الآية ٧ من سورة المدثر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 74 المدثر > الآية ٧ من سورة المدثر

وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ ٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧ من سورة المدثر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧ من سورة المدثر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ولربك فاصبر ) أي : اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل ، قاله مجاهد .

وقال إبراهيم النخعي : اصبر عطيتك لله تعالى .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ) يقول تعالى ذكره: ولربك فاصبر على ما لقيت فيه من المكروه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل على اختلاف فيه بين أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ) قال: على ما أوتيت.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ) قال: حمل أمرًا عظيما محاربة العرب، ثم العجم من بعد العرب في الله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولربك فاصبر على عطيتك.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ( وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ) قال: اصبر على عطيتك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: اصبر على عطيتك لله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ( وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ) قال: عطيتك اصبر عليها.

يعني جل ثناؤه بقوله: ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ ) فذلك يومئذ يوم شديد.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن فضيل وأسباط، عن مطرِّف، عن عطية العوفيِّ، عن ابن عباس، في قوله: ( فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كَيْفَ أنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَسْتَمعُ مَتَى يُؤْمَرُ يَنْفُخُ فِيهِ"، فقال أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف نقول؟

فقال: تقولون: حَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا ".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولربك فاصبرقوله تعالى : ولربك فاصبر أي ولسيدك ومالكك فاصبر على أداء فرائضه وعبادته ، وقال مجاهد : على ما أوذيت ، وقال ابن زيد : حملت أمرا عظيما ، محاربة العرب والعجم ، فاصبر عليه لله ، وقيل : فاصبر تحت موارد القضاء لأجل الله تعالى ، وقيل : فاصبر على البلوى لأنه يمتحن أولياءه وأصفياءه ، وقيل : على أوامره ونواهيه ، وقيل : على فراق الأهل والأوطان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ } أي: احتسب بصبرك، واقصد به وجه الله تعالى، فامتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ربه، وبادر إليه، فأنذر الناس، وأوضح لهم بالآيات البينات جميع المطالب الإلهية، وعظم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوء، وهجر كل ما يبعد عن الله من الأصنام وأهلها، والشر وأهله، وله المنة على الناس -بعد منة الله- من غير أن يطلب منهم على ذلك جزاء ولا شكورا، وصبر لله أكمل صبر، فصبر على طاعة الله، وعن معاصي الله، وعلى أقدار الله المؤلمة ، حتى فاق أولي العزم من المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولربك فاصبر ) قيل : فاصبر على طاعته وأوامره ونواهيه لأجل ثواب الله .

قال مجاهد : فاصبر لله على ما أوذيت .

وقال ابن زيد : ] معناه حملت أمرا عظيما محاربة العرب والعجم فاصبر عليه لله - عز وجل - .

وقيل : فاصبر تحت موارد القضاء لأجل الله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولربك فاصبر» على الأوامر والنواهي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها المتغطي بثيابه، قم مِن مضجعك، فحذِّر الناس من عذاب الله، وخُصَّ ربك وحده بالتعظيم والتوحيد والعبادة، وَطَهِّر ثيابك من النجاسات؛ فإن طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن، ودُمْ على هَجْر الأصنام والأوثان وأعمال الشرك كلها، فلا تقربها، ولا تُعط العطيَّة؛ كي تلتمس أكثر منها، ولمرضاة ربك فاصبر على الأوامر والنواهي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( وَلِرَبِّكَ فاصبر ) أى : وعليك - أيها الرسول الكريم - أن توطن نفسك على الصبر ، على التكاليف التى كلفك بها ربك ، وأن تتحمل الآلام والمشاق فى سبيل دعوة الحق ، بعزيمة صادقة ، وصبر جميل ، وثبات لا يخالطه تردد أو ضعف .فهذه ست وصايا قد اشتملت على ما يرشد إلى التحلى بالعقيدة السليمة ، والأخلاق الكريمة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه وجوه: أحدها: إذا أعطيت المال فاصبر على ترك المن والاستكثار أي اترك هذا الأمر لأجل مرضاة ربك.

وثانيها: إذا أعطيت المال فلا تطلب العوض، وليكن هذا الترك لأجل ربك.

وثالثها: أنا أمرناك في أول هذه السورة بأشياء ونهيناك عن أشياء فاشتغل بتلك الأفعال والتروك لأجل أمر ربك، فكأن ما قبل هذه الآية تكاليف بالأفعال والتروك، وفي هذه الآية بين ما لأجله يجب أن يؤتى بتلك الأفعال والتروك وهو طلب رضا الرب.

ورابعها: أنا ذكرنا أن الكفار لما اجتمعوا وبحثوا عن حال محمد صلى الله عليه وسلم قام الوليد ودخل داره فقال القوم: إن الوليد قد صبأ فدخل عليه أبو جهل، وقال: إن قريشاً جمعوا لك مالاً حتى لا تترك دين آبائك، فهو لأجل ذلك المال بقي على كفره، فقيل لمحمد: إنه بقي على دينه الباطل لأجل المال، وأما أنت فاصبر على دينك الحق لأجل رضا الحق لا لشيء غيره.

وخامسها: أن هذا تعريض بالمشركين كأنه قيل له: وربك فكبر لا الأوثان وثيابك فطهر ولا تكن كالمشركين نجس البدن والثياب والرجز فاهجر ولا تقربه كما تقربه الكفار ولا تمنن تستكثر كما أراد الكفار أن يعطوا الوليد قدراً من المال وكانوا يستكثرون ذلك القليل ولربك فاصبر على هذه الطاعات لا للأغراض العاجلة من المال والجاه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرأ الحسن ﴿ ولا تمنّ ﴾ ﴿ وتستكثر ﴾ مرفوع منصوب المحل على الحال، أي: ولا تعط مستكثراً رائياً لما تعطيه كثيراً، أو طالباً للكثير: نهى عن الاستغزار: وهو أن يهب شيئاً وهو يطمع أن يتعوّض من الموهوب له أكثر من الموهوب، وهذا جائز.

ومنه الحديث: «المستغزر يثاب من هبته» وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون نهياً خاصاً برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنّ الله تعالى اختار له أشرف الآداب وأحسن الأخلاق، والثاني: أن يكون نهى تنزيه لا تحريم له ولأمته وقرأ الحسن ﴿ تستكثر ﴾ بالسكون.

وفيه ثلاثة أوجه: الإبدال من تمنن.

كأنه قيل: ولا تمنن لا تستكثر؛ على أنه من المنّ في قوله عز وجل: ﴿ ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى ﴾ [البقرة: 262] لأنّ من شأن المنان بما يعطي أن يستكثره، أي: يراه كثيراً ويعتدّ به، وأن يشبه ثرو بعضد، فيسكن تخفيفاً، وأن يعتبر حال الوقف.

وقرأ الأعمش بالنصب بإضمار (إن) كقوله: أَلاَ أَيُّهذَا الزَّاجِرِى أحْضُرَ الْوَغَى وتؤيده قراءة ابن مسعود ﴿ ولا تمنن أن تستكثر ﴾ ويجوز في الرفع أن تحذف (إن) ويبطل عملها، كما روي: أحضر الوغى بالرفع، ﴿ وَلِرَبّكَ فاصبر ﴾ ولوجه الله فاستعمل الصبر.

وقيل: على أذى المشركين.

وقيل: على أداء الفرائض.

وعن النخعى: على عطيتك، كأنه وصله بما قبله، وجعله صبراً على العطاء من غير استكثار، والوجه أن يكون أمراً بنفس الفعل، وأن يتناول على العموم كل مصبور عليه ومصبور عنه، ويراد الصبر على أذى الكفار؛ لأنه أحد ما يتناوله العام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والرُّجْزَ فاهْجُرْ ﴾ فاهْجُرِ العَذابَ بِالثَّباتِ عَلى هَجْرِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ مِنَ القَبائِحِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ وحَفْصٌ والرُّجْزُ بِالضَّمِّ وهو لُغَةٌ كالذُّكْرِ.

﴿ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ أيْ لا تُعْطِ مُسْتَكْثِرًا، نَهى عَنِ الِاسْتِفْزارِ وهو أنْ يَهَبَ شَيْئًا طامِعًا في عِوَضٍ أكْثَرَ، نَهْيَ تَنْزِيهٍ أوْ نَهْيًا خاصًّا بِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المُسْتَفْزِرُ يُثابُ مِن هِبَتِهِ».» والمُوجِبُ لَهُ ما فِيهِ مِنَ الحِرْصِ والضِّنَةِ، أوْ لا تَمْنُنْ عَلى اللَّهِ تَعالى بِعِبادَتِكَ مُسْتَكْثِرًا إيّاها، أوْ عَلى النّاسِ بِالتَّبْلِيغِ مُسْتَكْثِرًا بِهِ الأجْرَ مِنهم أوْ مُسْتَكْثِرًا إيّاهُ، وقُرِئَ «تَسْتَكْثِرْ» بِالسُّكُونِ لِلْوَقْفِ أوِ الإبْدالِ مِن تَمْنُنْ عَلى أنَّهُ مِن مَنَّ بِكَذا، أوْ تَسْتَكْثِرْ بِمَعْنى تَجِدْهُ كَثِيرًا وبِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ، وقَدْ قُرِئَ بِها وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ بِحَذْفِها وإبْطالِ عَمَلِها، كَما رُوِيَ: أحْضِرِ الوَغى.

بِالرَّفْعِ.

﴿ وَلِرَبِّكَ ﴾ لِوَجْهِهِ أوْ أمْرِهِ.

﴿ فاصْبِرْ ﴾ فاسْتَعْمِلِ الصَّبْرَ، أوْ فاصْبِرْ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ وأذى المُشْرِكِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلِرَبِّكَ فاصبر} ولوجه الله فاستعمل الصبر على أوامره ونواهيه وكل مصبور عليه ومصبور عنه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ ﴾ قِيلَ عَلى أذى المُشْرِكِينَ وقِيلَ عَلى أداءِ الفَرائِضِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ وفِيهِ بُعْدٌ إذْ لَمْ يَكُنْ جِهادٌ يَوْمَ نُزُولِها.

وعَنِ النَّخْعِيِّ عَلى عَطِيَّتِكَ كَأنَّهُ وصَلَهُ بِما قَبْلَهُ وجَعَلَهُ صَبْرًا عَلى العَطاءِ مِن غَيْرِ اسْتِكْثارٍ والوَجْهُ كَما قالَ جارُ اللَّهِ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِنَفْسِ الفِعْلِ والمَعْنى لِقَصْدِ جِهَتِهِ تَعالى وجانِبِهِ عَزَّ وجَلَّ فاسْتَعْمَلَ الصَّبْرَ فَيَتَناوَلُ لِعَدَمِ تَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ المُفِيدِ لِلْعُمُومِ كُلَّ مَصْبُورٍ عَلَيْهِ ومَصْبُورٍ عَنْهُ ويُرادُ الصَّبْرُ عَلى أذى المُشْرِكِينَ لِأنَّهُ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العامِّ لا لِأنَّهُ وحْدَهُ هو المُرادُ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الصَّبْرُ في القُرْآنِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ صَبْرٌ عَلى أداءِ الفَرائِضِ ولَهُ ثَلاثُمِائَةِ دَرَجَةٍ، وصَبْرٌ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى ولَهُ سِتُّمِائَةِ دَرَجَةٍ، وصَبْرٌ عَلى المَصائِبِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى ولَهُ تِسْعُمِائَةِ دَرَجَةٍ وذَلِكَ لِشَدَّتِهِ عَلى النَّفْسِ وعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنهُ ( إلّا ) بِمَزِيدِ اليَقِينِ ولِذَلِكَ قالَ  : «أسْألُكَ مِنَ اليَقِينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ عَلِيَّ مَصائِبَ الدُّنْيا» وذَكَرُوا أنَّ لِلصَّبْرِ بِاعْتِبارِ حُكْمِهِ أرْبَعَةَ أقْسامٍ فَرْضٌ كالصَّبْرِ عَنِ المَحْظُوراتِ وعَلى أداءِ الواجِباتِ ونَفْلٌ كالصَّبْرِ عَنِ المَكْرُوهاتِ والصَّبْرِ عَلى المَسْنُوناتِ ومَكْرُوهٌ كالصَّبْرِ عَنْ أداءِ المَسْنُوناتِ والصَّبْرِ عَلى فِعْلِ المَكْرُوهاتِ وحَرامٌ كالصَّبْرِ عَلى مَن يُقْصَدُ حَرِيمُهُ بِمُحَرَّمٍ وتَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُ مَعَ القُدْرَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وتَمامُ الكَلامِ عَلَيْهِ في مَحَلِّهِ وفَضائِلُ الصَّبْرِ الشَّرْعِيِّ المَحْمُودِ مِمّا لا تُحْصى.

ويَكْفِي في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ  ﴾ وقَوْلُهُ  : «قالَ اللَّهُ تَعالى إذا وجَّهْتُ إلى عَبْدٍ مِن عَبِيدِي مُصِيبَةً في بَدَنِهِ أوْ مالِهِ أوْ ولَدِهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ ذَلِكَ بِصَبْرٍ جَمِيلٍ اسْتَحْيَيْتُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ أنْ أنْصِبَ لَهُ مِيزانًا أوْ أنْشُرَ لَهُ دِيوانًا» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ست وخمسون آية مكية قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ يعني: محمدا  وقد تدثر بثوبه وأصله المتدثر بثيابه إذا نام فأدغمت التاء في الدال وشددت وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله  وهو يحدث عن فترة الوحي فقال رسول الله  : في حديثه: «فَبَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوتاً مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا المَلِكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحراء جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيَ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ فَخَشَيْتُ فَرَجِعْتُ إِلَى أَهْلِي فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَدَثَرُونِي فَنَزَلَ يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ» قُمْ فَأَنْذِرْ يعني: فخوف قومك وادعهم إلى التوحيد ويقال: قُمْ فَأَنْذِرْ يعني: قم فصلِّ لله ويقال: قُمْ فَأَنْذِرْ يعني: خوفهم بالعذاب إن لم يوحدوا يعني: ادعهم من الكفر إلى الإيمان ثم قال عز وجل: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ يعني: فعظمه عما يقولون فيه عبدة الأوثان.

ويقال: فكبر يعني: فكبر للصلاة ثم قال: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ يعني: طهر قلبك بالتوبة عن الذنوب والمعاصي وهذا قول قتادة وقال مقاتل: يعني: قلبك فطهر بالتوبة وكانت العرب تقول للرجل إذا أذنب دنس الثياب وقال الفراء: يعني: ثيابك فقصر.

وقال الزجاج لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة وإن كان طويلاً لا يؤمن أن يصيبه النجاسة ويقال: يعني: لا تقصر فتكون غادراً دنس الثياب وقال مجاهد: وثيابك فطهر يعني: نفسك فطهر ويقال: عملك فأخلص ويقال: ظنك فحسن ثم قال: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ يعني: المأثم فاترك ويقال: الرجز فاهجر يعني: ارفض عبادة الأوثان قرأ عاصم في رواية حفص والرجز بضم الزاء والباقون بكسر الزاء ومعناهما واحد وهم الأوثان يعني: فارفض عبادة الأوثان ويقال: الرجز العذاب كقوله تعالى: رِجْزاً مِنَ السَّماءِ [البقرة: 59] ومعناه كل شيء يحرك إلى عذاب الله تعالى فاتركه ثم قال عز وجل: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ يعني: لا تعط شيئاً قليلاً تطلب به أكثر وأفضل في الدنيا وقال الحسن ولا تمنن تستكثر يعني: ولا تمنن بعملك على ربك تستكثره وقال مجاهد لا تعط مالك رجاء فضل من الثواب في الدنيا وقال الضحاك لا تعط ولتعطى أكثر منه قوله تعالى: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ يعني: اصبر على أمر ربك قال إبراهيم النخعي: اصبر لعظمة ربك وقال مقاتل: ولربك فاصبر يعني: يعزي نبيه  ليصبر على أذاهم ويقال: فاصبر نفسك في عبادة ربك فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ يعني: اصبر فعن قريب ينفخ في الصور.

فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ يعني: شديداً على الكافرين غير يسير يعني: غير هين وفي الآية دليل أن ذلك اليوم يكون على المؤمنين هيناً وهذا كقوله تعالى: وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً [الفرقان: 26] لأن الكفار يقطع رجاؤهم في جميع الوجوه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الإسْلاَمِ، فَمَنْ عَرَفَ اللَّهَ صَغُرَ لديْهِ كُلُّ شَيْءٍ، ومَنْ أَحَبَّ اللَّهَ هَانَ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ، وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ، لَمْ يُشْرِكْ به شَيْئاً، ومَنْ آمَنَ بِاللَّهِ أَمِنَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَنْ أَسْلَمَ لِلَّهِ قَلَّمَا يَعْصِيهِ، وإنْ عَصَاهُ، اعتذر إلَيْهِ، وَإذَا اعتذر إليه، قَبِلَ عُذْرَه، قال: فَفَهِمْتُ حِينَئِذٍ معنى قولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ انتهى من «التنوير» لابن عطاء اللَّه.

وَالرُّجْزَ يعني الأصْنَام والأَوثَانَ، وقال ابن عباس: الرُّجْزُ السَّخَط «١» يعني: اهْجُرْ ما يؤدي إليه ويوجبُه، واخْتُلِفَ في معنى قولهِ تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ فقالَ ابن عباس وجماعة: معناه لاَ تَعْطِ عَطَاءً لِتُعْطَى أكْثَرَ منه «٢» ، فكأَنه من قولهم: مَنَّ إذَا أَعْطَى، قال الضحاك: وهذا خاصّ بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومُبَاحٌ لأُمَّتِه، لكنْ لاَ أجْرَ لهم فيه «٣» ، وقال الحسن بن أبي الحسن: معناه ولاَ تَمْنُنْ على اللَّهِ بِجِدِّكَ، تَسْتَكْثِرْ أعْمَالَك، ويَقَعْ لَكَ بها إعْجَابٌ «٤» ، قال ع «٥» : وهَذَا مِنَ المنِّ الذي هو تعديدُ اليَدِ وذكرُها، وقال مجاهد: معناه ولاَ تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرْ مَا حَمَّلْنَاك من أعباء الرسالةِ، وتستكثرْ مِنَ الخَيْرِ وهَذَا من قولهم حبل منين أي: ضعيف «٦» .

/

وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ أي لوجهِ ربِّكَ وطَلَبِ رضَاهُ فاصْبِرْ على أذَى الكفارِ، وعلى العبادةِ وَعَنِ الشَّهَوَاتِ وعَلَى تَكَالِيفِ النُّبُوَّةِ، قال ابن زيدٍ: وعَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ، والأَسْوَدِ «٧» ، ولَقَدْ حُمِّلَ أمْراً عظيما صلّى الله عليه وسلّم، والنَّاقُورُ: الذي يُنْفَخُ فيه، وهو الصُّور قاله ابن عبّاس

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المُدَّثِّرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ آيَةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً  ﴾ .

فَأمّا سَبَبُ نُزُولِها، فَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "صَحِيحِيهِما" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ  قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءَ شَهْرًا، فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي نَزَلْتُ فاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الوادِي، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أمامِي، وخَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي، وعَنْ شِمالِي، فَلَمْ أرَ أحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا هو في الهَواءِ "يَعْنِي: جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ" فَأقْبَلْتُ إلى خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ » قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا رَأى جِبْرِيلَ وقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ إلى خَدِيجَةَ، ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ، والأعْمَشُ "المُتَدَثِّرُ" بِإظْهارِ التّاءِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ "المُدَثِّرُ" بِحَذْفِ التّاءِ، وتَخْفِيفِ الدّالِ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: وأصْلُ "المُدَّثِّرِ" المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ، كَما ذَكَرْنا في المُتَزَمِّلِ، وهَذا في قَوْلِ الجُمْهُورِ مِنَ التَّدْثِيرِ بِالثِّيابِ.

وقِيلَ المَعْنى: يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ، وأثْقالِها.

قالَ عِكْرِمَةُ: دُثِّرْتَ هَذا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ كَفّارَ مَكَّةَ العَذابَ إنْ لَمْ يُوَحِّدُوا ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ أيْ: عَظِّمْهُ عَمّا يَقُولُ عَبَدَةُ الأوْثانِ ﴿ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تَلْبَسْها عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى غَدْرٍ.

قالَ غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ: وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ رَوى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا تَكُنْ ثِيابُكَ مِن مَكْسَبٍ غَيْرِ طاهِرٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: طَهِّرْ نَفْسَكَ مِنَ الذَّنْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ أيْ: نَفْسَهُ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

قالَ: المَعْنى: طَهِّرْ نَفْسَكَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَكَنّى عَنِ الجِسْمِ بِالثِّيابِ، لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ.

قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ وذَكَرَتْ إبِلًا: رَمَوْها بِأثْوابٍ خِفافٍ فَلا تَرى ∗∗∗ لَها شَبَهًا إلّا النَّعامَ المُنَفَّرا أيْ: رَكِبُوها، فَرَمَوْها بِأنْفُسِهِمْ.

والعَرَبُ تَقُولُ لِلْعَفافِ: إزارٌ، لِأنَّ العَفِيفَ كَأنَّهُ اسْتَتَرَ لَمّا عَفَّ.

والرّابِعُ: وعَمَلَكَ فَأصْلِحْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: خُلُقَكَ فَحَسِّنْ، قالَهُ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ.

والسّادِسُ: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ وشَمِّرْ، قالَهُ طاوُوسٌ.

والسّابِعُ: قَلَبَكَ فَطَهِّرْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ.

فَإنْ يَكُ قَدْ ساءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ ∗∗∗ فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ أيْ: قَلْبِي مِن قَلْبِكِ.

والثّامِنُ: اغْسِلْ ثِيابَكَ بِالماءِ، ونَقِّها، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والرُّجْزَ فاهْجُرْ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ إلّا أبا بَكْرٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ "والرُّجْزَ" بِضَمِّ الرّاءِ.

والباقُونَ بِكَسْرِها.

ولَمْ يَخْتَلِفُوا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: قِراءَةُ الحَسَنِ بِالضَّمِّ، وقالَ: هو اسْمُ صَنَمٍ.

وقالَ قَتادَةُ: صَنَمانِ: إسافٌ، ونائِلَةُ.

ومَن كَسَرَ، فالرِّجْزُ: العَذابُ.

فالمَعْنى: ذُو العَذابِ فاهْجُرْ.

وَفِي مَعْنى "الرِّجْزِ" لِلْمُفَسِّرِينَ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الأصْنامُ، والأوْثانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الإثْمُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: الذَّنْبُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والخامِسُ: العَذابُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الرِّجْزُ في اللُّغَةِ: العَذابُ.

ومَعْنى الآيَةِ: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلى عَذابِ اللَّهِ.

والسّادِسُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

﴿ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: أعْطِ لِرَبِّكَ وأرِدْ بِهِ اللَّهَ، فَأدَّبَهُ بِأشْرَفِ الآدابِ.

ومَعْنى "لا تَمْنُنْ" لا تُعْطِ شَيْئًا مِن مالِكَ لِتُعْطى أكْثَرَ مِنهُ، وهَذا الأدَبُ لِلنَّبِيِّ  خاصَّةً، ولَيْسَ عَلى أحَدٍ مِن أُمَّتِهِ إثْمٌ أنْ يَهْدِيَ هَدِيَّةً يَرْجُو بِها ثَوابًا أكْثَرَ مِنها.

والثّانِي: لا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ تَسْتَكْثِرُهُ عَلى رَبِّكَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لا تَضْعُفْ عَنِ الخَيْرِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: لا تَمْنُنْ عَلى النّاسِ بِالنُّبُوَّةِ لِتَأْخُذَ عَلَيْها مِنهم أجْرًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَلِرَبِّكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِأجْلِ رَبِّكَ.

والثّانِي: لِثَوابِ رَبِّكَ.

والثّالِثُ: لِأمْرِ رَبِّكَ.

والرّابِعُ: لِوَعْدِ رَبِّكَ ﴿ فاصْبِرْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ.

والثّانِي: عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ ﴾ أيْ: نُفِخَ في الصُّورِ.

وهَلْ هَذِهِ النَّفْخَةُ هي الأُولى أوِ الثّانِيَةُ؟

فِيهِ قَوْلانِ ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾ أيْ: يَعْسُرُ الأمْرُ فِيهِ ﴿ عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ غَيْرُ هَيِّنٍ ﴿ ذَرْنِي ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [المُزَّمِّلِ: ١١] ﴿ وَمَن خَلَقْتُ ﴾ أيْ: ومَن خَلَقْتُهُ ﴿ وَحِيدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: خَلَقْتُهُ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يَشْرَكْنِي في خَلْقِهِ أحَدٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «جاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النَّبِيِّ  فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ، فَقالَ: يا عَمِّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرَّضُ لِما قِبَلَهُ، فَقالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا.

قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ؟

فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمُ بِالأشْعارِ مِنِّي، فَواللَّهِ ما يُشْبِهُها الَّذِي يَقُولُ، واللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ حَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً، وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلُهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُو ولا يُعْلى.

قالَ: لا يَرْضى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ فِيهِ.

فَقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ: يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا.

.

.

﴾ الآياتُ كُلُّها.» وقالَ مُجاهِدٌ: «قالَ الوَلِيدُ لِقُرَيْشٍ: إنَّ لِي إلَيْكم حاجَةً فاجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ، فَقالَ: إنَّكم ذَوُو أحْسابٍ وأحْلامٍ، وإنَّ العَرَبَ يَأْتُونَكُمْ، ويَنْطَلِقُونَ مِن عِنْدِكم عَلى أمْرٍ مُخْتَلِفٍ، فَأجْمِعُوا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ.

ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟

قالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ شاعِرٌ، فَعَبَسَ عِنْدَها، وقالَ: قَدْ سَمِعْنا الشِّعْرَ فَما يُشْبِهُ قَوْلُهُ الشِّعْرَ.

فَقالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ كاهِنٌ، قالَ: إذَنْ يَأْتُونَهُ فَلا يَجِدُونَهُ يُحَدِّثُ بِما يُحَدِّثُ بِهِ الكَهَنَةُ، قالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ مَجْنُونٌ، قالَ: إذَنْ يَأْتُونَهُ فَلا يَجِدُونَهُ مَجْنُونًا.

فَقالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ ساحِرٌ.

قالَ: وما السّاحِرُ؟

قالُوا: بَشَرٌ يُحَبِّبُونَ بَيْنَ المُتَباغِضِينَ، ويُبَغِّضُونَ بَيْنَ المُتَحابِّينَ، قالَ: فَهو ساحِرٌ، فَخَرَجُوا لا يَلْقى أحَدٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ إلّا قالَ: يا ساحِرُ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ » وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا ﴾ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ولا يَصِحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا ﴾ في مَعْنى المَمْدُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: كَثِيرًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: دائِمًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مِقْدارِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.

والثّانِي: ألْفُ دِينارٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

قالَ الفَرّاءُ: نَرى أنَّ المَمْدُودَ: جُعِلَ غايَةً لِلْعَدَدِ، لِأنَّ "ألْفٌ" غايَةٌ لِلْعَدَدِ يَرْجِعُ في أوَّلِ العَدَدِ مِنَ الألْفِ.

والثّالِثُ: أرْبَعَةُ آلافٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ بُسْتانٌ كانَ لَهُ بِالطّائِفِ لا يَنْقَطِعُ خَيْرُهُ شِتاءً ولا صَيْفًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴾ أيْ: حَضَرُوا مَعَهُ لا يَحْتاجُونَ إلى التَّصَرُّفِ والسَّفَرِ فَيَغِيبُوا عَنْهُ.

وفي عَدَدِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: عَشْرَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: ثَلاثَةَ عَشَرَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: اثْنا عَشَرَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: سَبْعَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ ﴿ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴾ أيْ: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ، وطُولَ العُمُرِ، "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ.،قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنْ أزِيدَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا أفْعَلُ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ المالَ والوَلَدَ حَتّى ماتَ فَقِيرًا "إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا" أيْ: مُعانِدًا.

وَفِي المُرادِ بِالآياتِ هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ سَأحْمِلُهُ عَلى مَشَقَّةٍ مِنَ العَذابِ.

وقالَ غَيْرُهُ: سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ لا راحَةَ لَهُ مِنها.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "الصَّعُودُ": العَقَبَةُ الشّاقَّةُ، وكَذَلِكَ "الكَؤُودُ" .

وفي حَدِيثٍ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ  في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ قالَ: جَبَلٌ مِن نارٍ يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَهُ، فَإذا وضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْها ذابَتْ، فَإذا رَفَعَها عادَتْ.

يَصْعَدُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ كَذَلِكَ أبَدًا.» وذَكَرَ ابْنُ السّائِبِ أنَّهُ جَبَلٌ مِن صَخْرَةٍ مَلْساءَ في النّارِ، يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَها حَتّى إذا بَلَغَ أعْلاها أُحْدِرَ إلى أسْفَلِها، ثُمَّ يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَها، فَذَلِكَ دَأْبُهُ أبَدًا، يَجْذِبُ مِن أمامِهِ سَلاسِلَ الحَدِيدِ، ويُضْرَبُ مِن خَلْفِهِ بِمَقامِعِ الحَدِيدِ، فَيَصْعَدُها في أرْبَعِينَ سَنَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ فَكَّرَ ﴾ أيْ: تَفَكَّرَ ماذا يَقُولُ في القُرْآنِ ﴿ وَقَدَّرَ ﴾ القَوْلَ في نَفْسِهِ ﴿ فَقُتِلَ ﴾ أيْ: لُعِنَ ﴿ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ ﴿ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ أيْ: لُعِنَ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ.

وقِيلَ: "كَيْفَ" ها هُنا بِمَعْنى التَّعَجُّبِ والإنْكارِ والتَّوْبِيخِ.

وإنَّما كُرِّرَ تَأْكِيدًا ﴿ ثُمَّ نَظَرَ ﴾ في طَلَبِ ما يَدْفَعُ بِهِ القُرْآنَ، ويَرُدُّهُ، ﴿ ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: أيْ: كَرَّهَ وجْهَهُ وقَطَّبَ.

يُقالُ: بَسَرَ الرَّجُلُ وجْهَهُ، أيْ: قَبَضَهُ.

وأنْشَدُوا لِتَوْبَةَ: وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها قالَ المُفَسِّرُونَ: كَرَّهَ وجَّهَهُ، ونَظَرَ بِكَراهِيَةٍ شَدِيدَةٍ، كالمُهْتَمِّ المُتَفَكِّرِ في الشَّيْءِ ﴿ ثُمَّ أدْبَرَ ﴾ عَنِ الإيمانِ ﴿ واسْتَكْبَرَ ﴾ أيْ: تَكَبَّرَ حِينَ دُعِيَ إلَيْهِ "فَقالَ: ﴿ إنْ هَذا ﴾ أيْ: ما هَذا القُرْآنُ ﴿ إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ أيْ: يُرْوى عَنِ السَّحَرَةِ ﴿ إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ ﴾ أيْ: مِن كَلامِ الإنْسِ، ولَيْسَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ أيْ: سَأُدْخِلُهُ النّارَ.

وقَدْ ذُكِرَ "سَقَرُ" في سُورَةِ [القَمَرِ: ٤٨] ﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ لِعِظَمِ شَأْنِها ﴿ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ﴾ أيْ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا إلّا أكَلَتْهُ، ولا تَذَرُهم إذا أُعِيدُوا خَلْقًا جَدِيدًا ﴿ لَوّاحَةٌ ﴾ أيْ: مُغَيِّرَةٌ.

يُقالُ: لاحَتْهُ الشَّمْسُ، أيْ: غَيَّرَتْهُ.

وأنْشَدُوا: يا ابْنَةَ عَمِّي لاحَنِي الهَواجِرُ وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "لَوّاحَةً" بِالنَّصْبِ.

وفي البَشَرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ بَشْرَةٍ، وهي جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الإنْسُ مِن أهْلِ النّارِ، قالَهُ الأخْفَشُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ وهم خُزّانُها، مالِكٌ ومَعَهُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ، أعْيُنُهم كالبَرْقِ الخاطِفِ، وأنْيابُهم كالصَّياصِي يَخْرُجُ لَهَبُ النّارِ مِن أفْواهِهِمْ، ما بَيْنَ مَنكِبَيْ أحَدِهِمْ مَسِيرَةُ سَنَةٍ، يَسَعُ كَفُّ أحَدِهِمْ مِثْلَ رَبِيعَةَ ومُضَرَ.

قَدْ نُزِعَتْ مِنهُمُ الرَّحْمَةُ.

فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أبُو جَهْلٍ: يُخَوِّفُكم مُحَمَّدٌ بِتِسْعَةَ عَشَرَ، أما لَهُ مِنَ الجُنُودِ إلّا هَؤُلاءِ!

أيَعْجَزُ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشَ بِواحِدٍ مِنهُمْ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ!

فَقالَ أبُو الأشَدَّيْنِ - قالَ مُقاتِلٌ: اسْمُهُ: أُسَيْدُ بْنُ كِلْدَةَ.

وقالَ غَيْرُهُ: كَلِدَةُ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ: (يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: أنا أمْشِي بَيْنَ أيْدِيكم فَأرْفَعُ عَشْرَةً بِمَنكِبِي الأيْمَنِ، وتِسْعَةً بِمَنكِبِي الأيْسَرِ، فَنَدْخُلُ الجَنَّةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلا مَلائِكَةً ﴾ لا أدَمِيِّيِنَ، فَمَن يُطِيقُهم ومَن يَغْلِبُهُمْ؟!

﴿ وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ ﴾ في هَذِهِ القِلَّةِ ﴿ إلا فِتْنَةً ﴾ أيْ: ضَلالَةً ﴿ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ حَتّى قالُوا ما قالُوا ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقٌّ، لِأنَّ عِدَّتَهم في التَّوْراةِ تِسْعَةَ عَشَرَ ﴿ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴿ إيمانًا ﴾ أيْ: تَصْدِيقًا بِمُحَمَّدٍ  إذْ وجَدُوا ما يُخْبِرُهم مُوافِقًا لِما في كِتابِهِمْ ﴿ وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: ولا يَشُكُّ هَؤُلاءِ في عَدَدِ الخَزَنَةِ ﴿ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ النِّفاقُ، ذَكَرَهُ الأكْثَرُونَ، والثّانِي: أنَّهُ الشَّكُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ: وزَعَمَ أنَّهم يَهُودُ أهْلِ المَدِينَةِ، وعِنْدَهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخِلافُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

وقالَ: لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ.

وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ.

فَأمّا "الكافِرُونَ" فَهم مُشْرِكُو العَرَبِ، "ماذا أرادَ اللَّهُ" أيْ: أيُّ شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ؟، "بِهَذا" الحَدِيثِ والخَبَرِ "مَثَلًا" والمَثَلُ يَكُونُ بِمَعْنى الحَدِيثِ نَفْسِهِ.

ومَعْنى الكَلامِ: يَقُولُونَ: ما هَذا مِنَ الحَدِيثِ "كَذَلِكَ" أيْ: كَما أضَلَّ مَن أنْكَرَ عَدَدَ الخَزَنَةِ، وهَدى مَن صَدَّقَ "يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ" وأُنْزِلَ في قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: أما لِمُحَمَّدٍ مِنَ الجُنُودِ إلّا تِسْعَةَ عَشَرَ: "وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكِ إلّا هُوَ" يَعْنِي: مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ خَلَقَهم لِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ.

وذَلِكَ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ التِّسْعَةَ عَشَرَ مِنَ الأعْوانِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.

وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ في وجْهِ الحِكْمَةِ في كَوْنِهِمْ تِسْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا مُحْتَمَلًا، فَقالَ: التِّسْعَةَ عَشَرَ: عَدَدٌ يَجْمَعُ أكْثَرَ القَلِيلِ، وأقَلَّ الكَثِيرِ، لِأنَّ الآحادَ أقَلُّ الأعْدادِ، وأكْثَرُها تِسْعَةٌ، وما سِوى الآحادِ كَثِيرٌ.

وأقَلُّ الكَثِيرِ: عَشْرَةٌ، فَوَقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى عَدَدٍ يَجْمَعُ أقَلَّ الكَثِيرِ، وأكْثَرَ القَلِيلِ.

ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ النّارِ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَما هي إلا ذِكْرى ﴾ أيْ: ما النّارُ في الدُّنْيا إلّا مُذَكِّرَةٌ لِنارِ الآخِرَةِ ﴿ كَلا ﴾ أيْ: حَقًّا ﴿ والقَمَرِ.

﴾ ﴿ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "إذا أدْبَرَ" وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ "إذْ" بِسُكُونِ الذّالِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَها "أدْبَرَ" بِسُكُونِ الدّالِ، وبِهَمْزَةٍ قَبْلَها.

وهَلْ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، أمْ لا؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.

يُقالُ: دَبَرَ اللَّيْلُ، وأدْبَرَ.

ودَبَرَ الصَّيْفُ وأدْبَرَ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والأخْفَشِ، وثَعْلَبٍ.

والثّانِي: أنَّ "دَبَرَ" بِمَعْنى خَلَفَ، و"أدْبَرَ" بِمَعْنى ولّى.

يُقالُ: دَبَرَنِي فُلانٌ: جاءَ خَلْفِي، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إذا أسْفَرَ ﴾ أيْ: أضاءَ وتَبَيَّنَ "إنَّها" يَعْنِي سَقَرَ "لَإحْدى الكُبَرِ" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الكُبَرُ، جَمْعُ كُبْرى،مِثْلُ الأُوَلِ، والأُولى، والصُّغَرِ والصُّغْرى.

وهَذا كَما يُقالُ: إنَّها لَإحْدى العَظائِمِ.

قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما أنْذَرَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أوْهى مِنها.

وَقالَ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ: أرادَ بِالكُبَرِ: دَرَكاتِ جَهَنَّمَ السَّبْعَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُ "نَذِيرًا" عَلى الحالِ.

والمَعْنى: إنَّها لَكَبِيرَةٌ في حالَةِ الإنْذارِ.

وذُكِّرَ "النَّذِيرُ"، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْنى العَذابِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَنصُوبًا مُتَعَلِّقًا بِأوَّلِ السُّورَةِ، عَلى مَعْنى: قُمْ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لِمَن شاءَ مِنكُمْ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلْبَشَرِ ﴾ "أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ" فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْ يَتَقَدَّمَ في طاعَةِ اللَّهِ أوْ يَتَأخَّرَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنْ يَتَقَدَّمَ في الخَيْرِ، أوْ يَتَأخَّرَ إلى الشَّرِّ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

والرّابِعُ: أنْ يَتَقَدَّمَ في الإيمانِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْهُ.

والمَعْنى: أنَّ الإنْذارَ قَدْ حَصَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ أقَرَّ أوْ كَفَرَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُدَّثِّرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ ﴿ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ ﴿ والرُجْزَ فاهْجُرْ ﴾ ﴿ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ ﴿ وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ ﴾ ﴿ فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ ﴾ ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾ ﴿ عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في "المُدَّثِّرِ" عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في [المُزَّمِّلِ]، وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [المُدَّثِّرُ] ومَعْناهُ: المُتَدَثِّرُ بِثِيابِهِ، والدِثارُ: ما يَتَغَطّى الإنْسانُ بِهِ مِنَ الثِيابِ.

واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ ناداهُ بِالمُدَّثِّرِ؟

فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِما ورَدَ في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ  لَمّا فَرَغَ مِن رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ فَرُعِبَ مِنهُ ورَجَعَ إلى خَدِيجَةَ، قالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"، ﴾ » وقالَتْ عائِشَةُ، وَقالَ النَخْعِيُّ وقَتادَةُ: نُودِيَ وهو في حالٍ تَدَثُّرٍ فَدُعِي بِحالٍ مِن أحْوالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدَّثِرُ في قَطِيفَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أيُّها النائِمُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ لِلنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.

واخْتَلَفَ الناسُ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَلَمَةَ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ" ﴾ الآياتُ، وقالَ الزُهْرِيُّ والجُمْهُورُ: "هُوَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، وهَذا هو الأصَحُّ، وحَدِيثُ صَدْرِ البُخارِيِّ نَصَّ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "قُمْ فَأنْذِرْ" بِعْثَةٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ قَتادَةُ، المَعْنى: أنْذِرْ عَذابَ اللهِ ووَقائِعَهُ بِالأُمَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ" مَعْناهُ: عَظِّمْهُ بِالعِبادَةِ وبُثَّ شَرْعَهُ، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ قالَ: بِمَ نَفْتَتِحُ صَلاتَنا؟

فَنَزَلَتْ: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ".

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ"، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ، والشافِعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ الثِيابِ حَقِيقَةً، وذَهَبَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَجاساتِ مِنَ الثِيابِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِهِ الألْفاظُ اسْتِعارَةٌ في تَنْقِيَةِ الأفْعالِ والنَفْسِ وأعْرِضْ وهَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ طاهِرُ الثَوْبِ، ويُقالُ لِلْفاجِرِ: دَنَسُ الثَوْبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ..

لَبِسَتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنِّعُ وقالَ الآخَرُ: لا هُمَّ إنَّ عامِرَ ابْنَ جَهْمِ ∗∗∗ ∗∗∗ أوذَمَ حَجًّا في ثِيابِ دُهْمِ أيْ: دَنَّسَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: ولا تَلْبَسُها عَلى غَدْرَةٍ ولا فُجُورٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: المَعْنى: لا تَلْبَسُها مِن مَكْسَبٍ خَبِيثٍ، وقالَ النَخْعِيُّ: المَعْنى: طَهِّرْها مِنَ الذُنُوبِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وقالَ طاوُسٌ: المَعْنى: قَصَرَها وشَمَّرَها، فَذَلِكَ طُهْرَةٌ لِلثِّيابِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "والرِجْزَ فاهْجُرْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ: و"الرُجْزَ فاهْجُرْ" بِضَمِّ الراءِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنى يُرادُ بِهِما الأصْنامُ والأوثانُ، وقِيلَ: لِلْأصْنامِ عُمُومًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والزَهْرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الرِجْزَ": السُخْطُ، فالمَعْنى: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ويُوجِبُهُ، وَقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَعْصِيَةِ رِجْزٌ، ورَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ  فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالأوثانِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: لا تُعْطِ عَطاءً لِتُعْطى أكْثَرُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: "مَن إذا أعْطى"، قالَ الضَحّاكُ: وهَذا خاصٌّ بِالنَبِيِّ  ومُباحٌ لِأُمَّتِهِ لَكِنْ لا أجْرَ لَهم فِيهِ، قالَ مَكِّيٌّ: وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَعْنًى أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى هَذِهِ السُورَةِ.

وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ "وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ": ﴾ لا تَقُلْ: دَعَوْتُ فَلَمْ أُجَبْ ورَوى قَتادَةُ أنَّ المَعْنى: لا تُدْلِ بِعَمَلِكَ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْرِيض عَلى الجِدِّ وتَخْوِيف، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ولا تَمْنُنْ عَلى الناسِ بِنُبُوءَتِك تَسْتَكْثِرُ بِأجْرٍ أو بِكَسْبٍ تَطْلُبُهُ مِنهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عَلى اللهِ تَعالى بِجَدِّكَ تَسْتَكْثِرُ أعْمالَكَ ويَقَعُ لَكَ بِها إعْجابٌ، فَهَذِهِ كُلُّها مِنَ المَنِّ الَّذِي هو تَعْدِيدُ اليَدِ وذِكْرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرُ ما حَمَلْناكَ مِن أعْباءِ الرِسالَةِ وتَسْتَكْثِرُ مِنَ الخَيْرِ، فَهَذِهِ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ: ضَعِيفٌ.

وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَسْتَكْثِرُ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى تَقْدِيرِ "أنَّ" مُضْمَرَةً، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ الجَزْمَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا تَمْنُنْ فَتَسْتَكْثِرُ" بِالفاءِ العاطِفَةِ والجَزْمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "وَلا تَمْنَّ" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.

"وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ"، أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ وطَلَبِ رِضاهُ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: عَلى الأدْنى مِنَ الكُفّارِ، وعَلى العِبادَةِ، وعَنِ الشَهَواتِ، وعَلى تَكالِيفِ النُبُوَّةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وعَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ، لَقَدْ حَمَلَ  أمْرًا عَظِيمًا.

و"الناقُورِ": الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، وهو الصُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ خِفافُ بْنُ نُدْبَةَ: إذا ناقُورُهم يَوْمًا تَبَدّى ∗∗∗ أجابَ الناسُ مِن شَرْقٍ وغَرْبِ وهُوَ" فاعُولٌ" مِنَ النَقْرِ، وقالَ أبُو حُبابٍ: أمِنّا زُرارَةُ بْنُ أوفى فَلَمّا بَلَغَ " فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ" خَرَّ مَيِّتًا، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ  قالَ لِأصْحابِهِ: "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَهُ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ بِالنَفْخِ"؟

فَفَزِعَ فَقالُوا: كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا".» ويَوْمٌ عَسِيرٌ مَعْناهُ: في عُسْرٍ في الأُمُورِ الجارِيَةِ عَلى الكَفّارِ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى اليَوْمَ بِالعَسِرِ لِكَوْنِهِ ظَرْفَ زَمانٍ لَهُ، وكَذَلِكَ تَجِيءُ صِفَتُهُ بِاليُسْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ "عُسْرٍ" بِغَيْرِ ياءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم على تحمل ما يلقاه من أذى المشركين وعلى مشاقّ الدعوة.

والصبر: ثبات النفس وتحملها المشاق والآلام ونحوها.

ومصدر الصبر وما يشتق منه يتضمن معنى التحمّل للشيء الشاقّ.

ويعدّى فعل الصبر إلى اسم الذي يتحمله الصابر بحرف (على)، يقال: صبر على الأذى.

ويتضمن معنى الخضوع للشيء الشاق فيعدى إلى اسم ما يتحمله الصابر باللام.

ومناسبة المقام ترجح إحدى التعديتين، فلا يقال: اصبر على الله، ويقال: اصبر على حكم الله، أو لحكم الله.

فيجوز أن تكون اللام في قوله ﴿ لربّك ﴾ لتعدية فعل الصبر على تقدير مضاف، أي اصبر لأمره وتكاليف وحيه كما قال: ﴿ واصبر لحكم ربّك فإنك بأعيننا ﴾ في سورة الطور (48) وقوله: ﴿ فاصبر لحكم ربّك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ﴾ في سورة الإِنسان (24) فيناسب نداءه ب ﴿ يا أيها المدثر ﴾ [المدثر: 1] لأنه تدثر من شدة وقع رؤية المَلك، وتركُ ذكر المضاف لتذهب النفس إلى كل ما هو من شأن المضاف إليه مما يتعلق بالمخاطب.

ويجوز أن تكون اللام للتعليل، وحذف متعلق فعل الصبر، أي اصبر لأجل ربّك على كل ما يشق عليك.

وتقديم ﴿ لربّك ﴾ على «(اصبر) للاهتمام بالأمور التي يصبر لأجلها مع الرعاية على الفاصلة، وجَعل بعضهم اللام في ﴿ لربّك ﴾ لام التعليل، أي اصبر على أذاهم لأجله، فيكون في معنى: إنه يصبر توكلاً على أن الله يتولى جزاءهم، وهذا مبني على أن سبب نزول السورة ما لحق النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين.

والصبر تقدم عند قوله تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة في ﴾ [البقرة: 45].

وفي التعبير عن الله بوصف (ربّك) إيماء إلى أن هذا الصبر برّ بالمولى وطاعة له.

فهذه ست وصايا أوصى الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم في مبدإ رسالته وهي من جوامع القرآن أراد الله بها تزكية رسوله وجعلها قدوة لأمته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ المُدَّثِّرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِثِيابِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿ قُمْ ﴾ مِن نَوْمِكَ ﴿ فَأنْذِرْ ﴾ قَوْمَكَ عَذابَ رَبِّكَ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: يا أيُّها الكاتِمُ لِنُبُوَّتِهِ اجْهَرْ بِإنْذارِكَ.

وَيَحْتَمِلُ هَذا الإنْذارُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ لِأنَّهُ مُقَدِّمَةُ الرِّسالَةِ.

الثّانِي: دُعاؤُهم إلى التَّوْحِيدِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرٌ هي أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ.

﴿ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالثِّيابِ العَمَلُ.

الثّانِي: القَلْبُ.

الثّالِثُ: النَّفْسُ.

الرّابِعُ: النِّساءُ والزَّوْجاتُ.

الخامِسُ: الثِّيابُ المَلْبُوساتُ عَلى الظّاهِرِ.

فَمَن ذَهَبَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها العَمَلُ قالَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: وعَمَلَكَ فَأصْلِحْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (يُحْشَرُ المَرْءُ في ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ ماتَ فِيها يَعْنِي عَمَلَهُ الصّالِحَ والطّالِحَ)» .

ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالثِّيابِ القَلْبُ فالشّاهِدُ عَلَيْهِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ وإنْ تَكُ قَدْ ساءَتْكَ مِنِّي خَلِيقَةٌ فَسَلِي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسِلِ وَلَهم في تَأْوِيلِ الآيَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وقَلْبَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الإثْمِ والمَعاصِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

الثّانِي: وقَلْبَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الغَدْرِ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرِ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ.

وَمَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالثِّيابِ النَّفْسُ فَلِأنَّها لابِسَةُ الثِّيابِ، فَكَنّى عَنْها بِالثِّيابِ، ولَهم في تَأْوِيلِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ ونَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِمّا نَسَبَكَ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ مِن شِعْرٍ أوْ سِحْرٍ أوْ كِهانَةٍ أوْ جُنُونٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ وأبُو يَحْيى عَنْ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: ونَفْسَكَ فَطَهِّرْها مِمّا كُنْتَ تَشْكُو مِنهُ وتَحْذَرُ، مِن قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّالِثُ: ونَفْسَكَ فَطَهِّرْها مِنَ الخَطايا، قالَهُ عامِرٌ.

وَمَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ النِّساءُ والزَّوْجاتُ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ  ﴾ ولَهم في تَأْوِيلِ الآيَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ونِساءَكَ فَطَهِّرْ بِاخْتِيارِ المُؤْمِناتِ العَفائِفِ.

الثّانِي: الِاسْتِمْتاعُ بِهِنَّ مِنَ القُبُلِ دُونَ الدُّبُرِ، وفي الطُّهْرِ دُونَ الحَيْضِ، حَكاهُما ابْنُ بَحْرٍ.

وَمَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى الظّاهِرِ، فَلَهم في تَأْوِيلِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ وثِيابَكَ فَأنْقِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ ∗∗∗ وأوْجُهُهم عِنْدَ المَشاهِدِ غُرّانُ الثّانِي: وثِيابَكَ فَشَمِّرْ وقَصِّرْ، قالَهُ طاوُوسٌ.

الثّالِثُ: وثِيابَكَ فَطَهِّرْ مِنَ النَّجاساتِ بِالماءِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وابْنُ زَيْدٍ والفُقَهاءُ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ لا تَلْبَسْ ثِيابًا إلّا [مِن] كَسْبٍ حَلالٍ مُطَهَّرَةٍ مِنَ الحَرامِ.

﴿ والرُّجْزَ فاهْجُرْ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي الآثامَ والأصْنامَ، قالَهُ جابِرٌ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: والشِّرْكَ فاهْجُرْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: والذَّنْبَ فاهْجُرْ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: والإثْمَ فاهْجُرْ، قالَ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: والعَذابَ فاهْجُرْ، حَكاهُ أسْباطٌ.

السّادِسُ: والظُّلْمَ فاهْجُرْ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ.

كَمْ رامَنا مِن ذِي عَدِيدٍ مِنهُ ∗∗∗ حَتّى وقَمْنا كَيْدَهُ بِالرَّجَزِ.

قالَهُ السُّدِّيُّ: الرَّجَزُ بِنَصْبِ الرّاءِ: الوَعِيدُ.

﴿ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولٍ وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.

الثّانِي: مَعْناهُ لا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ تَسْتَكْثِرْ عَلى رَبِّكَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلى النّاسِ تَأْخُذُ عَلَيْها مِنهم أجْرًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ لا تُضْعُفْ عَنِ الخَيْرِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا خامِسًا: لا تَفْعَلِ الخَيْرَ لِتُرائِيَ بِهِ النّاسَ.

﴿ وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ ﴾ أمّا قَوْلُهُ (وَلِرَبِّكَ) فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأمْرِ رَبِّكَ.

الثّانِي: لِوَعْدِ رَبِّكَ.

الثّالِثُ: لِوَجْهِ رَبِّكَ.

وَفي قَوْلِهِ (فاصْبِرْ) سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فاصْبِرْ عَلى ما لاقَيْتَ مِنَ الأذى والمَكْرُوهِ قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: عَلى مُحارَبَةِ العَرَبِ ثُمَّ العَجَمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: عَلى الحَقِّ فَلا يَكُنْ أحَدٌ أفْضَلَ عِنْدِكَ فِيهِ مِن أحَدٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: فاصْبِرْ عَلى عَطِيَّتِكَ لِلَّهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الخامِسُ: فاصْبِرْ عَلى الوَعْظِ لِوَجْهِ اللَّهِ، قالَهُ عَطاءٌ.

السّادِسُ: عَلى انْتِظامِ ثَوابِ عَمَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ شَجَرَةَ.

السّابِعُ: عَلى ما أمَرَكَ اللَّهُ مِن أداءِ الرِّسالَةِ وتَعْلِيمِ الدِّينِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي نَفَخَ في الصُّورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَلِ المُرادُ النَّفْخَةُ الأُولى أوِ الثّانِيَةُ؟

قَوْلانِ: أحَدُهُما: الأُولى.

والثّانِي: الثّانِيَةُ.

الثّانِي: أنَّ النّاقُورَ القَلْبُ يَجْزَعُ إذا دُعِيَ الإنْسانُ لِلْحِسابِ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّ النّاقُورَ صُحُفُ الأعْمالِ إذا نُشِرَتْ لِلْعَرْضِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن الضريس وابن مردويه والنحاس والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة المدثر بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.

وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن الأنباري في المصاحف قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال: ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قلت: يقولون ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبدالله عن ذلك قلت له مثل ما قلت.

قال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جاورت بحراء، فلما قضيت جواري فنوديت فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئاً، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئاً، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه رعباً، فرجعت فقلت دثروني فدثروني، فنزلت ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر ﴾ إلى قوله: ﴿ والرجز فاهجر ﴾ » .

وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً فلما أكلوا قال: ما تقولون في هذا الرجل؟

فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم ليس بشاعر، وقال بعضهم: سحر يؤثر، فاجتمع رأيهم على أنه سحر يؤثر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخرج وقنع رأسه وتدثر، فأنزل الله: ﴿ يا أيها المدثر ﴾ إلى قوله: ﴿ ولربك فاصبر ﴾ .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: دثرت هذا الأمر فقم به.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: كان متدثراً في قطيف، يعني شملة صغيرة الخمل ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: من الإِثم ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الإِثم ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه ﴿ ولربك فاصبر ﴾ قال: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك واصبر حتى يكون هو الذي يثيبك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: المتدثر في ثيابه ﴿ قم فأنذر ﴾ قال: أنذر عذاب ربك ووقائعه في الأمم وشدة نقمته إذا انتقم ﴿ وثيابك فطهر ﴾ يقول: طهرها من المعاصي وهي كلمة عربية، كانت العرب إذا نكث الرجل ولم يوف بعهده قالوا: إن فلاناً لدنس الثياب، وإذا أوفى وأصلح قالوا: إن فلاناً لطاهر الثياب ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: هما صنمان كانا عند البيت أساف ونائلة يمسح وجوههما من أتى عليهما من المشركين، فأمر الله نبيه محمداً أن يهجرهما ويجانبهما ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط شيئاً لمثابة الدنيا ولا لمجازاة الناس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ وربك فكبر ﴾ قال: عظم ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: عنى نفسه ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الشيطان والأوثان.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه: قلنا يا رسول الله كيف نقول إذا دخلنا في الصلاة، فأنزل الله: ﴿ وربك فكبر ﴾ فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نفتتح الصلاة بالتكبير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: النائم ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب باطل ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الأصنام ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: من الإِثم قال: وهي في كلام العرب نقي الثياب.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: من الغدر، ولا تكن غداراً.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الوقف والابتداء وابن مردويه عن عكرمة أن ابن عباس سئل عن قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: لا تلبسها على غدرة ولا فجرة، ثم قال: ألا تسمعون قول غيلان بن سلمة: إني بحمد الله لا ثوب فاجر ** لبست ولا من غدرة أتقنع وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كان الرجل في الجاهلية إذا كان غدراً قالوا: فلان دنس الثياب.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي رزين ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: عملك أصلحه، كان أهل الجاهلية إذا كان الرجل حسن العمل قالوا: فلان طاهر الثياب.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: وعملك فأصلح.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: لست بكاهن ولا ساحر فأعرض عنه ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الأوثان ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط مصانعة رجاء أفضل منه من الثواب ﴿ ولربك فاصبر ﴾ قال: على ما أوذيت.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: عنى نفسه.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: ليس ثيابه الذي يلبس.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: خلقك فحسن.

وأخرج ابن المنذر عن يزيد بن مرثد في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ أنه ألقى على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلا شاة.

وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والرجز فاهجر ﴾ بالكسر.

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ﴿ والرجز فاهجر ﴾ برفع الراء، وقال: هي الأوثان» .

وأخرج ابن المنذر عن حماد رضي الله عنه قال: قرأت في مصحف أبي ﴿ ولا تمنن أن تستكثر ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ يقول: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه، وإنما نزل هذا في النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه، وهي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة والناس موسع عليهم.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط الرجل عطاء رجاء أن يعطيك أكثر منه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تقل قد دعوتهم فلم يقبل مني، عد فادعهم ﴿ ولربك فاصبر ﴾ على ذلك.

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ قال: الصور ﴿ يوم عسير ﴾ قال: شديد.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ قال: فإذا نفخ في الصور.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه وأبي مالك وعامر مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: الناقور الصور شيء كهيئة البوق.

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع متى يؤمر؟

قالوا: كيف نقول يا رسول الله؟

قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» .

وأخرج ابن سعد والحاكم عن بهز بن حكيم قال: أمنا زرارة بن أوفى فقرأ المدثر، فلما بلغ ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ خر ميتاً فكنت فيمن حمله.

وأخرج عبد حميد عن قتادة ﴿ فذلك يومئذ يوم عسير ﴾ قال: ثم بين على من مشقته وعسره فقال: ﴿ على الكافرين غير يسير ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ياأيها المدثر ﴾ وزنه متفعل ومعناه الذي تدثر في كساء أو ثياب وتسميته بذلك كتسميته بالمزمل، حسبما ذكرنا في موضعه.

وقال السهيلي: في ندائه بالمدثر ثلاثة فوائد: الاثنتان اللتان ذكرتا في المزمل وفائدة ثالثة وهي أن العرب يقولون: النذير العريان، للنذير الذي يكون في غاية الجد والتشمير، والنذير بالثياب ضد هذا، فكأنه تنبيه على ما يجب التشمير، وقيل: إن هذه أول سورة نزلت من القرآن: والصحيح أن سورة اقرأ نزلت قبلها ﴿ قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ أي أنذر الناس وهذه بعثة عامة ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ أي عظِّمه، ويحتمل أن يريد قوله: الله أكبر ويؤيد ذلك ما روي عن أبي هريرة أن المسلمين قالوا: بم نفتتح صلاتنا فنزلت: وربك فكبر وقول: وربك فكبر: من المقلوب الذي يقرأ طرداً وعكساً من أوله وآخره ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ فيه ثلاثة أقوال، أحدها أنه حقيقة في تطهير الثياب من النجاسة، واختلف في هذا هل يحمل على الوجوب، فتكون إزالة النجاسة واجبة، أو على الندب فتكون سنة، والآخر أنه يراد به الطهارة من الذنوب والعيوب، فالثياب على هذا مجاز، الثالث: أن معناه لا تلبس الثياب من مكسب خبيث ﴿ والرجز فاهجر ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الرجز الأوثان، روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول عائشة، والآخر: أن الرِجز السخط والعذاب وهذا أصله في اللغة فمعناه اهجر ما يؤدي إليه ويوجبه، الثالث: أنه المعاصي والفجور، قال بعضهم: كل معصية رِجز ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾ يحتمل قوله: تمنن أن يكون العطاء أو بمعنى المنّ وهو ذكر العطاء وشبهه، أو بمعنى الضعف فإن كان بمعنى العطاء ففيه وجهان، أحدهما: أن معناه لا تعط شيئاً لتأخذ أكثر منه، قال بعضهم: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ومباح لأمّته، والآخر: لا تعط الناس عطاء وتستكثره، لأن الكريم يستقلُ ما يُعطي وإنْ كثيراً، وإن كان من المنّ بالشيء ففيه وجهان، الأول: لا تمنن على الناس بنبوتك تستكثر بأجر أو مكسب تطلبه، الثاني: لا تمنن على الله بعملك تستكثر أعمالك وتقع لك بها إعجال، وإن كان من الضعف فمعناه لا تضعف عن تبليغ الرسالة وتستكثر ما حملناك من ذلك ﴿ وَلِرَبِّكَ فاصبر ﴾ أي اصبر لوجهه وطلب رضاه، ويحتمل أن يريد الصبر على المكاره والمصائب، أو على إذاية الكفار له، أو على العبادة ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور ﴾ يعني نُفخ في الصور، ويحتمل أن يريد النفخة الأولى والثانية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ الرجز ﴾ بضم الراء: يزيد وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والآخرون: بالكسر ﴿ تسعة عشر ﴾ بسكون العين لتوالي الحركات: يزيد والخراز عن هبيرة ﴿ إذا ﴾ بسكون الذال ﴿ أدبر ﴾ من الإدبار: نافع ويعقوب وحمزة وخلف وحفص والمفضل.

الباقون ﴿ إذا ﴾ بالألف ﴿ دبر ﴾ من الدبور.

﴿ مستنفرة ﴾ بفتح الفاء: أبوجعفر ونافع وابن عامر والمفضل ﴿ تخافون ﴾ بتاء الخطاب: ابن مجاهد والنقاش عن أبي ذكوان ﴿ وما تذكرون ﴾ على الخطاب: نافع ويعقوب.

الوقوف: ﴿ المدثر ﴾ ه لا ﴿ فأنذر ﴾ ه لا ﴿ فكبر ﴾ ه ك ﴿ فطهر ﴾ ه ك ﴿ فاهجر ﴾ ه ك ﴿ تستكثر ﴾ ه ك ﴿ فاصبر ﴾ ه ط وقد يجوز الوقوف على الآيات قبلها إلا على الأولى ﴿ الناقور ﴾ ه لا ﴿ عسير ﴾ ه ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ وحيداً ﴾ ه لا ﴿ ممدوداً ﴾ ه ك ﴿ شهوداً ﴾ ه ك ﴿ تمهيداً ﴾ ه ك ﴿ أن أزيد ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ عنيداً ﴾ ه ط للإبتداء بالتهديد ﴿ صعوداً ﴾ ه ك للإبتداء بأن ﴿ وقدر ﴾ ه لا ﴿ قدر ﴾ ه لا ﴿ نظر ﴾ ه لا ﴿ وبسر ﴾ ه ك ﴿ واستكبر ﴾ ه ك ﴿ يؤثر ﴾ ه ك ﴿ البشر ﴾ ه ﴿ سقر ﴾ ه لا ﴿ ما سقر ﴾ ه ط لتناهي الإستفهام ﴿ ولا تذر ﴾ ه م لأن التقدير هي لواحة مع اتحاد المقصود ﴿ للبشر ﴾ ط للآية ولأن ما بعده من تمام المقصود ﴿ عشر ﴾ ه ط ﴿ ملائكة ﴾ ص لاتفاق الجملتين مع استقلال كل منهما بنفي واستثناء ﴿ كفروا ﴾ لا لتعلق اللام ﴿ والمؤمنون ﴾ لا لذلك ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ للبشر ﴾ ه قد يوصل على جعل ﴿ كلا ﴾ ردعاً والوقف على ﴿ البشر ﴾ دون ﴿ كلا ﴾ صواب لأنه تأكيد القسم بعدها ﴿ والقمر ﴾ ه ﴿ إذ أدبر ﴾ ه لا ﴿ أسفر ﴾ ه لا ﴿ الكبر ﴾ ه ﴿ للبشر ﴾ ه ﴿ يتأخر ﴾ ه ط ﴿ رهينة ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط على تقديرهم في جنات يتساءلون فيها.

والوقف على ﴿ جنات ﴾ أولى لعدم الإضمار ﴿ سقر ﴾ ه ﴿ المصلين ﴾ ه ﴿ المسكين ﴾ ه ﴿ الخائضين ﴾ ه ك ﴿ الدين ﴾ ه لا ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ الشافعين ﴾ ه ج للإبتداء بالاستفهام به ﴿ معرضين ﴾ ه لا لأن ما بعده صفتهم ﴿ مستنفرة ﴾ ه ط ﴿ قسورة ﴾ ه ط ﴿ منشرة ﴾ ه ط ﴿ كلا ﴾ للردع عن الإرادة ﴿ الآخرة ﴾ لا على جعل ﴿ كلا ﴾ بمعنى حقاً تذكرة} ج للشرط مع الفاء ﴿ ذكره ﴾ ه ﴿ الله ﴾ ه ﴿ المغفرة ﴾ ه.

التفسير: "روى جابر بن عبد الله أن النبي  قال: كنت على جبل حراء فنوديت يا محمد إنك رسول الله، فنظرت عن يميني ويساري فلم أر شيئاً، فنظرت فوقي فرأيت الملك قاعداً على عرش بين السماء والأرض فخفت ورجعت إلى خديجة فقلت: دثروني وصبوا عليّ ماء بارداً، ونزل جبرائيل وقال ﴿ يا أيها المدثر ﴾ " وروى الزهري مثله، وقريب منه ما قيل: إنه تحنث في غار حراء فقيل له ﴿ يا أيها المدثر ﴾ المغطى بدثار اشتغل بدعوة الخلق، فالسورة على هذا من أوائل ما نزل.

وقيل: سمع من قريش ما كرهه كما يجيء حكايته عن الوليد فاغتنم فتغطى بثوبه مفكراً فأمر أن لا تدع إنذارهم وتصبر على أذاهم.

وقيل: أراد يا أيها المدثر بدثار النبوة مثل لباس التقوى.

والدثار ما فوق الشعار، والشعار الثوب الذي يلي الجسد قال  " الأنصار شعار والنار دثار " قوله ﴿ قم ﴾ أي من مضجعك أو قيام عزم وتصمم.

وقوله ﴿ فأنذر ﴾ متروك المفعول لئلا يختص بأحد نحو " فلان يعطي " أي فافعل الإنذار وأوجده وقيل: أراد فحذر قومك من عذاب الله إن لم تؤمنوا.

قوله ﴿ وربك فكبر ﴾ أي عظم ربك مما يقول عبدة الأوثان، أو من أن يأمرك بالإنذار من غير حكمة وصلاح عام.

وعن مقاتل: وهو نفس التكبير.

يروى أنه لما نزل قال النبي  : الله أكبر فكبرت خديجة وفرحت وأيقنت أنه الوحي وقد يحمل على تكبير الصلوات ولا يبعد أن يكون للنبي  في أول الأمر صلوات مخصوصة والفاآت في ﴿ فكبر ﴾ وما يتلوها لتلازم ما قبلها وما بعدها كأنه قيل: مهما كان من شيء فلا تدع تكبيره.

وقوله ﴿ وثيابك فطهر ﴾ في تفسيره وجوه أربعة: أحدها أن يترك كل من لفظي الثياب والتطهير على ظاهره.

فعن الشافعي أن المراد الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس والأقذار ولا ريب أن هذا هو الأصل إلا أن في غير حال الصلاة أيضاً لا يحل إستعمال النجس أولا يحسن فقبح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثاً.

وروي أنهم ألقوا على رسول الله  سلى شاة فرجع إلى بيته حزيناً وتدثر ثيابه فقيل ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر ﴾ ولا تمنعك تلك الناهية عن الإنذار.

﴿ وربك فكبر ﴾ عن أن لا ينتقم منهم ﴿ وثيابك فطهر ﴾ عن تلك النجاسات والقاذورات الثاني: الثياب حقيقة والتطهير كناية عن التقصير لان العرب كانوا يطولون ثيابهم ويجرون أذيالهم.

وقال علي  : قصر ثيابك فإنه أتقى وأبقى وأنقى.

وقيل: تطهيرها أن لا تكون مغصوبة ولا محرمة بل تكون مكتبسة من وجه حلال.

الثالث: عكسه فعبر عن الجسد بالثياب لاشتماله على النفس.

وكان العرب لا يتنظفون وقت الإستنجاء فأمر النبي  بالتنظيف.

الرابع: أن يكون كل من اللفظين مجازاً قال القفال: إنهم لما لقبوه بالساحر شق عليه ذلك فرجع إلى بيته وتدثر فكان ذلك إظهار جزع وقلة صبر فأمر بحسن الخلق وتهذيب الأخلاق أي طهر قلبك عن الصفات الذميمة كقطع الرحم وعزم الإنتقام والسآمة من الدعوة إلى دين الله لأجل أذى القوم.

وهذا بعد منا سبته لخطابه بالمدثر مجاز مستعمل يقال: فلان طاهر الجيب نقي الذيل إذا كان بريئاً من المثالب.

ويقال: المجد في ثوبيه والكرم في برديه وذلك أن الثواب كالشيء الملازم للإنسان فجعل طهارته كطهارته، ولأن الغالب أن من طهر باطنه طهر ظاهرة.

وقيل: هو أمر بالإحتراز عن الآثام والأوزار التي كان يقدم عليها قبل النبوة.

وهذا تأويل من حمل قوله ﴿ ووضعنا عنك وزرك  ﴾ على آثام الجاهلية: وقيل: معناه نساءك طهرهن.

وقد يكنى عن النساء بالثياب هن لباس لكم.

قوله ﴿ والرجز فاهجر ﴾ هو بالكسر والضم العذاب والمراد اهجر ما يؤدي إليه من عبادة الأوثان وغيرها أي أثبت على هجره مثل أهدنا، وهذا يؤكد تأويل من حمل قوله ﴿ وثيابك فطهر ﴾ على تحسين الأخلاق والإجتناب عن المعاصي ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ لا تعط مستكثراً رائياً لما أعطيته كثيراً بل يجب أن تستحقرها وترى أن للأخذ حرمة عليك بقبول ذلك الإنعام، وهذا نهاية الكرم على أن الإستكثار ينبيء على المنة وهي مبطلة للعمل كما قال ﴿ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى  ﴾ فقوله ﴿ تستكثر ﴾ مرفوع والجملة في موضع الحال منصوباً، ويجوز أن يكون الأصل لأن تستكثر فحذف اللام ثم " أن " وأبطل عملها كما روي " ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى" بالرفع.

واختار أبو علي الفارسي الوجه الأول إلا أنه قال: تأويله لا تمنن مقدراً الإستكثار كما في قول القائل: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً.

وأقول: هذا التأويل مما لا حاجة إليه لأن طلب الكثرة مقرون بالإعطاء بخلاف الصيد غداً.

وذهب جم غفير من المفسرين إلى أنه نهى عن الإستقراض وهو أن يهب شيئاً طامعاً في أن يأخذ أكثر منه فيكون نهى تنزيه لأنه جاء في الحديث " "المستغزر يثاب من هبته" " ويجوز أن يكون نهي تحريم خاصاً برسول الله لأن منصبه يجل عن طلب الدنيا خصوصاً بهذا الوجه، ومنهم من حمله على الرياء فيكون نهي تحريم للكل والمن معنى.

وقال القفال: يحتمل أن يكون المقصود النهي عن طلب العوض زائداً أو مساوياً أو ناقصاً.

أما الزائدة فطاهر.

وأما المساوي والناقص فلأن طالب العوض كاره أن ينتقص المال بسبب العطاء فكأنه يطلب الكثرة.

ويجوز أن يقال: إنما حسنت هذه الإستعارة لأن الغالب أن الثواب يكون زائداً على العطاء فسمي طلب الثواب إستكثاراً حملاً للشيء على أغلب أحواله، وكما أن الأغلب أن المرأة ذات الولد إنما تتزوج للحاجة إلى من يربى ولدها فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع ولد المرأة ربيباً.

وإن كان كبيراً خارجاً عن حد التربية أمر  أن يكون عطاؤه خالياً عن انتظار العوض والتفات النفس إليه كيف كان حتى يقع خالصاً لوجه الله ويكون صابراً محتسباً.

وعن الحسن وغيره أنه لما أمره الله بإنذار القوم وتكبير الرب وتطهير الثياب وهجران الرجز قال ﴿ ولا تمنن ﴾ على ربك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما تفعله بل اصبر على ذلك كله ويؤكده قوله بعد ذلك ﴿ ولربك فاصبر ﴾ أي استعمل الصبر في مظانه خالصاً لوجه ربك وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي كالمستكثر لذلك بأمر الله.

وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك لتستكثر أي لتأخذ منهم على ذلك أجراً فيكثر مالك.

وقال مجاهد: لا تمنن أي لا تضعف من قولك " حبل من " أي ضعيف ومنه " منّه السير " أي أضعفه.

والمعنى لا تضعف أن تستكثر من هذه الأوامر ووجه الرفع ما مر في قوله " أحضر الوغى" قوله ﴿ فإذا نقر ﴾ الفاء للتسبيب كأنه قال: اصبر على التكاليف المعدودة وعلى أذى المشركين فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى عاقبة صبرك والفاء في ﴿ فذلك ﴾ للجزاء.

وانتصب ﴿ إذا ﴾ بما دل عليه الجزاء لأن المعنى: فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين " فاعول " من النقر كالهاضوم من الهضم، يشبه أن يكون البناء للآلة لأن الهاضوم ما به يهضم.

فالناقور ما ينقر به وهو الصور باتفاق المفسرين، فكأنه آلة النقر أي النفخ وذلك أن النفخ سبب حدوث الصوت في المزامير كما أن النقر سبب الحدوث في الآلات ذوات الأوتار.

قال الجوهري في الصحاح ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ أي نفخ في الصور.

وقد يلوح من كلام الإمام فخر الدين الرازي في التفسير الكبير أن النقر غير النفخ.

وهكذا من كلام الحليمي في كتاب " المنهاج " وذلك أنه قال: جاء في الأخبار أن في الصور ثقباً بعدد الأرواح كلها فإذا نفخ فيه للإصعاق جمع بين النقر و" النفخ " لتكون الصيحة أهول وأعظم.

وإذا نفخ فيه للإحياء لم ينقر فيه.

واقتصر على النفخ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها ويظهر من فحوى كلامه أنه حمل هذا النقر على أنه مقرون بالنفخة الأولى بعد أن أثبت المغايرة.

ومن المفسرين من ذهب إلى أن النفخة الثانية أهول لأنه  أخبر أن ذلك الوقت شديد على الكافرين، والإصعاق ليس بشديد عليهم ولذلك يقولون ﴿ يا ليتها كانت القاضية  ﴾ أي يا ليتنا بقينا على الموتة الأولى.

قلت: لا دليل في هذا لأن الإصعاق شديد عليهم لا محالة، ثم إذا جاءت النفخة الثانية رأوا من الأهوال ما تمنوا حالة الإصعاق.

أو نقول: مبدأ الشدة من حين الإصعاق ثم يصير الأمر بعد ذلك أشد لأنهم يناقشون في الحساب وتسود وجوههم وتتكلم جوارحهم إلى غير ذلك من القبائح والأهوال، فلذلك يحتمل أن يكون إشارة إلى النقر ويتم الكلام بتقدير مضاف أي ﴿ فذلك ﴾ النقر ﴿ يومئذ ﴾ نقر ﴿ يوم عسير ﴾ فالعامل في ﴿ يومئذ ﴾ هو النقر.

ويجوز أن يكون إشارة إلى اليوم و ﴿ يومئذ ﴾ مبني على الفتح ولكنه مرفوع المحل بدلاً منه كأنّه قيل: فيوم النقر يوم عسير وقوله ﴿ غير يسير ﴾ تأكيد كقولك " أنا محب لك غير مبغض" وفائدته أن يعلم أن عسرة على الكافرين ولا يرجى زواله كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا، أو يراد أنه عسير على الكل لأن أكثر الأنبياء يقول: نفسي نفسي والولدان يشيبون إلا أن الكافر يختص بمزيد العسر بحيث يكون اليسر منفياً عنه رأساً ويعلم هذا من تقديم الظرف.

روى المفسرون أن الوليد بن المغيرة الخزومي وجماعة من صناديد قريش كأبي جهل وأبي لهب وأبي سفيان والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاصي بن وائل اجتمعوا وقالوا: إن وفود العرب يجتمعون في أيام الحج ويسألوننا عن أمر محمد فكل منا يجيب بجواب آخر؛ فواحد يقول مجنون.

وآخر يقول: كاهن وآخر يقول: شاعر فتستدل العرب باختلاف الأجوبة على كون هذه الأجوبة باطلة، فهلموا نجتمع على تسمية محمد باسم واحد.

فقال واحد: إنه شاعر فقال الوليد: سمعن كلام عبيد بن الأبرص وكلام أمية بن أبي الصلت وكلامه ما يشبه كلامهما.

فقال الآخر.

وهو كاهن.

فقال الوليد: إن الكاهن يصدق تارة ويكذب أخرى ومحمد ما كذب قط.

فقال آخر: إنه مجنون فقال الوليد: المجنون يخيف الناس وما يخيف محمد أحداً قط فقام الوليد وانصرف إلى بيته فقال الناس: صبأ الوليد فدخل أبو جهل وقال: مالك يا أبا عبد شمس؟

هذه قريش تجمع لك شيئاً زعموا أنك احتجت وصبأت فقال الوليد: مالي إليه حاجة ولكني فكرت في أمر محمد فقلت: إنه ساحر لأنه يفرق بين الرجل ووالده ومواليه وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل.

فأجمعوا على تلقيب محمد  بهذا اللقب وفرحوا بذلك وعجبوا عن كياسته وفكره ونظره ثم إنهم خرجوا ونادوا بمكة إن محمداً لساحر، فلما سمع رسول الله  ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته حزيناً فتدثر بقطيفة وأنزل الله  ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر ﴾ الآية.

ثم إنه هدد الوليد وسلى نبيه بقوله ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ وهو كقوله في المزمل ﴿ فذرني والمكذبين  ﴾ وقوله ﴿ وحيداً ﴾ من غير شكة أحد أو من " مفعول " خلقت المحذوف أي خلقته وهو وحيد فريد لا مال له ولا ولد.

ويجوز أن يكون نصباً على الذم والمراد أذم وحيداً بناء على أن الوليد كان يلقب بالوحيد فإن كان علماً فلا إشكال، وإن كان صفة على ما روى أنه كان يقول أنا الوحيد بن الوحيد ليس لي في العرب نظير ولا لأبي نظير، وهو إستهزاء به وتهكم بحسب ظنه واعتقاده نحو ﴿ ذق أنك أنت العزيز الكريم  ﴾ فيفيد أنه ليس وحيداً في العلو والشرف ولكنه وحيد في الخبث والدناءة والكفر.

وقيل: إن ﴿ وحيداً ﴾ مفعول ثان قال أبو سعيد الضرير: الوحيد الذي لا أب لهفيكون طعناً في نسبه كما في قوله ﴿ عتل بعد ذلك زنيم  ﴾ وفي المال الممدود وجوه أظهرها أنه المال الذي يكون له مدد يأتي منه الخير بعد الخير على الدوام كالزرع والضرع وأنواع التجارات، ولهذا فسره عمر بن الخطاب بغلة شهر بشهر.

وقال ابن عباس: هو ما كان له بين مكة والطائف من صنوف الأموال.وعلى هذا يكون المال الممدود إما بمعنى المدد كما قلنا، أو بمعنى امتداد مكانه.

وقريب منه ما روى مقاتل أنه كان له بستان بالطائف لا تنقطع ثماره صيفاً ولا شتاءً.

ومن المفسرين من قدر المال الممدود فقال: ألف دينار أو أربعة آلاف أو تسعة آلاف أو ألف ألف فهذه تحكمات لا أصل لها إلا أن تكون رواية صحيحة أن مال الوليد على أحد هذه الأعداد وحينئذ يمكن أن يقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وفي قوله ﴿ وبنين شهوداً ﴾ وجوه: أحدها أنهم حضور معه بمكة لا يفارقونه لاستغنائهم عن الكسب وطلب المعاش فهو مستأنس بهم يغر محزون بفراقهم.

الثاني أنهم رجال يشهدون معهم بمكة في المجامع والمحافل.

الثالث أنهم من أهل الشهادات في الحكومات يسمع قولهم ويعتد بهم.

وأما عددهم فعن مجاهد: عشرة وقيل: ثلاثة عشر وقيل: سبعة كلهم رجال: الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد شمس.

قال جار الله: أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام وعمارة.

قلت: إنه أبقى الوليد بن الوليد في حوزة الكفرة وهو مسلم حسن الإسلام مشهور الصحبة كما ذكره رشيد الدين الوطواط في رسالته، وصاحب سر السلف سيد الحفاظ أبو القاسم فيه أن الوليد بن الوليد ابن المغيرة كان من المستضعفين حبسه المشركون فدعا النبي  في قنوته: اللهم أنج الوليد ابن الوليد وعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام.

ثم قدم المدينة فتوفى بها فكفنه رسول الله  في قميصه وكانت أم سلمة تندبه.

أبكى الوليد بن الوليد بن المغيرة *** أبكى الوليد بن الوليد أخا العشيرة وقال ابن الأثير في أحاديث رسول الله  مؤلف كتاب " جامع الأصول ": هو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي أخو خالد بن الوليد، أسر يوم بدر كافراً وفداه أخواه خالد وهشام، فلما فدى أسلم فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدي؟

فقال: كرهت أن تظنوا أني أسلمت جزعاً من الإسار فحبسوه بمكة وكان النبي  يدعو له في القنوت مع من يدعو له من المستضعفين بمكة ثم أفلت من أيديهم ولحق بالمدينة.

والعجب من جار أنه ذكر في سورة الزمر في تفسيره قوله ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ أن الوليد أسلم وأسلم معه نفر هاجروا ثم إنه أبقاه ههنا في بقية الكفار.

قوله ﴿ ومهدت له تمهيداً ﴾ أي وبسطت له الجاه العريض والرياسة في قومه فأتممت عليه نعمتي المال والجاه، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا حتى جعلوه دعاء الخير فيما بينهم قائلين " أدام الله تأييدك وتمهيدك " أي بسطتك وتصرفك في الأمور.

وكان الوليد من وجهاء قريش وصناديدهم ولذلك لقب بالوحيد وريحانة قريش.

ومعنى " ثم " في قوله ﴿ ثم يطمع أن أزيد ﴾ استبعاد وتعجب من طمعه وحرصه على الزيادة بعد أن لم يعرف حق بعض ما أوتي.

قال الكلبي ومقاتل: ثم يرجو أن أزيد في ماله وولده وقد كفر بي.

وقيل: إن تلك الزيادة في الآخرة كأن يقول إن كان محمد صادقاً فما خلقت الجنة إلا لي.

ثم قال الله  ﴿ كلا ﴾ حتى افقتر ومات فقيراً.

ثم علل الرجع على وجه الاستئناف كأن قائلاً قال: لم لا يزداد؟

فقال: لأنه ﴿ كان لآياتنا عنيداً ﴾ معانداً والكافر لا يستحق المزيد ولا سيما إذا كان كفره أفحش أنواعه وهو كفر العناد، ومما يدل على أن كفره كفر عناد بعدما حكينا عنه ما روي أن الوليد مر برسول الله  وهو يقرأ حم السجدة فرجع وقال لبني مخزوم: والله لقد سمعت آنفاً من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن.

إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى، ولا ريب أن من عرف هذا القدر ثم زعم أن القرآن سحر فإنه يكون معانداً، والعنيد هو الذي كان العناد خلقه وديدنه فلشدة عناده وصفه الله  به.

وتقديم الظرف يدل على أن عناده كان مختصاً بآيات الله وإن كان تاركاً للعناد في سائر الأمور.

وفي جمع الآيات إشارة إلى أنه كان منكراً للتوحيد والنبوة والبعث وغير ذلك من دلائل الدين ومعجزاته ولهذا أوعده الله  أشد الوعيد قائلاً ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ أي سأصعده عقبة شاقة المصعد وفيه قولان: أحدهما الظاهر وهو ما روي عن النبي " الصعود جبل من نار يصعد فيه خمسين خريفاً ثم يهوي فيه كذلك أبداً " وعنه  " يكلف أن يصعد عقبة من النار كلما وضع عليها يده ذابت فإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله ذابت فإذا رفعها عادت " الثاني إنه مثل لما سيلقى من العذاب الشاق الصعب الذي لا يطاق كما مر في قوله ﴿ يسلكه عذاباً صعداً  ﴾ ثم فسر كيفية عناده بقوله ﴿ إنه فكر ﴾ ماذا يقول في القرآن ﴿ وقدر ﴾ في نفسه كلاماً ﴿ فقتل كيف قدر ﴾ وهذا الكلام مما ينطق به العرب عند التعجب والإستعظام يقولون: قتله الله ما أشجعه.

وقاتله ما أشعره، وأخزاه ما أظرفه.

والمراد أنه قد بلغ المبلغ الذي حق له أن يحسد فيدعى عليه والمعنى في الآية التعجب من قوة خاطره.

أنه كيف استنبط هذه الشبهة في أمر محمد  بحيث وافق غرض قريش كما حكينا وهي بالحقيقة ثناء على طريق الإستهزاء.

ومعنى ﴿ ثم ﴾ الداخلة في تكرير الدعاء الدلالة على أن التعجب في الكرة الثانية أبلغ من الأولى، أو هي حكاية لما كرره من قوله تعالى ﴿ قتل كيف قدر ﴾ ويجوز أن يكون التقدير الأخير تقديراً للتقدير أي ينظر فيه بتمام الإحتياط فهذا ما يتعلق بأحوال قلبه.

ثم وصفه بأحوال ظاهره قائلاً ﴿ ثم نظر ﴾ في وجوه القوم ﴿ ثم عبس وبسر ﴾ قال الليث: عبس عبوساً إذا قطب ما بين عينينه فإن أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل: كلح ﴿ واستكبر ﴾ عن الإيمان ويحتمل أن يقال: قدر ما يقوله ثم نظر فيه احتياطاً والدعاء بينهما اعتراض، ثم قطب في وجه النبي ثم أدبر عن الحق واستكبر عنه.

ومعنى " ثم " في هذه الأفعال سوى فعل الدعاء الثاني المهلة.

والفاء في قوله  ﴿ فقال ﴾ للدلالة على أنه كما تولى واستكبر ذكر هذه الشبهة، أو أن الكلمة لما خطرت بباله بعد التفكر لم يتمالك أن نطق بها من غير تراخ.

وقوله ﴿ يؤثر ﴾ من الأثر بالسكون الرواية كما مر أو من الإيثار أي هو مختار على جميع أنواع السحر.

قوله ﴿ إن هذا إلا قول البشر ﴾ جار مجرى التوكيد من الجملة الأولى ولهذا لم يتوسط العاطف بينهما.

أراد بذلك أنه ملفوظ من كلام غيره.

ومن تأمل في هاتين الجملتين عرف أنه حكاية كلام مفتخر غير خاف عليه وجوه الحيل ودفع الحق الصريح ولذلك جازاه الله بقوله ﴿ سأصليه سقر ﴾ ولعله بدل من قوله ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ ثم قال ﴿ وما أدراك ما سقر ﴾ والمراد التهويل: ثم بينه بقوله ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ قال بعضهم: معناهما واحد والتكرير للمبالغة.

وقال آخرون: لا بد من الفرق: فروى عطاء عن ابن عباس أنها لا تبقي من الدم واللحم والعظم شيئاً فإذا أعيدوا خلقاً جديداً فلا تترك إحراقهم وهكذا أبداً.

وقيل: لا تبقي من المستحقين للعذاب إلا عذبتهم، ثم لا تذر من أبدان أولئك المعذبين شيئاً إلاّ أحرقته.

وقيل: لا تبقى على شيء ولا تذر من قوتها شيئاً إلا استعملته والتقدير هي لا تبقى بدليل قوله خبراً بعد خبر ﴿ لواحة ﴾ ويجوز أن يكون هذا خبراً لمبتدأ آخر.

قال أكثر المفسرين: هي من لاحه العطش ولوحه أي غيره وذلك أنها تسود البشرة وهي أعلى الجلود بإحراقها.

واعتراض الحسن والأصم بأن وصفها بالتغيير لا يناسب بعد قوله ﴿ لا تبقى ولا تذر ﴾ نعم لو عكس الترتيب لاتجه لأنها تغير البشرة أولاً ثم تفنيها، فمعنى لواحة لماعة من لاح البرق ونحوه يلوح إذا لمع والبشر بمعنى الإنسان وذلك أنها تظهر لهم من مسيرة خمسمائة عام.

ثم بين أن عدد الخزنة الموكلين عليها ﴿ تسعة عشر ﴾ فترك المميز فقيل صنفاً.

والأكثرون شخصاً مالك وثمانية عشر أعينهم كالبرق وأنيابهم كالصياصي يجرون أشعارهم يخرج اللهب والنار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة يسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر، نزعت الرأفة والرحمة منهم يأخذ أحدهم سبعين ألفاً في كفه ويرميهم حيث أراد من جهنم.

وذكر العلماء في تخصيص هذا العدد وجوها فقال المتشرعون: هذا مما لا يصل إليه عقول البشر كأعداد السموات والأرضين والكواكب وأيام السنة والشهور.وكأعداد الزكاة والكفارات والصلوات.

وقيل: إن العدد على وجهين: قليل وهو من الواحد إلى التسعة، وكثير وهو من العشرة إلى ما لا نهاية، فجمع بين نهاية القليل وبداية الكثير.

وقيل: إن ساعات اليوم بليلته أربع وعشرون، خمس منها تركت لأجل الصلوات الخمس والباقية لكل منها يعذب من يضيعها في غير حق الله.

وقيل: إن أبواب جهنم سبعة، وله للفساق زبانية زبانية واحدة بسبب ترك العمل، ولكل من الأبواب الباقية ثلاثة أملاك لأن الكفار يعذبون لأجل أمور ثلاثة: ترك الاعتقاد وترك الإقرار وترك العمل.

قال الحكيم: إن فساد النفس الإنسانية في قوتها النظرية والعملية هو بسبب استعماله القوى الحيوانية والطبيعية لا على وجهها.

والقوى الحيوانية الشهوة والغضب.

والحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة.

والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، فلما كان منشأ الإفادة هذه القوى التسع عشر لا جرم كان عدد الزبانية كذلك.

يروى أنه لما نزلت الآية قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم؟

فقال المسلمون: ويحكم أتقاس الملائكة بالحدادين أي السجانين؟

وجرى هذا مثلاً في كل شيئين لا يسوىّ بينهما وأنزل الله  ﴿ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ﴾ أي وما جعلناهم رجالاً من جنسكم يطاقون ويرحمون فإن الجنسية مظنة الرأفة ولذلك جعل النبي  من جنس الأمة ليكون بهم رؤفاً رحيماً.

ولا استبعاد في كون الملائكة في النار غير معذبين بناء على القول بالفاعل المختار، ولعلهم غلبت عليهم النارية فصارت لهم طبعاً كالحيوانات المائية.

وقوله ﴿ وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ﴾ الآية.

هو على مذهب أهل السنة ظاهر، وأما على أصول المعتزلة فقال الجبائي: المراد بالفتنة تشديد التعبد، استدلوا به على كمال قدرة الله  وقال الكعبي: هي الإمتحان فيؤمن المؤمن بالمتشابه ويفوض حكمة التخصيص بهذا العدد إلى الخالق، والكافر يعترض عليه.

وقال: بعضهم: أراد ما وقعوا فيه من الكفر بسبب إنكارهم والتقدير إلا فتنة على الذين كفروا، وحاصله يرجع إلى ترك الألطاف.

وأجيب عن هذه التأويلات بأن تنزيل المتشابهات لا بد أن يكون له أثر في تقوية داعية الكفر وإلا كان إنزالها كلا إنزال.

ومع هذا الترجيح لا يحصل الإيمان ألبتة وهو المعنى بالإضلال.

واعلم أن في الآية دلالة على أنه  جعل افتتان الكافر بعدد الزبانية سبباً لأمور أربعة: أولها ﴿ ليستيقن ﴾ ثانيها ﴿ ويزداد ﴾ ثالثها ﴿ ولا يرتاب ﴾ رابعها ﴿ وليقول ﴾ وفيه إشكال.

قال جار الله: ما جعل افتتانهم بالعدد سبباً ولكنه وضع ﴿ فتنة ﴾ موضع ﴿ تسعة عشر ﴾ تعبيراً عن المؤثر باللفظ الدال على الأثر تنبيهاً على أن هذا الأثر من لوازم ذلك المأثر.

وقال آخرون: تقديره وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للكافرين وإلا ليستيقن كما يقال: فعلت كذا لتعظيمك ولتحقير عدوك.

قالوا: والعاطف يذكر في هذا الموضع تارة ويحذف أخرى.

وأما سبب إستيقان أهل الكتاب فهو أنهم قرؤا هذا العدد في كتابهم ولكنهم ما كانوا واثقين لتطرق التحريف إلى كتابهم.

فلما سمعوا ذلك في القرآن تيقنوا بصحة نبوة محمد  لأنه أخبرهم بما في كتابهم من غير سابقة دراسة وتعلم.

ولأنه أخبر كفار قريش بهذا الأمر الغريب من غير مبالاة باستهزائهم وتكذيبهم فعرفوا أنه من قبيل الوحي وإلا لم يجترىء على التكلم به خوفاً من السخرية.

وأما زيادة إيمان المؤمنين فحمل على آثاره ولوازمه ونتائجه.

وأما نفي الارتياب عن أهل الكتاب والمؤمنين بعد إثبات الاستيقان وزيادة الإيمان لهم فمن باب التوكيد كأنه قيل: حصل لهم يقين جازم بحيث لا يحصل بعده شك وريب.

فإن الذي حصل له اليقين قد يغفل عن مقدمة من مقدمات الدليل فيعود له الشك.

وفيه أيضاً تعريض بحال من عداهم كأنه قيل: وليخالف حالهم حال المرتابين من أهل الزيغ ولكفران، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم أهل النفاق الذين أحدثوا بعد ذلك لأن السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق وإنما حدث بالمدينة، ففي الآية إخبار بالغيب وقد وقع مطابقاً فكان معجزاً.

واللامات في الأمور الأربعة للغاية عند الأشاعرة، والمعتزلة يسمونها لام العاقبة وقد مر في مواضع.

وقوله ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ إلى قوله ﴿ من يشاء ﴾ قد مر في " البقرة".

وجعل مثل هذا العدد مثلاً لغرابته حيث لم يقل عشرين وسواه والمعنى أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب مع أنهم منكرون له من أصله.

والكاف في ﴿ كذلك ﴾ منصوب المحل أي مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل ويهدي.

قوله ﴿ وما يعلم جنود ربك ﴾ إشارة إلى أن ما عليه عدد الخزنة لا يعلم حكمته ولا حكمة ما عليه كل جند من العدد إلى حين الأبد إلا الله  كما يقوله أهل الحق وقد مر.

وقيل: إن القوم قد استقلوا ذلك العدد فقال  في جوابهم: هبوا أن هؤلاء تسعة عشر إلا أن لكل واحد من الأعوان والجنود ما لا يحصيهم إلا الله ﴿ وما يعلم جنود ربك ﴾ لفرظ كثرتها ﴿ إلا هو ﴾ فلا يعسر عليه تتميم الخزنة عشرين وأزيد ولكن له في هذا العدد حكمة اختص هو بمعرفتها.

قوله ﴿ وما هي إلا ذكرى ﴾ متصل بوصف سقر.

وقوله ﴿ وما جعلنا أصحاب النار ﴾ إلى ههنا اعتراض أي وما سقر وصفتها إلا موعظة للناس.

ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الآيات المشتملة على هذه المتشابهات وهي ذكرى لجميع العالمين وإن لم ينتفع بها إلا أهل الإيمان وقوله ﴿ كلا ﴾ قيل: إنكار لأن يكون للكفار ذكرى لأنهم لا يتذكرون أو ردع لمن ينكر أن تكون إحدى الكبر نذيراً، أو ردع لقول أبي جهل وأصحابه أنهم يقدرون على مقاومة خزنة النار، أو ردع لهم عن الإستهزاء بالعدة المخصوصة.

وقد مر أنه يجوز أن يكون بمعنى حقاً تأكيداً للقسم بعده.

قال الفراء: دبر وأدبر بمعنى واحد كقبل وأقبل.

روى بعضهم أن ابن عباس كان يعيب قراءة الثلاثي ويقول: إنما يدبر ظهر البعير.

وفي صحة الرواية نظر لأن القراآت السبع كلها متواترة.

قال الواحدي: والقراءتان عند أهل اللغة سواء ومنه أمس الدابر.

وعلى هذا يكون دبور الليل وإدباره وإسفار الصبح أي إضاءته كشيء واحد.

قال أبو عبيدة وابن قتيبة: هو من دبر الليل النهار إذا خلفه.

ثم قال ﴿ إنها ﴾ أي إن سقر التي جرى ذكرها ﴿ لإحدى ﴾ البلايا أو الدواهي ﴿ الكبر ﴾ جمع الكبرى.

قال جار الله: جعلت ألف التأنيث كتائها فكما جمعت " فعلة " على " فعل " جمعت " فعلى " عليه.

ونظير ذلك" السوافي " في جمع " السافياء " وهو التراب الذي يسفيه الريح.

" والقواصع " في جمع " القاصعاء " كأنها فاعلة.

وقال المفسرون: المراد من الكبر دركات جهنم وهي سبع: جهنم ولظى والحطمة وسعير وسقر والجحيم والهاوية.

فعلى هذا معنى كون سقر إحداهن ظاهر.

وقال أهل المعاني: أراد أنها من بين الدواهي واحدة في العظم لا نظير لها ﴿ ونذيراً ﴾ تمييز من إحدى أي إنها لإحدى الدواهي إنذاراً كما تقول: هي إحدى النساء عفافاً وقيل ﴿ نذيراً ﴾ حال ومن غريب التفسير أن ﴿ نذيراً ﴾ متصل بأول السورة أي قم فأنذر نذيراً.

ثم قال ﴿ لمن شاء ﴾ السبق أو هو خبر وما بعده وهو ﴿ أن يتقدم أو يتأخر ﴾ مبتدأ كقولك لمن توضأ أن يصلي أنه مطلق لمن شاء السعي إلى الخير أو التخلف عنه.

" أو " للتهديد كقوله ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر  ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ لمن شاء ﴾ بدلاً من قوله ﴿ للبشر ﴾ أي إنها منذرة للذين إن شاؤا تقدموا ففازوا وإن شاؤا تأخروا فهلكو.

واستدلال المعتزلة على أن العبد مختار ظاهر، والأشاعرة يحملونه على التهديد أو على أن فاعل شاء هو الله  أي لمن شاء الله منه التقدم أو التأخر.

سلمنا أن الفاعل ضمير عائد إلى من لكن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله لقوله ﴿ وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ﴾ .

ثم أكد المعنى المتقدم بقوله ﴿ كل نفس بما كسبت رهينة ﴾ أي ليس لامرىء إلا جزاء عمله كما مر نظيره في " الطور " قال النحويون: التاء في رهينة ليست للتأنيث لأن " فعيلاً " بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي إسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم.

وأقول أيضاً: يحتمل أن تكون التاء للمبالغة ﴿ إلا أصحاب اليمين ﴾ فإنهم فكوا رقابهم عن الرهب بسبب أعمالهم الحسن كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق.

قال الكلبي: هم الذين كانوا على يمين آدم.

وقال ابن عباس: هم الملائكة.

وعن علي  وابن عمر: هم الأطفال.

قال الفراء: هذا القول أشبه بالصواب لأن الولدان لم يكتسبوا إثماً يرتهنون به، ولأنه  ذكر فيهم أنهم يتساءلون عن حال المجرمين وهذا إنما يليق بالولدان الذين لايعرفون موجب دخول النار والأولون حملوا السؤال على التوبيخ والتخجيل.

قال في الكشاف: معنى التساؤل عنهم أنهم يسأل بعضهم بعضاً عن حالهم.

أو يتساءلون غيرهم عنهم كقولك " دعوته أنا وتداعيناه نحن ".

ثم زعم أن الوجه في قوله ﴿ ما سلككم ﴾ على الخطاب مع أن سياق الكلام يقتضي الغيبة هو أنه حكاية قول المسؤلين لأن المسؤلين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين فيقولون قلنا لهم ما سلككم ﴿ في سقر ﴾ وقال غيره: المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم، فلما رأوهم قالوا لهم ما سلككم؟

وأقول: ولو فرض التكلم مع المجرمين زال الإشكال أي يتساءلون عن حال المجرمين أي عن حال أنفسهم وليس فيه إلا وضع المظهر مكان الضمير.

وهذا التكرار مما جاء في القرآن وغيره من فصيح الكلام شائعاً ذائعاً كقوله ﴿ فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا  ﴾ " أن يسألوا الحق يعطي الحق سائله".

وإذا جاز ذلك مع التصريح بهما فكيف لم يجز وأحدهما محذوف؟

وهذا من غرائب نظم القرآن وفصاحته غير بعيد، والمعنى ما أدخلكم في هذه الدركة من النار؟

فأجابوا بأن ذلك لأمور أربعة: أحدها ترك الصلاة، والثاني ترك إطعام المسكين.

قال العلماء: يجب أن يحمل هذان على الصلاة والصدقة الواجبتين وإلا لم يجز العذاب على تركهما.

الثالث الشروع في الأباطيل مع أهلها كإيذاء أهل الحق وكل ما لا يعني المسلم.

الرابع التكذيب بالبعث والجزاء إلى حين عيان الموت وأمارات ظهور نتائج أعمال المكلف عليه، وقد يستدل بالآية على أن الكفار معذبون بفروع الشرائع كما يعذبون بأصولهما كالتكذيب بيوم الدين.

وإنما أخر لأنه أعظم الذنوب أي إنهم بعد ذلك كله يكذبون بهذا الأصل كقوله ﴿ ثم كان من الذين آمنوا  ﴾ ويجوز أن يكون سبب التأخير أنه آخر الأصول فأوّلها المبدأ وآخرها المعاد.

وأيضاً أراد أن يرتب عليه قوله ﴿ حتى أتانا اليقين ﴾ وهو آخر حالات المكلف فلو قدم لم يحسن معنى ولا لفظاً لوقوع الفصل بين المعطوفات.

قال في الكشاف: يحتمل أن كل واحد منهم دخل النار لمجموع هذه الأربع، أو دخلها بعضهم ببعضها والباقون بسائرها أو بكلها.

قلت: إنهم جميعاً مستوون في الدركة والظاهر أنهم دخلوها بمجموع الأمور، ثم بين غاية خسرانهم بقوله ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ﴾ وفيه دليل على أن غيرهم تنفعهم الشفاعة وذلك لغير الفساق عند المعتزلة، وفائدة الشفاعة زيادة درجاتهم أو العفو عن صغائرهم، ثم وبخهم بقوله ﴿ فمالهم عن التذكرة ﴾ أي عن القرآن الذي هو سبب الموعظة ﴿ معرضين ﴾ حال نحو مالك قائماً ﴿ كأنهم حمر مستنفرة ﴾ من قرأ بكسر الفاء فمعناه الشديدة النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها، وفي تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة ونداء عليهم بالبلادة والغباوة وعدم التأثر من مواعظ القرآن بل صار ما هو سبب لاطمئنان القلوب موجباً لنفرتهم، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ولا سيما إذا رابها ريب ولهذا وصف الحمر بقوله ﴿ فرت من قسورة ﴾ وهى إسم جمع للرماة أو إسم جنس للأسد وهو القهر والغلبة، وقال ابن عباس: هي ركز الناس وأصواتهم.

وعن عكرمة: ظلمة الليل.

ومن قرأ بفتح الفاء فهي المحمولة على النفار.

ورجح بعضهم قراءة الكسر بناء على أن الفرار يناسب النفار.

ذكر المفسرون أنهم قالوا لرسول الله: لا نتبعك حتى تأتي لكل واحد منا بكتب من السماء بصحف عنوانها من رب العالمين.

إلى فلان ابن فلان نؤمر فيها باتباعك.

وروى بعضهم أنهم قالوا: إن كان محمداً صادقاً فليصبح عند رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءة وأمنة من النار فأنكر الله  فقال: ﴿ بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتي صحفاً منشرة ﴾ أي قراطيس منتشرة تقرأ كسائر الصحف، أو منتشرة على أيدي الملائكة أنزلت ساعة كتبت قبل أن تطوى.

وقيل: كانوا يقولون: بلغنا أن بني إسرائيل كان الرجل منهم يصبح مكتوباً على رأسه ذنبه وكفارته فائتنا بمثل ذلك.

فعلى هذا المراد بالصحف الكتابات الظاهرة المكشوفة.

ثم زجرهم عن اقتراح الآيات فقال ﴿ كلا بل لا يخافون الآخرة ﴾ فلذلك أعرضوا عن التذكرة.

ثم وصف القرآن بأنه موعظة بليغة وتذكر شاف ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ وتذكير الضمير ههنا وفي إنه بتأويل الذكر أوالقرآن.

ثم بين السبب الأصلي في عدم التذكرة قائلاً ﴿ وما يذكرون إلا أن يشاء الله ﴾ واستدلال الأشعري به ظاهر، والمعتزلة حملوه على مشيئة القسر والإلجاء.

ثم ختم السورة بذكر ما ينبىء عن كمال الهيبة وهو صفة القهر الذي بسببه يجب أن يتقى، وصفه اللطف الذي به يجب أن يرجى، والله الموفق للصواب وإليه المصير والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ﴾ : قيل: إن الذي حمل رسول الله  على التدثر: أنه كان في بعض طرق مكة إذ سمع صوتا من السماء والأرض؛ فنظر عن يمينه وعن يساره وأمامه وخلفه، فلم ير شيئا، فرفع رأسه فرأى شيئاً؛ ففرق منه، فأتى بيته، وقال: "زملوني"، فدثروه.

فإن صح ما قالوا، وإلا لم يسعهم أن يشهدوا على رسول الله  أن الذي حمله على التدثر ما ذكروا من الفرق.

ولأن التدثر ليس مما يسكن به الروع الذي يحل بصاحبه من الصياح.

وذكروا أن أول ما نزل من الوحي قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ﴾ ، فإن صح ما ذكروا، فأول ما أوحي إليه هو الصياح الذي سمعه؛ إذ كان ذلك متقدما على قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ .

وقيل: إن كفار مكة قذفوه بالسحر، وأجمعوا رأيهم على أن ينسبوه إليه، وفشا هذا القول فيهم له؛ فأحزنه ذلك؛ فدخل بيته وتدثر بثيابه، فأمره الله -  - أن يقوم فينذرهم بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ ، وعلى هذا التأويل يكون الوحي نازلا قبل نزول هذه السورة، حتى سموه: ساحرا؛ لما يرون منه من الآيات، والله أعلم.

وذكر أن موسى [صلوات الله على نبينا وعليه] قال: "أتاني ربي من طور سيناء، وسيأتي من طور ساعورا، وسيطلع من جبل فاران".

فإن صح هذا الخبر، فمعنى قوله: "أتاني ربي"، أي: أوحى إلي، وقوله: "وسيأتي من طور ساعورا" هو الوحي إلى عيسى  ، وقوله: "وسيطلع من جبل فاران" هو القرآن الذي أنزل على نبينا محمد  .

وفي هذا الخبر دلالة أن الأخبار التي ورد بها ذكر نزول الرب في كل ليلة إلى سماء الدنيا، هي على نزول أمره إلى ملائكته، أن قولوا: "هل من داع فيجاب؟، هل من مستغفر فيغفر له؟"، فجائز أن يكون رسول الله  في أول ما أوحي إليه كان بجبل فاران، وهو جبل من جبال مكة، أو كان ذلك الجبل منسوبا إلى ذلك المكان.

/////////////////ثم في قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ﴾ تثبيت نبوة [نبينا] محمد  وآية رسالته، وذلك أن تعريف المرء بما عليه من الثياب ونسبته إليه، لا يخرجه مخر التعظيم والتبجيل، وإنما التبجيل فيما يدعى باسمه أو بكنيته، فلو كان الأمر على ما زعمت الكفرة: أن هذا القرآن ليس من عند الله، وأن رسول الله  هو الذي اخترعه من ذات نفسه، لكان لا يعرف نفسه بثيابه، بل يعرفها بما فيه تبجيلها وتعظيمها، فإذ لم يفعل ثبت أنه رسولا حقا، بلغ الرسالة على ما أوحي إليه، وأدى كما أمر، على ما ذكرنا في الآيات التي خرجت مخرج المعاتبة لرسول الله  أن فيها تثبيت رسالته؛ نحو قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات.

وجائز أن تكون نسبته إلى ثيابه؛ ليعلم الخلق أن لا بأس للمرء أن يعرف أخاه بثيابه.

وجائز أن تكون نسبته إلى الثوب الذي يدثر به يخرج مخرج التعظيم لذلك الثوب؛ لموافقته حال نزول الوحي، وهذا كما ذكرنا: أن إضافة الأشياء إلى الله  نحو الجزئيات تخرج مخرج تعظيم تلك الأشياء، كقوله: ناقة الله، ومسجد الله، ورب العرش، [على] تعظيم العرش، وتعظيم أمر الناقة، وتشريف المسجد.

وإضافة الأشياء إليه نحو الكليات، يخرج مخرج تعظيم الله  ؛ كقوله: رب العالمين، رب السماوات والأرض وما بينهما.

ثم أذن للمرء أن يسبح في ركوعه، فيقول: "سبحان ربي العظيم"، فيخص نفسه بقوله: "ربي"، والحق في مثله أن يقول "سبحان ربنا"؛ لئلا يخرج ذلك مخرج تعظيم النفس؛ كقوله: "رب العالمين"، و"رب السماوات الأرض وما بينهما"؛ إذ الإضافة من الجانبين على السواء فيما ذكرنا، لكن ذلك الذكر إذا وافق الحالة التي فيها تعظيم الرب ووصفه بالعلو؛ وهي الركوع والسجود، أذن له بأن يأتي بهذا الذكر، وإن خرج ذلك مخرج تعظيم النفس.

فكذلك ذلك الثوب الذي تدثر به النبي  إذا وافق [حال] نزول الوحي عظم شأنه من ذلك الوجه؛ فنسب إلى ذلك الثوب.

ثم المرء إنما يتدثر عندما يريد أن ينام، أو عند طلب الراحة، وليست تلك الحالة حالة يستحب المرء مصاحبة الكبراء العظماء ي مثل تلك الحال، فضلا من أن يصحب الملك في مثل تلك الحال؛ فيكون في هذا دلالة أن رسول الله  ، لم يطلع على الأوقات التي كان يأتي فيها الوحي، وإذا لم يعلم كان الأمر عليه أصعب وأشد منه إذا بين له؛ لأنه إذا لم يبين له، لزمه أن يصون نفسه في الحالات كلها عن أشياء يستحي مع مثلها الخلوة بالملائكة؛ ولهذا لم يبين لأحد منتهى عمره؛ ليكون أبدا مستعدا للموت؛ فرقا أن يحل به ساعة بعد ساعة، ويكون أبدا على خوف ووجل من ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ خص النذارة دون البشارة، وقد كان هو نذيرا وبشيرا، ففي ذكر النذارة ذكر البشارة وإن أمسك عنها؛ لأن النذارة ليست ترجع إلى نفس الخلائق؛ وإنما النذارة هي تبيين عواقب ما ينتهي إيه حال من التزم الفعل المذموم؛ فإذا استوجب النذارة بالتزامه ذلك الفعل، فقد استوجب البشارة في تركه؛ فثبت أن النذارة بشارة، وفي البشارة نذارة أيضا؛ فاقتصر بذكر إحداهما عن ذكر الأخرى، وليس في قوله: ﴿ قُمْ ﴾ إلزام [قيام]؛ ولكن معناه: قم في إنذار الخلق وبشارتهم، على ما ينتهي إليه وسعك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ : أي: عظم، وتعظيمه: أن يجيبه فيما دعاه إليه، ويطيعه فيما أمره، وأن يتحمل ما ألزمه عمله، فذلك هو تعظيمه لا أن يقول بلسانه: "يا عظيم" فقط.

وجائز أن يكون تأويله: أن عظمه عن المعاني التي قالت فيه الملاحدة من أن لله  ولدا، وأن له شريكا، ونزهه عنها.

أو عظم حقه أو شكر نعمه، وهذا كما نقول: إن محبة الله  طاعته وائتمار أوامره، لا أن تكون هي شيئاً يعتري في القلب؛ فيصعق منه المرء، ويغشى عليه؛ فكذلك تعظيم الله  يكون بالمعاني التي ذكرنا، لا أن يكون بالقول خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ : جائز أن يكون أريد بالثياب نفسه، وتجعل الثياب كناية عنها؛ كما ذكر أن العرب كانت تقول إذا كان الرجل ينكث بالعهد، وليس بذي وفاء: إنه لدنس الثياب؛ وإذا كان له وفاء قالوا: إنه لطاهر الثياب.

فإن كان الخطاب متوجها إلى النفس، فتأويله - والله أعلم -: أن طهر خلقك، وأفعالك، وأقوالك عما تذم عليه.

وجائز أن يكون أريد بها الثياب؛ فيكون قوله: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ متوجها إلى التطهير من النجاسات، وإلى التطهير من الأدناس.

فأما التطهير من الأنجاس، فقد امتحنا جميعا نحن ورسول الله  [به].

وأما التطهير من الأدناس، فجائز أن يؤمر به النبي  خاصة؛ لأنه كان مأمورا بتبليغ الرسالة إلى الخلق؛ فندب إلى تطهير ثيابه من الدنس؛ لئلا يستقذر، بل ينظر إليه بعين التبجيل والعظمة، وليس هذا على تطهير الثياب خاصه؛ بل أمر يطهر جميع ما يقع له به التمتع من المأكل والمشرب والملبس وغيرها، والله أعلم.

وعن ابن عباس -  - أنه قال: أي: لا يلبس الثوب على فخر ولا غدر.

قيل: وكان الرجل إذا كان غادرا في الجاهلية يقال: إنه دنس الثياب.

وقال الحسن: خلقك فحسِّنه.

وقال بعضهم: أي: قصر ثيابك ولا تطولها؛ فتقع أطرافها على الأرض؛ فتصيبها النجاسات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ﴾ : فالرجز: اسم للمأثم، واسم لما يعذب عليه؛ فيكون منصرفا إلى ما تتأذى به النفس وتتألم به كالسبة في أنها اسم لما يتأذى به ولما تتألم عليه النفس؛ فقال الله  ا: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ  ﴾ ، فالمأثم اسم لم تتأذى به النفس، فهو اسم للأمرين: [العذاب وما تتألهم به] جميعا.

وصرف أهل التأويل الرجز إلى المأثم هاهنا.

وذكر قتادة أنه كان بمكة صنمان: إساف، ونائلة، فكان من أتى عليهما من المشركين مسح وجوههما، فأمر الله - عز وجل - نبيه  أن يعتزلهما بقوله: ﴿ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ﴾ .

وقيل - أيضاً -: بأن المشركين قالوا للنبي  : لو مسحت وجوههما، لكنا نؤمن لك ونتبعك؛ فأنز الله  : ﴿ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ﴾ ، أي: فاهجر عبادة الأوثان.

وقيل: الرجز: العذاب.

فجملته ترجع إلى ما ذكرنا: أنه اسم للعذاب، ولما يعذب عليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾ : قال مجاهد والحسن: تأويله: ألا تستكثر عملك، فتمن به على ربك؛ على التقديم والتأخير.

فإن كان التأويل هذا، فالمراد من الخطاب غير رسول الله  وإن كان هو المذكور في الخطاب؛ إذ لايتوهم أن يكون رسول الله  يمن على ربه، ولا أن يستكثر عمله لله  ؛ لأن هذا النوع من الصنيع لا يفعله واحد من العوام الذي خُصَّ بأدنى خير؛ فكيف يتوهم على رسول الله صلى لله عليه وسلم؟!

ولأن الامتنان على الله  من فعل المنافقين؛ قال الله  : ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ  ﴾ .

ويجوز أن يكون الخطاب له، وإن كان هو معصوما من ذلك؛ لقوله: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ  ﴾ ، ونحوه، وهذا كما ذكرنا أن العصمة لا تمنع وقوع النهي؛ إذ العصمة [لا] نتفع بها [إلا] مع ثبات النهي، فإذا لم يكن فلا فائدة في العصمة.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾ ، أي: لا تعطيه عطية تلتمس بها أفضل منها في الدنيا من الثواب، نهى عن اكتساب الأسباب التي يتوصل بها إلى استكثار المال في الدنيا من التجارة وغيرها، إلا القدر الذي لا بد له منه، وتقع إليه الحاجة؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ  ﴾ ، فإذا نهى عن مدعينيه إلى ما متعوا؛ ففي اكتساب أسباب المال أحق؛ ثبت أن الله  نهاه عن اكتساب ذلك وجمعه، وجعل رزقه -  - من الوجه الذي لا يبلغه حيل البشر، وهو الفيء والغنيمة، ثم نهى عن إمسكاه وادخاره لنفسه؛ بل أمر أن يصرفه في أمته بقوله -  -: "ما لي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" وقال الله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ...

﴾ الآية [الحشر: 7]، وذكر أن رسول الله  كان لا يدخر لغد، وقال  : ﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ  مَتَاعٌ قَلِيلٌ  ﴾ فثبت أنه كان منهيا عن اكتساب الأسباب التي يتوصل بها إلى اكتساب الأموال، وإلى الجمع؛ فنهي عن العطايا التي يلتمس بها أفضل منها في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ ﴾ : في هذا دعاء إلى إخلاص الصبر لله  ، وإلى الصدق فيه.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ  ﴾ دعاء إلى نفس الصبر.

وجائز أن يكون هذا - أيضا - على الأمر بالصبر؛ فيكون على التقديم والتأخير؛ كأنه يقول: فاصبر لربك، أي: اصبر على ما تؤذى، ولا تجازهم بصنيعهم؛ فإن الله  يكفيهم؛ فيكون في هذا إبانة أن رسول الله  قد امتحن بالأمور التي تكرهها نفسه، وتشتد عليها؛ فدعاه الله  إلى الصبر على تحمل المكاره، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واصبر لله على ما تلاقيه من الأذى.

<div class="verse-tafsir" id="91.6wgoQ"

مزيد من التفاسير لسورة المدثر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل