقوم مقام الوالد بعد فنائه ومن تقدس عن الفناء لم يحتج إلى الولد.
وأيضاً الولد جزء من أجزاء الوالد ومن لم يكن مركباً استحال أن ينفصل منه جزء يتولد منه الولد.
ثم نزه نفسه عما لا يليق به فقال { } وهذا على لسان المسبحين ﴿ وتعالى عما يصفون ﴾ وهذا له في نفسه سواء سبحه مسبح أم لا.
والمراد بالتعالي العو بالشرف والرفعة بدليل قوله عما يصفون.
التأويل: ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ حين أنكروا إنزال الكتب والبعثة على أنهم لو اعترفوا بذلك أيضاً لم يعرفوه حق معرفته لأن المحاط لا يحيط بالمحيط.
نعم تزداد معرفته بازدياد معرفة أوصافه ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ أي في القراطيس، وما يجعلونه في قلوبهم بالتخلق بأخلاقه ﴿ وعلمتم ﴾ بتعليم محمد ﴿ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ كقوله ﴿ ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سراً بسر وإضماراً بإضمار، والذي علم النبي هو الله وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم، وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بأخلاقه، وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب ﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ لأنه يصدق حقائق جميع ما في الكتب ﴿ ولتنذر أم القرى ﴾ وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق وقد دحيت جميع أرض القلب من تحتها ﴿ ومن حولها ﴾ من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بأن يتنوّروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه.
﴿ والذين يؤمنون بالآخرة ﴾ فيستعملون الأدوات والآلات في أمور الدنيا والآخرة لا في الدنيا الفانية وشهوات النفس وهواها ﴿ يؤمنون ﴾ بالقرآن ﴿ وهم على صلاتهم ﴾ بالترقي في صفاتهم إلى التخلق بأخلاق القرآن يداومون، فإن الصلاة معراج المؤمن ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ بإظهار المواجد والحالات رياء ومراء من غير أن يكون له منها نصيب، ﴿ أو قال أوحي إليّ ﴾ الإشارات ولم يلهم نفسه شيئاً منها، ومن قال متشدّقاً متفيهقاً سأتكلم بمثل كلام الله من الحقائق والأسرار فتظهر مضرة ظلمة وافترائه عند سكرات الموت، وانقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس عن القالب كرهاً لتعلقها بالشهوات واللذات وطلب الرياسات، ويكون شدة النزع والهوان بحسب التعلقات ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ عن الدنيا وما يتعلق بها، أو فرادى عن تعلقات الكونين ﴿ كما خلقناكم أوّل مرة ﴾ في أوّل خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب.
﴿ وتركتم ﴾ بالتجريد عن الدنيا وبالتفريد عن الدنيا والآخرة ﴿ ما خولناكم ﴾ من تعلق الكونين ﴿ وراء ظهوركم وما نرى معكم ﴾ الأعمال والأحوال التي ظننتم أنها توصلكم إلى الله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ وبينها عند انتهاء سيركم كما انتهى سير جبريل عند سدرة المنتهى، وحينئذ لا يصل إلى الوحدة إلا بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ولو لم تدركه الجذبة المسندة إلى العناية لانقطع عن السير في الله بالله ونفى السدرة وهو يقول ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ ﴿ إن الله فالق ﴾ حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة، وفالق النوى ذكر لا إله إلا الله في أرض القلب عن شجرة الإيمان، كلمة طيبة كشجرة طيبة يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية، ومخرج الأفعال الطبيعية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحق في الدارين.
وأيضاً يخرج نخل الإيمان الحق من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله ﴿ فالق الإصباح ﴾ فالق ظلمة الجمادية بصباح العقل والحياة والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح الفهم والإدراك، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صحبة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات.
وبالجملة فالق أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية، وجاعل ليل البشرية ستراً عن ضياء شمس الروح ليسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ يعني تجلي شمس الروحانية وطلوع قمر القلب بالحساب لئلا يفسد أمر القلب والقالب.
وأيضاً تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن إفراط طلوع شموس المعارف والشهود آفة "أنا الحق وسبحاني" وفي تفريطه آفة أنا ربكم الأعلى وعبادة الهوى.
﴿ ذلك تقدير العزيز ﴾ الذي لا يهتدى إليه إلا به ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق الاهتداء إليه ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم ﴾ نجوم أنوار الغيوب في سموات القلوب ﴿ لتهتدوا بها في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية إلى عالم الربوبية.
﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ أرواحكم من روح واحد هو روح محمد "أول ما خلق الله روحي كما خلق أجسادكم من جسد واحد هو جسد آدم أبي البشر" فمن الأرواح ما تعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح.
وأيضاً من الأرواح ما هو مستقر فيه نور صفة الإيمان وما هو مستودع فيه جذبات الحق، ومنها ما هو مستقر في أنانيته مع علو رتبته بالبقاء وما هو مستودع أنانيته بالفناء، وما هو مستقر ببقاء الحق باق وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء ﴿ قد فصلنا ﴾ دلالات الوصول في الوصال ﴿ لقوم يفقهون ﴾ إشارات القلوب ﴿ وهو الذي أنزل ﴾ من سماء العناية ﴿ ماء ﴾ الهداية ﴿ فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ من أنواع المعارف ﴿ فأخرجنا منه خضراً ﴾ طرياً من المعاني والأسرار ﴿ يخرج به ﴾ من الحقائق ما تركب بعضها فترتب بعضها على بعض ﴿ ومن النخل ﴾ يعني أصحاب الولايات من طلعها} من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين أي منهم من يكون مريئاً فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن المريدين.
﴿ وجنات ﴾ يريد أرباب الزهد والتقوى والفتوّة الذين لم يبلغوا رتبة الولاية من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع ﴿ مشتبهاً ﴾ أي متفقاً في الأصول والفروع ﴿ وغير متشابه ﴾ أي مختلفاً فيما بين العلماء ﴿ انظروا ﴾ إلى ثمر الولايات كيف ينتفع به الخواص والعوام ﴿ وينعه ﴾ أي الكامل منها.
﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ بأحوالهم وينتفعون بأموالهم وأحوالهم.
﴿ وجعلوا لله ﴾ إشارة إلى أنه كما يخرج بماء اللطف من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات كذلك يخرج بماء القهر من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ﴾ .
قيل: فالق الحب والنوى كما قال الله - -: ﴿ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ؛ وكقوله : ﴿ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ ﴾ أي: خلقكم يخبر أنه خالق الحب والنوى، خص الحب [والنوى] بالذكر لما منهما خلق جميع ما في الدنيا من الأنزال والحبوب؛ كقوله : ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ منذ ما خلق ما في الدنيا من البشر، فأضاف ذلك إليه؛ فعلى ذلك لما خلق هذه الأنزال كلها من الحب والنوى، ومنها أخرج، أضاف إليها ذلك، والله أعلم.
ويحتمل: أن يكون ليس بإخبار عن ابتداء إنشاء، ولكن إخبار عن لطفه.
والفلق: هو الشق، يخبر أنه يشق النواة مع شدتها وصلابتها، ويخرج منها نبتاً أخضر ليناً، ما لو اجتمع كل الخلائق على إنفاذه وإخراج مثله من غير أذى يصيب ذلك النبت ما قدروا عليه، يخبر عن لطفه وقدرته، أي: من قدر على هذا لقادر على إعادة الخلق وبعثهم بعد إماتتهم وإفنائهم، وإن لم يبق لهم أثر؛ كما قدر على هذا، يعرفهم قدرته أنها غير مقدرة بقدرة الخلق وبقوتهم، بل خارجة عن قوتهم؛ لأن قوته وقدرته ذاتية أزلية بلا سبب، وقوتهم وقدرتهم بأسباب؛ وكذلك ما يشق من الورق الضعيف اللين الشجر والنخل مع شدته وصلابته، ما لو اجتمع الخلائق كلهم على شق ذلك الشجر بذلك الورق مع لينه ما قدروا عليه، يعرفهم لطفه وقدرته أنه لا يعجزه شيء.
وفيه أن ذلك فعل واحد؛ لأنه لو كان فعل عدد لكان إذا أراد هذا شقه منع الآخر عن ذلك.
وفيه أنه على تدبير خرج لا جزافاً؛ حيث اتفق ذلك في كل عام على قدر واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ .
إن الحب والنوى التي ذكر ميت، فيخرج منهما النبات الأخضر حيّاً، ثم يميت ذلك ويخرج منه حباً ونوى.
وفيه دلالة البعث بعد الموت؛ يقول: إن الذي قدر على إخراج النبات الأخضر الحي من حبة ميتة أو نواة ميتة، وليس فيها من أثر ذلك الحي شيء - لقادر أن يبعثهم ويحييهم بعد الموت، وإن لم يبق من أثر الحياة شيء، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ .
أي: ذلكم الذي يفعل ذلك هو الله - - لا الأصنام التي تعبدونها وأشركتم في عبادتكم لله وألوهيته [أي]، أيُّ حجة تصرفكم عما ذكر؟
أي: لا حجة لكم في صرف الألوهية عنه إلى غيره، ولا صرف العبادة إلى الأصنام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ .
قيل: فأني تصرفون عما ذكر من دلالات وحدانيته وألوهيته وربوبيته.
والإفك: هو الصرف في اللغة؛ كقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا ﴾ [أي:] لتصرفنا.
وقيل: تؤفكون: تكذبون، أي: ما الذي حملكم على الكذب؟
والكذب والصرف واحد في الحقيقة؛ لأن الكذب هو صرف قول الحق إلى الباطل، وهما واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ ﴾ .
هو يحتمل الوجهين اللذين ذكرتهما في قوله: ﴿ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ﴾ : خبر عن ابتداء خلقه.
ويحتمل الشق، أي: يشق النهار من الليل، والليل من النهار بعد ما تلف كل واحد منهما [حتى] لم يبق له أثر، ففيه دليل البعث والإحياء بعد الموت، أي: أن الذي قدر على إنشاء النهار من الليل والليل من النهار بعد ما تلف وذهب أثره - لقادر على إنشاء الخلق، وبعثهم بعد الموت وذهاب آثارهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً ﴾ .
جعل الله الليل سكناً وراحة للخلق، والنهار معاشاً لهم يعيشون فيه، وجعلهما آيتين من آيات ربوبيته ووحدانيته مسخرين، يغلبان الخلائق ويقهرانهم، ويكونون تحت سلطانهما ويجريان على سنن واحد؛ [ومجرى واحد] دل أن لهما مدبراً خالقاً عليما، ولو كانا يجريان بطباعهما لكان يختلف جريانهما، ولم يتسق، فدل اتساقهما وجريانهما مجرى واحداً أن لغير فيهما تدبيرا؛ وكذلك الشمس والقمر جعلهما مسخرين لمنافع الخلق؛ لنضج الأنزال وينعها، ولمعرفة عدد الأيام والشهور والسنين، ويجريان مجرى واحداً ومسلكاً واحداً غير مختلف؛ دلّ ذلك أنهما كانا بمدبر عليم حكيم.
وفي قوله: ﴿ فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن الإصباح هو فعل الخلق؛ لأنه مصدر أصبح، وكذلك السكن هو فعل الخلق، ثم أضاف ذلك كله إلى نفسه؛ دل أنه خالق أفعالهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ﴾ اختلف فيه؛ قال أبو عبيد: هو من الحساب، وهو جمع حساب، [يقال: حساب وحسبان]؛ مثل: شهاب وشهبان؛ وهو كقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ﴾ .
وقيل: حسباناً، أي: جريانا، يجريان ويدوران أبداً لا يستريحان؛ دل أنهما كانا بغير مسخرين للخلق؛ لأنهما لو كانا بطباعهما لكانا يستريحان.
وقيل: حسباناً، أي: ضياء؛ كقوله: ﴿ جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً ﴾ ، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ .
أي: ذلك الجريان الذي ذكر، أو تلك المنافع التي جعلت فيها تقدير العزيز [العليم].
قال الحسن: العزيز: هو الذي لا يعجزه شيء، والعزيز: هو الذي [به] يعز كل عزيز.
وقال بعض أهل التأويل: العزيز: المنيع في سلطانه، المنتقم من أعدائه، العليم بمصالح الخلق وبما كان ويكون وبحوائجهم، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .
والمراد منه: الظلمات، وذكر في قوله: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ وأراد بالظلمات: الشدائد والأهوال التي تصيبهم.
ألا ترى أنه قال: ﴿ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾ عند الشدائد والأهوال كانوا يدعون ربهم تضرعاً وخفية، على ما ذكرهم هاهنا عظيم سلطانه وقدرته لما يدفع عنهم الشدائد [وينجيهم من] الأهوال التي تنزل بهم، فالدافع عنهم ذلك هو لا الأصنام التي يعبدون [من] دون الله ويشركونها في عبادته.
ويذكر في قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ عظيم ما أنعم عليهم بما جعل لهم من السماء نجوماً ليهتدوا بها للطرق والمسالك في البحار والبراري عند اشتباهها عليهم.
وفيه دليل وحدانية الرب وتدبيره وحكمته؛ لأنه جعل في السماء أدلة يهتدون بها، ويستدلون على معرفة الطرق مع بعد ما بينهما من المسافة، وتسوية أسباب الأرض بأسباب السماء، وتعلق منافع بعضها ببعض؛ ليعلموا أنه كان بواحد مدبر عليم حكيم؛ إذ لو كان بعدد أو بمن لا تدبير له ولا حكمة، لم يحتمل ذلك، ولم يتسق ما ذكرنا؛ دل أنه كان بالواحد العليم الحكيم، مع علمهم أن الأصنام التي يعبدونها وأشركوها في عبادته لا يقدرون على ذلك، لكنهم يعبدونها ويشركونها في ألوهيته سفهاً منهم وعناداً، وبالله العصمة والتوفيق.
وفي قوله: ﴿ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ ﴾ ، وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا ﴾ ، وغير ذلك من الآيات التي ذكر تذكير نعمه وإحسانه إليهم ليتأدى بذلك شكرهم ويجعل السعي له.
وجائز أن يستدل به على تذكير قدرته وسلطانه: أن من قدر على ما ذكر لا يحتمل أن يعجزه شيء.
و [فيه] تذكير تدبيره وعلمه وحكمه على ما ذكرنا من اتساق الأمور والحال على أمر واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ ﴾ : [قيل: صرفنا الآيات]، أي: صرفنا كل آية إلى موضعها الذي يكون لهم دليلا عند الحاجة إليها.
وقيل: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ ﴾ \[قد\] بينا الآيات ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ، أي: لقوم ينتفعون بعلمهم وإذا انتفعوا بها صارت الآيات لهم؛ لأن من انتفع بشيء يصير ذلك له؛ لذلك ذكر لقوم يعلمون؛ لأنهم إذا لم ينتفعوا بها لم تصر الآيات لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ ﴾ .
فيه دلالة أنه يبدئ ويعيد من غير شيء؛ لأنه أخبر أنه خلق البشر كله من نفس واحدة، والخلائق كلهم لو اجتمعوا ما احتملت الأرض، ولم تكن الخلائق بأجمعهم في تلك النفس الواحدة، دل أنه قادر على الابتداء والإعادة لا من شيء؛ إذ لم يكن لتلك النفس التي خلق الخلائق منها تقدمة شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ .
قال الحسن: مستقر في الآخرة بعمله الذي ختم به: إن ختم بعمل الخير يبقى أبداً في الخير، وإن ختم بشر يبقى أبداً في شر، ومستودع في أجله، ينتقل من وقت إلى وقت ومن حال إلى حال.
وقيل: مستقر في الدنيا.
ويشبه أن يكون مستقر ومستودع في كل حال وكل وقت مستقر (في) [أرحام النساء ومستودع في أصلاب الرجال، وهو قول عامة أهل التأويل، وقيل مستقر في القبر، ومستودع في الدنيا، ويشبه أن يكون ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾ ] في حال القيام حتى ينتقل إلى حال أخرى، ﴿ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ [لما هو على شرف الانتقال إلى أخرى.
وجائز أن يكون قوله ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ : مستقر] في الآخرة بالجزاء لأعمالهم التي عملوا، ومستودع في الدنيا.
ويحتمل: مستقر بالليالي، ومستودع بالنهار، والأول لبني آدم خاصة.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ، ﴿ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، والعلم ما يعرف نفسه؛ ولهذا لا يقال: الله فقيه، ويقال: عالم؛ لأنه عالم بالأشياء [بذاته لا] بأغيارها ونظائرها، [والفقيه: هو الذي يعرف الأشياء بأغيارها ونظائرها ودلائلها].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
يذكرهم عز وجل عظيم منته بما ينزل من السماء من الماء، ويخرج به نبات كل شيء؛ كما ذكرهم من النعم بما جعل لهم من [الشمس والنجوم؛ ليهتدوا] بها في الظلمات واشتباه الطريق، وما جعل الليل للسكون والراحة، والنهار للمعاش والتقلب، وما جعل لهم من الشمس والقمر، وجعل لهم فيهما من المنافع من نضج الأنزال والزروع وينعهما ومعرفة عدد السنين والحساب والآجال التي يجعلون للعقود، وغير ذلك من النعم التي أنعمها عليهم؛ لئلا يرجعوا شكر هذه النعم إلى غيره، ولا يتخذوا إلهاً سواه، وقد ذكرنا أن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك في إثبات الوحدانية له والألوهية لله، وإثبات الرسالة والنبوة، وإثبات البعث بعد الموت؛ لأنهم كانوا ينكرون ذلك كله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ] ما بالخلق حاجة إليه؛ ليعلم أن كل ما يخرج في الأرض أصله من الماء به ينبت [مما يكون غذاء] البشر وغذاء الحيوان كلهم والطيور؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ يذكرهم عظيم ما جعل لهم في الماء من المنافع، على ما أخبر أنه به يخرج نبات كل شيء، وبه حياة كل شيء، [ثم] من الأوقات ما لو نزل من السماء ماء لم يُنبت؛ دل أنه إنما ينبت بتدبير غير لا بالماء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً ﴾ .
قيل: به يخرج أول ما يخرج خضرا يكون ابتداء كل نبت أخضر، ثم يتحول إلى لون آخر، ومنهم من قال: به يعني بالماء وهو ما يبقى أخضر لولا الماء وإلا يبس وتغير عن حال ابتدائه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً ﴾ يخبر عن لطفه وصنعه بما يخرج من الحب متراكباً بعضه على بعض، ما لو اجتمع الخلائق كلهم لم يقدروا على تركيب مثله؛ ليعلموا أن لغير في ذلك تدبيرا وصنعا.
وفيه دلالة أنه قد ينشيء الأشياء من لا شيء ولا سبب، وإن كان قد أنشأ بعضها بأسباب؛ نحو أن أخرج [من الحبة والنواة نباتاً أخضر، ولم يكن في الحب نبات ثم أخرج] من ذلك النبات الأخضر حبوباً، ولم تكن الحبوب في النبات؛ ليعلموا أنه قادر على إنشاء الأشياء لا من شيء ولا سبب.
وفيه نقض قول الدهرية في كون الأشياء في شيء واحد كما هي؛ لأنه لا يحتمل [أن يكون] عشرة آلاف نواة أو حبة [في] نواة واحدة أو في حبّة واحدة، أو تكون الشجرة مع طولها وغلظها وعظمها في نواة أو حبة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّخْلِ ﴾ .
أي: يخرج من النخل طلعها بالماء، وفيه من عظيم لطفه وتدبيره أن جعل النخيل والأشجار تتشرب بعروقها الماء، ثم ينتشر [ذلك] في أصلها إلى أغصانها، ثم يخرج منه ويظهر خضراً؛ ليعلم عظيم تدبيره ولطفه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ ﴾ .
قيل: القنوان: العروق يكون فيها التمر والثمار، واحدها: قنو.
وقوله - عز وجل -: ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ : قال الحسن: دانية بعضها إلى بعض مجتمعة غير متفرقة، على ما يكون من الأعناب والثمر والحبوب، فإن كان هذا فهو في الكل.
وقال بعضهم: دانية: قريبة ملتزقة بالأرض، يناله القائم والقاعد جميعاً.
وعن ابن عباس: ﴿ قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ ﴾ : قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ .
أي: أخرج بالماء جنات وكروما.
﴿ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ ﴾ قيل: أخرج بالماء - أيضاً - الزيتون والرمان [وقال بعضهم: (الزيتون والرمان)] ﴿ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ﴾ أي: يشبه ورق الزيتون في المنظر ورق الرمان.
﴿ وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ﴾ : ثمرتها في اللون والطعم، ولكن هو على الكل على كل الثمار، ولا يشبه بعضها بعضاً: منها ما يشبه ساق هذا بساق آخر والثمار والحبوب مختلف.
ومنها ما يشبه في اللون، والطعم مختلف.
ومنها ما يشبه في الطعم، واللون مختلف.
ليعلموا أن لغير في ذلك تدبيرا وصنعاً لطيفاً لم يكن كذلك بالماء؛ لأنه لو كان كذلك بالماء لكان لا يختلف كل هذا الاختلاف في اللون والطعم والساق والورق؛ دل أنه كان كذلك لغير - عليم مدبر حكيم - أنشأه على ما أراد بلطفه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ﴾ : يحتمل الأمر بالنظر وجوهاً؛ أي [يحتمل]: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه أي: كيف يقلبها، ويحولها من حال إلى حال، ومن لون إلى لون، وأنه يخرج في ساعة لطيفة ما لو اجتمع الخلائق على تقديره ومعرفته أي كم خرج [وأي مقدار] خرج لم يقدروا عليه؛ ليعلموا أنه قادر على إحياء الخلق بمرة واحدة.
وفي إنزال المطر من السماء مع بعدها آية عجيبة وحكمة بالغة، وهو أن ينزله واحداً [واحداً] حتى لا يختلط بعضه ببعض مع كثرة المطر وازدحامه وبعد السماء ما لو اجتمع الخلائق على حفظ مثله ما قدروا عليه [دل] أنه كان بمدبر عليم حكيم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
قد ذكرنا أنها تصير آيات لمن صدق بها وآمن، وأما من عاند وكابر ولم يتأمل فيها لم يفهم [ما فيها] من عجيب آياته وعظيم منته.
وفي قوله: ﴿ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ ﴾ وجهان آخران من الحكمة: [أحدهما]: أن انظروا إلى ثمره إذا أثمر أنه أول ما يخرج يخرج على لون واحد وعلى قدر واحد وعلى طعم واحد، ثم يختلف ألوانها وطعمها وتتفاوت أقدارها؛ ليعلموا أنه كان بتدبير واحد عليم حكيم قادر على خلق الأشياء بلا سبب؛ لأنه لو كان كذلك بسبب لا بتدبير فيه كان سبب هذا كله واحداً، فيجيء أن يخرج كله على سنن واحد؛ دل أنه خالق بذاته لا بسبب.
والثاني: أن انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه أنه جعل ما يطيب منه للبشر، وعلمهم أسبابا يتخذون بها الطيبات من ذلك من نحو النضج والطبخ وغيره، وجعل لغيرهم من الحيوان كما هو خارج من الأرض؛ ليعلموا أن غيرهم من الحيوان والدواب إنما جعلهم لمنافع البشر مسخرين لهم، وأن البشر هم المقصودون في خلق الأشياء كلها، وبالله الحول والقوة، وله المنة والفضل.
<div class="verse-tafsir"
وهو سبحانه وتعالى الذي خلقكم من نفس واحدة هي نفس أبيكم آدم، فقد بدأ خلقكم بخلق أبيكم من طين، ثم خلقكم منه، وخلق لكم ما تستقرون فيه، كأرحام أمهاتكم، ومُسْتَودعًا تُسْتَوْدَعُونَ فيه، كأصلاب آبائكم، قد بيَّنا الآيات لقوم يفهمون كلام الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.G2nx6"