الآية ٨ من سورة التحريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 66 التحريم > الآية ٨ من سورة التحريم

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةًۭ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ يَوْمَ لَا يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 114 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة التحريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة التحريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ) أي : توبة صادقة جازمة ، تمحو ما قبلها من السيئات ، وتلم شعث التائب ، وتجمعه ، وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات .

قال ابن جرير : حدثنا ابن مثنى ، حدثنا محمد ، حدثنا شعبة ، عن سماك بن حرب : سمعت النعمان بن بشير يخطب : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، يقول : ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ) قال : يذنب الذنب ثم لا يرجع فيه .

وقال الثوري ، عن سماك ، عن النعمان ، عن عمر قال : التوبة النصوح : أن يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه ، أو لا يعود فيه .

وقال أبو الأحوص ، وغيره ، عن سماك ، عن النعمان ، سئل عمر عن التوبة النصوح ، فقال : أن يتوب الرجل من العمل السيئ ، ثم لا يعود إليه أبدا .

وقال الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله : ( توبة نصوحا ) قال : يتوب ثم لا يعود .

وقد روي هذا مرفوعا فقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عاصم عن إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " التوبة من الذنب أن يتوب منه ، ثم لا يعود فيه " .

تفرد به أحمد من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف ، والموقوف أصح والله أعلم .

ولهذا قال العلماء : التوبة النصوح هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر ، ويندم على ما سلف منه في الماضي ، ويعزم على ألا يفعل في المستقبل .

ثم إن كان الحق لآدمي رده إليه بطريقه .

قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن عبد الكريم ، أخبرني زياد بن أبي مريم ، عن عبد الله بن معقل قال : دخلت مع أبي على عبد الله بن مسعود فقال : أنت سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " الندم توبة ؟

" .

قال : نعم .

وقال مرة : نعم سمعته يقول : " الندم توبة " .

ورواه ابن ماجه ، عن هشام بن عمار ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الكريم - وهو ابن مالك الجزري - به .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثني الوليد بن بكير أبو خباب ، عن عبد الله بن محمد العدوي ، عن أبي سنان البصري ، عن أبي قلابة ، عن زر بن حبيش ، عن أبي بن كعب قال : قيل لنا أشياء تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة ، منها نكاح الرجل امرأته ، أو أمته في دبرها ، وذلك مما حرم الله ورسوله ، ويمقت الله عليه ورسوله ، ومنها : نكاح الرجل الرجل ، وذلك مما حرم الله ورسوله ، ويمقت الله عليه ورسوله .

ومنها نكاح المرأة المرأة ، وذلك مما حرم الله ورسوله ، ويمقت الله عليه ورسوله .

وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا ، حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحا .

قال زر : فقلت لأبي بن كعب : فما التوبة النصوح ؟

فقال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " هو الندم على الذنب حين يفرط منك ، فتستغفر الله بندامتك منه عند الحاضر ، ثم لا تعود إليه أبدا " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا عباد بن عمرو ، حدثنا أبو عمرو بن العلاء سمعت الحسن يقول : التوبة النصوح : أن تبغض الذنب كما أحببته ، وتستغفر منه إذا ذكرته .

فأما إذا حزم بالتوبة وصمم عليها فإنها تجب ما قبلها من الخطيئات ، كما ثبت في الصحيح : " الإسلام يجب ما قبله ، والتوبة تجب ما قبلها " .

وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلى الممات ، كما تقدم في الحديث وفي الأثر : " لا يعود فيه أبدا " ، أو يكفي العزم على ألا يعود في تكفير الماضي ، بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضارا في تكفير ما تقدم ، لعموم قوله ، عليه السلام : " التوبة تجب ما قبلها ؟

" .

وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضا : " من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر " فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة ، فالتوبة بطريق الأولى ، والله أعلم .

وقوله : ( عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ) و ) عسى ) من الله موجبة ، ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) أي : ولا يخزيهم معه يعني : يوم القيامة ( نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ) كما تقدم في سورة الحديد .

( يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير ) قال مجاهد ، والضحاك ، والحسن البصري ، وغيرهم : هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طفئ .

وقال محمد بن نصر المروزي : حدثنا محمد بن مقاتل المروزي ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أنه سمع أبا ذر ، وأبا الدرداء قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة ، وأول من يؤذن له برفع رأسه ، فأنظر بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم ، وأنظر عن يميني فأعرف أمتي من بين الأمم ، وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم " .

فقال رجل : يا رسول الله ، وكيف تعرف أمتك من بين الأمم ؟

قال : " غر محجلون من آثار الطهور ، ولا يكون أحد من الأمم كذلك غيرهم ، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم ، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود ، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني ، حدثنا ابن المبارك ، عن يحيى بن حسان ، عن رجل من بني كنانة ، قال : صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح ، فسمعته يقول : " اللهم ، لا تخزني يوم القيامة " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ( تُوبُوا إِلَى اللَّهِ ) يقول: ارجعوا من ذنوبكم إلى طاعة الله، وإلى ما يرضيه عنكم ( تَوْبَةً نَصُوحًا ) يقول: رجوعا لا تعودون فيها أبدا.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ( نَصُوحًا ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد بن السَّريّ، قال: ثنا أَبو الأحوص، عن سماك، عن النعمان بن بشير، قال: سُئل عمر عن التوبة النصوح، قال: التوبة النصوح: أن يتوب الرجل من العمل السيئ، ثم لا يعود إليه أبدًا.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، عن عمر، قال: التوبة النصوح: أن تتوب من الذنب ثم لا تعود فيه، أو لا تريد أن تعود.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان بن بشير يخطب، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ) قال: يذنب الذنب ثم لا يرجع فيه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، قال: سألت عمر عن قوله: ( تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ) قال: هو العبد يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه أبدًا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: التوبة النصوح، أن يتوب من الذنب فلا يعود.

حدثنا به ابن حميد مرّة أخرى، قال: أخبرني عن عمر بهذا الإسناد، فقال: التوبة النصوح: الذي يذنب ثم لا يريد أن يعود.

حدثني أَبو السائب، قال: ثنا أَبو معاوية، عن الأعمش، عن أَبي إسحاق، عن أَبي الأحوص، عن عبد الله ( تَوْبَةً نَصُوحًا ) قال: يتوب ثم لا يعود.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أَبي إسحاق، عن أَبي الأحوص، عن عبد الله قال: التوبة النصوح: الرجل يذنب الذنب ثم لا يعود فيه.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ) أن لا يعود صاحبها لذلك الذنب الذي يتوب منه، ويقال: توبته أن لا يرجع إلى ذنب تركه.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثني الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( تَوْبَةً نَصُوحًا ) قال: يستغفرون ثم لا يعودون.

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأوديّ، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: ( تَوْبَةً نَصُوحًا ) قال: النصوح.

أن تحول عن الذنب ثم لا تعود له أبدًا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ) قال: هي الصادقة الناصحة.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله.( تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ) قال: التوبة النصوح الصادقة، يعلم أنها صدق ندامة على خطيئته، وحبّ الرجوع إلى طاعته، فهذا النصوح.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار خلا عاصم ( نَصُوحًا ) بفتح النون على أنه من نعت التوبة وصفتها، وذُكر عن عاصم أنه قرأه ( نُصْوحًا ) بضمّ النون، بمعنى المصدر من قولهم: نصح فلان لفلان نُصُوحًا.

وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بفتح النون على الصفة للتوبة لإجماع الحجة على ذلك.

وقوله: ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) يقول: عسى ربكم أيها المؤمنون أن يمحو سيئات أعمالكم التي سلفت منكم ( وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) يقول: وأن يدخلكم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار ( يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ) محمدًا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) يقول: يسعى نورهم أمامهم ( وَبِأَيْمَانِهِمْ ) يقول: وبأيمانهم كتابهم.

كما حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) ...

إلى قوله: ( وَبِأَيْمَانِهِمْ ) يأخذون كتابهم فيه البشرى ( يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لِنَا ) يقول جلّ ثناؤه مخبرًا عن قيل المؤمنين يوم القيامة: يقولون ربنا أتمم لنا نورنا، يسألون ربهم أن يبقي لهم نورهم، فلا يطفئه حتى يجوزوا الصراط، وذلك حين يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ) قال: قول المؤمنين حين يُطفأ نور المنافقين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عاصم، عن الحسن، قال: ليس أحد إلا يعطى نورًا يوم القيامة، يعطى المؤمن والمنافق، فيطفأ نور المنافق، فيخشى المؤمن أن يطفأ نوره، فذلك قوله: ( رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ) .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن يزيد بن شجرة، قال: كان يذكرنا ويبكي، ويصدّق قوله فعله، يقول: يا أيها الناس إنكم مكتوبون عند الله عزّ وجلّ بأسمائكم وسيماكم، ومجالسكم ونجواكم وخلاتكم، فإذا كان يومُ القيامة قيل: يا فلانُ ابْنَ فلان هاكَ نورَك، ويا فلانُ ابْنَ فلان، لا نور لك.

وقوله: ( وَاغْفِرْ لَنَا ) يقول: واستر علينا ذنوبنا، ولا تفضحنا بها بعقوبتك إيانا عليها( إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) يقول: إنك على إتمام نورنا لنا، وغفران ذنوبنا، وغير ذلك من الأشياء ذو قدرة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قديرقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله أمر بالتوبة وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل الأزمان .

وقد تقدم بيانها والقول فيها في " النساء " وغيرها .

توبة نصوحا اختلفت عبارة العلماء وأرباب القلوب في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا ; فقيل : هي التي لا عودة بعدها كما لا يعود اللبن إلى الضرع ; وروي عن عمر وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم .

ورفعه معاذ إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال قتادة : النصوح الصادقة الناصحة .

وقيل الخالصة ; يقال : نصح أي أخلص له القول .

وقال الحسن : النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه إذا ذكره .

وقيل : هي التي لا يثق بقبولها ويكون على وجل منها .

وقيل : هي التي لا يحتاج معها إلى توبة .

وقال الكلبي : التوبة النصوح الندم بالقلب ، والاستغفار باللسان ، والإقلاع عن الذنب ، والاطمئنان على أنه لا يعود .

وقال سعيد بن جبير : هي التوبة المقبولة ; ولا تقبل ما لم يكن فيها ثلاثة شروط : خوف ألا تقبل ، ورجاء أن تقبل ، وإدمان الطاعات .

وقال سعيد بن المسيب : توبة تنصحون بها أنفسكم .

وقال [ ص: 183 ] القرظي : يجمعها أربعة أشياء : الاستغفار باللسان ، وإقلاع بالأبدان ، وإضمار ترك العود بالجنان ، ومهاجرة سيئ الخلان .

وقال سفيان الثوري : علامة التوبة النصوح أربعة : القلة والعلة والذلة والغربة .

وقال الفضيل بن عياض : هو أن يكون الذنب بين عينيه ، فلا يزال كأنه ينظر إليه .

ونحوه عن ابن السماك : أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله أمام عينك وتستعد لمنتظرك .

وقال أبو بكر الوراق : هو أن تضيق عليك الأرض بما رحبت ، وتضيق عليك نفسك ; كالثلاثة الذين خلفوا .

وقال أبو بكر الواسطي : هي توبة لا لفقد عوض ; لأن من أذنب في الدنيا لرفاهية نفسه ثم تاب طلبا لرفاهيتها في الآخرة ; فتوبته على حفظ نفسه لا لله .

وقال أبو بكر الدقاق المصري : التوبة النصوح هي رد المظالم ، واستحلال الخصوم ، وإدمان الطاعات .

وقال رويم : هو أن تكون لله وجها بلا قفا ، كما كنت له عند المعصية قفا بلا وجه .

وقال ذو النون : علامة التوبة النصوح ثلاث : قلة الكلام ، وقلة الطعام ، وقلة المنام .

وقال شقيق : هو أن يكثر صاحبها لنفسه الملامة ، ولا ينفك من الندامة ; لينجو من آفاتها بالسلامة .

وقال سري السقطي : لا تصلح التوبة النصوح إلا بنصيحة النفس والمؤمنين ; لأن من صحت توبته أحب أن يكون الناس مثله .

وقال الجنيد : التوبة النصوح هو أن ينسى الذنب فلا يذكره أبدا ; لأن من صحت توبته صار محبا لله ، ومن أحب الله نسي ما دون الله .

وقال ذو الأذنين : هو أن يكون لصاحبها دمع مسفوح ، وقلب عن المعاصي جموح .

وقال فتح الموصلي : علامتها ثلاث : مخالفة الهوى ، وكثرة البكاء ، ومكابدة الجوع والظمأ .

وقال سهل بن عبد الله التستري : هي التوبة لأهل السنة والجماعة ; لأن المبتدع لا توبة له ; بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : حجب الله على كل صاحب بدعة أن يتوب .

وعن حذيفة : بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه .

وأصل التوبة النصوح من الخلوص ; يقال : هذا عسل ناصح إذا خلص من الشمع .

وقيل : هي مأخوذة من النصاحة وهي الخياطة .

وفي أخذها منها وجهان : أحدهما : لأنها توبة قد أحكمت طاعته وأوثقتها كما يحكم الخياط الثوب بخياطته ويوثقه .

والثاني : لأنها قد جمعت بينه وبين أولياء الله وألصقته بهم ; كما يجمع الخياط الثوب [ ص: 184 ] ويلصق بعضه ببعض .

وقراءة العامة نصوحا بفتح النون ، على نعت التوبة ، مثل امرأة صبور ، أي توبة بالغة في النصح .

وقرأ الحسن وخارجة وأبو بكر عن عاصم بالضم ; وتأويله على هذه القراءة : توبة نصح لأنفسكم .

وقيل : يجوز أن يكون نصوحا ، جمع نصح ، وأن يكون مصدرا ، يقال : نصح نصاحة ونصوحا .

وقد يتفق فعالة وفعول في المصادر ، نحو الذهاب والذهوب .

وقال المبرد : أراد توبة ذات نصح ، يقال : نصحت نصحا ونصاحة ونصوحا .الثانية : في الأشياء التي يتاب منها وكيف التوبة منها .

قال العلماء : الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو ، إما أن يكون حقا لله أو للآدميين .

فإن كان حقا لله كترك صلاة فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها .

وهكذا إن كان ترك صوم أو تفريطا في الزكاة .

وإن كان ذلك قتل نفس بغير حق فأن يمكن من القصاص إن كان عليه وكان مطلوبا به .

وإن كان قذفا يوجب الحد فيبذل ظهره للجلد إن كان مطلوبا به .

فإن عفي عنه كفاه الندم والعزم على ترك العود بالإخلاص .

وكذلك إن عفي عنه في القتل بمال فعليه أن يؤديه إن كان واجدا له ، قال الله تعالى : فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان .

وإن كان ذلك حدا من حدود الله كائنا ما كان فإنه إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح سقط عنه .

وقد نص الله تعالى على سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم .

وفي ذلك دليل على أنها لا تسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم ; حسب ما تقدم بيانه .

وكذلك الشراب والسراق والزناة إذا أصلحوا وتابوا وعرف ذلك منهم ، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم .

وإن رفعوا إليه فقالوا : تبنا لم يتركوا ، وهم في هذه الحالة كالمحاربين إذا غلبوا .

هذا مذهب الشافعي .

فإن كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه والخروج عنه - عينا كان أو غيره - إن كان قادرا عليه ، فإن لم يكن قادرا فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه .

وإن كان أضر بواحد من المسلمين وذلك الواحد لا يشعر به أو لا يدري من أين أتي ، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه ، ثم يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له ، فإذا عفا عنه فقد سقط الذنب عنه .

وإن أرسل من يسأل ذلك له ، فعفا ذلك المظلوم عن ظالمه - عرفه بعينه أو لم يعرفه - فذلك صحيح .

وإن أساء رجل إلى رجل بأن فزعه بغير حق ، أو غمه أو لطمه ، أو صفعه بغير حق ، أو ضربه بسوط فآلمه ، ثم جاءه مستعفيا نادما [ ص: 185 ] على ما كان منه ، عازما على ألا يعود ، فلم يزل يتذلل له حتى طابت نفسه فعفا عنه ، سقط عنه ذلك الذنب .

وهكذا إن كان شانه بشتم لا حد فيه .قوله تعالى : عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم عسى من الله واجبة .

وهو معنى قوله عليه السلام : " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " .

و " أن " في موضع رفع اسم عسى .قوله تعالى : " ويدخلكم " معطوف على " يكفر " .

وقرأ ابن أبي عبلة " ويدخلكم " مجزوما عطفا على محل عسى أن يكفر .

كأنه قيل : توبوا يوجب تكفير سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار .يوم لا يخزي الله النبي العامل في " يوم " : يدخلكم أو فعل مضمر .

ومعنى " يخزي " هنا يعذب ، أي لا يعذبه ولا يعذب الذين آمنوا معه .نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم تقدم في سورة " الحديد " .يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : هذا دعاء المؤمنين حين أطفأ الله نور المنافقين ; حسب ما تقدم بيانه في سورة " الحديد " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قد أمر الله بالتوبة النصوح في هذه الآية، ووعد عليها بتكفير السيئات، ودخول الجنات، والفوز والفلاح، حين يسعى المؤمنون يوم القيامة بنور إيمانهم، ويمشون بضيائه، ويتمتعون بروحه وراحته، ويشفقون إذا طفئت الأنوار، التي لا تعطى المنافقين، ويسألون الله أن يتمم لهم نورهم فيستجيب الله دعوتهم، ويوصلهم ما معهم من النور واليقين، إلى جنات النعيم، وجوار الرب الكريم، وكل هذا من آثار التوبة النصوح.

والمراد بها: التوبة العامة الشاملة للذنوب كلها، التي عقدها العبد لله، لا يريد بها إلا وجهه والقرب منه، ويستمر عليها في جميع أحواله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ) قرأ الحسن وأبو بكر عن عاصم : " نصوحا " بضم النون ، وقرأ العامة بفتحها أي : توبة ذات نصح تنصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب منه .

واختلفوا في معناها قال عمر وأبي ومعاذ : " التوبة النصوح " أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب ، كما لا يعود اللبن إلى الضرع .

قال الحسن : هي أن يكون العبد نادما على ما مضى; مجمعا على ألا يعود فيه .

قال الكلبي : أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن .

قال سعيد بن المسيب : توبة تنصحون بها أنفسكم .

قال القرظي : يجمعها أربعة أشياء : الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان وإضمار ترك العود بالجنان ومهاجرة سيئ الإخوان .

( عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) أي لا يعذبهم الله بدخول النار ( نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ) على الصراط ( يقولون ) إذ طفئ نور المنافقين ( ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا توبا إلى الله توبة نصوحا» بفتح النون وضمها صادقة، بأن لا يعاد إلى الذنب ولا يُراد العود إليه «عسى ربكم» ترجية تقع «أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات» بساتين «تجري من تحتها الأنهار يوم لا يجزي الله» بإدخال النار «النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم» أمامهم «و» يكون «بأيمانهم يقولون» مستأنف «ربنا أتمم لنا نورنا» إلى الجنة والمنافقون يطفأ نورهم «واغفر لنا» ربنا «إنك على كل شيءٍ قدير».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، ارجعوا عن ذنوبكم إلى طاعة الله رجوعا لا معصية بعده، عسى ربكم أن يمحو عنكم سيئات أعمالكم، وأن يدخلكم جنات تجري من تحت قصورها الأنهار، يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه، ولا يعذبهم، بل يُعلي شأنهم، نور هؤلاء يسير أمامهم وبأيمانهم، يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا حتى نجوز الصراط، ونهتدي إلى الجنة، واعف عنَّا وتجاوز عن ذنوبنا واسترها علينا، إنك على كل شيء قدير.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يرشد - سبحانه - المؤمنين ، إلى ما يعينهم على الوقاية من النار فيقول : ( ياأيها الذين آمَنُواْ توبوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً .

.

) .والتوبة : العزم الصادق على عدم العودة إلى المعصية والندم على ما فعله منها فى الماضى ، والنصوح صيغة مبالغة من النصح ، وصفت بها التوبة على سبيل الإسناد المجازى ، والمقصود وصف التائبين بها ، من نصح فلان التوب إذا خاطه ، فكأن التائب يرقع ما مزقه بالمعصية .

أو من قولهم : عسل ناصح .وقد ذكروا فى معنى هذه الجملة أكثر من عشرين وجهاً .قال القرطبى ما ملخصه : اختلفت عبارة العلماء ، وأرباب القلوب ، فى التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا ، فقيل : هى التى لا عودة بعدها ، كما لا يعود اللبن إلى الضرع .وقال قتادة : النصوح الصادقة الناصحة .

.

.

الخالصة .وقال القرطبى : التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء : الاستغفار باللسان ، والإقلاع بالأبدان ، وإضمار ترك العود بالجنان ، ومهاجرة سىء الإخوان .وقال الفقهاء : التوبة التى لا تعلق لها بحق آدمى لها ثلاثة شروط : احدها أن يقلع عن المعصية ، وثانيها : أن يندم على ما فعله ، وثالثها : أن يعزم على أن لا يعود إليها .فإذا اجتمعت هذه الشروط فى التوبة كانت نصوحا .وإن كانت تتعلق بحق آدمى ، فشروطها أربعة ، هذه الثلاثة المتقدمة ، والرابع أن يبرأ من حق صاحبها ، فإن كانت المعصية مالا أو نحوه رده إليه ، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه من نفسه ، أو طلب العفو منه ، وإن كانت غيبة استحله منها .وهى واجبة من كل معصية على الفور ، ولا يجوز تأخريها .وقوله - سبحانه - ( عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ) .والرجاء المستفاد من فعل ( عسى ) مستعمل هنا فى الوعد الصادق منه - تعالى - على سبيل الكرم والفضل ، فقد قالوا إن كل ترج فى القرآن واقع منه - تعالى - فضلا منه وكرما .أى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، توبوا إلى الله - تعالى - " توبة صادقة " بحيث تندمون على ما فرط منكم من ذنوب ، وتعزمون على عدم العودة إليها ، وتستمرون على توبتكم طوال حياتكم .

.

.

فإنكم متى فعلتم ذلك غفر الله - تعالى - لكم ذنوبكم : وكفر عنكم سيئاتكم ، وأدخلكم جنات تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار .قال صاحب الكشاف : قوله : ( عسى رَبُّكُمْ ) : إطماع من الله لعباده .

وفيه وجهان : أحدهما أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة بعسى ولعل .

و وقوع ذلك منهم موقع القطع والبت .

والثانى : أن يجىء به تعليما للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء .والظرف فى قوله - سبحانه - : ( يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي والذين آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ) منصوب بقوله - تعالى - قبل ذلك : ( وَيُدْخِلَكُمْ ) ، أو بفعل مضمر تقديره : اذكر .وقوله : ( لاَ يُخْزِى ) من الخزى بمعنى الافتضاح : يقال أخزى الله فلانا إذا فضحه ، والمراد به هنا : عذاب النار .وقوله : ( والذين آمَنُواْ مَعَهُ ) معطوف على النبى ، وجملة ( نُورُهُمْ يسعى ) مستأنفة .أى : يدخلكم الله - بفضله وكرمه - ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ) يوم القيامة ، يوم ينجى - سبحانه - النبى - صلى الله عليه وسلم - وينجى الذين آمنوا معه من عذاب النار ، ومن خزى هذا اليوم العصيب .وهم جميعا وعلى رأسهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - نورهم وهم على الصراط ، يسعى ويمتد وينتشر ( بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) .أى أمامهم ( وَبِأَيْمَانِهِمْ ) أى : وعن أيمانهم .ويقولون - على سبيل الحمد والشكر لله - تعالى - يا ربنا ( أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ) بأن تزيده ولا تنقصه حتى ندخل جنتك .( واغفر لَنَآ ) يا ربنا ذنوبنا ( إِنَّكَ ) يا ربنا ، ( على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .وفى عطف الذين آمنوا على النبى - صلى الله عليه وسلم - إشعار بأن سبب انتفاء خزيهم ، هو إيمانهم الصادق ، وعملهم الصالح ، وصحبتهم الكريمة للنبى - صلى الله عليه وسلم - .والضمير فى قوله ( نُورُهُمْ ) يعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا معه .وخص - سبحانه - الأَمامَ واليمين بالذكر ، لفضل هذين المكانين ، إذ النور عندما يكون من الأمام يستمتع الإنسان بمشاهدته ، وعندما يكون من جهة اليمين يزداد تفاؤلا وانشراحا به .والتخصيص بذلك لا ينفى أن يكون النور محيطا بهم من كل جوانبهم ، وهو نور حقيقى يكرم الله - تعالى - به عباده الصالحين .وختموا دعاءهم بقولهم - كما حكى القرآن عنهم - : ( إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) للإشارة إلى أنهم كانوا على جانب كبير من رجاء تحقيق دعائهم ، لأنهم يسألون ويدعون الله - تعالى - الذى لا يقف أمام قدرته شىء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله: ﴿ تَوْبَةً نَّصُوحاً ﴾ أي توبة بالغة في النصح، وقال الفراء: نصوحاً من صفة التوبة والمعنى توبة تنصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب منه، وهو أنها الصادقة الناصحة ينصحون بها أنفسهم، وعن عاصم، ﴿ نَّصُوحاً ﴾ بضم النون، وهو مصدر نحو العقود، يقال: نصحت له نصحاً ونصاحة ونصوحاً، وقال في الكشاف: وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازي، وهو أن يتوبوا عن القبائح نادمين عليها غاية الندامة لا يعودون، وقيل: من نصاحة الثوب، أي خياطته و ﴿ عسى رَبُّكُمْ ﴾ إطماع من الله تعالى لعباده.

وقوله تعالى: ﴿ يَوْم لاَّ يُخْزِي الله النبي ﴾ نصب بيدخلكم، و ﴿ لا يخزي ﴾ تعريض لمن أخزاهم الله من أهل الكفر والفسق واستحماد للمؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم، ثم المعتزلة تعلقوا بقوله تعالى: ﴿ يَوْم لاَّ يُخْزِي الله النبي ﴾ وقالوا: الإخزاء يقع بالعذاب، فقد وعد بأن لا يعذب الذين آمنوا، ولو كان أصحاب الكبائر من الإيمان لم نخف عليهم العذاب، وأهل السنة أجابوا عنه بأنه تعالى وعد أهل الإيمان بأن لا يخزيهم، والذين آمنوا ابتداء كلام، وخبره ﴿ يسعى ﴾ ، أو ﴿ لا يخزي الله ﴾ ، ثم من أهل السنة من يقف على قوله: ﴿ يَوْم لاَّ يُخْزِي الله النبي ﴾ أي لا يخزيه في رد الشفاعة، والإخزاء الفضيحة، أي لا يفضحهم بين يدي الكفار، ويجوز أن يعذبهم على وجه لا يقف عليه الكفرة، وقوله: ﴿ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي عند المشي ﴿ وبأيمانهم ﴾ عند الحساب، لأنهم يؤتون الكتاب بأيمانهم وفيه نور وخير، ويسعى النور بين أيديهم في موضع وضع الأقدام وبأيمانهم، لأن خلفهم وشمالهم طريق الكفرة.

وقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ﴾ قال ابن عباس: يقولون ذلك عند إطفاء نور المنافقين إشفاقاً، وعن الحسن: أنه تعالى متمم لهم نورهم، ولكنهم يدعون تقرباً إلى حضرة الله تعالى، كقوله: ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ  ﴾ وهو مغفور، وقيل: أدناهم منزلة من نوره بقدر ما يبصر مواطئ قدمه، لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه، وقيل: السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط، وبعضهم كالريح، وبعضهم حبواً وزحفاً، فهم الذين يقولون: ﴿ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ﴾ قاله في الكشاف، وقوله تعالى: ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ﴾ ذكر المنافقين مع أن لفظ الكفار يتناول المنافقين ﴿ واغلظ عَلَيْهِمْ ﴾ أي شدد عليهم، والمجاهدة قد تكون بالقتال، وقد تكون بالحجة تارة باللسان، وتارة بالسنان، وقيل: جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، لأنهم هم المرتكبون الكبائر، لأن أصحاب الرسول عصموا منها ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ وقد مر بيانه، وفي الآية مباحث: البحث الأول: كيف تعلق ﴿ يا أيها الّذين آمنوا ﴾ بما سبق وهو قوله: ﴿ يا أيها الذين كَفَرُواْ  ﴾ ؟

فنقول: نبههم تعالى على دفع العذاب في ذلك اليوم بالتوبة في هذا اليوم، إذ في ذلك اليوم لا تفيد وفيه لطيفة: وهي أن التنبيه على الدفع بعد الترهيب فيما مضى يفيد الترغيب بذكر أحوالهم والإنعام في حقهم وإكرامهم.

البحث الثاني: أنه تعالى لا يخزي النبي في ذلك اليوم ولا الذين آمنوا، فما الحاجة إلى قوله: ﴿ مَعَهُ ﴾ ؟

فنقول: هي إفادة الاجتماع، يعني لا يخزي الله المجموع الذي يسعى نورهم وهذه فائدة عظيمة، إذ الاجتماع بين الذين آمنوا وبين نبيهم تشريف في حقهم وتعظيم.

البحث الثالث: قوله: ﴿ واغفر لَنَا ﴾ يوهم أن الذنب لازم لكل واحد من المؤمنين والذنب لا يكون لازماً، فنقول: يمكن أن يكون طلب المغفرة لما هو اللازم لكل ذنب، وهو التقصير في الخدمة والتقصير لازم لكل واحد من المؤمنين.

البحث الرابع: قال تعالى في أول السورة: ﴿ يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ  ﴾ ومن بعده ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار ﴾ خاطبه بوصفه وهو النبي لا باسمه كقوله لآدم يا آدم، ولموسى يا موسى ولعيسى يا عيسى، نقول: خاطبه بهذا الوصف، ليدل على فضله عليهم وهذا ظاهر.

البحث الخامس: قوله تعالى: ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ يدل على أن مصيرهم بئس المصير مطلقاً إذ المطلق يدل على الدوام، وغير المطلق لا يدل لما أنه يطهرهم عن الآثام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تَوْبَةً نَّصُوحاً ﴾ وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازى؛ والنصح: صفة التائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم، فيأتوا بها على طريقها متداركة للفرطات ماحية للسيئات، وذلك: أن يتوبوا عن القبائح لقبحها، نادمين عليها، مغتمين أشدّ الاغتمام لارتكابها، عازمين على أنهم لا يعودون في قبيح من القبائح إلى أن يعود اللبن في الضرع، موطنين أنفسهم على ذلك.

وعن علي رضي الله تعالى عنه: أنه سمع أعرابياً يقول: اللهم إني استغفرك وأتوب إليك، فقال: يا هذا، إنّ سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين.

قال: وما التوبة؟

قال: يجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب: الندامة، وللفرائض: الإعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله، كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي.

وعن حذيفة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب عن الذنب ثم يعود فيه.

وعن شهر بن حوشب: أن لا يعود ولو حز بالسيف وأحرق بالنار.

وعن ابن السماك: أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله أمام عينك وتستعد لمنتظرك.

وقيل: توبة لا يتاب منها.

وعن السدي: لا تصح التوبة إلا بنصيحة النفس والمؤمنين، لأن من صحت توبته أحب أن يكون الناس مثله.

وقيل: نصوحاً من نصاحة الثوب، أي: توبة ترفو خروقك في دينك، وترمّ خَلّك.

وقيل: خالصة، من قولهم: عسل ناصح إذا خلص من الشمع.

ويجوز أن يراد: توبة تنصح الناس، أي: تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها، واستعماله الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها.

وقرأ زيد بن علي ﴿ توبا نصوحا ﴾ وقرئ: ﴿ نصوحا ﴾ بالضم، وهو مصدر نصح.

والنصح والنصوح، كالشكر والشكور، والكفر والكفور أي: ذات نصوح.

أو تنصح نصوحاً.

أو توبوا لنصح أنفسكم على أنه مفعول له ﴿ عسى رَبُّكُمْ ﴾ إطماع من الله لعباده، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة بعسى ولعل.

ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت.

والثاني: أن يجيء به تعليماً للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء، والذي يدل على المعنى الأول وأنه في معنى البت: قراءة ابن أبي عبلة: ﴿ ويدخلكم ﴾ بالجزم، عطفاً على محل (عسى أن يكفر) كأنه قيل: توبوا يوجب لكم تكفير سيآتكم ويدخلكم ﴿ يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله ﴾ نصب بيدخلكم، ولا يخزي: تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر والفسوق، واستحماد إلى المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم ﴿ يسعىنورهم ﴾ على الصراط ﴿ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ﴾ قال ابن عباس: يقولون ذلك إذا طفئ نور المنافقين إشفاقاً.

وعن الحسن: الله متممه لهم ولكنهم يدعون تقرباً إلى الله، كقوله تعالى: ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ ﴾ [غافر: 55] وهو مغفور له.

وقيل: يقوله أدناهم منزلة، لأنهم يعطون من النور قدر ما يبصرون به مواطئ أقدامهم، لأنّ النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلاً.

وقيل: السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط، وبعضهم كالريح، وبعضهم حبوا وزحفاً؛ فأولئك الذين يقولون: ﴿ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ﴾ فإن قلت: كيف يشفقون والمؤمنون آمنون، ﴿ أم من يأتي آمنا يوم القيامة ﴾ [فصلت: 40] .

﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ [يونس: 62] ، ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الاكبر ﴾ [الأنبياء: 103] أو كيف يتقربون وليست الدار دار تقرّب؟

قلت: أما الإشفاق فيجوز أن يكون على عادة البشرية وإن كانوا معتقدين الأمن.

وأما التقرّب فلما كانت حالهم كحال المتقربين حيث يطلبون ما هو حاصل لهم من الرحمة: سماه تقرّبا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ بالِغَةً في النُّصْحِ وهو صِفَةُ التّائِبِ فَإنَّهُ يَنْصَحُ نَفْسَهُ بِالتَّوْبَةِ، وُصِفَتْ بِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ مُبالَغَةً أوْ في النَّصاحَةِ، وهي الخِياطَةُ كَأنَّها تَنْصَحُ ما خَرَقَ الذَّنْبُ.

وَقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِضَمِّ النُّونِ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى النُّصْحِ كالشُّكْرِ والشَّكُورِ، أوِ النَّصاحَةِ كالثَّباتِ والثُّبُوتِ تَقْدِيرُهُ ذاتَ نَصُوحٍ أوْ تَنْصَحُ نَصُوحًا، أوْ تُوبُوا نَصُوحًا لِأنْفُسِكم.

وَسُئِلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ التَّوْبَةِ فَقالَ: يَجْمَعُها سِتَّةُ أشْياءَ عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، ولِلْفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ، واسْتِحْلالُ الخُصُومِ، وأنْ تَعْزِمَ عَلى أنْ لا تَعُودَ، وأنْ تُرَبِّيَ نَفْسَكَ في طاعَةِ اللَّهِ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ.

﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ ذُكِرَ بِصِيغَةِ الأطْماعِ جَرْيًا عَلى عادَةِ المُلُوكِ، وإشْعارًا بِأنَّهُ تَفَضُّلُ والتَّوْبَةُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ وأنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ خَوْفٍ ورَجاءٍ.

﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ﴾ ظَرْفٌ لِ يُدْخِلَكم.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إحْمادًا لَهم وتَعْرِيضًا لِمَن ناوَأهُمْ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ ﴾ أيْ عَلى الصِّراطِ.

﴿ يَقُولُونَ ﴾ إذا طَفِئَ نُورُ المُنافِقِينَ.

﴿ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وقِيلَ: تَتَفاوَتُ أنْوارُهم بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ فَيَسْألُونَ إتْمامَهُ تَفَضُّلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

صادقة عن الاخفش رحمه الله وقيل خاصلة يقال عسل ناصح إذا خلص من الشمع وقيل نصوحاً من نصاحة الثوب أي توبة ترفوا خروقك في دينك وترم

خللك ويجوز أن يراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها واستعماله الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها وبضم النون حماد ويحيى وهو مصدر أي ذات نصوح أن تنصح نصوحاً وجاء مرفوعاً إن التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب إلى أن يعود اللبن في الضرع وعن حذيفة بحسب الرجل من الشر أن يتوب عن الذنب ثم لا ثم لا يعود إلى الذنب إلى أن يعود اللبن في الضرع وعن حذيفة بحسب الرجل من الشر أن يتوب عن الذنب يعود فيه وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي الاستغفار وباللسان والندم بالجنان والإقلاع بالإركان {عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سيئاتكم} هذا على ما جرت به عادة الملوك من الاجابة بعسى ولعل ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت {وَيُدْخِلْكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار} ونصب {يَوْمَ} يدخلكم {لا يخزي الله النبي والذين آمنوا مَعَهُ} فيه تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر {نُورُهُم} مبتدأ {يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم} في موضع الخبر {يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} يقولون ذلك إذا انطفأ نور المنافقين {واغفر لَنَا إِنَّكَ على كُلّ شَىْء قدير}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ.

﴿ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ أيْ بالِغَةً في النُّصْحِ فَهو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ كَضَرُوبٍ وُصِفَتِ التَّوْبَةُ بِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ وهو وصْفُ التّائِبِينَ، وهو أنْ يَنْصَحُوا بِالتَّوْبَةِ أنْفُسَهم فَيَأْتُوا بِها عَلى طَرِيقِها، ولَعَلَّهُ ما تَضَمَّنَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««قالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما التَّوْبَةُ النَّصُوحُ ؟

قالَ: أنْ يَنْدَمَ العَبْدُ عَلى الذَّنْبِ الَّذِي أصابَ فَيَعْتَذِرُ إلى اللَّهِ تَعالى ثُمَّ لا يَعُودُ إلَيْهِ كَما لا يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ»» ورُوِيَ تَفْسِيرُها بِما ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: نَصُوحًا مِن نَصاحَةِ الثَّوْبِ أيْ خِياطَتِهِ أيْ تَوْبَةً تَرْفُو خُرُوقَكَ في دِينِكَ وتَرِمُ خَلَلَكَ، وقِيلَ: خالِصَتُهُ مِن قَوْلِهِمْ: عَسَلٌ ناصِحٌ إذا خَلَصَ مِنَ الشَّمْعِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ تَوْبَةٌ تَنْصَحُ النّاسَ أيْ تَدْعُوهم إلى مِثْلِها لِظُهُورِ أثَرِها في صاحِبِها، واسْتِعْمالِ الجِدِّ والعَزِيمَةِ في العَمَلِ بِمُقْتَضَياتِها، وفي المُرادِ بِها أقْوالٌ كَثِيرَةٌ أوْصَلَها بَعْضُهم إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ قَوْلًا: مِنها ما سَمِعْتَ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ - تَوْبًا - بِغَيْرِ تاءٍ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وعِيسى وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ «نُصُوحًا» بِضَمِّ النُّونِ وهو مَصْدَرُ نَصَحَ فَإنَّ النُّصْحَ والنَّصُوحَ كالشُّكْرِ والشَّكُورِ والكُفْرِ والكَفُورِ أيْ ذاتُ نُصْحٍ أوْ تَنْصَحُ نُصُوحًا أوْ تُوبُوا لِنُصْحِ أنْفُسِكم عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.

هَذا والكَلامُ في التَّوْبَةِ كَثِيرٌ وحَيْثُ كانَتْ أهَمَّ الأوامِرِ الإسْلامِيَّةِ وأوَّلَ المَقاماتِ الإيمانِيَّةِ ومَبْدَأ طَرِيقِ السّالِكِينَ ومِفْتاحَ بابِ الواصِلِينَ لا بَأْسَ في ذِكْرِ شَيْءٍ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِها فَنَقُولُ: هي لُغَةُ الرُّجُوعِ، وشَرْعًا وصْفًا لَنا عَلى ما قالَ السَّعْدُ: النَّدَمُ عَلى المَعْصِيَةِ لِكَوْنِها مَعْصِيَةً لِأنَّ النَّدَمَ عَلَيْها بِإضْرارِها بِالبَدَنِ أوْ إخْلالِها بِالعِرْضِ أوِ المالِ مَثَلًا لا يَكُونُ تَوْبَةً، وأمّا النَّدَمُ لِخَوْفِ النّارِ أوْ لِلطَّمَعِ في الجَنَّةِ فَفي كَوْنِهِ تَوْبَةً تَرَدُّدٌ.

ومَبْناهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ هَلْ يَكُونُ نَدَمًا عَلَيْها لِقُبْحِها ولِكَوْنِها مَعْصِيَةً أمْ لا ؟

وكَذا النَّدَمُ عَلَيْها لِقُبْحِها مَعَ غَرَضٍ آخَرَ، والحَقُّ أنَّ جِهَةَ القُبْحِ إنْ كانَتْ بِحَيْثُ لَوِ انْفَرَدَتْ لَتَحَقَّقَ النَّدَمُ فَتَوْبَةٌ وإلّا فَلا كَما إذا كانَ الغَرَضُ مَجْمُوعَ الأمْرَيْنِ لا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما.

وكَذا في التَّوْبَةِ عِنْدَ مَرَضٍ مَخُوفٍ بِناءً عَلى أنَّ ذَلِكَ النَّدَمَ هَلْ يَكُونُ لِقُبْحِ المَعْصِيَةِ بَلْ لِلْخَوْفِ، وظاهِرُ الأخْبارِ قَبُولُ التَّوْبَةِ ما لَمْ تَظْهَرْ عَلاماتُ المَوْتِ ويَتَحَقَّقْ أمْرُهُ عادَةً، ومَعْنى النَّدَمِ تَحَزُّنٌ وتَوَجُّعٌ عَلى أنْ فَعَلَ وتَمَنّى كَوْنَهُ لَمْ يَفْعَلْ ولا بُدَّ مِن هَذا لِلْقَطْعِ بِأنَّ مُجَرَّدَ التَّرْكِ كالماجِنِ إذا مَلَّ مُجُونَهُ فاسْتَرْوَحَ إلى بَعْضِ المُباحاتِ لَيْسَ بِتَوْبَةٍ، ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««النَّدَمُ تَوْبَةٌ»» وقَدْ يُزادُ قَيْدُ العَزْمِ عَلى تَرْكِ المُعاوَدَةِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ فِعْلَ المَعْصِيَةِ في المُسْتَقْبَلِ قَدْ لا يَخْطُرُ بِالبالِ لِذُهُولٍ أوْ جُنُونٍ أوْ نَحْوِهِ، وقَدْ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لِعارِضِ آفَةٍ كَخَرَسٍ في القَذْفِ مَثَلًا أوْ جُبٍّ في الزِّنا فَلا يُتَصَوَّرُ العَزْمُ عَلى التَّرْكِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِالقُدْرَةِ والِاخْتِيارِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ العَزْمُ عَلى التَّرْكِ عَلى تَقْدِيرِ الخُطُورِ والِاقْتِداءِ حَتّى لَوْ سُلِبَ القُدْرَةَ لَمْ يُشْتَرَطِ العَزْمُ عَلى التَّرْكِ، وبِذَلِكَ يُشْعِرُ كَلامُ إمامِ الحَرَمَيْنِ حَيْثُ قالَ: إنَّ العَزْمَ عَلى تَرْكِ المُعاوَدَةِ إنَّما يُقارَنُ بِالتَّوْبَةِ في بَعْضِ الأحْوالِ ولا يَطَّرِدُ في كُلِّ حالٍ إذِ العَزْمُ إنَّما يَصِحُّ مِمَّنْ يَتَمَكَّنُ مِن مِثْلِ ما قَدَّمَهُ، ولا يَصِحُّ مِنَ المَجْبُوبِ العَزْمُ عَلى تَرْكِ الزِّنا.

ومِنَ الأخْرَسِ العَزْمُ عَلى تَرْكِ القَذْفِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: التَّحْقِيقُ أنَّ ذِكْرَ العَزْمِ إنَّما هو لِلْبَيانِ والتَّقْرِيرِ لا لِلتَّقْيِيدِ والِاحْتِرازِ إذِ النّادِمُ عَلى المَعْصِيَةِ لِقُبْحِها لا يَخْلُو عَنْ ذَلِكَ العَزْمِ البَتَّةَ عَلى تَقْدِيرِ الخُطُورِ والِاقْتِدارِ، وعَلامَةُ النَّدَمِ طُولُ الحَسْرَةِ والخَوْفِ وانْسِكابِ الدَّمْعِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ عَلامَةَ صِدْقِ النَّدَمِ عَنْ ذَنْبٍ كالزِّنا أنْ لا يَرى في المَنامِ أنَّهُ يَفْعَلُهُ اخْتِيارًا إذْ يُشْعِرُ ذَلِكَ بِبَقاءِ حُبِّهِ إيّاهُ وعَدَمِ انْقِلاعِ أُصُولِهِ مِن قَلْبِهِ بِالكُلِّيَّةِ وهو يُنافِي صِدْقَ النَّدَمِ، وقالَ المُعْتَزِلَةُ: يَكْفِي في التَّوْبَةِ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ أساءَ وأنَّهُ لَوْ أمْكَنَهُ رَدُّ تِلْكَ المَعْصِيَةِ لَرَدَّها ولا حاجَةَ إلى الأسَفِ والحُزْنِ لِإفْضائِهِ إلى التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ.

وقالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ: التَّوْبَةُ ما اسْتَجْمَعَتْ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: أنْ يُقْلِعَ عَنِ المَعْصِيَةِ وأنْ يَنْدَمَ عَلى فِعْلِها وأنْ يَعْزِمَ عَزْمًا جازِمًا عَلى أنْ لا يَعُودَ إلى مِثْلِها أبَدًا فَإنْ كانَتْ تَتَعَلَّقُ بِآدَمِيٍّ لَزِمَ رَدُّ الظُّلامَةِ إلى صاحِبِها أوْ وارِثِهِ أوْ تَحْصِيلُ البَراءَةِ مِنهُ، ورُكْنُها الأعْظَمُ النَّدَمُ.

وفِي شَرْحِ المَقاصِدِ قالُوا: إنْ كانَتِ المَعْصِيَةُ في خالِصِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ يَكْفِي النَّدَمُ كَما في ارْتِكابِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ وتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وقَدْ تَفْتَقِرُ إلى أمْرٍ زائِدٍ كَتَسْلِيمِ النَّفْسِ لِلْحَدِّ في الشُّرْبِ وتَسْلِيمِ ما وجَبَ في تَرْكِ الزَّكاةِ، ومِثْلُهُ في تَرْكِ الصَّلاةِ وإنْ تَعَلَّقَتْ بِحُقُوقِ العِبادِ لَزِمَ مَعَ النَّدَمِ، والعَزْمِ إيصالُ حَقِّ العَبْدِ أوْ بَدَلِهِ إلَيْهِ إنْ كانَ الذَّنْبُ ظُلْمًا كَما في الغَصْبِ والقَتْلِ العَمْدِ، ولَزِمَ إرْشادُهُ إنْ كانَ الذَّنْبُ إضْلالًا لَهُ، والِاعْتِذارُ إلَيْهِ إنْ كانَ إيذاءً كَما في الغَيْبَةِ إذا بَلَغَتْهُ ولا يَلْزَمُ تَفْصِيلُ ما اغْتابَهُ بِهِ إلّا إذا بَلَغَهُ عَلى وجْهٍ أفْحَشَ، والتَّحْقِيقُ أنَّ هَذا الزّائِدَ واجِبٌ آخَرُ خارِجٌ عَنِ التَّوْبَةِ - عَلى ما قالَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ - مِن أنَّ القاتِلَ إذا نَدِمَ مِن غَيْرِ تَسْلِيمِ نَفْسِهِ لِلْقِصاصِ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى وكانَ مَنعُهُ القِصاصَ مِن مُسْتَحَقِّهِ مَعْصِيَةً مُتَجَدِّدَةً تَسْتَدْعِي تَوْبَةً ولا يَقْدَحُ في التَّوْبَةِ عَنِ القَتْلِ، ثُمَّ قالَ: ورُبَّما لا تَصِحُّ التَّوْبَةُ بِدُونِ الخُرُوجِ مِن حَقِّ العَبْدِ كَما في الغَصْبِ فَفَرْقٌ بَيْنَ القَتْلِ والغَصْبِ، ووَجْهُهُ لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ السُّنَّةِ وغَيْرُهم في وُجُوبِ التَّوْبَةِ عَلى أرْبابِ الكَبائِرِ، واخْتُلِفَ في الدَّلِيلِ، فَعِنْدَنا السَّمْعُ كَهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها وحُمِلَ الأمْرُ فِيها عَلى الرُّخْصَةِ والإيذانِ بِقَوْلِها ودَفْعِ القُنُوطِ - كَما جَوَّزَهُ الآمِدِيُّ -احْتِمالًا وبُنِيَ عَلَيْهِ عَدَمُ الإثابَةِ عَلَيْها مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ العَقْلُ، وأوْجَبَتِ الجَهْمِيَّةُ التَّوْبَةَ عَنِ الصَّغائِرِ سَمْعًا لا عَقْلًا، وأهْلُ السُّنَّةِ عَلى ذَلِكَ، ومُقْتَضى كَلامِ النَّوَوِيِّ والمازِرِيِّ وغَيْرِهِما وُجُوبُها حالَ التَّلَبُّسِ بِالمَعْصِيَةِ، وعِبارَةُ المازِرِيِّ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مِن جَمِيعِ المَعاصِي واجِبَةٌ، وأنَّها واجِبَةٌ عَلى الفَوْرِ، ولا يَجُوزُ تَأْخِيرُها سَواءً كانَتِ المَعْصِيَةُ صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً.

وفِي شَرْحِ الجَوْهَرَةِ أنَّ التَّمادِيَ عَلى الذَّنْبِ بِتَأْخِيرِ التَّوْبَةِ مِنهُ مَعْصِيَةٌ واحِدَةٌ ما لَمْ يَعْتَقِدْ مُعاوَدَتَهُ، وصَرَّحَتِ المُعْتَزِلَةُ بِأنَّها واجِبَةٌ عَلى الفَوْرِ حَتّى يَلْزَمَ بِتَأْخِيرِها ساعَةً إثْمٌ آخَرُ تَجِبُ التَّوْبَةُ عَنْهُ وساعَتَيْنِ إثْمانِ وهَلُمَّ جَرًّا، بَلْ ذَكَرُوا أنَّ بِتَأْخِيرِ التَّوْبَةِ عَنِ الكَبِيرَةِ ساعَةً واحِدَةً يَكُونُ لَهُ كَبِيرَتانِ: المَعْصِيَةُ وتَرْكُ التَّوْبَةِ، وساعَتَيْنِ أرْبَعٌ: الأُولَيانِ وتَرْكُ التَّوْبَةِ عَلى كُلٍّ مِنهُما، وثَلاثَ ساعاتٍ ثَمانٍ وهَكَذا، وتَصِحُّ عَنْ ذَنْبٍ دُونَ ذَنْبٍ لِتَحَقُّقِ النَّدَمِ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، وخالَفَ أبُو هاشِمٍ مُحْتَجًّا بِأنَّ النَّدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِقُبْحِها وهو شامِلٌ لَها كُلِّها فَلا يَتَحَقَّقُ النَّدَمُ عَلى قَبِيحٍ مَعَ الإصْرارِ عَلى آخَرَ.

وأُجِيبَ بِأنَّ الشّامِلَ لِلْكُلِّ هو القُبْحُ لا خُصُوصَ قُبْحِ تِلْكَ المَعْصِيَةِ وهَذا الخِلافُ في غَيْرِ الكافِرِ إذا أسْلَمَ وتابَ مِن كُفْرِهِ مَعَ اسْتَدامَتِهِ بَعْضَ المَعاصِي أمّا هو فَتَوْبَتُهُ صَحِيحَةٌ وإسْلامُهُ كَذَلِكَ بِالإجْماعِ ولا يُعاقَبُ إلّا عُقُوبَةَ تِلْكَ المَعْصِيَةِ، نَعَمِ اخْتُلِفَ في أنَّ مُجَرَّدَ إيمانِهِ هَلْ يُعَدُّ تَوْبَةً أمْ لا بُدَّ مِنَ النَّدَمِ عَلى سالِفِ كُفْرِهِ ؟

فَعِنْدَ الجُمْهُورِ مُجَرَّدُ إيمانِهِ تَوْبَةٌ، وقالَ الإمامُ والقُرْطُبِيُّ: لا بُدَّ مِنَ النَّدَمِ عَلى سالِفِ الكُفْرِ وعَدَمُ اشْتِراطِ العَمَلِ الصّالِحِ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الأئِمَّةِ خِلافًا لِابْنِ حَزْمٍ، وكَذا تَصِحُّ التَّوْبَةُ عَنِ المَعاصِي إجْمالًا مِن غَيْرِ تَعْيِينِ المَتُوبِ عَنْهُ ولَوْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ تَعْيِينُهُ، وخالَفَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ فَقالَ: إنَّما تَصِحُّ إجْمالًا مِمّا عُلِمَ إجْمالًا، وأمّا ما عُلِمَ تَفْصِيلًا فَلا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ مِنهُ تَفْصِيلًا ولا تَنْتَقِصُ التَّوْبَةُ الشَّرْعِيَّةُ بِالعَوْدِ فَلا تَعُودُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ الَّتِي تابَ مِنها بَلِ العَوْدُ والنَّقْضُ مَعْصِيَةٌ أُخْرى يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتُوبَ مِنها.

وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: مِن شُرُوطِ صِحَّتِها أنْ لا يُعاوِدَ الذَّنْبَ فَإنْ عاوَدَهُ انْتَقَصَتْ تَوْبَتُهُ وعادَتْ ذُنُوبُهُ لِأنَّ النَّدَمَ المُعْتَبَرَ فِيها لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالِاسْتِمْرارِ، ووافَقَهُمُ القاضِي أبُو بَكْرٍ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ اسْتِدامَةَ النَّدَمِ غَيْرُ واجِبَةٍ بَلِ الشَّرْطُ أنْ لا يَطْرَأ عَلَيْهِ ما يُنافِيهِ ويَدْفَعُهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ دائِمٌ حُكْمًا كالإيمانِ حالَ النَّوْمِ، ويَلْزَمُ مِنَ اشْتِراطِ الِاسْتِدامَةِ مَزِيدُ الحَرَجِ والمَشَقَّةِ، وقالَ الآمِدِيُّ: يَلْزَمُ أيْضًا اخْتِلالُ الصَّلَواتِ وسائِرِ العِباداتِ، ويَلْزَمُ أيْضًا أنْ لا يَكُونَ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ اسْتِدامَةِ النَّدَمِ وتَذَكُّرِهِ تائِبًا، وأنْ يَجِبَ عَلَيْهِ إعادَةُ التَّوْبَةِ وهو خِلافُ الإجْماعِ، نَعَمِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن تَذَكَّرَ المَعْصِيَةَ بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنها، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُجَدِّدَ النَّدَمَ ؟

وإلَيْهِ ذَهَبَ القاضِي مِنّا وأبُو عَلِيٍّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ زَعْمًا مِنهُما أنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْدَمْ كُلَّما ذَكَرَها لَكانَ مُشْتَهِيًا لَها فَرِحًا بِها، وذَلِكَ إبْطالٌ لِلنَّدَمِ ورُجُوعٌ إلى الإصْرارِ، والجَوابُ المَنعُ إذْ رُبَّما يَضْرِبُ عَنْها صَفْحًا مِن غَيْرِ نَدَمٍ عَلَيْها ولا اشْتِهاءٍ لَها وابْتِهاجٍ بِها ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ لَلَزِمَ أنْ لا تَكُونَ التَّوْبَةُ السّابِقَةُ صَحِيحَةً، وقَدْ قالَ القاضِي نَفْسُهُ: إنَّهُ إذا لَمْ يُجَدِّدْ نَدَمًا كانَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً جَدِيدَةً يَجِبُ النَّدَمُ عَلَيْها والتَّوْبَةُ الأُولى مَضَتْ عَلى صِحَّتِها إذِ العِبادَةُ الماضِيَةُ لا يَنْقُضُها شَيْءٌ بَعْدَ ثُبُوتِها.

انْتَهى.

وبِعَدَمِ وُجُوبِ التَّجْدِيدِ عِنْدَ ذِكْرِ المَعْصِيَةِ صَرَّحَ إمامُ الحَرَمَيْنِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ إذا لَمْ يَبْتَهِجْ عِنْدَ ذِكْرِ الذَّنْبِ بِهِ ويَفْرَحْ ويَتَلَذَّذْ بِذِكْرِهِ أوْ سَماعِهِ، وإلّا وجَبَ التَّجْدِيدُ اتِّفاقًا، وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ المُعاوَدَةَ غَيْرُ مُبْطِلَةٍ ولَوْ كانَتْ في مَجْلِسِ التَّوْبَةِ بَلْ ولَوْ تَكَرَّرَتْ تَكْرارًا يَلْتَحِقُ بِالتَّلاعُبِ، وفي هَذا الأخِيرِ نَظَرٌ فَقَدْ قالَ القاضِي عِياضٌ: إنَّ الواقِعَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى بِما هو كُفْرٌ تَنْفَعُهُ تَوْبَتُهُ مَعَ شَدِيدِ العِقابِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لَهُ ولِمِثْلِهِ إلّا مَن تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ وعُرِفَ اسْتِهانَتُهُ بِما أتى فَهو دَلِيلٌ عَلى سُوءِ طَوِيَّتِهِ وكَذِبِ تَوْبَتِهِ.

انْتَهى.

ويَنْبَغِي عَلَيْهِ أنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ بِأنْ تَكْثُرَ كَثْرَةً تُشْعِرُ بِالِاسْتِهانَةِ وتُدْخِلُ صاحِبَها في دائِرَةِ الجُنُونِ، واخْتُلِفَ في صِحَّةِ التَّوْبَةِ المُؤَقَّتَةِ بِلا إصْرارٍ كَأنْ لا يُلابِسَ الذُّنُوبَ أوْ ذَنْبَ كَذا سَنَةً فَقِيلَ: تَصِحُّ، وقِيلَ: لا، وفي شَرْحِ الجَوْهَرَةِ قِياسُ صِحَّتِها مِن بَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضِ صِحَّتِها فِيما ذُكِرَ، ثُمَّ إنَّ لِلتَّوْبَةِ مَراتِبَ مِن أعْلاها ما رُوِيَ عَنْ يَعْسُوبِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ سَمِعَ أعْرابِيًّا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ فَقالَ: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالتَّوْبَةِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ما التَّوْبَةُ ؟

قالَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: يَجْمَعُها سِتَّةُ أشْياءَ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، ولِلْفَرائِضِ الإعادَةُ ورَدُّ المَظالِمِ واسْتِحْلالُ الخُصُومِ وأنْ تَعْزِمَ عَلى أنْ لا تَعُودَ وأنْ تُذِيبَ نَفْسَكَ في طاعَةِ اللَّهِ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ وأنْ تُذِيقَها مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعاصِي، وأُرِيدَ بِإعادَةِ الفَرائِضِ أنْ يَقْضِيَ مِنها ما وقَعَ في زَمانِ مَعْصِيَتِهِ كَشارِبِ الخَمْرِ يُعِيدُ صَلاتَهُ قَبْلَ التَّوْبَةِ لِمُخامَرَتِهِ لِلنَّجاسَةِ غالِبًا، وهَذِهِ تَوْبَةٌ نَحْوَ الخَواصِّ فَلا مُسْتَنَدَ في هَذا الأثَرِ لِابْنِ حَزْمٍ وأضْرابِهِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فائِدَةَ التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَكِنْ جِيءَ بِصِيغَةِ الإطْماعِ لِلْجَرْيِ عَلى عادَةِ المُلُوكِ فَإنَّهم إذا أرادُوا فِعْلًا قالُوا: عَسى أنْ نَفْعَلَ كَذا، والإشْعارُ بِأنَّ ذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنهُ سُبْحانَهُ والتَّوْبَةُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لَهُ.

وأنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ خَوْفٍ ورَجاءٍ وإنْ بالَغَ في إقامَةِ وظائِفِ العِبادَةِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ قَبُولِ التَّوْبَةِ لِأنَّ التَّكْفِيرَ أثَرُ القَبُولِ، وقَدْ جِيءَ مَعَهُ بِصِيغَةِ الإطْماعِ دُونَ القَطْعِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ فَذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى قَبُولُها عَقْلًا وأتَوْا في ذَلِكَ بِمُقَدِّماتٍ مُزَخْرَفاتٍ، وقالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ والقاضِي أبُو بَكْرٍ: يَجِبُ قَبُولُها سَمْعًا ووَعْدًا لَكِنْ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ إذْ لَمْ يَثْبُتْ في ذَلِكَ نَصٌّ قاطِعٌ لا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وقالَ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ: بَلْ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ ومَحَلُّ النِّزاعِ بَيْنَ الأشْعَرِيِّ وتِلْمِيذَيْهِ ما عَدا تَوْبَةَ الكافِرِ أمّا هي فالإجْماعُ عَلى قَبُولِها قَطْعًا بِالسَّمْعِ لِوُجُودِ النَّصِّ المُتَواتِرِ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ  ﴾ بِخِلافِ ما جاءَ في تَوْبَةِ غَيْرِهِ فَإنَّهُ ظاهِرٌ، ولَيْسَ بِنَصٍّ في غُفْرانِ ذُنُوبِ المُسْلِمِ بِالتَّوْبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ  ﴾ ، وأمّا حَدِيثُ -التَّوْبَةِ تَجُبُّ ما قَبْلَها - فَلَيْسَ بِمُتَواتِرٍ ولِأنَّهُ إذا قُطِعَ بِقَبُولِ تَوْبَةِ الكافِرِ كانَ ذَلِكَ فَتْحًا لِبابِ الإيمانِ وسَوْقًا إلَيْهِ، وإذا لَمْ يُقْطَعْ بِتَوْبَةِ المُؤْمِنِ كانَ ذَلِكَ سَدًّا لِبابِ العِصْيانِ ومَنعًا مِنهُ، وهَذا- وما قَبْلَهُ - ذَكَرَهُما القاضِي لِما قِيلَ لَهُ: إنَّ الدَّلائِلَ مَعَ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ: وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ جُمْهُورَ أهْلِ السُّنَّةِ عَلى قَوْلِ القاضِي، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ دُعاءُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ التّائِبِينَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ ولَوْ كانَ مَقْطُوعًا بِهِ لَما كانَ لِلدُّعاءِ مَعْنى، ومِثْلُ ذَلِكَ وُجُوبُ الشُّكْرِ عَلى القَبُولِ فَإنَّهُ لَوْ كانَ واجِبًا لَما وجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْهِ.

وتَعَقَّبَ ذَلِكَ السَّعْدُ بِأنَّهُ رُبَّما يُدْفَعُ بِأنَّ المَسْؤُولَ في الدُّعاءِ هو اسْتِجْماعُها لِشَرائِطِ القَبُولِ فَإنَّ الأمْرَ فِيهِ خَطِيرٌ، ووُجُوبُ القَبُولِ لا يُنافِي وُجُوبَ الشُّكْرِ لِكَوْنِهِ إحْسانًا في نَفْسِهِ كَتَرْبِيَةِ الوالِدِ ولَدَهُ وقالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى قَبُولُ التَّوْبَةِ إذا وُجِدَتْ بِشُرُوطِها عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ يَقْبَلُها كَرَمًا مِنهُ وتَفَضُّلًا، وعَرَفْنا قَبُولَها بِالشَّرْعِ والإجْماعِ فَلا تَغْفُلْ، وقُرِئَ «يُدْخِلْكم» بِسُكُونِ اللّامِ، وخَرَّجَهُ أبُو حَيّانَ عَلى أنْ يَكُونَ حَذْفُ الحَرَكَةِ تَخْفِيفًا وتَشْبِيهًا لِما هو في كَلِمَتَيْنِ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ فَإنَّهُ يُقالُ في قَمْعٍ: قَمَعٍ.

وفي نَطْعٍ، نَطَعٍ وقالَ: إنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْعَطْفِ عَلى مَحَلِّ ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ ﴾ ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ كَأنَّهُ قِيلَ: تُوبُوا يُرَجَّ تَكْفِيرٌ أوْ يُوجِبُ تَكْفِيرَ سَيِّئاتِكم ويُدْخِلْكم ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ﴾ ظَرْفٌ - لِيُدْخِلَكم - وتَعْرِيفُ ”النَّبِيَّ“ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ سَيِّدُ الأنْبِياءِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ بِنَفْيِ الإخْزاءِ إثْباتُ أنْواعِ الكَرامَةِ والعِزِّ.

وفِي القامُوسِ يُقالُ: أخْزى اللَّهُ تَعالى فُلانًا فَضَحَهُ، وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ لَحِقَهُ انْكِسارٌ إمّا مِن نَفْسِهِ وهو الحَياءُ المُفْرِطُ ومَصْدَرُهُ الخَزايَةُ.

وإمّا مِن غَيْرِهِ وهو ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِخْفافِ، ومَصْدَرُهُ الخِزْيُ، و ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ﴾ هو مِنَ الخِزْيِ أقْرَبُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنهُما جَمِيعًا ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمَن أخْزاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن أهْلِ الكُفْرِ والفُسُوقِ، واسْتِحْمادٌ عَلى المُؤْمِنِينَ عَلى أنْ عَصَمَهم مِن مِثْلِ حالِهِمْ، والمُرادُ بِالإيمانِ هُنا فَرْدُهُ الكامِلُ عَلى ما ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ ﴾ أيْ عَلى الصِّراطِ كَما قِيلَ، ومَرَّ الكَلامُ فِيهِ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَقُولُونَ ﴾ إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَوْصُولِ، وأنْ تَكُونَ الأُولى حالًا مِنهُ.

والثّانِيَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ يَسْعى ﴾ ، وأنْ تَكُونَ الأُولى مُسْتَأْنَفَةً.

والثّانِيَةُ مِنَ الضَّمِيرِ، وأنْ تَكُونَ الأُولى حالًا مِنَ المَوْصُولِ.

والثّانِيةُ مُسْتَأْنَفَةً أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَعَهُ، والجُمْلَتانِ خَبَرانِ آخَرانِ أوْ مُسْتَأْنَفَتانِ أوْ حالانِ مِنَ المَوْصُولِ، أوِ الأُولى حالٌ مِنهُ والثّانِيَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أوِ الأُولى مُسْتَأْنَفَةٌ والثّانِيَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أوِ الأُولى حالٌ والثّانِيَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوِ الأُولى خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ والثّانِيَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُورُهم يَسْعى ﴾ إلَخْ، والجُمْلَةُ الأُخْرى مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ فَهَذِهِ عِدَّةُ احْتِمالاتٍ لا يَخْفى ما هو الأظْهَرُ مِنها.

والقَوْلُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: يَكُونُ إذا طُفِئَ نُورُ المُنافِقِينَ أيْ يَقُولُونَ إذا طُفِئَ نُورُ المُنافِقِينَ ﴿ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَسَنِ يَدْعُونَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ تَمامِ نُورِهِمْ، وقِيلَ: يَقُولُ ذَلِكَ مَن يَمُرُّ عَلى الصِّراطِ زَحْفًا وحَبْوًا.

هَذا الجُزْءُ مُكَمَّلٌ مِن نُسْخَةٍ أُخْرى وقِيلَ: مَن يُعْطى مِنَ النُّورِ بِقَدْرِ ما يُبْصِرُ بِهِ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، ويُعْلَمُ مِنهُ عَدَمُ تَعَيُّنِ حَمْلِ الإيمانِ عَلى فَرْدِهِ الكامِلِ كَما سَمِعْتُ عَنِ الخَفاجِيِّ، وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ السَّهْمِيُّ وأبُو حَيْوَةَ «وبِإيمانِهِمْ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَعْطُوفٌ عَلى الظَّرْفِ أيْ كائِنًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وكائِنًا بِسَبَبِ إيمانِهِمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ، فخوفهن الله تعالى بفراق النبيّ  إياهن، وعسى من الله واجب إِنْ طَلَّقَكُنَّ عسى ربه أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً.

قرأ نافع، وأبو عمرو يُبْدِلَهُ بتشديد الدال، والباقون بالتخفيف ومعناهما واحد.

يقال: بدَّل وأبدل.

خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ يعني: مستسلمات لأمر النبيّ  .

ويقال: يعني: معينات.

ثم قال: مُؤْمِناتٍ يعني: مصدقات في إيمانهن، قانِتاتٍ يعني: مطيعات لله تعالى ولرسوله  ، تائِباتٍ يعني: راجعات عن الذنوب، عابِداتٍ يعني: موحدات مطيعات، سائِحاتٍ يعني: صائمات.

وقال أهل اللغة: إنما سمي الصائم سائحاً، لأن الذي يسيح للعبادة لا زاد معه، يمضي نهاره لا يطعم شيئاً ولذلك سمي الصائم سائحاً، ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً.

الثيبات: جمع الثيب والأبكار: جمع البكر.

وهن العذارى.

ويقال: هذا وعد من الله تعالى للنبي  بأن يزوجه في الجنة، والثيب: هي آسية امرأة فرعون، والبكر: هي مريم أم عيسى-  - وهي ابنة عمران تكون وليته في الجنة، ويجتمع عليها أهل الجنة فيزوج الله تعالى هاتين المرأتين محمدا  .

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ يعني: بعدوا أنفسكم عن النار بطاعة الله وطاعة رسوله  .

وَأَهْلِيكُمْ يعني: أهليكم نَارًا بتعليمهم ما ينجيهم منها.

وقال قتادة: مروهم بطاعة الله تعالى، وانهوهم عن معصية الله.

وقال مجاهد: يعني: أوصوا أهليكم بتقوى الله ويقال: أدبوهم وعلموهم خيراً، تقوهم بذلك ناراً وَقُودُهَا يعني: حطبها.

والوقود: ما توقد به النار يعني: حطبها النَّاسُ إذا صاروا إليها وحطبها، وَالْحِجارَةُ قبل أن يصير الناس إليها، وهي حجارة الكبريت.

ثم قال: عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ يعني: على النار ملائكة موكلين غلاظ يعني: أقوياء يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ يعني: ليسوا كأعوان ملوك الدنيا يمتنعون بالرشوة، ولكن يفعلون مَا يُؤْمَرُونَ يعني: لا يفعلون غير ما أمرهم الله تعالى.

ثم قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ يعني: يقول لهم الملائكة يوم القيامة حين يعتذرون: لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ يعني: لا يقبل منكم العذر.

إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: تعاقبون بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي.

ثم أمر المؤمنين بالتوبة عن الذنوب.

فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً يعني: صادقاً في توبته، ويقال: تنصحون لله فيها من غير مداهنة.

وروى سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير قال: سئل عمر بن الخطاب-  - عن التوبة النصوح، فقال: هو الرجل يتوب من عمل السوء، ثم لا يعود إليه أبداً.

وروي، عن ابن عباس أنه قال: توبة النصوح: الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإضمار أن لا يعود إليها.

قرأ نافع، وعاصم في إحدى الروايتين تَوْبَةً نَصُوحاً بضم النون، والباقون بالنصب.

فمن قرأ بالنصب، فهو صفة التوبة يعني: توبة بالغة في النصح، كما يقال: رجل صبور وشكور.

ومن قرأ بالضم، يعني: ينصحوا بها نصوحاً، كما يقال: نصحت له نصحاً ونصوحاً.

ثم قَالَ: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يعني: يغفر لكم ما مضى من ذنوبكم إن تبتم.

وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ صار اليوم نصاً لنزع الخافض يعني.

يكفر عنكم في يوم لا يخزي الله النبي.

قال الكلبي: يعني: لا يعذب الله النبي، ويقال: يوم لا يخزيه فيما أراد من الشفاعة.

وغيره، وتم الكلام.

ثم قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني: على الصراط.

وروى الحسن، عن النبي  أنه قال: «مِنَ المُؤْمِنِينَ مَنْ نُورُهُ أَبْعَدُ ما بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدنِ أبْيَنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ نُوُرُه لَا يُجَاوِزُ قَدَمَيْهِ» ، فقال: نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني: يضيء بين أيديهم.

وَبِأَيْمانِهِمْ يعني: عن أيمانهم وعن شمائلهم على وجه الإضمار.

يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا، ذلك حين طفئت أنوار المنافقين، أشفق المؤمنون على نورهم، ويتفكرون فيما مضى منهم من العذاب، فيقولون: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا يعني: احفظ علينا نورنا، وَاغْفِرْ لَنا ما مضى من ذنوبنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من إتمام النور والمغفرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ومَا بعدَه يحتملُ أنْ يكونَ عَطْفاً على اسمِ اللَّهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ جبريلُ رَفْعاً بالابتداء وما بعده عطف عليه وظَهِيرٌ هُو الخَبَرُ، وخَرّجَ البخاريّ بسنده عن أنس قال: قال عمر:

اجتمع نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم في الغِيرَةِ عليه فقلتُ لَهُنَّ: عسى ربُّه إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يبدله أزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ، فنزلت هذه الآية «١» ، انتهى، وقانِتاتٍ معناه مُطِيعَات، والسائحاتُ قِيل: معناه:

صَائِمَاتٌ، وقيل: معناه: / مُهَاجِرَاتٌ، وقيل: معناه ذَاهِبَاتٌ في طَاعَةِ اللَّهِ، وشُبِّه الصَّائِمُ بالسائِحِ من حيثُ يَنْهَمِلُ السائِحُ وَلا يَنْظُرُ في زادٍ ولاَ مَطْعَمٍ، وكذلك الصائم يُمْسِك عن ذلك، فيستوي هو والسائِح في الامْتِنَاعِ، وشَظَفِ العَيْشِ لِفَقْدِ الطَّعَام.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ...

الآيةُ، قُوا معناه اجْعَلُوا وِقَايَةً بينكم وبينَ النارِ، وقوله: وَأَهْلِيكُمْ معناه بالوَصِيَّةِ لهم والتقويم والحَمْلِ على طاعةِ اللَّه، وفي الحديثِ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَال: يا أهْلاَهُ صَلاَتَكُمْ، صِيَامَكُمْ، [زَكَاتَكُمْ] ، مِسْكِينَكُمْ، يَتِيمَكُمْ» «٢» ت: وفي «العتبية» عن مالكٍ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللَّهَ أذِنَ لي أنْ أتَحَدَّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ، إنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعَاتِقِهِ لَمَخْفِقَ الطَّيْرِ سَبْعِينَ عَاماً» «٣» ، انتهى، وباقي الآية في غَايَةِ الوضوحِ، نَجَانَا اللَّهُ مِنْ عَذَابه بِفَضْلِه، والتوبةُ فَرْضٌ على كلِّ مسلمٍ، وهي الندمُ على فَارِطِ المعصيةِ، والعَزْمُ عَلى تَرْكِ مِثلِها في المستقبل، هذا من المتمكن، وأما غيرُ المتمكِّنِ كالمَجْبُوبِ في الزِّنَا فالندمُ وحدَه يكفيه، والتوبةُ عِبادَةٌ كالصَّلاَةِ، وغيرها، فإذا تَابَ العبدُ وَحَصَلَتْ توبتُه بشروطِها وقبلت، ثم عَاوَدَ الذنبَ فتوبتُه الأولَى لا تفسدُها عَوْدَةٌ بل هي كسَائِرِ مَا تَحَصَّلَ من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا ﴾ وِقايَةُ النَّفْسِ: بِامْتِثالِ الأوامِرِ، واجْتِنابِ النَّواهِي، ووِقايَةِ الأهْلِ: بِأنْ يُؤْمَرُوا بِالطّاعَةِ، ويُنْهَوْا عَنِ المَعْصِيَةِ.

وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَلِّمُوهم وأدِّبُوهم ﴿ وَقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ﴾ وقَدْ ذَكَرْناهُ في [البَقَرَةِ: ٢٤] ﴿ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ ﴾ عَلى أهْلِ النّارِ ﴿ شِدادٌ ﴾ عَلَيْهِمْ.

وَقِيلَ: غِلاظُ القُلُوبِ شِدادُ الأبْدانِ.

ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَزَنَةُ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ، ما بَيْنَ مَنكِبَيْ أحَدِهِمْ مَسِيرَةُ سَنَةٍ، وقُوَّتُهُ: أنْ يَضْرِبَ بِالمِقْمَعَةِ، فَيَدْفَعُ بِتِلْكَ الضَّرْبَةِ سَبْعِينَ ألْفًا، فَيَهْوُونَ في قَعْرِ جَهَنَّمَ ﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ ﴾ أيْ: لا يَخالِفُونَ فِيما يَأْمُرُ ﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَتَجاوَزُونَ ما يُؤْمَرُونَ.

والثّانِي: يَفْعَلُونَهُ في وقْتِهِ لا يُؤَخِّرُونَهُ، ولا يُقَدِّمُونَهُ.

ويُقالُ لِأهْلِ النّارِ: ﴿ "يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ.

﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ "نُصُوحًا" بِضَمِّ النُّونِ.

والباقُونَ بِفَتْحِها.

قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن فَتَحَ فَعَلى صِفَةِ التَّوْبَةِ، ومَعْناهُ: تَوْبَةٌ بالِغَةٌ في النُّصْحِ، "وَفَعُولٌ" مِن أسْماءِ الفاعِلِينَ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ.

تَقُولُ: رَجُلٌ صَبُورٌ، وشَكُورٌ.

ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ، فَمَعْناهُ: يَنْصَحُونَ فِيها نُصُوحًا، يُقالُ: نَصَحَتْ لَهُ نُصْحًا، ونَصاحَةً، ونُصُوحًا.

وقالَ غَيْرُهُ: مَن ضَمَّ أرادَ: تَوْبَةَ نُصْحٍ لِأنْفُسِكم.

وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ: أنْ يَتُوبَ العَبْدُ مِنَ الذَّنْبِ وهو يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أنَّهُ لا يَعُودُ.

وسُئِلَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَقالَ: نَدَمٌ بِالقَلْبِ، واسْتِغْفارٌ بِاللِّسانِ، وتَرْكٌ بِالجَوارِحِ، وإضْمارُ أنْ لا يَعُودَ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ تُكَفِّرُ كُلَّ سَيِّئَةٍ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ﴾ قَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الخِزْيِ" في [آلِ عِمْرانَ: ١٩٢] وبَيَّنّا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ ﴾ في [الحَدِيدِ: ١٢] ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا ﴾ وذَلِكَ إذا رَأى المُؤْمِنُونَ نُورَ المُنافِقِينَ يُطْفَأُ سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُتَمِّمَ لَهم [نُورَهُمْ]، ويُبَلِّغَهم بِهِ الجَنَّةَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلّا يُعْطى نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ.

فَأمّا المُنافِقُ فَيُطْفَأُ نُورُهُ، والمُؤْمِنُ مُشْفِقٌ مِمّا رَأى مِن إطْفاءِ نُورِ المُنافِقِ، فَهم يَقُولُونَ: ﴿ "رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا" .

﴾ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها الناسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عنكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهِ النَبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمْ ﴾ مَعْناهُ: اجْعَلُوا وِقايَةَ بَيْنِكم وبَيْنَ النارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةِ تَعْلِيلُ اللَفْظَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأهْلِيكُمْ" مَعْناهُ: بِالوَصِيَّةِ لَهم والتَقْدِيمِ والحَمْلِ عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى، وفي حَدِيثِ: « "لا تَزْنِي فَيَزْنِي أهْلُكَ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قالَ: يا أهْلاهُ، صَلاتَكُمْ، صِيامَكُمْ، مِسْكِينَكُمْ، يَتِيمَكُمْ"،» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَقُودُها" بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، وقِيلَ: هُما بِمَعْنى، وقِيلَ: الضَمُّ مَصْدَرٌ والفَتْحُ اسْمٌ، ويُرْوى أنَّ الحِجارَةَ هي حِجارَةُ الكِبْرِيتِ وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، ويُرْوى أنَّها جَمِيعُ أنْواعِ الحِجارَةِ، وفي بَعْضِ الحَدِيثِ «أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ سَمِعَ أنِينًا بِفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَتَبِعَهُ حَتّى بَلَغَ إلى حَجَرٍ يَئِنُّ ويَحْزَنُ، فَقالَ لَهُ: ما لَكَ أيُّها الحَجَرُ؟

قالَ: يا رُوحَ اللهِ إنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿ وَقُودُها الناسُ والحِجارَةُ ﴾ فَخِفْتُ أنْ أكُونَ مِن تِلْكَ الحِجارَةِ، فَعَجِبَ مِنهُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وانْصَرَفَ،» ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا المَعْنى في التَوْراةِ أو في الإنْجِيلِ، فَذَلِكَ الَّذِي سَمِعَ الحَجَرَ إذا عُبِّرَ عنهُ بِالعَرَبِيَّةِ كانَ هَذا اللَفْظُ.

ووَصْفُ المَلائِكَةِ بِالغِلْظَةِ مَعْناهُ في القُلُوبِ والبَطْشِ الشَدِيدِ والفَظاظَةِ، كَما قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ  : "وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ"، و"الشِدَّةُ": القُوَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ شِدَّتُهم عَلى الكَفّارِ فَهي بِمَعْنى الغِلْظَةِ.

ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِالطَواعِيَةِ لِرَبِّهِمْ، وكَرَّرَ المَعْنى تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ ما يَقْتَضِي أنَّهم يَدْخُلُونَ الكَفّارَ النارَ بِجِدٍّ واخْتِيارٍ ويُغْلِظُونَ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ بَعْدَ تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى: فَيُقالُ لِلْكُفّارِ: "لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ"، أيْ: إنَّ المَعْذِرَةَ لا تَنْفَعُكُمْ، وإنَّما تُجْزَوْنَ بِأعْمالِكُمْ، فَلا تَلُومُوا إلّا أنْفُسَكم.

ثُمَّ أمَرَ عِبادَهُ بِالتَوْبَةِ، والتَوْبَةُ فَرْضٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ، و"تابَ" مَعْناهُ: رَجَعَ، فَتَوْبَةُ العَبْدِ: رُجُوعُهُ مِنَ المَعْصِيَةِ إلى الطاعَةِ، وتَوْبَةُ اللهِ تَعالى عَلى العَبْدِ إظْهارُ صَلاحِهِ ونِعْمَتِهِ عَلَيْهِ في الهِدايَةِ لِلطّاعَةِ، وقَبُولُ تَوْبَةِ الكَفّارِ يَقْطَعُ بِها عَلى اللهِ تَعالى إجْماعًا مِنَ الأُمَّةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَوْبَةِ العاصِي، فَجُمْهُورُ أهْلِ السُنَّةِ عَلى أنَّهُ لا يَقْطَعُ بِقَبُولِها ولا ذَلِكَ عَلى اللهِ بِواجِبٍ، والدَلِيلُ عَلى ذَلِكَ دُعاءُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ التائِبِينَ في قَبُولِ التَوْبَةِ، ولَوْ كانَ مَقْطُوعًا بِهِ لَما كانَ مَعْنًى لِلدُّعاءِ في قَبُولِها، وظَواهِرُ القُرْآنِ في ذَلِكَ هي كُلُّها بِمَعْنى المَشِيئَةِ، ورُوِيَ عن أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قالَ: التَوْبَةُ إذا تَوافَرَتْ شُرُوطُها قَطَعَ عَلى اللهِ تَعالى بِقَبُولِهِ لِأنَّهُ أخْبَرَ بِذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَمَسُّكٌ بِظَواهِرِ القُرْآنِ، وعَلى هَذا القَوْلِ أطْبَقَتِ المُعْتَزِلَةُ، والتَوْبَةُ: النَدَمُ عَلى فارِطِ مَعْصِيَةٍ، والعَزْمُ عَلى تَرْكِ مِثْلِها في المُسْتَقْبَلِ، وهَذا مِنَ المُتَمَكِّنِ، وأمّا غَيْرُ المُتَمَكِّنِ كالمَجْبُوبِ في الزِنا فالنَدَمُ وحْدَهُ يَكْفِيهِ، والتَوْبَةُ عِبادَةٌ كالصَلاةِ وغَيْرِها، فَإذا تابَ العَبْدُ وحَصَلَتْ تَوْبَتُهُ بِشُرُوطِها وقُبِلَتْ ثُمَّ عاوَدَ الذَنْبَ فَتَوْبَتُهُ الأُولى لا تُفْسِدُها عَوْدَةٌ، بَلْ هي كَسائِرِ ما يَحْصُلُ مِنَ العِباداتِ.

و"النَصُوحُ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ النُصْحِ، أيْ: تَوْبَةٌ نَصَحَتْ صاحِبَها وأرْشَدَتْهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَصُوحًا" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وخارِجَةَ عن نافِعٍ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، وعِيسى: "نَصُوحًا" بِضَمِّ النُونِ، وهو مَصْدَرٌ، يُقالُ: نَصَحَ يَنْصَحُ، نَصاحَةً ونُصُوحًا قالَهُ الزَجّاجُ، فَوَصَفَ التَوْبَةَ بِالمَصْدَرِ كالعَدْلِ والزُورِ ونَحْوِهِ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: التَوْبَةُ النَصُوحُ هي أنْ يَتُوبَ ثُمَّ لا يَعُودُ ولا يُرِيدُ أنْ يَعُودَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: هي أنْ تَضِيقَ عَلَيْكَ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ كَتَوْبَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَسى رَبُّكُمْ" الآيَةُ، تَرْجِيَةٌ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ "عَسى" مِنَ اللهِ تَعالى واجِبَةٌ، والعامِلِ في "يَوْمَ" هو "يُدْخِلُكُمْ"، ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَبِيَّ ﴾ أنَّ مُحَمَّدًا  تَضْرَّعَ في أمْرِ أُمَّتِهِ فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ حِسابَهم إلَيْكَ، فَقالَ: يا رَبِّ أنْتَ أرْحَمُ بِهِمْ، فَقالَ اللهُ تَعالى: إذًا لا أُخْزِيكَ فِيهِمْ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَبِيَّ ﴾ ، والخِزْيُ المَكْرُوهُ الَّذِي يَتْرُكُ الإنْسانَ حَيْرانَ خَجِلًا مَهْمُومًا بِأنْ يَرى نَقْصَهُ أو سُوءَ مَنزِلَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى "النَبِيِّ" فَيَخْرُجُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الخِزْيِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً، و"نُورُهم يَسْعى" جُمْلَةٌ هي خَبَرُهُ، ويَبْقى النَبِيُّ  مَخْصُوصًا مُفَضَّلًا بِأنَّهُ لا يَخْزى، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ ﴾ ، وقَرَأ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: "بِإيمانِهِمْ"، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَوْلُهُمْ: "أتْمِمْ لَنا نُورَنا" قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هو عِنْدَما يَرَوْنَ مِنِ انْطِفاءِ نُورِ المُنافِقِينَ حَسَبَما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وقِيلَ: يَقُولُ مَن أُعْطِيَ مِنَ النُورِ بِقَدْرِ ما يَرى مِن مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ فَقَطْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ياأيها الذين ءَامَنُواْ توبوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سيئاتكم وَيُدْخِلَكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار ﴾ .

أعيد خطاب المؤمنين وأعيد نداؤهم وهو نداء ثالث في هذه السورة.

والذي قبله نداء للواعظين.

وهذا نداء للموعوظين وهذا الأسلوب من أساليب الإِعراض المهتم بها.

أُمر المؤمنون بالتوبة من الذنوب إذا تلبسوا بها لأن ذلك من إصلاح أنفسهم بعد أن أمروا بأن يجنِّبوا أنفسهم وأهليهم ما يَزِجّ بهم في عذاب النار، لأن اتقاء النار يتحقق باجتناب ما يرمي بهم فيها، وقد يذهلون عما فرط من سيئاتهم فهُدُوا إلى سبيل التوبة التي يمحون بها ما فرط من سيئاتهم.

وهذا ناظر إلى ما ذكر من موعظة امرأتي النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ إن تتوبا إلى الله ﴾ [التحريم: 4].

والتوبة: العزم على عدم العود إلى العصيان مع الندم على ما فرط منه فيما مضى.

وتقدمت عند قوله تعالى: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ﴾ في سورة [البقرة: 37].

وفي مواضع أخرى وخاصة عند قوله تعالى: ﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ في سورة [النساء: 17].

وتعديتها بحرف (إلى) لأنها في معنى الرجوع لأن (تاب) أخو (ثاب).

والنصوح: ذُو النصح.

والنصح: الإِخلاص في العمل والقول، أي الصدق في إرادة النفع بذلك.

ووصف التوبة بالنصوح مجاز جعلت التوبة التي لا تردد فيها ولا تخالطها نية العودة إلى العمل المتوب منه بمنزلة الناصح لغيره ففي (نصوح) استعارة وليس من المجاز العقلي إذ ليس المراد نصوحاً صاحبها.

وإنما لم تلحق وصف (نصوح) هاء التأنيث المناسبة لتأنيث الموصوف به لأن فعولاً بمعنى فاعل يلازم الإِفراد والتذكير.

وقرأ الجمهور نصوحاً} بفتح النون على معنى الوصف كما علمت.

وقرأه أبو بكر عن عاصم بضم النون على أنه مصدر (نصح) مثل: القُعود من قعد.

وزعم الأخفش أن الضم غير معروف والقراءة حجة عليه.

ومن شروط التوبة تدارك ما يمكن تداركه مما وقع التفريط فيه مثل المظالم للقادر على ردّها.

روي عن علي رضي الله عنه: يجمع التوبة ستة أشياء: الندامة على الماضي من الذنوب، وإعادة الفرائض.

ورد المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي.

وتقوم مقام ردّ المظالم استحلال المظلوم حتى يعفو عنه.

ومن تمام التوبة تمكين التائب من نفسه أن ينفذ عليها الحدود كالقود والضرب.

قال إمام الحرمين: هذا التمكين واجب خارج عن حقيقة التوبة لأن التائب إذا ندم ونوى أن لا يعود صحت توبته عند الله وكان منَعه من تمكين نفسه معصية متجددة تستدعي توبة.

وهو كلام وجيه إذ التمكين من تنفيذ ذلك يشق على النفوس مشقة عظيمة فلها عذر في الإِحجام عن التمكين منه.

وتصح التوبة من ذنب دون ذنب خلافاً لأبي هاشم الجبائي المعتزلي، وذلك فيما عدا التوبة من الكفر.

وأما التوبة من الكفر بالإِيمان فصحيحة في غفران إثم الكفر ولو بقي متلبساً ببعض الكبائر بإجماع علماء الإِسلام.

والذنوب التي تجب منها التوبة هي الكبائر ابتداء، وكذلك الصغائر وتمييز الكبائر من الصغائر مسألة أخرى محلها أصول الدين وأصول الفقه والفقهُ.

إلا أن الله تفضّل على المسلمين فغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، أخذ ذلك من قوله تعالى: ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش إلا اللمم وقد مضى القول فيه ﴾ في تفسير سورة [النجم: 32].

ولو عاد التائب إلى بعض الذنوب أو جميعها ما عدا الكفر اختلف فيه علماء الأمة فالذي ذهب إليه أهل السنة أن التوبة تنتقض بالعودة إلى بعض الذنوب في خصوص الذنب المعود إليه ولا تنتقض فيما سواه.

وأن العود معصية تجب التوبة منها.

وقال المعتزلة: تنتقض بالعودة إلى بعض الذنوب فتعود إليه ذنوبه ووافقهم الباقلاني.

وليس في أدلة الكتاب والسنة ما يشهد لأحد الفريقين.

والرجاء المستفاد من فعل عسى } مستعمل في الوعد الصادر عن المتفضل على طريقة الاستعارة وذلك التائب لا حق له في أن يعفى عنه ما اقترفه لأن العصيان قد حصل وإنما التوبة عزم على عدم العودة إلى الذنب ولكن ما لصاحبها من الندم والخوف الذي بعث على العزم دل على زكاء النفس فجعل الله جزاءه أن يمحو عنه ما سلف من الذنوب تفضلاً من الله فذلك معنى الرجاء المستفاد من ﴿ عسى ﴾ .

وقد أجمع علماء الإِسلام على أن التوبة من الكفر بالإِيمان مقبولة قطعاً لكثرة أدلة الكتاب والسنة، واختلفوا في تعيُّن قبول توبة العاصي من المؤمنين، فقال جمهور أهل السنة: قبولها مرجوّ غير مقطوع، وممن قال به الباقلاني وإمام الحرمين وعن الأشعري أنه مقطوع به سمعاً، والمعتزلة مقطوع به عقلاً.

وتكفير السيئات: غفرانها، وهو مبالغة في كَفَر المخفف المتعدي الذي هو مشتق من الكَفر بفتح الكاف، أي الستر.

﴿ الانهار يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبى والذين ءَامَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا واغفر لَنَآ إِنَّكَ على كُلِّ شَئ ﴾ .

﴿ يوم ﴾ ظرف متعلق ب ﴿ يدخلكم جنات ﴾ وهو تعليقُ تخلص إلى الثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه.

وهو يوم القيامة وهذا الثناء عليهم بانتفاء خزي الله عنهم تعريض بأن الذين لم يؤمنوا معه يخزيهم الله يوم القيامة وذكر النبي صلى الله عليه وسلم مع الذين آمنوا لتشريف المؤمنين ولا علاقة له بالتعريض.

والخزي: هو عذاب النار، وحكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام قوله: ﴿ ولا تخزني يوم يبعثون ﴾ [الشعراء: 87] على أن انتفاء الخزي يومئذٍ يستلزم الكرامة إذ لا واسطة بينهما كما أشعر به قوله تعالى: ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ﴾ [آل عمران: 185].

وفي صلة ﴿ الذين آمنوا معه ﴾ إيذان بأن سبب انتفاء الخزي عنهم هو إيمانهم.

ومعية المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم صحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم و (مع) يجوز تعلقها بمحذوف حال من ﴿ الذين آمنوا ﴾ أي حال كونهم مع الشيء في انتفاء خزي الله عنهم فيكون عموم ﴿ الذين آمنوا ﴾ مخصوصاً بغير الذين يتحقق فيهم خزي الكفر وهم الذين ارتدوا وماتوا على الكفر.

وفي هذه الآية دليل على المغفرة لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويجوز تعلق (مع) بفعل ﴿ آمنوا ﴾ أي الذين آمنوا به وصحبوه، فيكون مراداً به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا به ولم يرتدوا بعده، فتكون الآية مؤذنة بفضيلة للصحابة.

وضمير ﴿ نورهم ﴾ عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه.

وإضافة نور إلى ضمير هم مع أنه لم يسبق إخبار عنهم بنور لهم ليست إضافة تعريف إذ ليس المقصود تعريف النور وتعيينه ولكن الإِضافة مستعملة هنا في لازم معناها وهو اختصاص النور بهم في ذلك اليوم بحيث يميزه الناس من بين الأنوار يومئذٍ.

وسعي النور: امتداده وانتشاره.

شبه ذلك باشتداد مشي الماشي وذلك أنه يحفّ بهم حيثما انتقلوا تنويهاً بشأنهم كما تنشر الأعلام بين يدي الأمير والقائد وكما تساق الجياد بين يدي الخليفة.

وإنما خص بالذكر من الجهات الأمامُ واليمين لأن النور إذا كان بين أيديهم تمتعوا بمشاهدته وشعروا بأنه كرامة لهم ولأن الأيدي هي التي تمسك بها الأمور النفيسة وبها بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإِيمان والنصر.

وهذا النور نور حقيقي يجعله الله للمؤمنين يوم القيامة.

والباء للملابسة، ويجوز أن تكون بمعنى (عن).

وقد تقدم نظير هذا في سورة الحديد وما ذكرناه هنا أوسع.

وجملة ﴿ يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ﴾ إلى آخرها حال من ضمير ﴿ نورهم ﴾ ، وظاهره أن تكون حالاً مقارنة، أي يقولون ذلك في ذلك اليوم، ودعاؤهم طلب للزيادة من ذلك النور، فيكون ضمير ﴿ يقولون ﴾ عائد إلى جميع الذين آمنوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ، أو يقول ذلك من كان نوره أقل من نور غيره ممن هو أفضل منه يومئذٍ فيكون ضمير ﴿ يقولون ﴾ على إرادة التوزيع على طوائف الذين آمنوا في ذلك اليوم.

وإتمام النور إدامته أو الزيادة منه على الوجهين المذكورين آنفاً وكذلك الدعاء بطلب المغفرة لهم هو لطلب دوام المغفرة، وذلك كله أدب مع الله وتواضع له مثل ما قيل في استغفار النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم سبعين مرة.

ويظهر بذلك وجه التذييل بقولهم: ﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ المشعر بتعليل الدعاء كناية عن رجاء إجابته لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا ﴾ قالَ خَيْثَمَةُ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فَفي التَّوْراةِ يا أيُّها المَساكِينُ.

وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا قالَ اللَّهُ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فارْعَها سَمْعَكَ فَإنَّهُ خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ أوْ شَرٌّ تُنْهى عَنْهُ.

وَقالَ الزُّهْرِيُّ: إذا قالَ اللَّهُ تَعالى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا افْعَلُوا، فالنَّبِيُّ مِنهم.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا ﴾ أيِ اصْرِفُوا عَنْها النّارَ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ ولَوْ تَوَقّى لَوَقاهُ الواقِي وكَيْفَ يُوَقّى ما المَوْتُ لاقِي وَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ قُوا أنْفُسَكم، وأهْلُوكم فَلْيَقُوا أنْفُسَهم نارًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: قُوا أنْفُسَكم ومُرُوا أهْلِيكم بِالذِّكْرِ والدُّعاءِ حَتّى يَقِيَكُمُ اللَّهُ بِهِمْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: قُوا أنْفُسَكم بِأفْعالِكم، وقَوْا أهْلِيكم بِوَصِيَّتِكم، قالَهُ عَلِيٌّ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.

وَفي الوَصِيَّةِ الَّتِي تَقِيهِمُ النّارَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَأْمُرُهم بِطاعَةِ اللَّهِ ويَنْهاهم عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يُعَلِّمُهم فُرُوضَهم ويُؤَدِّبُهم في دُنْياهم، قالَهُ عَلِيٌّ.

الثّالِثُ: يُعَلِّمُهُمُ الخَيْرَ ويَأْمُرُهم بِهِ، ويُبَيِّنُ لَهُمُ الشَّرَّ، ويَنْهاهم عَنْهُ.

قالَ مُقاتِلٌ: حُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ ووَلَدِهِ وعَبِيدِهِ وإمائِهِ.

﴿ وَقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ﴾ في ذِكْرِ الحِجارَةِ مَعَ النّاسِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الحِجارَةُ الَّتِي عَبَدُوها، حَتّى يُشاهِدُوا ما أوْجَبَ مَصِيرَهم إلى النّارِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ الثّانِي: أنَّها حِجارَةٌ مِن كِبْرِيتٍ وهي تَزِيدُ في وقُودِها النّارَ وكانَ ذِكْرُها زِيادَةً في الوَعِيدِ والعَذابِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الحِجارَةَ لِيَعْلَمُوا أنَّ ما أحْرَقَ الحِجارَةَ فَهو أبْلَغُ في إحْراقِ النّاسِ.

رَوى ابْنُ أبِي زائِدَةَ قالَ: بَلَغَنِي «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ الآيَةَ، وعِنْدَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ، ومِنهم شَيْخٌ فَقالَ الشَّيْخُ: يا رَسُولَ اللَّهِ حِجارَةُ جَهَنَّمَ كَحِجارَةِ الدُّنْيا؟

فَقالَ واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَصَخْرَةٌ مِن جَهَنَّمَ أعْظَمُ مِن جِبالِ الدُّنْيا كُلِّها، فَوَقَعَ الشَّيْخُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ  يَدَهُ عَلى فُؤادِهِ فَإذا هو حَيٌّ، فَقالَ: يا شَيْخُ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ بِها، فَبَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ، فَقالَ أصْحابُهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أمِن بَيْنِنا؟

قالَ: نَعَمْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ ﴾ » ﴿ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ ﴾ يَعْنِي غِلاظَ القُلُوبِ، شِدادَ الأفْعالِ وهُمُ الزَّبانِيَةُ.

﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ ﴾ أيْ لا يُخالِفُونَهُ في أمْرِهِ مِن زِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ.

﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ يَعْنِي في وقْتِهِ فَلا يُؤَخِّرُونَهُ ولا يُقَدِّمُونَهُ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ هي الصّادِقَةُ النّاصِحَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ النَّصُوحَ أنْ يَبْغَضَ الذَّنْبَ الَّذِي أحَبَّهُ ويَسْتَغْفِرَ مِنهُ إذا ذَكَرَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنْ لا يَثِقَ بِقَبُولِها ويَكُونَ عَلى وجِلٍ مِنها.

الرّابِعُ: أنَّ النَّصُوحَ هي الَّتِي لا يَحْتاجُ مَعَها إلى تَوْبَةٍ.

الخامِسُ: أنْ يَتُوبَ مِنَ الذَّنْبِ ولا يَعُودَ إلَيْهِ أبَدًا، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.

وَهي عَلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النِّصاحَةِ وهي الخِياطَةُ.

وَفي أخْذِها مِنها وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها تَوْبَةٌ قَدْ أحْكَمَتْ طاعَتَهُ وأوْثَقَتْها كَما يُحْكِمُ الخَيّاطُ الثَّوْبَ بِخِياطَتِهِ وتَوْثِيقِهِ.

الثّانِي: لِأنَّها قَدْ جَمَعَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ وألْصَقَتْهُ بِهِمْ كَما يَجْمَعُ الخَيّاطُ الثَّوْبَ ويُلْصِقُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ.

وَمِنهم مَن قَرَأ نُصُوحًا بِضَمِّ النُّونِ، وتَأْوِيلِها عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَوْبَةُ نُصْحٍ لِأنْفُسِكم، ويَرْوِي نَعِيمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ اللَّهَ تَعالى أشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِن أحَدِكم بِضالَّتِهِ يَجِدُها بِأرْضٍ فَلاةٍ عَلَيْها زادُهُ وسِقاؤُهُ)» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن النعمان بن بشير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن التوبة النصوح قال: أن يتوب الرجل من العمل السيء، ثم لا يعود إليه أبداً.

وأخرج أحمد وابن مردويه والبيهقي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التوبة من الذنب لا تعود إليه أبداً» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند ضعيف عن أبيّ بن كعب قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن التوبة النصوح فقال: «هو الندم على الذنب حين يفرط منك فتستغفر الله بندامتك عند الحافر ثم لا تعود إليه أبداً» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال معاذ بن جبل يا رسول الله: ما التوبة النصوح؟

قال: أن يندم العبد على الذنب الذي أصاب، فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ توبة نصوحاً ﴾ قال: التوبة النصوح أن يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود إليه أبداً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ توبة نصوحاً ﴾ قال: يتوب ثم لا يعود.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ توبة نصوحاً ﴾ قال: هو أن يتوب ثم لا يعود.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ توبة نصوحاً ﴾ قال: النصوح الصادقة الناصحة.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: التوبة النصوح تكفر كل سيئة وهو في القرآن ثم قرأ ﴿ يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئآتكم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ نصوحاً ﴾ برفع النون.

أخرج الحاكم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى ﴾ قال: ليس أحد من الموحدين إلا يعطى نوراً يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره والمؤمن يشفق مما يرى من إطفاء نور المنافق، فهو يقول: ﴿ ربنا أتمم لنا نورنا ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ربنا أتمم لنا نورنا ﴾ قال: قول المؤمنين حين يطفأ نور المنافقين.

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فخانتاهما ﴾ قال: ما زنتا، أما خيانة امرأة نوح فكانت تقول للناس: إنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط، فكانت تدل على الضيف، فتلك خيانتها.

وأخرج ابن عساكر عن أشرس الخراساني رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما بغت امرأة نبي قط» .

وأخرج ابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخانتاهما ﴾ قال: كانتا كافرتين مخالفتين، ولا ينبغي لامرأة تحت نبي أن تفجر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما بغت امرأة نبي قط.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ فخانتاهما ﴾ قال: في الدين.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: امرأة النبي إذا زنت لم يغفر لها.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ الآية قال: يقول لن يغني صلاح هذين عن هاتين شيئاً وامرأة فرعون لم يضرها كفر فرعون، والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ قال أبو إسحاق: معناه توبة بالغة في (١) (٢) وقال الفراء: ﴿ نَصُوحًا ﴾ من صفة التوبة، ومعناه يحدث نفسه إذا تاب من ذلك الذنب ألا يعود إليه أبدًا.

هذا كلامه (٣) (٤) (٥) وروي عن عاصم (نصوحًا) بضم النون (٦) (٧) (٨) أحدهما: أنه أراد توبة ناصحة، يسمى الفاعل باسم المصدر.

ويجوز أن يريد به توبة ذات نصوح.

وقال أبو زيد نصحته: صدقته، وتوبة نصوح: صادقة (٩) قال عمر بن الخطاب -  -: التوبة النصوح أن يجتنب الرجل عمل السوء ثم لا يعود إليه أبدًا (١٠) وقال مقاتل بن حيان (١١) (١٢) (١٣) ﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ : لا يعذبهم الله بدخول النار، قاله مقاتل (١٤) ﴿ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ (١٥) وقوله: ﴿ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾ مفسر في سورة الحديد.

قوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ﴾ إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ سألوا الله أن يتم لهم نورهم ويبلغهم به الجنة.

وهذا معنى قول ابن عباس: لا تطفئه كما أطفأت نور المنافقين (١٦) قوله: ﴿ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قال: يريد: من إطفاء نور المنافقين وإثبات نور المؤمنين.

(١) في (ك): (من).

(٢) انظر: "معاني القرآن" 5/ 194.

(٣) انظر: "معاني القرآن" 3/ 168.

(٤) في (س): (هذا قالا).

(٥) انظر: "جامع البيان" 28/ 108، و"الكشف والبيان" 12/ 151 أ، و"الدر" 6/ 245.

(٦) قرأ عاصم ﴿ نُصُوحًا ﴾ بضم النون، وقرأ الباقون ﴿ نَّصُوحًا ﴾ بفتحها.

انظر: "حجة القراءات" ص 714، و"النشر" 2/ 388، و"الاتحاف" ص 419.

(٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 168، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 303، و"الكشف والبيان" 12/ 151 أ.

(٨) انظر: "معاني القرآن" 5/ 194.

(٩) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 250، و"اللسان" 3/ 646 (نصح).

(١٠) أخرجه ابن جرير 28/ 108، وابن أبي حاتم، والحاكم 2/ 495، وصححه، وعبد الرزاق.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، و"الدر" 6/ 245.

(١١) في (س): (بن حيان) زيادة.

(١٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 367، عن عمر، وأبي، ومعاذ.

وهو المعنى الذي ذكره مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 160/ ب، وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن مجاهد 13/ 568.

(١٣) (الجنة) ساقطة من (س).

(١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب.

(١٥) قال: الإخزاء يرد على معان يقرب بعضها من بعض.

قال الزجاج: أخزى الله العدو أي أبعده.

وقال غيره: الخزي: الهوان، وأخزاه الله، أي: أهانه.

وقال شمر: أخزيته: فضحته، وفي القرآن: ﴿ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ﴾ .

وقال ابن الأنباري: معنى الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة، أو بوقوع في بلاء.

وانظر: "تهذيب اللغة" 7/ 490، و"اللسان" 1/ 829، و"المفردات" (147) (خزي).

(١٦) وهو قول مجاهد، والضحاك، والحسن.

انظر: "تنوير المقباس" 6/ 100، و"تفسير مجاهد" 2/ 684، و"جامع البيان" 28/ 108، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 392، و"المستدرك" 2/ 496.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَوْبَةً نَّصُوحاً ﴾ قال عمر بن الخطاب التوبة النصوح هي أن تتوب من الذنب ثم لا تعود إليه أبداً، ولا تريد أن تعود.

وقيل: معناه توبة خالصة فهو من قولهم: عسل ناصح إذا خلص من الشمع، وقيل: هو أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت؛ كتوبة ﴿ الثلاثة الذين خُلِّفُواْ ﴾ [التوبة: 118] قال الزمخشري: وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازي والنصح في الحقيقة صفة التائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم، وقد تكلمنا على التوبة في قوله: وتوبوا إلى الله جميعاً: في [النور: 31] ﴿ يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي ﴾ العامل في ﴿ يَوْمَ ﴾ يحتمل أن يكون ما قبله، أو ما بعده أو محذوف تقديره: اذكر، والوقف والابتداء يختلف على ذلك ﴿ والذين آمَنُواْ ﴾ يحتمل أن يكون معطوفاً على النبي أو مبتدأ وخبره عبده ﴿ نُورُهُمْ يسعى ﴾ ذكر في [الحديد: 19] ﴿ جَاهِدِ الكفار والمنافقين ﴾ ذكر في [براءة: 88].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ عرف ﴾ بالتخفيف: عليّ ﴿ تظاهرا ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.

﴿ أن يبدله ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصوحاً ﴾ بضم النون: يحيى وحماد ﴿ وكتبه ﴾ على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.

الوقوف ﴿ لك ﴾ ج لاحتمال أن الجملة بعده حال أو استفهامية بحذف الحرف وهذا أحسن، لأن تحريم الحلال بغير ابتغاء مرضاتهن أيضاً غير جائز ﴿ أزواجك ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أيمانكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ مولاكم ﴾ ط للابتداء بذكر ما لم يزل من الوصفين مع اتفاق الجملتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ حديثاً ﴾ ج ﴿ عن بعض ﴾ ج ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ قلوبكما ﴾ ج ﴿ المؤمنين ﴾ ه لتناهي الشرط إلى الإخبار ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ وأبكاراً ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ نصوحاً ﴾ ط ﴿ الأنهار ﴾ لا بناء على أن الظرف يتعلق بقوله ﴿ ويدخلكم ﴾ وج لاحتمال أن ﴿ يوم ﴾ متعلق بقوله ﴿ يسعى ﴾ بعد ﴿ واغفر لنا ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال اللام ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لابتداء الحكاية ﴿ الداخلين ﴾ ه ﴿ فرعون ﴾ ج لئلا يتوهم أن الظرف متعلق بـ ﴿ ضرب ﴾ بل التقدير " اذكروا " ﴿ الظالمين ﴾ ه لأن ما بعده معطوف على امرأة فرعون ﴿ القانتين ﴾ ه.

التفسير: كان النبي  يأتي زينب بنت جحش فيشرب عندها العسل، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنما نشم منك ريح المغافير.

والمغفور والمغثور شيء واحد ينضحه العرفط والرمث مثل الصمغ وهو حلو كالعسل ويؤكل وله ريح كريهة.

وكان النبي  يكره التفل فحرم لقولهما على نفسه العسل.

الثاني أنه ما أحل الله له من ملك اليمين.

وههنا روايتان: الأولى "أنه  خلا بمارية القبطية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمي عليّ وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي" ، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين.

الثانية أنه خلا بمارية في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية فقال عمر لابنته: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك.

فنزل جبريل  وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها لمن نسائك في الجنة.

قال جمع من العلماء: لم يثبت عن رسول الله  تحريم حلال بأن يقول: هو عليّ حرام ولكنه كان يميناً كقوله " والله لا أشرب العسل ولا أقرب الجارية بعد اليوم" فقيل له: لم تحرم أي لم تمتنع منه بسبب اليمين يعني أقدم على ما حلفت عليه وكفر عن يمينك ﴿ والله غفور ﴾ لك ﴿ رحيم ﴾ بك والدليل عليه ظاهر.

قوله ﴿ قد فرض الله لكم تحلة ﴾ بمعنى التحليل كالتكرمة ﴿ أيمانكم ﴾ أي شرع لكم تحليلها بالكفارة.

وقيل: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها وذلك أن يقول: إن شاء الله عقبها حتى لا يحنث.

والتحلة تفعلة بمعنى التحليل كالتكرمة بمعنى التكريم.

عن الحسن أنه  لم يكفر عن يمينه لأنه كان مغفوراً له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين.

وعن مقاتل أنه أعتق رقبة في تحريم مارية.

وما حكم تحريم الحلال؟

قال أبو حنيفة: هو يمين على الامتناع من الانتفاع المقصود، فلو حرم طعاماً فهو يمين على الامتناع من أكله، أو أمه فعلى الامتناع من وطئها، أو زوجة فمحمول على ما نوى، فإن نوى الظهار فظهار، أو الطلاق فطلاق بائن، وإن لم ينو شيئاً فعلى الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا فعلى ما نوى.

وعن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد أن الحرام يمين.

وقال الشافعي: هو في النساء من صرائح ألفاظ الطلاق.

وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي.

وعن علي رضي الله عنه: ثلاث.

وعن عثمان: ظهار.

وعن مسروق والشعبي أنه ليس بشيء فما لم يحرمه الله ليس لأحد أن يحرمه ﴿ والله مولاكم ﴾ متولي أموركم وقيل: أولى بكم من أنفسكم ونصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم ﴿ وهو العليم ﴾ بما يصلحكم ﴿ الحكيم ﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ إذا أسرّ النبي إلى بعض أزواجه ﴾ وهي حفصة ﴿ حديثاً ﴾ هو حديث مارية وإمامة الشيخين ﴿ فلما نبأت به ﴾ حفصة عائشة ﴿ وأظهره الله ﴾ على نبيه أي أطلعه على إفشائه على لسان جبريل.

وقيل: أظهر الله الحديث على النبي فيكون من الظهور ﴿ عرف بعضه ﴾ أعلم ببعض الحديث.

ومن قرأ بالتخفيف من العرفان فمعناه المجازاة من قولك للمسيء " لأعرفنّ لك ذلك" وكان جزاؤه تطليقه إياها.

وقيل: المعرف حديث الإمامة والمعرض عنه حديث مارية.

وإنما أعرض عن البعض تكرماً.

قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام.

وروي أنه قال لها: ألم أقل لك اكتمي عليّ؟

قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحاً بالكرامة التي خص الله بها أبي.

وإنما ترك المفعول ولم يقل " فلما نبأت به بعضهنّ وعرفها بعضه لأن ذلك ليس بمقصود وإنما الغرض ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به"، وأن رسول الله  بكرمه وحلمه لم يوجد منه إلا الإعلام بالبعض وهو حديث الإمامة.

ولما كان المقصود في قوله ﴿ من أنبأك هذا ﴾ ذكر المنبأ به أتى بالمفعولين جميعاً.

ثم وبخ عائشة وحفصة على طريقة الالتفات قائلاً ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴾ أي فقد وجد منكما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن إخلاص رسول الله  من حب ما يحبه وبغض ما يكرهه والأصل قلباكما.

ووجه الجمع ما مر في قوله ﴿ فاقطعوا أيديهما  ﴾ ﴿ وإن تظاهرا ﴾ أي تعاونا على ما يوجب غيظه فلم يعدم هو من يظاهره كيف والله ﴿ مولاه ﴾ أي ناصره ﴿ وجبريل ﴾ خاصة من بين الملائكة ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال أكثر العلماء: هو واحد في معنى الجمع لأنه أريد الجنس لشمول كل من آمن وعمل صالحاً.

وجوز أن يكون جمعاً وقد أسقط الواو في الخط لسقوطه في اللفظ.

عن سعيد بن جبير: هو كل من برىء من النفاق.

وقيل: الأنبياء والصحابة والخلفاء.

﴿ والملائكة ﴾ على كثرة جموعهم ﴿ بعد ذلك ﴾ الذي عرف من نصرة المذكورين ﴿ ظهير ﴾ فوج مظاهر له كأنهم يد واحدة فأي وزن لاتفاق امرأتين بعد تظاهر هؤلاء على ضد مطلوبهما.

ولا يخفى أن الكلام مسوق للمبالغة في الظاهر وإلا فكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً.

ثم وبخهما بنوع آخر وهو قوله ﴿ عسى ربه إن طلقكنّ ﴾ الآية.

والسائحات الصائمات كما في آخر التوبة.

قال جار الله: شبه الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره بالسائح الذي لا زاد معه فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد من يطعمه.

وقيل: السائحات المهاجرات فانظر في شؤم العصيان فإن أمهات المؤمنين وهنّ خير نساء العالمين يصير غيرهن بفرض عدم العصيان خيراً منهن بفرض العصيان وتطليق الرسول إياهن.

وقد عرفت في النظائر أن الواو في قوله ﴿ وأبكاراً ﴾ يقال لها " واو الثمانية " إلا أن للواو في هذا المقام فائدة أخرى وهي أن وصفي الثيابة والبكارة متنافيان لا يكون إلا أحدهما بخلاف الصفات المتقدمة فإنها ممكنة الاجتماع، فالمراد أن أولئك النساء جامعات للأوصاف المتقدمة ولأحد هذين.

ثم عمم التحذير فقال ﴿ قوا أنفسكم ﴾ وهو أمر من الوقاية في الحديث " "رحم الله رجلاً قال يا أهلاه صلاتكم وصيامكم وزكاتكم مسكينكم ويتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعهم معه في الجنة " وتفسير قوله ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ قد مر في أول " البقرة ".

وكونها معدّة للكافرين لا ينافي تعذيب المؤمنين الفسقة بها إن استحقوها.

وجوز أن يكون أمراً بالتوقي من الارتداد وأن يكون خطاباً للذين آمنوا بألسنتهم ﴿ عليها ملائكة ﴾ أي موكل على أهلها الزبانية التسعة عشر الموصوفون بالغلظة والشدة في الإجرام أو في الأفعال أو فيهما لأنه لا تأخذهم رأفة بمن عصى الله.

وقوله ﴿ ما أمرهم ﴾ نصب على البدل أي لا يعصون أمر الله.ولا يخفى أن عدم العصيان يستلزم امتثال الأمر فصرح بما عرف ضمناً قائلاً ﴿ ويفعلون ما يؤمرون ﴾ ويجوز أن يكون الأوّل عائداً إلى الماضي والثاني إلى المستقبل.

ثم وعظ المؤمنين بما يقال للكافرين عند دخولهم النار وهو قوله ﴿ لا تعتذروا ﴾ لأنه لا عذر لكم أو لا عذر مقبولاً لكم، وليس هذا من قبيل الظلم ولكنه جزاء أعمالهم.

ثم أرشد المؤمنين إلى طريق التوبة، ووصفت بالنصوح على الإسناد المجازي لأن النصح صفة التائبين وهو أن ينصحوا أنفسهم بالتوبة لا يكون فيها شوب رياء ولا نفاق.

وقيل: هو من نصاحة الثوب أي توبة ترفأ خروقك في دينك.

وقيل: خالصة عسل ناصح إذا خلص من الشمع.

وقيل: توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها.

و ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع ولئلا يتكلوا.

قوله ﴿ لا يخزي ﴾ تعريض لمن أخزاهم من أهل النار ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ كأنه استحمد المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم.

قوله ﴿ نورهم يسعى ﴾ قد مرّ في الحديد قوله ﴿ يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ﴾ أي قائلين ذلك إذا طفىء نور المنافقين خوفاً من زواله على عادة البشرية، أو لأن الإخلاص والنفاق من صفة الباطن لا يعرفه إلا الله  على أنه يجوز أن يدعو المؤمن بما هو حاصل له مثل اهدنا، ويجوز أن يدعو به من هو أدنى منزلة لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلاً لا مجازاة لانقطاع التكليف والعمل يومئذ.

ثم أمر نبيه  بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة أو بإقامة الحدود عليهم، وأمر باستعمال الغلظة والخشونة على الفريقين هذا عذابهم في الدنيا ولهم في الآخرة جهنم وقد سبق نظير الآية في " التوبة ".

ثم ضرب مثلاً لأهل الكفر امرأة نوح واسمها قيل واعلة وامرأة لوط.

واسمها قيل واهلة ومثلاً لأهل الإيمان امرأة فرعون واسمها آسية وهي عمة موسى ومريم ابنة عمران.

وفي ضمن التمثيلين تعريض بما مرّ في أول السورة من حال عائشة وحفصة وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين لا الكافرتين اللتين حين خانتا زوجيهما لم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئاً، وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة ﴿ ادخلا النار مع ﴾ سائر ﴿ الداخلين ﴾ الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء من قوم نوح وقوم لوط أو من كل قوم.

وفي قوله ﴿ عبدين من عبادنا ﴾ إشارة إلى أن سبب المزية والرجحان عند الله ليس إلا الصلاح كائناً من كان.

وخيانة المرأتين ليست هي الفجور وإنما هي نفاقهما وإبطانهما الكفر وتظاهرهما على الرسولين.

فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه.

قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط.

عن أبى هريرة أن آسية حين آمنت بموسى  وتدها فرعون باربعة أوتاد واستقبل بها الشمس وأضجعها على ظهرها ووضع الرحى على صدرها.

قال الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتنعم فيها.

وقيل: لما ﴿ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ بنى من درّة.

ومعنى ﴿ عندك بيتاً في الجنة ﴾ أنها طلبت القرب من الله والبعد عن عدوّه في مقام القرب، أو أرادت أعلى موضع في الجنة.

وقولها ﴿ من فرعون وعمله ﴾ كقولك " أعجبني زيد وكرمه " وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله من الأشرار دأب الصالحين.

والضمير في ﴿ فيه ﴾ للفرج.

وقيل: هو جيب الدرع وقد مرّ في " الأنبياء".

وكلمات الله صحف إبراهيم وغيره أو جميع ما كلم الله به وكتبه اللوح أو الكتب الأربعة ومن وحد فهو الإنجيل.

وقرىء ﴿ بكلمة الله ﴾ أي بعيسى ﴿ وكانت من القانتين ﴾ من باب التغليب كما مرّ في قوله ﴿ واركعي مع الراكعين  ﴾ وقيل: " من " للابتداء أي ولدت منهم لأنهم من أعقاب هارون  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ .

يحتمل أن يكون معناه: قوا أنفسكم مما تدعو إليه أنفسكم؛ لأن النفس تأمرهم بالسوء وتدعوهم إليه؛ كما قال الله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ  ﴾ .

وجائز أن يكون قوله  : ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ ، أي: قوها عن الطريق الذي إذا سلكتموه أفضى بكم إلى النار، وقوا أهليكم - أيضاً - عن ذلك الطريق، وذلك يكون بالعمل؛ لأن العمل على ضربين: عمل يفضي بصاحبه إلى الجنة، وعمل يفضي بصاحبه إلى النار، فيكون التقوى في هذا الوجه راجعا إلى الأعمال، وفي الوجه الأول إلى الأنفس.

ويحتمل قوا أنفسكم باكتساب الأسباب التي هي أسباب النجاة عن العطب والهلاك، وأهليكم في أن تعلموهم الأسباب التي هي أسباب الخلاص من النار.

وقال مجاهد: تأويله: قوا أنفسكم [وأهليكم] النار، ثم علمنا وجه الاتقاء بقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ  ﴾ .

قال: من التضرع إليه والفزع لديه؛ ليكون هو بفضله يقي عنا النار؛ لما علم ألا نصل إليه بقوى أنفسنا وحيلنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ﴾ .

فهذا على المبالغة في وصف شدة النار، وأخبر أن شدتها تنتهي إلى هذا في أن صير الناس وقودا لها وكذلك الحجارة، والناس والحجارة لا يتقدان في النار؛ لأن النار إذا عملت في الإنسان حرقته ولم تبقه؛ فلا يصير وقوداً، وكذلك إذا أصابت الحجارة رضَّتها ولاشتها، فيكون فيه تبين شدتها؛ إبلاغا في الزجر.

وجائز أن يكون أريد بالحجارة: التي اتخذوها أصناما يعبدونها من دون الله، فكانوا يعبدونها لتنصرهم وتدفع عنهم العذاب؛ كما قال  : ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً  ﴾ ، أي: تصير عذابا عليها، وهم رجوا أن تكون سببا لخلاصهم؛ فصارت عليهم ضدّاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ ﴾ .

فجائز أن يكون [هذا] وصفهم: أنهم خلقوا غلاظا شدادا.

وجائز أن يكونوا أشداء على الكفار وأعداء الله  ، رحماء على أوليائه، ألا ترى إلى قوله  : ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ، فبين أن اشتدادهم؛ لمكان الأمر؛ وهو كقوله  : ﴿ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، وصفهم بالشدة على الكفرة وبالرحمة على المؤمنين؛ فجائز أن يكون الملائكة كذلك في الآخرة، وفي هذا دلالة أن الملائكة امتحنوا بالأمر والنهي في الآخرة؛ لأن ملائكة الرحمة امتحنوا بإتيان التحف والكرامات إلى أهل الجنة، [وملائكة العذاب] امتحنوا بتعذيب أهل النار وبالغلظة عليهم والشدة، وإذا أمر كل واحد من الفريقين بما ذكرنا، فقد نُهي عن تركه.

قال أبو بكر الأصم: في قوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ ، وفي قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً...

﴾ الآية إلزام الوعيد بأهل الصلاة [لأنه ألزمهم] الاتقاء من النار، وألزمهم التوبة؛ ليكفر عنهم سيئاتهم، ولو لم يكن الوعيد لازما عليهم لم يكونوا يحتاجون إلى الاتقاء، وهذا منه ومن جملة أهل الاعتزال تحريف الكلام عن مواضعه؛ لأن الله  ذكر هذا الوعيد في أهل الإيمان بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ ، وقال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً ﴾ ، ولم يذكر الله -  - أهل الصلاة، ولا ألحق بهم الوعيد، فهم يقطعون الوعيد عمن ألحق الله  بهم الوعيد وهم المؤمنون، ويلزمونه على من لم يجر ذكره في القرآن [من أهل الصلاة] ولا ألحق به الوعيد، وهذا تحريف الكلام وقلب القصة؛ ولأنه صار من أهل الصلاة بإيمانه؛ إذ لولا إيمانه لما كان هو من أهل الصلاة، فإذا ألحقوا الوعيد بأهل الصلاة فقد ألحقوه بأهل الإيمان؛ فلم يبق بيننا وبينهم إلا سوء الخلق، وإلا فلا معنى لقلبه عن أهل الإيمان وإلحاقه بأهل الصلاة، وأهل الصلاة هم أهل الإيمان.

ثم الوعيد على قولهم إنما يلزم أهل الإيمان في وقت خروجهم من الإيمان، ونحن نقول في الوعيد المذكور في أهل الإيمان: إنه يجوز أن يلحقهم وقت إيمانهم، ويعذبهم الله  بإجرامهم.

ويحتمل أن يقع لهم الوعيد إذا خرجوا من الإيمان، وهم يقطعون الوعيد عن أحد الوجهين ويجعلونه على الوجه الآخر، ونحن نلزمهم الوعيد إذا خرجوا من الإيمان، [ولا ننفي] الوعيد عمن لم يخرج بعد من إيمانه، فصرنا نحن أشد استعمالا لما يقتضيه ظاهر الآيات منهم؛ فصار العموم حجة عليهم لا علينا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ ﴾ .

ليس في هذا نفي قبول العذر لو كان لهم عذر، ولكن اعتذارهم هو الندم عما كانوا فيه والإنابة إلى الله  والتوبة إليه، وليس ذلك وقت قبول التوبة؛ لأن [ذلك الوقت هو] وقت خروج ملك أنفسهم عن أنفسهم، فلا يقبل في ذلك الوقت إيمان ولا عمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

يعني: أن عملكم السوء هو الذي ألزمكم العذاب في الحكمة؛ فتجزون بعملكم ولستم تجزون بمنفعة ترجع إلينا أو بما حملتم من أوزار الغير، ولكن بأعمالكم الخبيثة التي في الحكمة التعذيب عليها، وفي هذا دلالة نفي العذاب عن أطفال المشركين؛ لأنه لم يوجد منهم عمل؛ فيجزون بعملهم، ولا يجوز أن يعذبوا بذنوب آبائهم؛ لأنه أخبر أن كلاًّ يجزى بعمله لا بعمل غيره، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً ﴾ .

ففي هذه الآية إلزام التوبة على بقاء اسم الإيمان؛ لأنه ألزمهم التوبة بعد أن سماهم مؤمنين، وأخبر أنه يكفر عنهم سيئاتهم بالتوب، ومن مذهب الاعتزال: أن الصغائر مغفورة لأربابها إذا اجتنبوا الكبائر؛ فلا يحتاجون إلى التوبة عنها، وإذا كان كذلك فالآية في الكبائر عندهم، والكبائر تخرج أهلها - على قولهم - من الإيمان، والله -  - قد أبقى لهم اسم الإيمان، فمن أزال عنهم الإثم، فقد خالف نص القرآن.

وإن زعموا أن الآية في الصغائر ففيه دلالة على أن الله  يعذب على الصغائر وأنها غير مغفورة، حتى وقعت لهم الحاجة إلى التوبة وطلب المغفرة، وقال أيضاً في آية أخرى: ﴿ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ ، فإما أن يكونوا أمروا بالتوبة عن الصغائر؛ فيكون فيه دلالة على أنها ليست بمغفورة؛ إذا احتاجوا إلى التوبة عن الصغائر، أو عن الكبائر؛ فيكون فيه دلالة بقائهم على الإيمان؛ وكذلك قال: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ ، وإن كان استغفاره هذا عن الصغائر، ففيه دلالة على أنها غير مغفورة؛ لحاجته إلى طلب المغفرة، ولو كان الأمر على ما ظنت المعتزلة، لكان [سؤاله المغفرة] يخرج مخرج الاستهزاء برب العالمين؛ لأنه يطلب منه ما لا يملك، وذلك في الشاهد هزء واستخفاف بالمسئول.

وإن كان في الكبائر، ففيه دلالة بقائهم وثباتهم على الإيمان؛ لأنه قال: ﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ .

ثم قوله  : ﴿ تَوْبَةً نَّصُوحاً ﴾ .

قرئ بنصب النون وضمها: ﴿ نَّصُوحاً ﴾ ، والضم يخرج مخرج المصدر، والنصوح - بالفتح -: يخرج مخرج النعت للتوبة، والفَعُول من الأفعال هو اسم للمبالغة في الأمر؛ فكأنه يقول: توبوا توبة تناهت في نصحها، والمبالغة في النصح أن يكون صادقا في توبته، وعلامة الصدق أن يكون نادما بقلبه عما فعل، عازما على ألا يرجع إليه، وأن يقلع يديه عما كان فيه من المعاصي، وأن يستغفر الله بلسانه؛ فيستعمل كل جسده في الندم والانقلاع، كما استعمل سائره في التلذذ بالمآثم؛ فذلك هو المبالغة في النصح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ بالتوبة، ففي هذا إبانة أن من السيئات سيئات لا تكفر إلا بالتوبة، ومنها ما يكفر باجتناب الكبائر بقوله: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ  ﴾ لا أن يكفر كلها بالاجتناب عن الكبائر كما زعمت المعتزلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .

وقد سبق بيان هذا.

وقوله -  -: ﴿ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .

وللمعتزلة بهذه الآية تعلق، وهو أن قالوا بأن الله  أخبر أنه لا يخزي النبي والمؤمنين، والإخزاء يقع بالعذاب؛ فقد وعد ألا يعذب الذين آمنوا، ولو كان أصحاب الكبائر مؤمنين لم يخف عليهم العذاب؛ إذ قد وعد ألا يخزي المؤمنين ومن قولكم: إنهم يُخاف عليهم العقاب؛ فثبت أنهم ليسوا بمؤمنين.

ولكن نقول: إن هذا السؤال يلزمهم من الوجه الذي أرادوا إلزام خصومهم؛ لأن في الآية وعدا بألا يخزي الذين آمنوا، وهم مقرون بأن أهل الكبائر ممن قد آمنوا، ولكنهم بعد ارتكابهم الكبائر ليسوا بمؤمنين، والآية لم تنطق بنفي الإخزاء عن المؤمنين؛ لأنه لم يقل: يوم لا يخزي الله النبي والمؤمنين، وإنما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، وهم يقطعون القول بإخزاء من قد آمن؛ فصاروا هم المحجوجين بهذه الآية، ثم حق هذه الآية عندنا أن نقف على قوله: ﴿ ٱلنَّبِيَّ ﴾ ، أي: لا يخزيه الله  في أن يرد شفاعته أو يعذبه، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ ﴾ ، ابتداء كلام وخبره ﴿ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾ ؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ  ﴾ .

أو لا نخزي الذين آمنوا بعد شفاعة النبي  .

ويحتمل أن الإخزاء هو الفضيحة، أي: لا يفضحهم يوم القيامة بين أيدي الكفار، ويجوز أن يعذبهم على وجه لا يقف عليه الكفرة، والخزي: هو الفضيحة، وهتك الستر، ولا يفعل ذلك بالمؤمنين بفضله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ .

أي: بين أيديهم إذا مشوا، وبإيمانهم عند الحساب؛ لأنهم يؤتون الكتاب بأيمانهم، وفيه نور وخير، أو يسعى النور بين أيديهم في موضع وضع الأقدام وبأيمانهم؛ لأن ذلك طريقهم وشمالهم طريق الكفرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ﴾ .

جائز أن يقولوا هذا عند انطفاء نور المنافقين؛ فيخافون انقطاع ذلك النور عنهم أيضاً.

أو يقولون هذا عند ضعف النور، فيسألونه إتمامه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ ، قيل: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بإقامة الحدود عليهم؛ وذلك أن المنافقين هم الذين كانوا يرتكبون المآثم التي أوجب فيها الحدود ففيهم نزلت الحدود، وأما أصحاب رسول الله  فقد عصموا عن المآثم التي لها الحدود.

وقالت الباطنية في قوله: ﴿ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ أي: جاهد الكفار والمنافقين بالقتال، فكان مأمورا بالقتال مع الفريقين جميعاً، ولكنه اشتغل بقتال أهل الكفر، ولم يتفرغ لقتال أهل النفاق فتولى قتالهم علي بن أبي طالب -  - وما ذكر أن رسول الله  قال لأصحابه حين رأى عليّاً -  - يخصف نعله: "إن خاصف نعله يقاتل على التأويل كما نقاتل نحن على التنزيل" ، وقتاله على التأويل قتال أهل النفاق، فإن كان الأمر على ما ذكروا من القتال فأبو بكر -  - هو الذي تولى قتال أهل النفاق لا عليٌّ -  - لأنه ذكر أن العرب ارتدت بعدما قبض رسول الله  ، فقاتلهم أبو بكر -  - وارتدادهم يدل على أنهم لم يكونوا محققين في إيمانهم؛ إذ لو كانوا كذلك لم يرجعوا بل كانوا منافقين، وأما الذين قاتلهم علي -  - فلم يكونوا منافقين بل كانوا يدعون عليّاً -  - إلى أن يحكم بكتاب الله  ، والمنافق هو الذي يظهر من نفسه أنه يعمل بحكم الله  ، ثم يسر بخلاف حكمه، لا أن يدعو إلى العمل بحكم الله  ، وهذه السمة ظهرت في الذين قاتلهم أبو بكر دون الذين قاتلهم علي -  - ثم مجاهدته  في تقرير الحجة في قلوب الكفرة والمنافقين وإلزامها عليهم، وذلك يكون مرة بالسيف ومرة بإلزامها باللسان.

ووجه إلزام الحجة بالسيف ما ذكرنا أن غلبته على الأعداء مع [كثرتهم وقوة] شوكتهم وقلة أنصار رسول الله  يظهر لهم نصر الله إياه وكونه على الحق، فيحملهم ذلك على الإيمان بالله  ، وإذا كان كذلك فقوله: ﴿ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ في إلزام الحجة؛ فإن كانوا في موضع أمن فمجاهدتهم في إلزام الحجة عليهم من جهة القول، وإن كانوا في موضع المحاربة والقتال، فمجاهدتهم في قتالهم، وقد كان من المنافقين من قد لحق بالكفرة وذب عنهم، ألا ترى إلى قوله: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ  ﴾ ، فمن لحق بهم قاتلهم مع الكفرة، ومن لم يلحق بهم ألزمهم الحجة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

أي: اشدد عليهم، والتشديد عليهم: أن يسفه أحلامهم، ويهتك أستارهم، وهو أن يبين لهم ما هم عليه من النفاق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، قد تقدم ذكر هذا.

[ثم] في قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ ﴾ ، دلالة فضيلة نبينا  على من تقدمه من الأنبياء والرسل - عليهم السلام - لأنه ذكر موسى -  - في التوراة: يا موسى، وفي الإنجيل: يا عيسى، وفي مخاطبات آدم: يا آدم، فسمى كل نبي باسمه سوى نبينا  فإنه ذكره وخاطبه بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ﴾ ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ  ﴾ ، وبالنبوة والرسالة استحق الفضيلة، فذكره باسم فضله وخاطبه به، وذكر غيره من الأنبياء - عليهم السلام - باسم شخصه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الدين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة صادقة، عسى ربكم أن يمحو عنكم سيئاتكم، ويدخلكم جنات تجري من بحت قصورها الأنهار يوم القيامة، يوم لا يُذِلُّ الله النبي ولا يُذِلُّ الذين آمنوا معه بإدخالهم النار، نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم على الصراط، يقولون: يا ربنا كمل لنا نورنا، حتَّى ندخل الجنّة، فلا نكون مثل المنافقين الذين ينطفئ نورهم على الصراط، واغفر لنا ذنوبنا، إنك على كل شيء قدير، فلا تعجز عن إكمال نورنا والتجاوز عن ذنوبنا.

<div class="verse-tafsir" id="91.NEqKG"

مزيد من التفاسير لسورة التحريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد