الإسلام > القرآن > سور > سورة 66 التحريم > الآية ٦ من سورة التحريم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 82 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦ من سورة التحريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال سفيان الثوري عن منصور عن رجل عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى "قوا أنفسكم وأهليكم نارا" يقول أدبوهم وعلموهم وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "قوا أنفسكم وأهليكم نارا" يقول اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله وأمروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار.
وقال مجاهد "قوا أنفسكم وأهليكم نارا" قال اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله وقال قتادة تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه فإذا رأيت لله معصية قذعتهم عنها وزجرتهم عنها وهكذا قال الضحاك ومقاتل حق المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه.
وفي معنى هذه الآية الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبدالملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها" هذا لفظ أبي داود وقال الترمذي هذا حديث حسن وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك قال الفقهاء وهكذا في الصوم ليكون ذلك تمرينا له على العبادة لكي يبلغ وهو مستمر علي العبادة والطاعة ومجانبة المعاصي وترك المنكر والله الموفق.
وقوله تعالى "وقودها الناس والحجارة" وقودها أي حطبها الذي يلقي فيه جثث بني آدم "والحجارة" قيل المراد بها الأصنام التي تعبد لقوله تعالى "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم" وقال ابن مسعود ومجاهد وأبو جعفر الباقر والسدي هي حجارة من كبريت زاد مجاهد: أنتن من الجيفة وروى ذلك ابن أبي حاتم رحمه الله قال ثنا أبي ثنا عبدالرحمن بن سنان المنقري ثنا عبدالعزيز - يعني ابن أبي داود - قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة" وعنده بعض أصحابه وفيهم شيخ فقال الشيخ يا رسول الله حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟
فقال النبي صلي الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده لصخرة من صخر جهنم أعظم من جبال الدنيا كلها" قال فوقع الشيخ مغشيا عليه فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده فإذا هو حي فناداه قال "يا شيخ قل لا إله إلا الله" فقالها فبشره بالجنة قال: فقال أصحابه يا رسول الله أمن بيننا؟
قال "نعم يقول الله تعالى "ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد" هذا حديث مرسل غريب وقوله تعالى "عليها ملائكة غلاظ شداد" أي طباعهم غليظة قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله "شداد" أي تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج كما قال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا سلمة بن شبيب ثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان ثنا أبي عن عكرمة أنه قال إذا وصل أول أهل النار إلى النار وجدوا على الباب أربعمائة ألف من خزنة جهنم سود وجوههم كالحة أنيابهم قد نزع الله من قلوبهم الرحمة ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة لو طير الطير من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر ثم يجدون على الباب التسعة عشر عرض صدر أحدهم سبعون خريفا ثم يهوون من باب إلى باب خمسمائة سنة ثم يجدون على كل باب منها مثل ما وجدوا على الباب الأول حتى ينتهوا إلى آخرها وقوله "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" أي مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه لا يتأخرون عنه طرفة عين وهم قادرون على فعله ليس بهم عجز عنه.
وهؤلاء هم الزبانية - عياذا بالله منهم.
يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله (قُوا أَنْفُسَكُمْ ) يقول: علموا بعضكم بعضا ما تقون به من تعلمونه النار، وتدفعونها عنه إذا عمل به من طاعة الله، واعملوا بطاعة الله.
وقوله: (وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ) يقول: وعلموا أهليكم من العمل بطاعة الله ما يقون به.
أنفسهم من النار.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن رجل، عن عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه في قوله: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) قال: علِّموهم، وأدّبوهم.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن رجل، عن عليّ(قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ) يقول: أدّبوهم، علموهم حدثني الحسين بن يزيد الطحان، قال: ثنا سعيد بن خثيم، عن محمد بن خالد الضبيِّ، عن الحكم، عن عليّ بمثله.
حدثني عليّ، قال: ثنا أَبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ) يقول: اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومروا أهليكم بالذكر ينْجيكم الله من النار.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ) قال: اتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) قال: قال يقيهم أن يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصيته، وأن يقوم عليه بأمر الله يأمرهم به ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها، وزجرتهم عنها.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ) قال: مروهم بطاعة الله، وأنهوهم عن معصيته.
وقوله: (وَقُودُهَا النَّاسُ ) يقول: حطبها الذي يوقد على هذه النار بنو آدم وحجارة الكبريت.
وقوله: (عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ ) يقول: على هذه النار ملائكة من ملائكة الله، غلاظ على أهل النار، شداد عليهم (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ) يقول: لا يخالفون الله في أمره الذي يأمرهم به (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) يقول: وينتهون إلى ما يأمرهم به ربهم.
قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرونفيه مسألة واحدة :وهي الأمر بوقاية الإنسان نفسه وأهله النار .
قال الضحاك : معناه قوا أنفسكم ، وأهلوكم فليقوا أنفسهم نارا .
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : قوا أنفسكم وأمروا أهليكم بالذكر والدعاء حتى يقيهم الله بكم .
وقال علي رضي الله عنه وقتادة ومجاهد : قوا أنفسكم بأفعالكم وقوا أهليكم بوصيتكم .
ابن العربي : وهو الصحيح ، والفقه الذي يعطيه العطف الذي يقتضي التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في معنى الفعل ; كقوله :علفتها تبنا وماء بارداوكقوله :ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحافعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة ، ويصلح أهله إصلاح الراعي للرعية .
ففي صحيح الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عنهم ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم " .
وعن هذا عبر الحسن في هذه الآية بقوله : يأمرهم وينهاهم .
وقال بعض العلماء لما قال : قوا أنفسكم دخل فيه الأولاد ; لأن الولد بعض منه .
كما دخل في قوله تعالى : ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم [ ص: 180 ] فلم يفردوا بالذكر إفراد سائر القرابات .
فيعلمه الحلال والحرام ، ويجنبه المعاصي والآثام ، إلى غير ذلك من الأحكام .
وقال عليه السلام : حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويعلمه الكتابة ويزوجه إذا بلغ .
وقال عليه السلام : " ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن " .
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم " مروا أبناءكم بالصلاة لسبع ، واضربوهم عليها لعشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع " .
خرجه جماعة من أهل الحديث .
وهذا لفظ أبي داود .
وخرج أيضا عن سمرة بن جندب قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين ، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها " .
وكذلك يخبر أهله بوقت الصلاة ووجوب الصيام ووجوب الفطر إذا وجب ; مستندا في ذلك إلى رؤية الهلال .
وقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوتر يقول : " قومي فأوتري يا عائشة " .
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رحم الله امرأ قام من الليل فصلى فأيقظ أهله ، فإن لم تقم رش وجهها بالماء ، رحم الله امرأة قامت من الليل تصلي وأيقظت زوجها ، فإذا لم يقم رشت على وجهه من الماء " .
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " أيقظوا صواحب الحجر " .
ويدخل هذا في عموم قوله تعالى : وتعاونوا على البر والتقوى .
وذكر القشيري أن عمر رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية : [ ص: 181 ] يا رسول الله ، نقي أنفسنا ، فكيف لنا بأهلينا ؟
.
فقال : " تنهونهم عما نهاكم الله وتأمرونهم بما أمر الله " .
وقال مقاتل : ذلك حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه .
قال الكيا : فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير ، وما لا يستغنى عنه من الأدب .
وهو قوله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها .
ونحو قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم : وأنذر عشيرتك الأقربين .
.
وفي الحديث : " مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع " .وقودها الناس والحجارة تقدم في سورة " البقرة " .عليها ملائكة غلاظ شداد يعني الملائكة الزبانية غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا ، خلقوا من الغضب ، وحبب إليهم عذاب الخلق كما حبب لبني آدم أكل الطعام والشراب .
شداد أي شداد الأبدان .
وقيل : غلاظ الأقوال شداد الأفعال .
وقيل غلاظ في أخذهم أهل النار شداد عليهم .
يقال : فلان شديد على فلان ; أي قوي عليه يعذبه بأنواع العذاب .
وقيل : أراد بالغلاظ ضخامة أجسامهم ، وبالشدة القوة .
قال ابن عباس : ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة ، وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم .
وذكر ابن وهب قال : وحدثنا عبد الرحمن بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خزنة جهنم : " ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب " .قوله تعالى : لا يعصون الله ما أمرهم أي لا يخالفونه في أمره من زيادة أو نقصان .ويفعلون ما يؤمرون أي في وقته ، فلا يؤخرونه ولا يقدمونه .
وقيل أي لذتهم في امتثال أمر الله ; كما أن سرور أهل الجنة في الكون في الجنة ; ذكره بعض المعتزلة .
وعندهم أنه يستحيل التكليف غدا .
ولا يخفى معتقد أهل الحق في أن الله يكلف العبد اليوم وغدا ، ولا ينكر التكليف في حق الملائكة .
ولله أن يفعل ما يشاء .
أي: يا من من الله عليهم بالإيمان، قوموا بلوازمه وشروطه.
فـ { قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } موصوفة بهذه الأوصاف الفظيعة، ووقاية الأنفس بإلزامها أمر الله، والقيام بأمره امتثالًا، ونهيه اجتنابًا، والتوبة عما يسخط الله ويوجب العذاب، ووقاية الأهل [والأولاد]، بتأديبهم وتعليمهم، وإجبارهم على أمر الله، فلا يسلم العبد إلا إذا قام بما أمر الله به في نفسه، وفيما يدخل تحت ولايته من الزروجات والأولاد وغيرهم ممن هو تحت ولايته وتصرفه.
ووصف الله النار بهذه الأوصاف، ليزجر عباده عن التهاون بأمره فقال: { وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } كما قال تعالى: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } .
{ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ } أي: غليظة أخلاقهم، عظيم انتهارهم، يفزعون بأصواتهم ويخيفون بمرآهم، ويهينون أصحاب النار بقوتهم، ويمتثلون فيهم أمر الله، الذي حتم عليهم العذاب وأوجب عليهم شدة العقاب، { لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } وهذا فيه أيضًا مدح للملائكة الكرام، وانقيادهم لأمر الله، وطاعتهم له في كل ما أمرهم به.
قوله - عز وجل - ( ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم ) قال عطاء عن ابن عباس : أي بالانتهاء عما نهاكم الله تعالى عنه والعمل بطاعته ( وأهليكم نارا ) يعني : مروهم بالخير وانهوهم عن الشر وعلموهم وأدبوهم تقوهم بذلك نارا ( وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة ) يعني خزنة النار ( غلاظ ) فظاظ على أهل النار ( شداد ) أقوياء يدفع الواحد منهم بالدفعة الواحدة سبعين ألفا في النار وهم الزبانية ، لم يخلق الله فيهم الرحمة ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)
«يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم» بالحمل على طاعة الله «نارًا وقودها الناس» الكفار «والحجارة» كأصنامهم منها، يعني أنها مفرطة الحرارة تتقد بما ذكر لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه «عليها ملائكة» خزنتها عدتهم تسعة عشر كما سيأتي في (المدثر) «غلاظ» من غلظ القلب «شداد» في البطش «لا يعصون الله ما أمرهم» بدل من الجلالة، أي لا يعصون أمر الله «ويفعلون ما يؤمرون» تأكيد والآية تخويف للمؤمنين عن الارتداد وللمنافقين المؤمنين بألسنتهم دون قلوبهم.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، احفظوا أنفسكم بفعل ما أمركم الله به وترك ما نهاكم عنه، واحفظوا أهليكم بما تحفظون به أنفسكم من نار وقودها الناس والحجارة، يقوم على تعذيب أهلها ملائكة أقوياء قساة في معاملاتهم، لا يخالفون الله في أمره، وينفذون ما يؤمرون به.
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - أمره فيه بأن يجاهد الكفار والمنافقين جهاداً مصحوبا بالغلظة والخشونة .
.
.
فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ .
.
.
) .قوله - تعالى - : ( قوا ) أمر من الوقاية ، يقال : وقى يَقِى ، كضرب يضرب .والمعنى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان ، أبعدوا أنفسكم عن النار عن طريق فعل الحسنات .
واجتناب السيئات ، وأبعدوا أهليكم - أيضا - عنها ، عن طريق نصحهم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف .
ونهيهم عن المنكر .قال القرطبى ، قال قتادة ومجاهد : قوا أنفسكم بأفعالكم ، وقوا أهليكم بوصيتكم .ففى الحديث الصحيح أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام الذى على الناس راع وهو مسئول عنهم ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم " .وقال - صلى الله عليه وسلم - : " ما نحل والد ولدا ، أفضل من أدب حسن " .وقال - صلى الله عليه وسلم - : " مروا أبناءكم بالصلاة لسبع ، واضربوهم عليها لعشر ، وفرقوا بينهم فى المضاجع " .وقد روى مسلم فى صحيحه " أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوتر يقول : قومى فأوترى يا عائشة " .وذكر القشيرى " أن عمر - رضى الله عنه - لما نزلت هذه الآية قال يا رسول الله : نقى أنفسنا فكيف بأهلينا؟فقال : " تنهونهم عما نهاكم الله عنه ، وتأمرونهم بما أمركم الله به " " .وجاء لفظ النار منكراً ، للتهويل .
أى : نارا عظيمة لا يعلم مقدار حرها إلا الله - تعالى - .وقوله : ( وَقُودُهَا الناس والحجارة ) أى : هذه النار لا توقد كما يوقد غيرها بالحطب وما يشبهها ، وإنما مادة اشتعالها تتكون من الناس الذين كانوا فى الدنيا يشركون مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة ، ومن الحجارة التى كانت تعبد من دونه - تعالى - .ثم أضاف - سبحانه - إلى تهويلها أمرا آخر وصفة أخرى فقال : ( عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) .والغلاظ : جمع غليظ وهو المتصف بالضخامة والغلظة التى هى ضد الرقة .وهذا اللفظ صفة مشبهة ، وفعله غلظ ككرم .وشداد : جمع شديد ، وهو المتصف بالقوة والشدة ، يقال : فلان شديد على فلان ، أى : قوى عليه ، بحيث يستطيع أن ينزل به ما يريد من الأذى والعقاب .أى : هذه النار من صفاتها - أيضا - أن الموكلين بإلقاء الكافر والفساق فيها ، ملائكة قساة فى أخذهم أهل النار ، أقوياء عليهم ، بحيث لا يستطيع أهل النار أن يفلتوا منهم ، أو أن يعصوا لهم أمرا .وهؤلاء الملائكة من صفاتهم كذلك أنهم لا يعصون لله - تعالى - أمرا .
وإنما ينفذون ما يكلفهم - سبحانه - به تنفيذا تاما .قال صاحب الكشاف : فإن قلت أليس الجملتان - لا يعصون ..
.
ويفعلون فى معنى واحد؟قلت : لا فإن معنى الأولى أنهم يتقلبون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها ، ومعنى الثانية : أنهم يؤدون ما يؤمرون به ، ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه .
﴿ قُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي بالانتهاء عما نهاكم الله تعالى عنه، وقال مقاتل: أن يؤدب المسلم نفسه وأهله، فيأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر، وقال في الكشاف: ﴿ قُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ بترك المعاصي وفعل الطاعات، ﴿ وَأَهْلِيكُمْ ﴾ بأن تؤاخذوهم بما تؤاخذون به أنفسكم، وقيل: ﴿ قُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ مما تدعو إليه أنفسكم إذ الأنفس تأمرهم بالشر وقرئ: ﴿ وأهلوكم ﴾ عطفاً على واو ﴿ قُواْ ﴾ وحسن العطف للفاصل، و ﴿ نَارًا ﴾ نوعاً من النار لا يتقد إلا بالناس والحجارة، وعن ابن عباس هي حجارة الكبريت، لأنها أشد الأشياء حراً إذا أوقد عليها، وقرئ: ﴿ وَقُودُهَا ﴾ بالضم، وقوله: ﴿ عَلَيْهَا ملائكة ﴾ يعني الزبانية التسعة عشر وأعوانهم ﴿ غِلاَظٌ شِدَادٌ ﴾ في أجرامهم غلظة وشدة أي جفاء وقوة، أو في أفعالهم جفاء وخشونة، ولا يبعد أن يكونوا بهذه الصفات في خلقهم، أو في أفعالهم بأن يكونوا أشداء على أعداء الله، رحماء على أولياء الله كما قال تعالى: ﴿ أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ يدل على اشتدادهم لمكان الأمر، لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله تعالى والانتقام من أعدائه، وفيه إشارة إلى أن الملائكة مكلفون في الآخرة بما أمرهم الله تعالى به وبما ينهاهم عنه والعصيان منهم مخالفة للأمر والنهي.
وقوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ اليوم ﴾ لما ذكر شدة العذاب بالنار، واشتداد الملائكة في انتقام الأعداء، فقال: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ اليوم ﴾ أي يقال لهم: لا تعتذروا اليوم إذ الاعتذار هو التوبة، والتوبة غير مقبولة بعد الدخول في النار، فلا ينفعكم الاعتذار، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يعني إنما أعمالكم السيئة ألزمتكم العذاب في الحكمة، وفي الآية مباحث: البحث الأول: أنه تعالى خاطب المشركين في قوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة ﴾ وقال: ﴿ أُعِدَّتْ للكافرين ﴾ جعلها معدة للكافرين، فما معنى مخاطبته به المؤمنين؟
نقول: الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار، فإنهم مع الكفار في دار واحدة فقيل للذين آمنوا: ﴿ قُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ باجتناب الفسق مجاورة الذين أعدت لهم هذه النار، ولا يبعد أن يأمرهم بالتوقي من الارتداد.
البحث الثاني: كيف تكون الملائكة غلاظاً شداداً وهم من الأرواح، فنقول: الغلظة والشدة بحسب الصفات لما كانوا من الأرواح لا بحسب الذات، وهذا أقرب بالنسبة إلى الغير من الأقوال.
البحث الثالث: قوله تعالى: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ ﴾ في معنى قوله: ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ فما الفائدة في الذكر فنقول: ليس هذا في معنى ذلك لأن معنى الأول أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا ينكرونها، ومعنى الثاني أنهم (يؤدون) ما يؤمرون به كذا ذكره في الكشاف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ بترك المعاصي وفعل الطاعات ﴿ وَأَهْلِيكُمْ ﴾ بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم.
وفي الحديث: «رحم الله رجلاً قال يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعلّ الله يجمعهم معه في الجنة» وقيل: إنّ أشد الناس عذاباً يوم القيامة من جهل أهله.
وقرئ: ﴿ وأهلوكم ﴾ ، عطفاً على واو ﴿ قوا ﴾ وحسن العطف للفاصل.
فإن قلت: أليس التقدير: قوا أنفسكم، وليق أهلوكم أنفسهم؟
قلت: لا، ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو، وأنفسكم واقع بعده، فكأنه قيل: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم لما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه، فجعلت ضميرهما معاً على لفظ المخاطب ﴿ نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة ﴾ نوعاً من النار لا يتقد إلا بالناس والحجارة، كما يتقد غيرها من النيران بالحطب.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي حجارة الكبريت، وهي أشدّ الأشياء حراً إذا أوقد عليها.
وقرئ: ﴿ وقودها ﴾ بالضم، أي ذو وقودها ﴿ عليها ﴾ يلي أمرها وتعذيب أهلها ﴿ ملائكة ﴾ يعني الزبانية التسعة عشر وأعوانهم ﴿ غِلاَظٌ شِدَادٌ ﴾ في أجرامهم غلظة وشدّة، أي: جفاء وقوّة.
أو في أفعالهم جفاء وخشونة، لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله والغضب له والانتقام من أعدائه ﴿ مَا أَمَرَهُمْ ﴾ في محل النصب على البدل، أي: لا يعصون ما أمر الله.
أي: أمره، كقوله تعالى: ﴿ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ﴾ [طه: 93] أو لا يعصونه فيما أمرهم.
فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟
قلت: لا، فإنّ معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثافلون عنه ولا يتوانون فيه.
فإن قلت: قد خاطب الله المشركين المكذبين بالوحي بهذا بعينه في قوله تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التى وَقُودُهَا الناس والحجارة ﴾ [البقرة: 24] وقال: ﴿ أُعِدَّتْ للكافرين ﴾ [البقرة: 24] فجعلها معدّة للكافرين، فما معنى مخاطبته به بالمؤمنين؟
قلت: الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار، فإنهم مساكنون الكفار في دار واحدة فقيل للذين آمنوا: قوا أنفسكم باجتناب الفسوق مساكنة الكفار الذين أعدت لهم هذه النار الموصوفة.
ويجوز أن يأمرهم بالتوقي من الارتداد، والندم على الدخول في الإسلام، وأن يكون خطاباً للذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون؛ ويعضد ذلك قوله تعالى على أثره ﴿ ياأيها الذين كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ اليوم إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (7) ﴾ أي: يقال لهم ذلك عند دخولهم النار لا تعتذروا، لأنه لا عذر لكم.
أو لأنه لا ينفعكم الاعتذار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ بِتَرْكِ المَعاصِي وفِعْلِ الطّاعاتِ.
﴿ وَأهْلِيكُمْ ﴾ بِالنُّصْحِ والتَّأْدِيبِ، وقُرِئَ و «أهْلُوكُمْ» عَطْفٌ عَلى واوِ قُوا، فَيَكُونُ أنْفُسَكُمُ أنْفُسَ القَبِيلَيْنِ عَلى تَغْلِيبِ المُخاطَبِينَ.
﴿ نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ﴾ نارًا تَتَّقِدُ بِهِما اتِّقادَ غَيْرِها بِالحَطَبِ.
﴿ عَلَيْها مَلائِكَةٌ ﴾ تَلِي أمْرَها وهُمُ الزَّبانِيَةُ.
﴿ غِلاظٌ شِدادٌ ﴾ غِلاظُ الأقْوالِ شِدادُ الأفْعالِ، أوْ غِلاظُ الخُلُقِ شِدادُ الخَلْقِ أقْوِياءُ عَلى الأفْعالِ الشَّدِيدَةِ.
﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ ﴾ فِيما مَضى.
﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ، أوْ لا يَمْتَنِعُونَ عَنْ قَبُولِ الأوامِرِ والتِزامِها ويُؤَدُّونَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ، والنَّهْيُ عَنِ الِاعْتِذارِ لِأنَّهُ لا عُذْرَ لَهُمُ أوِ العُذْرَ لا يَنْفَعُهم.
<div class="verse-tafsir"
{يا أيها الذين آمنوا قُواْ أَنفُسَكُمْ} بترك المعاصي وفعل الطاعات {وَأَهْلِيكُمْ} بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم {نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة} نوعاً من النار لا تتقد إلا بالناس والحجارة كما يتقد غيرها من النيران بالحطب {عليها} بلى أمرها وتعذيب أهلها {ملائكة} يعني الزبانية التسعة عشر وأعوانهم {غِلاَظٌ شِدَادٌ} في أجرامهم غلظة وشدة أو غلاظ الأقوال شداد الأفعال {لاَّ يَعْصُونَ الله} في موضع الرفع على النعت {مَا أَمَرَهُمْ} في محل النصب على البدل أي لا يعصون ما أمر الله أي أمره كقوله أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى أولا يعصونه فيما أمرهم {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وليست الجملتان في معنى واحد إذ معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ومعنى الثانية أنهم يؤدون ما يؤمرون به ولا يتثاقلون عليه ولا يتوانون فيه
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمْ ﴾ نارًا أيْ نَوْعًا مِنَ النّارِ ﴿ وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ﴾ تَتَّقِدُ بِهِما اتِّقادَ غَيْرِها بِالحَطَبِ، ووِقايَةُ النَّفْسِ عَنِ النّارِ بِتَرْكِ المَعاصِي وفِعْلِ الطّاعاتِ، ووِقايَةُ الأهْلِ بِحَمْلِهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالنُّصْحِ والتَّأْدِيبِ، ورُوِيَ «أنَّ عُمَرَ قالَ حِينَ نَزَلَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَقِي أنْفُسَنا فَكَيْفَ لَنا بِأهْلِينا ؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: تَنْهَوْهُنَّ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ وتَأْمُرُوهُنَّ بِما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ وِقايَةً بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ النّارِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: عَلِّمُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمُ الخَيْرَ وأدَّبُوهم، والمُرادُ بِالأهْلِ عَلى ما قِيلَ: ما يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ والوَلَدَ والعَبْدَ والأمَةَ.
واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى الرَّجُلِ تَعَلُّمُ ما يَجِبُ مِنَ الفَرائِضِ وتَعْلِيمُهُ لِهَؤُلاءِ، وأدْخَلَ بَعْضُهُمُ الأوْلادَ في الأنْفُسِ لِأنَّ الوَلَدَ بَعْضٌ مِن أبِيهِ، وفي الحَدِيثِ ««رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قالَ: يا أهْلاهُ صَلاتَكم صِيامَكم زَكاتَكم مَسْكَنَكم يَتِيمَكم جِيرانَكم لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُكم مَعَهُ في الجَنَّةِ»»، وقِيلَ: إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن جَهِلَ أهْلَهُ.
وقُرِئَ - وأهْلُوكم -بِالواوِ وهو عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿ قُوا ﴾ وحَسُنَ العَطْفُ لِلْفَصْلِ بِالمَفْعُولِ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَ بَعْضٍ ولْيَقِ أهْلُوكم أنْفُسَهم ولَمْ يَرْتَضِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ ما حاصِلُهُ أنَّ الأصْلَ ﴿ قُوا ﴾ أنْتُمْ وأهْلُوكم أنْفُسَكم وأنْفُسَهم بِأنْ يَقِيَ ويَحْفَظَ كُلٌّ مِنكم ومِنهم نَفْسَهُ عَمّا يُوبِقُها، فَقَدَّمَ أنْفُسَكم، وجَعَلَ الضَّمِيرَ المُضافَ إلَيْهِ الأنْفُسَ مُشْتَمِلًا عَلى الأهْلِينَ تَغْلِيبًا فَشَمِلَهُمُ الخِطابُ، وكَذا اعْتُبِرَ التَّغْلِيبُ في ﴿ قُوا ﴾ ، وفِيهِ تَقْلِيلٌ لِلْحَذْفِ وإيثارُ العَطْفِ المُفْرَدِ الَّذِي هو الأصْلُ والتَّغْلِيبُ الَّذِي نُكْتَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى الأصالَةِ والتَّبَعِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ «وُقُودُها» بِضَمِّ الواوِ أيْ ذُو وُقُودِها، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ يُعْلَمُ مِمّا مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ عَلَيْها مَلائِكَةٌ ﴾ أيْ أنَّهم مُوَكَّلُونَ عَلَيْها يَلُونَ أمْرَها وتَعْذِيبَ أهْلِها وهُمُ الزَّبانِيَةُ التِّسْعَةَ عَشَرَ قِيلَ: وأعْوانُهم ﴿ غِلاظٌ شِدادٌ ﴾ غِلاظُ الأقْوالِ شِدادُ الأفْعالِ، أوْ غِلاظُ الخُلُقِ شِدادُ الخَلْقِ أقْوِياءُ عَلى الأفْعالِ الشَّدِيدَةِ، أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ ما بَيْنَ مَنكِبَيْ أحَدِهِمْ مَسِيرَةُ مِائَةِ خَرِيفٍ لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ رَحْمَةٌ إنَّما خُلِقُوا لِلْعَذابِ يَضْرِبُ المَلَكُ مِنهُمُ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ الضَّرْبَةَ فَيَتْرُكُهُ طَحْنًا مِن لَدُنْ قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ ﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى - لِمَلائِكَةٍ - وما في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى البَدَلِ أيْ لا يَعْصُونَ ما أمَرَ اللَّهُ أيْ ما أمَرَهُ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَعَصَيْتَ أمْرِي ﴾ أوْ عَلى إسْقاطِ الجارِّ أيْ لا يَعْصُونَ فِيما أمَرَهم بِهِ ﴿ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ أيِ الَّذِي يَأْمُرُهم عَزَّ وجَلَّ بِهِ، والجُمْلَةُ الأُولى لِنَفْيِ المُعانَدَةِ والِاسْتِكْبارِ عَنْهم صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ﴾ ، والثّانِيَةُ لِإثْباتِ الكِياسَةِ لَهم ونَفْيِ الكَسَلِ عَنْهم فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ إلى ﴿ لا يَفْتُرُونَ ﴾ ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى إنَّ الأُولى لِبَيانِ القَبُولِ باطِنًا فَإنَّ العِصْيانَ أصْلُهُ المَنعُ والإباءُ، وعِصْيانُ الأمْرِ صِفَةُ الباطِنِ بِالحَقِيقَةِ لِأنَّ الإتْيانَ بِالمَأْمُورِ إنَّما يُعَدُّ طاعَةً إذا كانَ بِقَصْدِ الِامْتِثالِ فَإذًا نَفْيُ العِصْيانِ عَنْهم دَلَّ عَلى قَبُولِهِمْ وعَدَمِ إبائِهِمْ باطِنًا، والثّانِيَةُ لِأداءِ المَأْمُورِ بِهِ مِن غَيْرِ تَثاقُلٍ وتَوانٍ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ الِاسْتِمْرارُ المُسْتَفادُ مِن ”يَفْعَلُونَ“ فَلا تَكْرارَ، وفي الحُصُولِ ﴿ لا يَعْصُونَ ﴾ فِيما مَضى عَلى أنَّ المُضارِعَ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ﴿ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ في الآتِي.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الطَّرْدِ والعَكْسِ وهو كُلُّ كَلامَيْنِ يُقَرِّرُ الأوَّلُ بِمَنطُوقِهِ مَفْهُومَ الثّانِي وبِالعَكْسِ مُبالَغَةً في أنَّهم لا تَأْخُذُهم رَأْفَةٌ في تَنْفِيذِ أوامِرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والغَضَبِ لَهُ سُبْحانَهُ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ، فخوفهن الله تعالى بفراق النبيّ إياهن، وعسى من الله واجب إِنْ طَلَّقَكُنَّ عسى ربه أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً.
قرأ نافع، وأبو عمرو يُبْدِلَهُ بتشديد الدال، والباقون بالتخفيف ومعناهما واحد.
يقال: بدَّل وأبدل.
خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ يعني: مستسلمات لأمر النبيّ .
ويقال: يعني: معينات.
ثم قال: مُؤْمِناتٍ يعني: مصدقات في إيمانهن، قانِتاتٍ يعني: مطيعات لله تعالى ولرسوله ، تائِباتٍ يعني: راجعات عن الذنوب، عابِداتٍ يعني: موحدات مطيعات، سائِحاتٍ يعني: صائمات.
وقال أهل اللغة: إنما سمي الصائم سائحاً، لأن الذي يسيح للعبادة لا زاد معه، يمضي نهاره لا يطعم شيئاً ولذلك سمي الصائم سائحاً، ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً.
الثيبات: جمع الثيب والأبكار: جمع البكر.
وهن العذارى.
ويقال: هذا وعد من الله تعالى للنبي بأن يزوجه في الجنة، والثيب: هي آسية امرأة فرعون، والبكر: هي مريم أم عيسى- - وهي ابنة عمران تكون وليته في الجنة، ويجتمع عليها أهل الجنة فيزوج الله تعالى هاتين المرأتين محمدا .
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ يعني: بعدوا أنفسكم عن النار بطاعة الله وطاعة رسوله .
وَأَهْلِيكُمْ يعني: أهليكم نَارًا بتعليمهم ما ينجيهم منها.
وقال قتادة: مروهم بطاعة الله تعالى، وانهوهم عن معصية الله.
وقال مجاهد: يعني: أوصوا أهليكم بتقوى الله ويقال: أدبوهم وعلموهم خيراً، تقوهم بذلك ناراً وَقُودُهَا يعني: حطبها.
والوقود: ما توقد به النار يعني: حطبها النَّاسُ إذا صاروا إليها وحطبها، وَالْحِجارَةُ قبل أن يصير الناس إليها، وهي حجارة الكبريت.
ثم قال: عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ يعني: على النار ملائكة موكلين غلاظ يعني: أقوياء يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ يعني: ليسوا كأعوان ملوك الدنيا يمتنعون بالرشوة، ولكن يفعلون مَا يُؤْمَرُونَ يعني: لا يفعلون غير ما أمرهم الله تعالى.
ثم قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ يعني: يقول لهم الملائكة يوم القيامة حين يعتذرون: لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ يعني: لا يقبل منكم العذر.
إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: تعاقبون بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي.
ثم أمر المؤمنين بالتوبة عن الذنوب.
فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً يعني: صادقاً في توبته، ويقال: تنصحون لله فيها من غير مداهنة.
وروى سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير قال: سئل عمر بن الخطاب- - عن التوبة النصوح، فقال: هو الرجل يتوب من عمل السوء، ثم لا يعود إليه أبداً.
وروي، عن ابن عباس أنه قال: توبة النصوح: الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإضمار أن لا يعود إليها.
قرأ نافع، وعاصم في إحدى الروايتين تَوْبَةً نَصُوحاً بضم النون، والباقون بالنصب.
فمن قرأ بالنصب، فهو صفة التوبة يعني: توبة بالغة في النصح، كما يقال: رجل صبور وشكور.
ومن قرأ بالضم، يعني: ينصحوا بها نصوحاً، كما يقال: نصحت له نصحاً ونصوحاً.
ثم قَالَ: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يعني: يغفر لكم ما مضى من ذنوبكم إن تبتم.
وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ صار اليوم نصاً لنزع الخافض يعني.
يكفر عنكم في يوم لا يخزي الله النبي.
قال الكلبي: يعني: لا يعذب الله النبي، ويقال: يوم لا يخزيه فيما أراد من الشفاعة.
وغيره، وتم الكلام.
ثم قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني: على الصراط.
وروى الحسن، عن النبي أنه قال: «مِنَ المُؤْمِنِينَ مَنْ نُورُهُ أَبْعَدُ ما بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدنِ أبْيَنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ نُوُرُه لَا يُجَاوِزُ قَدَمَيْهِ» ، فقال: نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني: يضيء بين أيديهم.
وَبِأَيْمانِهِمْ يعني: عن أيمانهم وعن شمائلهم على وجه الإضمار.
يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا، ذلك حين طفئت أنوار المنافقين، أشفق المؤمنون على نورهم، ويتفكرون فيما مضى منهم من العذاب، فيقولون: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا يعني: احفظ علينا نورنا، وَاغْفِرْ لَنا ما مضى من ذنوبنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من إتمام النور والمغفرة.
<div class="verse-tafsir"
ومَا بعدَه يحتملُ أنْ يكونَ عَطْفاً على اسمِ اللَّهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ جبريلُ رَفْعاً بالابتداء وما بعده عطف عليه وظَهِيرٌ هُو الخَبَرُ، وخَرّجَ البخاريّ بسنده عن أنس قال: قال عمر:
اجتمع نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم في الغِيرَةِ عليه فقلتُ لَهُنَّ: عسى ربُّه إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يبدله أزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ، فنزلت هذه الآية «١» ، انتهى، وقانِتاتٍ معناه مُطِيعَات، والسائحاتُ قِيل: معناه:
صَائِمَاتٌ، وقيل: معناه: / مُهَاجِرَاتٌ، وقيل: معناه ذَاهِبَاتٌ في طَاعَةِ اللَّهِ، وشُبِّه الصَّائِمُ بالسائِحِ من حيثُ يَنْهَمِلُ السائِحُ وَلا يَنْظُرُ في زادٍ ولاَ مَطْعَمٍ، وكذلك الصائم يُمْسِك عن ذلك، فيستوي هو والسائِح في الامْتِنَاعِ، وشَظَفِ العَيْشِ لِفَقْدِ الطَّعَام.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ...
الآيةُ، قُوا معناه اجْعَلُوا وِقَايَةً بينكم وبينَ النارِ، وقوله: وَأَهْلِيكُمْ معناه بالوَصِيَّةِ لهم والتقويم والحَمْلِ على طاعةِ اللَّه، وفي الحديثِ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَال: يا أهْلاَهُ صَلاَتَكُمْ، صِيَامَكُمْ، [زَكَاتَكُمْ] ، مِسْكِينَكُمْ، يَتِيمَكُمْ» «٢» ت: وفي «العتبية» عن مالكٍ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللَّهَ أذِنَ لي أنْ أتَحَدَّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ، إنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعَاتِقِهِ لَمَخْفِقَ الطَّيْرِ سَبْعِينَ عَاماً» «٣» ، انتهى، وباقي الآية في غَايَةِ الوضوحِ، نَجَانَا اللَّهُ مِنْ عَذَابه بِفَضْلِه، والتوبةُ فَرْضٌ على كلِّ مسلمٍ، وهي الندمُ على فَارِطِ المعصيةِ، والعَزْمُ عَلى تَرْكِ مِثلِها في المستقبل، هذا من المتمكن، وأما غيرُ المتمكِّنِ كالمَجْبُوبِ في الزِّنَا فالندمُ وحدَه يكفيه، والتوبةُ عِبادَةٌ كالصَّلاَةِ، وغيرها، فإذا تَابَ العبدُ وَحَصَلَتْ توبتُه بشروطِها وقبلت، ثم عَاوَدَ الذنبَ فتوبتُه الأولَى لا تفسدُها عَوْدَةٌ بل هي كسَائِرِ مَا تَحَصَّلَ من
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا ﴾ وِقايَةُ النَّفْسِ: بِامْتِثالِ الأوامِرِ، واجْتِنابِ النَّواهِي، ووِقايَةِ الأهْلِ: بِأنْ يُؤْمَرُوا بِالطّاعَةِ، ويُنْهَوْا عَنِ المَعْصِيَةِ.
وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَلِّمُوهم وأدِّبُوهم ﴿ وَقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ﴾ وقَدْ ذَكَرْناهُ في [البَقَرَةِ: ٢٤] ﴿ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ ﴾ عَلى أهْلِ النّارِ ﴿ شِدادٌ ﴾ عَلَيْهِمْ.
وَقِيلَ: غِلاظُ القُلُوبِ شِدادُ الأبْدانِ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَزَنَةُ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ، ما بَيْنَ مَنكِبَيْ أحَدِهِمْ مَسِيرَةُ سَنَةٍ، وقُوَّتُهُ: أنْ يَضْرِبَ بِالمِقْمَعَةِ، فَيَدْفَعُ بِتِلْكَ الضَّرْبَةِ سَبْعِينَ ألْفًا، فَيَهْوُونَ في قَعْرِ جَهَنَّمَ ﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ ﴾ أيْ: لا يَخالِفُونَ فِيما يَأْمُرُ ﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَتَجاوَزُونَ ما يُؤْمَرُونَ.
والثّانِي: يَفْعَلُونَهُ في وقْتِهِ لا يُؤَخِّرُونَهُ، ولا يُقَدِّمُونَهُ.
ويُقالُ لِأهْلِ النّارِ: ﴿ "يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ.
﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ "نُصُوحًا" بِضَمِّ النُّونِ.
والباقُونَ بِفَتْحِها.
قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن فَتَحَ فَعَلى صِفَةِ التَّوْبَةِ، ومَعْناهُ: تَوْبَةٌ بالِغَةٌ في النُّصْحِ، "وَفَعُولٌ" مِن أسْماءِ الفاعِلِينَ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ.
تَقُولُ: رَجُلٌ صَبُورٌ، وشَكُورٌ.
ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ، فَمَعْناهُ: يَنْصَحُونَ فِيها نُصُوحًا، يُقالُ: نَصَحَتْ لَهُ نُصْحًا، ونَصاحَةً، ونُصُوحًا.
وقالَ غَيْرُهُ: مَن ضَمَّ أرادَ: تَوْبَةَ نُصْحٍ لِأنْفُسِكم.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ: أنْ يَتُوبَ العَبْدُ مِنَ الذَّنْبِ وهو يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أنَّهُ لا يَعُودُ.
وسُئِلَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَقالَ: نَدَمٌ بِالقَلْبِ، واسْتِغْفارٌ بِاللِّسانِ، وتَرْكٌ بِالجَوارِحِ، وإضْمارُ أنْ لا يَعُودَ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ تُكَفِّرُ كُلَّ سَيِّئَةٍ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ﴾ قَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الخِزْيِ" في [آلِ عِمْرانَ: ١٩٢] وبَيَّنّا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ ﴾ في [الحَدِيدِ: ١٢] ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا ﴾ وذَلِكَ إذا رَأى المُؤْمِنُونَ نُورَ المُنافِقِينَ يُطْفَأُ سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُتَمِّمَ لَهم [نُورَهُمْ]، ويُبَلِّغَهم بِهِ الجَنَّةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلّا يُعْطى نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ.
فَأمّا المُنافِقُ فَيُطْفَأُ نُورُهُ، والمُؤْمِنُ مُشْفِقٌ مِمّا رَأى مِن إطْفاءِ نُورِ المُنافِقِ، فَهم يَقُولُونَ: ﴿ "رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا" .
﴾ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها الناسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عنكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهِ النَبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمْ ﴾ مَعْناهُ: اجْعَلُوا وِقايَةَ بَيْنِكم وبَيْنَ النارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةِ تَعْلِيلُ اللَفْظَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأهْلِيكُمْ" مَعْناهُ: بِالوَصِيَّةِ لَهم والتَقْدِيمِ والحَمْلِ عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى، وفي حَدِيثِ: « "لا تَزْنِي فَيَزْنِي أهْلُكَ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قالَ: يا أهْلاهُ، صَلاتَكُمْ، صِيامَكُمْ، مِسْكِينَكُمْ، يَتِيمَكُمْ"،» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَقُودُها" بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، وقِيلَ: هُما بِمَعْنى، وقِيلَ: الضَمُّ مَصْدَرٌ والفَتْحُ اسْمٌ، ويُرْوى أنَّ الحِجارَةَ هي حِجارَةُ الكِبْرِيتِ وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، ويُرْوى أنَّها جَمِيعُ أنْواعِ الحِجارَةِ، وفي بَعْضِ الحَدِيثِ «أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ سَمِعَ أنِينًا بِفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَتَبِعَهُ حَتّى بَلَغَ إلى حَجَرٍ يَئِنُّ ويَحْزَنُ، فَقالَ لَهُ: ما لَكَ أيُّها الحَجَرُ؟
قالَ: يا رُوحَ اللهِ إنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿ وَقُودُها الناسُ والحِجارَةُ ﴾ فَخِفْتُ أنْ أكُونَ مِن تِلْكَ الحِجارَةِ، فَعَجِبَ مِنهُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وانْصَرَفَ،» ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا المَعْنى في التَوْراةِ أو في الإنْجِيلِ، فَذَلِكَ الَّذِي سَمِعَ الحَجَرَ إذا عُبِّرَ عنهُ بِالعَرَبِيَّةِ كانَ هَذا اللَفْظُ.
ووَصْفُ المَلائِكَةِ بِالغِلْظَةِ مَعْناهُ في القُلُوبِ والبَطْشِ الشَدِيدِ والفَظاظَةِ، كَما قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ : "وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ"، و"الشِدَّةُ": القُوَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ شِدَّتُهم عَلى الكَفّارِ فَهي بِمَعْنى الغِلْظَةِ.
ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِالطَواعِيَةِ لِرَبِّهِمْ، وكَرَّرَ المَعْنى تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ ما يَقْتَضِي أنَّهم يَدْخُلُونَ الكَفّارَ النارَ بِجِدٍّ واخْتِيارٍ ويُغْلِظُونَ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ بَعْدَ تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى: فَيُقالُ لِلْكُفّارِ: "لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ"، أيْ: إنَّ المَعْذِرَةَ لا تَنْفَعُكُمْ، وإنَّما تُجْزَوْنَ بِأعْمالِكُمْ، فَلا تَلُومُوا إلّا أنْفُسَكم.
ثُمَّ أمَرَ عِبادَهُ بِالتَوْبَةِ، والتَوْبَةُ فَرْضٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ، و"تابَ" مَعْناهُ: رَجَعَ، فَتَوْبَةُ العَبْدِ: رُجُوعُهُ مِنَ المَعْصِيَةِ إلى الطاعَةِ، وتَوْبَةُ اللهِ تَعالى عَلى العَبْدِ إظْهارُ صَلاحِهِ ونِعْمَتِهِ عَلَيْهِ في الهِدايَةِ لِلطّاعَةِ، وقَبُولُ تَوْبَةِ الكَفّارِ يَقْطَعُ بِها عَلى اللهِ تَعالى إجْماعًا مِنَ الأُمَّةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَوْبَةِ العاصِي، فَجُمْهُورُ أهْلِ السُنَّةِ عَلى أنَّهُ لا يَقْطَعُ بِقَبُولِها ولا ذَلِكَ عَلى اللهِ بِواجِبٍ، والدَلِيلُ عَلى ذَلِكَ دُعاءُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ التائِبِينَ في قَبُولِ التَوْبَةِ، ولَوْ كانَ مَقْطُوعًا بِهِ لَما كانَ مَعْنًى لِلدُّعاءِ في قَبُولِها، وظَواهِرُ القُرْآنِ في ذَلِكَ هي كُلُّها بِمَعْنى المَشِيئَةِ، ورُوِيَ عن أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قالَ: التَوْبَةُ إذا تَوافَرَتْ شُرُوطُها قَطَعَ عَلى اللهِ تَعالى بِقَبُولِهِ لِأنَّهُ أخْبَرَ بِذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَمَسُّكٌ بِظَواهِرِ القُرْآنِ، وعَلى هَذا القَوْلِ أطْبَقَتِ المُعْتَزِلَةُ، والتَوْبَةُ: النَدَمُ عَلى فارِطِ مَعْصِيَةٍ، والعَزْمُ عَلى تَرْكِ مِثْلِها في المُسْتَقْبَلِ، وهَذا مِنَ المُتَمَكِّنِ، وأمّا غَيْرُ المُتَمَكِّنِ كالمَجْبُوبِ في الزِنا فالنَدَمُ وحْدَهُ يَكْفِيهِ، والتَوْبَةُ عِبادَةٌ كالصَلاةِ وغَيْرِها، فَإذا تابَ العَبْدُ وحَصَلَتْ تَوْبَتُهُ بِشُرُوطِها وقُبِلَتْ ثُمَّ عاوَدَ الذَنْبَ فَتَوْبَتُهُ الأُولى لا تُفْسِدُها عَوْدَةٌ، بَلْ هي كَسائِرِ ما يَحْصُلُ مِنَ العِباداتِ.
و"النَصُوحُ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ النُصْحِ، أيْ: تَوْبَةٌ نَصَحَتْ صاحِبَها وأرْشَدَتْهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَصُوحًا" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وخارِجَةَ عن نافِعٍ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، وعِيسى: "نَصُوحًا" بِضَمِّ النُونِ، وهو مَصْدَرٌ، يُقالُ: نَصَحَ يَنْصَحُ، نَصاحَةً ونُصُوحًا قالَهُ الزَجّاجُ، فَوَصَفَ التَوْبَةَ بِالمَصْدَرِ كالعَدْلِ والزُورِ ونَحْوِهِ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: التَوْبَةُ النَصُوحُ هي أنْ يَتُوبَ ثُمَّ لا يَعُودُ ولا يُرِيدُ أنْ يَعُودَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: هي أنْ تَضِيقَ عَلَيْكَ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ كَتَوْبَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَسى رَبُّكُمْ" الآيَةُ، تَرْجِيَةٌ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ "عَسى" مِنَ اللهِ تَعالى واجِبَةٌ، والعامِلِ في "يَوْمَ" هو "يُدْخِلُكُمْ"، ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَبِيَّ ﴾ أنَّ مُحَمَّدًا تَضْرَّعَ في أمْرِ أُمَّتِهِ فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ حِسابَهم إلَيْكَ، فَقالَ: يا رَبِّ أنْتَ أرْحَمُ بِهِمْ، فَقالَ اللهُ تَعالى: إذًا لا أُخْزِيكَ فِيهِمْ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَبِيَّ ﴾ ، والخِزْيُ المَكْرُوهُ الَّذِي يَتْرُكُ الإنْسانَ حَيْرانَ خَجِلًا مَهْمُومًا بِأنْ يَرى نَقْصَهُ أو سُوءَ مَنزِلَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى "النَبِيِّ" فَيَخْرُجُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الخِزْيِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً، و"نُورُهم يَسْعى" جُمْلَةٌ هي خَبَرُهُ، ويَبْقى النَبِيُّ مَخْصُوصًا مُفَضَّلًا بِأنَّهُ لا يَخْزى، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ ﴾ ، وقَرَأ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: "بِإيمانِهِمْ"، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَوْلُهُمْ: "أتْمِمْ لَنا نُورَنا" قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هو عِنْدَما يَرَوْنَ مِنِ انْطِفاءِ نُورِ المُنافِقِينَ حَسَبَما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وقِيلَ: يَقُولُ مَن أُعْطِيَ مِنَ النُورِ بِقَدْرِ ما يَرى مِن مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ فَقَطْ.
<div class="verse-tafsir"
كانت موعظة نساء النبي صلى الله عليه وسلم مناسبة لتنبيه المؤمنين لعدم الغفلة عن موعظة أنفسهم وموعظة أهليهم وأن لا يصدّهم استبقاء الودّ بينهم عن إسداء النصح لهم وإن كان في ذلك بعض الأذى.
وهذا نداء ثان موجه إلى المؤمنين بعد استيفاء المقصود من النداء الأول نداءِ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ [التحريم: 1].
وجه الخطاب إلى المؤمنين ليأتنسوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أهليهم.
وعبر عن الموعظة والتحذير بالوقاية من النار على سبيل المجاز لأن الموعظة سبب في تجنب ما يفضي إلى عذاب النار أو على سبيل الاستعارة بتشبيه الموعظة بالوقاية من النار على وجه المبالغة في الموعظة.
وتنكير «نار» للتعظيم وأجرى عليها وصف بجملة ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ زيادة في التحذير لئلا يكونوا من وقود النار.
وتذكيراً بحال المشركين الذي في قوله تعالى: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ في سورة [الأنبياء: 98].
وتفظيعاً للنار إذ يكون الحجر عِوضاً لها عن الحَطب.
ووصفت النار بهذه الجملة لأن مضمون هذه الجملة قد تقرر في علم المسلمين من قبل نزول هذه الآية بما تقدم في سورة [البقرة: 24] من قوله تعالى: ﴿ فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ﴾ وبما تقدمهما معاً من قوله: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ في سورة [الأنبياء: 98].
والحجارة}: جمع الحجر على غير قياس فإن قياسه أحجار فجمعوه على حِجارٍ بوزن فِعال وألحقوا به هاء التأنيث كما قالوا: بِكارة جمع بَكر، ومِهارة جمع مُهْر.
وزيد في تهويل النار بأنَّ عليها ملائكة غلاظاً شداداً وجملة ﴿ عليها ملائكة ﴾ إلى آخرها صفة ثانية.
ومعنى ﴿ عليها ﴾ أنهم موكلون بها.
فالاستعلاء المفاد من حرف (على) مستعار للتمكن كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5].
وفي الحديث " فلم يكن على بابه بوّابون " و ﴿ غلاظ ﴾ جمع غليظ وهو المتصف بالغلظة.
وهي صفة مشبهة وفعلها مِثل كَرُم.
وهي هنا مستعارة لقساوة المعاملة كقوله تعالى: ﴿ ولو كنتَ فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾ [آل عمران: 159] أي لو كنت قاسياً لما عاشروك.
و«شداد»: جمع شديد.
والشدة بكسر الشين حقيقتها قوة العمل المؤذي والموصوف بها شديد.
والمعنى: أنهم أقوياء في معاملة أهل النار الذين وكلوا بهم: يقال: اشتدّ فلان على فلان، أي أساء معاملته، ويقال: اشتدّت الحرب، واشتدت البأساء.
والشدة من أسماء البؤس والجوع والقحط.
وجملة ﴿ لا يعصون الله ما أمرهم ﴾ ثناء عليهم أعقب به وصفهم بأنهم غلاظ شداد تعديلاً لما تقتضيانه من كراهية نفوس الناس إياهم، وهذا مؤذن بأنهم مأمورون بالغلظة والشدة في تعذيب أهل النار.
وأما قوله: ﴿ ويفعلون ما يؤمرون ﴾ فهو تصريح بمفهوم ﴿ لا يعصون الله ما أمرهم ﴾ دعا إليه مقام الإِطناب في الثناء عليهم، مع ما في هذا التصريح من استحضار الصورة البديعة في امتثالهم لما يؤمرون به.
وقد عُطف هذا التأكيد عطفاً يقتضي المغايرة تنويهاً بهذه الفضيلة لأن فعل المأمور أوضح في الطاعة من عدم العصيان واعتبار لمغايرة المعنيين وإن كان قالهما واحد ولك أن تجعل مرجع ﴿ لا يعصون الله ما أمرهم ﴾ أنهم لا يعصون فيما يكلفون به من أعمالهم الخاصة بهم، ومرجع ﴿ ويفعلون ما يؤمرون ﴾ إلى ما كلفوا بعمله في العصاة في جهنم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا ﴾ قالَ خَيْثَمَةُ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فَفي التَّوْراةِ يا أيُّها المَساكِينُ.
وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا قالَ اللَّهُ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فارْعَها سَمْعَكَ فَإنَّهُ خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ أوْ شَرٌّ تُنْهى عَنْهُ.
وَقالَ الزُّهْرِيُّ: إذا قالَ اللَّهُ تَعالى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا افْعَلُوا، فالنَّبِيُّ مِنهم.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا ﴾ أيِ اصْرِفُوا عَنْها النّارَ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ ولَوْ تَوَقّى لَوَقاهُ الواقِي وكَيْفَ يُوَقّى ما المَوْتُ لاقِي وَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ قُوا أنْفُسَكم، وأهْلُوكم فَلْيَقُوا أنْفُسَهم نارًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: قُوا أنْفُسَكم ومُرُوا أهْلِيكم بِالذِّكْرِ والدُّعاءِ حَتّى يَقِيَكُمُ اللَّهُ بِهِمْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: قُوا أنْفُسَكم بِأفْعالِكم، وقَوْا أهْلِيكم بِوَصِيَّتِكم، قالَهُ عَلِيٌّ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.
وَفي الوَصِيَّةِ الَّتِي تَقِيهِمُ النّارَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَأْمُرُهم بِطاعَةِ اللَّهِ ويَنْهاهم عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يُعَلِّمُهم فُرُوضَهم ويُؤَدِّبُهم في دُنْياهم، قالَهُ عَلِيٌّ.
الثّالِثُ: يُعَلِّمُهُمُ الخَيْرَ ويَأْمُرُهم بِهِ، ويُبَيِّنُ لَهُمُ الشَّرَّ، ويَنْهاهم عَنْهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: حُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ ووَلَدِهِ وعَبِيدِهِ وإمائِهِ.
﴿ وَقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ﴾ في ذِكْرِ الحِجارَةِ مَعَ النّاسِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الحِجارَةُ الَّتِي عَبَدُوها، حَتّى يُشاهِدُوا ما أوْجَبَ مَصِيرَهم إلى النّارِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ الثّانِي: أنَّها حِجارَةٌ مِن كِبْرِيتٍ وهي تَزِيدُ في وقُودِها النّارَ وكانَ ذِكْرُها زِيادَةً في الوَعِيدِ والعَذابِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الحِجارَةَ لِيَعْلَمُوا أنَّ ما أحْرَقَ الحِجارَةَ فَهو أبْلَغُ في إحْراقِ النّاسِ.
رَوى ابْنُ أبِي زائِدَةَ قالَ: بَلَغَنِي «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ الآيَةَ، وعِنْدَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ، ومِنهم شَيْخٌ فَقالَ الشَّيْخُ: يا رَسُولَ اللَّهِ حِجارَةُ جَهَنَّمَ كَحِجارَةِ الدُّنْيا؟
فَقالَ واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَصَخْرَةٌ مِن جَهَنَّمَ أعْظَمُ مِن جِبالِ الدُّنْيا كُلِّها، فَوَقَعَ الشَّيْخُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ يَدَهُ عَلى فُؤادِهِ فَإذا هو حَيٌّ، فَقالَ: يا شَيْخُ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ بِها، فَبَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ، فَقالَ أصْحابُهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أمِن بَيْنِنا؟
قالَ: نَعَمْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ ﴾ » ﴿ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ ﴾ يَعْنِي غِلاظَ القُلُوبِ، شِدادَ الأفْعالِ وهُمُ الزَّبانِيَةُ.
﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ ﴾ أيْ لا يُخالِفُونَهُ في أمْرِهِ مِن زِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ.
﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ يَعْنِي في وقْتِهِ فَلا يُؤَخِّرُونَهُ ولا يُقَدِّمُونَهُ.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ هي الصّادِقَةُ النّاصِحَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ النَّصُوحَ أنْ يَبْغَضَ الذَّنْبَ الَّذِي أحَبَّهُ ويَسْتَغْفِرَ مِنهُ إذا ذَكَرَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنْ لا يَثِقَ بِقَبُولِها ويَكُونَ عَلى وجِلٍ مِنها.
الرّابِعُ: أنَّ النَّصُوحَ هي الَّتِي لا يَحْتاجُ مَعَها إلى تَوْبَةٍ.
الخامِسُ: أنْ يَتُوبَ مِنَ الذَّنْبِ ولا يَعُودَ إلَيْهِ أبَدًا، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.
وَهي عَلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النِّصاحَةِ وهي الخِياطَةُ.
وَفي أخْذِها مِنها وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها تَوْبَةٌ قَدْ أحْكَمَتْ طاعَتَهُ وأوْثَقَتْها كَما يُحْكِمُ الخَيّاطُ الثَّوْبَ بِخِياطَتِهِ وتَوْثِيقِهِ.
الثّانِي: لِأنَّها قَدْ جَمَعَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ وألْصَقَتْهُ بِهِمْ كَما يَجْمَعُ الخَيّاطُ الثَّوْبَ ويُلْصِقُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ.
وَمِنهم مَن قَرَأ نُصُوحًا بِضَمِّ النُّونِ، وتَأْوِيلِها عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَوْبَةُ نُصْحٍ لِأنْفُسِكم، ويَرْوِي نَعِيمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (إنَّ اللَّهَ تَعالى أشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِن أحَدِكم بِضالَّتِهِ يَجِدُها بِأرْضٍ فَلاةٍ عَلَيْها زادُهُ وسِقاؤُهُ)» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة وأبي مالك وقتادة في قوله: ﴿ قانتات ﴾ قال: مطيعات، وفي قوله: ﴿ سائحات ﴾ قالوا: صائمات.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قرأ ﴿ سيحات ﴾ مثقلة بغير ألف.
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن بريدة في قوله: ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ قال: وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يزوّجه بالثيب آسية امرأة فرعون وبالبكر مريم بنت عمران.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في المدخل عن عليّ بن أبي طالب في قوله: ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ قال: علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ قال: اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، وأمروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ قال: وأهليكم فليقوا أنفسهم.
وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أسلم قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ فقالوا: يا رسول الله كيف نقي أهلنا ناراً؟
قال: تأمرونهم بما يحبه الله وتنهونهم عما يكره الله» .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ قال: أدبوا أهليكم.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ قال: أوصوا أهليكم بتقوى الله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ قال: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن معصية الله.
وأخرج ابن المنذر عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: مر عيسى عليه السلام بجبل معلق بين السماء والأرض، فدخل فيه وبكى وتعجب منه، ثم خرج منه إلى من حوله، فسأل: ما قصة هذا الجبل؟
فقالوا: ما لنا به علم، كذلك أدركنا آباءنا، فقال: يا رب، ائذن لهذا الجبل يخبرني ما قصته؟
فأذن له فقال: لما قال الله: ﴿ ناراً وقودها الناس والحجارة ﴾ اضطربت خفت أن أكون من وقودها، فأدع الله أن يؤمنني، فدعا الله تعالى فأمنه، فقال: الآن قررت، فقرَّ على الأرض.
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن قدامة في كتاب البكاء والرقة عن محمد بن هاشم قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ قرأها النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعها شاب إلى جنبه، فصعق، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في حجره رحمة له، فمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم فتح عينيه، فإذا رأسه في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بأبي أنت وأمي مثل أي شيء الحجر؟
فقال: أما يكفيك ما أصابك، على أن الحجر منها لو وضع على جبال الدنيا لذابت منه، وإن مع كل إنسان منهم حجراً أو شيطاناً والله أعلم» .
قوله تعالى: ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم...
﴾ .
أخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أن خزنة النار تسعة عشر ما بين منكب أحدهم مسيرة مائتي خريف ليس في قلوبهم رحمة، إنما خلقوا للعذاب، ويضرب الملك منهم الرجل من أهل النار الضربة فيتركه طحناً من لدن قرنه إلى قدمه.
وأخرج ابن جرير عن كعب قال: ما بين منكب الخازن من خزنتها مسيرة ما بين سنة، مع كل واحد منهم عمود وشعبتان يدفع به الدفعة يصدع في الناس سبعمائة ألف.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ (١) (٢) ﴿ وَأَهْلِيكُمْ ﴾ قال عمر: يا رسول الله: هذا نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا؟
قال: "تنهونهم عما نهاكم الله، وتأمرونهم بما أمركم الله به" (٣) قال مقاتل بن حيان: يعني أن يؤدب الرجل المسلم نفسه وأهله فيعلمهم الخير وينهاهم عن الشر، فذلك حق على المسلم أن يفعل بنفسه وأهله وعبيده وإمائه في تأديبهم وتعليمهم (٤) وقال علي - - (٥) (٦) وقال الحسن: تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصيته (٧) (٨) قال ابن عمر لرجل: أدب ابنك فإنك مسؤول عن ولدك (٩) (١١) وقال أبو ذر: أوصاني رسول الله - - فقال: "أخف أهلك ولا ترفع عنهم عطاءك" (¬5).
وقال أبو إسحاق: المعنى: خذوا أنفسكم وأهليكم بما يقرب من الله، وجنبوا أنفسكم وأهليكم المعاصي (١٢) وقال مقاتل: قوا أنفسكم وأهليكم المعاصي بالأدب الصالح النار في الآخرة (١٣) ﴿ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ ، وقد سبق تفسيره في سورة البقرة (¬8).
قوله تعالى: ﴿ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد خزنة النار تسعة عشر ملكًا (١٤) ﴿ غِلَاظٌ ﴾ أي على أهل النار كقوله: ﴿ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، ويجوز أن يكون معنى الغلظ هاهنا ضخامة أجسامهم.
قال (١٥) (١٦) وقوله: ﴿ شِدَادٌ ﴾ أي أقوياء.
قالا: وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"زاد المسير" 8/ 313، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 196.]].
(١) في (ك): (أنفسكم وأهليكم).
(٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 367، وأخرج ابن جرير وغيره عنه قال: (اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، وأمروا أهليكم بالذكر، ينجيكم الله من النار).
انظر: "جامع البيان" 28/ 107، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 391، و"الدر" 6/ 244.
(٣) ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 292، بدون سند.
ونحوه روى ابن مردويه عن زيد بن أسلم قال: تلا رسول الله - - هذه الآية ﴿ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ فقالوا: يا رسول الله: كيف نقي أهلنا نارًا.
قال: (تأمرونهم بما يحبه الله وتنهونهم عما يكره الله) "الدر" 6/ 244.
(٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 46، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 391.
(٥) في (ك): (رحمه الله).
(٦) أخرجه عبد الرزاق وابن جرير والحاكم، وصححه ولفظه (علموا أهليكم خيرًا).
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، و"جامع البيان" 28/ 107، و"المستدرك" == 2/ 494، و"فتح الباري" 8/ 659 وقال: وروى الحاكم ....
ورواته ثقات، و"الاستذكار" 5/ 216 وقال: قال أهل العلم بتأويل القرآن ومعانيه: أدبوهم وعلموهم.
(٧) أخرج سعيد بن منصور نحوه عن الحسين.
انظر: "فتح الباري" 8/ 259.
(٨) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، و"جامع البيان" 28/ 107، و"الدر" 6/ 244.
(٩) في (ك): (كيف).
(١٠) انظر: "معاني القرآن" 5/ 194.
(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ.
(١٢) عند تفسيره الآية (¬24) من سورة البقرة قال: ﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ ﴾ ، أي: فاحذروا أن تصلوا النار بتكذيبكم، وإنما قيل لهم هذا بعد أن ثبتت الحجة عليهم في التوحيد وصدق محمد ﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ ﴾ قال ابن السكيت: الوُقود بالضم المصدر.
يقال: وقدت النار تقد وقودًا.
ويقال: ما أجود هذا الوقود للحطب.
﴿ وَالْحِجَارَةُ ﴾ جمع == حجر، وليس بقياس، ولكنهم قالوه كما قالوا: جمل وجمالة، وذكر وذكارة، وجاء في التفسير أن الحجارة هاهنا حجارة الكبريت.
وقوله: ﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ ﴾ لا يدل على أنها غير مخلوقة بأن الناس لم يدخلوها بعد لأنها متقدة بغير الناس فإذا دخلها الناس صاروا وقودها.
(١٣) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 151 ب، و"البحر المحيط" 8/ 292، و"روح المعاني" 28/ 157، ولم ينسب لقائل.
(١٤) في (ك): (فقال) زيادة.
(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"الدر" 6/ 244، وذكر تخريج ابن جريج له عن كعب بلفظ: (ما بين منكب الخازن من خزنتها مسيرة سنة ...)، وهذا مما نقل عن أهل الكتاب، والله أعلم.
(١٦) انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"زاد المسير" 8/ 313، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 196.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ أي أطيعوا الله وأمروا أهلكم بطاعته، لتقوا أنفسكم وأهليكم بطاعته من النار، فعبر بالمسبب وهو وقاية النار عن السبب وهو الطاعة ﴿ وَقُودُهَا ﴾ ذكر في [البقرة: 24] ﴿ مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ ﴾ يعني زبانية النار وغلظهم وشدتهم، يحتمل أن يريد في أجرامهم وفي قساوة قلوبهم ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ قيل: إن هذا تأكيد لقوله: لا يصعون الله، وقيل: إن معنى لا يعصون امتثال الأمر، ومعنى يفعلون ما يؤمرون، جدهم ونشاطهم فيما يؤمرون به من عذاب الناس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ عرف ﴾ بالتخفيف: عليّ ﴿ تظاهرا ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.
﴿ أن يبدله ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصوحاً ﴾ بضم النون: يحيى وحماد ﴿ وكتبه ﴾ على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.
الوقوف ﴿ لك ﴾ ج لاحتمال أن الجملة بعده حال أو استفهامية بحذف الحرف وهذا أحسن، لأن تحريم الحلال بغير ابتغاء مرضاتهن أيضاً غير جائز ﴿ أزواجك ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أيمانكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ مولاكم ﴾ ط للابتداء بذكر ما لم يزل من الوصفين مع اتفاق الجملتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ حديثاً ﴾ ج ﴿ عن بعض ﴾ ج ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ قلوبكما ﴾ ج ﴿ المؤمنين ﴾ ه لتناهي الشرط إلى الإخبار ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ وأبكاراً ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ نصوحاً ﴾ ط ﴿ الأنهار ﴾ لا بناء على أن الظرف يتعلق بقوله ﴿ ويدخلكم ﴾ وج لاحتمال أن ﴿ يوم ﴾ متعلق بقوله ﴿ يسعى ﴾ بعد ﴿ واغفر لنا ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال اللام ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لابتداء الحكاية ﴿ الداخلين ﴾ ه ﴿ فرعون ﴾ ج لئلا يتوهم أن الظرف متعلق بـ ﴿ ضرب ﴾ بل التقدير " اذكروا " ﴿ الظالمين ﴾ ه لأن ما بعده معطوف على امرأة فرعون ﴿ القانتين ﴾ ه.
التفسير: كان النبي يأتي زينب بنت جحش فيشرب عندها العسل، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنما نشم منك ريح المغافير.
والمغفور والمغثور شيء واحد ينضحه العرفط والرمث مثل الصمغ وهو حلو كالعسل ويؤكل وله ريح كريهة.
وكان النبي يكره التفل فحرم لقولهما على نفسه العسل.
الثاني أنه ما أحل الله له من ملك اليمين.
وههنا روايتان: الأولى "أنه خلا بمارية القبطية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمي عليّ وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي" ، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين.
الثانية أنه خلا بمارية في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية فقال عمر لابنته: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك.
فنزل جبريل وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها لمن نسائك في الجنة.
قال جمع من العلماء: لم يثبت عن رسول الله تحريم حلال بأن يقول: هو عليّ حرام ولكنه كان يميناً كقوله " والله لا أشرب العسل ولا أقرب الجارية بعد اليوم" فقيل له: لم تحرم أي لم تمتنع منه بسبب اليمين يعني أقدم على ما حلفت عليه وكفر عن يمينك ﴿ والله غفور ﴾ لك ﴿ رحيم ﴾ بك والدليل عليه ظاهر.
قوله ﴿ قد فرض الله لكم تحلة ﴾ بمعنى التحليل كالتكرمة ﴿ أيمانكم ﴾ أي شرع لكم تحليلها بالكفارة.
وقيل: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها وذلك أن يقول: إن شاء الله عقبها حتى لا يحنث.
والتحلة تفعلة بمعنى التحليل كالتكرمة بمعنى التكريم.
عن الحسن أنه لم يكفر عن يمينه لأنه كان مغفوراً له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين.
وعن مقاتل أنه أعتق رقبة في تحريم مارية.
وما حكم تحريم الحلال؟
قال أبو حنيفة: هو يمين على الامتناع من الانتفاع المقصود، فلو حرم طعاماً فهو يمين على الامتناع من أكله، أو أمه فعلى الامتناع من وطئها، أو زوجة فمحمول على ما نوى، فإن نوى الظهار فظهار، أو الطلاق فطلاق بائن، وإن لم ينو شيئاً فعلى الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا فعلى ما نوى.
وعن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد أن الحرام يمين.
وقال الشافعي: هو في النساء من صرائح ألفاظ الطلاق.
وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي.
وعن علي رضي الله عنه: ثلاث.
وعن عثمان: ظهار.
وعن مسروق والشعبي أنه ليس بشيء فما لم يحرمه الله ليس لأحد أن يحرمه ﴿ والله مولاكم ﴾ متولي أموركم وقيل: أولى بكم من أنفسكم ونصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم ﴿ وهو العليم ﴾ بما يصلحكم ﴿ الحكيم ﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ إذا أسرّ النبي إلى بعض أزواجه ﴾ وهي حفصة ﴿ حديثاً ﴾ هو حديث مارية وإمامة الشيخين ﴿ فلما نبأت به ﴾ حفصة عائشة ﴿ وأظهره الله ﴾ على نبيه أي أطلعه على إفشائه على لسان جبريل.
وقيل: أظهر الله الحديث على النبي فيكون من الظهور ﴿ عرف بعضه ﴾ أعلم ببعض الحديث.
ومن قرأ بالتخفيف من العرفان فمعناه المجازاة من قولك للمسيء " لأعرفنّ لك ذلك" وكان جزاؤه تطليقه إياها.
وقيل: المعرف حديث الإمامة والمعرض عنه حديث مارية.
وإنما أعرض عن البعض تكرماً.
قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام.
وروي أنه قال لها: ألم أقل لك اكتمي عليّ؟
قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحاً بالكرامة التي خص الله بها أبي.
وإنما ترك المفعول ولم يقل " فلما نبأت به بعضهنّ وعرفها بعضه لأن ذلك ليس بمقصود وإنما الغرض ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به"، وأن رسول الله بكرمه وحلمه لم يوجد منه إلا الإعلام بالبعض وهو حديث الإمامة.
ولما كان المقصود في قوله ﴿ من أنبأك هذا ﴾ ذكر المنبأ به أتى بالمفعولين جميعاً.
ثم وبخ عائشة وحفصة على طريقة الالتفات قائلاً ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴾ أي فقد وجد منكما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن إخلاص رسول الله من حب ما يحبه وبغض ما يكرهه والأصل قلباكما.
ووجه الجمع ما مر في قوله ﴿ فاقطعوا أيديهما ﴾ ﴿ وإن تظاهرا ﴾ أي تعاونا على ما يوجب غيظه فلم يعدم هو من يظاهره كيف والله ﴿ مولاه ﴾ أي ناصره ﴿ وجبريل ﴾ خاصة من بين الملائكة ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال أكثر العلماء: هو واحد في معنى الجمع لأنه أريد الجنس لشمول كل من آمن وعمل صالحاً.
وجوز أن يكون جمعاً وقد أسقط الواو في الخط لسقوطه في اللفظ.
عن سعيد بن جبير: هو كل من برىء من النفاق.
وقيل: الأنبياء والصحابة والخلفاء.
﴿ والملائكة ﴾ على كثرة جموعهم ﴿ بعد ذلك ﴾ الذي عرف من نصرة المذكورين ﴿ ظهير ﴾ فوج مظاهر له كأنهم يد واحدة فأي وزن لاتفاق امرأتين بعد تظاهر هؤلاء على ضد مطلوبهما.
ولا يخفى أن الكلام مسوق للمبالغة في الظاهر وإلا فكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً.
ثم وبخهما بنوع آخر وهو قوله ﴿ عسى ربه إن طلقكنّ ﴾ الآية.
والسائحات الصائمات كما في آخر التوبة.
قال جار الله: شبه الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره بالسائح الذي لا زاد معه فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد من يطعمه.
وقيل: السائحات المهاجرات فانظر في شؤم العصيان فإن أمهات المؤمنين وهنّ خير نساء العالمين يصير غيرهن بفرض عدم العصيان خيراً منهن بفرض العصيان وتطليق الرسول إياهن.
وقد عرفت في النظائر أن الواو في قوله ﴿ وأبكاراً ﴾ يقال لها " واو الثمانية " إلا أن للواو في هذا المقام فائدة أخرى وهي أن وصفي الثيابة والبكارة متنافيان لا يكون إلا أحدهما بخلاف الصفات المتقدمة فإنها ممكنة الاجتماع، فالمراد أن أولئك النساء جامعات للأوصاف المتقدمة ولأحد هذين.
ثم عمم التحذير فقال ﴿ قوا أنفسكم ﴾ وهو أمر من الوقاية في الحديث " "رحم الله رجلاً قال يا أهلاه صلاتكم وصيامكم وزكاتكم مسكينكم ويتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعهم معه في الجنة " وتفسير قوله ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ قد مر في أول " البقرة ".
وكونها معدّة للكافرين لا ينافي تعذيب المؤمنين الفسقة بها إن استحقوها.
وجوز أن يكون أمراً بالتوقي من الارتداد وأن يكون خطاباً للذين آمنوا بألسنتهم ﴿ عليها ملائكة ﴾ أي موكل على أهلها الزبانية التسعة عشر الموصوفون بالغلظة والشدة في الإجرام أو في الأفعال أو فيهما لأنه لا تأخذهم رأفة بمن عصى الله.
وقوله ﴿ ما أمرهم ﴾ نصب على البدل أي لا يعصون أمر الله.ولا يخفى أن عدم العصيان يستلزم امتثال الأمر فصرح بما عرف ضمناً قائلاً ﴿ ويفعلون ما يؤمرون ﴾ ويجوز أن يكون الأوّل عائداً إلى الماضي والثاني إلى المستقبل.
ثم وعظ المؤمنين بما يقال للكافرين عند دخولهم النار وهو قوله ﴿ لا تعتذروا ﴾ لأنه لا عذر لكم أو لا عذر مقبولاً لكم، وليس هذا من قبيل الظلم ولكنه جزاء أعمالهم.
ثم أرشد المؤمنين إلى طريق التوبة، ووصفت بالنصوح على الإسناد المجازي لأن النصح صفة التائبين وهو أن ينصحوا أنفسهم بالتوبة لا يكون فيها شوب رياء ولا نفاق.
وقيل: هو من نصاحة الثوب أي توبة ترفأ خروقك في دينك.
وقيل: خالصة عسل ناصح إذا خلص من الشمع.
وقيل: توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها.
و ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع ولئلا يتكلوا.
قوله ﴿ لا يخزي ﴾ تعريض لمن أخزاهم من أهل النار ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ كأنه استحمد المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم.
قوله ﴿ نورهم يسعى ﴾ قد مرّ في الحديد قوله ﴿ يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ﴾ أي قائلين ذلك إذا طفىء نور المنافقين خوفاً من زواله على عادة البشرية، أو لأن الإخلاص والنفاق من صفة الباطن لا يعرفه إلا الله على أنه يجوز أن يدعو المؤمن بما هو حاصل له مثل اهدنا، ويجوز أن يدعو به من هو أدنى منزلة لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلاً لا مجازاة لانقطاع التكليف والعمل يومئذ.
ثم أمر نبيه بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة أو بإقامة الحدود عليهم، وأمر باستعمال الغلظة والخشونة على الفريقين هذا عذابهم في الدنيا ولهم في الآخرة جهنم وقد سبق نظير الآية في " التوبة ".
ثم ضرب مثلاً لأهل الكفر امرأة نوح واسمها قيل واعلة وامرأة لوط.
واسمها قيل واهلة ومثلاً لأهل الإيمان امرأة فرعون واسمها آسية وهي عمة موسى ومريم ابنة عمران.
وفي ضمن التمثيلين تعريض بما مرّ في أول السورة من حال عائشة وحفصة وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين لا الكافرتين اللتين حين خانتا زوجيهما لم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئاً، وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة ﴿ ادخلا النار مع ﴾ سائر ﴿ الداخلين ﴾ الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء من قوم نوح وقوم لوط أو من كل قوم.
وفي قوله ﴿ عبدين من عبادنا ﴾ إشارة إلى أن سبب المزية والرجحان عند الله ليس إلا الصلاح كائناً من كان.
وخيانة المرأتين ليست هي الفجور وإنما هي نفاقهما وإبطانهما الكفر وتظاهرهما على الرسولين.
فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه.
قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط.
عن أبى هريرة أن آسية حين آمنت بموسى وتدها فرعون باربعة أوتاد واستقبل بها الشمس وأضجعها على ظهرها ووضع الرحى على صدرها.
قال الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتنعم فيها.
وقيل: لما ﴿ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ بنى من درّة.
ومعنى ﴿ عندك بيتاً في الجنة ﴾ أنها طلبت القرب من الله والبعد عن عدوّه في مقام القرب، أو أرادت أعلى موضع في الجنة.
وقولها ﴿ من فرعون وعمله ﴾ كقولك " أعجبني زيد وكرمه " وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله من الأشرار دأب الصالحين.
والضمير في ﴿ فيه ﴾ للفرج.
وقيل: هو جيب الدرع وقد مرّ في " الأنبياء".
وكلمات الله صحف إبراهيم وغيره أو جميع ما كلم الله به وكتبه اللوح أو الكتب الأربعة ومن وحد فهو الإنجيل.
وقرىء ﴿ بكلمة الله ﴾ أي بعيسى ﴿ وكانت من القانتين ﴾ من باب التغليب كما مرّ في قوله ﴿ واركعي مع الراكعين ﴾ وقيل: " من " للابتداء أي ولدت منهم لأنهم من أعقاب هارون .
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ .
يحتمل أن يكون معناه: قوا أنفسكم مما تدعو إليه أنفسكم؛ لأن النفس تأمرهم بالسوء وتدعوهم إليه؛ كما قال الله : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ ﴾ .
وجائز أن يكون قوله : ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ ، أي: قوها عن الطريق الذي إذا سلكتموه أفضى بكم إلى النار، وقوا أهليكم - أيضاً - عن ذلك الطريق، وذلك يكون بالعمل؛ لأن العمل على ضربين: عمل يفضي بصاحبه إلى الجنة، وعمل يفضي بصاحبه إلى النار، فيكون التقوى في هذا الوجه راجعا إلى الأعمال، وفي الوجه الأول إلى الأنفس.
ويحتمل قوا أنفسكم باكتساب الأسباب التي هي أسباب النجاة عن العطب والهلاك، وأهليكم في أن تعلموهم الأسباب التي هي أسباب الخلاص من النار.
وقال مجاهد: تأويله: قوا أنفسكم [وأهليكم] النار، ثم علمنا وجه الاتقاء بقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ .
قال: من التضرع إليه والفزع لديه؛ ليكون هو بفضله يقي عنا النار؛ لما علم ألا نصل إليه بقوى أنفسنا وحيلنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ﴾ .
فهذا على المبالغة في وصف شدة النار، وأخبر أن شدتها تنتهي إلى هذا في أن صير الناس وقودا لها وكذلك الحجارة، والناس والحجارة لا يتقدان في النار؛ لأن النار إذا عملت في الإنسان حرقته ولم تبقه؛ فلا يصير وقوداً، وكذلك إذا أصابت الحجارة رضَّتها ولاشتها، فيكون فيه تبين شدتها؛ إبلاغا في الزجر.
وجائز أن يكون أريد بالحجارة: التي اتخذوها أصناما يعبدونها من دون الله، فكانوا يعبدونها لتنصرهم وتدفع عنهم العذاب؛ كما قال : ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ﴾ ، أي: تصير عذابا عليها، وهم رجوا أن تكون سببا لخلاصهم؛ فصارت عليهم ضدّاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ ﴾ .
فجائز أن يكون [هذا] وصفهم: أنهم خلقوا غلاظا شدادا.
وجائز أن يكونوا أشداء على الكفار وأعداء الله ، رحماء على أوليائه، ألا ترى إلى قوله : ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ، فبين أن اشتدادهم؛ لمكان الأمر؛ وهو كقوله : ﴿ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ﴾ ، وصفهم بالشدة على الكفرة وبالرحمة على المؤمنين؛ فجائز أن يكون الملائكة كذلك في الآخرة، وفي هذا دلالة أن الملائكة امتحنوا بالأمر والنهي في الآخرة؛ لأن ملائكة الرحمة امتحنوا بإتيان التحف والكرامات إلى أهل الجنة، [وملائكة العذاب] امتحنوا بتعذيب أهل النار وبالغلظة عليهم والشدة، وإذا أمر كل واحد من الفريقين بما ذكرنا، فقد نُهي عن تركه.
قال أبو بكر الأصم: في قوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ ، وفي قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً...
﴾ الآية إلزام الوعيد بأهل الصلاة [لأنه ألزمهم] الاتقاء من النار، وألزمهم التوبة؛ ليكفر عنهم سيئاتهم، ولو لم يكن الوعيد لازما عليهم لم يكونوا يحتاجون إلى الاتقاء، وهذا منه ومن جملة أهل الاعتزال تحريف الكلام عن مواضعه؛ لأن الله ذكر هذا الوعيد في أهل الإيمان بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ ، وقال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً ﴾ ، ولم يذكر الله - - أهل الصلاة، ولا ألحق بهم الوعيد، فهم يقطعون الوعيد عمن ألحق الله بهم الوعيد وهم المؤمنون، ويلزمونه على من لم يجر ذكره في القرآن [من أهل الصلاة] ولا ألحق به الوعيد، وهذا تحريف الكلام وقلب القصة؛ ولأنه صار من أهل الصلاة بإيمانه؛ إذ لولا إيمانه لما كان هو من أهل الصلاة، فإذا ألحقوا الوعيد بأهل الصلاة فقد ألحقوه بأهل الإيمان؛ فلم يبق بيننا وبينهم إلا سوء الخلق، وإلا فلا معنى لقلبه عن أهل الإيمان وإلحاقه بأهل الصلاة، وأهل الصلاة هم أهل الإيمان.
ثم الوعيد على قولهم إنما يلزم أهل الإيمان في وقت خروجهم من الإيمان، ونحن نقول في الوعيد المذكور في أهل الإيمان: إنه يجوز أن يلحقهم وقت إيمانهم، ويعذبهم الله بإجرامهم.
ويحتمل أن يقع لهم الوعيد إذا خرجوا من الإيمان، وهم يقطعون الوعيد عن أحد الوجهين ويجعلونه على الوجه الآخر، ونحن نلزمهم الوعيد إذا خرجوا من الإيمان، [ولا ننفي] الوعيد عمن لم يخرج بعد من إيمانه، فصرنا نحن أشد استعمالا لما يقتضيه ظاهر الآيات منهم؛ فصار العموم حجة عليهم لا علينا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ ﴾ .
ليس في هذا نفي قبول العذر لو كان لهم عذر، ولكن اعتذارهم هو الندم عما كانوا فيه والإنابة إلى الله والتوبة إليه، وليس ذلك وقت قبول التوبة؛ لأن [ذلك الوقت هو] وقت خروج ملك أنفسهم عن أنفسهم، فلا يقبل في ذلك الوقت إيمان ولا عمل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
يعني: أن عملكم السوء هو الذي ألزمكم العذاب في الحكمة؛ فتجزون بعملكم ولستم تجزون بمنفعة ترجع إلينا أو بما حملتم من أوزار الغير، ولكن بأعمالكم الخبيثة التي في الحكمة التعذيب عليها، وفي هذا دلالة نفي العذاب عن أطفال المشركين؛ لأنه لم يوجد منهم عمل؛ فيجزون بعملهم، ولا يجوز أن يعذبوا بذنوب آبائهم؛ لأنه أخبر أن كلاًّ يجزى بعمله لا بعمل غيره، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً ﴾ .
ففي هذه الآية إلزام التوبة على بقاء اسم الإيمان؛ لأنه ألزمهم التوبة بعد أن سماهم مؤمنين، وأخبر أنه يكفر عنهم سيئاتهم بالتوب، ومن مذهب الاعتزال: أن الصغائر مغفورة لأربابها إذا اجتنبوا الكبائر؛ فلا يحتاجون إلى التوبة عنها، وإذا كان كذلك فالآية في الكبائر عندهم، والكبائر تخرج أهلها - على قولهم - من الإيمان، والله - - قد أبقى لهم اسم الإيمان، فمن أزال عنهم الإثم، فقد خالف نص القرآن.
وإن زعموا أن الآية في الصغائر ففيه دلالة على أن الله يعذب على الصغائر وأنها غير مغفورة، حتى وقعت لهم الحاجة إلى التوبة وطلب المغفرة، وقال أيضاً في آية أخرى: ﴿ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ، فإما أن يكونوا أمروا بالتوبة عن الصغائر؛ فيكون فيه دلالة على أنها ليست بمغفورة؛ إذا احتاجوا إلى التوبة عن الصغائر، أو عن الكبائر؛ فيكون فيه دلالة بقائهم على الإيمان؛ وكذلك قال: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ ، وإن كان استغفاره هذا عن الصغائر، ففيه دلالة على أنها غير مغفورة؛ لحاجته إلى طلب المغفرة، ولو كان الأمر على ما ظنت المعتزلة، لكان [سؤاله المغفرة] يخرج مخرج الاستهزاء برب العالمين؛ لأنه يطلب منه ما لا يملك، وذلك في الشاهد هزء واستخفاف بالمسئول.
وإن كان في الكبائر، ففيه دلالة بقائهم وثباتهم على الإيمان؛ لأنه قال: ﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ .
ثم قوله : ﴿ تَوْبَةً نَّصُوحاً ﴾ .
قرئ بنصب النون وضمها: ﴿ نَّصُوحاً ﴾ ، والضم يخرج مخرج المصدر، والنصوح - بالفتح -: يخرج مخرج النعت للتوبة، والفَعُول من الأفعال هو اسم للمبالغة في الأمر؛ فكأنه يقول: توبوا توبة تناهت في نصحها، والمبالغة في النصح أن يكون صادقا في توبته، وعلامة الصدق أن يكون نادما بقلبه عما فعل، عازما على ألا يرجع إليه، وأن يقلع يديه عما كان فيه من المعاصي، وأن يستغفر الله بلسانه؛ فيستعمل كل جسده في الندم والانقلاع، كما استعمل سائره في التلذذ بالمآثم؛ فذلك هو المبالغة في النصح.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ بالتوبة، ففي هذا إبانة أن من السيئات سيئات لا تكفر إلا بالتوبة، ومنها ما يكفر باجتناب الكبائر بقوله: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ ﴾ لا أن يكفر كلها بالاجتناب عن الكبائر كما زعمت المعتزلة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .
وقد سبق بيان هذا.
وقوله - -: ﴿ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .
وللمعتزلة بهذه الآية تعلق، وهو أن قالوا بأن الله أخبر أنه لا يخزي النبي والمؤمنين، والإخزاء يقع بالعذاب؛ فقد وعد ألا يعذب الذين آمنوا، ولو كان أصحاب الكبائر مؤمنين لم يخف عليهم العذاب؛ إذ قد وعد ألا يخزي المؤمنين ومن قولكم: إنهم يُخاف عليهم العقاب؛ فثبت أنهم ليسوا بمؤمنين.
ولكن نقول: إن هذا السؤال يلزمهم من الوجه الذي أرادوا إلزام خصومهم؛ لأن في الآية وعدا بألا يخزي الذين آمنوا، وهم مقرون بأن أهل الكبائر ممن قد آمنوا، ولكنهم بعد ارتكابهم الكبائر ليسوا بمؤمنين، والآية لم تنطق بنفي الإخزاء عن المؤمنين؛ لأنه لم يقل: يوم لا يخزي الله النبي والمؤمنين، وإنما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، وهم يقطعون القول بإخزاء من قد آمن؛ فصاروا هم المحجوجين بهذه الآية، ثم حق هذه الآية عندنا أن نقف على قوله: ﴿ ٱلنَّبِيَّ ﴾ ، أي: لا يخزيه الله في أن يرد شفاعته أو يعذبه، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ ﴾ ، ابتداء كلام وخبره ﴿ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾ ؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ﴾ .
أو لا نخزي الذين آمنوا بعد شفاعة النبي .
ويحتمل أن الإخزاء هو الفضيحة، أي: لا يفضحهم يوم القيامة بين أيدي الكفار، ويجوز أن يعذبهم على وجه لا يقف عليه الكفرة، والخزي: هو الفضيحة، وهتك الستر، ولا يفعل ذلك بالمؤمنين بفضله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ .
أي: بين أيديهم إذا مشوا، وبإيمانهم عند الحساب؛ لأنهم يؤتون الكتاب بأيمانهم، وفيه نور وخير، أو يسعى النور بين أيديهم في موضع وضع الأقدام وبأيمانهم؛ لأن ذلك طريقهم وشمالهم طريق الكفرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ﴾ .
جائز أن يقولوا هذا عند انطفاء نور المنافقين؛ فيخافون انقطاع ذلك النور عنهم أيضاً.
أو يقولون هذا عند ضعف النور، فيسألونه إتمامه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ ، قيل: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بإقامة الحدود عليهم؛ وذلك أن المنافقين هم الذين كانوا يرتكبون المآثم التي أوجب فيها الحدود ففيهم نزلت الحدود، وأما أصحاب رسول الله فقد عصموا عن المآثم التي لها الحدود.
وقالت الباطنية في قوله: ﴿ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ أي: جاهد الكفار والمنافقين بالقتال، فكان مأمورا بالقتال مع الفريقين جميعاً، ولكنه اشتغل بقتال أهل الكفر، ولم يتفرغ لقتال أهل النفاق فتولى قتالهم علي بن أبي طالب - - وما ذكر أن رسول الله قال لأصحابه حين رأى عليّاً - - يخصف نعله: "إن خاصف نعله يقاتل على التأويل كما نقاتل نحن على التنزيل" ، وقتاله على التأويل قتال أهل النفاق، فإن كان الأمر على ما ذكروا من القتال فأبو بكر - - هو الذي تولى قتال أهل النفاق لا عليٌّ - - لأنه ذكر أن العرب ارتدت بعدما قبض رسول الله ، فقاتلهم أبو بكر - - وارتدادهم يدل على أنهم لم يكونوا محققين في إيمانهم؛ إذ لو كانوا كذلك لم يرجعوا بل كانوا منافقين، وأما الذين قاتلهم علي - - فلم يكونوا منافقين بل كانوا يدعون عليّاً - - إلى أن يحكم بكتاب الله ، والمنافق هو الذي يظهر من نفسه أنه يعمل بحكم الله ، ثم يسر بخلاف حكمه، لا أن يدعو إلى العمل بحكم الله ، وهذه السمة ظهرت في الذين قاتلهم أبو بكر دون الذين قاتلهم علي - - ثم مجاهدته في تقرير الحجة في قلوب الكفرة والمنافقين وإلزامها عليهم، وذلك يكون مرة بالسيف ومرة بإلزامها باللسان.
ووجه إلزام الحجة بالسيف ما ذكرنا أن غلبته على الأعداء مع [كثرتهم وقوة] شوكتهم وقلة أنصار رسول الله يظهر لهم نصر الله إياه وكونه على الحق، فيحملهم ذلك على الإيمان بالله ، وإذا كان كذلك فقوله: ﴿ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ في إلزام الحجة؛ فإن كانوا في موضع أمن فمجاهدتهم في إلزام الحجة عليهم من جهة القول، وإن كانوا في موضع المحاربة والقتال، فمجاهدتهم في قتالهم، وقد كان من المنافقين من قد لحق بالكفرة وذب عنهم، ألا ترى إلى قوله: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ ، فمن لحق بهم قاتلهم مع الكفرة، ومن لم يلحق بهم ألزمهم الحجة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ .
أي: اشدد عليهم، والتشديد عليهم: أن يسفه أحلامهم، ويهتك أستارهم، وهو أن يبين لهم ما هم عليه من النفاق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، قد تقدم ذكر هذا.
[ثم] في قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ ﴾ ، دلالة فضيلة نبينا على من تقدمه من الأنبياء والرسل - عليهم السلام - لأنه ذكر موسى - - في التوراة: يا موسى، وفي الإنجيل: يا عيسى، وفي مخاطبات آدم: يا آدم، فسمى كل نبي باسمه سوى نبينا فإنه ذكره وخاطبه بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ﴾ ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ ﴾ ، وبالنبوة والرسالة استحق الفضيلة، فذكره باسم فضله وخاطبه به، وذكر غيره من الأنبياء - عليهم السلام - باسم شخصه.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، اجعلوا لأنفسكم ولأهليكم وقاية من نار عظيمة توقَد بالناس وبالحجارة، على هذه النار ملائكة غِلاظ على من يدخلها شِدَاد، لا يعصون أمر الله إذا أمرهم، ويفعلون ما يأمرهم به دون تراخٍ ولا توانٍ.
<div class="verse-tafsir" id="91.rgMm1"