الآية ٤ من سورة التحريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 66 التحريم > الآية ٤ من سورة التحريم

إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَـٰهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوْلَىٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 153 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة التحريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة التحريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما" حتى حج عمر وحججت معه فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرز ثم أتاني فسكبت على يديه فتوضأ فقلت يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما" فقال عمر: واعجبا لك يا ابن عباس قال الزهري: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه قال هي عائشة وحفصة قال ثم أخذ يسوق الحديث قال: كنا معشر قريش قوما نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم: قال وكان منزلي في دار أمية بن زيد بالعوالي قال فغضبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني فقالت ما تنكر أن أراجعك؟

فوالله إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل قال فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قالت نعم.

قلت: وتهجره إحد اليوم إلى الليل؟

قالت نعم قلت قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه شيئا وسليني من مالي ما بدالك ولا يغرنك إن كانت جارتك هي أوسم - أي أجمل - وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك يريد عائشة قال - وكان لي جار من الأنصار وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوما وأنزل يوما فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك وقال وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا فنزل صاحبي يوما ثم أتى عشاء فضرب بابي ثم ناداني فخرجت إليه فقال حدث أمر عظيم فقلت وما ذاك أجاءت غسان؟

قال لا بل أعظم من ذلك وأطول طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه فقلت قد خابت حفصة وخسرت قد كنت أظن هذا كائنا حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقالت لا أدري هو هذا معتزل في هذه المشربة فأتيت غلاما له أسود فقلت استأذن لعمر فدخل الغلام ثم خرج إلي فقال له فصمت فانطلقت حتى أتيت المنبر فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم فجلست عنده قليلا ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر فدخل ثم خرج إلي فقال قد ذكرتك له فصمت فخرجت فجلست إلى المنبر ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت استأذن لعمر فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت فوليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني فقال ادخل قد أذن لك فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو متكئ على رمال حصير- قال الإمام أحمد: وحدثناه يعقوب في حديث صالح قال رمال حصير - وقد أثر في جنبه فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟

فرفع رأسه إلي وقال "لا" فقلت الله أكبر ولو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش قوما نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فغضبت علي امرأتي يوما فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني فقالت ما تنكر أن أراجعك؟

فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل فقلت قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله قد دخلت على حفصة فقلت لا يغرنك إن كانت جارتك هي أوسم أو أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك فتبسم أخرى فقلت أستأنس يا رسول الله؟

قال "نعم" فجلست فرفعت رأسي في البيت فوالله ما رأيت في البيت شيئا يرد البصر إلا أهب مقامة فقلت أدع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله فاستوى جالسا وقال "أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟

أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا" فقلت استغفر لي يا رسول الله وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله عز وجل وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الزهري به وأخرجه الشيخان من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجا فخرجت معه فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له قال فوقفت حتى فرغ ثم سرت معه فقلت يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم؟

هذا لفظ البخاري ولمسلم من المرأتان اللتان قال الله تعالى "وإن تظاهرا عليه" قال عائشة وحفصة ثم ساق الحديث بطوله ومنهم من اختصره.

وقال مسلم أيضا حدثني زهير بن حرب حدثنا عمر بن يونس الحنفي ثنا عكرمة بن عمار عن سماك بن الوليد أبي زميل حدثني عبدالله بن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب فقلت لأعلمن ذلك اليوم فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة ووعظه إياهما إلى أن قال فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسكفة المشربة فناديت فقلت يا رباح استأذن لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحو ما تقدم - إلى أن قال - فقلت يا رسول الله ما يشق عليك من أمر النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكال وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك وقلما تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: إن تتوبا إلى الله أيتها المرأتان فقد مالت قلوبكما إلى محبة ما كرهه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من اجتنابه جاريته، وتحريمها على نفسه، أو تحريم ما كان له حلالا مما حرّمه على نفسه بسبب حفصة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) يقول: زاغت قلوبكما، يقول: قد أثمت قلوبكما.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا محمد بن طلحة، عن زبيد، عن مجاهد، قال: كنا نرى أن قوله: ( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) شيء هين، حتى سمعت قراءة ابن مسعود ( إن تَتُوبَا إِلى اللهِ فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُمُا ).

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) : أي مالت قلوبكما.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن قتادة ( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) مالت قلوبكما.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) يقول: زاغت.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) قال: زاغت قلوبكما.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد، قال الله عزّ وجلّ: ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) قال: سرهما أن يجتنب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جاريته، وذلك لهما موافق ( صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) إلى أن سرّهما ما كره رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

وقوله: ( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ) يقول تعالى ذكره للتي أسرّ إليها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حديثه، والتي أفشت إليها حديثه، وهما عائشة وحفصة رضي الله عنهما.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: لم أزل حريصًا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، اللتين قال الله جلّ ثناؤه: ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) قال: فحجّ عمر، وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر، وعدلت معه بإداوة، ثم أتاني فسكبت على يده وتوضأ فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم اللتان قال الله لهما( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) قال عمر: واعجباً لك يا بن عباس، قال الزهري: وكره والله ما سأله ولم يكتم، قال: هي حفصة وعائشة؛ قال: ثم أخذ يسوق الحديث، فقال: كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة، ثم ذكر الحديث بطوله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن أشهب، عن مالك، عن أَبي النضر، عن عليّ بن حسين، عن ابن عباس، أنه سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن المتظاهرتين على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال: عائشة وحفصة.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد بن حنين أنه سمع ابن عباس يقول: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن المتظاهرتين، فما أجد له موضعًا أسأله فيه، حتى خرج حاجا، وصحبته حتى إذا كان بمرّ الظَّهران ذهب لحاجته، وقال: أدركني بإداوة من ماء؛ فلما قضى حاجته ورجع، أتيته بالإداوة أصبها عليه، فرأيت موضعًا، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان المتظاهرتان على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم؟

فما قضيت كلامي حتى قال: عائشة وحفصة رضي الله عنهما.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا عمر بن يونس، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: ثنا سماك أَبو زميل، قال: ثني عبد الله بن عباس، قال: ثني عمر بن الخطاب، قال: لما اعتزل نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نساءه، دخلت عليه وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله ما شقّ عليك من شأن النساء، فلئن كنت طلقتهنّ فإن الله معك وملائكته، وجبرائيل وميكائيل، وأنا وأَبو بكر معك، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام، إلا رجوت أن يكون الله مصدّق قولي، فنـزلت هذه الآية، آية التخيير: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ، ( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) ...

الآية، وكانت عائشة ابنة أَبي بكر وحفصة تتظاهران على سائر نساء النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ) يقول: على معصية النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأذاه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، قال ابن عباس لعمر: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أسالك عن أمر وإني لأهابك، قال: لا تهبني، فقال: من اللتان تظاهرتا على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم؟

قال: عائشة وحفصة.

وقوله: ( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) يقول: فإن الله هو وليه وناصره، وصالح المؤمنين، وخيار المؤمنين أيضًا مولاه وناصره.

وقيل: عني بصالح المؤمنين في هذا الموضع: أَبو بكر، وعمر رضي الله عنهما.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ بن الحسن الأزدي، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن عبد الوهاب، عن مجاهد، في قوله: ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: أَبو بكر وعمر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، في قوله: ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: خيار المؤمنين أَبو بكر الصدّيق وعمر.

حدثنا إسحاق بن إسرائيل، قال: ثنا الفضل بن موسى السيناني - من قرية بمرو يقال لها سينان - عن عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: أَبو بكر وعمر.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) يقول: خيار المؤمنين.

وقال آخرون: عُنِي بصالح المؤمنين: الأنبياء صلوات الله عليهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: هم الأنبياء.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: هم الأنبياء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) قال الأنبياء.

والصواب من القول في ذلك عندي: أن قوله: ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) وإن كان في لفظ واحد، فإنه بمعنى الجميع، وهو بمعنى قوله: إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ فالإنسان وإن كان في لفظ واحد، فإنه بمعنى الجميع، وهو نظير قول الرجل: لا تقْريَنّ إلا قارئ القرآن، يقال: قارئ القرآن، وإن كان في اللفظ واحدًا، فمعناه الجمع، لأنه قد أذن لكل قارئ القرآن أن يقريه، واحدًا كان أو جماعة.

وقوله: ( وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) يقول: والملائكة مع جبريل وصالح المؤمنين لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أعوان على من أذاه، وأراد مساءته.

والظهير في هذا الموضع بلفظ واحد في معنى جمع.

ولو أخرج بلفظ الجميع لقيل: والملائكة بعد ذلك ظهراء.

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: وبدأ بصالح المؤمنين ها هنا قبل الملائكة، قال: ( وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرقوله تعالى : إن تتوبا إلى الله يعني حفصة وعائشة ، حثهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم .فقد صغت قلوبكما أي زاغت ومالت عن الحق .

وهو أنهما أحبتا ما كره النبي صلى الله عليه وسلم من اجتناب جاريته واجتناب العسل ، وكان عليه السلام يحب العسل والنساء .

قال ابن زيد : مالت قلوبهما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده ، فسرهما ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقيل : فقد مالت قلوبكما إلى التوبة .

وقال : فقد صغت قلوبكما ولم يقل : فقد صغى قلباكما ، ومن شأن العرب إذا ذكروا الشيئين ، من اثنين جمعوهما ، لأنه لا يشكل .

وقد مضى هذا المعنى في " المائدة " في قوله تعالى : فاقطعوا أيديهما .

وقيل : كلما ثبتت الإضافة فيه مع التثنية فلفظ الجمع أليق به ، لأنه أمكن وأخف .

وليس قوله : فقد صغت قلوبكما جزاء للشرط ، لأن هذا الصغو كان سابقا ، فجواب الشرط محذوف للعلم به .

أي إن تتوبا كان خيرا لكما ، إذ قد صغت قلوبكما .قوله تعالى : وإن تظاهرا عليه أي تتظاهرا وتتعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعصية والإيذاء .

وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له ، حتى خرج حاجا فخرجت معه ، فلما رجع فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له ، فوقفت حتى فرغ ، ثم سرت معه فقلت : يا أمير المؤمنين ، من اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه ؟

فقال : تلك حفصة وعائشة .

قال : فقلت له : والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك .

قال : فلا [ ص: 175 ] تفعل ، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه ، فإن كنت أعلمه أخبرتك .

.

.

وذكر الحديث .فإن الله هو مولاه أي وليه وناصره ، فلا يضره ذلك التظاهر منهما .وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير قال عكرمة وسعيد بن جبير : أبو بكر وعمر ، لأنهما أبوا عائشة وحفصة ، وقد كانا عونا له عليهما .

وقيل : صالح المؤمنين علي رضي الله عنه .

وقيل : خيار المؤمنين .

وصالح : اسم جنس كقوله تعالى : والعصر إن الإنسان لفي خسر ، قاله الطبري .

وقيل : صالح المؤمنين هم الأنبياء ، قاله العلاء بن زيادة وقتادة وسفيان .

وقال ابن زيد : هم الملائكة .

السدي : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .

وقيل : صالح المؤمنين ليس لفظ الواحد وإنما هو صالحو المؤمنين : فأضاف الصالحين إلى المؤمنين ، وكتب بغير واو على اللفظ لأن لفظ الواحد والجمع واحد فيه .

كما جاءت أشياء في المصحف متنوع فيها حكم اللفظ دون وضع الخط .

وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه قال دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه - وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب - فقال عمر : فقلت لأعلمن ذلك اليوم ، قال : فدخلت على عائشة فقلت : يا بنت أبي بكر ، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم !

فقالت : مالي ومالك يا ابن الخطاب !

عليك بعيبتك !

قال : فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها : يا حفصة ، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم !

والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك ، ولولا أنا لطلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فبكت أشد البكاء ، فقلت لها : أين رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قالت : هو في خزانته في المشربة .

فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا على أسكفة المشربة مدل رجليه على نقير من خشب ، وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر .

فناديت : يا رباح ، استأذن لي عندك على رسول الله ، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا .

ثم قلت : يا رباح ، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا .

ثم رفعت صوتي فقلت : يا رباح ، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني [ ص: 176 ] جئت من أجل حفصة ، والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربن عنقها ، ورفعت صوتي فأومأ إلي أن ارقه ; فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير ، فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره ; وإذا الحصير قد أثر في جنبه ، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ، ومثلها قرظا في ناحية الغرفة ; وإذا أفيق معلق - قال - فابتدرت عيناي .

قال : " ما يبكيك يا ابن الخطاب ؟

" قلت : يا نبي الله ، ومالي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك ، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى !

وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته ، وهذه خزانتك !

فقال : " يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا " .

قلت : بلى .

قال : ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب ، فقلت : يا رسول الله ، ما يشق عليك من شأن النساء ; فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك .

وقلما تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله عز وجل يصدق قولي الذي أقول ، ونزلت هذه الآية ، آية التخيير : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن .

وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير .

وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فقلت : يا رسول الله ، أطلقتهن ؟

قال : " لا " .

قلت : يا رسول الله ، إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى يقولون : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن ؟

قال : " نعم إن شئت " .

فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه ، وحتى كشر فضحك ، وكان من أحسن الناس ثغرا .

ثم نزل نبي الله صلى الله عليه وسلم ونزلت ; فنزلت أتشبث بالجذع ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده .

فقلت : يا رسول الله ، إنما كنت في الغرفة تسعا وعشرين .

قال : " إن الشهر يكون تسعا وعشرين " فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي : لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه .

ونزلت هذه الآية : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم .

فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر ; وأنزل الله آية التخيير .قوله تعالى : وجبريل فيه لغات تقدمت في سورة " البقرة " .

ويجوز أن يكون معطوفا على " مولاه " والمعنى : الله وليه وجبريل وليه ; فلا يوقف على مولاه ويوقف على [ ص: 177 ] جبريل ويكون " وصالح المؤمنين " مبتدأ والملائكة معطوفا عليه .

و " ظهير " خبرا ; وهو بمعنى الجمع .

وصالح المؤمنين أبو بكر ; قاله المسيب بن شريك .

وقال سعيد بن جبير : عمر .

وقال عكرمة : أبو بكر وعمر .

وروى شقيق عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى : فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين قال : إن صالح المؤمنين أبو بكر وعمر .

وقيل : هو علي .

عن أسماء بنت عميس قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : وصالح المؤمنين علي بن أبي طالب .

وقيل غير هذا مما تقدم القول فيه .

ويجوز أن يكون وجبريل مبتدأ وما بعده معطوفا عليه .

والخبر ظهير وهو بمعنى الجمع أيضا .

فيوقف على هذا على مولاه .

ويجوز أن يكون جبريل وصالح المؤمنين معطوفا على مولاه فيوقف على المؤمنين ويكون والملائكة بعد ذلك ظهير ابتداء وخبرا .

ومعنى " ظهير " أعوان .

وهو بمعنى ظهراء ; كقوله تعالى : وحسن أولئك رفيقا .

وقال أبو علي : قد جاء فعيل للكثرة كقوله تعالى : ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم وقيل : كان التظاهر منهما في التحكم على النبي صلى الله عليه وسلم في النفقة ، ولهذا آلى منهن شهرا واعتزلهن .

وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال : دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم ، قال : فأذن لأبي بكر فدخل ، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له ، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا - قال - فقال : لأقولن شيئا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم ; فقال : يا رسول الله ، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها ; فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " هن حولي كما ترى يسألنني النفقة " .

فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها ، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها ; كلاهما يقول : تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده !

فقلن : والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده .

ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين .

ثم نزلت عليه هذه الآية : يا أيها النبي قل لأزواجك حتى بلغ للمحسنات منكن أجرا عظيما الحديث .

وقد ذكراه في سورة " الأحزاب " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } الخطاب للزوجتين الكريمتين من أزواجه صلى الله عليه وسلم عائشة وحفصة رضي الله عنهما، كانتا سببًا لتحريم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه ما يحبه، فعرض الله عليهما التوبة، وعاتبهما على ذلك، وأخبرهما أن قلوبهما قد صغت أي: مالت وانحرفت عما ينبغي لهن، من الورع والأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم، واحترامه، وأن لا يشققن عليه، { وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ } أي: تعاونا على ما يشق عليه، ويستمر هذا الأمر منكن، { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ } أي: الجميع أعوان للرسول، مظاهرون، ومن كان هؤلاء أعوانه فهو المنصور، وغيره ممن يناوئه مخذول وفي هذا أكبر فضيلة وشرف لسيد المرسلين، حيث جعل الباري نفسه [الكريمة]، وخواص خلقه، أعوانًا لهذا الرسول الكريم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن تتوبا إلى الله ) أي من التعاون على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإيذاء .

يخاطب عائشة وحفصة ( فقد صغت قلوبكما ) أي زاغت ومالت عن الحق واستوجبتما التوبة .

قال ابن زيد : مالت قلوبهما بأن سرهما ما كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اجتناب جاريته .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب عن الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن عبد الله بن عباس قال : لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اللتين قال الله تعالى لهما : " إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما " حتى حج وحججت معه وعدل وعدلت معه بإداوة ، فتبرز ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضأ فقلت له : يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اللتان قال الله تعالى لهما : " إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما " ؟

فقال : واعجبا لك يا ابن عباس هما عائشة وحفصة .

ثم استقبل عمر الحديث يسوقه فقال : إني كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد ، وهي من عوالي المدينة ، وكنا نتناوب النزول على النبي - صلى الله عليه وسلم - فينزل يوما وأنزل يوما فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره ، وإذا نزل فعل مثل ذلك .

وكنا معشر قريش نغلب النساء ، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار فصخبت علي امرأتي فراجعتني فأنكرت أن تراجعني فقالت : ولم تنكر أن أراجعك !

فوالله إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليراجعنه ، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل .

فأفزعني وقلت : خاب من فعل ذلك منهن .

ثم جمعت علي ثيابي [ فنزلت ] فدخلت على حفصة ، فقلت لها : أي حفصة أتغاضب إحداكن النبي - صلى الله عليه وسلم - اليوم حتى الليل ؟

قالت : نعم ، فقلت : خبت وخسرت ، أفتأمنين أن يغضب الله تعالى لغضب رسوله فتهلكي لا تستكثري للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه وسليني ما بدا لك ، ولا يغرنك أن كانت [ جارتك ] [ أوضأ ] منك وأحب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يريد عائشة - .

قال عمر : وكنا تحدثنا أن غسان تنعل الخيل لتغزونا فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته فرجع إلينا عشاء فضرب بابي ضربا شديدا وقال : أثم هو ؟

ففزعت فخرجت إليه فقال : قد حدث اليوم أمر عظيم ؟

فقلت : ما هو أجاء غسان !

قال : لا بل أعظم منه وأهول ، طلق النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه .

فقلت : قد خابت حفصة وخسرت كنت أظن أن هذا يوشك أن يكون .

فجمعت علي ثيابي وصليت صلاة الفجر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشربة فاعتزل فيها فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي ، فقلت : ما يبكيك ألم أكن حذرتك ؟

أطلقكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟

قالت : لا أدري ها هو ذا معتزل في المشربة .

فجئت إلى المنبر فإذا حوله رهط يبكي بعضهم ، فجلست معهم قليلا ثم غلبني ما أجد ، فجئت المشربة التي فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت لغلام له أسود : استأذن لعمر ، فدخل فكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم رجع فقال : كلمت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرتك له فصمت ، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر ، ثم غلبني ما أجد فجئت فقلت إلى الغلام فقلت : استأذن فاستأذن ثم رجع إلي فقال : قد ذكرتك له فصمت [ فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر ، ثم غلبني ما أجد فجئت الغلام فقلت : استأذن لعمر ، فاستأذن ثم رجع إلي فقال : قد ذكرتك له فصمت ] .

فلما وليت منصرفا قال إذا الغلام يدعوني فقال : قد أذن لك النبي - صلى الله عليه وسلم - فدخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه متكئا على وسادة من أدم حشوها ليف ، فسلمت عليه ثم قلت وأنا قائم : يا رسول الله أطلقت نساءك ؟

فرفع إلي بصره فقال : لا ، فقلت : الله أكبر .

ثم قلت وأنا قائم أستأنس : يا رسول الله لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم ، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قلت : يا رسول الله لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت لها : لا يغرنك أن كانت جارتك [ أوضأ ] منك وأحب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يريد عائشة - فتبسم النبي - صلى الله عليه وسلم - تبسمة أخرى ، فجلست حين رأيته يبتسم فرفعت بصري في بيته ، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر غير أهبة ثلاثة ، فقلت يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فإن فارس والروم قد وسع عليهم وأعطوا من الدنيا وهم لا يعبدون الله .

فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان متكئا فقال : " أو في هذا أنت يا ابن الخطاب ؟

إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا " .

فقلت : يا رسول الله استغفر لي .

فاعتزل النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعا وعشرين ليلة ، وكان قال : ما أنا بداخل عليهن شهرا - من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله - عز وجل - فلما مضت تسع وعشرون ليلة ، دخل على عائشة رضي الله عنها فبدأ بها فقالت له عائشة : يا رسول الله إنك كنت أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدها عدا !

فقال : الشهر تسع وعشرون ، وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة .

قالت عائشة : ثم أنزل الله التخيير فبدأ بي أول امرأة من نسائه ، فاخترته ثم خير نساءه كلهن فقلن مثل ما قالتعائشة .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب عن الزهري ، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه فبدأ بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني ذاكر لك أمرا فلا عليك [ أن لا تعجلي ] حتى تستأمري أبويك ، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت ثم قال إن الله قال : " يا أيها النبي قل لأزواجك " إلى تمام الآيتين ، فقلت : أو في هذا أستأمر أبوي ؟

فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثني زهير بن حرب ، حدثنا عمر بن يونس الحنفي ، حدثنا عكرمة بن عمار ، عن سماك [ بن زميل ] حدثنا عبد الله بن عباس ، حدثني عمر بن الخطاب قال : لما اعتزل النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه وذكر الحديث .

وقال : دخلت عليه فقلت : يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء ؟

فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك .

وقلما تكلمت - وأحمد الله تعالى - بكلام إلا رجوت أن الله يصدق قولي الذي أقول ، ونزلت هذه الآية : " عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن " .

" وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير " .

قوله : ( وإن تظاهرا عليه ) أي تتظاهرا وتتعاونا على أذى النبي - صلى الله عليه وسلم - .

قرأ أهل الكوفة بتخفيف الظاء ، والآخرون بتشديدها .

( فإن الله هو مولاه ) أي وليه وناصره : ( وجبريل وصالح المؤمنين ) روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب : ( وصالح المؤمنين ) أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قال الكلبي : هم المخلصون الذي ليسوا بمنافقين .

( والملائكة بعد ذلك ظهير ) قال مقاتل : بعد الله وجبريل " وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير " أي : أعوان للنبي - صلى الله عليه وسلم - .

وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع ، كقوله : " وحسن أولئك رفيقا " ( النساء - 69 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن تتوبا» أي حفصة وعائشة «إلى الله فقد صغت قلوبكما» مالت إلى تحريم مارية، أي سركما ذلك مع كراهة النبي صلى الله عليه وسلم له وذلك ذنب، وجواب الشرط محذوف أي تقبلا، وأطلق قلوب على قلبين ولم يعبر به لاستثقال الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة «وإن تظَّاهرا» بإدغام التاء الثانية في الأصل في الظاء، وفي قراءة بدونها تتعاونا «عليه» أي النبي فيما يكرهه «فإن الله هو» فصل «مولاه» ناصره «وجبريل وصالح المؤمنين» أبو بكر وعمر رضي الله عنهما معطوف على محل اسم إن فيكونون ناصريه «والملائكة بعد ذلك» بعد نصر الله والمذكورين «ظهير» ظهراء أعوان له في نصره عليكما.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن ترجعا (حفصة وعائشة) إلى الله فقد وُجد منكما ما يوجب التوبة حيث مالت قلوبكما إلى محبة ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، من إفشاء سرِّه، وإن تتعاونا عليه بما يسوءه، فإن الله وليه وناصره، وجبريل وصالح المؤمنين، والملائكة بعد نصرة الله أعوان له ونصراء على مَن يؤذيه ويعاديه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك خطابه إلى حفصة وعائشة ، فأمرهما بالتوبة عما صدر منهما .فقال : ( إِن تَتُوبَآ إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) .ولفظ ( صَغَتْ ) بمعنى مالت وانحرفت عن الواجب عليهما .

يقال صغا فلان يصغو ويصغى صغوا ، إذا مال نحو شىء معين .

ويقال : صغت : الشمس ، إذا مالت نحو الغروب ، ومنه قوله - تعالى - : ( ولتصغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة ) وجواب الشرط محذوف ، والتقدير : إن تتوبا إلى الله ، فلتوبتكما موجب أو سبب ، فقد مالت قلوبكما عن الحق ، وانحرفت عما يجب عليكما نحو الرسول - صلى الله عليه وسلم - من كتمان لسره ، ومن حرص على راحته ، ومن احترام لكل تصرف من تصرفاته ..

.

وجاء الخطاب لهما على سبيل الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، مبالغة فى المعاتبة ، فإن المبالغ فى ذلك يوجه الخطاب إلى من يريد معاتبته مباشرة .وقال - سبحانه - ( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) بصيغة الجمع للقلوب ، ولم يقل قلبا كما بالتثنية ، لكراهة اجتماع تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة ، مع ظهور المراد ، وأمن اللبس .ثم ساق - سبحانه - ما هو أشد فى التحذير والتأديب فقال : ( إِن تَتُوبَآ إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) .وقوله ( تَظَاهَرَا ) أصله تتظاهرا فحذفت إحدى التاءين تخفيفا .

والمراد بالتظاهر : التعاون والتآزر ، يقال : ظاهر فلان فلانا إذا أعانه على ما يريده ، وأصله من الظهر ، لأن من يعين غيره فكأنه يشد ظهره ، ويقوى أمرهقال - تعالى - : ( إِلاَّ الذين عَاهَدتُّم مِّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ) وجواب الشرط - أيضا - محذوف - أى : وإن تتعاونا عليه بما يزعجه ، ويغضبه ، من الإفراط فى الغيرة ، وإفشاء سره .

فلا يعدم ناصرا ولا معينا بل سيجد الناصر الذى ينصره عليكما ، فإن الله - تعالى - ( هُوَ مَوْلاَهُ ) أى : ناصره ومعينه ( وَجِبْرِيلُ ) كذلك ناصره ومعينه عليكما .( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) أى : وكذلك الصالحون من المؤمنين من أنصاره وأعوانه .( وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) أى : والملائكة بعد نصر الله - تعالى - له ، وبعد نصر جبريل وصالح المؤمنين له ، مؤيدونه ومناصرونه وواقفون فى صفه ضدكما .وفى هذه الآية الكريمة أقوى ألوان النصر والتأييد للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأسمى ما يتصوره الإنسان من تكريم الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ومن غيرته - عز وجل - عليه ، ومن دفاعه عنه - صلى الله عليه وسلم - .وفيها تعريض بأن من يحاول إغضاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن لا يكون من صالح المؤمنين .وقوله : ( وَجِبْرِيلُ ) مبتدأ ، وقوله : ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ ) معطوف عليه .وقوله : ( بَعْدَ ذَلِكَ ) متعلق بقوله ( ظَهِيرٌ ) الذى هو خبر عن الجميع .وقد جاء بلفظ المفرد ، لأن صيغة فعيل يستوى فيها الواحد وغيره .

فكأنه - تعالى - قال : الجمع بعد ذلك مظاهرون له ، واختير الإفراد للإشعار بأنهم جميعا كالشىء الواحد فى تأييده ونصرته ، وبأنهم يد واحدة على من يعاديه .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قوله : ( بَعْدَ ذَلِكَ ) تعظيم للملائكة ومظاهرتهم ، وقد تقدمت نصرة الله وجبريل وصالح المؤمنين ، ونصرة الله - تعالى - أعظم وأعظم؟قلت : مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله ، فكأنه فضل نصرته - تعالى - بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته ، لفضلهم .

.

" .وخص جبريل بالذكر مع أنه من الملائكة ، للتنويه بمزيد فضله ، فهو أمين الوحى ، والمبلغ عن الله - تعالى - إلى رسله .هذا ، ومما يدل على أن الخطاب فى قوله - تعالى - : ( إِن تَتُوبَآ إِلَى الله ) ، لحفصة وعائشة ، ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس أنه قال : لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللتين قال الله - تعالى - فيهما : ( إِن تَتُوبَآ إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) .فلما كان ببعض الطريق .

.

.

قلت : يا أمير المؤمنين ، من المرأتان من أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - اللتان قال الله تعالى - فيهما : ( إِن تَتُوبَآ إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) .فقال عمر : واعجبا لك يا ابن عباس .

.

.

هما حفصة وعائشة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله: ﴿ إِن تَتُوبَا إِلَى الله ﴾ خطاب لعائشة وحفصة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما والتوبة من التعاون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيذاء ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ أي عدلت ومالت عن الحق، وهو حق الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك حق عظيم يوجد فيه استحقاق العتاب بأدنى تقصير وجواب الشرط محذوف للعلم به على تقدير: كان خيراً لكما، والمراد بالجمع في قوله تعالى: ﴿ قُلُوبُكُمَا ﴾ التثنية، قال الفراء: وإنما اختير الجمع على التثنية لأن أكثر ما يكون عليه الجوارح إثنان إثنان في الإنسان كاليدين والرجلين والعينين، فلما جرى أكثره على ذلك ذهب بالواحد منه إذا أضيف إلى إثنين مذهب الإثنين، وقد مر هذا، وقوله تعالى: ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾ أي وإن تعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بالإيذاء ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه ﴾ أي لم يضره ذلك التظاهر منكما ﴿ ومولاه ﴾ أي وليه وناصره ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾ رأس الكروبيين، قرن ذكره بذكره مفرداً له من الملائكة تعظيماً له وإظهاراً لمكانته (عنده) ﴿ وصالح الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد أبا بكر وعمر مواليين النبي صلى الله عليه وسلم على من عاداه، وناصرين له، وهو قول المقاتلين، وقال الضحاك خيارالمؤمنين، وقيل من صلح من المؤمنين، أي كل من آمن وعمل صالحاً، وقيل: من برئ منهم من النفاق، وقيل: الأنبياء كلهم، وقيل: الخلفاء وقيل: الصحابة، وصالح هاهنا ينوب عن الجمع، ويجوز أن يراد به الواحد والجمع، وقوله تعالى: ﴿ والملائكة بَعْدَ ذلك ﴾ أي بعد حضرة الله وجبريل وصالح المؤمنين ﴿ ظَهِيرٍ ﴾ أي فوج مظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم، وأعوان له وظهير في معنى الظهراء، كقوله: ﴿ وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً  ﴾ قال الفراء: والملائكة بعد نصرة هؤلاء ظهير، قال أبو علي: وقد جاء فعيل مفرداً يراد به الكثرة كقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَسْـَٔلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا  يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍۭ بِبَنِيهِ  ﴾ ثم خوف نساءه بقوله تعالى: ﴿ عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أزواجا خَيْراً مّنكُنَّ ﴾ قال المفسرون: عسى من الله واجب، وقرأ أهل الكوفة ﴿ أَن يُبْدِلَهُ ﴾ بالتخفيف، ثم إنه تعالى كان عالماً أنه لا يطلقهن لكن أخبر عن قدرته أنه إن طلقهن أبدله خيراً منهم تخويفاً لهن، والأكثر في قوله: ﴿ طَلَّقَكُنَّ ﴾ الإظهار، وعن أبي عمرو إدغام القاف في الكاف، لأنهما من حروف الفم، ثم وصف الأزواج اللاتي كان يبدله فقال: ﴿ مسلمات ﴾ أي خاضعات لله بالطاعة ﴿ مؤمنات ﴾ مصدقات بتوحيد الله تعالى مخلصات ﴿ قانتات ﴾ طائعات، وقيل: قائمات بالليل للصلاة، وهذا أشبه لأنه ذكر السائحات بعد هذا والسائحات الصائمات، فلزم أن يكون قيام الليل مع صيام النهار، وقرئ (سيحات)، وهي أبلغ وقيل للصائم: سائح لأن السائح لا زاد معه، فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد من يطعمه فشبه بالصائم الذي يمسك إلى أن يجيء وقت إفطاره، وقيل: سائحات مهاجرات، ثم قال تعالى: ﴿ ثيبات وَأَبْكَاراً ﴾ لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة بعضها من الثيب وبعضها من الأبكار، فالذكر على حسب ما وقع، وفيه إشارة إلى أن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ليس على حسب الشهوة والرغبة، بل على حسب ابتغاء مرضات الله تعالى وفي الآية مباحث: البحث الأول: قوله: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ تعظيم للملائكة ومظاهرتهم، وقرئ ﴿ تَظَاهَرَا ﴾ و ﴿ تتظاهرا ﴾ و ﴿ تَظهرا ﴾ .

البحث الثاني: كيف يكون المبدلات خيراً منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين؟

نقول: إذا طلقهن الرسول لعصيانهن له، وإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله خيراً منهن.

البحث الثالث: قوله: ﴿ مسلمات مؤمنات ﴾ يوهم التكرار، والمسلمات والمؤمنات على السواء؟

نقول: الإسلام هو التصديق باللسان والإيمان هو التصديق بالقلب، وقد لا يتوافقان فقوله: ﴿ مسلمات مؤمنات ﴾ تحقيق للتصديق بالقلب واللسان.

البحث الرابع: قال تعالى: ﴿ ثيبات وَأَبْكَاراً ﴾ بواو العطف، ولم يقل: فيما عداهما بواو العطف، نقول: قال في الكشاف: إنها صفتان متنافيتان، لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات.

(فلم يكن بد من الواو).

البحث الخامس: ذكر الثيبات في مقام المدح وهي من جملة ما يقلل رغبة الرجال إليهن.

نقول: يمكن أن يكون البعض من الثيب خيراً بالنسبة إلى البعض من الأبكار عند الرسول لاختصاصهن بالمال والجمال، أو النسب، أو المجموع مثلاً، وإذا كان كذلك فلا يقدح ذكر الثيب في المدح لجواز أن يكون المراد مثل ما ذكرناه من الثيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِن تَتُوبَا ﴾ خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات، ليكون أبلغ في معاتبتهما.

وعن ابن عباس: لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر عنهما حتى حج وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل وعدلت معه بالإداوة، فسكبت الماء على يده فتوضأ، فقلت: من هما؟

فقال: عجباً يا ابن عباس كأنه كره ما سألته عنه ثم قال: هما حفصة وعائشة ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه.

وقرأ ابن مسعود: ﴿ فقد زاغت ﴾ ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا ﴾ وإن تعاونا ﴿ عَلَيْهِ ﴾ بما يسوءه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره، فلن يعدم هو من يظاهره، وكيف يعدم المظاهر من الله ﴿ مولاه ﴾ أي وليه وناصره؛ وزيادة ﴿ هُوَ ﴾ إيذان بأن نصرته عزيمة من عزائمه، وأنه يتولى ذلك بذاته ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾ رأس الكروبيين؛ وقرن ذكره بذكره مفرداً له من بين الملائكة تعظيماً له وإظهاراً لمكانته عنده ﴿ وصالح اْلمُؤْمِنِينَ ﴾ ومن صلح من المؤمنين، يعني: كل من آمن وعمل صالحاً.

وعن سعيد بن جبير: من برئ منهم من النفاق.

وقيل: الأنبياء وقيل: الصحابة.

وقيل: الخلفاء منهم.

فإن قلت: صالح المؤمنين واحد أم جمع؟

قلت: هو واحد أريد به الجمع، كقولك: لا يفعل هذا الصالح من الناس، تريد الجنس، كقولك: لا يفعله من صلح منهم.

ومثله قولك: كنت في السامر والحاضر.

ويجوز أن يكون أصله: صالحوا المؤمنين بالواو، فكتب بغير واو على اللفظ؛ لأنّ لفظ الواحد والجمع واحد فيه، كما جاءت أشياء في المصحف متبوع فيها حكم اللفظ دون وضع الخط ﴿ والملئكة ﴾ على تكاثر عددهم، وامتلاء السموات من جموعهم ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بعد نصرة الله وناموسه وصالحي المؤمنين ﴿ ظَهِيرٌ ﴾ فوج مظاهر له، كأنهم يد واحدة على من يعاديه، فما يبلغ تظاهر امرأتين علي من هؤلاء ظهراؤه؟

فإن قلت: قوله: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ تعظيم للملائكة ومظاهرتهم.

وقد تقدّمت نصرة الله وجبريل وصالح المؤمنين، ونصرة الله تعالى أعظم وأعظم.

قلت: مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، فكأنه فضل نصرته تعالى بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته تعالى، لفضلهم على جميع خلقه.

وقرئ: ﴿ تظاهرا ﴾ وتتظاهرا.

وتظهرا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ ﴾ يَعْنِي حَفْصَةَ ﴿ حَدِيثًا ﴾ تَحْرِيمَ مارِيَةَ أوِ العَسَلِ أوْ أنَّ الخِلافَةَ بَعْدَهُ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿ فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ ﴾ أيْ فَلَمّا أخْبَرَتْ حَفْصَةُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِالحَدِيثِ.

﴿ وَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ واطَّلَعَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الحَدِيثِ أيْ عَلى إفْشائِهِ.

﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ ﴾ عَرَّفَ الرَّسُولُ  حَفْصَةَ بَعْضَ ما فَعَلَتْ.

﴿ وَأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ عَنْ إعْلامِ بَعْضٍ تَكَرُّمًا أوْ جازاها عَلى بَعْضٍ بِتَطْلِيقِهِ إيّاها وتَجاوَزَ عَنْ بَعْضٍ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الكِسائِيِّ بِالتَّخْفِيفِ فَإنَّهُ لا يَحْتَمِلُ هاهُنا غَيْرُهُ لَكِنَّ المُشَدَّدَ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ والمُخَفَّفُ بِالعَكْسِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ: ﴿ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ ﴾ فَإنَّهُ أوْفَقُ لِلْإعْلامِ.

﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ ﴾ خِطابٌ لِحَفْصَةَ وعائِشَةَ عَلى الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في المُعاتَبَةِ.

﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ فَقَدْ وجَدَ مِنكُما ما يُوجِبُ التَّوْبَةَ، وهو مَيْلُ قُلُوبِكُما عَنِ الواجِبِ مِن مُخالَصَةِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحُبِّ ما يُحِبُّهُ وكَراهَةِ ما يَكْرَهُهُ.

﴿ وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ ﴾ وإنْ تَتَظاهَرا عَلَيْهِ بِما يَسْؤُوهُ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ فَلَنْ يَعْدَمَ مَن يُظاهِرُهُ مِنَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ وصُلَحاءِ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ وجِبْرِيلُ رَئِيسُ الكُرُوبِيِّينَ قَرِينُهُ، ومَن صَلَحَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أتْباعُهُ وأعْوانُهُ.

﴿ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ مُتَظاهِرُونَ، وتَخْصِيصُ جِبْرِيلَ لِتَعْظِيمِهِ، والمُرادُ بِالصّالِحِ الجِنْسُ ولِذَلِكَ عَمَّمَ بِالإضافَةِ وبِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِمُظاهَرَةِ المَلائِكَةِ مِن جُمْلَةِ ما يَنْصُرُهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)

{إِن تَتُوبَا إِلَى الله} خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ ي معاتبتهما وجواب الشرط محذوف والتقدير إن تتوبا إلى الله فهو الواجب ودل على المحذوف {فَقَدْ صَغَتْ} مالت {قُلُوبُكُمَا} عن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} بالتخفيف كوفي وإن تعاونا عليه بما يسوءه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه} وليه وناصره وزيادة إيذان بأنه يتولى ذلك بذاته {وَجِبْرِيلُ} أيضاً وليه {وصالح الْمُؤْمِنِينَ}

ومن صلح من المؤمنين أي كل من آمن وعمل صالحا وقيل من برئ من النفاق وقيل الصحابة وقبل واحد أريد به الجمع كقولك لا يفعل هذا الصالح من الناس تريد الجنس وقيل اصله صالحوا المؤمنين فحذفت الواو من الخط موافقة للفظ {والملائكة} على تكاثر عددهم {بَعْدَ ذَلِكَ} بعد نصرة الله وجبريل وصالحي المؤمنين {ظَهِيرٍ} فوج مظاهر له فما يبلغ بعد ذلك تعظيماً لنصرتهم ومظاهرتهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ ﴾ خِطابٌ لِحَفْصَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغِيبَةِ إلى الخِطابِ لِلْمُبالَغَةِ في المُعاتَبَةِ فَإنَّ المُبالِغَ في العِتابِ يَصِيرُ المُعاتَبِ أوَّلًا بَعِيدًا عَنْ ساحَةِ الحُضُورِ، ثُمَّ إذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ تَوَجَّهَ إلَيْهِ وعاتَبَهُ بِما يُرِيدُ، وكَوْنُ الخِطابِ لَهُما لِما أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ حِبّانَ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ أزَلْ حَرِيصًا أنْ أسْألَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ المَرْأتَيْنِ مِن أزْواجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اللَّتَيْنِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَتُوبا ﴾ إلَخْ حَتّى حَجَّ عُمَرُ وحَجَجْتُ مَعَهُ فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ وعَدَلْتُ مَعَهُ بِالإداوَةِ فَنَزَلَ ثُمَّ إنِّي صَبَبْتُ عَلى يَدَيْهِ فَتَوَضَّأ فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَنِ المَرْأتانِ مِن أزْواجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اللَّتانِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَتُوبا ﴾ إلَخْ ؟

فَقالَ: واعَجَبًا لَكَ يا ابْنَ عَبّاسٍ هُما عائِشَةُ وحَفْصَةُ ثُمَّ أنْشَأ يُحَدِّثُنِي الحَدِيثَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ»، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ مالَتْ عَنِ الواجِبِ مِن مُخالَفَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحُبِّ ما يُحِبُّهُ وكَراهَةِ ما يَكْرَهُهُ إلى مُخالَفَتِهِ، والجُمْلَةُ قائِمَةٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ بَعْدَ حَذْفِهِ.

والتَّقْدِيرُ إنْ تَتُوبا فَلِتَوْبَتِكُما مُوجِبٌ وسَبَبٌ ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ أوْ فَحُقَّ لَكُما ذَلِكَ فَقَدْ صَدَرَ ما يَقْتَضِيها وهو عَلى مَعْنى فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ مِن أنَّهُ بِتَأْوِيلِ تَبَيَّنَ أنِّي لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ، وجَعَلَها ابْنُ الحاجِبِ جَوابًا مِن حَيْثُ الإعْلامُ كَما قِيلَ في: إنْ تُكْرِمْنِي اليَوْمَ فَقَدْ أكْرَمَتُكَ أمْسِ، وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يَمْحُ إثْمَكُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِسَبَبِ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَقَدْ أدَّيْتُما ما يَجِبُ عَلَيْكُما أوْ أتَيْتُما بِما يَحِقُّ لَكُما، وما ذُكِرَ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ قِيلَ: وإنَّما لَمْ يُفَسِّرُوا ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ بِمالَتْ إلى الواجِبِ أوِ الحَقِّ أوِ الخَيْرِ حَتّى يَصِحَّ جَعْلُهُ جَوابًا مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ لِأنَّ صِيغَةَ الماضِي - وقَدْ - وقِراءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ - فَقَدْ زاغَتْ قُلُوبُكُما - وتَكْثِيرَ المَعْنى مَعَ تَقْلِيلِ اللَّفْظِ تَقْتَضِي ما سَلَفَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتَمَشّى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ مِن أنَّ الجَوابَ يَكُونُ ماضِيًا وإنْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُ كانَ، فِيهِ نَظَرٌ، والجَمْعُ في ﴿ قُلُوبُكُما ﴾ دُونَ التَّثْنِيَةِ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ تَثْنِيَتَيْنِ مَعَ ظُهُورِ المُرادِ وهو في مِثْلِ ذَلِكَ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ التَّثْنِيَةِ والإفْرادِ، قالَ أبُو حَيّانَ: لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي وغَلَّطَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ابْنَ مالِكٍ في قَوْلِهِ في التَّسْهِيلِ: ويُخْتارُ لَفْظُ الإفْرادِ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ ﴿ وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ، وهي قِراءَةُ عاصِمٍ ونافِعٍ في رِوايَةٍ، وطَلْحَةَ والحَسَنِ وأبِي رَجاءٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ - تَظّاهَرا - بِتَشْدِيدِ الظّاءِ، وأصْلُهُ تَتَظاهَرا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الظّاءِ، وبِالأصْلِ قَرَأ عِكْرِمَةُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ أُخْرى - تَظَّهَّرا - بِتَشْدِيدِ الظّاءِ والهاءِ دُونَ ألِفٍ، والمَعْنى فَإنْ تَتَعاوَنا عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما يَسُوؤُهُ مِنَ الإفْراطِ في الغَيْرَةِ وإفْشاءِ سِرِّهِ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ ﴾ أيْ ناصِرُهُ والوَقْفُ عَلى ما في البَحْرِ وغَيْرِهِ هُنا أحْسَنُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وجِبْرِيلُ ﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ ﴾ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وقَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ بَعْدَ نُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ ظَهِيرٌ ﴾ وجَعَلُوهُ الخَبَرَ عَنِ الجَمِيعِ، وهو بِمَعْنى الجَمْعِ أيْ مُظاهِرُونَ، واخْتِيرَ الإفْرادُ لِجَعْلِهِمْ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ ”جِبْرِيلُ“ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ مُقَدَّرٌ نَظِيرَ ما قالُوا في قَوْلِهِ: ومَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عَلى جِبْرِيلَ أيْ ﴿ وجِبْرِيلُ ﴾ مَوْلاهُ ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والخَبَرُ ﴿ ظَهِيرٌ ﴾ ، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ اخْتِيارُ الوَقْفِ عَلى ”المُؤْمِنِينَ“ فَظَهِيرٌ خَبَرُ المَلائِكَةِ، وعَلَيْهِ غالِبُ مُخْتَصِرِيهِ، وظاهِرُ كَلامِهِمُ التَّقْدِيرُ لِكُلٍّ مِن جِبْرِيلَ وصالِحِ المُؤْمِنِينَ خَبَرًا وهو إمّا لَفْظُ مَوْلًى مُرادًا بِهِ مَعَ كُلِّ مَعْنى مِن مَعانِيهِ المُناسِبَةِ أيْ ﴿ وجِبْرِيلُ ﴾ مَوْلاهُ أيْ قَرِينُهُ ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ مَوْلاهُ أيْ تابِعُهُ، أوْ لَفْظٌ آخَرُ بِذَلِكَ المَعْنى المُناسِبِ وهو قَرِينُهُ في الأوَّلِ وتابِعُهُ في تابِعِهِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ المَوْلى في الجَمْعِ بِمَعْنى النّاصِرِ كَما لا يَخْفى، وزِيادَةُ ”هو“ عَلى ما في الكَشّافِ لِلْإيذانِ بِأنَّ نُصْرَتَهُ تَعالى عَزِيمَةٌ مِن عَزائِمِهِ وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُتَوَلِّي ذَلِكَ بِذاتِهِ تَعالى، وهو تَصْرِيحٌ بِأنَّ الضَّمِيرَ لَيْسَ مِنَ الفَصْلِ في شَيْءٍ، وأنَّهُ لِلتَّقَوِّي لا لِلْحَصْرِ، والحَصْرُ أكْثَرِيٌّ في المَعْرِفَتَيْنِ عَلى ما نَقَلَهُ في الإيضاحِ، وإنْ كانَ كَلامُ السَّكّاكِيِّ مُوهِمًا الوُجُوبَ وهَذا والمُبالَغَةُ مُحَقَّقَةٌ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وحَقَّقَ في الأُصُولِ، وأمّا الحَصْرُ فَلَيْسَ مِن مُقْتَضى اللَّفْظِ فَلا يُرِدْ أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ ﴿ وجِبْرِيلُ ﴾ وما بَعْدَهُ مُخْبَرًا عَنْهُ - بِظَهِيرٍ - وإنَّ سُلِّمَ فَلا يُنافِيهِ لِأنَّ نُصْرَتَهم نُصْرَتُهُ تَعالى فَلَيْسَ مِنَ المُمْتَنِعِ عَلى نَحْوِ زَيْدٌ المُنْطَلِقُ وعَمْرٌو، كَذا في الكَشْفِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذِّكْرِ مَزِيدُ فَضْلِهِ بَلْ هو رَأْسُ الكَرُوبِيِّينَ، والمُرادُ بِالصّالِحِ عِنْدَ كَثِيرٍ الجِنْسُ الشّامِلُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، وأُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ هُنا، ومِثْلُهُ قَوْلُكَ: كُنْتُ في السّامِرِ والحاضِرِ، ولِذا عَمَّ بِالإضافَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ جَمِيعًا، وكانَ القِياسُ أنْ يُكْتَبَ - وصالِحُو -بِالواوِ إلّا أنَّها حُذِفَتْ خَطًّا تَبَعًا لِحَذْفِها لَفْظًا، وقَدْ جاءَتْ أشْياءُ في المُصْحَفِ تُبِعَ فِيها حُكْمُ اللَّفْظِ دُونَ وضْعِ الخَطِّ نَحْوَ - ﴿ ويَدْعُ الإنْسانُ  ﴾ و ﴿ يَدْعُ الدّاعِ  ﴾ و ﴿ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ  ﴾ ﴿ وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ  ﴾ -إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الإضافَةَ لِلْعَهْدِ فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ والعَلاءِ بْنِ زِيادٍ، ومُظاهَرَتِهِمْ لَهُ قِيلَ: تَضَمَّنَ كَلامُهم ذَمَّ المُتَظاهِرِينَ عَلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفِيهِ مِنَ الخَفاءِ ما فِيهِ وقِيلَ: عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ،» ورَوى الإمامِيَّةُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ نَزَلَتْ أخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ هَذا صالِحُ المُؤْمِنِينَ» .

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ قالَ: هو عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ نَزَلَ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ خاصَّةً، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ أنَّهُ قالَ: ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وقِيلَ: الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ قالا: نَزَلَتْ ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وذَهَبَ إلى تَفْسِيرِهِ بِهِما عِكْرِمَةُ ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ وغَيْرُهُما، وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أبِي يَقْرَؤُها ﴿ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، ورَجَّحَ إرادَةَ ذَلِكَ بِأنَّهُ اللّائِقُ بِتَوْسِيطِهِ بَيْنَ جِبْرِيلَ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الظَّهِيرِ المَعْنَوِيِّ والظَّهِيرِ الصُّورِيِّ كَيْفَ لا وإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَهِيرٌ لَهُ  يُؤَيِّدُهُ بِالتَّأْيِيداتِ الإلَهِيَّةِ وهُما وزِيراهُ وظَهِيراهُ في تَدْبِيرِ أُمُورِ الرِّسالَةِ وتَمْشِيَةِ أحْكامِها الظّاهِرَةِ مَعَ أنَّ بَيانَ مُظاهَرَتِهِما لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أشَدُّ تَأْثِيرًا في قُلُوبِ بِنْتَيْهِما وتَوْهِينًا لِأمْرِهِما.

وأنا أقُولُ العُمُومُ أوْلى، وهُما - وكَذا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - يَدْخُلانِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والتَّنْصِيصُ عَلى بَعْضٍ في الأخْبارِ المَرْفُوعَةِ إذا صَحَّتْ لِنُكْتَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ لا لِإرادَةِ الحَصْرِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: مِن صالِحِ المُؤْمِنِينَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ»، وفائِدَةُ ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ نُصْرَةَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أقْوى وُجُوهِ نُصْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وإنْ تَنَوَّعَتْ، ثُمَّ لا خَفاءَ في أنَّ نُصْرَةَ جَمِيعِ المَلائِكَةِ - وفِيهِمْ جِبْرِيلُ - أقْوى مِن نُصْرَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ.

وقِيلَ: الإشارَةُ إلى مُظاهَرَةِ صالِحِ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً فالتَّعْظِيمُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وفي التَّنْبِيهِ عَلى هَذا دَفْعُ تَوَهُّمِ ما يُوهِمُهُ التَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ مِن أعْظَمِيَّةِ مُظاهَرَةِ المُتَقَدِّمِ، وبِالجُمْلَةِ فائِدَةُ ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ نَحْوَ فائِدَةِ - ثُمَّ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وهو التَّفاوُتُ الرُّتْبِيُّ أيْ أعْظَمِيَّةُ رُتْبَةِ ما بَعْدَها بِالنِّسْبَةِ إلى ما قَبْلَها وهَذا لا يَتَسَنّى عَلى ما نُقِلَ عَنِ البَحْرِ بَلْ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى تَبَعِيَّةِ المَذْكُورِينَ في النُّصْرَةِ والإعانَةِ عَزَّ وجَلَّ، وأيًّا ما كانَ فَإنَّ شَرْطِيَّةَ - وتَظاهَرا - فِعْلُ الشَّرْطِ، والجُمْلَةُ المَقْرُونَةُ بِالفاءِ دَلِيلُ الجَوابِ، وسَبَبٌ أُقِيمَ مَقامَهُ، والأصْلُ فَإنَّ ﴿ تَظاهَرا ﴾ عَلَيْهِ فَلَنْ يُعْدَمَ مَن يُظاهِرُهُ فَإنَّ اللَّهَ مَوْلاهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هي بِنَفْسِها الجَوابَ عَلى أنَّها مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وأعْظَمَ جَلَّ جَلالُهُ شَأْنَ النُّصْرَةِ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى هاتَيْنِ الضَّعِيفَتَيْنِ إمّا لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ مَكْرِ النِّساءِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ في قَطْعِ حِبالِ طَمَعِهِما لِعِظَمِ مَكانَتِهِما عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ ولِأُمُومَتِهِما لَهم وكَرامَةً لَهُ  ورِعايَةً لِأبَوَيْهِما في أنَّ تَظاهُرَهُما يُجْدِيهِما نَفْعًا.

وقِيلَ: المُرادُ المُبالَغَةُ في تَوْهِينِ أمْرِ تَظاهُرِهِما ودَفْعِ ما عَسى أنْ يَتَوَهَّمَهُ المُنافِقُونَ مِن ضَرَرِهِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ والتَّبْلِيغِ وقَهْرِ أعْداءِ الدِّينِ لِما أنَّ العادَةَ قاضِيَةٌ بِاشْتِغالِ بالِ الرَّجُلِ بِسَبَبِ تَظاهُرِ أزْواجِهِ عَلَيْهِ، وفِيهِ أيْضًا مَزِيدُ إغاظَةٍ لِلْمُنافِقِينَ وحَسْمٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّ تَظاهُرًا عَلَيْهِ لا يَضُرُّ ذَلِكَ في أمْرِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو مَوْلاهُ وناصِرُهُ في أمْرِ دِينِهِ وسائِرِ شُؤُونِهِ عَلى كُلِّ مَن يَتَصَدّى لِما يَكْرَهُهُ ﴿ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ مُظاهِرُونَ لَهُ ومُعِينُونَ إيّاهُ كَذَلِكَ، ويُلائِمُ هَذا تَرْكُ ذِكْرِ المُعانِ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ ظَهِيرٌ لَهُ عَلَيْكُما مَثَلًا، وكَذا تَرْكُ ذِكْرِ المُعانِ فِيهِ وتَخْصِيصُ - صالِحِ المُؤْمِنِينَ - بِالذِّكْرِ، وتَقْوى هَذِهِ المُلاءَمَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ مِن تَفْسِيرِ - صالِحِ المُؤْمِنِينَ - بِمَن بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ يعني: أخفى النبي إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً يعني: كلاماً.

فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ يعني: أخبرت بذلك الخبر حفصة عائشة، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ يعني: أظهر الله قولها لرسوله  ، فدعا رسول الله  حفصة، فأخبرها ببعض ما أخبرت عائشة، ولم يخبرها عن الجميع، فذلك قوله: عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ يعني: سكت عن بعض.

ومن هذا قيل: إن الكريم لا يبالغ في العتاب.

قرأ الكسائي: عَرَّفَ بالتخفيف يعني: جازاها ببعضه، والباقون عَرَّفَ بالتشديد يعني: عرف حفصة.

فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ يعني: لما أخبر النبيّ  بذلك الخبر حفصة، قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا يعني: من أخبرك بهذا.

قالَ نَبَّأَنِيَ يعني: أخبرني الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ.

قوله تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ يعني: عائشة وحفصة، فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما يعني: مالت قلوبكما عن الحق.

وذكر عن الفراء أنه قال: معناه إن لا تتوبا إلى الله، فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما عن الحق، ويقال: فيه مضمر، ومعناه: إن تتوبا إلى الله يقبل الله توبتكما، ويقال معناه إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما يعني: مالت إلى الحق.

وروى الزهري، عن عبد الله بن عباس قال: كنت مع عمر-  - حين حج، فلما كنا في بعض الطريق، نزل في موضع، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان اللتان قال الله تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ؟

فقال عمر-  - وا عجبا لك يا ابن عباس.

قال الزهري: كأنه كره ما سأله عنه، ولم يكتمه.

قال: هي حفصة وعائشة-  ما- ثم قال: كنا معشر قريش قوماً نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فطفقن نساؤنا يتعلمن من نسائهم.

فغضبت يوماً على امرأتي، فإذا هي تراجعني.

فأنكرت أن تراجعني، فقالت ما تنكر أن أراجعك، فو الله إن أزواج النبيّ  لتراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فدخل على حفصة، فذكرت لها، فقالت: نعم.

فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله؟

لا تراجعي رسول الله  ، ولا تسأليه شيئاً، واسأليني ما بدا لك.

قال: كان لي جار من الأنصار يأتيني بخبر الوحي، وأتاه بمثل ذلك.

قال: فأتاني يوماً فناداني، فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم.

فقلت: ماذا؟

قال: طلق النبيّ  نساءه، فقلت: خابت حفصة وخسرت.

فدخلت على حفصة وهي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول الله  ؟

قالت: لا أدري، هو ذا معتزلاً في هذه المشربة.

فأتيته، فدخلت فسلمت عليه، فإذا هو متكئ على رمل حصير.

قد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت نساءك يا رسول الله؟

قال: لا.

فقلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن.

فتبسم رسول الله  ، وكان أقسم أن لا يدخل شهراً عليهن، حتى نزل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إلى قوله تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما.

ثم قال: وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ يعني: تعاونا على أذاه ومعصيته، فيكون مثلكما كمثل امرأة نوح وامرأة لوط، تعملان عملاً تؤذيان بذلك رسول الله  .

قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي تظاهر بالتخفيف، وقرأ نافع وأبو عمرو بالتشديد، وكذلك ابن كثير وابن عامر في إحدى الروايتين، لأن أصله تتظاهر.

فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ يعني: وليه وناصره.

وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ يعني: أبا بكر وعمر وعثمان وعلي وأصحابه-  م- قال: حدثنا الفقيه ابن جعفر قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن حمدان قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا سعيد بن هشام قال: حدثنا هشام بن عبد الملك، عن محمد بن أبان، عن عبد الله بن عثمان، عن عكرمة في قوله: وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ قال أبو بكر، وعمر-  ما- قال عبد الله: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، قال: صدق عكرمة.

ويقال: صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ يعني: خيار أصحابه.

ثم قال: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ يعني: الملائكة أيضاً أنصار النبي  بعد ذلك يعني: مع ذلك أعوان النبيّ  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ومَا بعدَه يحتملُ أنْ يكونَ عَطْفاً على اسمِ اللَّهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ جبريلُ رَفْعاً بالابتداء وما بعده عطف عليه وظَهِيرٌ هُو الخَبَرُ، وخَرّجَ البخاريّ بسنده عن أنس قال: قال عمر:

اجتمع نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم في الغِيرَةِ عليه فقلتُ لَهُنَّ: عسى ربُّه إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يبدله أزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ، فنزلت هذه الآية «١» ، انتهى، وقانِتاتٍ معناه مُطِيعَات، والسائحاتُ قِيل: معناه:

صَائِمَاتٌ، وقيل: معناه: / مُهَاجِرَاتٌ، وقيل: معناه ذَاهِبَاتٌ في طَاعَةِ اللَّهِ، وشُبِّه الصَّائِمُ بالسائِحِ من حيثُ يَنْهَمِلُ السائِحُ وَلا يَنْظُرُ في زادٍ ولاَ مَطْعَمٍ، وكذلك الصائم يُمْسِك عن ذلك، فيستوي هو والسائِح في الامْتِنَاعِ، وشَظَفِ العَيْشِ لِفَقْدِ الطَّعَام.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ...

الآيةُ، قُوا معناه اجْعَلُوا وِقَايَةً بينكم وبينَ النارِ، وقوله: وَأَهْلِيكُمْ معناه بالوَصِيَّةِ لهم والتقويم والحَمْلِ على طاعةِ اللَّه، وفي الحديثِ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَال: يا أهْلاَهُ صَلاَتَكُمْ، صِيَامَكُمْ، [زَكَاتَكُمْ] ، مِسْكِينَكُمْ، يَتِيمَكُمْ» «٢» ت: وفي «العتبية» عن مالكٍ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللَّهَ أذِنَ لي أنْ أتَحَدَّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ، إنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعَاتِقِهِ لَمَخْفِقَ الطَّيْرِ سَبْعِينَ عَاماً» «٣» ، انتهى، وباقي الآية في غَايَةِ الوضوحِ، نَجَانَا اللَّهُ مِنْ عَذَابه بِفَضْلِه، والتوبةُ فَرْضٌ على كلِّ مسلمٍ، وهي الندمُ على فَارِطِ المعصيةِ، والعَزْمُ عَلى تَرْكِ مِثلِها في المستقبل، هذا من المتمكن، وأما غيرُ المتمكِّنِ كالمَجْبُوبِ في الزِّنَا فالندمُ وحدَه يكفيه، والتوبةُ عِبادَةٌ كالصَّلاَةِ، وغيرها، فإذا تَابَ العبدُ وَحَصَلَتْ توبتُه بشروطِها وقبلت، ثم عَاوَدَ الذنبَ فتوبتُه الأولَى لا تفسدُها عَوْدَةٌ بل هي كسَائِرِ مَا تَحَصَّلَ من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ التَّحْرِيمِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ حَفْصَةً ذَهَبَتْ إلى أبِيها تَتَحَدَّثُ عِنْدَهُ، فَأرْسَلَ النَّبِيُّ  إلى جارِيَتِهِ، فَظَلَّتْ مَعَهُ في بَيْتِ حَفْصَةَ، وكانَ اليَوْمَ [الَّذِي] يَأْتِي فِيهِ عائِشَةَ، فَرَجَعَتْ حَفْصَةُ، فَوَجَدَتْها في بَيْتِها، فَجَعَلَتْ تَنْتَظِرُ خُرُوجَها، وغارَتْ غَيْرَةً شَدِيدَةً.

فَلَمّا دَخَلَتْ حَفْصَةُ قالَتْ: قَدْ رَأيْتُ مَن كانَ عِنْدَكَ.

واللَّهِ لَقَدْ سُؤْتَنِي، فَقالَ النَّبِيُّ  : "واللَّهِ لَأُرْضِيَنَّكِ، وإنِّي مُسِرٌّ إلَيْكِ سِرًّا فاحْفَظِيهِ" قالَتْ: وما هُوَ؟

قالَ "إنِّي أُشْهِدُكِ أنَّ سُرِّيَّتِي هَذِهِ عَلَيَّ حَرامٌ رِضًى لَكِ"، وكانَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ مُتَظاهِرَتَيْنِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ  ، فانْطَلَقَتْ حَفْصَةُ إلى عائِشَةَ، فَقالَتْ لَها: أبْشِرِي، إنَّ النَّبِيَّ  قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ فَتاتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمْرٍ نَحْوُ هَذا المَعْنى، وقالَ فِيهِ: «فَقالَتْ حَفْصَةُ: كَيْفَ تُحَرِّمُها عَلَيْكَ، وهي جارِيَتُكَ؟!

فَحَلَفَ لَها أنْ لا يَقْرَبَها، فَقالَ لَها: "لا تَذْكُرِيهِ لِأحَدٍ" فَذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ، فَآلى أنْ لا يَدْخُلَ عَلى نِسائِهِ شَهْرًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» وقالَ الضَّحّاكُ: «قالَ لَها: "لا تَذْكُرِي لِعائِشَةَ ما رَأيْتِ"، فَذَكَرَتْهُ، فَغَضِبَتْ عائِشَةُ، ولَمْ تَزَلْ بِنَبِيِّ اللَّهِ حَتّى حَلَفَ أنْ لا يَقْرَبَها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، ومَسْرُوقٌ، ومُقاتِلٌ، والأكْثَرُونَ.

والثّانِي: ما رَوى عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُحِبُّ الحَلْواءَ والعَسَلَ، وكانَ إذا انْصَرَفَ مِن صَلاةِ العَصْرِ دَخَلَ عَلى نِسائِهِ، فَدَخَلَ عَلى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، واحْتَبَسَ عِنْدَها، فَسَألَتْ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ: أهَدَتْ لَها امْرَأةٌ مِن قَوْمِها عُكَّةً مِن عَسَلٍ، فَسَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَقُلْتُ: أما واللَّهِ لَنَحْتالَنَّ لَهُ، فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ: إنَّهُ سَيَدْنُو مِنكِ إذا دَخَلَ عَلَيْكِ، فَقُولِي لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أكَلْتَ مَغافِيرَ، فَإنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ وسَأقُولُ ذَلِكَ، وقَوْلِي أنْتِ يا صَفِيَّةُ ذَلِكَ، فَلَمّا دارَ إلى حَفْصَةَ قالَتْ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أسْقِيكَ مِنهُ؟

قالَ: لا حاجَةَ لِي فِيهِ، قالَتْ: تَقُولُ: سَوْدَةُ سُبْحانَ اللَّهِ، واللَّهِ لَقَدْ حَرَمْناهُ قُلْتُ لَها: اسْكُتِي،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" .

وفي رِوايَةِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الَّتِي شَرِبَ عِنْدَها العَسَلَ سَوْدَةُ، فَقالَتْ لَهُ عائِشَةُ: إنِّي لَأجِدُ مِنكَ رِيحًا، ثُمَّ دَخَلَ عَلى حَفْصَةَ، فَقالَتْ: إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحًا فَقالَ: " إنِّي أراهُ مِن شَرابٍ شَرِبْتُهُ عِنْدَ سَوْدَةَ، واللَّهِ لا أشْرَبُهُ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وفي حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عائِشَةَ أنَّ الَّتِي شَرِبَ عِنْدَها العَسَلَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَتَواطَأتْ حَفْصَةُ وعائِشَةُ أنْ تَقُولا لَهُ ذَلِكَ القَوْلَ.

قالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَغافِيرُ: شَيْءٌ شَبِيهٌ بِالصَّمْغِ فِيهِ حَلاوَةٌ.

وخَرَجَ النّاسُ يَتَمَغْفَرُونَ: إذا خَرَجُوا يَجْتَنُونَهُ.

ويُقالُ: المَغاثِيرُ بِالثّاءِ، مِثْلُ جَدَثٍ، وجَدَفٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَغافِيرُ: صَمْغٌ مُتَغَيِّرُ الرّائِحَةِ، فَخَرَجَ في المُرادِ بِالَّذِي أحَلَّ اللَّهُ لَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جارِيَتُهُ.

والثّانِي: العَسَلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ ﴾ أيْ: تَطْلُبُ رِضاهُنَّ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ التَّحْرِيمَ.

﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكم ﴿ تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ أيْ: كَفّارَةَ أيْمانِكُمْ، وذَلِكَ البَيانُ في [المائِدَةِ: ٨٩] قالَ المُفَسِّرُونَ: وأصْلُ "تَحِلَّةٍ" تَحْلِلَةٌ عَلى وزْنِ تَفْعِلَةٍ، فَأُدْغِمَتْ، والمَعْنى: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكم تَحْلِيلَ أيْمانِكم بِالكَفّارَةِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ، فَأعْتَقَ رَقَبَةً.

واخْتَلَفُوا هَلْ حَرَّمَ مارِيَّةَ عَلى نَفْسِهِ بِيَمِينٍ، أمْ لا؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: حَرَّمَها مِن غَيْرِ ذِكْرِ يَمِينٍ، فَكانَ التَّحْرِيمُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ حَلَفَ يَمِينًا حَرَّمَها بِها، قالَهُ الحَسَنُ.

والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، ﴿ واللَّهُ مَوْلاكُمْ ﴾ أيْ: ولِيُّكم وناصِرُكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا ﴾ يَعْنِي: حَفْصَةَ مِن غَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ.

وَفِي هَذا السِّرِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قالَ لَها: " إنِّي مُسِرٌّ إلَيْكِ سِرًّا فاحْفَظِيهِ، سُرِّيَّتِي هَذِهِ عَلَيَّ حَرامٌ "، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ لَها: " أبُوكِ، وأبُو عائِشَةَ، والِيا النّاسِ مِن بَعْدِي، فَإيّاكِ أنْ تُخْبِرِي أحَدًا "، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أسَرَّ إلَيْها أنَّ أبا بَكْرٍ خَلِيفَتِي مِن بَعْدِي، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ ﴾ أيْ: أخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ "وَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ" أيْ: أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى قَوْلِهِ حَفْصَةَ لِعائِشَةَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ  غَضَبًا شَدِيدًا، لِأنَّهُ اسْتَكْتَمَ حَفْصَةَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَعاها، فَأخْبَرَها بِبَعْضِ ما قالَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ وفي الَّذِي عَرَّفَها إيّاهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ حَدَّثَها ما حَدَّثَتْها عائِشَةُ مِن شَأْنِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وسَكَتَ عَمّا أخْبَرَتْ عائِشَةَ مِن تَحْرِيمِ مارِيَّةَ، لِأنَّهُ لَمْ يُبالِ ما أظْهَرَتْ مِن ذَلِكَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِي عَرَّفَ: تَحْرِيمُ مارِيَّةَ، والَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ: ذِكْرُ الخِلافَةِ لِئَلّا يَنْتَشِرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

قالَ: ومَعْنى "عَرَّفَ بَعْضَهُ" عَرَّفَ حَفْصَةَ بَعْضَهُ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ، "عَرَفَ" بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قَدْ عَرَفَ كُلَّ ما أسَرَّهُ، غَيْرَ أنَّ المَعْنى جارٍ عَلى بَعْضِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ  ﴾ ، أيْ: يَعْلَمْهُ ويُجازِ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  ﴾ أيْ: يَرَ جَزاءَهُ.

فَقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ  طَلَّقَ حَفْصَةَ تَطْلِيقَةً، فَكانَ ذَلِكَ جَزاءَها عِنْدَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُراجِعَها.

وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لَمْ يُطَلِّقْها، وإنَّما هَمَّ بِطَلاقِها، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: لا تُطَلِّقْها، فَإنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ.

وقالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ "عُرّافُ" بِرَفْعِ العَيْنِ، وتَشْدِيدِ الرّاءِ وبِألِفٍ "بَعْضِهِ" بِالخَفْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ ﴾ أيْ: أخْبَرَ حَفْصَةَ بِإفْشائِها السِّرَّ ﴿ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا ﴾ أيْ: مَن أخْبَرَكَ بِأنِّي أفْشَيْتُ سِرَّكَ؟

﴿ قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ ﴾ ثُمَّ خاطَبَ عائِشَةَ وحَفْصَةَ، فَقالَ: ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: مِنَ التَّعاوُنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  بِالإيذاءِ ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زاغَتْ، وأثِمَتْ.

قالَ الزَّجّاجُ: عَدَلَتْ، وزاغَتْ عَنِ الحَقِّ.

قالَ مُجاهِدٌ: كُنّا نَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ شَيْئًا هَيِّنًا حَتّى وجَدْناهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَقَدْ زاغَتْ قُلُوبُكُما.

وإنَّما جَعَلَ القَلْبَيْنِ جَماعَةً لِأنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ فَما فَوْقَهُما جَماعَةٌ.

وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ  ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ  ﴾ .

قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ أنَّهُما أحَبّا ما كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ  مِنِ اجْتِنابِ جارِيَتِهِ، "وَإنْ تَظاهَرا" وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ "تَظاهَرا" بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، أيْ: تَعاوَنا عَلى النَّبِيِّ  بِالإيذاءِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ ﴾ أيْ: ولِيُّهُ في العَوْنِ، والنُّصْرَةِ ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾ ولِيُّهُ ﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ وفي المُرادِ بِصالِحِ المُؤْمِنِينَ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أبُو بَكْرٍ، رَواهُ مَكْحُولٌ عَنْ أبِي أُمامَةَ.

والثّالِثُ: عُمَرُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: خِيارُ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والخامِسُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ، والعَلاءُ بْنُ زِيادٍ العَدَوِيُّ، وسُفْيانُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قالَهُ الفَرّاءُ: ﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ مُوَحَّدٌ في مَذْهَبِ جَمِيعٍ، كَما تَقُولُ: لا يَأْتِينِي إلّا سائِسُ الحَرْبِ، فَمَن كانَ ذا ساسَةٍ لِلْحَرْبِ، فَقَدْ أُمِرَ بِالمَجِيءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ  ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ  ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا  ﴾ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ يُؤَدِّي مَعْنى الواحِدِ عَنِ الجَمِيعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ أيْ: ظَهْرًا، وهَذا مِمّا لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناهُ الجَمِيعُ، ومِثْلُهُ ﴿ يُخْرِجُكم طِفْلا  ﴾ ، وقَدْ شَرَحْناهُ هُناكَ.

ثُمَّ خَوَّفَ نِساءَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ وسَبَبُ نُزُولِها ما رَوى أنَسٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: بَلَغَنِي بَعْضُ ما آذى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ نِساؤُهُ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِنَّ، فَجَعَلْتُ أسْتَقْرِئُهُنَّ واحِدَةً واحِدَةً، فَقُلْتُ: واللَّهِ لَتَنْتَهِنَّ، أوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والمَعْنى: واجِبٌ مِنَ اللَّهِ ﴿ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ رَسُولُهُ ﴿ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ ﴾ أيْ: خاضِعاتٍ لِلَّهِ بِالطّاعَةِ ﴿ مُؤْمِناتٍ ﴾ مُصَدِّقاتٍ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ قانِتاتٍ ﴾ أيْ: طائِعاتٍ ﴿ سائِحاتٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: صائِماتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ السّائِحُونَ  ﴾ .

والثّانِي: مُهاجِراتٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ.

"والثَّيِّباتُ" جَمْعُ ثَيِّبٍ، وهي المَرْأةُ الَّتِي قَدْ تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ ثابَتْ إلى بَيْتِ أبَوَيْها، فَعادَتْ كَما كانَتْ غَيْرَ ذاتِ زَوْجٍ.

"والأبْكارُ": العَذارى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللهِ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا ﴾ المُخاطَبَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللهِ ﴾ هي لِحَفْصَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ: مَنِ اللَتانِ تَظاهَرَتا عَلى رَسُولِ اللهِ  ؟

قالَ: حَفْصَةُ وعائِشَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ مَعْناهُ: مالَتْ عَنِ المَعْدَلَةِ والصَوابِ، والصَغا: المَيْلُ، ومِنهُ صاغِيَةُ الرَجُلِ، وهم حَواشِيهِ الَّذِينَ يَمِيلُونَ إلَيْهِ، ومِنهُ: أصْغى إلَيْهِ بِسَمْعِهِ، وأصْغى الإناءُ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَقَدْ زاغَتْ قُلُوبُكُما"، والزَيْغُ: المَيْلُ، وعُرْفُهُ في خِلافِ الحَقِّ، قالَ مُجاهِدٌ: كَما نَرى "صُغْتُ" شَيْئًا هَيِّنًا حَتّى سَمِعْنا قِراءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ: "زاغَتْ"، وجَمْعُ القُلُوبِ مِن حَيْثُ الِاثْنانِ جَمْعٌ ومِن حَيْثُ لا لَبْسَ في اللَفْظِ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ: ...............

ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهُورِ التُرْسَيْنِ وَمَعْنى الآيَةِ: إنْ تُبْتُما فَقَدْ كانَ مِنكُما ما يَنْبَغِي أنْ يُتابَ مِنهُ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي هو لِلشَّرْطِ هو مُتَقَدِّمٌ في المَعْنى، وإنَّما تَرَتَّبَ جَوابًا في اللَفْظِ، و"إنْ تَظاهَرا" مَعْناهُ: تَتَعاوَنا، فَأُدْغِمَتِ التاءُ في الظاءِ بَعْدَ البَدَلِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ بِتاءَيْنِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وطَلْحَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: بِتَخْفِيفِ الظاءِ عَلى حَذْفِ التاءِ الواحِدَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قَرَأ بِتَشْدِيدِ الظاءِ والهاءِ دُونَ ألِفٍ، و"المَوْلى": الناصِرُ والمُعِينُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ: "هُوَ"، فَيَكُونُ ﴿ وَجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ في الوِلايَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "جِبْرِيلُ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلَيْهِ و"ظَهِيرٌ" الخَبَرُ، فَيَكُونُونَ حِينَئِذٍ مِنَ الظَهْرِ لا في الوِلايَةِ، ويَخْتَصُّ بِأنَّهُ مَوْلى اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

واخْتَلَفَ الناسُ في "صالِحُ المُؤْمِنِينَ"، فَقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ: ذَلِكَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ صالِحٍ، وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: المُرادُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ  ، وقالَ مُجاهِدٌ نَحْوَهُ، وقالَ أيْضًا: وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "صالِحُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ "» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، وقالَ قَتادَةُ، والعَلاءُ بْنُ زِيادٍ، وغَيْرُهُما: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ بِأنْ تَكُونَ مُظاهَرَتُهم بِأنَّهم قُدْوَةٌ وأُسْوَةٌ، فَهم عَوْنٌ بِهَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ مُفْرَدًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "وَصالِحُوا" فَحُذِفَتِ الواوُ في خَطِّ المُصْحَفِ كَما حَذَفُوها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ  ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ويُرْوى عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ لِلنَّبِيِّ  : يا رَسُولَ اللهِ، لا تَكْتَرِثْ بِأمْرِ نِسائِكَ، واللهُ مَعَكَ وجِبْرِيلُ مَعَكَ وأبُو بَكْرٍ مَعَكَ، وأنا مَعَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُوافِقَةً نَحْوًا مِن قَوْلِ عُمَرَ.» قالَ المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى لِسانِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذا رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ لِزَوْجاتِ النَبِيِّ  : "عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: قالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ: "يا ابْنَ الخَطّابِ أدْخَلْتَ نَفْسَكَ في كُلِّ شَيْءٍ حَتّى دَخَلْتَ بَيْنَ الرَسُولِ  وبَيْنَ نِسائِهِ"، فَأخَذْتَنِي أخْذًا كَسَرْتَنِي بِهِ، وقالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: يا عُمَرُ: أما يَقْدِرُ رَسُولُ اللهِ  أنْ يَعِظَ نِساءَهُ حَتّى تَعِظَهُنَّ أنْتَ؟

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "طَلَّقَكُنَّ" بِفَتْحِ القافِ وإظْهارِهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عنهُ- بِإدْغامِها في الكافِ وشَدِّها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وإدْغامُ القافِ في الكافِ حَسَنٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكُوفِيُّونَ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أنْ يُبْدِلَهُ" بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "أنْ يُبَدِّلَهُ" بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ الدالِ، وهَذِهِ لُغَةُ القُرْآنِ في هَذا الفِعْلِ.

وكَرَّرَ اللهُ تَعالى الصِفاتِ مُبالَغَةً وإنْ كانَ بَعْضُها يَتَضَمَّنُ بَعْضًا، فالإسْلامُ إشارَةٌ إلى التَصْدِيقِ والعَمَلِ، والإيمانُ تَخْصِيصٌ وتَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ وقْعِهِ، و"قانِتاتٍ" مَعْناهُ: مُطِيعاتٍ، و"السائِحاتُ" قِيلَ: مَعْناهُ صائِماتٌ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ والضَحّاكُ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ النَبِيَّ  قالَهُ: وقِيلَ: مَعْناهُ: مُهاجِراتٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ في الإسْلامِ سِياحَةً إلّا الهِجْرَةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ذاهِباتٌ في طاعَةِ اللهِ، وشَبَّهَ الصائِمُ بِالسائِحِ مِن حَيْثُ يَنْهَمِكُ السائِحُ ولا يَنْظُرُ في زادٍ ولا مَطْعَمٍ، وكَذَلِكَ الصائِمُ يُمْسِكُ عن ذَلِكَ فَيَسْتَوِي هو والسائِحُ في الِامْتِناعِ وشَظَفِ العَيْشِ لِفَقْدِ الطَعامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ثَيِّباتٍ وأبْكارًا" تَقْسِيمٌ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الصِفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الواوُ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيها: واوُ الثَمانِيَةِ؛ لِأنَّها هُنا ضَرُورِيَّةٌ ولَوْ سَقَطَتْ لاخْتَلَّ المَعْنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

التفات من ذكر القصتين إلى موعظة من تعلقت بهما فهو استئناف خطاب وجهه الله إلى حفصة وعائشة لأن إنباء النبي صلى الله عليه وسلم بعلمه بما أفشته القصد منه الموعظة والتحذير والإِرشاد إلى رأْب ما انثلم من واجبها نحو زوجها.

وإذ قد كان ذلك إثماً لأنه إضاعة لحقوق الزوج وخاصة بإفشاء سرّه ذكَّرها بواجب التوبة منه.

وخطاب التّثنية عائدة إلى المنبئة والمنأبة فأمّا المنبئة فمعادها مذكور في الكلام بقوله: ﴿ إلى بعض أزواجه ﴾ [التحريم: 3].

وأما المنبَّأة فمعادها ضمنيّ لأن فعل ﴿ نبأت ﴾ [التحريم: 3] يقتضيه فأما المنبَّئة فأمرها بالتوبة ظاهر.

وأما المُذاع إليها فلأنها شريكة لها في تلقي الخبر السر ولأن المذيعة ما أذاعت به إليها إلا لعلمها بأنها ترغب في تطلع مثل ذلك فهاتان موعظتان لمذيع السرّ ومشاركة المذاع إليه في ذلك وكان عليها أن تنهاها عن ذلك أو أن تخبر زوجها بما أذاعته عنه ضرتها.

و ﴿ صَغت ﴾ : مالت، أي مالت إلى الخير وحق المعاشرة مع الزوج، ومنه سمي سماع الكلام إصغاء لأن المستمع يُميل سمعه إلى من يكلمه، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ في سورة [الأنعام: 113].

وفيه إيماء إلى أن فيما فعَلَتَاه انحرافاً عن أدب المعاشرة الذي أمر الله به وأن عليهما أن تتوبا مما صنعتاه ليقع بذلك صلاح ما فسد من قلوبهما.

وهذان الأدَبَان الثامن والتاسع من الآداب التي اشتملت عليها هذه الآيات.

والتوبة: الندم على الذنب، والعزم على عدم العودة إليه وسيأتي الكلام عليها في هذه السورة.

وإذْ كان المخاطب مثنَّى كانت صيغة الجمع في (قلوب) مستعملة في الاثنين طلباً لخفة اللفظ عند إضافته إلى ضمير المثنى كراهية اجتماع مثنيين فإن صيغة التثنية ثقيلة لقلة دورانها في الكلام.

فلما أُمن اللبس ساغ التعبير بصيغة الجمع عن التثنية.

وهذا استعمال للعرب غير جار على القياس.

وذلك في كل اسم مثنى أضيف إلى اسم مثنى فإن المضاف يصير جمعاً كما في هذه الآية وقول خطام المجُاشعي: ومَهمهين قَذَفين مَرْتَيْنْ *** ظهراهما مثلُ ظُهور التُرسين وأكثر استعمال العرب وأفصحه في ذلك أن يعبروا بلفظ الجمع مضافاً إلى اسم المثنى لأن صيغة الجمع قد تطلق على الاثنين في الكلام فهما يتعاوران.

ويقلّ أن يؤتى بلفظ المفرد مضافاً إلى الاسم المثنى.

وقال ابن عصفور: هو مقصور على السماع.

وذكر له أبو حيّان شاهداً قول الشاعر: حمامةَ بطننِ الواديين ترنّمي *** سقاك من الغُرّ الغوادي مطيرها وفي التسهيل}: ترجيح التعبير عن المثنى المضاففِ إلى مثنى باسممٍ مفرد، على التعبير عنه بلفظ المثنى.

وقال أبو حيّان في «البحر المحيط»: إن ابن مالك غلط في ذلك.

قلت: وزعم الجاحظ في كتاب «البيان والتبيين»، أن قول القائل: اشترِ رأسَ كبشين يريد رأسَيْ كبشين خطأ.

قال: لأن ذلك لا يكون اه.

وذلك يؤيد قول ابن عصفور بأن التعبير عن المضاففِ المثنى بلفظ الإِفراد مقصور على السماع، أي فلا يصار إليه.

وقيّد الزمخشري في «المفصل» هذا التعبير بقيد أن لا يكون اللفظان متصلين.

فقال: «ويُجعل الاثنان على لفظ جمع إذا كانا متصلين كقوله: ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ ولم يقولوا في المنفصلين: أفراسهما ولا غلمانهما.

وقد جاء وضَعا رحالهما».

فخالف إطلاق ابن مالك في «التسهيل» وطريقة صاحب «المفصل» أظهر.

وقوله: ﴿ وإن تظّاهرا عليه ﴾ هو ضد ﴿ إن تتوبا ﴾ أي وإن تصرّا على العود إلى تألبكما عليه فإن الله مولاه الخ.

والمظاهرة: التعاون، يقال: ظاهره، أي أيده وأعانه.

قال تعالى: ﴿ ولم يظاهروا عليكم أحداً ﴾ في سورة [براءة: 4].

ولعلّ أفعال المظاهر ووصف ظهير كلها مشتقة من الاسم الجامد، وهو الظَّهر لأن المعين والمؤيد كأنه يشد ظَهر من يعينه ولذلك لم يسمع لهذه الأفعال الفرعية والأوصاف المتفرعة عنها فعل مجرد.

وقريب من هذا فعل عَضَد لأنهم قالوا: شَد عضده.

وأصل تظّاهرا } تتظاهرا فقلبت التاء ظاء لقرب مخرجيها وأدغمت في ظاء الكلمة وهي قراءة الجمهور.

وقرأه عاصم وحمزة والكسائي ﴿ تَظَاهرا ﴾ بتخفيف الظاء على حذف إحدى التاءين للتخفيف.

﴿ وصالحُ ﴾ مفرد أريد به معنى الفريق الصالح أو الجنس الصالح من المؤمنين كقوله تعالى: ﴿ فمنهم مهتد ﴾ [الحديد: 26].

والمراد ب ﴿ صالح المؤمنين ﴾ المؤمنون الخالصون من النفاق والتردد.

وجملة ﴿ فإن الله هو مولاه ﴾ قائمة من مقام جواب الشرط معنى لأنها تفيد معنى يتولّى جزاءكما على المظاهرة عليه، لأن الله مولاه.

وفي هذا الحذف مجال تذهب فيه نفس السامع كل مذهب من التهويل.

وضمير الفصل في قوله: ﴿ هو مولاه ﴾ يفيد القصر على تقدير حصول الشرط، أي إن تظاهرتما متناصرتين عليه فإن الله هو ناصره لا أنتما، أي وبطل نصركما الذي هو واجبكما إذْ أخللتما به على هذا التقدير.

وفي هذا تعريف بأن الله ناصر رسولَه صلى الله عليه وسلم لئلا يقع أحد من بعد في محاولة التقصير من نصره.

فهذا المعنى العاشر من معاني الموعظة والتأديب التي في هذه الآيات.

وعطفُ ﴿ وجبريل وصالح المؤمنين ﴾ في هذا المعنى تنويه بشأن رسول الوحي من الملائكة وشأن المؤمنين الصالحين.

وفيه تعريض بأنهما تكونان (على تقدير حصول هذا الشرط) من غير الصالحين.

وهذان التنويهان هما المعنيان الحادي عشر والثاني عشر من المعاني التي سبقت إشارتي إليها.

وقوله: ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهير ﴾ عطف جملةٍ على التي قبلها، والمقصود منه تعظيم هذا النصر بوفرة الناصرين تنويهاً بمحبة أهل السماء للنبيء صلى الله عليه وسلم وحسننِ ذكره بينهم فإن ذلك مما يزيد نصر الله إياه شأناً.

وفي الحديث «إذا أحب الله عبداً نادى جبريل إني قد أحببت فلاناً فأحِبَّه فيحبُّه جبريل ثم ينادي جبريلُ في أهل السماء إن الله قد أحب فلاناً فأحِبُّوه فيحبُّه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض».

فالمراد بأهل الأرض فيه المؤمنون الصالحون منهم لأن الذي يحبه الله يحبّه لصلاحه والصالح لا يحبّه أهل الفساد والضلال.

فهذه الآية تفسيرها ذلك الحديث.

وهذا المعنى الثالث عشر من معاني التعليم التي حوتها الآيات.

وقوله: ﴿ بعد ذلك ﴾ اسم الإِشارة فيه للمذكور، أي بعد نصر الله وجبريل وصالح المؤمنين.

وكلمة ﴿ بعد ﴾ هنا بمعنى (مع) فالبَعدية هنا بَعدية في الذّكر كقوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ [القلم: 13].

وفائدة ذكر الملائكة بعد ذكر تأييد الله وجبريل وصالح والمؤمنين أن المذكورين قبلهم ظاهره آثار تأييدهم بوحي الله للنبي صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل ونصره إياه بواسطة المؤمنين فنبه الله المرأتين على تأييد آخر غيرِ ظاهرة آثاره وهو تأييد الملائكة بالنصر في يوم بدر وغير النصر من الاستغفار في السماوات، فلا يتوهم أحد أن هذا يقتضي تفضيل نصرة الملائكة على نصرة جبريل بَلْه نصرة الله تعالى.

و ﴿ ظهير ﴾ وصف بمعنى المظاهر، أي المؤيد وهو مشتقّ من الظهر، فهو فعيل بمعنى مفاعل مثل حكيم بمعنى محكم كما تقدم آنفاً في قوله: ﴿ وإن تظاهرا عليه ﴾ ، وفعيل الذي ليس بمعنى مفعول أصله أن يطابق موصوفه في الإِيراد وغيره فإن كان هنا خبراً عن الملائكة كما هو الظاهر كان إفراده على تأويل جمع الملائكة بمعنى الفَوج المظاهر أو هو من إجراء فعيل الذي بمعنى فاعل مجرى فعيل بمعنى مفعول.

كقوله تعالى: ﴿ إن رحمة الله قريب من المحسنين ﴾ [الأعراف: 56]، وقوله: ﴿ وكان الكافر على ربه ظهيراً ﴾ [الفرقان: 55] وقوله: ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ [النساء: 69]، وإن كان خبراً عن جبريل كان ﴿ صالح المؤمنين والملائكة ﴾ عطفاً على جبريل وكان قولُه ﴿ بعد ذلك ﴾ حالاً من الملائكة.

وفي الجمع بين ﴿ أظهره الله عليه ﴾ [التحريم: 3] وبين ﴿ وإن تظاهرا عليه ﴾ وبين ﴿ ظهير ﴾ تجنيسات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ التَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ المَرْأةَ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ  فَلَمْ يَقْبَلْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عَسَلٌ شَرِبَهُ النَّبِيُّ  عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، واخْتُلِفَ فِيها فَرَوى عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ حَفْصَةَ ورَوى ابْنُ أبِي مَلِيكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ سَوْدَةَ.

وَرَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقالَ يَعْنِي نِساؤُهُ عَدا مَن شَرِبَ ذَلِكَ عِنْدَها: إنّا لِنَجِدُ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ، وكانَ يَكْرَهُ أنْ يُوجَدَ مِنهُ الرِّيحُ، وقُلْنَ لَهُ: جَرَسْتَ نَحْلَةَ العُرْفُطِ، فَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن ذَكَرْنا.

الثّالِثُ: أنَّها مارِيَةُ أُمُّ إبْراهِيمَ خَلا بِها رَسُولُ اللَّهِ  في بَيْتِ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ وقَدْ خَرَجَتْ لِزِيارَةِ أبِيها، فَلَمّا عادَتْ وعَلِمَتْ عَتَبَتْ عَلى النَّبِيِّ  فَحَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ أرِضاءً لِحَفْصَةَ، وأمَرَها أنْ لا تُخْبِرَ أحَدًا مِن نِسائِهِ، فَأخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ لِمُصافاةٍ كانَتْ بَيْنَهُما وكانَتْ تَتَظاهَرانِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ  أيْ تَتَعاوَنانِ، فَحَرَّمَ مارِيَةَ وطَلَّقَ حَفْصَةَ واعْتَزَلَ سائِرَ نِسائِهِ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، وكانَ جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يُحَرِّمَهُنَّ شَهْرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَراجَعَ حَفْصَةَ واسْتَحَلَّ مارِيَةَ وعادَ إلى سائِرِ نِسائِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ والكَلْبِيُّ وهو ناقِلُ السِّيرَةِ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا، هَلْ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ بِيَمِينٍ آلى بِها أمْ لا، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَلَفَ يَمِينًا حَرَّمَها بِها، فَعُوتِبَ في التَّحْرِيمِ وأُمِرَ بِالكَفّارَةِ في اليَمِينِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ يَمِينٍ، فَكانَ التَّحْرِيمُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمُ المَخْرَجَ مِن أيْمانِكم.

الثّانِي: قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ لَكُمُ الكَفّارَةَ في الحِنْثِ في أيْمانِكم.

﴿ وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أسَرَّ إلى حَفْصَةَ تَحْرِيمَ ما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَلَمّا ذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ وأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ عَرَّفَها بَعْضَ ما ذَكَرَتْ، وأعْرَضَ عَنْ بَعْضِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أسَرَّ إلَيْها تَحْرِيمَ مارِيَةَ، وقالَ لَها: اكْتُمِيهِ عَنْ عائِشَةَ وكانَ يَوْمَها مِنهُ، وأُسِرُّكِ أنَّ أبا بَكْرٍ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِي، وعُمَرَ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِهِ، فَذَكَرَتْها لِعائِشَةَ، فَلَمّا أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ فَكانَ الَّذِي عَرَّفَ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّحْرِيمِ، وكانَ الَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ ما ذَكَرَهُ مِنَ الخِلافَةِ لِئَلّا يَنْتَشِرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَقَرَأ الحَسَنُ: (عَرَفَ بَعْضَهُ) بِالتَّخَفُّفِ، وقالَ الفَرّاءُ: وتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: عَرَفَ بَعْضَهُ بِالتَّخْفِيفِ أيْ غَضِبَ مِنهُ وجازى عَلَيْهِ، ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ اللَّتَيْنِ تَظاهَرَتا وتَعاوَنَتا مِن نِساءِ النَّبِيِّ  عَلى سائِرِهِنَّ وهُما عائِشَةُ وحَفْصَةُ.

وَفي (صَغَتْ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي زاغَتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: مالَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ تُصْغِي القُلُوبُ إلى أغَرَّ مُبارَكٍ مِن نَسْلِ عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ والثّالِثُ: أثِمَتْ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.

وَفِيما أُوخِذَتا بِالتَّوْبَةِ مِنهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الإذاعَةِ والمُظاهَرَةِ.

الثّانِي: مِن سُرُورِهِما بِما ذَكَرَهُ النَّبِيُّ  مِنَ التَّحْرِيمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ ﴾ يِعْنِي تَعاوُنًا عَلى مَعْصِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ  .

﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ أيْضًا.

﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ وسُفْيانُ.

الثّانِي: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ: لِأنَّهُما كانا أبَوَيْ عائِشَةَ وحَفْصَةَ وقَدْ كانا عَوْنًا لَهُ عَلَيْهِما.

الثّالِثُ: أنَّهُ عَلِيٌّ.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ أصْحابُ النَّبِيِّ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ صالِحَ المُؤْمِنِينَ مَن وقى دِينَهُ بِدُنْياهُ.

﴿ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ يَعْنِي أعْوانًا لِلنَّبِيِّ  ، ويَحْتَمِلُ تَحْقِيقُ تَأْوِيلِهِ وجْهًا ثانِيًا: أنَّهُمُ المُسْتَظْهَرُ بِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ.

﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ ﴾ أمّا نِساؤُهُ فَخَيْرُ نِساءِ الأُمَّةِ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ خَيْرًا مِنكُنَّ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أطْوَعَ مِنكُنَّ.

والثّانِي: أحَبَّ إلَيْهِ مِنكُنَّ.

والثّالِثُ: خَيْرًا مِنكُنَّ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ مُسْلِماتٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُخْلِصاتٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ونَرى ألّا يَسْتَبِيحَ الرَّسُولُ إلّا مُسْلِمَةً.

الثّانِي: يُقِمْنَ الصَّلاةَ ويُؤْتِينَ الزَّكاةَ كَثِيرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ مُسَلِّماتٌ لِأمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.

﴿ مُؤْمِناتٍ ﴾ يَعْنِي مُصَدِّقاتٍ بِما أُمِرْنَ بِهِ ونُهِينَ عَنْهُ.

﴿ قانِتاتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُطِيعاتٌ.

الثّانِي: راجِعاتٌ عَمّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ إلى ما يُحِبُّهُ.

﴿ تائِباتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: راجِعاتٌ لِأمْرِ الرَّسُولِ تارِكاتٌ لِمَحابِّ أنْفُسِهِنَّ.

﴿ عابِداتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عابِداتٌ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مُتَذَلِّلاتٌ لِلرَّسُولِ بِالطّاعَةِ، ومِنهُ أُخِذَ اسْمُ العَبْدِ لِتَذَلُّلِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ سائِحاتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صائِماتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّي الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّهُ كالسّائِحِ في السَّفَرِ بِغَيْرِ زادٍ.

وَقالَ الزُّهْرِيُّ: قِيلَ لِلصّائِمِ سائِحٌ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَسِيحُ في الأرْضِ مُتَعَبِّدًا لا زادَ مَعَهُ كانَ مُمْسِكًا عَنِ الأكْلِ، والصّائِمُ يُمْسِكُ عَنِ الأكْلِ، فَلِهَذِهِ المُشابَهَةِ سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا، وإنَّ أصْلَ السِّياحَةِ الِاسْتِمْرارُ عَلى الذَّهابِ في الأرْضِ كالماءِ الَّذِي يَسِيحُ، والصّائِمُ مُسْتَمِرٌّ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المُشْتَهى، وهو الأكْلُ والشُّرْبُ والوِقاعُ.

وَعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الإنْسانَ إذا امْتَنَعَ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وسَدَّ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ الشَّهَواتِ انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ أبْوابُ الحِكَمِ وتَجَلَّتْ لَهُ أنْوارُ المُتَنَقِّلِينَ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ ومِن دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ فَتَحْصُلُ لَهُ سِياحَةٌ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ.

الثّانِي: مُهاجِراتٌ لِأنَّهُنَّ بِسَفَرِ الهِجْرَةِ سائِحاتٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

﴿ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا ﴾ أمّا الثَّيِّبُ فَإنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها راجِعَةٌ إلى زَوْجِها إنْ أقامَ مَعَها، أوْ إلى غَيْرِهِ إنْ فارَقَها، وقِيلَ لِأنَّها ثابَتْ إلى بَيْتِ أبَوَيْها، وهَذا أصَحُّ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ثَيِّبٍ تَعُودُ إلى زَوْجٍ.

وَأمّا البِكْرُ فَهي العَذْراءُ سُمِّيَتْ بِكْرًا لِأنَّها عَلى أوَّلِ حالَتِها الَّتِي خُلِقَتْ بِها.

قالَ الكَلْبِيُّ: أرادَ بِالثَّيِّبِ مِثْلَ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والبِكْرِ مِثْلَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ.

رَوى خِداشٌ عَنْ حَمِيدٍ عَنْ أنَسٍ «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقامَ إبْراهِيمَ مُصَلّى، وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ يَدْخُلُ إلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ فَلَوْ حَجَبْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ، وبَلَغَنِي عَنْ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ شَيْءٌ [فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ]: لَتَكُفُّنَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ حَتّى دَخَلْتُ عَلى إحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَتْ: يا عُمَرُ أما في رَسُولِ اللَّهِ ما يَعِظُ نِساءَهُ حَتّى تَعِظَهُنَّ أنْتَ، فَأمْسَكْتُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ الآيَةَ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والبخاري وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: في الحرام يكفر، وقال: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ [ الأحزاب: 21] .

وأخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: جعلت امرأتي عليَّ حراماً فقال: كذبت ليست عليك بحرام، ثم تلا ﴿ لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ قال: عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة.

وأخرج الحارث بن أبي أسامة عن عائشة قالت: لما حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح، فأنزل الله: ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ فأحل يمينه وأنفق عليه.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه من طريق علي عن ابن عباس ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ قال: أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا حرموا شيئاً مما أحل الله لهم أن يكفروا أيمانهم بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، وليس يدخل في ذلك الطلاق.

وأخرج عبد بن حميد عن ميمون بن مهران رضي الله عنه في قوله: ﴿ تحلة أيمانكم ﴾ قال: يقول قد أحللت لك ما ملكت يمينك، فلم تحرم ذلك وقد فرضت لك تحلة اليمين تكفر بها يمينك؟

كل ذلك في هذا.

أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً ﴾ قال: «دخلت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها وهو يطأ مارية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تخبري عائشة حتى أبشرك بشارة فإن أباك يلي الأمر بعد أبي بكر إذا أنا مت، فذهبت حفصة فأخبرت عائشة فقالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: من أنبأك هذا؟

قال: نبأني العليم الخبير، فقالت عائشة: لا أنظر إليك حتى تحرم مارية، فحرمها، فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ﴾ » .

وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن عائشة في قوله: ﴿ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً ﴾ قال: أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي.

وأخرج ابن عدي وأبو نعيم في فضائل الصحابة والعشاري في فضائل الصديق وابن مردويه وابن عساكر من طرق عن علي وابن عباس قالا: والله إن إمارة أبي بكر وعمر لفي الكتاب ﴿ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً ﴾ قال لحفصة: «أبوك وأبو عائشة واليا الناس بعدي فإياك أن تخبري أحداً» .

وأخرج ابن عساكر عن ميمون بن مهران في قوله: ﴿ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً ﴾ قال: أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي.

وأخرج ابن عساكر عن حبيب بن أبي ثابت ﴿ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً ﴾ قال: أخبر عائشة أن أباها الخليفة من بعده، وأن أبا حفصة الخليفة من بعد أبيها.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم جارية له في يوم عائشة، وكانت حفصة وعائشة متحابتين، فأطلعت حفصة على ذلك، فقال لها: لا تخبري عائشة بما كان مني، وقد حرمتها عليَّ فأفشت حفصة سر النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ﴾ الآيات» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً ﴾ قال: أسر إلى عائشة في أمر الخلافة بعده، فحدثت به حفصة.

وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة عن الضحاك ﴿ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً ﴾ قال: أسر إلى حفصة بنت عمر أن الخليفة من بعده أبو بكر، ومن بعد أبي بكر عمر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ عرف بعضه وأعرض عن بعض ﴾ قال: الذي عرف أمر مارية ﴿ وأعرض عن بعض ﴾ قوله: «إن أباك وأباها يليان الناس بعدي» مخافة أن يفشو.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مثله.

وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: ما استقصى كريم قط لأن الله تعالى يقول: ﴿ عرف بعضه وأعرض عن بعض ﴾ .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء الخرساني قال: ما استقصى حليم قط، ألم تسمع إلى قوله: ﴿ عرف بعضه وأعرض عن بعض ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه ﴾ .

أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ قال: مالت وأثمت.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ صغت ﴾ قال: مالت.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ صغت ﴾ قال: مالت.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: كنا نرى أن ﴿ صغت قلوبكما ﴾ شيء هين حتى سمعناه بقراءة عبدالله أن تتوبا إلى الله ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وأحمد والعدني وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن حبان وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم أزل حريصاً أن أسأل عمر رضي الله عنه عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى: ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴾ حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه، بالإِداوة فتبرز ثم أتى فصببت على يديه فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله: ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴾ فقال: واعجباً لك يا ابن عباس هما عائشة وحفصة، ثم أنشأ يحدثني الحديث، فقال: كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فغضبت على امرأتي يوماً فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر من ذلك؟

فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، قلت: قد خابت من فعلت ذلك منهن وخسرت، قال: وكان منزلي بالعوالي، وكان لي جار من الأنصار كنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينزل يوماً فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وأنزل يوماً فآتيه بمثل ذلك.

قال: وكنا نحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا، فجاء يوماً فضرب على الباب فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم، فقلت: أجاءت غسان؟

قال: أعظم من ذلك، طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، قلت في نفسي: قد خابت حفصة وخسرت قد كنت أرى ذلك كائناً، فلما صلينا الصبح شددت عليَّ ثيابي، ثم انطلقت حت دخلت على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قالت: لا أدري هوذا معتزل في المشربة.

فانطلقت فأتيت غلاماً أسوداً فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إليَّ فقال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئاً، فانطلقت إلى المسجد، فإذا حول المسجد نفر يبكون، فجلست إليهم، ثم غلبني ما أجد، فانطلقت فأتيت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج، فقال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئاً، فوليت منطلقاً فإذا الغلام يدعوني، فقال: أدخل فقد أذن لك فدخلت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم متكئ على حصير قد رأيت أثره في جنبه، فقلت: يا رسول الله أطلقت نساءك؟

قال: لا قلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فغضبت يوماً على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت ذلك فقالت: ما تنكر فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فقلت: قد خابت من فعل ذلك منهن، فدخلت على حفصة، فقلت: أتراجع إحداكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتهجره اليوم إلى الليل؟

قالت: نعم، فقلت: قد خابت من فعلت ذلك منكن وخسرت، أتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم؟

فإذا هي قد هلكت، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لحفصة: لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه شيئاً وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك إن كانت جارتك أوسم منك وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبسم أخرى، فقلت يا رسول الله: استأنس قال: نعم.

فرفعت رأسي فما رأيت في البيت إلا أهبة ثلاثة فقلت: يا رسول الله أدع الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالساً وقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب أولئك قوم قد عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، وكان قد أقسم أن لا يدخل على نسائه شهراً فعاتبه الله في ذلك، وجعل له كفارة اليمين.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم فجعل الحرام حلالاً وجعل في اليمين كفارة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم، فأما الحرام فأحله الله له، وأما الإِيلاء فأمره بكفارة اليمين.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وإن تظاهرا عليه ﴾ خفيفة ﴿ عسى ربه إن طلقكن أن يبدله ﴾ خفيفة مرفوعة الياء ﴿ سائحات ﴾ خفيفة الألف.

وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: «لما اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب، فقلت: لأعلمن ذلك اليوم، فدخلت على عائشة فقلت يا بنت أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قالت: ما لي ولك يا ابن الخطاب.

فدخلت على حفصة فقلت لها يا حفصة، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله، فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قالت: هو في خزانته في المشربة.

فدخلت، فإذا أنا برباح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً على أسكفة المشربة مدلياً رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر، فناديت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إليّ فلم يقل شيئاً.

فقلت يا رباح: استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغُرفة ثم نظر إليّ فلم يقل شيئاً، ثم رفعت صوتي، فقلت: يا رباح.

استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربن عنقها، ورفعت صوتي فأومأ إليّ بيده أن ارقه، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير فجلست فإذا عليه إزار ليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، ونظرت في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها من قرظ في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلق فابتدرت عيناي، فقال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟

فقلت يا نبي الله: وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى؟

وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله وصفوته وهذه خزانتك.، قال: يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا، قلت: بلى، ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت يا رسول الله: ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهن، فإن الله تعالى معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقوله، ونزلت هذه الآية ﴿ عسى ربه أن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ﴾ وكانت عائشة رضي الله عنها بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله: أطلقتهن؟

قال: لا.

قلت يا رسول الله: إني دخلت المسجد والمؤمنون ينكتون الحصى ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، أفانزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟

قال: نعم إن شئت، ثم لم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر وضحك وكان من أحسن الناس ثغراً، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت أتشبث بالجذع، ونزل نبي الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده، فقلت يا رسول الله: إنما كنت في الغرفة تسعاً وعشرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه.

قال: ونزلت هذه الآية ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ [ النساء: 83] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله آية التخيير» .

قوله تعالى: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ .

أخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أبي يقرؤها ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ أبو بكر وعمر.

وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه في قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

وأخرج ابن عساكر عن عكرمة وميمون بن مهران مثله.

وأخرج ابن عساكر عن الحسن البصري رضي الله عنه في قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وأخرج ابن عساكر عن مقاتل بن سليمان رضي الله عنه في قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال: أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم.

وأخرج ابن عساكر من طريق مالك بن أنس رضي الله عنه عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ قال: مالت، وفي قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال: الأنبياء عليهم السلام.

وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ «قال: صلى الله عليه وسلم من صالح المؤمنين أبو بكر وعمر رضي الله عنهما» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال: «صالح المؤمنين أبو بكر وعمر» .

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قالا: نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال: نزلت في عمر بن الخطاب خاصة.

وأخرج عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال: صالح المؤمنين أبو بكر وعمر.

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر وابن عباس في قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قالا: نزلت في أبي بكر وعمر.

وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال: نزلت في عمر خاصة.

وأخرج الحاكم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال: أبو بكر وعمر.

وأخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن عليّ قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال: هو عليّ بن أبي طالب» .

وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال: عليّ بن أبي طالب» .

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال: هو عليّ بن أبي طالب.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن العلاء بن زياد في قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال: الأنبياء عليهم السلام.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم خاطب عائشة وحفصة فقال قوله: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ ﴾ أي من التعاون على النبي -  - بالإيذاء: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ قال المفسرون: عدلت ومالت (١)  - من اجتناب جاريته فلذلك صغو قلبيهما (٢) (٣) والمراد بالجمع في قوله: ﴿ قُلُوبُكُمَا ﴾ التثنية.

قال الفراء: وإنما اختير الجمع على التثنية؛ لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين اثنين في الإنسان، كاليدين والرجلين والعينين، فلما جرى أكثره على هذا ذهب بالواحد منه إذا أضيف إلى الاثنين مذهب الاثنين (٤) ﴿ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا  ﴾ ، وتفسير الصغو قد تقدم أيضًا عند قوله: ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ ﴾ (٥) قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾ ، أي: يتظاهرا ويتعاونا على النبي -  - بالمعصية (٦) ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ ﴾ ، أي: لم يضره ذلك التظاهر منكما فإن الله هو مولاه.

قال ابن عباس: موال له على من عاداه، وناصر له (٧) (٨) ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾ وليه، ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد أبا بكر وعمر مواليين (٩)  - على من عاداه، وناصرين له.

وهو قول المقاتلين وعكرمة (١٠) وروى ذلك عن عبد الله مرفوعًا أن النبي -  - قال: "إن صالح المؤمنين أبو بكر وعمر" (١١) وقال المسيب بن شريك (١٢) (١٣) وقال سعيد بن جبير: هو عمر (١٤) وقال الضحاك: يعني به خيار المؤمنين (١٥) (١٦) قال الفراء: وصالح المؤمنين مثل أبي بكر وعمر، الذين ليس فيهم نفاق، وهو موحد في مذهب جمع كما تقول: لا يأتيني إلا سائس الحرب، فمن كان ذا سيسة للحرب فقد أمر بالمجيء واحداً كان أو أكثر (١٧) وقال الزجاج: وصالح المؤمنين هاهنا ينوب عن الجميع كما تقول: يفعل هذا الخيرُ من الناس؛ تريد كل خيّر (١٨) ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ يجوز أن يراد به الواحد والجماعة، ثم الكلام في التعيين والتفصيل يكون إلى المفسرين على ما حكينا عنهم.

وقال قتادة وسفيان: صالح المؤمنين هم الأنبياء (١٩) وأظهر هذه الأقوال قول من قال: إن المراد بصالح المؤمنين أبو بكر وعمر؛ لأن الخطاب في هذه الآية لابنتيهما عائشة وحفصة، وكأنه قيل لهمما: إن تعاونتما على إيذاء النبي -  - فإن أبويكما لا يوافقانكما ولا يتظاهران معكما، فإنهما وليا رسول الله (٢٠) قوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ قال مقاتل: بعد الله وجبريل وصالح المؤمنين: ﴿ ظَهِيرٌ ﴾ قال يعني: أعوان النبي -  - (٢١) قال أبو عبيدة، والفراء، والزجاج: وظهير في معنى ظهراء، وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع (٢٢) ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا  ﴾ ، وقد ذكرنا هذا في مواضع.

قال الفراء: والملائكة بعد نصرة هؤلاء ظهير (٢٣) ﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ  ﴾ ، فدل عود الذكر مجموعًا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة (٢٤) (١) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 302، و"مجاز القرآن" 2/ 261، و"جامع البيان" 28/ 104.

(٢) في (س): (قلبهما) وهو قول ابن زيد.

انظر: "جامع البيان" 28/ 104، و"الكشف والبيان" 12/ 148 ب.

قال الألوسي: وإنما لم يفسروا: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ بمالت إلى الواجب، أو الحق، أو الخير، حتى يصح جعله جوابًا من غير احتياج إلى نحو ما تقدم؛ لأن صيغة الماضي، وقد، وقراءة ابن مسعود: (فقد زاغت قلوبكما) وتكثير المعنى مع تقليل اللفظ تقتضي ما سلف.

انظر: "روح المعاني" 28/ 152.

(٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 189.

(٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 44.

(٥) والصغا: ميل في الحنك أو إحدى الشفتين، وأصغيت الإناء إذا أملته.

انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 159، و"اللسان" 2/ 445 (صغا).

(٦) في (ك): (والمعصية).

(٧) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 98، و"معالم التنزيل" 4/ 366، و"زاد المسير" 8/ 310.

(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ.

(٩) في (ك): (والنبيين).

(١٠) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 44، و"البحر المحيط" 8/ 291.

(١١) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 127: رواه الطبراني وفيه عبد الرحيم بن زيد العمي، وهو متروك.

(١٢) مسيب بن شريك.

أبو سعيد التميمي.

سكتوا عنه، مات سنة 186 هـ انظر: "التاريخ الكبير" 7/ 408.

(١٣) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 159 ب، و"زاد المسير" 8/ 310، عن مكحول عن أبي أمامة.

(١٤) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 159 ب، و"الدر" 6/ 244، ونسب إخراجه لسعيد ابن منصور وابن سعد وابن المنذر.

(١٥) انظر: "جامع البيان" 28/ 105، و"التفسير الكبير" 30/ 44.

(١٦) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 151 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 366.

(١٧) انظر: "معاني القرآن" 3/ 167.

(١٨) انظر: "معاني القرآن" 5/ 193.

(١٩) انظر:"تفسير عبد الرزاق" 2/ 302، و"جامع البيان" 28/ 105.

قلت: وهذا المعنى بعيد عن ظاهر الآية، وأي فائدة في موالاة الأنبياء عليهم السلام لنبينا -  - في هذه القصة، والله أعلم.

(٢٠) قال الآلوسي: (...

وهما وزيراه وظهيراه في تدبير أمور الرسالة وتمشية أحكامها الظاهرة مع أن بيان مظاهرتهما له  أشد تأثيرًا في قلوب بنتيهما وتوهينًا لأمرهما).

انظر: "روح المعاني" 287/ 154.

قلت: وممن قال بعموم اللفظ ابن جرير والنحاس وغيرهما.

انظر: "جامع البيان" 28/ 108، و"روح المعاني" 28/ 154.

وقال النحاس: فمن أصح ما قيل فيه أنه لكل صالح من المؤمنين، ولا يخص به واحد إلا بتوقيف.

"إعراب القرآن" 3/ 462، وفي "تنوير المقباس" 6/ 98 قال: (جملة المؤمنين المخلصين أعوان له عليكما مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -  م- ومن دونهم ...).

وعلى هذا فحمل الآية على عمومها أولى وآكد والصديق والفاروق أولى الناس بنصرة النبي وموالاته، ولو فرض -وهو محال- أنهما نصرا ابنتيهما فبقية المؤمنين في نصرة النبي ومؤازرته -  -.

وهذا أبلغ في حق عائشة وحفصة -  ما-.

(٢١) انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 366.

(٢٢) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 261، و"معاني القرآن" 3/ 167، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 193.

(٢٣) انظر: "معاني القرآن" 3/ 167.

(٢٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 45، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 192.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ هذا خطاب لعائشة وحفصة، وتوبتهما مما جرى منهما في قصة تحريم الجارية أو العسل.

ومعنى ﴿ صَغَتْ ﴾ أي: مالت عن الصواب وقرأ ابن مسعود زاغت والمعنى: إن تتوبا إلى الله فقد صدر منكما ما يوجب التوبة ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ ﴾ المعنى أن تعاونتما عليه صلى الله عليه وسلم بما يسؤوه من إفراط الغيرة، وإفشاء سره ونحو ذلك فإن له من ينصره، ومولاه هنا يحتمل أن يكون بمعنى السيد الأعظم، فيوقف على مولاه ويكون جبريل مبتدأ وظهير خبره وخبر ما عطف عليه، ويحتمل أن يكون المولى هنا بمعنى الولي الناصر، فيكون جبريل معطوف فيوصل مع ما قبله، ويوقف على صالح المؤمنين ويكون الملائكة مبتدأ وظهير خبره، وهذا أظهر وأرجح لوجهين: أحدهما: أن معنى الناصر أليق بهذا الموضع، فإن ذلك كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم وتشريفاً له، وأما إذا كان بمعنى السيد فذاك يشترك فيه النبي صلى الله عليه وسلم مع غيره، لأن الله تعالى مولى جميع خلقه بهذا المعنى، فليس في ذلك إظهار مزية له، الوجه الثاني: أنه ورد في الحديث الصحيح أنه لما وقع ذلك جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء؛ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل معك وأبو بكر معك وأنا معك، فنزلت الآية موافقة لقول عمر، فقوله يقتضي معك النصرة ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ اختلف في صالح هل هو مفرد أو جمع محذوف النون للإضافة؟

فعلى القول بأنه مفرد هو أبو بكر، وقيل: علي بن أبي طالب، وعلى القول بأنه جمع فهو على العموم في كل صالح.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ عرف ﴾ بالتخفيف: عليّ ﴿ تظاهرا ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.

﴿ أن يبدله ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصوحاً ﴾ بضم النون: يحيى وحماد ﴿ وكتبه ﴾ على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.

الوقوف ﴿ لك ﴾ ج لاحتمال أن الجملة بعده حال أو استفهامية بحذف الحرف وهذا أحسن، لأن تحريم الحلال بغير ابتغاء مرضاتهن أيضاً غير جائز ﴿ أزواجك ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أيمانكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ مولاكم ﴾ ط للابتداء بذكر ما لم يزل من الوصفين مع اتفاق الجملتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ حديثاً ﴾ ج ﴿ عن بعض ﴾ ج ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ قلوبكما ﴾ ج ﴿ المؤمنين ﴾ ه لتناهي الشرط إلى الإخبار ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ وأبكاراً ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ نصوحاً ﴾ ط ﴿ الأنهار ﴾ لا بناء على أن الظرف يتعلق بقوله ﴿ ويدخلكم ﴾ وج لاحتمال أن ﴿ يوم ﴾ متعلق بقوله ﴿ يسعى ﴾ بعد ﴿ واغفر لنا ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال اللام ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لابتداء الحكاية ﴿ الداخلين ﴾ ه ﴿ فرعون ﴾ ج لئلا يتوهم أن الظرف متعلق بـ ﴿ ضرب ﴾ بل التقدير " اذكروا " ﴿ الظالمين ﴾ ه لأن ما بعده معطوف على امرأة فرعون ﴿ القانتين ﴾ ه.

التفسير: كان النبي  يأتي زينب بنت جحش فيشرب عندها العسل، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنما نشم منك ريح المغافير.

والمغفور والمغثور شيء واحد ينضحه العرفط والرمث مثل الصمغ وهو حلو كالعسل ويؤكل وله ريح كريهة.

وكان النبي  يكره التفل فحرم لقولهما على نفسه العسل.

الثاني أنه ما أحل الله له من ملك اليمين.

وههنا روايتان: الأولى "أنه  خلا بمارية القبطية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمي عليّ وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي" ، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين.

الثانية أنه خلا بمارية في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية فقال عمر لابنته: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك.

فنزل جبريل  وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها لمن نسائك في الجنة.

قال جمع من العلماء: لم يثبت عن رسول الله  تحريم حلال بأن يقول: هو عليّ حرام ولكنه كان يميناً كقوله " والله لا أشرب العسل ولا أقرب الجارية بعد اليوم" فقيل له: لم تحرم أي لم تمتنع منه بسبب اليمين يعني أقدم على ما حلفت عليه وكفر عن يمينك ﴿ والله غفور ﴾ لك ﴿ رحيم ﴾ بك والدليل عليه ظاهر.

قوله ﴿ قد فرض الله لكم تحلة ﴾ بمعنى التحليل كالتكرمة ﴿ أيمانكم ﴾ أي شرع لكم تحليلها بالكفارة.

وقيل: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها وذلك أن يقول: إن شاء الله عقبها حتى لا يحنث.

والتحلة تفعلة بمعنى التحليل كالتكرمة بمعنى التكريم.

عن الحسن أنه  لم يكفر عن يمينه لأنه كان مغفوراً له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين.

وعن مقاتل أنه أعتق رقبة في تحريم مارية.

وما حكم تحريم الحلال؟

قال أبو حنيفة: هو يمين على الامتناع من الانتفاع المقصود، فلو حرم طعاماً فهو يمين على الامتناع من أكله، أو أمه فعلى الامتناع من وطئها، أو زوجة فمحمول على ما نوى، فإن نوى الظهار فظهار، أو الطلاق فطلاق بائن، وإن لم ينو شيئاً فعلى الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا فعلى ما نوى.

وعن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد أن الحرام يمين.

وقال الشافعي: هو في النساء من صرائح ألفاظ الطلاق.

وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي.

وعن علي رضي الله عنه: ثلاث.

وعن عثمان: ظهار.

وعن مسروق والشعبي أنه ليس بشيء فما لم يحرمه الله ليس لأحد أن يحرمه ﴿ والله مولاكم ﴾ متولي أموركم وقيل: أولى بكم من أنفسكم ونصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم ﴿ وهو العليم ﴾ بما يصلحكم ﴿ الحكيم ﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ إذا أسرّ النبي إلى بعض أزواجه ﴾ وهي حفصة ﴿ حديثاً ﴾ هو حديث مارية وإمامة الشيخين ﴿ فلما نبأت به ﴾ حفصة عائشة ﴿ وأظهره الله ﴾ على نبيه أي أطلعه على إفشائه على لسان جبريل.

وقيل: أظهر الله الحديث على النبي فيكون من الظهور ﴿ عرف بعضه ﴾ أعلم ببعض الحديث.

ومن قرأ بالتخفيف من العرفان فمعناه المجازاة من قولك للمسيء " لأعرفنّ لك ذلك" وكان جزاؤه تطليقه إياها.

وقيل: المعرف حديث الإمامة والمعرض عنه حديث مارية.

وإنما أعرض عن البعض تكرماً.

قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام.

وروي أنه قال لها: ألم أقل لك اكتمي عليّ؟

قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحاً بالكرامة التي خص الله بها أبي.

وإنما ترك المفعول ولم يقل " فلما نبأت به بعضهنّ وعرفها بعضه لأن ذلك ليس بمقصود وإنما الغرض ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به"، وأن رسول الله  بكرمه وحلمه لم يوجد منه إلا الإعلام بالبعض وهو حديث الإمامة.

ولما كان المقصود في قوله ﴿ من أنبأك هذا ﴾ ذكر المنبأ به أتى بالمفعولين جميعاً.

ثم وبخ عائشة وحفصة على طريقة الالتفات قائلاً ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴾ أي فقد وجد منكما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن إخلاص رسول الله  من حب ما يحبه وبغض ما يكرهه والأصل قلباكما.

ووجه الجمع ما مر في قوله ﴿ فاقطعوا أيديهما  ﴾ ﴿ وإن تظاهرا ﴾ أي تعاونا على ما يوجب غيظه فلم يعدم هو من يظاهره كيف والله ﴿ مولاه ﴾ أي ناصره ﴿ وجبريل ﴾ خاصة من بين الملائكة ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال أكثر العلماء: هو واحد في معنى الجمع لأنه أريد الجنس لشمول كل من آمن وعمل صالحاً.

وجوز أن يكون جمعاً وقد أسقط الواو في الخط لسقوطه في اللفظ.

عن سعيد بن جبير: هو كل من برىء من النفاق.

وقيل: الأنبياء والصحابة والخلفاء.

﴿ والملائكة ﴾ على كثرة جموعهم ﴿ بعد ذلك ﴾ الذي عرف من نصرة المذكورين ﴿ ظهير ﴾ فوج مظاهر له كأنهم يد واحدة فأي وزن لاتفاق امرأتين بعد تظاهر هؤلاء على ضد مطلوبهما.

ولا يخفى أن الكلام مسوق للمبالغة في الظاهر وإلا فكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً.

ثم وبخهما بنوع آخر وهو قوله ﴿ عسى ربه إن طلقكنّ ﴾ الآية.

والسائحات الصائمات كما في آخر التوبة.

قال جار الله: شبه الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره بالسائح الذي لا زاد معه فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد من يطعمه.

وقيل: السائحات المهاجرات فانظر في شؤم العصيان فإن أمهات المؤمنين وهنّ خير نساء العالمين يصير غيرهن بفرض عدم العصيان خيراً منهن بفرض العصيان وتطليق الرسول إياهن.

وقد عرفت في النظائر أن الواو في قوله ﴿ وأبكاراً ﴾ يقال لها " واو الثمانية " إلا أن للواو في هذا المقام فائدة أخرى وهي أن وصفي الثيابة والبكارة متنافيان لا يكون إلا أحدهما بخلاف الصفات المتقدمة فإنها ممكنة الاجتماع، فالمراد أن أولئك النساء جامعات للأوصاف المتقدمة ولأحد هذين.

ثم عمم التحذير فقال ﴿ قوا أنفسكم ﴾ وهو أمر من الوقاية في الحديث " "رحم الله رجلاً قال يا أهلاه صلاتكم وصيامكم وزكاتكم مسكينكم ويتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعهم معه في الجنة " وتفسير قوله ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ قد مر في أول " البقرة ".

وكونها معدّة للكافرين لا ينافي تعذيب المؤمنين الفسقة بها إن استحقوها.

وجوز أن يكون أمراً بالتوقي من الارتداد وأن يكون خطاباً للذين آمنوا بألسنتهم ﴿ عليها ملائكة ﴾ أي موكل على أهلها الزبانية التسعة عشر الموصوفون بالغلظة والشدة في الإجرام أو في الأفعال أو فيهما لأنه لا تأخذهم رأفة بمن عصى الله.

وقوله ﴿ ما أمرهم ﴾ نصب على البدل أي لا يعصون أمر الله.ولا يخفى أن عدم العصيان يستلزم امتثال الأمر فصرح بما عرف ضمناً قائلاً ﴿ ويفعلون ما يؤمرون ﴾ ويجوز أن يكون الأوّل عائداً إلى الماضي والثاني إلى المستقبل.

ثم وعظ المؤمنين بما يقال للكافرين عند دخولهم النار وهو قوله ﴿ لا تعتذروا ﴾ لأنه لا عذر لكم أو لا عذر مقبولاً لكم، وليس هذا من قبيل الظلم ولكنه جزاء أعمالهم.

ثم أرشد المؤمنين إلى طريق التوبة، ووصفت بالنصوح على الإسناد المجازي لأن النصح صفة التائبين وهو أن ينصحوا أنفسهم بالتوبة لا يكون فيها شوب رياء ولا نفاق.

وقيل: هو من نصاحة الثوب أي توبة ترفأ خروقك في دينك.

وقيل: خالصة عسل ناصح إذا خلص من الشمع.

وقيل: توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها.

و ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع ولئلا يتكلوا.

قوله ﴿ لا يخزي ﴾ تعريض لمن أخزاهم من أهل النار ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ كأنه استحمد المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم.

قوله ﴿ نورهم يسعى ﴾ قد مرّ في الحديد قوله ﴿ يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ﴾ أي قائلين ذلك إذا طفىء نور المنافقين خوفاً من زواله على عادة البشرية، أو لأن الإخلاص والنفاق من صفة الباطن لا يعرفه إلا الله  على أنه يجوز أن يدعو المؤمن بما هو حاصل له مثل اهدنا، ويجوز أن يدعو به من هو أدنى منزلة لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلاً لا مجازاة لانقطاع التكليف والعمل يومئذ.

ثم أمر نبيه  بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة أو بإقامة الحدود عليهم، وأمر باستعمال الغلظة والخشونة على الفريقين هذا عذابهم في الدنيا ولهم في الآخرة جهنم وقد سبق نظير الآية في " التوبة ".

ثم ضرب مثلاً لأهل الكفر امرأة نوح واسمها قيل واعلة وامرأة لوط.

واسمها قيل واهلة ومثلاً لأهل الإيمان امرأة فرعون واسمها آسية وهي عمة موسى ومريم ابنة عمران.

وفي ضمن التمثيلين تعريض بما مرّ في أول السورة من حال عائشة وحفصة وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين لا الكافرتين اللتين حين خانتا زوجيهما لم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئاً، وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة ﴿ ادخلا النار مع ﴾ سائر ﴿ الداخلين ﴾ الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء من قوم نوح وقوم لوط أو من كل قوم.

وفي قوله ﴿ عبدين من عبادنا ﴾ إشارة إلى أن سبب المزية والرجحان عند الله ليس إلا الصلاح كائناً من كان.

وخيانة المرأتين ليست هي الفجور وإنما هي نفاقهما وإبطانهما الكفر وتظاهرهما على الرسولين.

فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه.

قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط.

عن أبى هريرة أن آسية حين آمنت بموسى  وتدها فرعون باربعة أوتاد واستقبل بها الشمس وأضجعها على ظهرها ووضع الرحى على صدرها.

قال الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتنعم فيها.

وقيل: لما ﴿ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ بنى من درّة.

ومعنى ﴿ عندك بيتاً في الجنة ﴾ أنها طلبت القرب من الله والبعد عن عدوّه في مقام القرب، أو أرادت أعلى موضع في الجنة.

وقولها ﴿ من فرعون وعمله ﴾ كقولك " أعجبني زيد وكرمه " وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله من الأشرار دأب الصالحين.

والضمير في ﴿ فيه ﴾ للفرج.

وقيل: هو جيب الدرع وقد مرّ في " الأنبياء".

وكلمات الله صحف إبراهيم وغيره أو جميع ما كلم الله به وكتبه اللوح أو الكتب الأربعة ومن وحد فهو الإنجيل.

وقرىء ﴿ بكلمة الله ﴾ أي بعيسى ﴿ وكانت من القانتين ﴾ من باب التغليب كما مرّ في قوله ﴿ واركعي مع الراكعين  ﴾ وقيل: " من " للابتداء أي ولدت منهم لأنهم من أعقاب هارون  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ﴾ .

هذا في الظاهر فظيع بأن يحرم رسول الله  ما أحل الله له، ومن قال بأنه حرم ما أحل الله، فقد قال قولا منكراً، ولو اعتقد ذلك كان كفرا منه؛ إذ من حرم ما أحل الله  كان كافرا، ومن كان اعتقاده في رسول الله  هذا، فهو كافر.

وقال أبو بكر الأصم: دلت هذه الآية على أن ليس لأحد أن يحرم ما أحله الله  ؛ لأن الله  منع رسوله عن ذلك.

لكن الأمر عندنا ليس على ما ظنه أبو بكر، ولا على ما سبق إليه ظن بعض الجهال: أن رسول الله  حرم شيئاً أحله الله  ، ومن توهم هذا في رسول الله  ، فقد حكم على رسول الله  بالكفر.

وتأويله عندنا - والله أعلم -: على وجهين: أحدهما: أن تحريم ما أحل  هو أن يعتقد تحريم المحلل، وتحليل المحرم فيما حرم الله  مطلقاً، فمن اعتقد تحريمه حكم عليه بالكفر، ورسول الله  لم يعتقد تحريم ما أحل الله  ؛ إذ لم ير جماعها عليه محرما، بل امتنع عن الانتفاع بها باليمين، والحرمة التي ثبتت بسبب اليمين، لم تكن من فعل الآدمي، وإن ثبتت بمباشرة السبب منه؛ كالتحريم بالطلاق وبغيره من الأسباب، وإنما تثبت من الله  عقيب مباشرة الأسباب من العباد، كسائر الأحكام، كيف وأنه باليمين لا تثبت حرمة نفس الفعل، وإنما المحرم ترك تعظيم الله  الواجب بسبب اليمين، وهذا لا يعد تحريم الحلال وتحليل الحرام.

أو أريد بالتحريم منع النفس عن ذلك مع اعتقاده بكونه حلالا، لا أن يكون قصد به قصد تحريم عينه، وقد يمتنع المرء عن تناول الحلال؛ لغرض له في ذلك؛ وهو كقوله  : ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ  ﴾ ، ولم يرد به تحريم عينه، ولا التحريم الشرعي؛ إذ الصبي ليس من أهله، وإنما أريد به امتناعه من الارتضاع إلا من ثدي أمه، [فعلى ذلك] هاهنا، والله أعلم.

والثاني: أن رسول الله  كان ندب إلى حسن العشرة مع أزواجه، وإلى الشفقة عليهن، والرحمة [بهن، فبلغ] في حسن [العشرة والصحبة] معهن مبلغا امتنع عن الانتفاع بما أحل الله له، وأباح له التلذذ به؛ يبتغي به حسن عشرتهن، ويطلب به مرضاتهن، فقال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ﴾ ، أي: لا يبلغنَّ بك الشفقة عليهن وحسن العشرة معهن مبلغا تمتنع عن الانتفاع بما أحل الله لك؛ فيخرج هذا مخرج تخفيف المؤنة على رسول الله  في حسن العشرة معهن، لا مخرج النهي والعتاب عن الزلة؛ وهو كقوله  : ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ تخفيفاً للأمر عليه، وكذلك قال: ﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ  ﴾ ليس في الحقيقة نهياً عن السخاء على النهاية، لكن تخفيفاً للأمر عليه: أن ليس عليك الإسراف في السخاء والنهاية في ذلك؛ بحيث لم تُبق لنفسك وعيالك شيئاً وتؤثر غيرك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ﴾ خارج مخرج تخفيف المؤنة عليه في حسن العشرة، لا مخرج النهي، والله أعلم.

ثم اختلف أهل التأويل في سبب التحريم: فمنهم من ذكر "أن حفصة -  ا - زارت أهلها، والنبي -  - في بيت حفصة، فجاءت أم إبراهيم مارية القبطية حتى دخلت على رسول الله  فواقعها، فجاءت حفصة، وهما نائمان فرجعت إلى بيت أهلها، فمكثت عامة الليل ...

القصة، وقالت حفصة في آخر هذا الخبر: ما رأيت لي حرمة، وما عرفت لي حقّاً، فقال لها النبي -  -: اكتمي عليَّ، وهي علَيَّ حرام" ، فنزلت هذه الآية.

ومنهم من يذكر: أن ذلك اليوم كان يوم عائشة -  ا - فاطلعت حفصة على رسول الله  وجاريته مارية، فأمرها رسول الله  أن تكتم عليه، فأخبرت حفصةُ بما رأت عائشةَ -  ا - فغضبت عائشة، فلم تزل بنبي الله حتى حرمها، [فأنزل الله  ] هذه الآية.

وقال عكرمة: نزلت الآية في امرأة يقال لها: أم شريك وهبت نفسها للنبي  ؛ فلم يقبلها النبي -  - طلبا مرضاة أزواجه؛ فنزلت الآية، والله أعلم.

ومنهم من قال: إن الذي حرمه النبي  كان عسلا، كان رسول الله -  - شربه عند بعض نسائه، فقالت امرأة من نسائه لصاحبتها: إذا جاءك النبي  فقولي له: ما ريح المغافير فيك؟

فقالت للنبي؛ فحرمه النبي -  - فنزلت هذه الآية.

وليس لنا إلى تعرف السبب الذي وقع التحريم به، ولا إلى تعيين الشيء الذي حرمه النبي -  - حاجة، ولكنا نعلم أن الأمر الذي كان فهو جرى بينه وبين زوجاته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

أي: غفور لما تقدم من ذنبك وما تأخر لو كان.

أو يكون رحيما؛ حيث لم يعاقبك بما اجترأت من الإقدام على اليمين؛ لا بإذن سبق من الله  لك فيه.

أو غفور رحيم عليك وعلى زوجتيك إن تابتا ولم تعودا إلى صنيعهما.

أو غفور رحيم بما خفف عليك من مؤنة العشرة، ولم يحمل عليك ما حملت على نفسك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ .

فمنهم من يحمل هذا على ابتداء الخطاب، ويصرف المراد إلى غير رسول الله  ؛ لأن رسول الله  [قد كان غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر]؛ بحكم وعد الله -  - فلم يكن يحتاج إلى التكفير؛ لإزالة المأثم.

ولكن نحن نقول: إن رسول الله  وإن كان هذا محله، فهو وأمته في أحكام الشرائع مأخوذون، ويكون على هذا مغفرة زلاته: ما تقدم وما تأخر بمباشرة أسبابها من التوبة والكفارة، ونحو ذلك؛ فيكون قوله  : ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ منصرفا إلى النبي -  - وأمته.

ثم يجوز أن يكون رسول الله  قصد إلى التحريم أعني: منع نفسه عن الانتفاع بها مع اعتقاد الحل لا إلى اليمين؛ فجعل الله  ذلك منه يمينا؛ فيكون فيه دلالة على أن التحريم يمين؛ ولهذا قال أصحابنا - رحمهم الله -: إن من قال لامرأته: "أنت عليَّ حرام"، ولا نية له، فهو يمين.

وجائز أن يكون أفصح بالحلف؛ فكنى عنه باليمين.

ثم قوله: ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ على قراءة العامة، وفي بعض القراءات: ﴿ قد فرض الله لكم كفارة أيمانكم ﴾ .

ووجه الفرض فيه: أن الأمم من قبل، لم تكن يؤذن لهم بالحنث في اليمين، ولا أن يحلوا منها بالكفارة، ألا ترى إلى قوله  : ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ  ﴾ ، فلم يأذن له بالحنث وأباح له الضرب، ثم أباح لهذه الأمة حل اليمين بالحنث والكفارة، فنسب الحل إلى الكفارة، ومرة إلى انحلالها بنفسها من جهة الحنث.

ثم قوله: ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي: وسع عليكم، وأحل لكم تحلة اليمين؛ ففي هذا أن كل ما ذكر فيه (كتب لكم)، أو: (فرض لكم)، فهو في موضع الإباحة والتوسيع، وما ذكر فيه ﴿ عَلَيْكُمُ ﴾ فهو على الإيجاب والإلزام؛ قال الله  : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ  ﴾ ، وقال: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ  ﴾ ، وذلك كله في موضع الوجوب، وقال الله  : ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ  ﴾ معناه: أباح لكم الدخول فيها.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ ﴾ .

أي: أولى بكم فيما امتحنكم من الكفارة وغيرها.

أو ﴿ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: أولى بكم في نصركم والدفع عنكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

أي: ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بمصالحكم أو مقاصدكم، أو بما تسرون وما تعلنون، أو بما كان ويكون، ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : وهو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، أو حكيم بما حكم عليكم من تحلة الأيمان، والله أعلم.

ثم في قوله: ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ إلزام المراقبة والمحافظة، ودعاء [إلى التبصر] والتيقظ في كل ما يتعاطاه المرء من الأفعال، ويأتي به من الأقوال.

وفي قوله: ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ دعاء إلى التسليم بحكم الله  ؛ إذ الحكيم لا يحكم على أحد إلا بما فيه حكمة وفائدة؛ فلزمه تسليم النفس لحكمه على وجه الحكمة فيه أو جهله.

ثم الأصل بعد هذا: أن رسول الله  أبيح له نكاح التسع، وأمر بأن يحسن صحبتهن ويبتغي مرضاتهن، والمرء يعسر عليه صحبة الأربع بحسن العشرة، ويتعذر عليه القسم والقيام بمرضاتهن جميعاً، فكيف إذا امتحن بصحبة التسع؟!

فكانت المحنة على رسول الله  في أمر النساء أعسر منه على غيره، وأمر مع هذا أيضاً بمعاملة الخلق مع اختلاف هممهم وأطوارهم بأحسن المعاملة، ولكن الله  لما امتحنه بما ذكرنا آتاه من الأخلاق الحميدة والشمائل المرضية ما خف بها عليه هذه المحنة، وسهل عليه المعاملة مع الجملة، وآتاه من القوة ما ملك بها حفظ حقوقهن وإرضاء جملتهن، حتى بلغ في حسن العشرة وابتغاء المرضاة ما عوتب عليه، وبلغ من جهده في الإسلام إلى أن قيل: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ  ﴾ ، وبلغ في الشفقة والرحمة على الأمة إلى أن قيل له: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ  ﴾ ، وكان من عظيم خلقه ما جاوز خلقه قوة نفسه، فكادت نفسه تهلك فيه.

ثم في قيامه -  - بما يوفي حقوق التسع ويرضيهن دلالةُ نبوته ورسالته؛ لأن الناس إنما يقوون على الجماع بما يصيبون من فضل الأطعمة والأغذية، ثم هو مع أصابتهم فضول الأطعمة والأشياء اللذيذة يفْتُرون عن إيفاء [حقوق الأربع]، وقد كان رسول الله  آثر الزهدَ في الدنيا، وقلت رغبته في مطاعمها ومشاربها، وكان مع ذلك يفي بحقوقهن، فعلم بهذا أنه إنما وصل إلى ما ذكرنا بما قواه الله -  - عليه وأقدره، لا بالحيل والأسباب، ثم أزواج رسول الله  امتُحِنَّ بالقيام بوفاء حق رسول الله  ، وأن ينظرن إليه بعين التبجيل والتعظيم، فكانت المحنة عليهن أشد من المحنة على غيرهن من النساء مع أزواجهن؛ لأن المرأة قلما تسلم عن رفع أصواتها على صوت زوجها، إذا لم يكن له امرأة سواها، فكيف إذا كانت معها أخرى، ثم هن لو رفعن أصواتهن على صوت رسول الله  أوجب ذلك إحباط عملهن؛ على ما قال  : ﴿ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ  ﴾ ؛ فلا يجوز أن يمتحن بهذه الكلفة الشديدة والمحنة العظيمة إلا بما شرح الله  صدورهن ويفسح قلوبهن؛ لاحتمال ذلك.

ثم المحنة علينا بعد هذا أشد من المحنتين اللتين ذكرناهما؛ لأنا امتحنا بمعرفة ما ضمنته هذه الآية والاعتقاد بذلك وهي قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ﴾ فالذي علينا من المحنة أن نصرف الأمر إلى وجه لا يلحق رسول الله  به ثم بنقص؛ فيسلم من المؤاخذة؛ فجائز أن يصرف إلى ما ذكرنا من تخفيف الأمر على رسول الله  فتكون الآية في موضع تخفيف الأمر عليه ليس في موضع النهي، وإن خرجت مخرج النهي في الظاهر.

وجائز أن يكون العتاب؛ لمكان مارية، إن كانت [قصة التحريم] من أجلها؛ لأن رسول الله  لما أذن له بإمساك مارية، ولم يندب إلى تزويجها لتصل إلى قضاء شهوتها من قبل الأزواج، فإنما تتوصل إلى قضاء شهوتها برسول الله  ، ثم هو بتحريمها على نفسه لم يمنع عنها الحق، إذ الأمة لا حظ لها في القسم؛ فيلحقه العتاب من هذه الجهة، ولكن لما كان لها فيه مطمع، وهو بالتحريم قطع طمعها، فقيل له: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ﴾ قضاء تلك الشهوة، أي: لم تمنع نفسك عن قضاء شهوة أباحها الله  لها، فيكون في العتاب دعاء له إلى [أن يعمل] بأحد الوجهين: أحدهما: وهو أن يوصلها إلى ما طمعت منه لا أن يقطع طمعها عنه، وإن لم يكن لها فيما طمعت حق، والله أعلم.

والمحنة الثانية علينا: ألا ننسب إلى أزواج رسول الله  ما تكره أنفسنا نسبة مثله إلى الأمهات؛ لأن لأزواجه علينا حق الأمهات، فإن أمكنا أن نخرج من أمرهن وجهاً يسلم عن تنقصهن فعلنا، وإلا أمسكنا عن ذكره؛ خشية التنقص، وترك التبجيل والتعظيم؛ ألا ترى إلى قول الله  : ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً  ﴾ ، وهكذا الواجب على كل مؤمن ألا يظن بأزواج رسول الله  ورضي عنهن إلا خيراً، وألا ينظر إليهن إلا بعين التعظيم، وقال أيضاً: ﴿ سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ  ﴾ ، وإذا كان هذا حقهن علينا فلا يجب أن نذكر زلتهن كانت كيت وكيت؛ لما يتوهم أن يكون زلتهن دون الذي خطر على بالنا فنكون قد أعظمنا القول فيهن؛ فيصيبنا من ذلك عذاب عظيم؛ كما قال: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

ولقائل أن يقول في قوله: ﴿ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ  ﴾ : من أي وجه صار بهتانا عظيما، ونساء رسول الله  لم يكن معصومات، بل كان يتوهم منهن الصنع الذي رمين به؟!

فجوابه: أن أزواجه كن بالمحل الذي إذا ابتلين بزلة: سرّاً، أو جهراً أطلع الله  ذلك نبيه -  - ألا ترى أن إحداهن لما أفشت سر رسول الله  إلى أخرى أطلع الله -  - نبيه على ذلك، فإذا كان لا يستر عليهن هذا القدر من الزلة، فكيف يستر عليهن فعل الزنى منهن؟!

ولو وجد من التي رميت فعل الزنى، لكان يسبق الاطلاع من الله  لرسوله -  - قبل أن يجري به التحدث على ألسن الخلق، فإذا لم يسبق أوجب ذلك المعنى براءة ساحتها عما رميت به، وصار الرامي لها به قائلا بالبهتان والزور.

وفي هذه الآية دلالة جواز العمل بالاجتهاد لرسول الله  لا بإذن سبق من الله  ؛ إذ لو كان الإذن سابقاً، لما عوتب عليه؛ لما ذكرنا: أنه لم يعاتب لزلة ارتكبها حتى يكون فيه منع عن العمل بالاجتهاد، وإنما عوتب لمكان ما حمل على نفسه من فضل المؤنة في العشرة.

ثم الأصل: أن الإماء لا حظ لهن في القسم، ولسن لهن من الأيام ما يكون مثله للحرائر حتى كان يقسم لها فيؤدي فيه حقها، وقد أذن له في إمساكها وألا يزوجها؛ فلا يجوز ألا يؤمر بتزويجها، ثم هو لا يسكن شهوتها، ثم هو إنما يصل إلى قضاء وطرها وتسكين شهوتها في يوم ذلك اليومُ لزوجة من زوجاته، فجائز أن يكون الله  أكرمه أن يسكن شهوتها ويأتيها من حيث لا يعلم أزواجه بذلك، ثم أطلع بعض نسائه على فعله ليعلمن أن المحنة عليهن بعد العلم وقبل العلم واحدة، وأن عليهن أن يعظمن رسول الله  ، وألا يحملهن الغيرة على الاستقبال له بالمكروه والنظر إليه بالتنقص؛ إذ لم يكن عليهن فيما يأتي تلك الأمة في أيامهن تقصير في حقهن؛ إذ كان رسول الله  أعطي من القوة في الجماع ما يطوف على جميع نسائه في ليلة واحدة.

وأما ما ذكر أن رسول الله  كان كف نفسه عن شرب العسل، فذلك يحتمل أيضاً، ولكن ما ذكر من تحريم مارية أمكن؛ لأنه لا يحتمل أن يكون لرسول الله  في شرب العسل من الرغبة ما يدخل على نسائه المكروه لأجله، وجائز أن يلحقهن في استمتاعه بأمته مكروه فيحملهن ذلك على ما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ ﴾ .

دل قوله: ﴿ فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ ﴾ أنه قد طلب منها إسرار ذلك الحديث الذي أسر إليها، وليس بنا حاجة إلى تعرف الحديث الذي أسر إليها.

وفيه دلالة: أن رسول الله  إنما علم بإفشائها سره إلى صاحبتها بالله  ، وهو قوله: ﴿ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ﴾ .

فقوله: [ ﴿ عَرَّفَ ﴾ ] قرئ بالتخفيف والتشديد، فمن قرأه بالتشديد، فهو على أن رسول الله  عرفها بعض ما أنبأت من القصة التي أسر إليها، ولم يعرفها البعض؛ لأنه لم يكن القصد من رسول الله  أن يخبرها بذلك النبأ الذي [أسر به] إليها، وإنما كان المقصود منه تنبيهها بما أظهرت من السر، وأفشت إلى صاحبتها؛ لتنزجر إلى المعاودة إلى مثله، والبعض من ذلك يعلمها ما يعلم الكل، فلم يكن إلى إظهار الكل حاجة.

وذكر في بعض الأخبار أن رسول الله  قال لها: "ألم أقل لك"؟!

وسكت عليه، وفي هذا آية لرسالته ومنعهن عن إسرار ما يحتشمن عن إبداء مثله لرسول الله  فإنهن إن فعلن ذلك، أظهر الله - عز وجل - لنبيه  ذلك؛ فيعلم ما يسرون.

ومن قرأه ﴿ عَرَفَ ﴾ بالتخفيف، فهو يحمله على الجزاء فيقول: ﴿ عَرَفَ بَعْضَهُ ﴾ أي: جزى عن بعض ما استوجبته بإفشاء السر، وأعرض عن بعض الجزاء؛ يقول الرجل لآخر: عرف حقي فعرفت له حقه، أو عرفت حقي فسأعرف حقك، أي: أقوم بجزاء ذلك، وذكر في الأخبار أن رسول الله  طلق حفصة تطليقة، ثم نزل جبريل -  - فقال له: راجعها؛ فإنها صوامة قوامة، وإنها لزوجتك في الجنة [؛ فجائز أن يكون] طلاقه إياها جزاء لبعض صنيعها.

ثم من الناس من يختار إحدى القراءتين على الأخرى، فيقرأ إحداهما ويرغب عن الأخرى، وذلك مما لا يحل؛ لأن الأمرين جميعاً قد وجدا، وهو الجزاء والتعريف، فجمع الله  الأمرين جميعاً في آية واحدة، وفصل بين الأمرين بالإعراب؛ فليس لأحد أن يؤثر إحدى القراءتين على الأخرى؛ وهذا كقوله  في قصة موسى -  - ﴿ لَقَدْ عَلِمْتُ ﴾ ، و ﴿ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، وقد علم موسى -  - وعلم فرعون اللعين، فقد كان الأمران جميعاً، فجمع الله  بين الأمرين جميعاً في آية واحدة؛ فلا يحل لأحد أن يقرأ بأحد الوجهين ويمتنع عن [الوجه] الآخر؛ فكذلك هذا في قوله  : ﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا  ﴾ و ﴿ بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ ، فمن قرأه ﴿ باعِدْ بين أسفارنا ﴾ حمله على الدعاء، ومن قرأه ﴿ باعَدَ ﴾ حمله على الإخبار، وقد كان الأمران جميعاً: الدعاء والإخبار؛ فليس لأحد أن يؤثر أحدهما على الآخر، فعلى ذلك الحكم في قوله: [ ﴿ عَرَفَ بعضه ﴾ و ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ ﴾ ]، والله أعلم.

وقد وصفنا تأويل قوله: ﴿ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ فيهما ما يدعو الإنسان إلى المراقبة والتيقظ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ .

في هذه الآية دلالة أن الحديث الذي أفشي كان بين زوجتين؛ لأن قوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ يدل على ذلك، فإنه كان أسر النبي -  - عند إحداهما، ومنعها أن تفشي إلى الأخرى فأفشت، لكنا لا نعلم أن ذلك الحديث كان ماذا؟

لكنه كان منهما ما يجوز أن تعاتبا به وتدعيا إلى التوبة؛ لقوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، [وإن خفي ذلك علينا]، ثم إذا عرفنا أن الله -  - جعل عقوبتهن وتأديبهن أشد من العقوبة على غيرهن بقوله: ﴿ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ  ﴾ ، فيجوز أن يندبن إلى التوبة بأدنى زلة حقها التجاوز عن غيرهن.

ثم قوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ فجائز أن يكون قوله: ﴿ إِن ﴾ زيادة في الكلام، وحقه الحذف، فيكون معناه: توبا إلى الله؛ فقد صغت قلوبكما، ويوقف عليه ثم يبدأ بقوله: ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾ .

وجائز أن يكون حقه الإثبات، فلا يكون حرف ﴿ إِن ﴾ زيادة، ويكون معناه: إن تتوبا إلى الله، وإلا فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين فيكون الجزاء فيه مضمراً.

وجائز أن يكون جزاء صنيعهن أن يطلقهن، فكأنه قال: إن تتوبا إلى الله وإلا طلقكن، فيكون في هذا أنه حبب رسول الله  إليهن حتى اشتد عليهن الطلاق، وخرج الطلاق مخرج العقوبة لهن على صنيعهن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ .

أي: مالت عن الحق الذي لرسول الله  عليكما، وحق الرسول -  - حق عظيم يرد فيه العتاب بأدنى تقصير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾ .

هذا في الظاهر معاتبة؛ فينبغي أن يذكر على المخاطبة، فيقال: وإن تظاهرتما عليه، كما قال  : ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، قيل: جائز أن يكون معنى قوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ تامّاً ورجعت على إرادة المعاتبة، وإن كان اللفظ لفظ المخاطبة، ولكن الصحيح: أن قوله: ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا ﴾ على المخاطبة، معناه: وإن تتظاهرا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ ﴾ .

حق هذا أن يقف عليه ثم يقول: ﴿ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ ؛ حتى لا يتوهم أن غير الله  مولاه، ثم ذكر هذا إبلاغ في التهويل، وإلا فالواحد من هؤلاء المذكورين يكفي لأزواج رسول الله  ، وكذلك في ذكر عقوبتهن إذا وجد منهن الخلاف [في قوله]: ﴿ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ  ﴾ .

والأصل: أن المبالغة في [التأديب مما يعين المؤدب على حفظ الحدود، وكذلك المجاوزة في] حد العقوبة معونة له في تأديب النفس؛ حتى يملك حفظ نفسه عما تدعو إليه نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

قيل: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ : أبو بكر وعمر -  ما - وذكر أن رسول الله  لما طلق حفصة دخل عليها عمر -  - فقال: "لو علم الله -  - في آل عمر خيرا ما طلقك رسول الله"، فنزل جبريل -  - على رسول الله  يأمره بمراجعتها، وذكر أنها صوامة قوامة؛ فجائز أن تكون حفصة -  ا - تصوم النهار وتقوم الليل في غير نوبتها؛ فلا يعلم بذلك رسول الله  فأطلعه جبريل -  - على ذلك.

وروي عن أبي أمامة الباهلي -  - أن رسول الله  قال: " ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أبو بكر وعمر" ،  ما.

وقيل: هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

وذكر عن الحسن أنه قال: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ من لم يسر نفاقا ولا أظهر فسقا، ثم خص من المؤمنين الصالحين منهم، ولم يعم جملة المؤمنين، فهذا - والله أعلم - لأنه لو ذكر المؤمنين على الإجمال لدخل فيه الزوجان اللتان تظاهرتا؛ لأن إصغاء القلب لا يخرجهما عن أن تكونا من جملة المؤمنين؛ ولأنه ذكر هذا في موضع المعونة في أمر الدين، وصالح المؤمنين هم الذين يقومون بالمعونات في أمر الدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ ﴾ .

وعلى قول المعتزلة: لا يملك أن يبدل خيرا منهن؛ إذ لا يقدر على أن يجعل في أحد خيرا على قولهم، ولا يملك أن يبدله أزواجا؛ لأنه لا يقدر - على زعمهم - على أن يجعل أحدا من النسوان زوجة لأحد من الرجال، وإنما المشيئة والاختيار إلى المتزوج والمتزوجة، والفعل منهما.

وعلى قولنا: يملك أن يجعل الخير لمن شاء فيما شاء، وله أن يجعل من النسوان زوجة لمن شاء من الرجال، فهذه الآية تشهد بالصدق؛ لمقالتنا، وترد على المعتزلة قولهم؛ لأنه جعل الإبدال إلى نفسه؛ بقوله: ﴿ يُبْدِلَهُ ﴾ ، وعلى قولهم لا يملك أن يفي بما وعد، ثم في هذه الآية إباحة الإبدال وإباحة الطلاق لرسول الله  ، وفي قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ  ﴾ حظر الإبدال؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ  ﴾ مقدما، وقوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ ﴾ متأخراً؛ فيصير ما تقدم منسوخا بهذه الآية، والذي يدل على صحة هذا ما روي عن عائشة -  ا - أنها قالت: "ما خرج رسول الله  من الدنيا حتى أحلت له النساء"، فثبت أن الحظر كان متقدما ثم وردت الإباحة من بعد، فتحمل الآيتان على التناسخ؛ ليرتفع التناقض من بينهما.

وجائز أن يكون حظر عليه الإبدال إذا قصد بالطلاق قصد الإبدال بما أعجبه من الحسن؛ كما قال: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ...

﴾ الآية [الأحزاب: 52]، فإذا كان قصده من الطلاق الإبدال، كان ذلك محظورا عليه، وإذا لم يقصد بالطلاق قصد الإبدال، ولكن يقصد به قصد المجازاة للخلاف الذي ظهر، أبيح له ذلك، [ثم الله  يبدله خيرا من المطلقة وهو ليس يقصد] بالطلاق في قوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ ﴾ قصد الإبدال، وإذا كان كذلك، سلمت الآيتان عن التناقض.

وذكر عن أُبي بن كعب - رضي الله  عنه - أنه سئل: أكان يحل لرسول الله  إبدال امرأة بامرأة؟

فقال: بلى، فسئل عن قوله  : ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ  ﴾ فقال: هذا منصرف إلى من هن من وراء المسميات؛ وهو كقوله  : ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ  ﴾ ، فذكر بنات العم وبنات الخال والأجنبيات، وحظر عليه من سواهن من المحارم [، فيكون فيه إبانة] أن رسول الله  قد كان حظر عليه تزوج محارمه من ذوي الرحم كما حظر على غيره؛ إذ هو موضع الإشكال: أنه لما حل له زيادة على الأربع، يحل له ذوات الأرحام من المحارم، فزال الإشكال به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَيْراً مِّنكُنَّ ﴾ .

فجائز أن يكون خيرا منهن للرسول -  - لا أن يكن خيرا في أنفسهن؛ لأنه قال: ﴿ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ ﴾ ، وقد كان أزواجه على هذا الوجه: ﴿ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ ﴾ ؛ ألا ترى إلى ما ذكر أن جبريل -  - قال لرسول الله  : راجع حفصة؛ فإنها صوامة قوامة، والذي يدل على هذا أيضاً في آخر هذه الآية: ﴿ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً ﴾ وقد وجدت هاتان الصفتان في أزواجه؛ فثبت أن معناه ما ذكرنا.

وجائز أن يكن خيرا منهن أيضاً في أنفسهن من حيث الجمال والنسب، ونحو ذلك.

أو يصرف ﴿ خَيْراً مِّنكُنَّ ﴾ لما يتركن الخلاف لرسول الله  ، ولا يتظاهرن عليه، ويكن هؤلاء دونهن إذا التزمن الخلاف، ودُمْنَ على التظاهر، فأما إذا أمسكن عن الخلاف وتُبْنَ عما سبق من الخلاف فهن وغيرهن بمحل واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ ﴾ .

قد بينا أن كل مسلم مؤمن في التحصيل؛ لأن معنى [الإسلام والإيمان] واحد؛ إذ الإسلام: هو أن يجعل الأشياء كلها لله خالصة سالمة لا يشرك فيها غيره، والإيمان: التصديق، وهو أن يصدق أن الله  رب كل شيء، وإذا صدقته أنه رب كل شيء فقد جعلت [الأشياء] كلها سالمة له، أو تصدق [كلاًّ فيما] يشهد لله  في الربوبية [بجوهره]، فثبت أن كل واحد منهما يقتضي ما يقتضيه الآخر من المعنى، فإذا ذكر أحدهما بالإفراد، ففي ذكره ذكر الآخر، وإذا جمع في الذكر، صرف هذا إلى وجه، وهذا إلى وجه، وهذا كما ذكرنا في التقوى أنه يقتضي معنى الإحسان إذا ذكر مفردا؛ لأن التقوى هو أن يتقي من المهالك، والاتقاء عن المهالك يقع باكتساب المحاسن، وإذا ذكرا معا صرف التقوى إلى [الاتقاء من الكفر] والإحسان إلى فعل الخيرات، وروي عن النبي  أنه قال: "لم يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه" ، وقال: "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده" ، فصرف هذا إلى وجه وهذا إلى وجه، وهما في التحصيل واحد؛ لأنهم إذا أمنوا بوائقه فقد سلموا من لسانه ويده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَانِتَاتٍ ﴾ .

قيل: مطيعات.

وقيل: القائمات بالليالي للصلاة، وهذا أشبه؛ لأنه ذكر السائحات بعد هذا، والسائحات الصائمات، وذكر الصيام بالنهار، فيكون تأويل القانتات راجعا إلى قيام الليل؛ ليكون فيه إحياء الليل والنهار بالعبادة؛ ولذلك قال جبريل -  - في وصف حفصة -  ا -: "إنها صوامة قوامة" أي: صوامة بالنهار وقوامة بالليل، وذكر عن رسول الله  أنه سئل عن أفضل الأعمال، فقال: "طول القنوت"، وهو القيام بالليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَائِبَاتٍ ﴾ .

هن اللائي لا يصررن على الذنب، بل يفزعن إلى الله  بالتوبة والتضرع إذا ابتلين بالخطيئة.

قوله: ﴿ عَابِدَاتٍ ﴾ .

ذكر أبو بكر أن العابد لا يسمى: عابدا حتى يتطوع، فإن كان على هذا، ففيه أنهن يقمن بأداء الفرائض، ويتطوعن مع ذلك.

وعن ابن عباس -  ما - أنه قال: "كل عبادة في القرآن فهي توحيد؛ فالعابدات: الموحدات"، والموحد هو الذي يصدق أن خالق الخلق كله واحد لا شريك له؛ فجائز أن يكون العابد موحدا؛ لأنه يعمل لله  خالصا لا يشرك في عبادته أحدا؛ فيكون فيه معنى التوحيد ولكن من حيث الفعل؛ فيكون أحد التوحيدين بالقول والثاني بالمعاملة والفعل.

وقيل: العابد هو الذي يؤدي الفرائض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَائِحَاتٍ ﴾ .

هو الذي يسيح في الأرض بغير زاد، فسمي الصائم: سائحا؛ لما كف نفسه عن التناول من الزاد، فقوله: ﴿ سَائِحَاتٍ ﴾ أي: صائمات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً ﴾ لم يرد بهذا أنه ينشيء نسوة أبكارا وثيبات، ولكن معناه: أنه يبدله من كن بهذا الوصف، ثم جمع بين الثيبات والأبكار؛ لأن الثيبات مما يقل رغبة الخلق فيهن، وينفر عنه الطبع، فجمع بينهما في موضع الامتنان على الرسول  ؛ لئلا تصرف كل الرغبة إلى الأبكار، بل يتزوجوا الثيبات كما يتزوجون الأبكار، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

حقٌّ عليكما أن تتوبا؛ لأن قلوبكما قد مالت إلى محبة ما كرهه رسول الله  من اجتناب جاريته وتحريمها على نفسه، وإن تصرَّا على العود على تأليبكما عليه، فإن الله هو وليه وناصره، وكذا جبريل وخيار المؤمنين أولياؤه ونصراؤه.

والملائكة بعد نصرة الله له أعوان له ونصراء على من يؤذيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.2R9Qz"

مزيد من التفاسير لسورة التحريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله