الآية ١١ من سورة التحريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 66 التحريم > الآية ١١ من سورة التحريم

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًۭا فِى ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة التحريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة التحريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم ، كما قال تعالى : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ) [ آل عمران : 28 ] .

قال : قتادة كان فرعون أعتى أهل الأرض وأبعده ، فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حكم عدل ، لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه .

وقال ابن جرير : حدثنا إسماعيل بن حفص الأبلي ، حدثنا محمد بن جعفر ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان قال : كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس ، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها ، وكانت ترى بيتها في الجنة .

ثم رواه عن محمد بن عبيد المحاربي ، عن أسباط بن محمد ، عن سليمان التيمي ، به .

ثم قال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن هشام الدستوائي ، حدثنا القاسم بن أبي بزة ، قال : كانت امرأة فرعون تسأل : من غلب ؟

فيقال : غلب موسى ، وهارون .

فتقول : آمنت برب موسى ، وهارون ، فأرسل إليها فرعون ، فقال : انظروا أعظم صخرة تجدونها ، فإن مضت على قولها فألقوها عليها ، وإن رجعت عن قولها فهي امرأته ، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأبصرت بيتها في الجنة ، فمضت على قولها ، وانتزع روحها ، وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح .

فقولها : ( رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ) قال العلماء : اختارت الجار قبل الدار .

وقد ورد شيء من ذلك في حديث مرفوع ، ( ونجني من فرعون وعمله ) أي : خلصني منه ، فإني أبرأ إليك من عمله ، ( ونجني من القوم الظالمين ) وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم ، رضي الله عنها .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية قال : كان إيمان امرأة فرعون من قبل إيمان امرأة خازن فرعون ، وذلك أنها جلست تمشط ابنة فرعون ، فوقع المشط من يدها ، فقالت تعس من كفر بالله ؟

فقالت لها ابنة فرعون : ولك رب غير أبي ؟

قالت : ربي ، ورب أبيك ، ورب كل شيء الله .

فلطمتها بنت فرعون وضربتها ، وأخبرت أباها ، فأرسل إليها فرعون ، فقال : تعبدين ربا غيري ؟

قالت : نعم ، ربي ، وربك ، ورب كل شيء الله .

وإياه أعبد فعذبها فرعون ، وأوتد لها أوتادا ، فشد رجليها ، ويديها ، وأرسل عليها الحيات ، وكانت كذلك ، فأتى عليها يوما ، فقال لها : ما أنت منتهية ؟

فقالت له : ربي ، وربك ، ورب كل شيء الله .

فقال لها : إني ذابح ابنك في فيك إن لم تفعلي .

فقالت له : اقض ما أنت قاض .

فذبح ابنها في فيها ، وإن روح ابنها بشرها ، فقال لها : أبشري يا أمه ، فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا .

فصبرت ثم أتى عليها فرعون يوما آخر فقال لها مثل ذلك ، فقالت له مثل ذلك ، فذبح ابنها الآخر في فيها ، فبشرها روحه أيضا ، وقال لها .

اصبري يا أمه ، فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا .

قال : وسمعت امرأة فرعون كلام روح ابنها الأكبر ، ثم الأصغر ، فآمنت امرأة فرعون ، وقبض الله روح امرأة خازن فرعون ، وكشف الغطاء عن ثوبها ، ومنزلتها ، وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأت ، فازدادت إيمانا ويقينا ، وتصديقا ، فاطلع فرعون على إيمانها ، فقال للملإ ما تعلمون من آسية بنت مزاحم ؟

فأثنوا عليها ، فقال لهم : إنها تعبد غيري .

فقالوا له : اقتلها .

فأوتد لها أوتادا فشد يديها ورجليها ، فدعت آسية ربها فقالت : ( رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ) فوافق ذلك أن حضرها فرعون فضحكت حين رأت بيتها في الجنة ، فقال فرعون : ألا تعجبون من جنونها ، إنا نعذبها وهي تضحك ، فقبض الله روحها ، رضي الله عنها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وضرب الله مثلا للذين صدقوا الله ووحدوه، امرأة فرعون التي آمنت بالله ووحدته، وصدّقت رسوله موسى، وهي تحت عدوّ من أعداء الله كافر، فلم يضرّها كفر زوجها، إذ كانت مؤمنة بالله، وكان من قضاء الله في خلقه أن لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن لكلّ نفس ما كسبت، إذ قالت: (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ) ، فاستجاب الله لها فبنى لها بيتًا في الجنة.

كما حدثني إسماعيل بن حفص الأبلي (1) قال: ثنا محمد بن جعفر، عن سليمان التيميّ، عن أَبي عثمان، عن سلمان، قال: كانت امرأة فرعون تعذّب بالشمس، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة.

حدثنا محمد بن عبيد المحاربيّ، قال: ثنا أسباط بن محمد، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، قال: قال سليمان: كانت امرأة فرعون، فذكر نحوه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، قال: ثنا القاسم بن أبي بَزَّة، قال: كانت امرأة فرعون تسأل من غلب؟

فيقال: غلب موسى وهارون.

فتقول: آمنت بربّ موسى وهارون؛ فأرسل إليها فرعون، فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي امرأته؛ فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في السماء، فمضت على قولها، فانتزع الله روحها، وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ ) وكان أعتى أهل الأرض على الله، وأبعده من الله، فوالله ما ضرّ امرأته كُفر زوجها حين أطاعت ربها، لتعلموا أن الله حكم عدل، لا يؤاخذ عبده إلا بذنبه.

وقوله: (وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ) وتقول: وأنقذني من عذاب فرعون، ومن أن أعمل عمله، وذلك كفره بالله.

وقوله: (وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) تقول: وأخلصني وأنقذني من عمل القوم الكافرين بك،ومن عذابهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين[ ص: 187 ] قوله تعالى : وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون واسمها آسية بنت مزاحم .

قال يحيى بن سلام : قوله ضرب الله مثلا للذين كفروا مثل ضربه الله يحذر به عائشة وحفصة في المخالفة حين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ضرب لهما مثلا بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران ; ترغيبا في التمسك بالطاعة والثبات على الدين .

وقيل : هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة ; أي لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون حين صبرت على أذى فرعون .

وكانت آسية آمنت بموسى .

وقيل : هي عمة موسى آمنت به .

قال أبو العالية : اطلع فرعون على إيمان امرأته فخرج على الملأ فقال لهم : ما تعلمون من آسية بنت مزاحم ؟

فأثنوا عليها .

فقال لهم : إنها تعبد ربا غيري .

فقالوا له : اقتلها .

فأوتد لها أوتادا وشد يديها ورجليها فقالت : رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ووافق ذلك حضور فرعون ، فضحكت حين رأت بيتها في الجنة .

فقال فرعون : ألا تعجبون من جنونها !

إنا نعذبها وهي تضحك ; فقبض روحها .

وقال سلمان الفارسي فيما روى عنه عثمان النهدي : كانت تعذب بالشمس ، فإذا أذاها حر الشمس أظلتها الملائكة بأجنحتها .

وقيل : سمر يديها ورجليها في الشمس ووضع على ظهرها رحى ; فأطلعها الله حتى رأت مكانها في الجنة .

وقيل : لما قالت : رب ابن لي عندك بيتا في الجنة أريت بيتها في الجنة يبنى .

وقيل : إنه من درة ; عن الحسن .ولما قالت : " ونجني " نجاها الله أكرم نجاة ، فرفعها إلى الجنة ، فهي تأكل وتشرب وتتنعم .من فرعون وعمله تعني بالعمل : الكفر .

وقيل : " من عمله " : من عذابه وظلمه وشماتته .

وقال ابن عباس : الجماع .ونجني من القوم الظالمين قال الكلبي : أهل مصر .

مقاتل : القبط .

قال الحسن وابن كيسان : نجاها الله أكرم نجاة ، ورفعها إلى الجنة ; فهي فيها تأكل وتشرب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ } وهي آسية بنت مزاحم رضي الله عنها { إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } فوصفها الله بالإيمان والتضرع لربها، وسؤالها لربها أجل المطالب، وهو دخول الجنة، ومجاورة الرب الكريم، وسؤالها أن ينجيها الله من فتنة فرعون وأعماله الخبيثة، ومن فتنة كل ظالم، فاستجاب الله لها، فعاشت في إيمان كامل، وثبات تام، ونجاة من الفتن، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: { كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء، إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام } .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم أخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعا فقال : ( وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون ) وهي آسية بنت مزاحم .

قال المفسرون : لما غلب موسى السحرة آمنت امرأة فرعون ، ولما تبين لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس .

قال سلمان : كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة .

( إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ) فكشف الله لها عن بيتها في الجنة حتى رأته .

وفي القصة : أن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها فلما أتوها بالصخرة قالت : رب ابن لي عندك بيتا في الجنة فأبصرت بيتها في الجنة من درة بيضاء ، وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه ولم تجد ألما .

وقال الحسن وابن كيسان : رفع الله امرأة فرعون إلى الجنة فهي فيها تأكل وتشرب .

( ونجني من فرعون وعمله ) قال مقاتل : وعمله يعني الشرك .

وقال أبو صالح عن ابن عباس " وعمله " قال : جماعه .

( ونجني من القوم الظالمين ) الكافرين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون» آمنت بموسى واسمها آسية فعذبها فرعون بأن أوتد يديها ورجليها وألقى على صدرها رحى عظيمة واستقبل بها الشمس فكانت إذا تفرق عنها من وكل بها ظللتها الملائكة «إذ قالت» في حال التعذيب «رب ابن لي عندك بيتا في الجنة» فكشف لها فرأته فسهل عليها التعذيب «ونجني من فرعون وعمله» وتعذيبه «ونجني من القوم الظالمين» أهل دينه فقبض الله روحها، وقال ابن كيسان: رفعت إلى الجنة حية فهي تأكل وتشرب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وضرب الله مثلا لحال المؤمنين- الذين صدَّقوا الله، وعبدوه وحده، وعملوا بشرعه، وأنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين في معاملتهم- بحال زوجة فرعون التي كانت في عصمة أشد الكافرين بالله، وهي مؤمنة بالله، حين قالت: رب ابْنِ لي دارًا عندك في الجنة، وأنقذني من سلطان فرعون وفتنته، ومما يصدر عنه من أعمال الشر، وأنقذني من القوم التابعين له في الظلم والضلال، ومن عذابهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ضرب - سبحانه - مثلا للمؤمنين فقال : ( وَضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امرأت فِرْعَوْنَ ) وهى آسية ابنة مزاحم ، التى لم يمنعها ظلام الكفر الذى كانت تعيش فيه فى بيت فرعون ، ولم يشغلها ما كانت فيه من متاع الحياة الدنيا وزينتها .

.

.

عن أن تطلب الحق ، وتعرض عن الباطل ، وأن تكفر بكل ما يدعيه زوجها من كذب وطغيان .قال الجمل : آمنت بموسى - عليه السلام - لما غلب السحرة ، وتبين لها أنه على الحق .

ولم تضرها الوصلة بالكافر ، وهى الزوجية التى هى من أعظم الوصل ولا نفعه إيمانها ، لأن كل امرىء بما كسب رهين .

.

.وروى الشيخان عن أبى موسى الأشعرى " أنه قال : كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا أربع : مريم ابنة عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم - وآسية بنت مزاحم ، امرأة فرعون " .قيل : إنها إسرائيلية وأنها عمة موسى .

وقيل إنها ابنة عم فرعون .

.

.

ومن فضائلها أنها اختارت القتل على الملك ، وعذاب الدنيا على النعيم الذى كانت فيه - بعد أن خالط الإيمان قلبها .أى : وجعل الله - تعالى - حال امرأة فرعون ، مثلا للمؤمنين ، حيث آمنت بالحق بعد أن تبين لها ، دون أن يصرفها عن ذلك أى صارف ، فكان ما فعلته فى أسمى درجات الإخلاص وصدق اليقين .والظرف فى قوله : ( إِذْ قَالَتْ .

.

) متعلق بمحذوف ، أو بقوله : ( مَثَلاً ) .أى : وضرب الله - تعالى - مثلا للذين آمنوا ، حال امرأة فرعون وقت أن قالت ( رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة ) أى : ابن لى بيتا فى مستقر رحمتك ، أو فى جنتك التى لا يستطيع أحد التصرف فيها إلا بإذنك .وقوله : ( فِي الجنة ) بدل أو عطف بيان لقوله - تعالى - ( عِندَكَ ) وقدم عندك ، للإشعار بأن محبتها للقرب من رحمته - تعالى - أهم من أى شىء آخر .( وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ) أى : ونجنى من طغيان فرعون ، ومن عمله الذى بلغ النهاية فى السوء والقبح .( وَنَجِّنِي ) - أيضا - من القوم الظالمين ، وهم أتباع فرعون وحاشيته وملؤه ، وشيعته .

.وفى هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب ، فهى تسأل الله - تعالى - أن يعوضها عن دار فرعون ، دارا فى أعلى درجات الجنة ..

.وهذا الدعاء يشعر بأن فرعون وقومه ، قد صدوها عن الإيمان ، وهددوها بأنها إن آمنت .

.

حرموها من قصر فرعون ، وزينته وفخامته .كما أنها سألت ربها - عز وجل - أن ينجيها من ذات فرعون ، ومن علمه السىء ، ومن كل من حام حول فرعون ، واتبعه فى طغيانه وكفره .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله: ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً ﴾ أي بين حالهم بطريق التمثيل أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة مثلهم من غير اتقاء ولا محاباة، ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كانوا فيه من القرابة بينهم وبين نبيهم وإنكارهم للرسول صلى الله عليه وسلم، فيما جاء به من عند الله وإصرارهم عليه، وقطع العلائق، وجعل الأقارب من جملة الأجانب بل أبعد منهم وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبياً كحال امرأة نوح ولوط، لما خانتاهما لم يغن هذان الرسولان وقيل لهما في اليوم الآخر ادخلا النار ثم بين حال المسلمين في أن وصلة الكافرين لا تضرهم كحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله تعالى مع كونها زوجة ظالم من أعداء الله تعالى، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة، والاصطفاء على نساء العالمين مع أن قومها كانوا كفاراً، وفي ضمن هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين، وهما حفصة وعائشة لما فرط منهما وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده لما في التمثيل من ذكر الكفر، وضرب مثلاً آخر في امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، وقيل: هي عمة موسى عليه السلام آمنت حين سمعت قصة إلقاء موسى عصاه، وتلقف العصا، فعذبها فرعون عذاباً شديداً بسبب الإيمان، وعن أبي هريرة أنه وتدها بأربعة أوتاد، واستقبل بها الشمس، وألقى عليها صخرة عظيمة، فقالت: رب نجني من فرعون فرقى بروحها إلى الجنة، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه، قال الحسن.

رفعها إلى الجنة تأكل فيها وتشرب، وقيل: لما قالت: ﴿ رَبّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة ﴾ رأت بيتها في الجنة يبنى لأجلها، وهو من درة واحدة، والله أعلم كيف هو وما هو؟

وفي الآية مباحث: البحث الأول: ما فائدة قوله تعالى: ﴿ مّنْ عِبَادِنَا ﴾ ؟

نقول: هو على وجهين: أحدهما: تعظيماً لهم كما مر الثاني: إظهاراً للعبد بأنه لا يترجح على الآخر عنده إلا بالصلاح.

البحث الثاني: ما كانت خيانتهما؟

نقول: نفاقهما وإخفاؤهما الكفر، وتظاهرهما على الرسولين، فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون وامرأة لوط كانت تدل على نزول ضيف إبراهيم، ولا يجوز أن تكون خيانتهما بالفجور، وعن ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط، وقيل: خيانتهما في الدين.

البحث الثالث: ما معنى الجمع بين ﴿ عِندَكَ ﴾ و ﴿ فِى الجنة ﴾ ؟

نقول: طلبت القرب من رحمة الله ثم بينت مكان القرب بقولها: ﴿ فِى الجنة ﴾ أو أرادت ارتفاع درجتها في جنة المأوى التي هي أقرب إلى العرش.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وامرأة فرعون: آسية بنت مزاحم.

وقيل: هي عمة موسى عليه السلام آمنت حين سمعت بتلقف عصا موسى الإفك، فعذبها فرعون.

عن أبي هريرة: أن فرعون وتد امرأته بأربعة أوتاد، واستقبل بها الشمس؛ وأضجعها على ظهرها، ووضع رحى على صدرها.

وقيل: أمر بأن تلقى عليها صخرة عظيمة فدعت الله فرقي بروحها، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه.

وعن الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة؛ فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتتنعم فيها.

وقيل: لما قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة: أريت بيتها في الجنة يبنى.

وقيل: إنه من درة.

وقيل: كانت تعذب في الشمس فتظلها الملائكة.

فإن قلت: ما معنى الجمع بين عندك وفي الجنة؟

قلت طلبت القرب من رحمة الله والبعد من عذاب أعدائه، ثم بينت مكان القرب بقولها: ﴿ فِى الجنة ﴾ أو أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة وأن تكون جنتها من الجنان التي هي أقرب إلى العرش وهي جنات المأوى، فعبرت عن القرب إلى العرش بقولها: ﴿ عِندَكَ ﴾ .

﴿ مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ﴾ من عمل فرعون.

أو من نفس فرعون الخبيثة وسلطانه الغشوم، وخصوصاً من عمله وهو: الكفر، وعبادة الأصنام، والظلم، والتعذيب بغير جرم ﴿ وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين ﴾ من القبط كلهم.

وفيه دليل على أنّ الاستعاذة بالله والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل: من سير الصالحين وسنن الأنبياء والمرسلين: ﴿ فافتح بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجّنِى وَمَن مَّعِى مِنَ المؤمنين ﴾ ، [الشعراء: 118] ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين ﴾ [يونس: 86] .

﴿ فِيهِ ﴾ في الفرج.

وقرأ ابن مسعود: فيها، كما قرئ في سورة الأنبياء، والضمير للجملة، وقد مرّ لي في هذا الظرف كلام.

ومن بدع التفاسير: أنّ الفرج هو جيب الدرع، ومعنى أحصنته: منعته جبربل، وأنه جمع في التمثيل بين التي لها زوج والتي لا زوج لها، تسلية للأرامل وتطييباً لأنفسهنّ ﴿ وَصَدَّقَتْ ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف على أنها جعلت الكلمات والكتب صادقة، يعني: وصفتها بالصدق، وهو معنى التصديق بعينه.

فإن قلت: فما في كلمات الله وكتبه؟

قلت: يجوز أن يراد بكلماته: صحفه التي أنزلها على إدريس وغيره، سماها كلمات لقصرها، وبكتبه: الكتب الأربعة، وأن يراد جميع ما كلم الله به ملائكته وغيرهم، وجميع ما كتبه في اللوح وغيره.

وقرئ: ﴿ بكلمة الله وكتابه ﴾ ، أي: بعيسى وبالكتاب المنزل عليه وهو الإنجيل.

فإن قلت: لم قيل ﴿ مِنَ القانتين ﴾ على التذكير؟

قلت: لأنّ القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين، فغلب ذكوره على إناثه.

و ﴿ مِنَ ﴾ للتبعيض ويجوز أن يكون لابتداء الغاية، على أنهاولدت من القانتين؛ لأنها من أعقاب هرون أخي موسى صلوات الله عليهما.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد.

وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» وأما ما روي أنّ عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف سمى الله المسلمة؟

تعني مريم، ولم يسم الكافرة؟

فقال: بغضاً لها: قالت: وما اسمها؟

قال: اسم امرأة نوح (واعلة) واسم امرأة لوط (واهلة) فحديث أثر الصنعة عليه ظاهر بين، ولقد سمى الله تعالى جماعة من الكفار بأسمائهم وكناهم، ولو كانت التسمية للحب وتركها للبغض لسمى آسية، وقد قرن بينها وبين مريم في التمثيل للمؤمنين، وأبى الله إلا أن يجعل للمصنوع أمارة تنم عليه، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أحكم وأسلم من ذلك.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحاً» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ ﴾ شَبَّهَ حالَهم في أنَّ وُصْلَةَ الكافِرِينَ لا تَضُرُّهم بِحالِ آسِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ومَنزِلَتِها عِنْدَ اللَّهِ مَعَ أنَّها كانَتْ تَحْتَ أعْدى أعْداءِ اللَّهِ.

﴿ إذْ قالَتْ ﴾ ظَرْفٌ لِلْمَثَلِ المَحْذُوفِ.

﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ﴾ قَرِيبًا مِن رَحْمَتِكَ أوْ في أعْلى دَرَجاتِ المُقَرَّبِينَ.

﴿ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ﴾ مِن نَفْسِهِ الخَبِيثَةِ وعَمَلِهِ السَّيِّئِ.

﴿ وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ مِنَ القِبْطِ التّابِعِينَ لَهُ في الظُّلْمِ.

﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ ﴾ عَطْفٌ عَلى امْرَأتَ فِرْعَوْنَ تَسْلِيَةً لِلْأرامِلِ.

﴿ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها ﴾ مِنَ الرِّجالِ ﴿ فَنَفَخْنا فِيهِ ﴾ في فَرْجِها، وقُرِئَ «فِيها» أيْ في مَرْيَمَ أوْ في الجُمْلَةِ.

﴿ مِن رُوحِنا ﴾ مِن رُوحٍ خَلَقْناهُ بِلا تَوَسُّطِ أصْلٍ.

﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها ﴾ بِصُحُفِهِ المُنَزَّلَةِ أوْ بِما أوْحى إلى أنْبِيائِهِ.

وكُتُبِهِ وما كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ جِنْسِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ وتَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ البَصْرِيَّيْنِ وحَفْصٍ بِالجَمْعِ، وقُرِئَ «بِكَلِمَةِ اللَّهِ وكِتابِهِ» أيْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والإنْجِيلِ.

﴿ وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ ﴾ مِن عِدادِ المُواظِبِينَ عَلى الطّاعَةِ، والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ والإشْعارِ بِأنَّ طاعَتَها لَمْ تَقْصُرْ عَنْ طاعَةِ الرِّجالِ الكامِلِينَ حَتّى عُدَّتْ مِن جُمْلَتِهِمْ، أوْ مِن نَسْلِهِمْ فَتَكُونُ مِنَ ابْتِدائِيَّةً.

عَنِ النَّبِيِّ  : «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا أرْبَعٌ: آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، ومَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ.

وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى سائِرِ الطَّعامِ».» وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ التَّحْرِيمِ آتاهُ اللَّهُ تَوْبَةً نَصُوحًا».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون}

هي آسية بنت مزاحم آمنت بموسى فعذبها فرعون بالأوتاد الأربعة {إِذْ قَالَتِ} وهي تعذب {رَبّ ابن لِى عِندَكَ بَيْتاً فِى الجنة} فكأنها أرادت الدرجة العالية لأنه تعالى منزه عن المكان فعبرت عنها بقولها عندك {وَنَجّنِى من فرعون وعمله} أي منعمل فرعون أو من نفس فرعو الخبيثة وخصوصاً من عمله وهو الكفر والظلم والتعذيب بغير جزم {وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين} من القبط كلهم وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله والالتجاء اليه ومسئلة الخلاص عند المحن والنوازل من سير الصالحين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ جَعَلَ حالَها مَثَلًا لِحالِ المُؤْمِنِينَ في أنَّ وصْلَةَ الكَفَرَةِ لا تَضُرُّهم حَيْثُ كانَتْ في الدُّنْيا تَحْتَ أعْدى أعْداءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهي في أعْلى غُرَفِ الجَنَّةِ واسْمُها آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَتْ ﴾ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا حالَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ ﴾ قِيلَ: أيْ قَرِيبًا مِن رَحْمَتِكَ لِتَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنِ المَكانِ.

وجُوِّزَ في ﴿ عِنْدَكَ ﴾ كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وكَوْنُهُ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَيْتًا ﴾ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ وكانَ صِفَةً لَوْ تَأخَّرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي الجَنَّةِ ﴾ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ”عِنْدَكَ“ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ”ابْنِ“ وقَدَّمَ ”عِنْدَكَ“ لِنُكْتَةٍ، وهي كَما في الفُصُوصِ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِمُ: الجارُ قَبْلَ الدّارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ - بِعِنْدِكَ - أعْلى دَرَجاتِ المُقَرَّبِينَ لِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ، ولِأنَّ المُرادَ القُرْبُ مِنَ العَرْشِ، وعِنْدَكَ بِمَعْنى عِنْدَ عَرْشِكَ ومَقَرِّ عِزِّكَ وهو عَلى ما قِيلَ: عَلى الِاحْتِمالاتِ في إعْرابِهِ ولا يَلْزَمُ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ ﴿ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ مِن نَفْسِ فِرْعَوْنَ الخَبِيثَةِ وسُلْطانِهِ الغَشُومِ ﴿ وعَمَلِهِ ﴾ أيْ وخُصُوصًا مِن عَمَلِهِ وهو الكُفْرُ وعِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى والتَّعْذِيبُ بِغَيْرِ جُرْمٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ القَبائِحِ والكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ ”مَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ“ [البَقَرَةَ: 98] .

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ”نَجِّنِي“ مِن عَمَلِ فِرْعَوْنَ فَهو مِن أُسْلُوبِ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، والأوَّلُ أبْلَغُ لِدَلالَتِهِ عَلى طَلَبِ البُعْدِ مِن نَفْسِهِ الخَبِيثَةِ كَأنَّهُ بِجَوْهَرِهِ عَذابٌ ودَمارٌ يُطْلَبُ الخَلاصُ مِنهُ، ثُمَّ طُلِبَ النَّجاةُ مِن عَمَلِهِ ثانِيًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الطّامَّةُ العُظْمى، وخَصَّ بَعْضُهم عَمَلَهُ بِتَعْذِيبِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الجِماعُ، وما تَقَدَّمَ أوْلى ﴿ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ مِنَ القِبْطِ التّابِعِينَ لَهُ في الظُّلْمِ قالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ: مِن أهْلِ مِصْرَ: وكَأنَّهُ أرادَ بِهِمُ القِبْطَ أيْضًا، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّها كانَتْ مُؤْمِنَةً مُصَدِّقَةً بِالبَعْثِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها عَمَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ آمَنَتْ حِينَ سَمِعَتْ بِتَلَقُّفِ العَصا الإفْكَ فَعَذَّبَها فِرْعَوْنُ.

وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ فِرْعَوْنَ وتَدَ لِامْرَأتِهِ أرْبَعَةَ أوْتادٍ في يَدَيْها ورِجْلَيْها فَكانَتْ إذا تَفَرَّقُوا عَنْها أظَلَّتْها المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» فَقالَتْ: ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ﴾ فَكُشِفَ لَها عَنْ بَيْتِها في الجَنَّةِ وهو عَلى ما قِيلَ: مِن دُرَّةٍ، وفي رِوايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ أنَّهُ وتَدَ لَها أرْبَعَةَ أوْتادٍ وأضْجَعَها عَلى ظَهْرِها وجَعَلَ عَلى صَدْرِها رَحى واسْتَقْبَلَ بِها عَيْنَ الشَّمْسِ فَرَفَعَتْ رَأْسَها إلى السَّماءِ فَقالَتْ ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي ﴾ إلى ﴿ الظّالِمِينَ ﴾ فَفَرَجَ اللَّهُ تَعالى عَنْ بَيْتِها في الجَنَّةِ فَرَأتْهُ، وقِيلَ: أُمِرَ بِأنْ تُلْقى عَلَيْها صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ فَدَعَتِ اللَّهَ تَعالى فَرَقى بِرُوحِها فَأُلْقِيَتِ الصَّخْرَةُ عَلى جَسَدٍ لا رُوحَ فِيهِ، وعَنِ الحَسَنِ فَنَجّاها اللَّهُ تَعالى أكْرَمَ نَجاةٍ فَرَفَعَها إلى الجَنَّةِ فَهي تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وتَتَنَعَّمُ فِيها، وظاهِرُهُ أنَّها رُفِعَتْ بِجَسَدِها وهو لا يَصِحُّ.

وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ تَعالى والِالتِجاءَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ومَسْألَةَ الخَلاصِ مِنهُ تَعالى عِنْدَ المِحَنِ والنَّوازِلِ مِن سِيَرِ الصّالِحِينَ وسَنَنِ الأنْبِياءِ، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ يعني: جاهد الكفار بالسيف، وجاهد المنافقين بالقول والتهديد.

وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ يعني: اشدد عليهم، يعني: على كلا الفريقين، يعني: على الكفار بالسيف، وعلى المنافقين باللسان.

وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ يعني: إن لم يرجعوا ولم يتوبوا، فمرجعهم إلى جهنم، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: بئس القرار وبئس المرجع.

قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا يعني: وصف الله شبهاً لكفار مكة، وذلك أنهم استهزءوا وقالوا: إن محمدا  يشفع لنا.

فبيّن الله تعالى أن شفاعته-  - لا تنفع لكفار مكة، كما لا تنفع شفاعة نوح لامرأته.

وشفاعة لوط لامرأته.

وذلك قوله: لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ واسمها واعلة، وَامْرَأَتَ لُوطٍ واسمها داهلة.

ويقال: فيه تخويف لأزواج النبيّ  ، ليثبتن على دينه وطاعته.

ثم قال: كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ يعني: نوحاً ولوطاً- عليهما السلام- فَخانَتاهُما يعني: خالفتاهما في الدين.

وروي عن ابن عباس أنه قال: ما زنت امرأة نبي قط، وما كانت خيانتهما إلا في الدين.

فأما امرأة نوح كانت تخبر الناس أنه مجنون، وأما امرأة لوط كانت تدل على الأضياف.

وقال عكرمة: الخيانة في كل شيء ليس في الزنى.

فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يعني: لم يمنعهما صلاح زوجيهما مع كفرهما مّنَ الله شيئا، يعني: من عذاب الله شيئاً.

وَقِيلَ لهما في الآخرة: ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ، فكذلك كفار مكة، وإن كانوا أقرباء النبيّ  ، لا ينفعهم صلاح النبي  .

وكذلك أزواجه، إذا خالفنه.

ثم ضرب الله مثلاً للمؤمنين، فقال عز وجل: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: بيَّن الله شبهاً وصفة للمؤمنين الذين آمنوا.

امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ، فإنها كانت صالحة، لم يضرها كفر فرعون، فكذلك من كان مطيعاً لله لا يضره شر غيره ويقال: هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة، يعني: لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون، صبرت على إيذاء فرعون.

إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وذلك أن فرعون لما علم بإيمانها، فطلب منها أن ترجع، فأبت ولم ترجع عن إيمانها، فوتدها بأربعة أوتاد في يديها ورجليها، وربطها وجعل على صدرها حجر الرحى، وجعلها في الشمس.

فأراها الله تعالى بيتها في الجنة، ونسيت ما هي فيه من العذاب، وضحكت، فقالوا عند ذلك: هي مجنونة تضحك، وهي في العذاب.

وروى أبو عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي قال: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا ذرت، أي: طلعت الشمس وارتفعت، أظلتها الملائكة بأجنحتها، وأريت مقعدها من الجنة.

وروى قتادة، عن أنس، عن النبيّ  أنه قال: «حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ أَرْبَعٌ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ  وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ» .

ثُمّ قال الله عزّ وجلّ: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ يعني: ارزقني في الجنة.

وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ يعني: من عذاب فرعون وظلمه.

وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني: مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، يعني: من تعييرهم وشماتتهم.

ثم قال عز وجل: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ يعني: واذكر مريم، ويقال: معناه: وضرب الله مثلاً مريم ابنة عمران وصبرها على إيذاء اليهود، الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها يعني: عفت نفسها عن الفواحش.

فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا يعني: أرسلنا جبريل-  - فنفخ في جيب درعها، وذلك قوله: فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا أي: في جيبها، أي روحاً من أرواحنا، وهي روح عيسى-  - وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها أي: صدقت بعيسى-  - ويقال: صدقت بالبشارات التي بشرها بها جبريل.

وَكُتُبِهِ يعني: آمنت بكتاب الله تعالى وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص وَكُتُبِهِ يعني: الكتب التي أنزلت على الأنبياء، والباقون بكتابه يعني: الإنجيل.

وقرأ بعضهم وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها يعني: صار عيسى مخلوقاً بكلمة الله، فصدقت بذلك.

وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ يعني: المطيعين لله.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

العباداتِ، والنَّصُوح بناءَ مبالغةٍ من النُّصْحِ، أي: توبة نَصَحَتْ صَاحِبها، وأرْشَدَتْه، وعن عمرَ: التوبةَ النصوحُ: هي أن يتوبَ ثم لا يعودُ ولا يريدُ أن يعودَ «١» ، وقال أبو بكر الوَرَّاق، هي أن تَضِيقَ عليكَ الأرْضُ بما رَحُبَتْ كتوبةِ الذين خُلِّفُوا.

ورُوِيَ/ في معنى قولِه تعالى:

«يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ» أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تضرّع مرّة إلى الله- عز وجل- في أمْرِ أُمَّتِهِ، فأوحَى اللَّه إلَيْهِ إنْ شِئْتَ جَعَلْتُ حِسَابَهُمْ إلَيْكَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَنْتَ أَرْحَمُ بِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ تعالى: إذَنْ لا أخزيك فيهم «٢» .

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ يَحْتَمِل: أن يكونَ معطوفاً عَلى النبيِّ فيخرجُ المؤمِنونَ من الخزي، ويحتملُ: أنْ يَكُونَ مبتدأ، ونُورُهُمْ يَسْعى: جملةٌ هِي خبرُه، وقولهم: أَتْمِمْ لَنا نُورَنا قال الحسنُ بن أبي الحسن: هو عند ما يَرَوْنَ مِنِ انْطِفَاءِ نورِ المنافقين «٣» حَسْبَمَا تقدم تفسيرُه، وقيل: يقوله من أُعْطِي منَ النور بقدر ما يَرَى موضعَ قدميه فقط، وباقي الآية بيَّن مما تقدم في غيرِ هذا الموضع.

وقوله سبحانه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ ...

الآية، هذَانِ المَثَلاَنِ اللذانِ للكفارِ والمؤمنينَ معناهما: أنَّ مَنْ كَفَرَ لا يُغْنِي عنه مِنَ اللَّهِ شيءٌ ولا ينفعُه سَبَبٌ، وإنَّ مَنْ آمنَ لا يدفعُه عَنْ رِضْوَانِ اللَّهِ دافعٌ وَلُوْ كَانَ في أسوأِ مَنْشَأٍ وأخسِّ حالٍ، وقول من قال: إنَّ في المثلين عبرة لأزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم بعيدٌ.

قال ابن عباس وغيره: «خَانَتَاهُمَا» : أي في الكُفْرِ «٤» ، وفي أن امرأةَ نوحٍ كانَتْ تقول للناس: إنَّه مجنُونٌ، وأن امرأةَ لوطٍ كانت تنمّ

إلى قَوْمِها خَبَر أضْيَافِه، قال ابن عباس: وَمَا بَغَتْ زَوْجَةُ نَبِيٍّ قَطُّ «١» ، وامرأة فرعون اسمُها آسية، وقولها: وَعَمَلِهِ تعني كُفْرَهُ ومَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ.

وقوله: الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها الجمهورُ أنه فَرْجُ الدِّرْعِ، وقال قوم: هو الفَرْجُ الجَارِحَةُ وإحْصَانُه صَوْنُه.

وقولُه سبحانه: فَنَفَخْنا فِيهِ عبارةٌ عَنْ فِعل جبريلَ، / ت: وقد عَكَسَ- رحمه اللَّه- نَقْلَ ما نَسَبَهُ للجمهورِ في سورةِ الأنبياءِ فقال: المَعْنَى واذْكُرِ الَّتي أحصنتْ فَرْجَها وهو الجارِحَة المعروفةُ، هذا قولُ الجمهورِ، انظر بقيةَ الكلامِ هناك.

وقوله سبحانه: مِنْ رُوحِنا إضافةُ مخلوقٍ إلى خالقٍ، ومملوك إلى مالكٍ، كما تقول بَيْتُ اللَّهِ، ونَاقَةُ اللَّهِ، وكذلك الرُّوحُ الجنسُ كلُّه هو روح اللَّه، وقرأ الجمهور «٢» :

وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها بالجَمْعِ فَيُقَوِّي أنْ يريدَ التوراةَ، ويحتملُ أنْ يريدَ أمْرَ عيسَى، وَقَرَأ الجحدري «٣» : «بِكَلِمِة» فَيُقَوِّي أنْ يريدَ أمْرَ عيسى، ويحتملُ أنْ يريدَ التوراةَ، فتكونُ الكلمةُ اسْمُ جنسٍ، وقرأ نافع «٤» وغيره: «وكِتَابِهِ» وقرأ أبو عمرو وغيره: «وَكُتُبِهِ» - بضم التاء- وَالجَمْعِ، وذلك كلَّه مرادٌ بهِ التوراةُ والإنْجِيلُ، قال الثعلبيُّ: واختار أبو حاتم قراءةَ أبي عمرٍو بالجَمْعِ لعمومِها، واختار أبو عبيدة قِراءَة الإفْرَادِ لأن الكتَابَ يُرَادُ به الجنسُ، انتهى وهو حَسَنٌ، وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ أي: من القوم القانتينَ وهم المطيعونَ العابِدونَ، وقد تقدّم بيانه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٧٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ مِنهم مُقاتِلٌ: هَذا المَثَلُ يَتَضَمَّنُ تَخْوِيفَ عائِشَةَ وحَفْصَةَ أنَّهُما إنْ عَصَيا رَبَّهُما لَمْ يُغْنِ رَسُولُ اللَّهِ  عَنْهُما شَيْئًا.

قالَ مُقاتِلٌ: اسْمُ امْرَأةِ نُوحٍ "والِهَةُ" وامْرَأةِ لُوطٍ "والِغَةُ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ ﴾ يَعْنِي: نُوحًا ولُوطًا عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ فَخانَتاهُما ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما بَغَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، إنَّما كانَتْ خِيانَتُهُما في الدِّينِ، كانَتِ امْرَأةُ نُوحٍ تُخْبِرُ النّاسَ أنَّهُ مَجْنُونٌ، وكانَتِ امْرَأةُ لُوطٍ تَدُلُّ عَلى الأضْيافِ، فَإذا نَزَلَ بِلُوطٍ ضَيْفٌ بِاللَّيْلِ أوْقَدَتِ النّارَ، وإذا نَزَلَ بِالنَّهارِ دَخَّنَتْ لِيَعْلَمَ قَوْمُهُ أنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ.

وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ خِيانَتُهُما: كُفْرُهُما.

وَقالَ الضَّحّاكُ: نَمِيمَتُهُما.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: نِفاقُهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ أيْ: فَلَمْ يَدْفَعا عَنْهُما مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.

وهَذِهِ الآيَةُ تَقْطَعُ طَمَعَ مَن رَكِبَ المَعْصِيَةَ ورَجا أنْ يَنْفَعَهُ صَلاحُ غَيْرِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَعْصِيَةَ الغَيْرِ لا تَضُرُّ المُطِيعَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ ﴾ وهي آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ الأوَّلَ يُحَذِّرُ بِهِ عائِشَةَ وحَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

ثُمَّ ضَرَبَ لَهُما هَذا المَثَلَ يُرَغِّبُهُما في التَّمَسُّكِ بِالطّاعَةِ.

وكانَتْ آسِيَةُ قَدْ آمَنَتْ بِمُوسى.

قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: ضَرَبَ فِرْعَوْنُ لِامْرَأتِهِ أوْتادًا في يَدَيْها ورِجْلَيْها، وكانُوا إذا تَفَرَّقُوا عَنْها أظَلَّتْها المَلائِكَةُ، فَقالَتْ: ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ﴾ فَكَشَفَ اللَّهُ لَها عَنْ بَيْتِها في الجَنَّةِ حَتّى رَأتْهُ قَبْلَ مَوْتِها ﴿ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ عَمَلَهُ: جِماعُهُ.

والثّانِي: أنَّهُ دِينُهُ رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ دِينِ المُشْرِكِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها ﴾ قَدْ ذَكَرْنا فِيهِ قَوْلَيْنِ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٩٢] فَمَن قالَ: هو فَرَجُ ثَوْبِها، قالَ: "الهاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَنَفَخْنا فِيهِ ﴾ يَرْجِعُ إلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ مَدَّ جَيْبَ دِرْعِها، فَدَخَلَ فِيهِ.

ومَن قالَ هو مَخْرَجَ الوَلَدِ، قالَ: "الهاءُ" كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِأنَّهُ إنَّما نَفَخَ في دِرْعِها لا في فَرْجِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها قَوْلُ جِبْرِيلَ ﴿ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّ الكَلِماتِ هي الَّتِي تَضَمَّنَتْها كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ.

وقَرَأ أُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "بِكَلِمَةِ رَبِّها" عَلى التَّوْحِيدِ "وَكُتُبِهِ" قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "وَكِتابِهِ" عَلى التَّوْحِيدِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ "وَكُتُبِهِ" جَماعَةً، وهي الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى الأنْبِياءِ، ومَن قَرَأ "وَكِتابِهِ" فَهو اسْمُ جِنْسٍ عَلى ما بَيَّنّا في خاتِمَةِ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] وقَدْ بَيَّنّا فِيها القُنُوتَ مَشْرُوحًا [البَقَرَةِ: ١١٦] .

وَمَعْنى الآيَةِ: وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: مِنَ القانِتاتِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِن القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِن القانِتِينَ ﴾ امْرَأتَ فِرْعَوْنَ اسْمُها "آسِيَةُ" وقَوْلُها: "وَعَمَلِهِ" مَعْناهُ: وكُفْرِهِ وما هو عَلَيْهِ مِنَ الضَلالَةِ، وهَذا قَوْلُ كافَّةِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مِن ظُلْمِهِ وعِقابِهِ وتَعْذِيبِهِ لِي، ورُوِيَ في هَذا أنَّ فِرْعَوْنَ اتَّصَلَ بِهِ إيمانُها بِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّها تُحِبُّ أنْ تَغْلِبَ، فَبَعَثَ إلَيْها قَوْمًا، فَقالَ: إنْ رَأيْتُمْ مِنها ذَلِكَ فابْطَحُوها في الأرْضِ، ووَتِّدُوا يَدَيْها ورِجْلَيْها، وألْقُوا عَلَيْها أعْظَمَ حَجَرٍ، وإنْ لَمْ تَرَوْا ذَلِكَ فَهي امْرَأتِي، قالَ: فَذَهَبَ القَوْمُ، فَلَمّا أحَسَّتِ الشَرَّ مِنهم دَعَتْ بِهَذِهِ الدَعَواتِ، فَقَبَضَ اللهُ رَوْحَها، ووَضَعَ أُولَئِكَ الحَجَرَ بِشَخْصٍ لا رُوحَ فِيهِ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا يَطُولُ فاخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ.

وقالَ آخَرُونَ -فِي كِتابِ النَقّاشِ -: "وَعَمَلِهِ" كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ والمُضاجَعَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الفَرْجِ الَّذِي أحْصَنَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَلامُ، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو فَرْجُ الدِرْعِ الَّذِي كانَ عَلَيْها، وأنَّها كانَتْ صَبِيَّةً، وأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ نَفَخَ فِيها الرُوحَ مِن جَيْبِ الدِرْعِ، وقالَ قَوْمٌ: هو الفَرْجُ الجارِحَةٌ، ولَفْظَةُ "أحْصَنَتْ" -إذا كانَ فَرْجَ الجارِحَةِ- مُتَمَكِّنَةٌ حَقِيقَةً، والإحْصانُ: صَوْنُهُ، وفِيهِ هي مُسْتَعْمَلَةٌ، وإذا قَدَّرْناهُ فَرْجَ الدِرْعِ فَلَفْظَةُ "أحْصَنَتْ" مُسْتَعارَةٌ مِن حَيْثُ أحْصَنَتْهُ وصانَتْهُ ومِن حَيْثُ سارَ مَسْلَكًا لِوَلَدِها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "فَنَفَخْنا" عِبارَةٌ عن فِعْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، حَقِيقَةً، وإنْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ النَفْخَ فِعْلُ اللهِ تَعالى، فَهو عِبارَةٌ عن خَلْقِهِ واخْتِراعِهِ الوَلَدَ في بَطْنِها، وشُبِّهَ ذَلِكَ بِالنَفْخِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُسَيِّرَ الشَيْءَ بِرِفْقٍ ولُطْفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن رُوحِنا" إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى خالِقٍ، ومَمْلُوكٍ إلى مالِكٍ، كَما تَقُولُ: بَيْتُ اللهِ، وناقَةُ اللهِ، وكَذَلِكَ الرُوحُ الجِنْسُ كُلُّهُ هو رُوحُ اللهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَصَدَّقَتْ" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ أبُو مِجْلِزٍ بِتَخْفِيفِها، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بِكَلِماتِ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "بِكَلِمَةٍ" عَلى الإفْرادِ، فَأمّا الإفْرادُ فَيُقَوِّي أنْ يُرِيدَ أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ وهو التَوْراةُ، ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَيُقَوِّي أنَّهُ يُرِيدُ التَوْراةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، ونافِعٌ: "وَكِتابِهِ" عَلى الوَحِيدِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، عن عاصِمٍ، وخارِجَةُ عن نافِعٍ: "وَكُتُبِهِ" بِضَمِّ التاءِ عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِسُكُونِ التاءِ: "وَكُتْبِهِ"، وذَلِكَ كُلُّهُ مُرادٌ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ.

و"القانِتُونَ": العابِدُونَ، والمَعْنى: كانَتْ مِنَ القَوْمِ القانِتِينَ في عِبادَتِها وحالِ دِينِها.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَحْرِيمِ]، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما ضرب المثل ﴿ للذين كفروا ﴾ [الممتحنة: 10] أعقب بضرب مثل للذين آمنوا لتحصل المقابلة فيتضح مقصود المثَلَين معاً، وجريا على عادة القرآن في إتباع الترهيب بالترغيب.

وجعل المثل للذين آمنوا بحال امرأتين لتحصل المقابلة للمثَلَين السابقين، فهذا من مراعاة النظير في المثلين.

وجاء أحد المثلين للذين آمنوا مثلاً لإِخلاص الإِيمان.

والمثل الثاني لشدة التقوى.

فكانت امرأة فرعون مثلاً لمتانة إيمان المؤمنين ومريم مثلاً للقانتين لأن المؤمنين تبرأوا من ذوي قرابتهم الذين بقوا على الكفر بمكة.

وامرأة فرعون هذه هي امرأة فرعون الذي أُرسل إليه موسى وهو منفط الثالث وليست امرأة فرعون التي تبنتْ موسى حين التقطتْه من اليَمّ، لأن ذلك وقع في زمن فرعون رعمسيس الثاني وكان بين الزمنين ثمانون سنة.

ولم يكن عندهم علم بدين قبل أن يرسل إليهم موسى.

ولعل امرأة فرعون هذه كانت من بنات إسرائيل تزوجها فرعون فكانت مؤمنة برسالة موسى عليه السلام.

وقد حكى بعض المفسرين أنها عمة موسى، أو تكون هداها الله إلى الإِيمان بموسى كما هدى الرجل المؤمن من آل فرعون الذي تقدم ذكره في سورة غافر.

وسماها النبي صلى الله عليه وسلم آسية في قوله: «كَمُل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريمُ ابنة عمران وآسيةُ امرأة فرعون» رواه البخاري.

وأرادت بعمل فرعون ظلمه، أي نجّني من تبعة أعماله فيكون معنى ﴿ نجّني من فرعون ﴾ من صحبته طلبت لنفسها فرجاً وهو من عطف الخاص على العام.

ومعنى ﴿ قالت ﴾ أنها أعلنت به، فقد روي أن فرعون اطّلع عليها وأعلن ذلك لقومه وأمر بتعذيبها فماتت في تعذيبه ولم تحس ألماً.

والقوم الظالمون: هم قوم فرعون.

وظلمهم: إشراكهم بالله.

والظاهر أن قولها: ﴿ ابن لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ مؤذن بأن فرعون وقومه صدّوها عن الإِيمان به وزيّنوا لها أنا إن آمنت بموسى تضيع ملكاً عظيماً وقصراً فخيماً أو أن فرعون وعظها بأنها إن أصرّت على ذلك تقتل، فلا يكون مدفنها الهرم الذي بناه فرعون لنفسه لدفنه في بادئ الملوك.

ويؤيد هذا ما رواه المفسرون أن بيتها في الجنة من درّة واحدة فتكون مشابهة الهرم الذي كان معدّاً لحفظ جثتها بعد موتها وزوجها.

فقولها ذلك كقول السحرة الذين آمنوا جواباً عن تهديد فرعون ﴿ لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض ﴾ الآية في سورة [طه: 72].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ ﴾ قِيلَ اسْمُها آسِيَةَ بِنْتَ مُزاحِمٍ.

﴿ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: اطَّلَعَ فِرْعَوْنُ عَلى إيمانِ امْرَأتِهِ فَخَرَجَ عَلى المَلَإ فَقالَ لَهم: ما تَعْلَمُونَ مِن آسِيَةَ بِنْتِ مُزاحِمٍ؟

فَأثْنَوْا عَلَيْها، فَقالَ لَهم: فَإنَّها تَعْبُدُ رَبًّا غَيْرِي، فَقالُوا لَهُ: اقْتُلْها، فَأوْتَدَ لَها أوْتادًا فَشَدَّ يَدَيْها ورِجْلَيْها، فَدَعَتْ آسِيَةُ رَبَّها فَقالَتْ: ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ﴾ الآيَةَ، فَكُشِفَ لَها الغِطاءُ فَنَظَرَتْ إلى بَيْتِها في الجَنَّةِ، فَوافَقَ ذَلِكَ حُضُورَ فِرْعَوْنَ، فَضَحِكَتْ حِينَ رَأتْ بَيْتَها في الجَنَّةِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: ألا تَعْجَبُونَ مِن جُنُونِها، فَعَذَّبَها وهي تَضْحَكُ وقُبِضَتْ رُوحُها.

وَقَوْلُها: ﴿ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الشِّرْكُ.

الثّانِي: الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ أهْلُ مِصْرَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: القِبْطُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ أرادَ بِالفَرْجِ الجَيْبَ لِأنَّهُ قالَ ﴿ فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا ﴾ وجِبْرِيلُ إنَّما نَفَخَ في جَيْبِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أحْصَنَتْ فَرْجَها ونَفَخَ الرُّوحَ في جَيْبِها.

﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ (كَلِماتِ رَبِّها) الإنْجِيلُ، و(كُتُبَهُ) التَّوْراةُ والزَّبُورُ.

الثّانِي: أنْ (كَلِماتِ رَبِّها) قَوْلُ جِبْرِيلَ حِينَ نَزَلَ عَلَيْها ﴿ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا ﴾ ، ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ الإنْجِيلُ الَّذِي أنْزَلَهُ مِنَ السَّماءِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنْ (كَلِماتِ رَبِّها) عِيسى، و(كُتُبَهُ) الإنْجِيلُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ ﴾ أيْ مِنَ المُطِيعِينَ في التَّصْدِيقِ.

الثّانِي: مِنَ المُطِيعِينَ في العِبادَةِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن سلمان رضي الله عنه قال: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة.

وأخرج أبو يعلى والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها، فكانوا إذا تفرقوا عنها أظلتها الملائكة عليهم السلام، فقالت: ﴿ رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ فكشف لها عن بيتها في الجنة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد، وأضجعها على صدرها، وجعل على صدرها رحى، واستقبل بهما عين الشمس، فرفعت رأسها إلى السماء فقالت: ﴿ رب ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ إلى ﴿ الظالمين ﴾ ففرج الله عن بيتها في الجنة فرأته.

وأخرج أحمد والطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون مع ما قصّ الله علينا من خبرهما في القرآن ﴿ قالت رب ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ » .

وأخرج وكيع في الغرر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ونجني من فرعون وعمله ﴾ قال: من جماعه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فنفخنا فيه من روحنا ﴾ قال: في جيبها، وفي قوله: ﴿ وكانت من القانتين ﴾ قال: من المطيعين.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وصدقت بكلمات ربها ﴾ بالألف «وكتابه واحد» .

وأخرج الطبراني عن سعد بن جنادة قال: قال رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم أخبر أن معصية الغير لا تضره إذا كان مطيعًا (١) ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ﴾ ، وهي آسية بنت مزاحم، كانت قد آمنت بموسى، وسألت الله بيتًا في الجنة.

فقالت: ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ﴾ ومعنى عندك أي لا يتصرف فيه إلا بإذنك، وهو الجنة (٢) (٣) قوله: ﴿ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ﴾ قال مقاتل: وعمله الشرك (٤) (٥) ﴿ وَعَمَلِهِ ﴾ قال: جماعه (٦) ﴿ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ قال الكلبي ومقاتل: المشركين أهل مصر (٧) قال صاحب النظم: وتأويل الآية أن من كان مؤمنًا وعمل صالحًا لم يضره كفر حميمه ووليه وفساده (٨) قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض على الله وأبعدهم من الله.

فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا، أن الله حكم عدل لا يؤاخذ عبدًا إلا بذنبه (٩) وقال مقاتل: يقول لعائشة وحفصة: لا تكونا بمنزلة امرأة نوح وامرأة لوط في المعصية.

وكونا بمنزلة امرأة فرعون ومريم (١٠) (١) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 153/ أ.

(٢) قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار.

انظر: "البحر المحيط" 8/ 194، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 394.

قلت: لعل مراد المؤلف -رحمه الله- قرب المنزل من الله تعالى، وأنها أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة، فتكون في الجنان القريبة من العرش، أما إذا كان مراده تأويل معنى ﴿ عِنْدَكَ ﴾ بنفي العلو عن الله تعالى، فهو قول ترده آيات كتاب الله وسنة رسوله -  -، وهو مخالف لما عليه سلف الأمة.

والله أعلم.

(٣) انظر: "جامع البيان" 28/ 110، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 394، وأخرج أبو يعلى، والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة نحوه، و"الدر" 6/ 245.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 368.

(٥) في (س): (أبو صالح) زيادة.

(٦) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 153 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 203.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 203.

(٨) لم أجده، وهو ما ذكره غيره من المفسرين.

انظر: "جامع البيان" 28/ 110.

(٩) انظر: "جامع البيان" 28/ 109، و"الدر" 6/ 245، ونسب إخراجه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.

(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 202، عن يحيي ابن سلام.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ امرأت نُوحٍ وامرأت لُوطٍ ﴾ قيل اسم امرأة نوح والهة، واسم امرأة لوط والعة، وهذا يفتقر إلى صحة نقل ﴿ فَخَانَتَاهُمَا ﴾ قال ابن عباس: خيانة امرأة نوح في أنها كانت تقول: إنه مجنون، وخيانة امرأة لوط بأنها كانت تخبر قومه بأضيافه إذا قدموا عليه، وكانتا مع ذلك كافرتين، وقيل: خانتا بالزنا، وأنكر ابن عباس ذلك وقال: ما زنت امرأة نبي قط تنزيهاً من الله لهم عن هذا النقص، وضرب الله المثل بهاتين المرأتين للكفار الذين بينهم وبين الأنبياء وسائل؛ كأنه يقول: لا يغني أحد عن أحد ولو كان أقرب الناس إليه؛ كقرب امرأة نوح وامرأة لوط من أزواجهما.

وقيل: هذا مثال لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكر في أول السورة، وهذا باطل؛ لأن الله إنما ضربه للذين كفروا.

و ﴿ امرأت فِرْعَوْنَ ﴾ اسمها آسية وكانت قد آمنت بموسى عليه السلام فبلغ ذلك فرعون فأمر بقتلها، فدعت بهذا الدعاء فقبض الله روحها، وروي في قصصها غير هذا مما يطول وهو غير صحيح ﴿ مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ﴾ تعني: كفره وظلمه، وقيل: مضاجعته لها، وهذا ضعيف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ عرف ﴾ بالتخفيف: عليّ ﴿ تظاهرا ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.

﴿ أن يبدله ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصوحاً ﴾ بضم النون: يحيى وحماد ﴿ وكتبه ﴾ على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.

الوقوف ﴿ لك ﴾ ج لاحتمال أن الجملة بعده حال أو استفهامية بحذف الحرف وهذا أحسن، لأن تحريم الحلال بغير ابتغاء مرضاتهن أيضاً غير جائز ﴿ أزواجك ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أيمانكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ مولاكم ﴾ ط للابتداء بذكر ما لم يزل من الوصفين مع اتفاق الجملتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ حديثاً ﴾ ج ﴿ عن بعض ﴾ ج ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ قلوبكما ﴾ ج ﴿ المؤمنين ﴾ ه لتناهي الشرط إلى الإخبار ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ وأبكاراً ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ نصوحاً ﴾ ط ﴿ الأنهار ﴾ لا بناء على أن الظرف يتعلق بقوله ﴿ ويدخلكم ﴾ وج لاحتمال أن ﴿ يوم ﴾ متعلق بقوله ﴿ يسعى ﴾ بعد ﴿ واغفر لنا ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال اللام ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لابتداء الحكاية ﴿ الداخلين ﴾ ه ﴿ فرعون ﴾ ج لئلا يتوهم أن الظرف متعلق بـ ﴿ ضرب ﴾ بل التقدير " اذكروا " ﴿ الظالمين ﴾ ه لأن ما بعده معطوف على امرأة فرعون ﴿ القانتين ﴾ ه.

التفسير: كان النبي  يأتي زينب بنت جحش فيشرب عندها العسل، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنما نشم منك ريح المغافير.

والمغفور والمغثور شيء واحد ينضحه العرفط والرمث مثل الصمغ وهو حلو كالعسل ويؤكل وله ريح كريهة.

وكان النبي  يكره التفل فحرم لقولهما على نفسه العسل.

الثاني أنه ما أحل الله له من ملك اليمين.

وههنا روايتان: الأولى "أنه  خلا بمارية القبطية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمي عليّ وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي" ، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين.

الثانية أنه خلا بمارية في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية فقال عمر لابنته: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك.

فنزل جبريل  وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها لمن نسائك في الجنة.

قال جمع من العلماء: لم يثبت عن رسول الله  تحريم حلال بأن يقول: هو عليّ حرام ولكنه كان يميناً كقوله " والله لا أشرب العسل ولا أقرب الجارية بعد اليوم" فقيل له: لم تحرم أي لم تمتنع منه بسبب اليمين يعني أقدم على ما حلفت عليه وكفر عن يمينك ﴿ والله غفور ﴾ لك ﴿ رحيم ﴾ بك والدليل عليه ظاهر.

قوله ﴿ قد فرض الله لكم تحلة ﴾ بمعنى التحليل كالتكرمة ﴿ أيمانكم ﴾ أي شرع لكم تحليلها بالكفارة.

وقيل: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها وذلك أن يقول: إن شاء الله عقبها حتى لا يحنث.

والتحلة تفعلة بمعنى التحليل كالتكرمة بمعنى التكريم.

عن الحسن أنه  لم يكفر عن يمينه لأنه كان مغفوراً له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين.

وعن مقاتل أنه أعتق رقبة في تحريم مارية.

وما حكم تحريم الحلال؟

قال أبو حنيفة: هو يمين على الامتناع من الانتفاع المقصود، فلو حرم طعاماً فهو يمين على الامتناع من أكله، أو أمه فعلى الامتناع من وطئها، أو زوجة فمحمول على ما نوى، فإن نوى الظهار فظهار، أو الطلاق فطلاق بائن، وإن لم ينو شيئاً فعلى الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا فعلى ما نوى.

وعن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد أن الحرام يمين.

وقال الشافعي: هو في النساء من صرائح ألفاظ الطلاق.

وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي.

وعن علي رضي الله عنه: ثلاث.

وعن عثمان: ظهار.

وعن مسروق والشعبي أنه ليس بشيء فما لم يحرمه الله ليس لأحد أن يحرمه ﴿ والله مولاكم ﴾ متولي أموركم وقيل: أولى بكم من أنفسكم ونصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم ﴿ وهو العليم ﴾ بما يصلحكم ﴿ الحكيم ﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ إذا أسرّ النبي إلى بعض أزواجه ﴾ وهي حفصة ﴿ حديثاً ﴾ هو حديث مارية وإمامة الشيخين ﴿ فلما نبأت به ﴾ حفصة عائشة ﴿ وأظهره الله ﴾ على نبيه أي أطلعه على إفشائه على لسان جبريل.

وقيل: أظهر الله الحديث على النبي فيكون من الظهور ﴿ عرف بعضه ﴾ أعلم ببعض الحديث.

ومن قرأ بالتخفيف من العرفان فمعناه المجازاة من قولك للمسيء " لأعرفنّ لك ذلك" وكان جزاؤه تطليقه إياها.

وقيل: المعرف حديث الإمامة والمعرض عنه حديث مارية.

وإنما أعرض عن البعض تكرماً.

قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام.

وروي أنه قال لها: ألم أقل لك اكتمي عليّ؟

قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحاً بالكرامة التي خص الله بها أبي.

وإنما ترك المفعول ولم يقل " فلما نبأت به بعضهنّ وعرفها بعضه لأن ذلك ليس بمقصود وإنما الغرض ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به"، وأن رسول الله  بكرمه وحلمه لم يوجد منه إلا الإعلام بالبعض وهو حديث الإمامة.

ولما كان المقصود في قوله ﴿ من أنبأك هذا ﴾ ذكر المنبأ به أتى بالمفعولين جميعاً.

ثم وبخ عائشة وحفصة على طريقة الالتفات قائلاً ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴾ أي فقد وجد منكما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن إخلاص رسول الله  من حب ما يحبه وبغض ما يكرهه والأصل قلباكما.

ووجه الجمع ما مر في قوله ﴿ فاقطعوا أيديهما  ﴾ ﴿ وإن تظاهرا ﴾ أي تعاونا على ما يوجب غيظه فلم يعدم هو من يظاهره كيف والله ﴿ مولاه ﴾ أي ناصره ﴿ وجبريل ﴾ خاصة من بين الملائكة ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال أكثر العلماء: هو واحد في معنى الجمع لأنه أريد الجنس لشمول كل من آمن وعمل صالحاً.

وجوز أن يكون جمعاً وقد أسقط الواو في الخط لسقوطه في اللفظ.

عن سعيد بن جبير: هو كل من برىء من النفاق.

وقيل: الأنبياء والصحابة والخلفاء.

﴿ والملائكة ﴾ على كثرة جموعهم ﴿ بعد ذلك ﴾ الذي عرف من نصرة المذكورين ﴿ ظهير ﴾ فوج مظاهر له كأنهم يد واحدة فأي وزن لاتفاق امرأتين بعد تظاهر هؤلاء على ضد مطلوبهما.

ولا يخفى أن الكلام مسوق للمبالغة في الظاهر وإلا فكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً.

ثم وبخهما بنوع آخر وهو قوله ﴿ عسى ربه إن طلقكنّ ﴾ الآية.

والسائحات الصائمات كما في آخر التوبة.

قال جار الله: شبه الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره بالسائح الذي لا زاد معه فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد من يطعمه.

وقيل: السائحات المهاجرات فانظر في شؤم العصيان فإن أمهات المؤمنين وهنّ خير نساء العالمين يصير غيرهن بفرض عدم العصيان خيراً منهن بفرض العصيان وتطليق الرسول إياهن.

وقد عرفت في النظائر أن الواو في قوله ﴿ وأبكاراً ﴾ يقال لها " واو الثمانية " إلا أن للواو في هذا المقام فائدة أخرى وهي أن وصفي الثيابة والبكارة متنافيان لا يكون إلا أحدهما بخلاف الصفات المتقدمة فإنها ممكنة الاجتماع، فالمراد أن أولئك النساء جامعات للأوصاف المتقدمة ولأحد هذين.

ثم عمم التحذير فقال ﴿ قوا أنفسكم ﴾ وهو أمر من الوقاية في الحديث " "رحم الله رجلاً قال يا أهلاه صلاتكم وصيامكم وزكاتكم مسكينكم ويتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعهم معه في الجنة " وتفسير قوله ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ قد مر في أول " البقرة ".

وكونها معدّة للكافرين لا ينافي تعذيب المؤمنين الفسقة بها إن استحقوها.

وجوز أن يكون أمراً بالتوقي من الارتداد وأن يكون خطاباً للذين آمنوا بألسنتهم ﴿ عليها ملائكة ﴾ أي موكل على أهلها الزبانية التسعة عشر الموصوفون بالغلظة والشدة في الإجرام أو في الأفعال أو فيهما لأنه لا تأخذهم رأفة بمن عصى الله.

وقوله ﴿ ما أمرهم ﴾ نصب على البدل أي لا يعصون أمر الله.ولا يخفى أن عدم العصيان يستلزم امتثال الأمر فصرح بما عرف ضمناً قائلاً ﴿ ويفعلون ما يؤمرون ﴾ ويجوز أن يكون الأوّل عائداً إلى الماضي والثاني إلى المستقبل.

ثم وعظ المؤمنين بما يقال للكافرين عند دخولهم النار وهو قوله ﴿ لا تعتذروا ﴾ لأنه لا عذر لكم أو لا عذر مقبولاً لكم، وليس هذا من قبيل الظلم ولكنه جزاء أعمالهم.

ثم أرشد المؤمنين إلى طريق التوبة، ووصفت بالنصوح على الإسناد المجازي لأن النصح صفة التائبين وهو أن ينصحوا أنفسهم بالتوبة لا يكون فيها شوب رياء ولا نفاق.

وقيل: هو من نصاحة الثوب أي توبة ترفأ خروقك في دينك.

وقيل: خالصة عسل ناصح إذا خلص من الشمع.

وقيل: توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها.

و ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع ولئلا يتكلوا.

قوله ﴿ لا يخزي ﴾ تعريض لمن أخزاهم من أهل النار ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ كأنه استحمد المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم.

قوله ﴿ نورهم يسعى ﴾ قد مرّ في الحديد قوله ﴿ يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ﴾ أي قائلين ذلك إذا طفىء نور المنافقين خوفاً من زواله على عادة البشرية، أو لأن الإخلاص والنفاق من صفة الباطن لا يعرفه إلا الله  على أنه يجوز أن يدعو المؤمن بما هو حاصل له مثل اهدنا، ويجوز أن يدعو به من هو أدنى منزلة لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلاً لا مجازاة لانقطاع التكليف والعمل يومئذ.

ثم أمر نبيه  بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة أو بإقامة الحدود عليهم، وأمر باستعمال الغلظة والخشونة على الفريقين هذا عذابهم في الدنيا ولهم في الآخرة جهنم وقد سبق نظير الآية في " التوبة ".

ثم ضرب مثلاً لأهل الكفر امرأة نوح واسمها قيل واعلة وامرأة لوط.

واسمها قيل واهلة ومثلاً لأهل الإيمان امرأة فرعون واسمها آسية وهي عمة موسى ومريم ابنة عمران.

وفي ضمن التمثيلين تعريض بما مرّ في أول السورة من حال عائشة وحفصة وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين لا الكافرتين اللتين حين خانتا زوجيهما لم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئاً، وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة ﴿ ادخلا النار مع ﴾ سائر ﴿ الداخلين ﴾ الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء من قوم نوح وقوم لوط أو من كل قوم.

وفي قوله ﴿ عبدين من عبادنا ﴾ إشارة إلى أن سبب المزية والرجحان عند الله ليس إلا الصلاح كائناً من كان.

وخيانة المرأتين ليست هي الفجور وإنما هي نفاقهما وإبطانهما الكفر وتظاهرهما على الرسولين.

فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه.

قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط.

عن أبى هريرة أن آسية حين آمنت بموسى  وتدها فرعون باربعة أوتاد واستقبل بها الشمس وأضجعها على ظهرها ووضع الرحى على صدرها.

قال الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتنعم فيها.

وقيل: لما ﴿ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ بنى من درّة.

ومعنى ﴿ عندك بيتاً في الجنة ﴾ أنها طلبت القرب من الله والبعد عن عدوّه في مقام القرب، أو أرادت أعلى موضع في الجنة.

وقولها ﴿ من فرعون وعمله ﴾ كقولك " أعجبني زيد وكرمه " وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله من الأشرار دأب الصالحين.

والضمير في ﴿ فيه ﴾ للفرج.

وقيل: هو جيب الدرع وقد مرّ في " الأنبياء".

وكلمات الله صحف إبراهيم وغيره أو جميع ما كلم الله به وكتبه اللوح أو الكتب الأربعة ومن وحد فهو الإنجيل.

وقرىء ﴿ بكلمة الله ﴾ أي بعيسى ﴿ وكانت من القانتين ﴾ من باب التغليب كما مرّ في قوله ﴿ واركعي مع الراكعين  ﴾ وقيل: " من " للابتداء أي ولدت منهم لأنهم من أعقاب هارون  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ ﴾ .

فجائز أن هذا المثل لمكان الكفرة الذين لهم برسول الله  اتصال من حرمة القرابة، فكانوا يطمعون منه الشفاعة في الآخرة إن كان الأمر على ما ذكره النبي  لهم؛ لأنهم عرفوه بالشفقة والرحمة على الخلق جملة، فكيف يدع شفقته ورحمته على قرابته وهو يراهم يترددون في الهلاك؟!

فبين لهم شأن امرأة نوح وامرأة لوط وما كان بينهما وبين نوح ولوط - عليهما السلام - من الاتصال؛ لئلا يغزوا باتصالهم بالنبي  .

وجائز أن يكون هذا في بدء الإسلام، في الوقت الذي يتفرد الآباء بالإسلام دون الأبناء، والأبناء دون الآباء؛ فيكون المثل لمكان أولئك الذين التزموا وداوموا عليه، ولم يتبعوا آباءهم وأبناءهم فيقول: لا ينفع من دام على الكفر إسلام من أسلم منهم، وإن كان بينهما قرب من جهة الأبوة والبنوة؛ لأن رحمة الإنسان وشفقته على زوجته أكثر من شفقته على من ذكرنا، وكذلك الاتصال، فإذا لم ينفعهما إسلام زوجيهما، فكذلك لا ينفع أولئك الذين داموا على الكفر إسلام من أسلم من آبائهم وأبنائهم.

وجائز أن يكون هذا المثل؛ لمكان أهل النفاق فيما أظهروا موافقة المؤمنين، وأسروا الخلاف لهم، فيخبر أنه لا ينفعهم إظهار موافقتهم في الدين إذا كانوا على خلافه في التحقيق؛ كما لم ينفع زوجتي نوح ولوط - عليهما السلام - إظهار الموافقة منهما لزوجيهما إذا كانتا على خلافهما في السر، والله أعلم.

قال أبو بكر الأصم: في هذه الآية دلالة أن صلاح الصالح لا ينفع للطالح؛ كما لم ينفع صلاح نوح ولوط - عليهما السلام - للزوجين إذا كانتا في أنفسهما فاسدتين، وأراد بهذا نفي الشفاعة لأهل الكبائر.

وليس كما ذكر؛ لأن هذا المثل ضرب للكافرين لا للعصاة؛ إذ لم يقل: "ضرب الله مثلا للذين عصوا"، فليس له تعلق في هذه الآية.

ثم قد نجد صلاح الصالح في الشاهد ينفع الطالح وإن لم ينفع الكافر؛ لأن المرء قد يكون له زوجة طالحة تمتنع عن كثير من الشرور؛ لمكان زوجها إذا كان زوجها من أهل الصلاح والبر؛ وكذلك الولد ينفعه صلاح والديه في الدنيا؛ إذ بخشيتهما ينتهي عن كثير من المناهي لصلاحهما، فقد نفعه صلاح والديه ونفعها صلاح زوجها، فجائز أن ينفع الطالح أيضاً في الآخرة صلاح الصالحين، وأما الكافر فهو لم يمتنع عن الخلاف لمكان أبويه ولا لمكان أحد من الخلق؛ فلم ينفعه إسلام أبويه ولا صلاحهما في الدنيا فكذلك لا ينفعه في الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ ﴾ .

أي: فخانتاهما في الدين.

ومنهم من يذكر أن خيانة امرأة نوح هي أن أخبرت قومه بجنون زوجها، وكانت خيانة امرأة لوط هي أن أخبرت قوم لوط بشأن أضيافه.

ولكن إن كان هذا صحيحا، فهو يرجع إلى الأول؛ لأن الذي حمل كل واحدة منهما على الإخبار بما أخبرت موافقَتُهَا أولئك القوم وخلافها لزوجها في الدين، ولا يجوز أن نشهد بهذا إلا بتواتر جاء.

وذكر بعضهم: أنهما زنيا، فخيانتهما زناهما، وهذا غير ثابت؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - عصموا عما يوجب عليهم العار والشنار، والزوج يعير بزنى زوجته وفراشه، وفيه توهم التهمة في أولادهم؛ فدل أن هذا التأويل غير صحيح، وحاجتنا إلى وجود الخيانة منهما دون التفسير، ولا يجب أن نشهد بهذا إلا بتواتر جاء مزيداً في الحجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ﴾ .

وجه ضرب المثل بها هو أن يعلم المقهور تحت أيدي الكفرة أن لا عذر له في التخلف عن الإيمان بالله  ؛ إذ كانت امرأة فرعون مقهورة تحت يديه، وكانت بين ظهراني الظلمة، ولم يمنعها ذلك عن الإيمان بالله -  - وعن التصديق [برسوله موسى] -  -.

والثاني: أنها لم تشاهد من زوجها ومن القوم الذين بين ظهرانيهم سوى الكفر بالله  ، ثم الله  بلطفه ألهمها الإيمان به فآمنت، وكانت امرأة نوح -  - تحت نوح ولم تشاهد منه سوى الطاعة والعبادة لربه - جل وعلا - ثم لم ينفعها إيمانه وعبادته؛ ليعلم أنه لا ينفع أحدا إسلام أحد، ولا يضر أحدا كفر غيره، وإنما يصير مؤمنا بفعل نفسه كافرا بفعل نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ ﴾ .

وهي لم ترد بقولها: ﴿ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً ﴾ بقيام الوجه الذي عرفت بناء زوجها وغيره من الخلائق، وإنما أرادت بقولها: ﴿ ٱبْنِ لِي ﴾ ، أي اخلق لي بيتا في الجنة ولذلك لم يفهم أحد من قوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ ما فهم الخلق من النفخ في الأشياء، وإنما فهموا به الخلق والإنشاء، فما بال المشبهة فهموا من قوله  : ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ، ومن قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ ما فهموا من الاستواء المضاف إلى الخلق لولا ضعف اعتقادهم وجهلهم بصانعهم في التحقيق.

ثم الأصل أن ينظر في الأسماء التي هي أسماء الأفعال المشتركة فيما بين الخلق إذا أضيف شيء منها إلى الله  ، فنعرضها على الأسماء التي هي أسماء الأفعال المخصوصة لله  ، فما أريد بالاسم المخصوص من ذلك، فذلك المعنى هو المراد بالاسم المشترك؛ فالاسم المخصوص لفعل الله  هو الخلق، إذ لا أحد من الخلائق يسمي أحدا من الخلائق: خالقاً، فيفهم بقوله ﴿ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ ﴾ أي: اخلق لي، ويفهم بقوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ الخلق والإنشاء، والذي يبين أن الأسماء [المشتركة يجب عرضها على الأسماء] المخصوصة ويفهم بها ما يفهم بالأخرى قوله  : ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ ومعناه: هو الذي خلق سيركم في البر والبحر، وقال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ  ﴾ ، يعني: هو الذي يخلق الموت والحياة، وقال: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ  ﴾ أي: يخلق الضلال ﴿ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ  ﴾ ، أي: يخلق هدايته، ومن حمل الأمر على ما ذكرنا سلم من الشبه كلها ووسواس الشيطان، وسلم من التشبيه، والله الموفق.

وفي هذا دلالة إيمانها بالبعث [والحساب.

ثم] من الجائز أن تكون وصلت إلى علم البعث والحساب بالتلقين، أو بنظرها وتفكرها في الحجج والبراهين.

وذكر أهل التفسير أنها قالت ذلك عندما عذبها فرعون، واختلفوا في صفة العذاب من أوجه، وحق مثله الإمساك عنه، وألا تشتغل بتفسيرها؛ لما يتوهم من قوع زيادة فيها أو نقصان على القدر الذي بين في الكتب المتقدمة، وهذه الأنباء جعلت حججا لرسالة نبينا -  - على أهل الكتاب لما وجدوها موافقة للأنباء التي ذكرت في كتبهم، وإذا وقع فيها زيادة أو نقصان وجدوا فيه موضع الطعن في رسالته؛ فلهذا المعنى ما يجب ترك الخوض فيها والإعراض عن ذكرها.

[وذكر عن الحسن وغيره] أنه قال: ما من مؤمن ولا كافر إلا وبُني له بيت في الجنة، فإن مات على الإسلام سكن البيت، وإن قبض كافرا ورثه غيره.

وهذا لا يحتمل؛ لأن الله -  - إذا علم أنه يموت على الكفر فهو يبني له ذلك البيت كي لا يسكنه، ومن بنى لنفسه في الشاهد وهو يعلم أنه لا يسكنه، صار عابثا في فعله، وجل الله  عن أن يوصف بالعبث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

أي: نجني من شر فرعون وجوره، ومن عمله أي: من كفره؛ فيكون قولها: ﴿ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ ﴾ راجعا إلى نفسه، والآخر راجعا إلى عمله، ﴿ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ﴾ راجعا إلى قومه، فسألت النجاة عنهم جملة، لما كانوا يمنعونها عن عبادة الله  ، فكانت تخاف ناحيتهم، ولا تأمن وتخاف منهم، فسألت النجاة منهم؛ لتصل إلى عبادة ربها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ﴾ .

فأخبر عنها بإحصانها فرجها، وذلك بالأسباب، وهي ما اتخذت بين نفسها وبين الناس حجابا؛ لئلا يقع بصر الناس عليها، ولا يقع بصرها عليهم لتصل به إلى تحصين فرجها؛ قال الله  : ﴿ قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ  ﴾ ، وهم إذا غضوا الأبصار، وصلوا إلى حفظ الفروج؛ ففي الحجاب غض البصر، وفي غض البصر وصول إلى حفظ الفرج وإحصانه، وقال في آية أخرى: ﴿ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ  ﴾ ، وتطهيره إياها في أن طهرها من الفواحش والزنى، فأضاف الإحصان إليها في الآية الأولى، وأضاف التطهير هاهنا إلى نفسه، فوجه إضافة الإحسان إليها ما ذكرنا: أنها تكلفت الأسباب التي هي أسباب الموانع للزنى، الدواعي إلى الإحصان، وأضاف إلى نفسه التطهير؛ لأن وقوع ذلك وحصوله كائن به، ففيه دلالة أن كل فعل من أفعال العباد لا يخلو من أن يكون لله -  - فيه صنع وتدبير.

وقوله -  -: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ .

أي: خلقنا فيه ما به تحيا الصور والأبدان.

وقوله: ﴿ فِيهِ ﴾ ، أي: في عيسى، وقال في آية أخرى: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهَا  ﴾ أي: في نفس عيسى -  - والنفس مؤنث.

ثم تشبيهه بالنفخ: أن الروح إذا خلق فيه انتشر في الجسد كالريح إذا نفخت في شيء انتشرت فيه.

أو التشبيه بالنفخ لسرعة دخوله فيما نفخ فيه كالريح، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا ﴾ .

فجائز أن يكون الكلمات هي التي بشرت بها مريم من قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ  ﴾ ، فصدقت بجملتها أنها من عند الله، لا شيء ألقى إليها الشيطان.

أو ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا ﴾ أي: بحجج ربها وبراهينه؛ لقوله: ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ  ﴾ ، أي: بحججه: وأدلته.

ثم تكون الحجج حجج البعث أو حجج الرسالة أو الوحدانية، أو يكون قوله: ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا ﴾ ، أي: بالكلمات التي يستعاذ بها من الشرور، فصدقت أنها تعيذ من تعوذ بها، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ ، وقرئ ﴿ وكتابه ﴾ .

وفي تصديقها بالكتاب تصديق منها بالكتب؛ لأن من آمن بكتاب من كتب الله  ، فقد آمن بسائر كتبه؛ لأنها يوافق بعضها بعضاً، ومن آمن بكتبه فقد آمن بكل كتاب له على الإشارة إليه؛ فثبت أن في الإيمان بكتاب إيماناً بسائر الكتب، فكل واحدة من القراءتين تقتضي معنى القراءة الأخرى؛ فإن قوله: ﴿ بكتابه ﴾ أي: بالإنجيل، وقوله ﴿ بكتبه ﴾ أي: بالإنجيل وسائر الكتب المتقدمة المنزلة من عند الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ ﴾ .

قيل: من المصلين؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿ يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ  ﴾ وإذا وصف الصلاة، فالتزمت هذا الأمر؛ فصارت من القانتين.

وقيل: أي: من المطيعين لربها، والله أعلم بالصواب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وضرب الله مثلًا للذين آمنوا بالله وبرسله أن صلتهم بالكافرين لا تضرّهم، ولا تؤثر فيهم ما داموا مستقيمين على الحق بحال امرأة فرعون حين قالت: يا رب، ابنِ لي بيتًا عندك في الجنّة، وسلّمني من جبروت فرعون وسلطانه، ومن أعماله السيئة، وسلّمني من القوم الظالمين لأنفسهم بمتابعتهم له في طغيانه وظلمه.

<div class="verse-tafsir" id="91.2KwOd"

مزيد من التفاسير لسورة التحريم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله