الإسلام > القرآن > سور > سورة 71 نوح > الآية ٥ من سورة نوح
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 66 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة نوح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
يخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح عليه السلام ، أنه اشتكى إلى ربه ، عز وجل ، ما لقي من قومه ، وما صبر عليهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عاما ، وما بين لقومه ووضح لهم ودعاهم إلى الرشد والسبيل الأقوم ، فقال : ( رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ) أي : لم أترك دعاءهم في ليل ولا نهار ، امتثالا لأمرك وابتغاء لطاعتك
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا يقول تعالى ذكره: قال نوح لما بلغ قومه رسالة ربه، وأنذرهم ما أمره به أن ينذرهموه فعصوه، وردّوا عليه ما أتاهم به من عنده (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا ) إلى توحيدك وعبادتك، وحذرتهم بأسك وسطوتك،
أي سرا وجهرا .وقيل : أي واصلت الدعاء .
فقال شاكيا لربه: { رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا}
"قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً".
«قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا» أي دائما متصلا.
قال نوح: رب إني دعوت قومي إلى الإيمان بك وطاعتك في الليل والنهار، فلم يزدهم دعائي لهم إلى الإيمان إلا هربًا وإعراضًا عنه، وإني كلما دعوتهم إلى الإيمان بك؛ ليكون سببًا في غفرانك ذنوبهم، وضعوا أصابعهم في آذانهم؛ كي لا يسمعوا دعوة الحق، وتغطَّوا بثيابهم؛ كي لا يروني، وأقاموا على كفرهم، واستكبروا عن قَبول الإيمان استكبارًا شديدًا، ثم إني دعوتهم إلى الإيمان ظاهرًا علنًا في غير خفاء، ثم إني أعلنت لهم الدعوة بصوت مرتفع في حال، وأسررت بها بصوت خفيٍّ في حال أخرى، فقلت لقومي: سلوا ربكم غفران ذنوبكم، وتوبوا إليه من كفركم، إنه تعالى كان غفارًا لمن تاب من عباده ورجع إليه.
ثم قصت علينا الآيات الكريمة بعد ذلك ، ما قاله نوح لربه .
على سبيل الشكوى والضراعة ، وما وجهه إلى قومه من نصائح فيها ما فيها من الترغيب والترهيب ، ومن الإِرشاد الحكيم ، والتوجيه السديد .
.
قال - تعالى - :( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي .
.
.
) .قوله - تعالى - : ( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً .
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً ) بيان للطرق والمسالك التى سلكها نوح مع قومه ، وهو يدعوهم إلى أخلاص العبادة لله - تعالى - بحرص شديد ومواظبة تامة .
.
وموقف قومه من دعوته لهم .والمقصود بهذا الخبر لازم معناه ، وهو الشكاية إلى ربه ، والتمهيد لطلب النصر منه - تعالى - عليهم ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه أن نوحا - عليه السلام - لم يقصر فى تبليغ رسالته .أى : قال نوح متضرعا إلى ربه : يا رب إنك تعلم أننى لم أقصر فى دعوة قومى إلى عبادتك ، تارة بالليل وتارة بالنهار ، من غير فتور ولا توان .
اعلم أن هذا من الآيات الدالة على أن جميع الحوادث بقضاء الله وقدره، وذلك لأنا نرى إنسانين يسمعان دعوة الرسول في مجلس واحد بلفظ واحد، فيصير ذلك الكلام في حق أحدهما سبباً لحصول الهداية، والميل والرغبة، وفي حق الثاني سبباً لمزيد العتو والتكبر، ونهاية النفرة، وليس لأحد أن يقول: إن تلك النفرة والرغبة حصلتا باختيار المكلف، فإن هذا مكابرة في المحسوس، فإن صاحب النفرة يجد قلبه كالمضطر إلى تلك النفرة وصاحب الرغبة يجد قلبه كالمضطر إلى تلك الرغبة، ومتى حصلت تلك النفرة وجب أن يحصل عقيبه التمرد والإعراض، وإن حصلت الرغبة وجب أن يحصل عقيبه الانقياد والطاعة، فعلمنا أن إفضاء سماع تلك الدعوة في حق أحدهما إلى الرغبة المستلزمة لحصول الطاعة والانقياد وفي حق الثاني إلى النفرة المستلزمة لحصول التمرد والعصيان لا يكون إلا بقضاء الله وقدره، فإن قيل: هب أن حصول النفرة والرغبة ليس باختياره، لكن حصول العصيان عند النفرة يكون باختياره، فإن العبد متمكن مع تلك النفرة أن ينقاد ويطيع، قلنا: إنه لو حصلت النفرة غير معارضة بوجه من وجوه الرغبة بل خالصة عن جميع شوائب الرغبة امتنع أن يحصل معه الفعل، وذلك لأنه عندما تحصل النفرة والرغبة لم يحصل الفعل ألبتة، فعند حصول النفرة انضم إلى عدم المقتضي وجود المانع، فبأن يصير الفعل ممتنعاً أولى، فثبت أن هذه الآية من أقوى الدلائل على القضاء والقدر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَيْلاً وَنَهَاراً ﴾ دائباً من غير فتور مستغرقاً به الأوقات كلها ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآءى ﴾ جعل الدعاء فاعل زيادة الفرار.
والمعنى على أنهم ازدادوا عنده فراراً؛ لأنه سبب الزيادة.
ونحوه ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ [التوبة: 125] ﴿ فَزَادَتْهُمْ إيمانا ﴾ [التوبة: 124] ﴿ لِتَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ ليتوبوا عن كفرهم فتغفر لهم، فذكر المسبب الذي هو حظهم خالصاً ليكون أقبح لإعراضهم عنه.
سدّوا مسامعهم عن استماع الدعوة ﴿ واستغشوا ثِيَابَهُمْ ﴾ وتغطوا بها، كأنهم طلبوا أن تغشاهم ثيابهم، أو تغشيهم لئلا يبصروه كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله.
وقيل لئلا يعرفهم؛ ويعضده قوله تعالى: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ﴾ [هود: 5] ، الإصرار: من أصر الحمار على العانة إذا صرّ أذنيه وأقبل عليها يكدمها ويطردها: استعير للإقبال على المعاصي والإكباب عليها ﴿ واستكبروا ﴾ وأخذتهم العزة من اتباع نوح وطاعته، وذكر المصدر تأكيد ودلالة على فرط استقبالهم وعتوهم.
فإن قلت: ذكر أنه دعاهم ليلا ونهاراً، ثم دعاهم جهاراً، ثم دعاهم في السر والعلن؛ فيجب أن تكون ثلاث دعوات مختلفات حتى يصح العطف.
قلت: قد فعل عليه الصلاة والسلام كما يفعل الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر: في الابتداء بالأهون والترقي في الأشد فالأشد، فافتتح بالمناصحة في السر، فلما لم يقبلوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان.
ومعنى ﴿ ثُمَّ ﴾ الدلالة على تباعد الأحوال، لأن الجهار أغلظ من الإسرار؛ والجمع بين الأمرين، أغلظ من إفراد أحدهما.
و ﴿ جِهَارَاً ﴾ منصوب بدعوتهم، نصب المصدر لأنّ الدعاء أحد نوعيه الجهار، فنصب به نصب القرفصاء بقعد، لكونها أحد أنواع القعود.
أو لأنه أراد بدعوتهم جاهرتهم.
ويجوز أن يكون صفة لمصدر دعا، بمعنى دعاء جهاراً، أي: مجاهراً به.
أو مصدراً في موضع الحال، أي: مجاهراً.
أمرهم بالاستغفار الذي هو التوبة عن الكفر والمعاصي، وقدّم إليهم الموعد بما هو أوقع في نفوسهم وأحبّ إليهم من المنافع الحاضرة والفوائد العاجلة، ترغيباً في الإيمان وبركاته والطاعة ونتائجها من خير الدارين، كما قال: ﴿ وأخرى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مّن الله ﴾ [الصف: 13] ، ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءامَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات ﴾ [الأعراف: 96] ، ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ لاَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ [المائدة: 66] ، ﴿ وَأنَّ لو استقاموا عَلَى الطريقة لاسقيناهم ﴾ [الجن: 16] ، وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة: حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة.
وروي: سبعين فوعدهم أنهم إن آمنوا رزقهم الله تعالى الخصب ودفع عنهم ما كانوا فيه.
وعن عمر رضي اللَّه عنه: أنه خرج يستسقي، فما زاد على الاستغفار، فقيل له: ما رأيناك استسقيت!
فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر شبه الاستغفار بالأنواء الصادقة التي لا تخطئ وعن الحسن: أنّ رجلاً شكا إليه الجدب فقال: استغفر الله؛ وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون أبواباً ويسألون أنواعاً، فأمرتهم كلهم بالاستغفار!
فتلا له هذه الآية.
والسماء: المظلة؛ لأنّ المطر منها ينزل إلى السحاب؛ ويجوز أن يراد السحاب أو المطر، من قوله: إذَا نَزَلَ السَّمَاءِ بِأَرْضِ قَوْمٍ والمدرار: الكثير الدرور، ومفعال مما يستوى فيه المذكر والمؤنث، كقولهم: رجل أو امرأة معطار ومتفال ﴿ جنات ﴾ بساتين ﴿ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾ لا تأملون له توقيراً أي تعظيماً.
والمعنى ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب، و ﴿ لِلَّهِ ﴾ بيان للموقر، ولو تأخر لكان صلة للوقار.
وقوله: ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾ في موضع الحال، كأنه قال: ما لكم لا تؤمنون باللَّه والحال هذه وهي حال موجبة للإيمان به، لأنه خلقكم أطواراً: أي تارات: خلقكم أوّلا تراباً، ثم خلقكم نطفاً، ثم خلقكم علقاً، ثم خلقكم مضغاً، ثم خلقكم عظاماً ولحماً، ثم أنشأكم خلقاً آخر.
أولا تخافون لله حلماً وترك معاجلة العقاب فتؤمنوا؟
وقيل: ما لكم لا تخافون لله عظمة؟
وعن ابن عباس: لا تخافون لله عاقبة، لأن العاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب، من ﴿ وقر ﴾ إذا ثبت واستقرّ.
نبههم على النظر في أنفسهم أوّلاً؛ لأنها أقرب منظور فيه منهم، ثم على النظر في العالم وما سوّى فيه من العجائب الشاهدة على الصانع الباهر قدرته وعلمه من السموات والأرض والشمس والقمر ﴿ فِيهِنَّ ﴾ في السموات، وهو في السماء الدنيا؛ لأنّ بين السموات ملابسة من حيث أنها طباق فجاز أن يقال: فيهنّ كذا وإن لم يكن في جميعهنّ، كما يقال: في المدينة كذا وهو في بعض نواحيها.
وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما: أنّ الشمس والقمر وجوههما مما يلي السماء وظهورهما مما يلي الأرض ﴿ وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً ﴾ يبصر أهل الدنيا في ضوئها كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى أبصاره، والقمر ليس كذلك، إنما هو نور لم يبلغ قوّة ضياء الشمس.
ومثله قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً ﴾ [يونس: 5] ، والضياء: أقوى من النور.
استعير الإنبات للإنشاء، كما يقال: زرعك الله للخير، وكانت هذه الاستعارة أدلّ على الحدوث، لأنهم إذا كانوا نباتاً كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات: ومنه قيل للحشوية: النابتة والنوابت، لحدوث مذهبهم في الإسلام من غير أوّلية لهم فيه.
ومنه قولهم: نجم فلان لبعض المارقة.
والمعنى: أنبتكم فنبتم نباتاً.
أو نصب بأنبتكم لتضمنه معنى نبتم ﴿ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا ﴾ مقبورين ثم ﴿ يُخْرِجُكُمْ ﴾ يوم القيامة، وأكده بالمصدر كأنه قال يخرجكم حقاً ولا محالة جعلها بساطاً مبسوطة تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه ﴿ فِجَاجاً ﴾ واسعة منفجة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا ﴾ أيْ دائِمًا.
﴿ فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلا فِرارًا ﴾ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ، وإسْنادُ الزِّيادَةِ إلى الدُّعاءِ عَلى السَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ: فَزادَتْهم إيمانًا.
﴿ وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ ﴾ إلى الإيمانِ.
﴿ لِتَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ بِسَبَبِهِ.
﴿ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ ﴾ سَدُّوا مَسامِعَهم عَنِ اسْتِماعِ الدَّعْوَةِ.
﴿ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ﴾ تَغَطَّوْا بِها لِئَلّا يَرَوْنِي كَراهَةَ النَّظَرِ إلَيَّ مِن فَرْطِ كَراهَةِ دَعْوَتِي أوْ لِئَلّا أعْرِفَهم فَأدْعُوَهُمْ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿ وَأصَرُّوا ﴾ وأكَبُّوا عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي مُسْتَعارٌ مِن أصَرَّ الحِمارُ عَلى العانَةِ إذا صَرَّ أُذُنَيْهِ وأقْبَلَ عَلَيْها.
﴿ واسْتَكْبَرُوا ﴾ عَنِ اتِّباعِي.
﴿ اسْتِكْبارًا ﴾ عَظِيمًا.
﴿ ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا ﴾ ﴿ ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا ﴾ أيْ دَعْوْتُهم مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى وكَرَّةً بَعْدَ أُولى عَلى أيِّ وجْهٍ أمْكَنَنِي، وثُمَّ لِتَفاوُتِ الوُجُوهِ فَإنَّ الجِهارَ أغْلَظُ مِنَ الإسْرارِ والجَمْعُ بَيْنَهُما أغْلَظُ مِنَ الإفْرادِ لِتَراخِي بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، وجِهارًا نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّهُ أحَدُ نَوْعَيِ الدُّعاءِ، أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ بِمَعْنى دُعاءً جِهارًا أيْ مُجاهَرًا بِهِ أوِ الحالُ فَيَكُونُ بِمَعْنى مُجاهِرًا.
<div class="verse-tafsir"
{قَالَ رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً} دائبا بلا فتور
﴿ قالَ ﴾ أيْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مُناجِيًا رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ وحاكِيًا لَهُ سُبْحانَهُ بِقَصْدِ الشَّكْوى وهو سُبْحانُهُ أعْلَمُ بِحالِهِ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ القِيلِ والقالِ في تِلْكَ المُدَدِ الأطْوالِ بَعْدَ ما بَذَلَ في الدَّعْوَةِ غايَةَ المَجْهُودِ وجازَ في الإنْذارِ كُلُّ حَدٍّ مَعْهُودٍ وضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِ العِلَلُ ﴿ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي ﴾ إلى الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿ لَيْلا ونَهارًا ﴾ أيْ دائِمًا مِن غَيْرِ فُتُورٍ ولا تَوانٍ.
<div class="verse-tafsir"
وهي ثمان وعشرون آية مكية قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ يعني: جعله الله رسولاً إلى قومه.
أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ يعني: أن خوف قومك بالنار لكي يؤمنوا بالله.
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: الطوفان والغرق.
قالَ لهم نوح- -: يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ يعني: قال نوح لقومه أنبئكم بلغة تعرفونها؟
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني: أنذركم وأقول لكم اعبدوا الله، يعني: وحدوا الله.
وَاتَّقُوهُ يعني: واخشوه واجتنبوا معاصيه.
وَأَطِيعُونِ فيما آمركم، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ يعني: ذنوبكم.
و «من» صلة.
وَيُؤَخِّرْكُمْ يعني: يؤجلكم إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني: إلى منتهى آجالكم.
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ يعني: إن عذاب الله، إِذا جاءَ لاَ يُؤَخَّرُ يعني: لا يستطيع أن يؤخره أحد.
لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني: لو كان لكم علم تنتفعون به.
قوله تعالى: قالَ رَبِّ يعني: دعا نوح بعد ما كذبوه في طول المدة، قال: رب يعني: يا رب، إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي إلى التوحيد لَيْلًا وَنَهاراً يعني: في كل وقت سراً وعلانية.
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً يعني: إلى التوحيد تباعداً من الإيمان.
قال عز وجل: وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ إلى التوحيد، لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ يعني: لا يسمعون دعائي، وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ يعني: غطوا رؤوسهم بثيابهم لكي لا يسمعوا كلامي.
وَأَصَرُّوا يعني: أقاموا على الكفر والشرك، وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً يعني: تكبَّروا عن الإيمان تكبراً.
قوله تعالى: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً يعني: دعوتهم إلى الإيمان علانية من غير خفية، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ يعني: صحت لهم، وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً يعني: خلطت دعاءهم بالعلانية بدعائهم في السر.
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ يعني: توبوا وارجعوا من ذنوبكم، يعني: الشرك والفواحش.
إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يعني: غفاراً لمن تاب من الشرك.
يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً يعني: المطر دائماً كلما احتاجوا إليه.
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ يعني: يعطيكم أموالاً وأولاداً، وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ يعني: البساتين، وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً يعني: في الجنات.
قوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً؟
ما لكم لا تخافون لله عظمة في التوحيد؟
وهو قول الكلبي ومقاتل وقال قتادة: ما لكم لا ترجون لله عاقبة؟
ويقال: ما لكم لا ترجون عاقبة الإيمان؟
يعني: في الجنة.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما لكم لا تعلمون حق عظمته؟
وقال مجاهد: ما لكم لا ترجون لله عظمة؟
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً يعني: خلقاً بعد خلق وحالاً بعد حال، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة.
فمعناه: ما لكم لا توحدون، وقد خلقكم ضروباً؟
ويقال: أراد به اختلاف الأخلاق والمنطق، ويقال أراد به المناظرة.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً الآية، هذه المقالةُ قَالَها نوحٌ ع بَعْدَ طولِ عُمْرِهِ ويأسِه من قومه.
وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ: معناه: جعلوها أغشية على رؤوسهم.
وقوله: يُرْسِلِ السَّماءَ الآية، رُوِيَ أن قومَ نوحٍ كانوا قَدْ أصَابَتْهُمْ قُحُوطٌ وأزْمَةٌ فلذلك بدأهم في وعده بأمر المطر، ومِدْراراً من الدَّرِّ، ورَوَى ابنُ عباسٍ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرجاً، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، ورَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» «١» رواه أبو داود واللفظ له، والنسائيُّ وابن ماجه، ولفظ النسائيِّ «٢» : «من أكْثَرَ من الاستغفار» ، انتهى من «السلاح» .
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥)
وقوله: مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً قال أبو عبيدةَ وغيره: تَرْجُونَ معناه تَخَافُونَ «٣» ، قالُوا: والوَقَارُ بمعنى العَظَمَةِ، فكأَنَّ الكلامَ عَلى هذا التأويلِ وَعِيدٌ وتخويفٌ، وقال بعض العلماء: تَرْجُونَ على بَابِها، وكأنه قال: مَا لَكُمْ لا تجعلون رجاءكم لله، ووَقاراً يكونُ على هذا التأويل منهم كأنه يقولُ: تَؤُدَةً مِنْكُمْ وتَمَكُّناً في النظر.
وقوله: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً قال ابن عباس وغيره: هي إشارة إلى التدريجِ الذي للإنْسَانِ في بطنِ أمه «٤» ، وقال جماعة: هي إشارة إلى العِبْرَةِ في اختلاف خلق ألوان الناس
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا ﴾ ؟
فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا تَرَوْنَ لِلَّهِ عَظَمَةً، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: لا تَخافُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: لا تَرَوْنَ لِلَّهِ طاعَةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: لا تَرْجُونَ عاقِبَةَ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا ﴾ أيْ: وقَدْ جَعَلَ لَكم في أنْفُسِكم آيَةً تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ مِن خَلْقِهِ إيّاكم مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلى آخِرِ الخَلْقِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّوْرُ: الحالُ، وجَمْعُهُ: أطْوارٌ.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الطَّوْرُ: التّارَةُ، طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ، أيْ: تارَةً بَعْدَ تارَةٍ.
وقِيلَ: أرادَ بِالأطْوارِ: اخْتِلافَ المَناظِرِ والأخْلاقِ، مِن طَوِيلٍ، وقَصِيرٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَّرَهُمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "طِباقٍ" بِتَنْوِينِ القافِ، وكَسْرِها مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُلْكِ: ٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ وجْهَ القَمَرِ قِبَلَ السَّمَواتِ، وظَهَرَهُ قِبَلَ الأرْضِ يُضِيءُ لِأهْلِ السَّمَواتِ، كَما يُضِيءُ لِأهْلِ الأرْضِ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ، هَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
والثّانِي: أنَّ القَمَرَ في السَّماءِ الدُّنْيا.
وإنَّما قالَ: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ لِأنَّهُنَّ كالشَّيْءِ الواحِدِ، ذَكَرَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ، وغَيْرُهُما.
وهَذا كَما تَقُولُ: أتَيْتُ بَنِي تَمِيمٍ، وإنَّما أتَيْتَ بَعْضَهُمْ، ورَكِبْتُ السُّفُنَ، ﴿ وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا ﴾ يَسْتَضِيءُ بِها العالَمُ ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ ﴾ يَعْنِي: أنَّ مُبْتَدَأ خَلَقِكِمْ مِنَ الأرْضِ، هو آدَمُ ﴿ نَباتًا ﴾ قالَ الخَلِيلُ: مَعْناهُ: فَنَبَتُّمْ نَباتًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: "نَباتًا" مَحْمُولٌ في المَصْدَرِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى أنْبَتَكُمْ: جَعَلَكم تَنْبُتُونَ نَباتًا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا مِمّا جاءَ فِيهِ المَصْدَرُ، عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ لِأنَّهُ جاءَ في نَبَتَ.
ومِثْلُهُ: ﴿ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا ﴾ فَجاءَ عَلى "بَتَّلَ" قالَ الشّاعِرُ: وخَيْرُ الأمْرِ ما اسْتَقْبَلْتَ مِن هُ ولَيْسَ بِأنَّ تَتَبَّعَهُ اتِّباعا فَجاءَ عَلى اتَّبَعْتُ.
وَقالَ الآخَرُ: وإنْ شِئْتُمْ تَعاوَدْنا عِوادًا فَجاءَ عَلى "عاوَدْنا" وإنَّما تَجِيءُ المَصادِرُ مُخالِفَةً الأفْعالَ، لِأنَّ الأفْعالَ وإنِ اخْتَلَفَتْ أبْنِيَتُها، واحِدَةٌ في المَعْنى.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سُبُلا فِجاجًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هي الطُّرُقُ الواسِعَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، "وَوَلَدُهُ" بِفَتْحِ اللّامِ والواوِ.
وقَرَأ الباقُونَ "وُلْدُهُ" بِضَمِّ الواوِ، وَسُكُونِ اللّامِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ العَرَبِ، والعُرْبِ، والعَجَمِ، والعُجْمِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: "وَوِلْدُهُ" بِكَسْرِ الواوِ، وإسْكانِ اللّامِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: أنَّ الأتْباعَ، والفُقَراءَ اتَّبَعُوا رَأْيَ الرُّؤَساءِ والكُبَراءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا ﴾ قَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كُبارًا" بِرَفْعِ الكافِ وتَخْفِيفِ الباءِ.
وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "كِبارًا" بِكَسْرِ الكافِ مَعَ تَخْفِيفِ الباءِ.
والمَعْنى "كَبِيرًا" يُقالُ: كَبِيرٌ، وكُبارٌ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ [ص] ومَعْنى "المَكْرِ": السَّعْيُ في الفَسادِ.
وذَلِكَ أنَّ الرُّؤَساءَ مَنَعُوا أتْباعَهم مِنَ الإيمانِ بِنُوحٍ ﴿ وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ﴾ أيْ: لا تَدَعُنَّ عِبادَتَها ﴿ وَلا تَذَرُنَّ ودًّا ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ بِضَمِّ الواوِ.
والباقُونَ بِفَتْحِها.
وهَذا الِاسْمُ وما بَعْدَهُ أسْماءُ آلِهَتِهِمْ.
وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ أسْماءُ قَوْمٍ صالِحِينَ، كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، ونَشَأ قَوْمٌ بَعْدَهم يَأْخُذُونَ بِأخْذِهِمْ في العِبادَةِ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم كانَ أنْشَطَ لَكُمْ، وأشْوَقَ لِلْعِبادَةِ، فَفَعَلُوا.
ثُمَّ نَشَأ قَوْمٌ بَعْدَهُمْ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: إنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، فَعَبَدُوهُمْ، وكانَ ابْتِداءُ عِبادَةِ الأوْثانِ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ.
وسُمِّيَتْ تِلْكَ الصُّوَرُ بِهَذِهِ الأسْماءِ، لِأنَّهم صَوَّرُوها عَلى صُوَرِ أُولَئِكَ القَوْمِ المُسَمَّيْنَ بِهَذِهِ الأسْماءِ.
وقِيلَ: إنَّما هي أسْماءٌ لِأوْلادِ آدَمَ، ماتَ مِنهم واحِدٌ، فَجاءَ الشَّيْطانُ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ أنْ أُصَوِّرَ لَكم صُورَتَهُ، فَتَذْكُرُونَهُ بِها؟
فَصَوَّرَها.
ثُمَّ ماتَ آخَرُ، فَصَوَّرَ لَهم صُورَتَهُ، إلى أنَّ صَوَّرَ صُوَرًا خَمْسَةً.
ثُمَّ طالَ الزَّمانُ، وتَرَكُوا عِبادَةَ اللَّهِ، فَقالَ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ما لَكم لا تَعْبُدُونَ شَيْئًا؟
فَقالُوا: لِمَن نَعْبُدُ؟
قالَ: هَذِهِ آلِهَتُكُمْ، وآلِهَةُ آبائِكُمْ، ألا تَرَوْنَها مُصَوَّرَةً في مُصَلّاكُمْ؟!
فَعَبَدُوها.
وَقالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الأصْنامُ كانَتْ لِقَوْمِ نُوحٍ، ثُمَّ صارَتْ إلى العَرَبِ، فَكانَ "وَدٌّ" لِكَلْبٍ، "وَسُواعٌ" لِهَمَدانَ، و"يَغُوثُ" لِبَنِي غُطَيْفٌ، وهم حَيٌّ مِن مُرادٍ.
وقِيلَ: لَمّا جاءَ الطُّوفانُ غَطّى عَلى هَذِهِ الأصْنامِ وطَمَّها التُّرابُ، فَلَمّا ظَهَرَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ صارَتْ إلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، قالَ الواقِدِيُّ: كانَ "وَدٌّ" عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، و"سُواعٌ" عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، و"يَغُوثُ" عَلى صُورَةِ أسَدٍ، و"يَعُوقُ" عَلى صُورَةِ فَرَسٍ، و"نَسْرٌ" عَلى صُورَةِ النَّسْرِ مِنَ الطَّيْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وقَدْ أضَلَّتِ الأصْنامُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، أيْ: ضَلُّوا بِسَبَبِها.
والثّانِي: وقَدْ أضَلَّ الكُبَراءُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ ﴿ وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ ﴿ إلا ضَلالا ﴾ وهَذا دُعاءٌ مِن نُوحٍ عَلَيْهِمْ، لَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا ﴾ ﴿ فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلا فِرارًا ﴾ ﴿ وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا ﴾ ﴿ ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا ﴾ ﴿ ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا ﴾ ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا ﴾ ﴿ يُرْسِلِ السَماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ﴾ هَذِهِ المَقالَةُ قالَها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ أنْ طالَ عُمْرُهُ وتَحَقَّقَ اليَأْسُ عن قَوْمِهِ، وقَوْلُهُ: "لَيْلًا ونَهارًا" عِبارَةٌ عَنِ اسْتِمْرارِ دُعائِهِ وأنَّهُ لِمَ يَنِ فِيهِ قَطُّ.
ويُرْوى عن قَتادَةَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَجِيئُهُ الرَجُلُ مِن قَوْمِهِ بِابْنِهِ فَيَقُولُ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ احْذَرْ هَذا الرَجُلَ فَإنَّ أبِي حَذَّرَنِي إيّاهُ ويَقُولُ لَهُ إنَّهُ مَجْنُونٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "دُعائِي" بِالهَمْزِ وفَتَحِ الياءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِسُكُونِ الياءِ دُونَ هَمْزٍ، ورَوى شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: بِنَصْبِ الياءِ دُونَ هَمْزٍ مِثْلَ "هُدايَ"، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا ويَعْقُوبُ، وسَلامٌ بِهَمْزٍ وياءٍ ساكِنَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: لِيُؤْمِنُوا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ الغُفْرانِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عن إعْراضِهِمْ وشَدَّةَ رَفْضِهِمْ لِأقْوالِهِ ودُعائِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ﴾ ، ومَعْناهُ: جَعَلُوها أغْطِيَةً عَلى رُءُوسِهِمْ.
و"الإصْرارُ": الثُبُوتُ عَلى مُعْتَقَدٍ ما، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الذُنُوبِ.
ثُمَّ كَرَّرَ صِفَةَ دُعائِهِ لَهم بَيانًا وتَوْكِيدًا، و"جِهارًا" يُرِيدُ عَلانِيَةً في المَحافِلِ، و"الإسْرارُ" ما كانَ مِن دُعائِهِ الأفْرادُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَلى انْفِرادٍ، وهَذا غايَةُ الجِدِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ﴾ ...
﴿ يُرْسِلِ السَماءَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِغْفارَ سَبَبٌ لِنُزُولِ المَطَرِ في كُلِّ أُمَّةٍ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ اسْتَسْقى بِالناسِ فَلَمْ يَزِدْ عَلى أنِ اسْتَغْفَرَ ساعَةً ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقالَ لَهُ قَوْمٌ: ما رَأيْناكَ اسْتَسْقَيْتَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: واللهِ لَقَدِ اسْتَنْزَلْتُ المَطَرَ بِمَجادِيحِ السَماءِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وشَكا رَجُلٌ إلى الحَسَنِ الجَدْبَ فَقالَ لَهُ: اسْتَغْفِرِ اللهَ، وشَكا إلَيْهِ آخَرُ الفَقْرَ فَقالَ لَهُ: اسْتَغْفِرِ اللهَ سُبْحانَهُ، وقالَ لَهُ آخَرُ: ادْعُ اللهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَنِي ولَدًا، فَقالَ لَهُ: اسْتَغْفِرِ اللهَ تَعالى، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَنَزَعَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
والِاسْتِغْفارُ الَّذِي أحالَ عَلَيْهِ الحَسَنُ لَيْسَ هو عِنْدِي لَفْظُ الِاسْتِغْفارِ فَقَطْ، بَلِ الإخْلاصُ والصِدْقُ في الأقْوالِ والأعْمالِ، وكَذَلِكَ كانَ اسْتِغْفارُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
ورُوِيَ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ قَدْ أصابَتْهم قُحُوطٌ وأزْمَةٌ فَلِذَلِكَ بَدَأهم في وعْدِهِ بِأمْرِ المَطَرِ ثُمَّ ثَنى بِالأمْوالِ والبَنِينِ، قالَ قَتادَةُ: لِأنَّهم كانُوا أهْلَ حُبٍّ لِلدُّنْيا وتَعْظِيمٍ لِأمْرِها، فاسْتَدْعاهُمُ اللهُ تَعالى إلى الآخِرَةِ مِنَ الطَرِيقِ الَّتِي يُحِبُّونَها.
و"مِدْرارًا" مِفْعالًا مِن "الدَرِّ" كَمِذْكارٍ ومِيقاتٍ، وهَذا البِناءُ لا تَلْحَقُهُ هاءُ التَأْنِيثِ.
<div class="verse-tafsir"
جرد فعل ﴿ قال ﴾ هنا، من العاطف لأنه حكاية جواب نوح عن قول الله له ﴿ أنْذِر قومك ﴾ [نوح: 1] عومل معاملة الجواب الذي يُتلقى به الأمر على الفور على طريقة المحاورات التي تقدمت في قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ في سورة البقرة (30)، تنبيهاً على مبادرة نوح بإبلاغ الرسالة إلى قومه وتمام حرصه في ذلك كما أفاده قوله: ﴿ ليلاً ونهاراً ﴾ وحصول يأسه منهم، فجعل مراجعته ربه بعد مهلة مستفادة من قوله: ﴿ لَيْلاً ونهاراً ﴾ بمنزلة المراجعة في المقام الواحد بين المتحاورَيْن.
ولك أن تجعل جملة ﴿ قال رب ﴾ الخ مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن السامع يترقب معرفة ماذا أجاب قوم نوح دعوته فكان في هذه الجملة بيان ما يترقبه السامع مع زيادة مراجعة نوح ربه تعالى.
وهذا الخبر مستعمل في لازم معناه وهو الشكاية والتمهيد لطلب النصر عليهم لأن المخاطب به عالم بمدلول الخبر.
وذلك ما سيفضي إليه بقوله: ﴿ وقال نوح رب لا تذَرْ على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ الآيات [نوح: 26].
وفائدة حكاية ما ناجى به نوح ربه إظهارُ توكله على الله، وانتصار الله له، والإِتيانُ على مهمات من العبرة بقصته، بتلوين لحكاية أقواله وأقوال قومه وقول الله له.
وتلك ثمان مقالات هي: ﴿ أن أنذر قومك ﴾ الخ [نوح: 1].
﴿ قال يا قوم إني لكم نذير مبين ﴾ الخ [نوح: 2].
3 ﴿ قال رب إني دعوت قومي ﴾ الخ [نوح: 5].
﴿ فقلت استغفروا ربكم ﴾ الخ [نوح: 10].
﴿ قال نوح رب إنهم عصوني ﴾ الخ [نوح: 21].
﴿ ولا تزد الظالمين إلاّ ضلالاً ﴾ الخ [نوح: 24].
﴿ وقال نوح رب لا تذر على الأرض ﴾ الخ [نوح: 26].
﴿ رب اغفر لي ﴾ الخ [نوح: 28].
وجعل دعوته مظروفة في زمني الليل والنهار للدلالة على عدم الهوادة في حرصه على إرشادهم، وأنه يترصد الوقت الذي يتوسم أنهم فيه أقرب إلى فهم دعوته منهم في غيره من أوقات النشاط وهي أوقات النهار، ومن أوقات الهدوّ وراحة البال وهي أوقات الليل.
ومعنى ﴿ لم يَزدهم دعائيَ إلاّ فراراً ﴾ أن دعائي لهم بأن يعبدوا الله وبطاعتهم لي لم يزدهم ما دعوتهم إليه إلاّ بعداً منه، فالفرار مستعار لقوة الإِعْراض، أي فلم يزدهم دعائي إياهم قرباً مما أدعوهم إليه.
واستثناء الفرار من عموم الزيادات استثناء منقطع.
والتقدير: فلم يزدهم دعائي قرباً من الهدى لكن زادهم فراراً كما في قوله تعالى حكاية عن صالح عليه السلام ﴿ فما تزيدونني غير تخسير ﴾ [هود: 63].
وإسناد زيادة الفرار إلى الدعاء مجاز لأن دعاءه إياهم كان سبباً في تزايد إعراضهم وقوة تمسكهم بشركهم.
وهذا من الأسلوب المسمى في علم البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم، أو تأكيدَ الشيء بما يشبه ضده، وهو هنا تأكيد إِعراضهم المشبه بالابتعاد بصورةٍ تشبه ضد الإِعراض.
ولما كان فرارهم من التوحيد ثابتاً لهم من قبل كان قوله: ﴿ لم يزدهم دعائي إلاّ فراراً ﴾ من تأكيد الشيء بما يشبه ضده.
وتصدير كلام نوح بالتأكيد لإِرادة الاهتمام بالخبر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: دَعْوَتُهم لِيَعْبُدُوكَ لَيْلًا ونَهارًا.
الثّانِي: دَعْوَتُهم لَيْلًا ونَهارًا إلى عِبادَتِكَ.
﴿ فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلا فِرارًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إلّا فِرارًا مِن طاعَتِكَ.
الثّانِي: فِرارًا مِن إجابَتِي إلى عِبادَتِكَ.
قالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ يَذْهَبُ الرَّجُلُ بِابْنِهِ إلى نُوحٍ، فَيَقُولُ لِابْنِهِ: احْذَرْ هَذا لا يَغُرَّنَّكَ فَإنَّ أبِي قَدْ ذَهَبَ بِي إلَيْهِ وأنا مِثْلُكَ، فَحَذَّرَنِي كَما حَذَّرْتُكَ.
﴿ وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي كُلَّما دَعَوْتُهم إلى الإيمانِ لِتَغْفِرَ لَهم ما تَقَدَّمَ مِنَ الشِّرْكِ.
﴿ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ ﴾ لِئَلّا يَسْمَعُوا دُعاءَهُ لِيُؤَيِّسُوهُ مِن إجابَةِ ما لَمْ يَسْمَعُوهُ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَ حَلِيمًا صَبُورًا.
﴿ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ﴾ أيْ غَطُّوا رُؤُسَهم وتَنَكَّرُوا لِئَلّا يَعْرِفَهم.
﴿ وَأصَرُّوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ إقامَتُهم عَلى الكُفْرِ، قالَ قَتادَةُ: قُدُمًا قُدُمًا في مَعاصِي اللَّهِ لِتَهائِهِمْ عَنْ مَخافَةِ اللَّهِ حَتّى جاءَهم أمْرُ اللَّهِ.
الثّانِي: الإصْرارُ: أنْ يَأْتِيَ الذَّنْبَ عَمْدًا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّهم سَكَتُوا عَلى ذُنُوبِهِمْ فَلَمْ يَسْتَغْفِرُوا قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ كُفْرُهم بِاَللَّهِ وتَكْذِيبُهم لِنُوحٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ تَرْكُهُمُ التَّوْبَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَوْلُهُ ( ﴿ اسْتِكْبارًا ﴾ ) تَفْخِيمٌ.
﴿ ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا ﴾ أيْ مُجاهَرَةً يَرى بَعْضُهم بَعْضًا.
﴿ ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي الدُّعاءَ، قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ صِحْتُ.
﴿ وَأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا ﴾ الدُّعاءُ عَنْ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَعاهم في وقْتٍ سِرًّا، وفي وقْتٍ جَهْرًا.
الثّانِي: دَعا بَعْضَهم سِرًّا وبَعْضَهم جَهْرًا، وكُلُّ هَذا مِن نُوحٍ مُبالَغَةً في الدُّعاءِ وتَلَطُّفًا في الِاسْتِدْعاءِ.
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا ﴾ وهَذا فِيهِ تَرْغِيبٌ في التَّوْبَةِ، وقَدْ رَوى حُذَيْفَةُ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: ( «اَلِاسْتِغْفارُ مَمْحاةٌ لِلذُّنُوبِ» ) .
وقالَ الفُضَيْلُ: يَقُولُ العَبْدُ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ، قالَ: وتَفْسِيرُها أقَلَّنِي.
﴿ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ﴾ يَعْنِي غَيْثًا مُتَتابِعًا، وقِيلَ إنَّهم كانُوا قَدْ أجْدَبُوا أرْبَعِينَ سَنَةً، حَتّى أذْهَبَ الجَدْبُ أمْوالَهم وانْقَطَعَ الوَلَدُ عَنْ نِسائِهِمْ، فَقالَ تَرْغِيبًا في الإيمانِ.
﴿ وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا ﴾ قالَ قَتادَةُ: عَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ نُوحٌ أنَّهُمُ أهْلُ حِرْصٍ عَلى الدُّنْيا، فَقالَ هَلُمُّوا إلى طاعَةِ اللَّهِ فَإنَّ مِن طاعَتِهِ دَرْكَ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما لَكَمَ لا تَعْرِفُونَ لِلَّهِ عَظْمَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.
الثّانِي: لا تَخْشَوْنَ لِلَّهِ عِقابًا وتَرْجُونَ مِنهُ ثَوابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: لا تَعْرِفُونَ لِلَّهِ حَقَّهُ ولا تَشْكُرُونَ لَهُ نِعَمَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: لا تُؤَدُّونَ لِلَّهِ طاعَةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: أنَّ الوَقارَ الثَّباتُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ أيِ اثْبُتْنَ، ومَعْناهُ لا تُثْبِتُونَ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهُكُمُ الَّذِي لا إلَهَ لَكم سِواهُ، قالَ ابْنُ بَحْرٍ: دَلَّهم عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا ﴾ في وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي طَوْرًا نُطْفَةً، ثُمَّ طَوْرًا عَلَقَةً، ثُمَّ طَوْرًا مُضْغَةً، ثُمَّ طَوْرًا عَظْمًا، ثُمَّ كَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا، ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ أنَّبَتْنا لَهُ الشَّعْرَ وكَمُلَتْ لَهُ الصُّورَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ الأطْوارَ اخْتِلافُهم في الطُّولِ والقِصَرِ، والقُوَّةِ والضَّعْفِ والهَمِّ والتَّصَرُّفِ، والغِنى والفَقْرِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الأطْوارَ اخْتِلافُهم في الأخْلاقِ والأفْعالِ.
﴿ ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ سَبْعُ سَمَواتٍ عَلى سَبْعِ أرَضِينَ، بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وأرْضٍ خَلْقٌ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّهُنَّ سَبْعُ سَمَواتٍ طِباقًا بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ، كالقِبابِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا لِأهْلِ الأرْضِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا لِأهْلِ السَّماءِ والأرْضِ، قالَهُ عَطاءٌ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجْهُهُ يُضِيءُ لِأهْلِ الأرْضِ، وظَهْرُهُ يُضِيءُ لِأهْلِ السَّماءِ.
﴿ وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا ﴾ يَعْنِي مِصْباحًا لِأهْلِ الأرْضِ، وفي إضافَتِهِ لِأهْلِ السَّماءِ القَوْلانِ الأوَّلانِ.
﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي آدَمَ خَلَقَهُ مِن أدِيمِ الأرْضِ كُلِّها، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: خُلِقَ الإنْسانُ مِن طِينٍ، فَإنَّما تَلِينُ القُلُوبُ في الشِّتاءِ.
الثّانِي: أنَّبَتْهم مِنَ الأرْضِ بِالكِبَرِ بَعْدَ الصِّغَرِ، وبِالطُّولِ بَعْدَ القِصَرِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ أنْشَأهم بِاغْتِذاءِ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ وبِما فِيها، وهو مُحْتَمَلٌ.
﴿ ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ﴾ يَعْنِي أمْواتًا في القُبُورِ.
﴿ وَيُخْرِجُكم إخْراجًا ﴾ لِنُشُورٍ بِالبَعْثِ.
﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا ﴾ أيْ مَبْسُوطَةٌ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها مَبْسُوطَةٌ.
﴿ لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا فِجاجًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: طُرُقًا مُخْتَلِفَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: طُرُقًا واسِعَةً، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.
الثّالِثُ: طُرُقًا أعْلامًا، قالَهُ قَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت سورة ﴿ إنا أرسلنا نوحاً ﴾ بمكة.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يدعو نوحاً وقومه يوم القيامة أول الناس، فيقول: ماذا أجبتم نوحاً فيقولون: ما دعانا وما بلغنا وما نصحنا ولا أمرنا ولا نهانا، فيقول نوح: دعوتهم يا رب دعاء فاشياً في الأولين والآخرين، أمة بعد أمة، حتى انتهى إلى خاتم النبيين أحمد فانتسخه وقرأه وآمن به وصدقه، فيقول للملائكة: ادعوا أحمد وأمته، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته يسعى نورهم بين أيديهم، فيقول نوح لمحمد وأمته: هل تعلمون أني بلغت قومي الرسالة، واجتهدت لهم بالنصيحة، وجهدت أن استنقذهم من النار سراً وجهراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته: فإنا نشهد بما نشدتنا أنك في جميع ما قلت من الصادقين، فيقول نوح: وأنى علمت هذا أنت وأمتك ونحن أول الأمم وأنتم آخر الأمم؟
فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه ﴾ حتى ختم السورة، فإذا ختمها قالت أمته: نشهد أن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم، فيقول الله عند ذلك: ﴿ وامتازوا اليوم أيها المجرمون ﴾ [ يس: 59] » .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ﴾ قال: بها أرسل الله المرسلين أن يعبد الله وحده، وأن تتقى محارمه، وأن يطاع أمره.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ يغفر لكم من ذنوبكم ﴾ قال: الشرك ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى ﴾ قال: بغير عقوبة ﴿ إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ﴾ قال: الموت.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ قال: بلغني أنه كان يذهب الرجل بابنه إلى نوح، فيقول لابنه: احذر هذا لا يغرنك فإن أبي قد ذهب بي، وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ جعلوا أصابعهم في آذانهم ﴾ قال: لئلا يسمعوا ما يقول ﴿ واستغشوا ثيابهم ﴾ قال: لأن يتنكروا له فلا يعرفهم ﴿ واستكبروا استكباراً ﴾ قال: تركوا التوبة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ واستغشوا ثيابهم ﴾ قال: غطوا بها وجوههم لكي لا يروا نوحاً ولا يسمعوا كلامه.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ واستغشوا ثيابهم ﴾ قال: تسجوا بها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ثم إني دعوتهم جهاراً ﴾ قال: الكلام المعلن به، وفي قوله: ﴿ ثم إني أعلنت لهم ﴾ قال: صحت ﴿ وأسررت لهم إسراراً ﴾ قال: النجاء نجاء لرجل.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَنْ أَنذِرْ ﴾ و ﴿ أَنِ اعبدوا ﴾ يحتمل أن تكون أن مفسرة أو مصدرية على تقدير بأن أنذر وبأن اعبدوا والأول أظهر ﴿ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يحتمل أن يريد عذاب الآخرة أو الغرق الذي أصابهم ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ من هنا للتبعيض أي يغفر لكم ما فعلتم من الذنوب قبل أن تسلموا؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، ولم يضمن أن يغفر لهم ما بعد إسلامهم، لأن ذلك في مشيئة الله تعالى، وقيل: إن من هنا زائدة ذلك وباطل لأن من لا تزاد عنه سيبويه إلا في غير الواجب.
وقيل: هي لبيان الجنس، وقيل: لابتداء الغاية، وهذان قولان ضعيفان في المعنى، والأول هو الصحيح لأن التبعيض فيه متجه ﴿ وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ ظاهر هذا يقتضي أنهم إن فعلوا ما أمروا به أخروا إلى أجل مسمى؛ وإن لم يفعلوا لم يؤخروا، وذلك يقتضي القول بالأجلين.
وهو مذهب المعتزلة، وعلى هذا حملها الزمخشري، وأما على مذهب أهل السنة، فهي من المشكلات، وتأولها ابن عطية فقال: ليس للمعتزلة في الآية مجال لأن المعنى أن نوحاً عليه الصلاة والسلام لم يعلم هل هم ممن يؤخر أو ممن يعاجل؟
ولا قال لهم: إنكم تؤخرون عن أن أجل قد حان.
لكن قد سبق في الأزل إما ممن قضى له بالإيمان والتأخير أو ممن قضى له بالكفر والمعالجة.
وكان نوحاً عليه السلام قال لهم: آمنوا يظهر في الوجود أنكم ممن قضى له بالإيمان والتأخير.
وإن بقيتم على كفركم يظهر في الوجود أنكم ممن قضى عليه بالكفر والمعالجة، فكان الاحتمال الذي يقتضيه ظاهر الآية إنما هو فيما يبرزه الغيب من حالهم؛ إذ يمكن أن يبرز إما الإيمان والتأخير، وإما الكفر والمعالجة، وأما عند الله فالحال الذي يكون منهم معلوم مقدر محتوم، وأجلهم كذلك معلوم قدر محتوم.
﴿ إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ ﴾ هذا يقتضي أن الأجل محتوم كما قال تعالى: ﴿ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [يونس: 49] وفي هذا حجة لأهل السنة وتقوية للتأويل الذي ذكرنا، وفيه أيضاً رد على المعتزلة في قولهم بالأجلين، ولما كان كذلك قال الزمخشري: إن ظاهر مناقض لما قبله من الوعد بالتأخير إن آمنوا، وتأول ذلك على مقتضى مذهبه بأن الأجل الذي لا يؤخر هو الأجل الثاني.
وذلك أن قوم نوح قضى الله أنهم إن آمنوا عمرهم الله مثلاً ألف عام، وإن لم يؤمنوا عمرهم تسعمائة عام فالألف عام هي التي تؤخر إذا جاءت والتسعمائة عام هي التي وعدوا بالتأخير عنها إلى الألف عام إن آمنوا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ دعائي إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ أني أعلنت ﴾ بالفتح.
أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير ﴿ وولده ﴾ بالضم والسكون: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بفتحتين ﴿ ودا ﴾ بالضم: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالفتح ﴿ خطاياهم ﴾ بالتكسير: أبو عمرو ﴿ بيتي ﴾ بالفتح: حفض وهشام.
الوقوف: ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ لا يؤخر ﴾ م ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ ونهاراً ﴾ ه ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ إستكباراً ﴾ ه ج لأن " ثم " لترتيب الأخبار مع اتحاد القائل ﴿ جهاراً ﴾ ه لا ﴿ أسراراً ﴾ ه لا لعطف مقصود الكلام ﴿ غفاراً ﴾ ه لا لجواب الأمر ﴿ مدراراً ﴾ ه ﴿ أنهاراً ﴾ ه ط لابتداء الإستفهام ﴿ وقاراً ﴾ ه ج لأن ما بعده يحتمل الحال والإستئناف ﴿ أطواراً ﴾ ه ﴿ طباقاً ﴾ ه لا ﴿ سراجاً ﴾ ه لا ﴿ نباتاً ﴾ ه ﴿ إخراجاً ﴾ ه ﴿ بساطاً ﴾ ه ﴿ فجاجاً ﴾ ه ﴿ خساراً ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ كباراً ﴾ ه لذلك ﴿ ونسراً ﴾ ه ك لأن ما بعده ليس بمعطوف ولكنه حال من فاعل ﴿ قالوا ﴾ وذكر السجا وندي أنه حال من مفعول ﴿ لا تذرن ﴾ وفيه نظر ﴿ كثيراً ﴾ ه ز لأن قوله ﴿ ولا تزد ﴾ لا يصح عطفه ظاهراً ولكنه متصل بما قبله بطريق الحكاية أي قال نوح رب إنهم عصوني وقال لا تزد ﴿ ضلالاً ﴾ ه ﴿ أنصاراً ﴾ ه ﴿ دياراً ﴾ ه ﴿ كفاراً ﴾ ه ﴿ تباراً ﴾ ه.
التفسير: لما حذر الناس أهوال يوم القيامة ذكرهم قصة نوح وما جرى على قومه من الإغراق قبل الأطراف حين عصوا رسولهم و " أن " في ﴿ أن أنذر ﴾ و ﴿ أن اعبدوا ﴾ مفسرة لما في ألإرسال والإنذار من معنى القول.
أو ناصبة والجار محذوف أي أرسلناه بأن قلنا له أنذر أي أرسلناه بالأمر بالإندار.
ثم حكى أنه امتثل الأمر فأمر قومه بعبادة الله قبل الأطراف ويتناول جميع الواجبات والمندوبات ﴿ واتقواه ﴾ ويشتمل على الزجر عن جميع المحظورات وبطاعة نفسه تنبيهاً على أن طاعة الله هي طاعة نبيه، والإلهيات لا تكمل معرفتها إلا بمعرفة النبوات.
ثم وعدهم على العبادة والتقوى والطاعة شيئين: أحدهما دفع مضار الآخرة وهو غفران الذنوب، والثاني وصول منافع الدنيا وهو بتأخير الأجل إلى أقصى الإمكان.
وقد مر في سورة إبراهيم إستدلال من جوز زيادة " من " في الإثبات بنظير هذه الآية.
وما أجيب عنه.
والذي نزيده ههنا ما قيل: إنه لم لا يجوز أن يراد يغفر لكم كل ما كان من ذنوبكم فتكون فائدته عدم المؤاخذة بمجموع الذنوب لا بكل فرد من أفراده لصدق قول القائل لا أطالبك بمجموع ذنوبك لكني أطالبك بهذا الذنب الواحد.
وفي قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ معنى لا يؤاخذكم قاله الإمام فخر الدين الرازي وهو شبه مغالطة لأنه يوجب استعمال مقتضى النفي مكان مقتصى الإثبات وبالعكس بتأويل تقدير الإثبات وبالعكس مثلاً اتفقوا على وجوب النصب في قولك " جاءني القوم إلا زيداً " وعلى قوله يمكن رفعه على البدل بتأويل يتخلف القوم إلا زيد وهكذا قولك " جاءني رجل " لا يشمل المجيء سواه.
ولو قلت " ما تخلف رجل " عمّ المجيء كل أحد.
ثم قال: هب أنه يقتضي التبعيض لكنه حق لأن من آمن فإنه يغفر ما تقدم من ذنوبه على إيمانه، أما المتأخر عنه فإنه لا يصير بذلك السبب مغفوراً فثبت أنه لا بد ههنا من حرف التبعيض.
قلت: هذا التأويل جائز في حق هذه الأمة أيضاً فوجب أن يذكر من في سورة الصف أيضاً.
قوله ﴿ إن أجل الله ﴾ إشارة إلى الأجل المسمى وفيه تنبيه على أن الأجل الاختراعي قد يؤخر بتقدير الإيمان والعبادة، وفيه أن وقت الفرصة والإمهال يجب أن يغتنم قبل حلول مالا حيلة فيه، وفي قوله ﴿ لو كنتم تعلمون ﴾ توبيخ على أن إمهالهم في أمور الدنيا بلغ إلى حيث صيرهم شاكين في وقوع الموت.
ثم حكى شكوى نوح إلى ربه بعد أن لم ينجع في قومه طول دعوته.
ومعنى ﴿ ليلاً ونهاراً ﴾ دائباً دائماً من غير توان وفتور.
قوله ﴿ فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ كقوله ﴿ ما زادهم إلا نفوراً ﴾ قوله ﴿ لتغفر لهم ﴾ ذكر ما هو المقصود وترك ما هو الوسيلة، وأصل الكلام ليؤمنوا فتغفر لهم ذنوبهم السالفة هذا قول جار الله.
ويمكن أن يقال: إنه وعدهم المغفرة على العبادة والتقوى والطاعة فكأنه قال: دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتي لتغفر لهم، وهذا كلام متسق مبني على الأول كما ترى.
ثم ذكر أنهم عاملوه بأشياء منها: جعل الأصابع في الآذان لئلا يسمعوا قوله.
ومنها تغطيهم بثيابهم تأكيداً لعدم سماع الحجة أو لئلا يبصروا وجهه.
ومنها إصرارهم على مذهبهم واستكبارهم عن قبول الحق إستكباراً بالغاً نهايته.
ثم حكى نوح أنه كان لدعوته ثلاث مراتب بدأ تقريع وتغليظ فلم يؤثر.
وانتصب ﴿ جهاراَ ﴾ على المصدر لأنه نوع من الدعوة أو على أنه صفة دعاء محذوف.
والوصف بالمصدر مبالغة على أنه في موضع الحال.
ثم إنه جمع بين الأمرين كما يفعل المجتهد المتحير في التدبير فلم ينفع.
ثم فسر الدعوة بقوله ﴿ فقلت استغفروا ﴾ إلى آخره وفيه أن الاستغفار يوجب زيادة البركة والنماء.
وله وجه معقول وهو أن الله مفيض الخيرات والبركات بالذات كما قال "سبقت رحمتي غضبي" فكل ما يصل إلى العباد مما يضاد ذلك كالفقر والقحط والآلام والمخاوف فإنها بشؤم معاصيهم، فإذا تابوا واستغفروا زال الشؤم والبلاء وعاد الخير والنماء.
يروى أنهم لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة أو سبعين.
فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا دفع الله عنهم البلاء.
والمدرار الكثير الدريستوي فيه الذكر والمؤنث.
ثم إنه وبخهم بقوله ﴿ مالكم لا ترجون لله وقاراً ﴾ أصل الرجاء الأمل.
والوقار التوقير " فعال " بمعنى " تفعيل " مثل " سراح " بمعنى " تسريح " وقد يستعمل الرجاء بمعنى الخوف فمعناه على هذا مالكم لا تخافون عظمة الله.
وعلى الأول قال جار الله: معناه أي شيء لكم وما بالكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب ﴿ ولله ﴾ بيان أو حال ولو تأخر لكان صلة للوقار أو صفة، ويحتمل أن يكون الوقار فعلاً للقوم وذلك أنهم كانوا يستخفون برسول الله فحثهم على تعظيمه لأجل الله راجين ثوابه.
وعن ابن عباس أن الوقار هو الثواب من وقر إذا ثبت واستقر قال جار الله: في تقريره أي لا تخافون لله عاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب.
وقال غيره: تم الكلام عند قوله ﴿ مالكم ﴾ ثم استفهم منكراً ﴿ لا ترجون ﴾ أي لا تعتقدون لله ثباتاً وبقاء فإنكم لو رجوتم ذلك لما أقدمتم على الإستخفاف برسوله.
قال الليث: الطور التارة أي خلقكم مرة بع مرة نطفة ثم علقة إلى آخرها.
وقال ابن الإنباري: والطور الحال فيجوز أن يراد الأوصاف المختلفة التي لا شبه بعضها بعضاً، وهذا دليل للتوحيد المأخوذ من الأنفس، ثم أشار إلى دليل الآفاق بقوله ﴿ ألم تروا ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ طباقاً ﴾ قد مر في أول " الملك " فلا يلزم منه أن لا يبقى للملائكة مساكن فيها فلعلها متوازية لا متماسة.
وأما على قول من يزعم أن الملائكة روحانية فلا إشكال، قوله ﴿ فيهن ﴾ في حيزه من السموات وشبه الشمس بالسراج لأن نوره ذاتي كهي، أو لأن الليل عبارة عن ظل الأرض والشمس سبب لزواله.
ثم عاد إلى دليل الأنفس بقوله ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ يحتمل أن يكون من باب التفعيل فيكون مصدراً متعدياً قريباً من لفظ الفعل وأن يكون ثلاثياً لازماً فيكون أبعد، ويجوز أن يراد أنبتكم فنبتم نباتاً.
قال جار الله: استعير الإنبات للإنشاء ليكون أدل على الحدوث.
وفي قوله ﴿ إخراجاً ﴾ تأكيداً أي يخرجكم حقاً ولا محالة.
ثم ذكر دليلاً آخراً فاقياً من حال الأرض.
والفج الطريق الواسع.
ثم إن سائلاً كأنه سأل: ماذا قال نوح بعد هذه الشكوى؟
فبين أنه ﴿ قال نوح رب إنهم عصوني ﴾ مكان قوله وأطيعون ﴿ واتبعوا ﴾ رؤساءهم ولم يزدهم ما لهم وولدهم ﴿ إلا خساراً ﴾ في الآخرة كأن التمتع القليل في الدنيا كالعدم.
وولده بالضم لغة في الولد ويجوز أن يكون جمعاً كفلك ﴿ ومكروا ﴾ معطوف على ﴿ لم يزده ﴾ لأن المتبوعين هم الذين مكروا ﴿ وقالوا ﴾ للأتباع ﴿ لا تذرن ﴾ وجمع حملاً على المعنى.
والكبار بالتشديد أكبر من الكبار بالتخفيف ولهذا لم يقرأ مخففاً إلا في الشاذ فكلاهما مبالغة في الكبير.
ولا ريب أن رأس الخيرات هو الإرشاد إلى التوحيد فنقيضه وهو الدعاء إلى الشرك يكون أعظم الكبائر وأفظع أنواع المكر.
وإنما سمي مكراً لأنهم دلسوا عليهم بأنه دين آبائكم وألاباء أعرف من الأبناء.
وبأن هذه الأصنام تعطيكم الخيرات والمنافع وأنها شفعاؤكم.
ثم خصوا الأصنام الخمسة بالذكر لأنها كانت عندهم أكبر قالوا: وقد انتقلت من قوم نوح إلى العرب لأسباب لا يعلمها إلا الله، ولأنها لم تكن مما تعرف بالطوفان، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير، وصورته أيضاً كصورة النسر، وأما ود فعلى صورة الرجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، وإنما دعا نوح عليهم بالضلال غضباً عليهم حين عرف بالقرائن المفيدة للجزم أنهم لا يكادون يؤمنون، أو المراد ضلال طريق الجنة، أو ضلال مكرهم المذكور وعدم ترويجه، أو المراد العذاب كقوله ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر ﴾ وقالت المعتزلة: أراد الخذلان ومنع الألطاف وخص هذا بالضلال دون التبار لموافقة قوله ﴿ وقد أضلوا ﴾ قوله ﴿ مما خطيئاتهم ﴾ " من " للتعليل كقولك " جئتك لأجل كذا " و" ما " صلة للتوكيد.
وسبب تقديم الجار بيان أنه لم يكن إغراقهم بالطوفان فإدخالهم النار إلا من أجل خطاياهم وهي كفرهم المضموم إلى أنواع إيذاء رسول الله في مدة ألف سنة إلا خمسين عاماً.
وقد يستدل بفاء التعقيب لا سيما وقد دخل على ماضٍ معطوف على مثله على إثبات عذاب القبر.
عن الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب هكذا حال من مات من المجرمين في ماء أو ي نار أو في جوف سبع أصابه ما يصيب المقبور من العذاب العقلي وهو ظاهر، والعذاب الجسمي وهو غير بعيد في قدرة الله .
وتنكير النار للتعظيم أو لأنها نوع نم النار مختص بهم.
وفي قوله ﴿ فلم يجدوا ﴾ تهكم بهم وبآلهتهم قوله ﴿ وقال ﴾ معطوف على مثله ولهذا دخل العاطف كأنه جمع نوح بين ذلك القول وبين هذا.
وإنما وقع مما خطيئاتهم إلى الآية اعتراضاً في البين تنبيهاً على أن خطيئاتهم هي المذكورات في الآية المتقدمة من عصيان رول الله واتباع غيره.
والمكر الكبار والحث على التقليد والإشراك بالله خصوصاً الأصنام الخمسة ﴿ دياراً ﴾ من الأسماء المستعملة في النفي العام.
يقال: ما بالدار ديار وهو " فيعال " من الدور أو من الدار أي نازل دار قاله ابن قتيبة.
فعل به ما فعل بنحو أيام لو كان فعالاً لقيل دواراً، قوله ﴿ إنك إن تذرهم ﴾ إلى آخره.
قال العلماء: عرف ذلك بالوحي كما قال ﴿ إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ﴾ وبالتجربة في المدة إليه حالهم واتفق الجمهور على أن صبيانهم لم يغرقوا على وجه العذاب.
قال الحسن: علم الله براءتهم فأهلكهم بغير عذاب ولكن كما يموت أكثر الناس بآجال إختراعية، ومنه الحديث " يهلكون مهلكاً واحداً يصدرون مصادر شتى" " ومن روى أن الله أعقم أرحام نسائهم أربعين أو سبعين سنة فلا إشكال.
ثم إن نوحاً كأنه تنبه أن دعاءه عليهم كان بسبب الانتقام وبعض حظ النفس فاستغفر الله من ترك الأولى، ثم عقبه بذكر والديه.
وكان إسم أبيه لمك بن متوشلخ.
وإسم أمه شمخا بنت أنوش.
قال عطاء: لم يكن بين نوح وآدم من آبائه كافر وكان بينه وبين أدم عشرة آباء.
وقيل: أراد بالوالدين آدم وحواء ﴿ ولمن دخل بيتي ﴾ أي منزلي.
وقيل: مسجدي.
وقيل: سفينتي.
وقيل: ديني.
على هذا يكون قوله ﴿ مؤمناً ﴾ احترازاً من المنافق أي دخولاً مع تصديق القلب، ثم عمم دعاء الخير للمؤمنين والمؤمنات ودعاء الشر لأهل الظلم والشرك إلى يوم القيامة.
والتبار الهلاك ويجوز أن يريد بالظالمين قومه فقط والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا من نوح - - بعد أن أخبر ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ ، فيكون القول منه قول معتذر: أنه لم يقصر في دعوة قومه إلى الإسلام، وأنه قد دعاهم إلى الإسلام في كل وقت وحال، وأنه قد أبلى عذره في ذلك، وإنما جاء التفريط والتعدي من جهة قومه.
ويحتمل أن يكون هذا منه على الإشفاق والرحمة والتعرض؛ لاستنزال اللين والرحمة، لعل الله بلطفه يلين قلوبهم فينقادوا للحق، ويرغبوا في الإجابة؛ ليتخلصوا من العذاب ويستوجبوا المغفرة من ربهم، فهو يخرج على أحد هذين الوجهين: إن كان قبل الإخبار، فهو على التعرض منه؛ لاستنزال اللين والرحمة، وإن كان بعده فهو على إبلاء العذر، لا على الدعاء والرجاء بأن يلين قلوبهم بلطفه فينقادوا للحق؛ إذ لا يجوز أن يخبر الله أنهم لا يؤمنون، وهو يطمع منهم أن يؤمنوا.
ثم قوله: ﴿ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً ﴾ ، أي: دعوت في كل وقت وكل ساعة من الليل والنهار أمكنني فيه الدعاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً ﴾ .
وأصل هذا أن عداوتهم كانت قد اشتدت لنوح ، وكانوا قد استثقلوه وأبغضوا كلامه، فحدث لهم ببغضهم كلامه واستثقالهم إياه معنى حملهم على الفرار؛ فنسب ذلك إلى الدعاء؛ لأن حدوث ذلك المعنى كان عند وجود الدعاء؛ فنسب إلى الدعاء على معنى المجاورة والقرب، لا أن يكون الدعاء في الحقيقة سببا لزيادة الفرار؛ وهو كقوله : ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ ، والقرآن لم يجعل سببا لزيادة الرجس، ولكنهم لما أحدثوا بغضا عندما تلى عليهم القرآن، فحدث لهم بذلك معنى حملهم على ذلك الوجه، فأضيفت تلك الزيادة إلى القرآن؛ إذ عند ذلك حدث ذلك السبب الزائد في الرجس، فنسب إليه على معنى المجاورة، وقال الله : ﴿ فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي ﴾ \[المؤمنون: 110\] وهم لم يكونوا مسنيين، بل كانوا مذكرين يذكرونهم مرة بعد مرة، لكن بغضهم إياهم واتخاذهم سخريا أوقع لهم النسيان، فنسب إليهم الإنساء، فعلى ذلك لما أبغضوه واستثقلوا كلامه ودعاءه، أحدث لهم ذلك البغض زيادة نفار وجحود، ثم نسب النفار إلى الدعاء [على] الوجه الذي ذكرنا لا أن يكون الدعاء في الحقيقة منفر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ ﴾ ، فيجوز أن تكون هذه الآية فيما يدعون رؤساءهم وأشرافهم والأجلة منهم، فإذا دعاهم ردوا أيديهم في [أفواه الأنبياء] عليهم السلام، وضربوهم على ما ذكر في الأخبار، وأما الأتباع منهم، والمقلدون لهم، كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم ويغطون وجوههم ورءوسهم؛ كي لا يسمعوا كلامه فيقع شيء منه في قلوبهم؛ لما حذرهم رؤساؤهم عن ذلك.
أو يكون هذا في طائفة منهم، وهذا في طائفة إذا كان أيس من قوم، وأقبل على آخرين، فاختلفت معاملتهم معه على ما كان من أمر نبينا [محمد ].
ثم هذا يحتمل وجهين: أحدهما: على التحقيق على ما ذكرنا؛ ليؤيسه من الإجابة.
والثاني: جائز أن يكون على التمثيل، فضرب مثلهم في تركهم الإجابة مثل من جعل أصبعه في أذنه واستغشى ثيابه؛ لئلا يسمع ولا يجيب؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ ، ولم يوجد منهم نبذ، ولكنهم أعرضوا عنه إعراض من ينبذه وراء ظهره، وكذلك في قوله - عز وجل -: ﴿ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ ﴾ على التمثيل، وهو أنهم تركوا الإجابة إلى ما دعوا إليه كترك الإجابة من الذي يرد يده في فيه؛ لئلا يتكلم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ ، أي: داموا على ما هم عليه وثبتوا على كفرهم.
وقال قتادة: ﴿ وَأَصَرُّواْ ﴾ ، أي: صاحوا في وجوه الأنبياء - - ردا عليهم، أو مغالبة في الدعاء؛ كقوله: ﴿ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً ﴾ ، أي: استكبروا عن طاعة الله ، وامتنعوا عن الإجابة لرسوله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً ﴾ ، ففي هذا إخبار أنه دعاهم إلى عبادة الله في كل وقت تهيأ له من ليل أو نهار، ولم يقصر فيها، ودعاهم في كل وقت؛ رجاء الإجابة منهم.
ويحتمل ﴿ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ﴾ ، أي: إذا بعدوا مني، وازدحموا وكثروا؛ فدعاهم جهارا؛ لتعمهم الدعوة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً ﴾ إذا قربوا منه وقلوا، فلما أدخلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم أعلن في الدعاء.
ثم جائز أن يكون الجهر والإسرار منصرفا إلى الدعوة، ويكون الإعلان إعلانا بالحجج وإظهارا للبينات، وإلى هذا يذهب أبو بكر الأصم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾ ، فالاستغفار طلب المغفرة بما ذكر من قوله عز وجل: ﴿ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ﴾ ؛ فيكون هذا منه أمرا لهم بإتيان الإيمان الذي هو سبب المغفرة، لا أمراً بسؤال المغفرة نفسه من الله ؛ إذ استغفار كل قوم يرجع إلى أحوالهم، فإذا كانوا كفرة، فهو إيمان بالله ، وإن كانوا [أصحاب ذنوب]، فالتوبة إلى الله ، وإن كانوا مخلصين فما سلف من ذنوبهم مما يعلمونها، ونحو ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً ﴾ ، فيحتمل أنما قال هذا لهم؛ لأنهم كانوا في شدة عيش وضيق حال فوعد أنهم إن انتهوا عن الكفر، وأجابوا إلى ما يدعوهم إليه، غفر [الله لهم] ذنوبهم، وأرسل السماء عليهم مدرارا؛ فيتوسعوا به، على ما قال [به] بعض أهل التأويل: إن الله [قد] حبس عنهم المطر، وعقمت أرحام نسائهم، وهلكت مواشيهم وجناتهم لتمام أربعين سنة، ثم أهلكوا بعد ذلك، وكانوا كلهم كفارا، ليس فيهم صغير؛ فلذلك كان نوح - - يعدهم بما ذكرنا، والله أعلم.
ويحتمل أن يكونوا خافوا انقطاع النعمة عنهم بالإجابة وزوال السعة عنهم [بالإسلام] ومن الناس من يترك الإيمان خشية هذا، فأخبر - عز وجل - أن الذي هم فيه من رغد العيش لا ينقطع عنهم بالإسلام، بل يرسل [عليهم المطر] من السماء مدرارا متتابعا، ويمددهم بأموال وبنين مع ما يجعل لهم من الجنان والأنهار، لكنْ ذوو الألباب والعقلاء ينظرون إلى حسن العاقبة وما إليه مآل الأمر دون الحال، فذلك الذي يرغب فيه؛ ولذلك اختلفت دعوة النبي لأمته: فمنهم من بشره بكثرة أمواله وبنيه، ومنهم من رغبه في آخرته، ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 15].
ونظير الأول كقوله عز وجل: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
والأصل أن الرسل - عليهم السلام - بعثوا مبشرين ومنذرين، داعين، زاجرين، محتجين، مدحضين، فما تلوا عليهم من أنباء الأولين دخل فيهم جميع الأوجه الثلاثة؛ إذ النذارة والبشارة مرة تقع بالابتلاء، ومرة بذكر ما ينزل بالمتقدمين المصدقين منهم والمكذبين؛ أن كيف كان عاقبة هؤلاء وهؤلاء.
وكذلك [دعاء الرحمة] يكون مرة بابتداء الدعاء، والزجر، وبذكر الأمم السالفة، وأن الرسل كيف [كانوا يدعونهم] ثانيا للحق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: تأويله [كيف] لا ترجون لله ثوابا فتعبدوه فيثيبكم بها، وقد علمتم أن الخير كله في يده، وأن الذي تعبدون من دون الله لا يملكون لكم نفعا ولا يدفعون عنكم ضرّاً؛ فجعل قوله: ﴿ وَقَاراً ﴾ مكان "عبادة"، والله أعلم.
وقال غيره: [ ﴿ مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾ ، أي:] ما لكم لا ترجون لأنفسكم عند الله منزلة وشرفا وقدرا.
وقال بعضهم: [أي:] ما لكم لا تخافون عظمة الله وقدرته عليكم؛ فتنتهوا عما نهاكم وتأتوا ما أمركم به، وحمل الرجاء على الخوف؛ لما قد ذكرنا أن الرجاء المطلق يقتضي الخوف والرجاء جميعا، وكذلك الخوف المطلق يقتضي رجاء، والله أعلم.
والأشبه بالتأويل عندنا: أن الرجاء لله على مثال الغضب لله، والحب لله، والبغض لله، أي: ما لكم لا تسعون سعي من يرجو ما عند الله على الوقار والهيبة، بعد أن شاهدتم من نعم الله وإحسانه إليكم من خلق السماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر، وما ذكر من منته في الآيات التي يتلوها؛ وذلك أن المرء إذا سعى لآخر على غير رجاء أو لم يرج أحدا، استحقر به، فألزمهم نحو - - سعي من يرجوه على التوقير والهيبة على ما عليه العادة في الشاهد أن الساعي للملوك والكبراء على الرجاء كيف يكون منهم توقيرهم إياهم وهيبتهم منهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾ .
فمن حمل قوله: ﴿ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾ على حقيقة الرجاء، فتأويله: كيف لا ترجون أن يعظم قدركم عند الله - عز وجل -: إذا أجبتم إلى ما دعاكم إليه، وفيما ذكر من خلقه إياهم أطوارا تذكير لهم حسن صنيعه بهم فيما قلبهم من حال إلى حال من أول ما أنشأهم إلى حالهم التي هم فيها، فكيف لا يرجون إحسانه في حادث الأوقات إذا أقبلوا على طاعته واشتغلوا بعبادته؟!
وإن كان قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾ على الخوف، ففيما ذكر من قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾ تذكير العظمة والسلطان والقدرة، وهو أنه دبركم في تلك الظلمات الثلاث، ولم يخفَ عليه أحوالكم فيها، بل قلبكم من حال إلى حال كيف شاء، فكيف يخفى عليه أفعالكم في حال بروزكم وظهوركم؛ فيكون في [ذكر] هذا تنبيه أن الله لا يخفى عليه شيء من أعمال الخلق فيدعو ذلك إلى المراقبة، ويلزم التيقظ والتبصر في كل حال؛ لئلا يتعدى حدود الله، ولا يضيع حقوقه، فيحل به البوار والهلاك.
فإذا حملت التأويل على الرجاء، فهو يخرج على غير التأويل الذي حملته على الخوف؛ لأنك إذا حملته على الرجاء كان فيه تذكير عظيم مننه، ونعمه عليهم من أول ما أنشأهم إلى الوقت الذي انتهوا إليه؛ فيحملهم ذلك على طلب ما يشرف قدرهم عند الله ، ويحمد عاقبتهم.
وإن حملته على الخوف، كان فيه تذكير القدرة والسلطان؛ فيحملهم على المراقبة والاتقاء في حادث الأوقات.
ومن حمل قوله: ﴿ وَقَاراً ﴾ على العبادة، فهو يخرج على غير الوجهين الذين ذكرناهما في الخوف والرجاء إذا صرف إليهما التأويل، كأنه يقول: إن الذي خلقكم أطوارا قد تعلمون أنه حكيم [ومن هو حكيم] لا يسفه، وتَرْكُكُم سدى لا يأمركم ولا ينهاكم، ولا يستأدي منكم شكر النعم - سفه؛ فيكون في ذكر هذا ترغيب في العبادة وإخلاص الطاعة.
ويكون في ذكر هذا أيضا إثبات الربوبية وإلزام القول بالوحدانية؛ لأنه أنشأهم من أول ما أنشأهم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى أن خلقهم بشرا سويّاً، فلو لم يكن المدبر والمنشئ واحدا، لكان يعجز عن تقليبه من حال إلى حال؛ لأنه إذا أراد أن ينشئ من النطفِ علقة، ومن العلقة مضغة، كان للآخر أن يمنعه عن تدبيره؛ فلا يتهيأ له إنشاء علقة ولا مضغة، فارتفاع المانع دليل على أن لا مدبر سواه، ولا خالق غيره.
وإذا ثبت انفراده بما ذكرنا ثبت أنه هو المستحق للعبادة من الخلائق.
وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾ ، أي: مختلف الأخلاق والصور والألوان والألفاظ والأصوات والنغم؛ حتى لا يرى أحد يشبه آخر بجميع خلقته، وهذا من عظيم ما يستدل به على قدرته وحكمته، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً ﴾ .
قد ذكرنا أن قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ ﴾ يقتضي تذكير أمر عرفوه، فأغفلوا عنه، فقد يقتضي تذكير أعجوبة لم يسبق من الخلائق العلم بها، يقول: قد رأوا أنه خلق سبع سماوات طباقا بغير علائق فوقها ولا أعمدة تحتها، ومن قدر على خلق مثله لقادر على خلق كل ما يريد؛ فيكون في إيجاب القول بالبعث؛ إذ إعادتهم ليست بأعسر من خلق السماوات في تقدير عقولكم، فمن قدر على خلقهن، لقادر على البعث، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ﴾ : منهم من يذكر أنه جعله نورا في السماء الدنيا، وأضافه إلى جملة السماوات.
وقد يجوز - أيضا - أن يضاف الشيء إلى العدد وإن لم [يكن] يوجد ذلك إلا في البعض، يقال: في سبع قبائل مسجد واحد، والمسجد إذا كان واحدا [فهو] لا يكون في سبع قبائل، وإنما يكون في قبيلة واحدة، ويقال: فلان توارى في دور قوم، وهو لا يكون متواريا في دور جملتهم، وإنما يكون متواريا في واحدة منهن، ثم أضيف التواري إلى الجملة فكذلك أضاف نور القمر إلى السماوات السبع وإن كان القمر في سماء واحدة.
ومنهم من ذكر أن نور القمر قد أحاط بجميع السماوات، وزعم أن وجهه إلى السماوات، وظهره إلى أهل الأرض، ولهذا ما يعمل عليه السواتر من السحاب وغيره، فأما نور وجهه فإنه لا يستره شيء من السواتر.
لكن هذا إنما يعرف بالخبر، فإن صح عن رسول الله خبر، فذلك هو، وإلا فالإمساك عن مثله أحق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً ﴾ فذكر السراج هاهنا مكان الضوء في موضع آخر، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً ﴾ ، فذكر في القمر النور وفي الشمس الضياء؛ لأن القمر يكون في وقت الحاجة إلى النور، وذلك في ظلمة الليل، ثم الله أنشأ الليل لنسكن فيه، لكن قد يبدو للخلائق بالليل حوائج يحتاجون إلى قضائها؛ فمن الله عليهم بنور القمر؛ ليتوصلوا [بنوره إلى قضاء حوائجهم]، وجعل الشمس ضياء؛ ليختطف ضوءها نور الليل، ويغلب عليه، ولا يختطف نور النهار نور الشمس، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً ﴾ : جائز أن يكون [أضاف الإنبات] إلى الأرض، ويرد ذلك إلى الأصل الذي خلق من التراب، وهو آدم - - فنسب الفرع إلى الذي منه خلق الأصل؛ لحدوثه منه، لا أن يكون خلق الجملة من التراب، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ ، والذي لنا في السماء هو المطر لا الذي يرزق [به]، ولكن الذي يرزق به أصله المطر، فنسب إلى المطر؛ لأنه هو الأصل الذي يتوصل به إلى الأرزاق؛ فكذلك الخلائق لما كانوا من نسل آدم - - وكان هو أصلا لهم، أضيف النسل إلى الأصل؛ الذي حدث منه الأصل.
ويحتمل أن يكون يرجع هذا إلى كل في نفسه؛ وذلك لأن حياة الأبدان وقوامها بالذي يخرج من الأرض، وينبت منها من أنواع الأغذية، فإذا كان قوامها بما ينبت منها، فكأنما أنبتنا منها؛ فاستقام أن يضاف الإنبات إليها، كما يستقيم أن يضاف خروج الثمار إلى الأرض وإن كان حدوثها من الأشجار؛ إذ قوام الأشجار وبقاؤها بها؛ فنسب ما يخرج منها إلى الأرض على التقدير الذي ذكرنا.
ففي قوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً ﴾ على التأويل [الأول] إثبات القدرة على البعث وإلزام الحجة على من يجحد كونه؛ لأنه يذكرهم قدرته أنه أنشأهم من الأرض، ولم يكونوا شيئا، فمن قدر على إنشائهم من الأرض بعد أن كانوا ترابا، لقادر على أن يعيدهم إلى الحالة التي كانوا عليها من كونهم بشرا سويا، وإن صاروا عظاما ورفاتا؛ لأنهم كانوا يزعمون أن كيف يعادوا خلقا جديدا بعد أن صاروا ترابا، فاحتج عليهم بأمر الابتداء من الوجه الذي ذكرنا.
وإن كان على التأويل الثاني، ففيه تذكير نعمه: أن قد أخرج لهم من الأرض ما يتعيشون به، ويقيمون به أودهم، أو يستأدي منهم الشكر، وفيه تذكير قوته وسلطانه؛ ليخوفهم عقابه فيتعظوا ويتقوا سخطه، ويطلبوا مرضاته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً ﴾ ، فجمع بين الإعادة والإخراج بحرف الجمع، وجعل [قوله عز وجل] ﴿ وَيُخْرِجُكُمْ ﴾ في موضع "ثم"؛ لأن هذا الإخراج يكون بعد الإعادة إلى الأرض، فيكون في هذا دليل أن أحد الحرفين وهو "الواو" قد يستعمل مكان "ثم".
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً ﴾ .
أي: جعلها كالشيء المبسوط الذي ينتفع ببسطه، ولو لم يجعلها كذلك، لم يتوصلوا إلى حوائجهم، ولا الانتفاع بها، ففي ذكر هذا تذكير بما لله عليهم من عظيم المنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً ﴾ : قيل: الفجاج: هي الطرق الواسعة.
وقيل: السبل في السهل، والفجاج: الطرق في الجبال، وهذا - أيضا - من عظيم نعم الله على عباده؛ لأن الله قدر أرزاق الخلق في البلاد، فلو لم يجعل لهم في الأرض سبلا، لم يجدوا طريقا يسلكونه، فيتوصلون به إلى ما به قوم أبدانهم؛ فصارت الطرق المتخذة لما نسلك فيها، فنصل إلى حوائجنا وإلى معايشنا: كالدواب التي سخرت لنا؛ فنتوصل بها إلى حوائجنا، وهذا يبين لك أن ملك أقطار الأرض وتدبيرها يرجع إلى الواحد القهار؛ لأنه أحوج الخلق إلى الانتشار في البلاد؛ لإقامة أودهم، وجعل لهم سببا يتوصلون به إلى ذلك؛ فثبت أن مالك الأقطار واحد.
<div class="verse-tafsir"
قال نوح: يا رب، إني دعوت قومي إلى عبادتك وتوحيدك، ليلًا ونهارًا باستمرار.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZQaMY"