الإسلام > القرآن > سور > سورة 71 نوح > الآية ٤ من سورة نوح
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 77 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤ من سورة نوح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
( يغفر لكم من ذنوبكم ) أي : إذا فعلتم ما أمرتكم به وصدقتم ما أرسلت به إليكم ، غفر الله لكم ذنوبكم .
و " من " هاهنا قيل : إنها زائدة .
ولكن القول بزيادتها في الإثبات قليل .
ومنه قول بعض العرب : " قد كان من مطر " .
وقيل : إنها بمعنى " عن " ، تقديره : يصفح لكم عن ذنوبكم .
واختاره ابن جرير ، وقيل : إنها للتبعيض ، أي يغفر لكم الذنوب العظام التي وعدكم على ارتكابكم إياها الانتقام .
( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) أي : يمد في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تنزجروا عما نهاكم عنه ، أوقعه بكم .
وقد يستدل بهذه الآية من يقول : إن الطاعة والبر وصلة الرحم ، يزاد بها في العمر حقيقة ; كما ورد به الحديث : " صلة الرحم تزيد في العمر " .
وقوله : ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ) أي : بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة ، فإنه إذا أمر [ الله ] تعالى بكون ذلك لا يرد ولا يمانع ، فإنه العظيم الذي قهر كل شيء ، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات .
وقوله: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) يقول: يغفر لكم ذنوبكم.
فإن قال قائل: أو ليست " من " دالة على البعض ؟
قيل: إن لها معنيين وموضعين، فأما أحد الموضعين فهو الموضع الذي لا يصح فيه غيرها.
وإذا كان ذلك كذلك لم تدلّ إلا على البعض، وذلك كقولك: اشتريت من مماليكك، فلا يصح في هذا الموضع غيرها، ومعناها: البعض، اشتريت بعض مماليكك، ومن مماليكك مملوكا.
والموضع الآخر: هو الذي يصلح فيه مكانها عن فإذا صلحت مكانها " عن " دلت على الجميع، وذلك كقولك: وجع بطني من طعام طعمته، فإن معنى ذلك: أوجع بطني طعام طعمته، وتصلح مكان " من " عن، وذلك أنك تضع موضعها " عن "، فيصلح الكلام فتقول: وجع بطني عن طعام طعمته، ومن طعام طعمته، فكذلك قوله: (يَغْفِرْ لَكُمْ من ذُنُوبِكُمْ ) إنما هو: ويصفح لكم، ويعفو لكم عنها؛ وقد يحتمل أن يكون معناها يغفر لكم من ذنوبكم ما قد وعدكم العقوبة عليه.
فأما ما لم يعدكم العقوبة عليه فقد تقدّم عفوه لكم عنها.
وقوله: (وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) يقول: ويؤخِّر في آجالكم فلا يهلككم بالعذاب، لا بغَرَق ولا غيره (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) يقول: إلى حين كتب أنه يبقيكم إليه، إن أنتم أطعتموه وعبدتموه، في أمّ الكتاب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) قال: ما قد خطّ من الأجل، فإذا جاء أجل الله لا يؤخَّر.
وقوله: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) يقول تعالى ذكره: &; 23-631 &; إن أجل الله الذي قد كتبه على خلقه في أمّ الكتاب إذا جاء عنده لا يؤخر عن ميقاته، فينظر بعده (لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) يقول: لو علمتم أن ذلك كذلك، لأنبتم إلى طاعة ربكم.
يغفر لكم من ذنوبكم جزم يغفر بجواب الأمر .
و " من " صلة زائدة .
ومعنى الكلام يغفر لكم ذنوبكم ، قاله السدي .
وقيل : لا يصح كونها زائدة ; لأن " من " لا تزاد في الواجب ، وإنما هي هنا للتبعيض ، وهو بعض الذنوب ، وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين .
وقيل : هي لبيان الجنس .
وفيه بعد ، إذ لم يتقدم جنس يليق به .
وقال زيد بن أسلم : المعنى يخرجكم من ذنوبكم .
ابن شجرة : المعنى يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منهاويؤخركم إلى أجل مسمى قال ابن عباس : أي ينسئ في أعماركم .
ومعناه أن الله تعالى كان قضى قبل خلقهم أنهم إن آمنوا بارك في أعمارهم ، وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب .
وقال مقاتل : يؤخركم إلى منتهى آجالكم في عافية ; فلا يعاقبكم بالقحط وغيره .
فالمعنى على هذا يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم .
وقال الزجاج أي يؤخركم عن العذاب فتموتوا غير موتة المستأصلين بالعذاب .
وعلى هذا قيل : أجل مسمى عندكم تعرفونه ، لا يميتكم غرقا ولا حرقا ولا قتلا ; ذكره الفراء .
وعلى القول الأول أجل مسمى عند الله .إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر أي إذا جاء الموت لا يؤخر بعذاب كان أو بغير عذاب .
وأضاف الأجل إليه سبحانه لأنه الذي أثبته .
وقد يضاف إلى القوم ، كقوله تعالى : فإذا جاء أجلهم [ ص: 275 ] لأنه مضروب لهم ." لو " بمعنى إن .
أي إن كنتم تعلمون .
وقال الحسن : معناه لو كنتم تعلمون لعلمتم أن أجل الله إذا جاءكم لم يؤخر .
فإنهم إذا اتقوا الله غفر ذنوبهم، وإذا غفر ذنوبهم حصل لهم النجاة من العذاب، والفوز بالثواب، { وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } أي: يمتعكم في هذه الدار، ويدفع عنكم الهلاك إلى أجل مسمى أي: مقدر [البقاء في الدنيا] بقضاء الله وقدره [إلى وقت محدود]، وليس المتاع أبدا، فإن الموت لا بد منه، ولهذا قال: { إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } لما كفرتم بالله، وعاندتم الحق، فلم يجيبوا لدعوته، ولا انقادوا لأمره.
( يغفر لكم من ذنوبكم ) " من " صلة ، أي : يغفر لكم ذنوبكم .
وقيل : يعني ما سلف من ذنوبكم إلى وقت الإيمان ، وذلك بعض ذنوبهم ( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) أي : يعافيكم إلى منتهى آجالكم فلا يعاقبكم ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ) يقول : آمنوا قبل الموت تسلموا [ من العذاب ] فإن أجل الموت إذا جاء لا يؤخر ولا يمكنكم الإيمان .
«يغفر لكم من ذنوبكم» من زائدة فإن الإسلام يغفر به ما قبله، أو تبعيضية لإخراج حقوق العباد «ويؤخركم» بلا عذاب «إلى أجل مسمى» أجل الموت «إن أجل الله» بعذابكم إن لم تؤمنوا «إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون» ذلك لآمنتم.
إنا بعثنا نوحا إلى قومه، وقلنا له: حذِّر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب موجع.
قال نوح: يا قومي إني نذير لكم بيِّن الإنذار من عذاب الله إن عصيتموه، وإني رسول الله إليكم فاعبدوه وحده، وخافوا عقابه، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه، فإن أطعتموني واستجبتم لي يصفح الله عن ذنوبكم ويغفر لكم، ويُمدد في أعماركم إلى وقت مقدر في علم الله تعالى، إن الموت إذا جاء لا يؤخر أبدًا، لو كنتم تعلمون ذلك لسارعتم إلى الإيمان والطاعة.
ثم بين لهم ما يترتب على إخلاص عبادتهم لله ، وخشيتهم منه - سبحانه - وطاعتهم لنبيهم فقال : ( يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) .وقوله : ( يَغْفِرْ ) مجزوم فى جواب الأوامر الثلاثة ، و ( من ) للتبعيض أى : يغفر لكم بعض ذنوبكم ، وهى تلك التى اقترفوها قبل إيمانهم وطاعتهم لنبيهم ، أو الذنوب التى تتعلق بحقوق الله - تعالى - دون حقوق العباد .ويرى بعضهم أن " من " هنا زائدة لتوكيد هذه المغفرة .
أى : يغفر لكم جميع ذنوبكم التى فرطت منكم ، متى آمنتم واتقيتم ربكم ، وأطعتم نبيكم .( وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) أى : ويؤخر آجالكم إلى وقت معين عنده - سبحانه - ويبارك لكم فيها ، بأن يجعلها عامرة بالعمل الصالح ، وبالحياة الآمنة الطيبة .فأنت ترى أن نوحا - عليه السلام - قد وعدهم بالخير الأخروى وهو مغفرة الذنوب يوم القيامة ، وبالخير الدنيوى وهو البركة فى أعمارهم ، وطول البقاء فى هناء وسلام .قال ابن كثير : ( وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) أى : ويمد فى أعماركم ، ويدرأ عنكم العذاب ، الذى إذا لم تنزجروا عما أنهاكم عنه : أوقعه - سبحانه - بكم .وقد يستدل بهذه الآية من يقول : إن الطاعة والبر وصلة الرحم .
يزاد بها فى العمر حقيقة ، كما ورد به الحديث : " صلة الرحم تزيد فى العمر " .وقوله : ( إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) بمنزلة التعليل لما قبله .
أى : يغفر لكم - سبحانه - من ذنوبكم ، ويؤخركم إلى أجل معين عنده - تعالى - إن الوقت الذى حدده الله - عز وجل - لانتهاء أعماركم ، متى حضر ، لا يؤخر عن موعده ، ( لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) .
أى : لو كنتم من أهل العلم لسارعتم لما آمركم به .
لكنكم لستم من أهله فى شئ ، لذا لم تسارعوا ، فجواب لو مما يتعلق بأول الكلام .ويجوز أن يكون مما يتعلق بآخره .
أى : لو كنتم من أهل العلم لعلمتم ذلك ، أى : عدم تأخير الأجل إذا جاء وقته المقدر له .
والفعل فى الوجهين منزل منزلة اللازم .
﴿ أَنِ اعبدوا ﴾ هو نظير ﴿ أَنْ أَنذِرِ ﴾ في الوجهين، ثم إنه أمر القوم بثلاثة أشياء بعبادة الله وتقواه وطاعة نفسه، فالأمر بالعبادة يتناول جميع الواجبات والمندوبات من أفعال القلوب وأفعال الجوارح، والأمر بتقواه يتناول الزجر عن جميع المحظورات والمكروهات، وقوله: ﴿ وَأَطِيعُونِ ﴾ يتناول أمرهم بطاعته وجميع المأمورات والمنهيات، وهذا وإن كان داخلاً في الأمر بعبادة الله وتقواه، إلا أنه خصه بالذكر تأكيداً في ذلك التكليف ومبالغة في تقريره، ثم إنه تعالى لما كلفهم بهذه الأشياء الثلاثة وعدهم عليها بشيئين أحدهما: أن يزيل مضار الآخرة عنهم، وهو قوله: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ .
الثاني: يزيل عنهم مضار الدنيا بقدر الإمكان، وذلك بأن يؤخر أجلهم إلى أقصى الإمكان.
وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما فائدة ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ ؟
والجواب من وجوه: أحدها: أنها صلة زائدة والتقدير يغفر لكم ذنوبكم والثاني: أن غفران الذنب هو أن لا يؤاخذ به، فلو قال: يغفر لكم ذنوبكم، لكان معناه أن لا يؤاخذكم بمجموع ذنوبكم، وعدم المؤاخذة بالمجموع لا يوجب عدم المؤاخذة بكل واحد من آحاد المجموع، فله أن يقول: لا أطالبك بمجموع ذنوبك، ولكني أطالبك بهذا الذنب الواحد فقط، أما لما قال: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ كان تقديره يغفر كل ما كان من ذنوبكم، وهذا يقتضي عدم المؤاخذة على مجموع الذنوب وعدم المؤاخذة أيضاً على كل فرد من أفراد المجموع الثالث: أن قوله: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ هب أنه يقتضي التبعيض لكنه حتى لأن من آمن فإنه يصير ما تقدم من ذنوبه على إيمانه مغفوراً، أما ما تأخر عنه فإنه لا يصير بذلك السبب مغفوراً، فثبت أنه لابد هاهنا من حرف التبعيض.
السؤال الثاني: كيف قال: ﴿ وَيُؤَخّرْكُمْ ﴾ مع إخباره بامتناع تأخير الأجل، وهل هذا إلا تناقض؟
الجواب: قضى الله مثلاً أن قوم نوح إن آمنوا عمرهم الله ألف سنة، وإن بقوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة سنة، فقيل لهم: آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى أي إلى وقت سماه الله وجعله غاية الطول في العمر، وهو تمام الألف، ثم أخبر أنه إذا انقضى ذلك الأجل الأطول، لابد من الموت.
السؤال الثالث: ما الفائدة في قوله: ﴿ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الجواب: الغرض الزجر عن حب الدنيا، وعن التهالك عليها والإعراض عن الدين بسبب حبها، يعني أن غلوهم في حب الدنيا وطلب لذاتها بلغ إلى حيث يدل على أنهم شاكون في الموت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَنْ أَنذِرْ ﴾ أصله: بأن أنذر، فخذف الجار وأوصل الفعل: وهي أن الناصبة للفعل، والمعنى: أرسلناه بأن قلنا له أنذر، أي: أرسلناه بالأمر بالإنظار.
ويجوز أن تكون مفسرة؛ لأنّ الإرسال فيه معنى القول.
وقرأ ابن مسعود ﴿ أنذر ﴾ بغير (إن) على إرادة القول.
و ﴿ أَنِ اعبدوا ﴾ نحو ﴿ أَنْ أَنذِرْ ﴾ في الوجهين.
فإن قلت: كيف قال ﴿ وَيُؤَخِّرْكُمْ ﴾ مع إخباره بامتناع تأخير الأجل، وهل هذا إلا تناقض؟
قلت: قضى الله مثلاً أنّ قوم نوح إن آمنوا عمرهم ألف سنة، وإن بقوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة.
فقيل لهم: آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى، أي: إلى وقت سماه الله وضربه أمداً تنتهون إليه لا تتجاوزونه، وهو الوقت الأطول تمام الألف ثم أخبر أنه إذا جاء ذلك الأجل الأمد لا يؤخر كما يؤخر هذا الوقت، ولم تكن لكم حيلة، فبادروا في أوقات الإمهال والتأخير.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ نُوحٍ مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعٌ أوْ ثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ ﴾ أيْ بِأنْ أيْ بِالإنْذارِ، أوْ بِأنْ قُلْنا لَهُ أنْذِرْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ مَعْنى القَوْلِ، وقُرِئَ بِغَيْرِ أنْ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.
﴿ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ عَذابُ الآخِرَةِ أوِ الطُّوفانُ.
﴿ قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ ﴾ مَرَّ في «الشُّعَراءِ» نَظِيرُهُ وفي أنِ يَحْتَمِلَ الوَجْهانِ.
﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ يَغْفِرْ لَكم بَعْضَ ذُنُوبِكم وهو ما سَبَقَ فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّهُ فَلا يُؤاخِذْكم بِهِ في الآخِرَةِ ﴿ وَيُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هو أقْصى ما قُدِّرَ لَكم بِشَرْطِ الإيمانِ والطّاعَةِ.
﴿ إنَّ أجَلَ اللَّهِ ﴾ إنَّ الأجَلَ الَّذِي قَدَّرَهُ.
﴿ إذا جاءَ ﴾ عَلى الوَجْهِ المُقَدَّرِ بِهِ آجِلًا وقِيلَ إذا جاءَ الأجَلُ الأطْوَلُ.
﴿ لا يُؤَخَّرُ ﴾ فَبادِرُوا في أوْقاتِ الإمْهالِ والتَّأْخِيرِ.
﴿ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ لَعَلِمْتُمْ ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّهم لِانْهِماكِهِمْ في حُبِّ الحَياةِ كَأنَّهم شاكُّونَ في المَوْتِ.
<div class="verse-tafsir"
{يَغْفِرْ لَكُمْ} جواب الأمر {مّن ذُنُوبِكُمْ} للبيان كقوله فاجتنبوا الرجس من الاوثان أو للتبعيض لأن ما يكون بينه وبين الخلق يؤاخذ به بعد الإسلام كالقصاص وغيره كذا في شرح التأويلات {وَيُؤَخّرْكُمْ إلى أَجَلٍ
مسمى} وهو وقت وتكم {إِنَّ أَجَلَ الله} أي الموت {إِذَا جَاء لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي لو كنتم تعلمون ما يحل بكم من الندامة عند انقضاء أجلكم لآمنتم قيل إن الله تعالى قضى مثلاً أن قوم نوح إن آمنوا عمرهم ألف سنة وإن لم يؤمنوا أهلكهم على رأس تسعمائة فقيل لهم آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى أي تبلغوا ألف سنة ثم أخبر أن الألف اذا جاء لا يؤخركما يؤخر هذا الوقت وقيل إنهم كانوا يخافون على أنفسهم الا هلاك من قومهم بإيمانهم وإجابتهم لنوح عليه السلام فكأنه عليه السلام أمّنهم من ذلك ووعدهم أنهم بإيمانهم يبقون إلى الأجل الذي ضرب لهم لو لم يؤمنوا أي أنكم إن أسلمتم إلى أجل مسمى آمنين من عدوكم
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ واخْتُلِفَ في ( مِن ) فَقِيلَ ابْتِدائِيَّةٌ وإنْ لَمْ تَصْلُحْ هُنا لِمُقارَنَةِ إلى وابْتِداءُ الفِعْلِ مِن جانِبِهِ تَعالى عَلى مَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْتَدِئُهم بَعْدَ إيمانِهِمْ بِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ إحْسانًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ وتَفَضُّلًا، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِن جانِبِهِمْ عَلى مَعْنى أوَّلُ ما يَحْصُلُ لَهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ مَغْفِرَةُ ذُنُوبِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ وقِيلَ بَيانِيَّةٌ ورُجُوعُها إلى مَعْنى الِابْتِدائِيَّةِ اسْتَبْعَدَهُ الرَّضِيُّ ويُقَدَّرُ قَبْلَها مُبْهَمٌ يُفَسَّرُ بِمَدْخُولِها أيْ يَغْفِرْ لَكم أفْعالَكم الَّتِي هي الذُّنُوبُ، وقِيلَ: زائِدَةٌ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ المُجَوِّزِ لِزِيادَتِها مُطْلَقًا وجَزَمَ بِذَلِكَ هُنا وقِيلَ تَبْعِيضِيَّةٌ أيْ يَغْفِرْ لَكم بَعْضَ ذُنُوبِكم واخْتارَهُ بَعْضٌ.
واخْتُلِفَ في البَعْضِ المَغْفُورِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى فَقَطِ السّابِقَةُ عَلى الإيمانِ وآخَرُونَ إلى أنَّهُ ما اقْتَرَفُوهُ قَبْلَ الإيمانِ مُطْلَقًا الظّاهِرُ ما ورَدَ مِن أنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في الفَوائِدِ المُنْتَشِرَةِ وأجابَ عَنْهُ فَقالَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ الَّذِي لا يَرى كالأخْفَشِ زِيادَتَها في المُوجَبِ بَلْ يَقُولُ إنَّها لِلتَّبْعِيضِ مَعَ أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ شَيْءٌ والجَوابُ أنَّ إضافَةَ الذُّنُوبِ إلَيْهِمْ إنَّما تُصَدَّقُ حَقِيقَةً فِيما وقَعَ إذْ ما لَمْ يَقَعْ لا يَكُونُ ذَنْبًا لَهم وإضافَةُ ما لَمْ يَقَعْ عَلى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ كَما في ﴿ واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ ﴾ إذا المُرادُ بِها الأيْمانُ المُسْتَقْبِلَةُ وإذا كانَتِ الإضافَةُ تارَةً تَكُونُ حَقِيقَةً وتارَةً تَكُونُ مَجازًا، فَسِيبَوَيْهِ يَجْمَعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ فِيها وهو جائِزٌ.
يَعْنِي عِنْدَ أصْحابِهِ الشّافِعِيَّةِ، ويَكُونُ المُرادُ مِن بَعْضِ ذُنُوبِكم البَعْضَ الَّذِي وقَعَ انْتَهى ولا يَحْتاجُ إلى حَدِيثِ الجَمْعِ مِن خَصِّ الذُّنُوبِ المَغْفُورَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهاهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ الحَمْلَ عَلى التَّبْعِيضِ يَأْباهُ ﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ و ﴿ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ ) [الزُّمَرِ: 53] وقَدْ نَصَّ البَعْلِيُّ في شَرْحِ الجُمَلِ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي دَعا الأخْفَشَ لِلْجَزْمِ بِالزِّيادَةِ هُنا وجَعَلَهُ ابْنُ الحاجِبِ حُجَّةً لَهُ ورَدَّهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِأنَّ المُوجِبَةَ الجُزْئِيَّةَ مِن لَوازِمِ المُوجِبَةِ الكُلِّيَّةِ ولا تَناقُضَ بَيْنَ اللّازِمِ والمَلْزُومِ ومَبْناهُ الغَفْلَةُ عَنْ كَوْنِ مَدْلُولٍ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ هي البَعْضِيَّةُ المُجَرَّدَةُ عَنِ الكُلِّيَّةِ المُنافِيَةِ لَها لا الشّامِلَةِ لِما في ضِمْنِها المُجْتَمِعَةِ مَعَها وإلّا لَما تَحَقَّقَ الفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ مِنِ البَيانِيَّةِ مِن جِهَةِ الحُكْمِ ولَما تَيَسَّرَ تَمْشِيَةُ الخِلافِ بَيْنَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ وصاحِبَيْهِ فِيما إذا قالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ مِن ثَلاثٍ ما شِئْتِ بِناءً عَلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ عِنْدَهُ ولِلْبَيانِ عِنْدَهُما قالَ في الهِدايَةِ وإنْ قالَ لَها طَلِّقِي نَفْسَكِ مِن ثَلاثٍ ما شِئْتِ فَلَها أنْ تُطَلِّقَ نَفْسَها واحِدَةً وثِنْتَيْنِ ولا تُطَلِّقُ ثَلاثًا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وقالا تُطَلِّقُ ثَلاثًا إنْ شاءَتْ لِأنَّ كَلِمَةَ ما مُحْكَمَةٌ في التَّعْمِيمِ وكَلِمَةُ مِن قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّمْيِيزِ فَتَحْمِلُ عَلى تَمْيِيزِ الجِنْسِ ولِأبِي حَنِيفَةَ أنَّ كَلِمَةَ مِن حَقِيقَةٌ في التَّبْعِيضِ وما لِلتَّعْمِيمِ فَيُعْمَلُ بِهِما انْتَهى.
ولا خَفاءَ في أنَّ بِناءَ الجَوابِ المَذْكُورِ عَلى كَوْنِ مِن لِلتَّبْعِيضِ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ مَدْلُولُها حِينَئِذٍ البَعْضِيَّةَ المُجَرَّدَةَ المُنافِيَةَ لِلْكُلِّيَّةِ ومِن هُنا تُعْجِبُ مِن صاحِبِ التَّوْضِيحِ في تَقْرِيرِ الخِلافِ المَذْكُورِ حَيْثُ اسْتَدَلَّ عَلى أوْلَوِيَّةِ التَّبْعِيضِ بِتَيَقُّنِهِ ولَمْ يَدْرِ أنَّ البَعْضَ المُرادَ قَطْعًا عَلى تَقْدِيرِ البَيانِ البَعْضُ العامُّ الشّامِلُ لِما في ضِمْنِ الكُلِّ لا البَعْضُ المُجَرَّدُ المُرادُ هاهُنا.
فَبِالتَّعْلِيلِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ لا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ بَلْ لا انْطِباقَ بَيْنَ التَّعْلِيلِ والمُعَلِّلِ عَلى ما قِيلَ.
وصَوَّبَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ حَيْثُ قالَ: عَلَّقَهُ عَلى التَّلْوِيحِ مُسْتَدِلًّا عَلى أنَّ البَعْضِيَّةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْها مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ هي البَعْضِيَّةُ المُجَرَّدَةُ المُنافِيَةُ لِلْكُلِّيَّةِ لا البَعْضِيَّةُ الَّتِي هي أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ في ضِمْنِ الكُلِّ أوْ بِدُونِهِ لِاتِّفاقِ النُّحاةِ عَلى ذَلِكَ حَيْثُ احْتاجُوا إلى التَّوْفِيقِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ فَقالُوا لا يَبْعُدُ أنْ يَغْفِرَ سُبْحانَهُ الذُّنُوبَ لِقَوْمٍ وبَعْضَها لِآخَرِينَ أوْ خِطابُ البَعْضِ لِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وخِطابُ الكُلِّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّ التَّبْعِيضَ لا يُنافِي الكُلِّيَّةَ ولَمْ يُصَوِّبِ الشَّرِيفُ في رَدِّهِ عَلَيْهِ قائِلًا وفِيهِ بَحْثٌ إذِ الرَّضِيُّ صَرَّحَ بِعَدَمِ المُنافاةِ بَيْنَهُما حَيْثُ قالَ: ولَوْ كانَ أيْضًا خِطابًا لِأُمَّةٍ واحِدَةٍ فَغُفْرانُ بَعْضِ الذُّنُوبِ لا يُناقِضُ غُفْرانَ كُلِّها بَلْ عَدَمُ غُفْرانِ بَعْضِها يُناقِضُ غُفْرانَ كُلِّها لِأنَّ قَوْلَ الرَّضِيِّ غَيْرُ مُرْتَضًى لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ مَدْلُولَ التَّبْعِيضِيَّةِ البَعْضِيَّةُ المُجَرَّدَةُ.
.
واعْتَرَضَ قَوْلَ النُّحاةِ أوْ خِطابَ البَعْضِ لِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وخِطابَ الكُلِّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِأنَّ الإخْبارَ عَنْ مَغْفِرَةِ البَعْضِ ورَدَ في مَواضِعَ مِنها قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ [إبْراهِيمَ: 10] ﴿ يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ ومِنها في سُورَةِ [الأحْقافِ: 31] يا ﴿ قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ ومِنها ما هُنا وهو الَّذِي ورَدَ في قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا ما ذَكَرَ في الأحْقافِ فَقَدْ ورَدَ في الجِنِّ، وما ورَدَ في إبْراهِيمَ فَقَدْ ورَدَ في قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ عَلى ما أفْصَحَ بِهِ السِّياقُ فَكَيْفَ يَصِحُّ ما ذَكَرُوهُ.
وقِيلَ جِيءَ بِمَن في خِطابِ الكَفَرَةِ دُونَ المُؤْمِنِينَ في جَمِيعِ القُرْآنِ تَفْرِقَةً بَيْنَ الخِطابَيْنِ.
وُوجِهَ بِأنَّ المَغْفِرَةَ حَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ الكُفّارِ مُرَتَبَةٌ عَلى الإيمانِ وحَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ المُؤْمِنِينَ مَشْفُوعَةٌ بِالطّاعَةِ والتَّجَنُّبِ عَنِ المَعاصِي ونَحْوُ ذَلِكَ، فَيَتَناوَلُ الخُرُوجَ عَنِ المَظالِمِ واعْتَرَضَ بِأنَّ التَّفْرِقَةَ المَذْكُورَةَ إنَّما تَتِمُّ لَوْ لَمْ يَجِئِ الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ عَلى العُمُومِ وقَدْ جاءَ كَذَلِكَ كَما في سُورَةِ [الأنْفالِ: 38] ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴾ وقَدْ أسْلَفْنا ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ أيْضًا فَتَذْكَّرْ وتَأمَّلْ ﴿ ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هو الأمَدُ الأقْصى الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بِشَرْطِ الإيمانِ والطّاعَةِ وراءَ ما قَدَّرَهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم عَلى تَقْدِيرِ بَقائِهِمْ عَلى الكُفْرِ والعِصْيانِ فَإنَّ وصْفَ الأجَلِ بِالمُسَمّى وتَعْلِيقَ تَأْخِيرِهِمْ إلَيْهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ صَرِيحٌ في أنَّ لَهم أجَلًا آخَرَ لا يُجاوِزُونَهُ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنَّ أجَلَ اللَّهِ ﴾ أيْ ما قَدَّرَهُ عَزَّ وجَلَّ لَكم عَلى تَقْدِيرِ بَقائِكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴿ إذا جاءَ ﴾ وأنْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ ﴿ لا يُؤَخَّرُ ﴾ فَبادَرُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ قَبْلَ مَجِيئِهِ حَتّى لا يَتَحَقَّقَ شَرْطُهُ الَّذِي هو بَقاؤُكم عَلى الكُفْرِ والعِصْيانِ فَلا يَجِيءُ ويَتَحَقَّقُ شَرْطُ التَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُسَمّى فَتُؤَخَّرُوا إلَيْهِ.
وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِ وقْتُ إتْيانِ العَذابِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ فَإنَّهُ أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لَهُ حَتْمًا وأيًّا ما كانَ لا تَناقُضَ بَيْنَ يُؤَخِّرْكم وإنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ كَما يُتَوَهَّمُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ذَلِكَ ما حاصِلُهُ أنَّ الأجَلَ أجَلانِ وأجَلُ اللَّهِ حُكْمُهُ حُكْمُ المَعْهُودِ والمُرادُ مِنهُ الأجَلُ المُسَمّى الَّذِي هو آخِرُ الآجالِ، والجُمْلَةُ عِنْدَهُ تَعْلِيلٌ لِما فُهِمَ مِن تَعْلِيقِهِ سُبْحانَهُ التَّأْخِيرَ بِالأجَلِ المُسَمّى وهو عَدَمُ تَجاوُزِ التَّأْخِيرِ عَنْهُ، والأوَّلُ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلْمَغْفِرَةِ والتَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُسَمّى فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ عِنْدَ مَجِيءِ الأجَلِ هو التَّأْخِيرَ المَوْعُودَ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ ما فُرِضَ مَجِيئُهُ هو الأجَلَ المُسَمّى الَّذِي هو آخِرُ الآجالِ ﴿ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ لَسارَعْتُمْ لِما آمُرُكم بِهِ لَكِنَّكم لَسْتُمْ مِن أهْلِهِ في شَيْءٍ فَلِذا لَمْ تُسارِعُوا.
فَجَوابُ ( لَوْ ) مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأوَّلِ الكَلامِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِآخِرِهِ أيْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ لَعَلِمْتُمْ ذَلِكَ أيْ عَدَمَ تَأْخِيرِ الأجَلِ إذا جاءَ وقْتُهُ المُقَدَّرُ لَهُ، والفِعْلُ في الوَجْهَيْنِ مُنَزَلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ أيْ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا ورَجَّحَ الأوَّلَ بِعَدَمِ احْتِياجِهِ لِلتَّقْدِيرِ والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ المَفْهُومِ مِن ( لَوْ ) وجَعْلُ العِلْمِ المَنفِيِّ هو العِلْمَ النَّظَرِيَّ لا الضَّرُورِيَّ ولا ما يَعُمُّهُ فَإنَّهُ مِمّا لا يَنْفِي اللَّهُمَّ إلّا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ.
<div class="verse-tafsir"
وهي ثمان وعشرون آية مكية قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ يعني: جعله الله رسولاً إلى قومه.
أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ يعني: أن خوف قومك بالنار لكي يؤمنوا بالله.
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: الطوفان والغرق.
قالَ لهم نوح- -: يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ يعني: قال نوح لقومه أنبئكم بلغة تعرفونها؟
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني: أنذركم وأقول لكم اعبدوا الله، يعني: وحدوا الله.
وَاتَّقُوهُ يعني: واخشوه واجتنبوا معاصيه.
وَأَطِيعُونِ فيما آمركم، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ يعني: ذنوبكم.
و «من» صلة.
وَيُؤَخِّرْكُمْ يعني: يؤجلكم إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني: إلى منتهى آجالكم.
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ يعني: إن عذاب الله، إِذا جاءَ لاَ يُؤَخَّرُ يعني: لا يستطيع أن يؤخره أحد.
لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني: لو كان لكم علم تنتفعون به.
قوله تعالى: قالَ رَبِّ يعني: دعا نوح بعد ما كذبوه في طول المدة، قال: رب يعني: يا رب، إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي إلى التوحيد لَيْلًا وَنَهاراً يعني: في كل وقت سراً وعلانية.
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً يعني: إلى التوحيد تباعداً من الإيمان.
قال عز وجل: وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ إلى التوحيد، لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ يعني: لا يسمعون دعائي، وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ يعني: غطوا رؤوسهم بثيابهم لكي لا يسمعوا كلامي.
وَأَصَرُّوا يعني: أقاموا على الكفر والشرك، وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً يعني: تكبَّروا عن الإيمان تكبراً.
قوله تعالى: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً يعني: دعوتهم إلى الإيمان علانية من غير خفية، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ يعني: صحت لهم، وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً يعني: خلطت دعاءهم بالعلانية بدعائهم في السر.
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ يعني: توبوا وارجعوا من ذنوبكم، يعني: الشرك والفواحش.
إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يعني: غفاراً لمن تاب من الشرك.
يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً يعني: المطر دائماً كلما احتاجوا إليه.
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ يعني: يعطيكم أموالاً وأولاداً، وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ يعني: البساتين، وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً يعني: في الجنات.
قوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً؟
ما لكم لا تخافون لله عظمة في التوحيد؟
وهو قول الكلبي ومقاتل وقال قتادة: ما لكم لا ترجون لله عاقبة؟
ويقال: ما لكم لا ترجون عاقبة الإيمان؟
يعني: في الجنة.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما لكم لا تعلمون حق عظمته؟
وقال مجاهد: ما لكم لا ترجون لله عظمة؟
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً يعني: خلقاً بعد خلق وحالاً بعد حال، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة.
فمعناه: ما لكم لا توحدون، وقد خلقكم ضروباً؟
ويقال: أراد به اختلاف الأخلاق والمنطق، ويقال أراد به المناظرة.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً الآية، هذه المقالةُ قَالَها نوحٌ ع بَعْدَ طولِ عُمْرِهِ ويأسِه من قومه.
وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ: معناه: جعلوها أغشية على رؤوسهم.
وقوله: يُرْسِلِ السَّماءَ الآية، رُوِيَ أن قومَ نوحٍ كانوا قَدْ أصَابَتْهُمْ قُحُوطٌ وأزْمَةٌ فلذلك بدأهم في وعده بأمر المطر، ومِدْراراً من الدَّرِّ، ورَوَى ابنُ عباسٍ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرجاً، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، ورَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» «١» رواه أبو داود واللفظ له، والنسائيُّ وابن ماجه، ولفظ النسائيِّ «٢» : «من أكْثَرَ من الاستغفار» ، انتهى من «السلاح» .
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥)
وقوله: مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً قال أبو عبيدةَ وغيره: تَرْجُونَ معناه تَخَافُونَ «٣» ، قالُوا: والوَقَارُ بمعنى العَظَمَةِ، فكأَنَّ الكلامَ عَلى هذا التأويلِ وَعِيدٌ وتخويفٌ، وقال بعض العلماء: تَرْجُونَ على بَابِها، وكأنه قال: مَا لَكُمْ لا تجعلون رجاءكم لله، ووَقاراً يكونُ على هذا التأويل منهم كأنه يقولُ: تَؤُدَةً مِنْكُمْ وتَمَكُّناً في النظر.
وقوله: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً قال ابن عباس وغيره: هي إشارة إلى التدريجِ الذي للإنْسَانِ في بطنِ أمه «٤» ، وقال جماعة: هي إشارة إلى العِبْرَةِ في اختلاف خلق ألوان الناس
سُورَةُ نُوحٍ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ ﴾ أيْ: بِأنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ.
و"العَذابُ الألِيمُ" الغَرَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو "أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ" بِضَمِّ النُّونِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو "أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ" بِكَسْرِ النُّونِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن ضَمَّ كَرِهَ الكَسْرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأطِيعُونِ ﴾ أثْبَتَ الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ "مِن" ها هُنا صِلَةٌ.
والمَعْنى: يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما دَخَلَتْ "مِن" ها هُنا لِتَخْتَصَّ الذُّنُوبَ مِن سائِرِ الأشْياءِ.
ولَمْ تَدْخُلْ لِتَبْعِيضِ الذُّنُوبِ، ومِثْلُهُ ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ ﴾ وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي إلى أنَّها لِلتَّبْعِيضِ.
والمَعْنى: يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم إلى وقْتِ الإيمانِ "وَيُؤَخِّرْكُمْ" أيْ: عَنِ العَذابِ "إلى أجَلٍ مُسَمًّى" وهو مُنْتَهى آجالِهِمْ.
والمَعْنى: فَتَمُوتُوا عِنْدَ مُنْتَهى آجالِكم غَيْرَ مِيتَةِ المُعَذَّبِينَ "إنَّ أجَلَ اللَّهِ" فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أجَلُ المَوْتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ أجَلَ اللَّهِ الَّذِي أجَّلَكم إلَيْهِ لا يُؤَخَّرُ إذا جاءَ، فَلا يُمْكِنُكم حِينَئِذٍ الإيمانُ.
والثّانِي: أنَّهُ أجَلُ البَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أجَلُ العَذابِ، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ نُوحٍ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: قالَ رَسُولُ اللهِ : « "مَن قَرَأ سُورَةَ نُوحٍ كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تُدْرِكُهم دَعْوَةُ نُوحٍ".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أنِ اعْبُدُوا اللهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ أجَلٍ اللهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ هو نُوحُ بْنُ لامَكَ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ وذِكْرُ عُمْرِهِ ، وصُرِفَ "نُوحٌ" مَعَ عُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ لِخِفَّتِهِ وسُكُونِ الوَسَطِ مِن حُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ ﴾ ، يُحْتَمَلُ بِأنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: بِأنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ، وهي -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ، وفي مَوْضِعِ خَفْضٍ عِنْدَ آخَرِينَ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إلى قَوْمِهِ أنْذِرْ قَوْمَكَ" دُونَ "أنْ"، و"العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الدُنْيا، وهو الأظْهَرُ والألْيَقُ بِما يَأْتِي بَعْدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "أنِ اعْبُدُوا"، بِضَمِّ النُونِ مِن "أنْ" اتِّباعًا لِضَمَّةِ الباءِ وتَرْكًا لِمُراعاةِ الحائِلِ لِخِفَّةِ السُكُونِ، فَهو كَأنْ لَيْسَ ثَمَّ حائِلٌ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةِ عَبْدِ الوارِثِ، "أنِ اعْبُدُوا" بِكَسْرِ النُونِ، وهَذا هو الأصْلُ في التِقاءِ الساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، ويَغْفِرْ جَوابُ الأمْرِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "مِن ذُنُوبِكُمْ" قالَ قَوْمٌ "مِن" زائِدَةٌ، وهَذا نَحْوٌ كُوفِيٌّ، وأمّا الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما زِيادَتُها في الواجِبِ، وقالَ قَوْمٌ: هي لِبَيانِ الجِنْسِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَيْسَ هُنا جِنْسٌ يُبَيِّنُ، وقالَ آخَرُونَ: هي بِمَعْنى "عن"، وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ في أحْكامِ "مِن"، وقالَ آخَرُونَ: هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهَذا قَوْلٌ يَتَّجِهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: يَبْتَدِئُ الغُفْرانَ مِن هَذِهِ الذُنُوبِ العِظامِ الَّتِي لَهُمْ، وقالَ آخَرُونَ: هي لِلتَّبْعِيضِ، وهَذا عِنْدِي أبْيَنُ الأقْوالِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قالَ: "يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكُمْ" لَعَمَّ هَذا اللَفْظُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الذُنُوبِ وما تَأخَّرَ عن إيمانِهِمْ، والإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلُهُ، فَهي بَعْضٌ مِن ذُنُوبِهِمْ، فالمَعْنى: يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكُمْ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أرادَ: يَغْفِرُ لَكم مِن ذُنُوبِكُمُ المُهِمِّ المَوْبِقِ الكَبِيرِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ عَلَيْهِمْ، وبِهِ رُبَّما كانَ اليَأْسُ عَنِ اللهِ قَدْ وقَعَ لَهُمْ، وهَذا قَوْلٌ مُضَمِّنُهُ أنْ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، والله تَعالى المُوَفِّقُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَغْفِرْ لَكُمْ" بِالإدْغامِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الراءَ حَرْفٌ مُكَرَّرٌ فَإذا أُدْغِمَ في اللامِ ذَهَبَ التَكْرِيرُ واخْتَلَّ المَسْمُوعُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ مِمّا تَعَلَّلَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ في قَوْلِهِمْ: "إنَّ لِلْإنْسانِ أجَلَيْنِ"، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: لَوْ كانَ واحِدًا مُحَدَّدًا لَما صَحَّ التَأْخِيرُ إنْ كانَ الحَدُّ قَدْ بَلَغَ، ولا المُعاجَلَةُ إنْ كانَ الحَدُّ لَمْ يَبْلُغْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ لَهم في الآيَةِ تَعَلُّقٌ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ، لَمْ يَعْلَمْ هَلْ هم مِمَّنْ يُؤَخِّرُ أو مِمَّنْ يُعاجِلُ، ولا قالَ لَهم إنَّكم تُؤَخِّرُونَ عن أجْلٍ قَدْ حانَ لَكُمْ، لَكِنْ قَدْ سَبَقَ في الأزَلِ أنَّهم إمّا مِمَّنْ قَضى لَهم بِالإيمانِ والتَأْخِيرِ، وإمّا مِمَّنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ والمُعاجَلَةِ، ثُمَّ تَشَدَّدَ هَذا المَعْنى ولاحَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ أجَلَ اللهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ ﴾ .
.
وقَدْ حَكى مَكِّيٌّ القَوْلَ بِالأجَلَيْنِ ولَمْ يُقَدِّرْهُ قَدْرَهُ.
وجَوابُ "لَوْ" مُقَدَّرٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: فَما كانَ أحْزَمَكم وأسْرَعَكم إلى التَوْبَةِ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ ياقوم إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ اعبدوا الله واتقوه وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ .
لم تعطف جملة ﴿ قال يا قوم ﴾ بالفاء التفريعية على جملة ﴿ أرسلنا نوحاً إلى قومه ﴾ [نوح: 1] لأنها في معنى البيان لجملة ﴿ أنذر قومك ﴾ [نوح: 1] لدلالتها على أنه أنذر قومه بما أمره الله أن يقوله لهم، وإنما أُدمج فيه فعل قول نوح للدلالة على أنه أُمر أن يقول فقال، تنبيهاً على مبادرة نوح لإِنذار قومه في حين يلوغ الوحي إليه من الله بأن ينذر قومه.
ولك أن تجعلها استئنافاً بيانياً لجواب سؤال السامع أن يسأل ماذا فعل نوح حين أرسل الله إليه {أن أنذر قومك، وهما متقاربان.
وافتتاح دعوته قومَه بالنداء لطلب إقبال أذهانهم ونداؤهم بعنوان: أنهم قومه، تمهيد لقبول نصحه إذ لا يريد الرجل لقومه إلاّ ما يريد لنفسه.
وتصدير دعوته بحرف التوكيد لأن المخاطبين يترددون في الخبر.
والنذير: المنذر غير جار على القياس، وهو مثل بشير، ومثل حكيم بمعنى محكم، وأليم بمعنى مؤلم، وسميع بمعنى مسمع، في قول عَمرو بن معديكرب: أمِنْ ريْحانةَ الداعي السميع *** وقد تقدم في أول سورة البقرة (10) عند قوله: ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ وحذف متعلق ﴿ نذير ﴾ لدلالة قوله: ﴿ أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ﴾ عليه.
والتقدير: إنّي لكم نذير بعذاب أليم إن لم تعبدوا الله ولم تتقُوه ولم تطيعوني.
والمبين: يجوز أن يكون من أبان المتعدّي الذي مجرده بَانَ، أي مُوَضِّح أو مِن أبان القاصر، الذي هو مرادف بَان المجردِ، أي نذير وَاضح لكم أني نذير، لأني لا أجتني من دعوتكم فائدة من متاع الدنيا وإنما فائدة ذلك لكم، وهذا مثل قوله في سورة الشعراء (109، 110) ﴿ وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاّ على ربّ العالمين فاتقوا الله وأطيعون.
﴾ وتقديم ﴿ لكم ﴾ على عامله وهو ﴿ نذير ﴾ للاهتمام بتقديم ما دلت عليه اللام من كون النذارة لفائدتهم لا لفائدته.
فجمع في صدر دعوته خمسة مؤكدات، وهي: النداءُ وجعلُ المنادَى لفظ ﴿ يا قوم ﴾ المضاف إلى ضميره، وافتتاحُ كلامه بحرف التأكيد، واجتلابُ لام التعليل، وتقديمُ مجرورها.
و ﴿ أن ﴾ في ﴿ أن اعبدوا ﴾ تفسيرية لأن وصف ﴿ نذير ﴾ فيه معنى القول دون حروفه، وأمرهم بعبادة الله لأنهم أعرضوا عنها ونسوها بالتمحض لأصنامهم، وكان قوم نوح مشركين كما دل عليه قوله تعالى في سورة يونس (71) ﴿ فأجمِعوا أمركم وشرُكاءكم ﴾ وبذلك كان تمثيل حال المشركين من العرب بحال قوم نوح تمثيلاً تاماً.
واتقاء الله اتقاء غضبه، فهذا من تعليق الحكم باسم الذات.
والمراد: حال من أحوال الذات من باب ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3] أي أكلها، أي بأن يعلموا أنه لا يرضى لعباده الكفر به.
وطاعتهم لنوح هي امتثالهم لما دعاهم إليه من التوحيد وقد قال المفسرون: لم يكن في شريعة نوح إلاّ الدعوةُ إلى التوحيد فليس في شريعته أعمال تُطلب الطاعة فيها، لكن لم تخل شريعة إلهية من تحريم الفواحش مثل قتل الأنفس وسلب الأموال، فقوله: ﴿ يغفر لكم من ذنوبكم ﴾ ينصرف بادئ ذي بدء إلى ذنوب الإِشراك اعتقاداً وسجوداً.
وجَزْمُ ﴿ يغفر لكم من ذنوبكم ﴾ في جواب الأوامر الثلاثة ﴿ اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ﴾ ، أي إن تفعلوا ذلك يغفر الله لكم من ذنوبكم.
وهذا وعد بخير الآخرة.
وحرف ﴿ مِن ﴾ زائد للتوكيد، وهذا من زيادة ﴿ مِن ﴾ في الإيجاب على رأي كثير من أيمة النحو مثل الأخفش وأبي علي الفارسي وابن جنيّ من البصريين وهو قول الكسائي وجميععِ نحاة الكوفة.
فيفيد أن الإيمان يَجُبُّ ما قبله في شريعة نوح مثل شريعة الإِسلام.
ويجوز أن تكون ﴿ مِن ﴾ للتبعيض، عند من أثبت ذلك وهو اختيار التفتزاني، أي يغفر لكم بعض ذنوبكم، أي ذنوب الإِشراك وما معه، فيكون الإيمان في شرع نوح لا يقتضي مغفرة جميع الذنوب السابقة، وليس يلزم تماثل الشرائع في جميع الأحكام الفرعية، ومغفرةُ الذنوب من تفاريع الدين وليست من أصوله.
وقال ابن عطية: معنى التبعيض: مغفرة الذنوب السابقة دون ما يذنبون من بعد.
وهذا يتم ويحسن إذا قدرنا أن شريعة نوح تشتمل على أوامر ومنهيات عملية فيكون ذكر ﴿ مِن ﴾ التبعيضية اقتصاداً في الكلام بالقدر المحقق.
وأما قوله: ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى ﴾ فهو وعد بخير دنيوي يستوي الناس في رغبته، وهو طول البقاء فإنه من النعم العظيمة لأن في جبلة الإِنسان حُب البقاء في الحياة على ما في الحياة من عوارضَ ومكدرات.
وهذا ناموس جعله الله تعالى في جبلة الإِنسان لتجري أعمال الناس على ما يعين على حفظ النوع.
قال المعري: وكلّ يريدُ العيشَ والعيشُ حَتفُه ويستعْذِبُ اللذاتتِ وهي سِمَام *** والتأخيرُ: ضد التعجيل، وقد أطلق التأخير على التمديد والتوسيع في أجل الشيء.
وقد أشعر وعدُه إياهم بالتأخير أنه تأخير مجموعهم، أي مجموع قومه لأنه جُعل جزاءً لكل من عَبدَ الله منهم واتقاه وأطاع الرسول، فدل على أنه أنذرهم في خلال ذلك باستئصال القوم كلهم، وأنهم كانوا على علم بذلك كما أشار إليه قوله: ﴿ أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ﴾ [نوح: 1] كما تقدم آنفاً، وكما يفسره قوله تعالى في سورة هود (38) ﴿ ويصنَعُ الفلك وكلَّما مرّ عليه ملأ من قومه سَخِروا منه ﴾ أي سخروا من الأمر الذي يصنع الفلك للوقاية منه وهو أمر الطوفان، فتعين أن التأخير المراد هنا هو عدم استئصالهم.
والمعنى: ويؤخر القوم كلهم إلى أجل مسمى وهو آجال إشخاصهم وهي متفاوتة.
والأجل المسمى: هو الأجل المعين بتقدير الله عند خلقةِ كل أحد منهم، فالتنوين في ﴿ أجل ﴾ للنوعية، أي الجنس، وهو صادق على آجال متعددة بعدد أصحابها كما قال تعالى: ﴿ ومنكم من يتوفى ومنكم من يُرَدّ إلى أرذل العمر ﴾ [الحج: 5].
ومعنى ﴿ مسمى ﴾ أنه محدد معيّن وهو ما في قوله تعالى: ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ في سورة الأنعام (2).
فالأجل المسمى: هو عمر كل واحد، المعيّنُ له في سَاعةِ خلْقه المشار إليه في الحديث أن المَلَك يؤمر بكتب أجل المخلوق عندما يَنفُخ فيه الروحَ، واستعيرت التسمية للتعيين لشَبه عدم الاختلاط بين أصحاب الآجال.
والمعنى: ويؤخركم فلا يعجل بإهلاككم جميعاً فيؤخر كل أحد إلى أجله المعيّن له على تفاوت آجالهم.
فمعنى هذه الآية نظير معنى آية سورة هود (3) ﴿ وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتّعْكم متاعاً حسناً إلى أجللٍ مسمّى ﴾ وهي على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.
﴿ إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ ﴾ .
يحتمل أن تكون هذه الجملة تعليلاً لقوله: ﴿ ويؤخرْكم إلى أجل مسمى، ﴾ أي تعليلاً للربط الذي بين الأمر وجزائه من قوله: ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ إلى قوله: ﴿ ويؤخِّركم ﴾ الخ لأن الربط بين الأمْر وجوابِه يعطي بمفهومه معنى: إِنْ لا تعبدوا الله ولا تتقوه ولا تطيعوني لا يغفر لكم ولا يؤخركم إلى أجل مسمى، فعُلل هذا الربط والتلازم بين هذا الشرط المقدر وبين جزائه بجملة ﴿ إنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخر ﴾ ، أي أن الوقت الذي عيّنه الله لحلول العذاب بكم إن لم تعبدوه ولم تطيعون إذا جاء إِبَّانه باستمراركم على الشرك لا ينفعكم الإِيمان ساعتئذٍ، كما قال تعالى: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلاّ قوم يونس لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ﴾ [يونس: 98]، فيكون هذا حثاً على التعجيل بعبادة الله وتقواه.
فالأجَل الذي في قوله: ﴿ إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ﴾ غير الأجل الذي في قوله: ﴿ ويؤخركم إلى أجللٍ مسمى ﴾ ويُناسِب ذلك قولُه عقبه ﴿ لو كنتم تعلمون ﴾ المقتضي أنهم لا يعلمون هذه الحقيقة المتعلقة بآجال الأمم المعيَّنة لاستئصالهم، وأما عدم تأخير آجال الأعمار عند حلولها فمعلوم للناس مشهور في كلام الأولين.
وفي إضافة ﴿ أجل ﴾ إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ﴾ إيماء إلى أنه ليس الأجل المعتاد بل هو أجل عيّنه الله للقوم إنذاراً لهم ليؤمنوا بالله.
ويحتمل أن تكون الجملة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن تحديد غاية تأخيرهم إلى أجل مسمى، أي دون تأخيرهم تأخيراً مستمراً فيسأل السامع في نفسه عن علة تنهية تأخيرهم بأجل آخر فيكون أجل الله غير الأجل الذي في قوله: ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ .
ويحتمل أن تكون الجملة تعليلاً لكلا الأجلين: الأجل المفاد من قوله: ﴿ من قبل أن يَأتيهُم عذابٌ أليم ﴾ [نوح: 1] فإن لفظ ﴿ قبل ﴾ يؤذن بأن العذاب موقت بوقت غير بعيد فله أجل مُبْهم غير بعيد، والأجَل المذكورِ بقوله: ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى ﴾ فيكون أجل الله صادقاً على الأجل المسمى وهو أجل كل نفس من القوم.
وإضافته إلى الله إضافة كشف، أي الأجل الذي عينه الله وقدره لكل أحد.
وبهذا تعلم أنه لا تعارض بين قوله: ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى ﴾ وبين قوله: ﴿ إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ﴾ إما لاختلاف المراد بلفظيّ (الأجل) في قوله: ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ وقوله: ﴿ إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، ﴾ وإما لاختلاف معنيي المجيء ومعنيي التأخير في قوله: ﴿ إذا جاءَ لا يؤخر ﴾ فانفكت جهة التعارض.
أما مسألة تأخير الآجال والزيادة في الأعمار والنقص منها وتوحيد الأجل عندنا واضطراب أقوال المعتزلة في هل للإِنسان أجل واحد أو أجلان فتلك قضية أخرى ترتبط بأصلين: أصل العلم الإلهي بما سيكون، وأصل تقدير الله للأسباب وترتُّب مسبباتها عليها.
فأما ما في علم الله فلا يتغير قال تعالى: ﴿ وما يعمَّر من معمَّر ولا يُنقص من عمره إلاّ في كتاب ﴾ [فاطر: 11] أي في علم الله، والناس لا يطلعون على ما في علم الله.
وأما وجودُ الأسباب كلها كأسباب الحياة، وترتبُ مسبباتها عليها فيتغير بإيجاد الله مغيِّراتتٍ لم تكن موجودة إكراماً لبعض عباده أو إهانة لبعض آخر.
وفي الحديث صدقة المرء المُسلم تزيد في العُمر.
وهو حديث حسن مقبول.
وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم من سره أن يُمد في عمره فليتق الله وليصِل رحمه.
وسنده جيد.
فآجال الأعمار المحددة بالزمان أو بمقدار قوة الأعضاء وتناسب حركاتها قابلة للزيادة والنقص.
وآجال العقوبات الإلهية المحددة بحصول الأعمال المعاقب عليها بوقت قصير أو فيه مُهلة غير قابلة للتأخير وهي ما صْدَقُ قوله: ﴿ إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ﴾ وقد قال الله تعالى: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ [الرعد: 39] على أظهر التأويلات فيه وما في علم الله من ذلك لا يخالف ما يحصل في الخارج.
فالذي رغَّب نوحٌ قومَه فيه هو سبب تأخير آجالهم عند الله فلو فعلوه تأخرتْ آجالهم وبتأخيرها يتبين أن قد تقرر في علم الله أنهم يعملون ما يدعوهم إليه نوح وأن آجالهم تطول، وإذ لم يفعلوه فقد كُشف للناس أن الله علم إنهم لا يفعلون ما دعاهم إليه نوح وأن الله قاطع آجالهم، وقد أشار إلى هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «اعملُوا فكل مُيسَّر إلى ما خُلق له» وقد استعصى فهم هذا على كثير من الناس فخلطوا بين ما هو مقرر في علم الله وما أظهره قدر الله في الخارج الوجودي.
وفي إقحام فعل ﴿ كنتم ﴾ قبل ﴿ تعلمون ﴾ إيذان بأن علمهم بذلك المنتفيَ لوقوعه شرطاً لحرف ﴿ لو ﴾ محقق انتفاؤه كما بيناه في قوله تعالى: ﴿ أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم ﴾ في سورة يونس (2).
وجواب لو } محذوف دل عليه قوله: ﴿ لا يؤخَّر ﴾ .
والتقدير: لأيقنتم أنه لا يؤخر.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ نُوحٍ مَكِّيَّةٌ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ رَوى قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: « (أوَّلُ نَبِيٍّ أُرْسِلَ نُوحٌ)» قالَ قَتادَةُ: بُعِثَ مِنَ الجَزِيرَةِ.
واخْتُلِفَ في سِنِّهِ حِينَ بُعِثَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بُعِثَ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةٍ.
وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بُعِثَ وهو ابْنُ ثَلاثِمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً.
وَقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زَيْدٍ: إنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِأنَّهُ كانَ يَنُوحُ عَلى نَفْسِهِ في الدُّنْيا.
﴿ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عَذابَ النّارِ في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: عَذابُ الدُّنْيا، وهو ما يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الطُّوفانِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وَكانَ يَدْعُو قَوْمَهُ ويُنْذِرُهم فَلا يَرى مِنهم مُجِيبًا، وكانُوا يَضْرِبُونَهُ حَتّى يُغْشى عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ.
﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ (مِن) صِلَةٌ زائِدَةٌ، ومَعْنى الكَلامِ يَغْفِرُ ذُنُوبَكم، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ صِلَةً، ومَعْناهُ يُخْرِجُكم مِن ذُنُوبِكم، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ يَغْفِرُ لَكم مِن ذُنُوبِكم ما اسْتَغْفَرْتُمُوهُ مِنها، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
﴿ وَيُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ يَعْنِي إلى مَوْتِكم وأجْلِكُمُ الَّذِي خَطَّ لَكم، فَيَكُونُ مَوْتُكم بِغَيْرِ عَذابٍ إنْ آمَنتُمْ.
﴿ إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِأجَلِ اللَّهِ الَّذِي لا يُؤَخَّرُ يَوْمَ القِيامَةِ، جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا لِلْبَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: يَعْنِي أجْلَ المَوْتِ إذا جاءَ لَمْ يُؤَخَّرْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: يَعْنِي أجْلَ العَذابِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَفي قَوْلِهِ: ( ﴿ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ بِمَعْنى إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
الثّانِي: لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَعَلِمْتُمْ أنَّ أجْلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت سورة ﴿ إنا أرسلنا نوحاً ﴾ بمكة.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يدعو نوحاً وقومه يوم القيامة أول الناس، فيقول: ماذا أجبتم نوحاً فيقولون: ما دعانا وما بلغنا وما نصحنا ولا أمرنا ولا نهانا، فيقول نوح: دعوتهم يا رب دعاء فاشياً في الأولين والآخرين، أمة بعد أمة، حتى انتهى إلى خاتم النبيين أحمد فانتسخه وقرأه وآمن به وصدقه، فيقول للملائكة: ادعوا أحمد وأمته، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته يسعى نورهم بين أيديهم، فيقول نوح لمحمد وأمته: هل تعلمون أني بلغت قومي الرسالة، واجتهدت لهم بالنصيحة، وجهدت أن استنقذهم من النار سراً وجهراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته: فإنا نشهد بما نشدتنا أنك في جميع ما قلت من الصادقين، فيقول نوح: وأنى علمت هذا أنت وأمتك ونحن أول الأمم وأنتم آخر الأمم؟
فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه ﴾ حتى ختم السورة، فإذا ختمها قالت أمته: نشهد أن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم، فيقول الله عند ذلك: ﴿ وامتازوا اليوم أيها المجرمون ﴾ [ يس: 59] » .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ﴾ قال: بها أرسل الله المرسلين أن يعبد الله وحده، وأن تتقى محارمه، وأن يطاع أمره.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ يغفر لكم من ذنوبكم ﴾ قال: الشرك ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى ﴾ قال: بغير عقوبة ﴿ إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ﴾ قال: الموت.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ قال: بلغني أنه كان يذهب الرجل بابنه إلى نوح، فيقول لابنه: احذر هذا لا يغرنك فإن أبي قد ذهب بي، وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ جعلوا أصابعهم في آذانهم ﴾ قال: لئلا يسمعوا ما يقول ﴿ واستغشوا ثيابهم ﴾ قال: لأن يتنكروا له فلا يعرفهم ﴿ واستكبروا استكباراً ﴾ قال: تركوا التوبة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ واستغشوا ثيابهم ﴾ قال: غطوا بها وجوههم لكي لا يروا نوحاً ولا يسمعوا كلامه.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ واستغشوا ثيابهم ﴾ قال: تسجوا بها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ثم إني دعوتهم جهاراً ﴾ قال: الكلام المعلن به، وفي قوله: ﴿ ثم إني أعلنت لهم ﴾ قال: صحت ﴿ وأسررت لهم إسراراً ﴾ قال: النجاء نجاء لرجل.
<div class="verse-tafsir"
وقوله (١) ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾ قال أبو إسحاق: دخلت (من) تختص الذنوب من سائر الأشياء لم تدخل (٢) ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ﴾ (٣) وقال غيره (٤) (٥) ويجوز أن يريد: يغفر لكم السالفة من ذنوبكم، وهي بعض الذنوب التي تضاف إليهم، ولما كانت ذنوبهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها على الإطلاق قيدت بهذا التقييد (٦) قال مقاتل: (من) هاهنا صلة، يعني: يغفر لكم ذنوبكم (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ ، قال الفراء: يريد إلى أجل تعرفونه لا يميتكم غرقاً، ولا حرقاً (١٠) وليس في هذا حجة لأهل القدر (١١) (١٢) ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: عندكم في معرفتكم (١٣) قال الزجاج: أي يؤخركم عن العذاب، فتموتوا غير ميتة المُستأصَلين بالعذاب (١٤) (وليس فيه ما يَدفع قول أهل (١٥) ﴿ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أنهم إذا آمنوا (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) هذا معنى قول ابن عباس: (ينسى في أعماركم (٢٠) (٢١) .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وقال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى أجلكم (٢٢) (٢٣) والمعنى على هذا القول: يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم، لا من المهلكات.
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ﴾ يعني أجل الموت، وأجل العذاب، وكل أجل مسمى عند الله لشيء إذا جاء لم يؤخر.
والمعنى: آمنوا قبل الموت تسلموا من العقوبات، فإن أجل الموت إذا حل لم يؤخر، فلا يمكنكم الإيمان إذا جاء الأجل.
(١) في (أ): قوله: من غير واو.
(٢) في (أ): يدخل.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 228 بتصرف، وقد رد ابن عطية هذا المعنى فقال: "وهذا ضعيف؛ لأنه ليس هنا جنس يبين".
"المحرر الوجيز" 5/ 372.
(٤) قاله الفراء في "معاني القرآن" 3/ 187، وقد رد هذا أيضًا ابن عطية فقال: "وهذا غير معروف في أحكام "من".
المرجع السابق.
(٥) غير واضحة لبياض في: (ع).
(٦) وقد اعتبر ابن عطية هذا القول من أبين الأقوال عنده.
مرجع سابق.
(٧) "تفسير مقاتل" 210/ أ، وقد رد السمرقندي قول مقاتل في "بحر العلوم" 30/ 356.
(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٩) ساقطة من: (أ).
(١٠) في (أ): خوفًا.
(١١) أهل القدر: هم المعتزلة، ومن مذهبهم في ذلك أن العباد الخالقون لأفعالهم، والمستقلون في أعمالهم، بدون سبق قدر؛ وقد تقدم الكلام عنهم.
(١٢) حيث تعلق بقوله: ﴿ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ ، المعتزلة في قولهم: إن للإنسان أجلين، وذلك أنهم قالوا: لو كان واحدًا محدودًا لما صح التأخير إن كان الحد قد بلغ، ولا المعاجلة إن كان الحد لم يبلغ.
قاله ابن عطية، انظر: "المحرر الوجيز" 5/ 373.
ولهذا فعندهم أن المقتول مات بالقتل، وليس بأجله، ولو لم يقتل لعاش.
انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 149.
(١٣) "معاني القرآن" 3/ 187 بتصرف يسير.
(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 228 بنصه.
(١٥) في (أ): هذا.
(١٦) غير واضحة لبياض في: (ع).
(١٧) "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 299.
(١٨) بارك الله في أعمارهم: غير واضح في: (ع).
(١٩) بالعذاب المهلك فبأي الأجلين: غير واضح في: (ع).
(٢٠) غير واضح لبياض في: (ع).
(٢١) ما ورد بين القوسين من كلام الواحدي، وهو يدل على أمرين: أحدهما: ترجيح الإمام الواحدي إلى ما ذهبت إليه المعتزلة من إثبات أن للإنسان أجلين، وهذا ما يُفهم من قوله: "وليس فيه ما يدفع قول أهل القدر إلى قوله: وإذا لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب قبل الأجل".
فتضعيفه لقولي الإمامين أراد به تقوية جانب الاستدلال بظاهر الآية إلى ما تزعمه المعتزلة من أن للإنسان أجلين.
هذا وإن كان ما ذهب إليه الإمامان من رد على القدرية، فوجهه ضعيف؛ لأن ما ذكراه من معنى صحيح في == الجملة، لأن الآية دلت على ما ذكراه من أنهم إذا آمنوا فإن الله لا يُعجِّل لهم العذاب بغرق، أو قتل، أو حرق، أو نحو ذلك.
ولكن هذا لا يردُّ مباشرة على دعوى المعتزلة من أن لهؤلاء القوم أجلين: حال الكفر والتكذيب بتعجيل العذاب الذي يستأصلهم، وحال الإيمان بتأخيرهم إلى أجل آخر.
وإنما قلنا إنه ردٌّ ضعيف؛ لأن فيه وجهًا من الرد عليهم، بناء على أن الأجل المسمى منصبٌّ على نوع سبب الوفاة بالعذاب، أو الوفاة في الأحوال العادية، لا على الوفاة نفسها التي حدد أجلها، ولا يتغير.
الثاني: موافقته إلى ما ذهبت إليه المعتزلة، يفهم ذلك من قوله: "والصحيح في هذا ما روى عطاء عن ابن عباس إلى قوله: وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب المهلك، فبأي الأجلين أهلكوا كان ذلك بقضاء من الله وقدر" حيث أقر -بقوله هذا- أن للإنسان أجلين، وهو ما تقول به المعتزلة.
هذا وقد اختار الطحاوي هذا القول في مشكل الآثار: 4/ 170.
وقد اختلفت أقوال العلماء في تفسير الآية، وما شاكلها من أحاديث، كنحو ما جاء عن ابن عباس - -، وحديث أنس بن مالك - -: "من سره أن يبسط عليه رزقه، أو ينسأ في أثره، فليصل رحمه".
صحيح مسلم: 4/ 1982: ح: 2557، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم.
ولتفصيل هذه المسألة انظر: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة: لعبد الرحمن صالح المحمود -رسالة ماجستير-: 327.
والراجح من الأقوال في مسألة الآجال، وهل تتغير أم هي محددة؟
قول من ذهب إلى أن القدر لا يتغير، وأن التغيير والتبديل لا يكون أبدًا؛ لأن الذي سبق في علم الله كائن لا يتغير، وعلم الله كامل، أحاط بكل شيء، ومنه ما هو كائن، وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، أو ما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي، فيقع المحو والإثبات، بمعنى أن ما في اللوح المحفوظ لا يتغير، وما سواه من صحف الملائكة الموكلين بالآدمي قد يدخله التغيير؛ لأن الملائكة لا يعلمون إلا ما علمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونها.
وهذا القول هو الذي عليه المحققون، كابن تيمية في: "مجموع الفتاوى" 4/ 490 - 492، وابن حجر في "فتح الباري" 11/ 448، والشيخ السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" 2/ 476.
وأما قول ابن عباس: "وينسى لكم في أعماركم" إلا يعارض القول الراجح، = (٢٢) غير واضح لبياض في: (ع).
(٢٣) "تفسير مقاتل" 210/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 299، و"فتح القدير" 5/ 297.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَنْ أَنذِرْ ﴾ و ﴿ أَنِ اعبدوا ﴾ يحتمل أن تكون أن مفسرة أو مصدرية على تقدير بأن أنذر وبأن اعبدوا والأول أظهر ﴿ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يحتمل أن يريد عذاب الآخرة أو الغرق الذي أصابهم ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ من هنا للتبعيض أي يغفر لكم ما فعلتم من الذنوب قبل أن تسلموا؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، ولم يضمن أن يغفر لهم ما بعد إسلامهم، لأن ذلك في مشيئة الله تعالى، وقيل: إن من هنا زائدة ذلك وباطل لأن من لا تزاد عنه سيبويه إلا في غير الواجب.
وقيل: هي لبيان الجنس، وقيل: لابتداء الغاية، وهذان قولان ضعيفان في المعنى، والأول هو الصحيح لأن التبعيض فيه متجه ﴿ وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ ظاهر هذا يقتضي أنهم إن فعلوا ما أمروا به أخروا إلى أجل مسمى؛ وإن لم يفعلوا لم يؤخروا، وذلك يقتضي القول بالأجلين.
وهو مذهب المعتزلة، وعلى هذا حملها الزمخشري، وأما على مذهب أهل السنة، فهي من المشكلات، وتأولها ابن عطية فقال: ليس للمعتزلة في الآية مجال لأن المعنى أن نوحاً عليه الصلاة والسلام لم يعلم هل هم ممن يؤخر أو ممن يعاجل؟
ولا قال لهم: إنكم تؤخرون عن أن أجل قد حان.
لكن قد سبق في الأزل إما ممن قضى له بالإيمان والتأخير أو ممن قضى له بالكفر والمعالجة.
وكان نوحاً عليه السلام قال لهم: آمنوا يظهر في الوجود أنكم ممن قضى له بالإيمان والتأخير.
وإن بقيتم على كفركم يظهر في الوجود أنكم ممن قضى عليه بالكفر والمعالجة، فكان الاحتمال الذي يقتضيه ظاهر الآية إنما هو فيما يبرزه الغيب من حالهم؛ إذ يمكن أن يبرز إما الإيمان والتأخير، وإما الكفر والمعالجة، وأما عند الله فالحال الذي يكون منهم معلوم مقدر محتوم، وأجلهم كذلك معلوم قدر محتوم.
﴿ إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ ﴾ هذا يقتضي أن الأجل محتوم كما قال تعالى: ﴿ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [يونس: 49] وفي هذا حجة لأهل السنة وتقوية للتأويل الذي ذكرنا، وفيه أيضاً رد على المعتزلة في قولهم بالأجلين، ولما كان كذلك قال الزمخشري: إن ظاهر مناقض لما قبله من الوعد بالتأخير إن آمنوا، وتأول ذلك على مقتضى مذهبه بأن الأجل الذي لا يؤخر هو الأجل الثاني.
وذلك أن قوم نوح قضى الله أنهم إن آمنوا عمرهم الله مثلاً ألف عام، وإن لم يؤمنوا عمرهم تسعمائة عام فالألف عام هي التي تؤخر إذا جاءت والتسعمائة عام هي التي وعدوا بالتأخير عنها إلى الألف عام إن آمنوا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ دعائي إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ أني أعلنت ﴾ بالفتح.
أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير ﴿ وولده ﴾ بالضم والسكون: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بفتحتين ﴿ ودا ﴾ بالضم: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالفتح ﴿ خطاياهم ﴾ بالتكسير: أبو عمرو ﴿ بيتي ﴾ بالفتح: حفض وهشام.
الوقوف: ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ لا يؤخر ﴾ م ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ ونهاراً ﴾ ه ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ إستكباراً ﴾ ه ج لأن " ثم " لترتيب الأخبار مع اتحاد القائل ﴿ جهاراً ﴾ ه لا ﴿ أسراراً ﴾ ه لا لعطف مقصود الكلام ﴿ غفاراً ﴾ ه لا لجواب الأمر ﴿ مدراراً ﴾ ه ﴿ أنهاراً ﴾ ه ط لابتداء الإستفهام ﴿ وقاراً ﴾ ه ج لأن ما بعده يحتمل الحال والإستئناف ﴿ أطواراً ﴾ ه ﴿ طباقاً ﴾ ه لا ﴿ سراجاً ﴾ ه لا ﴿ نباتاً ﴾ ه ﴿ إخراجاً ﴾ ه ﴿ بساطاً ﴾ ه ﴿ فجاجاً ﴾ ه ﴿ خساراً ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ كباراً ﴾ ه لذلك ﴿ ونسراً ﴾ ه ك لأن ما بعده ليس بمعطوف ولكنه حال من فاعل ﴿ قالوا ﴾ وذكر السجا وندي أنه حال من مفعول ﴿ لا تذرن ﴾ وفيه نظر ﴿ كثيراً ﴾ ه ز لأن قوله ﴿ ولا تزد ﴾ لا يصح عطفه ظاهراً ولكنه متصل بما قبله بطريق الحكاية أي قال نوح رب إنهم عصوني وقال لا تزد ﴿ ضلالاً ﴾ ه ﴿ أنصاراً ﴾ ه ﴿ دياراً ﴾ ه ﴿ كفاراً ﴾ ه ﴿ تباراً ﴾ ه.
التفسير: لما حذر الناس أهوال يوم القيامة ذكرهم قصة نوح وما جرى على قومه من الإغراق قبل الأطراف حين عصوا رسولهم و " أن " في ﴿ أن أنذر ﴾ و ﴿ أن اعبدوا ﴾ مفسرة لما في ألإرسال والإنذار من معنى القول.
أو ناصبة والجار محذوف أي أرسلناه بأن قلنا له أنذر أي أرسلناه بالأمر بالإندار.
ثم حكى أنه امتثل الأمر فأمر قومه بعبادة الله قبل الأطراف ويتناول جميع الواجبات والمندوبات ﴿ واتقواه ﴾ ويشتمل على الزجر عن جميع المحظورات وبطاعة نفسه تنبيهاً على أن طاعة الله هي طاعة نبيه، والإلهيات لا تكمل معرفتها إلا بمعرفة النبوات.
ثم وعدهم على العبادة والتقوى والطاعة شيئين: أحدهما دفع مضار الآخرة وهو غفران الذنوب، والثاني وصول منافع الدنيا وهو بتأخير الأجل إلى أقصى الإمكان.
وقد مر في سورة إبراهيم إستدلال من جوز زيادة " من " في الإثبات بنظير هذه الآية.
وما أجيب عنه.
والذي نزيده ههنا ما قيل: إنه لم لا يجوز أن يراد يغفر لكم كل ما كان من ذنوبكم فتكون فائدته عدم المؤاخذة بمجموع الذنوب لا بكل فرد من أفراده لصدق قول القائل لا أطالبك بمجموع ذنوبك لكني أطالبك بهذا الذنب الواحد.
وفي قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ معنى لا يؤاخذكم قاله الإمام فخر الدين الرازي وهو شبه مغالطة لأنه يوجب استعمال مقتضى النفي مكان مقتصى الإثبات وبالعكس بتأويل تقدير الإثبات وبالعكس مثلاً اتفقوا على وجوب النصب في قولك " جاءني القوم إلا زيداً " وعلى قوله يمكن رفعه على البدل بتأويل يتخلف القوم إلا زيد وهكذا قولك " جاءني رجل " لا يشمل المجيء سواه.
ولو قلت " ما تخلف رجل " عمّ المجيء كل أحد.
ثم قال: هب أنه يقتضي التبعيض لكنه حق لأن من آمن فإنه يغفر ما تقدم من ذنوبه على إيمانه، أما المتأخر عنه فإنه لا يصير بذلك السبب مغفوراً فثبت أنه لا بد ههنا من حرف التبعيض.
قلت: هذا التأويل جائز في حق هذه الأمة أيضاً فوجب أن يذكر من في سورة الصف أيضاً.
قوله ﴿ إن أجل الله ﴾ إشارة إلى الأجل المسمى وفيه تنبيه على أن الأجل الاختراعي قد يؤخر بتقدير الإيمان والعبادة، وفيه أن وقت الفرصة والإمهال يجب أن يغتنم قبل حلول مالا حيلة فيه، وفي قوله ﴿ لو كنتم تعلمون ﴾ توبيخ على أن إمهالهم في أمور الدنيا بلغ إلى حيث صيرهم شاكين في وقوع الموت.
ثم حكى شكوى نوح إلى ربه بعد أن لم ينجع في قومه طول دعوته.
ومعنى ﴿ ليلاً ونهاراً ﴾ دائباً دائماً من غير توان وفتور.
قوله ﴿ فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ كقوله ﴿ ما زادهم إلا نفوراً ﴾ قوله ﴿ لتغفر لهم ﴾ ذكر ما هو المقصود وترك ما هو الوسيلة، وأصل الكلام ليؤمنوا فتغفر لهم ذنوبهم السالفة هذا قول جار الله.
ويمكن أن يقال: إنه وعدهم المغفرة على العبادة والتقوى والطاعة فكأنه قال: دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتي لتغفر لهم، وهذا كلام متسق مبني على الأول كما ترى.
ثم ذكر أنهم عاملوه بأشياء منها: جعل الأصابع في الآذان لئلا يسمعوا قوله.
ومنها تغطيهم بثيابهم تأكيداً لعدم سماع الحجة أو لئلا يبصروا وجهه.
ومنها إصرارهم على مذهبهم واستكبارهم عن قبول الحق إستكباراً بالغاً نهايته.
ثم حكى نوح أنه كان لدعوته ثلاث مراتب بدأ تقريع وتغليظ فلم يؤثر.
وانتصب ﴿ جهاراَ ﴾ على المصدر لأنه نوع من الدعوة أو على أنه صفة دعاء محذوف.
والوصف بالمصدر مبالغة على أنه في موضع الحال.
ثم إنه جمع بين الأمرين كما يفعل المجتهد المتحير في التدبير فلم ينفع.
ثم فسر الدعوة بقوله ﴿ فقلت استغفروا ﴾ إلى آخره وفيه أن الاستغفار يوجب زيادة البركة والنماء.
وله وجه معقول وهو أن الله مفيض الخيرات والبركات بالذات كما قال "سبقت رحمتي غضبي" فكل ما يصل إلى العباد مما يضاد ذلك كالفقر والقحط والآلام والمخاوف فإنها بشؤم معاصيهم، فإذا تابوا واستغفروا زال الشؤم والبلاء وعاد الخير والنماء.
يروى أنهم لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة أو سبعين.
فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا دفع الله عنهم البلاء.
والمدرار الكثير الدريستوي فيه الذكر والمؤنث.
ثم إنه وبخهم بقوله ﴿ مالكم لا ترجون لله وقاراً ﴾ أصل الرجاء الأمل.
والوقار التوقير " فعال " بمعنى " تفعيل " مثل " سراح " بمعنى " تسريح " وقد يستعمل الرجاء بمعنى الخوف فمعناه على هذا مالكم لا تخافون عظمة الله.
وعلى الأول قال جار الله: معناه أي شيء لكم وما بالكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب ﴿ ولله ﴾ بيان أو حال ولو تأخر لكان صلة للوقار أو صفة، ويحتمل أن يكون الوقار فعلاً للقوم وذلك أنهم كانوا يستخفون برسول الله فحثهم على تعظيمه لأجل الله راجين ثوابه.
وعن ابن عباس أن الوقار هو الثواب من وقر إذا ثبت واستقر قال جار الله: في تقريره أي لا تخافون لله عاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب.
وقال غيره: تم الكلام عند قوله ﴿ مالكم ﴾ ثم استفهم منكراً ﴿ لا ترجون ﴾ أي لا تعتقدون لله ثباتاً وبقاء فإنكم لو رجوتم ذلك لما أقدمتم على الإستخفاف برسوله.
قال الليث: الطور التارة أي خلقكم مرة بع مرة نطفة ثم علقة إلى آخرها.
وقال ابن الإنباري: والطور الحال فيجوز أن يراد الأوصاف المختلفة التي لا شبه بعضها بعضاً، وهذا دليل للتوحيد المأخوذ من الأنفس، ثم أشار إلى دليل الآفاق بقوله ﴿ ألم تروا ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ طباقاً ﴾ قد مر في أول " الملك " فلا يلزم منه أن لا يبقى للملائكة مساكن فيها فلعلها متوازية لا متماسة.
وأما على قول من يزعم أن الملائكة روحانية فلا إشكال، قوله ﴿ فيهن ﴾ في حيزه من السموات وشبه الشمس بالسراج لأن نوره ذاتي كهي، أو لأن الليل عبارة عن ظل الأرض والشمس سبب لزواله.
ثم عاد إلى دليل الأنفس بقوله ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ يحتمل أن يكون من باب التفعيل فيكون مصدراً متعدياً قريباً من لفظ الفعل وأن يكون ثلاثياً لازماً فيكون أبعد، ويجوز أن يراد أنبتكم فنبتم نباتاً.
قال جار الله: استعير الإنبات للإنشاء ليكون أدل على الحدوث.
وفي قوله ﴿ إخراجاً ﴾ تأكيداً أي يخرجكم حقاً ولا محالة.
ثم ذكر دليلاً آخراً فاقياً من حال الأرض.
والفج الطريق الواسع.
ثم إن سائلاً كأنه سأل: ماذا قال نوح بعد هذه الشكوى؟
فبين أنه ﴿ قال نوح رب إنهم عصوني ﴾ مكان قوله وأطيعون ﴿ واتبعوا ﴾ رؤساءهم ولم يزدهم ما لهم وولدهم ﴿ إلا خساراً ﴾ في الآخرة كأن التمتع القليل في الدنيا كالعدم.
وولده بالضم لغة في الولد ويجوز أن يكون جمعاً كفلك ﴿ ومكروا ﴾ معطوف على ﴿ لم يزده ﴾ لأن المتبوعين هم الذين مكروا ﴿ وقالوا ﴾ للأتباع ﴿ لا تذرن ﴾ وجمع حملاً على المعنى.
والكبار بالتشديد أكبر من الكبار بالتخفيف ولهذا لم يقرأ مخففاً إلا في الشاذ فكلاهما مبالغة في الكبير.
ولا ريب أن رأس الخيرات هو الإرشاد إلى التوحيد فنقيضه وهو الدعاء إلى الشرك يكون أعظم الكبائر وأفظع أنواع المكر.
وإنما سمي مكراً لأنهم دلسوا عليهم بأنه دين آبائكم وألاباء أعرف من الأبناء.
وبأن هذه الأصنام تعطيكم الخيرات والمنافع وأنها شفعاؤكم.
ثم خصوا الأصنام الخمسة بالذكر لأنها كانت عندهم أكبر قالوا: وقد انتقلت من قوم نوح إلى العرب لأسباب لا يعلمها إلا الله، ولأنها لم تكن مما تعرف بالطوفان، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير، وصورته أيضاً كصورة النسر، وأما ود فعلى صورة الرجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، وإنما دعا نوح عليهم بالضلال غضباً عليهم حين عرف بالقرائن المفيدة للجزم أنهم لا يكادون يؤمنون، أو المراد ضلال طريق الجنة، أو ضلال مكرهم المذكور وعدم ترويجه، أو المراد العذاب كقوله ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر ﴾ وقالت المعتزلة: أراد الخذلان ومنع الألطاف وخص هذا بالضلال دون التبار لموافقة قوله ﴿ وقد أضلوا ﴾ قوله ﴿ مما خطيئاتهم ﴾ " من " للتعليل كقولك " جئتك لأجل كذا " و" ما " صلة للتوكيد.
وسبب تقديم الجار بيان أنه لم يكن إغراقهم بالطوفان فإدخالهم النار إلا من أجل خطاياهم وهي كفرهم المضموم إلى أنواع إيذاء رسول الله في مدة ألف سنة إلا خمسين عاماً.
وقد يستدل بفاء التعقيب لا سيما وقد دخل على ماضٍ معطوف على مثله على إثبات عذاب القبر.
عن الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب هكذا حال من مات من المجرمين في ماء أو ي نار أو في جوف سبع أصابه ما يصيب المقبور من العذاب العقلي وهو ظاهر، والعذاب الجسمي وهو غير بعيد في قدرة الله .
وتنكير النار للتعظيم أو لأنها نوع نم النار مختص بهم.
وفي قوله ﴿ فلم يجدوا ﴾ تهكم بهم وبآلهتهم قوله ﴿ وقال ﴾ معطوف على مثله ولهذا دخل العاطف كأنه جمع نوح بين ذلك القول وبين هذا.
وإنما وقع مما خطيئاتهم إلى الآية اعتراضاً في البين تنبيهاً على أن خطيئاتهم هي المذكورات في الآية المتقدمة من عصيان رول الله واتباع غيره.
والمكر الكبار والحث على التقليد والإشراك بالله خصوصاً الأصنام الخمسة ﴿ دياراً ﴾ من الأسماء المستعملة في النفي العام.
يقال: ما بالدار ديار وهو " فيعال " من الدور أو من الدار أي نازل دار قاله ابن قتيبة.
فعل به ما فعل بنحو أيام لو كان فعالاً لقيل دواراً، قوله ﴿ إنك إن تذرهم ﴾ إلى آخره.
قال العلماء: عرف ذلك بالوحي كما قال ﴿ إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ﴾ وبالتجربة في المدة إليه حالهم واتفق الجمهور على أن صبيانهم لم يغرقوا على وجه العذاب.
قال الحسن: علم الله براءتهم فأهلكهم بغير عذاب ولكن كما يموت أكثر الناس بآجال إختراعية، ومنه الحديث " يهلكون مهلكاً واحداً يصدرون مصادر شتى" " ومن روى أن الله أعقم أرحام نسائهم أربعين أو سبعين سنة فلا إشكال.
ثم إن نوحاً كأنه تنبه أن دعاءه عليهم كان بسبب الانتقام وبعض حظ النفس فاستغفر الله من ترك الأولى، ثم عقبه بذكر والديه.
وكان إسم أبيه لمك بن متوشلخ.
وإسم أمه شمخا بنت أنوش.
قال عطاء: لم يكن بين نوح وآدم من آبائه كافر وكان بينه وبين أدم عشرة آباء.
وقيل: أراد بالوالدين آدم وحواء ﴿ ولمن دخل بيتي ﴾ أي منزلي.
وقيل: مسجدي.
وقيل: سفينتي.
وقيل: ديني.
على هذا يكون قوله ﴿ مؤمناً ﴾ احترازاً من المنافق أي دخولاً مع تصديق القلب، ثم عمم دعاء الخير للمؤمنين والمؤمنات ودعاء الشر لأهل الظلم والشرك إلى يوم القيامة.
والتبار الهلاك ويجوز أن يريد بالظالمين قومه فقط والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
في ذكر نبأ نوح - - دلالة رسالته وآية نبوته؛ لما ذكرنا: أن هذا لم يكن من علمه، ولا علم قومه، ولم يختلف النبي إلى من عنده علم [به] فتعلمه منه، فعلم أنه بالله علمه لا بأحد من خلقه؛ فيكون فيه إلزام الحجة عليهم، وفيه إعلام رسول الله - - ما لقي نوح - - من قومه؛ ليصبره بذلك على أذى قومه؛ إذ السورة مكية.
ثم أمره بالإنذار، ولم يذكر معه البشارة، فكذلك قال نوح - - ﴿ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ ولم يقل: بشير، وقد كان هو بشيرا ونذيرا، فجائز أن يكون اقتصر على ذكر النذارة؛ لأن في ذكرها ذكر البشارة؛ وذلك أنهم إذا استوجبوا العذاب إذا داموا على ما هم فيه من الضلالة وعبادة غير الله ، فهم إذا انتهوا عن ذلك استوجبوا العفو، واستيجاب العفو وقوع البشارة، فإذا كان ذكر أحد الوجهين يقتضي ذكر الوجه الآخر، اكتفي بذكر أحدهما عن ذكر الآخر.
وجائز أن يكون خص النذارة بالذكر؛ لأن الحال كانت حال الإنذار؛ لأنهم كانوا معرضين عن طاعة الله ومقبلين على عبادة غيره، فكانوا مستوجبين للنذارة، ولم يكونوا من أهل البشارة، وإنما يصيرون من أهلها إذا انتهوا عما هم عليه؛ فيكون قوله: ﴿ أَنذِرْ قَوْمَكَ ﴾ إن داموا على ما هم عليه، وفي هذا دلالة على أن المرء إذا أخذ غير طريق الهدى، فالسبيل فيه أن يفسد عليه مذهبه، ثم إذا ظهر فساده عنده، أمر باتباع سبيل الهدى وبين له الحجج والدلائل؛ لينجع فيه ذلك، ليس أن يحتج عليه بالحجج التي هي حجج مذهب الحق قبل أن يبين له فساد ما هو فيه؛ فإن ذلك لا ينجع فيه، ولا يدعوه إلى قبول الحق والتزامه، بل يبين له قبح ما هو فيه وفساد ما اعتقده، فإذا بان له ذلك يحتاج إلى أن يسأله عن سبيل الهدى فيه؛ ليعرفه بالتعلم.
ثم الأصل أن الدنيا هي سبيل الآخرة، والضلال سبيل يفضي بمن سلكه إلى العذاب الدائم، والهدى سبيل يفضي إلى الثواب الدائم، فالنذارة هي تبيين ما ينتهي إليه عاقبة من يلزم الضلال، والبشارة هي تبيين ما ينتهي إليه عاقبة من يلزم الهدى.
وإن شئت قلت: إن النذارة هي أن يبين عسر ما يحل به في العاقبة، والبشارة هي أن يثبته بما يصير إليه في العاقبة من اليسر.
ثم في قوله - عز وجل -: ﴿ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ دلالة أن حجة الإسلام تلزم الخلق قبل أن يأتيهم النذير؛ لأنه لو كانت لا تلزمهم، فكانوا في أمن من نزول العذاب قبل أن يأتيهم النذير؛ فلا يخوفون بنزل العذاب بهم قبل أن ينذورا، فلما خوفوا بنزول العذاب بهم قبل أن يأتيهم النذير دل أن الحجة لازمة عليهم، وأن لله أن يعذبهم لتركهم التوحيد وإن لم يرسل إليهم الرسل، فيكون تأويل قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ على عذاب الاستئصال في الدنيا ليس على عذاب الآخرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ : أي: مبين بما يقع به الإنذار والتخويف؛ فيكون الإبانة منصرفة إلى النذارة.
ويحتمل أن يكون هذا الوصف راجعا إلى نفسه خاصة؛ كأنه قال: نذير لكم مبين، أي: إني لم أقم في دعائي إياكم إلى عبادة الله وإنذاركم من عند نفسي، ولكن بما اختصني الله وولاني ذلك.
ثم الأصل في الإنذار [أن يقتضي] نهيا وفي النهي [أن يقتضي] أمرا، ولكن الإنذار يقتضي نهيا وَكِيدا، والنهي الوكيد يقتضي الأمر بالخلاف أمرا وكيدا.
وأما البشارة فهي تقتضي الأمر الوكيد وغير الوكيد؛ لأنه يستوجب البشارة بكل خير يفعله، وإن كان للمرء ترك ذلك الخير بخير آخر يأتى به، فلا يفهم بنفس البشارة الأمر الوكيد؛ ويفهم بتصريح النذارة كلا الوجهين اللذين ذكرناهما.
وإذا كان كذلك، فمطلق البشارة لا يدل على تحقيق النذارة، وأما النذارة فهي تدل على البشارة؛ لأن النذارة على ما هو فيه في الفعل تلزم النهي، وإذا انتهى عنه فقد حصل العفو، وفي حصول العفو ارتفاع ما خوف وذهابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ﴾ فكأنه قال: أنذرهم على عبادة غير الله، ومرهم بعبادة من يستحق العبادة، وهو الله ؛ إذ الأمر بالإنذار يقتضي النهى عما هم عليه ويدعو إلى خلافه، وبين لهم الخلاف الذي دعوا إليه؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ﴾ .
وقيل: ﴿ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ أي: وحدوه.
وقال [بعضهم]: كل عبادة جرى بها الأمر في القرآن على الإرسال فهي منصرفة إلى التوحيد.
فكأن الذي حملهم على هذا التأويل هو أن الآيات التي فيها أمر بالعبادة نزلت في أهل الكفر؛ لأنه خاطب بقوله: ﴿ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ﴾ ، ولم يخاطب بقوله - عز وجل -: ياأيها الذين آمنوا اعبدوا ربكم، وإذا ثبت أنها في أهل الكفر، والكافر أول ما يؤمر يؤمر بالتوحيد ليس يخاطب بعبادة أخرى سواه؛ لأنه ما لم يأت بالتوحيد لم يقبل منه شيء من العبادات، فجعلوا تأويل العبادة التوحيد لهذا؛ لا أن يكون العبادة عبارة عن التوحيد خاصة، بل العبادة يراد بها التوحيد مرة إذا ذكرت عقيب الكفر، وإذا ذكرت في أهل الإيمان فالعبادة منهم أن يفوا بمعاملة ما اعتقدوه بالقول؛ وأن ينجزوا ما وعدوا من أنفسهم، وهذا كما ذكرنا في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: أنهما إذا ذكرتا في أهل الكفر، انصرف المراد من ذلك إلى الاعتقاد لا إلى الفعل؛ لأنهم ليسوا من أهل الفعل، وإذا ذكرتا في أهل الإسلام أريد بالإقامة والإتياء إيجاد الفعل، فكذلك الحكم في العبادة بقوله: ﴿ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ أي: وحدوه واتقوه، أي: اتقوا الإشراك في عبادته، وأطيعوني فيما آمركم به من توحيد الله وألا تشركوا به شيئا.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ ، أي: اتقوا المهالك كلها، واتقوا النار؛ كما قال الله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ ، وقوله : ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ فالتقوى إذا ذكر على الانفراد مرسلا، اقتضى الانتهاء عما فيه الهلاك، واقتضى الأمر بالعبادة والطاعة، وإذا جمع بين العبادة والتقوى، كانت العبادة منصرفة إلى إتيان الأفعال، وانصرف التقوى إلى اتقاء المهالك، وهو كما قلنا في البر والتقوى: إن كل واحد منهما إذا ذكر مفردا اقتضى ما يقتضيه الآخر، وإذا جمعا في الذكر، صرف أحدهما إلى جهة والآخر إلى جهة أخرى، وكذلك الإسلام والإيمان إذا أفرد بذكر أحدهما يكون معنى كل واحد منهما هو معنى الآخر، وإذا جمعا في الذكر صرف كل واحد منهما إلى جهة على حدة.
وقال الحسن في قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ ، أي: اتقوا الله في حقه أن تضيعوه فهو يجمع ما يؤتى وما يتقى.
ثم الأصل أن الطاعة قد تكون لمن سوى الله، والعبادة لا تكون إلا لله ؛ فلذلك قال عند الأمر بالعبادة: ﴿ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، فأضافها إلى الله ، وأضاف الطاعة إلى نفسه بقوله: ﴿ وَأَطِيعُونِ ﴾ ، ففيه دلالة أن ليس في الطاعة لآخر إشراك بالله في الطاعة، بل الله جعل الإشراك في الطاعة بقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ﴾ وذم من يعدل بالله في العبادة قوله : ﴿ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ فالعبادة كأنها تقتضي الخضوع والتضرع على الرجاء والخوف، والله هو الذي يرجى منه ويخاف من نقمته، فأما الطاعة فهي تقتضي فعلا [على الأمر] لا غير؛ وعلى ذلك لما صرفت الكفرة الرجاء والخوف إلى الأصنام بقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، سموا: عباد الأصنام، فكل من يفعل الفعل على الخوف والرجاء فذلك منه عبادة له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ إن صرفت قوله: ﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ إلى اتقاء الشرك يرجع قوله: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ إلى ما سلف من الذنوب في حالة الشرك؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
وإن صرفته إلى سائر وجوه المهالك، رجع إلى السالف وإلى الآنف جميعا؛ وهو كقوله : ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ ؛ فيكون قوله ﴿ مِّن ﴾ صلة على ما ذكره أهل التفسير، ومعناه: يغفر لكم ذنوبكم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ مِّن ﴾ على التحقيق ليس على حق الصلة؛ لأنه قد يكون من الذنوب ذنوب يؤاخذ بها بعد الإسلام، وهي التي تكون بينه وبين الخلق من القصاص وغيره، فالمأثم بالقتل وإن زال عنه بالتوبة؛ فإن القصاص لا يرتفع عنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ جائز أن يكون أولئك القوم كانوا يخافون على أنفسهم الإهلاك من قومهم بإيمانهم وإجابتهم لنوح ؛ فيخرج قوله: ﴿ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ مخرج الأمان لهم أنهم بإيمانهم يبقون إلى الأجل الذي ضرب لهم لو لم يؤمنوا؛ إذ يكون معناه: أنكم إن أسلمتم بقيتم إلى انقضاء أجلكم المسمى سالمين آمنين، لا يتهيأ لعدوكم أن يمكر بكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ ، أي: لا يتأخرون عن آجالهم أو لا يؤخرون بما يطلبون من التأخير؛ فيكون في هذا إياس لهم أنهم لا يؤخرون إذا طلبوا التأخير؛ قال الله : ﴿ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ ؛ فأخبر - أن الموت إذا أتاه طلب التأخير ليبذل ما طلب منه البذل قبل ذلك من التصدق والإيمان به، فقطع عنهم طمعهم بقوله: ﴿ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ ﴾ ، وبقوله: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ، وبقوله: ﴿ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ ﴾ .
وهذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون بأن رجلا لو جاء وقتل آخر، فإنما قتله قبل انقضاء أجله، والله يقول: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ، والأصل: أن الله إذا علم أنه يقتل فإنما يجعل انقضاء أجله بالقتل ليس بغيره؛ لأنه لا يجوز أن يجعل انقضاء أجله بموته حتف نفسه، ثم ينقضي أجله بغير ذلك؛ لأنه لو جاز ذلك لأدى ذلك إلى الجهل بالعواقب، والجهل بالعواقب يسقط الربوبية، ويثبت الجهل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
أي: لو كنتم تعلمون ما يحل بكم من الندامة عند انقضاء آجالكم، لكنتم تبذلون للحال ما أريد منكم؛ لئلا يحل بكم العذاب.
أو [أن] يكون معنى قوله: ﴿ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ ﴾ ، أي: أجل العذاب إذا حل، وقع لا محالة، فلو علموا بوقوعه لا محالة، لارتدعوا عنه.
<div class="verse-tafsir"
إنكم إن تفعلوا ذلك يغفر الله لكم من ذنوبكم ما لا يتعلق بحقوق العباد، ويُطِلْ أمد أمّتكم في الحياة إلى وقت محدد في علم الله، تعمرون الأرض ما استقمتم على ذلك، إن الموت إذا جاء لا يؤخر، لو كنتم تعلمون لبادرتم إلى الإيمان بالله والتوبة مما أنتم عليه من الشرك والضلال.
<div class="verse-tafsir" id="91.kl8wp"