الآية ١٤ من سورة النبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 78 النبأ > الآية ١٤ من سورة النبأ

وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَٰتِ مَآءًۭ ثَجَّاجًۭا ١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 132 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤ من سورة النبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة النبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال العوفي ، عن ابن عباس : ( المعصرات ) الريح .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وأنزلنا من المعصرات ) قال : الرياح .

وكذا قال عكرمة ، ومجاهد ، وقتادة ، ومقاتل ، والكلبي ، وزيد بن أسلم : وابنه عبد الرحمن : إنها الرياح .

ومعنى هذا القول أنها تستدر المطر من السحاب .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( من المعصرات ) أي : من السحاب .

وكذا قال عكرمة أيضا ، وأبو العالية ، والضحاك ، والحسن ، والربيع بن أنس ، والثوري .

واختاره ابن جرير .

وقال الفراء : هي السحاب التي تتحلب بالمطر ولم تمطر بعد ، كما يقال امرأة معصر ، إذا دنا حيضها ولم تحض .

وعن الحسن ، وقتادة : ( من المعصرات ) يعني : السماوات .

وهذا قول غريب .

والأظهر أن المراد بالمعصرات : السحاب ، كما قال [ الله ] تعالى : ( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله ) [ الروم : 48 ] أي : من بينه .

وقوله : ( ماء ثجاجا ) قال مجاهد ، وقتادة ، والربيع بن أنس : ( ثجاجا ) منصبا .

وقال الثوري : متتابعا .

وقال ابن زيد : كثيرا .

قال ابن جرير : ولا يعرف في كلام العرب في صفة الكثرة الثج ، وإنما الثج : الصب المتتابع .

ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أفضل الحج العج والثج " .

يعني صب دماء البدن .

هكذا قال .

قلت : وفي حديث المستحاضة حين قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أنعت لك الكرسف " - يعني : أن تحتشي بالقطن - : قالت : يا رسول الله ، هو أكثر من ذلك ، إنما أثج ثجا .

وهذا فيه دلالة على استعمال الثج في الصب المتتابع الكثير ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَأَنـزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ) اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بالمعصرات، فقال بعضهم: عُنِي بها الرياح التي تعصر في هبوبها.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَأَنـزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ) فالمعصرات: الريح.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة، أنه كان يقرأ ( وأنـزلْنا بالمُعْصِرَاتِ ) يعني: الرياح.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ) قال: الريح.

وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: هي في بعض القراءات ( وَأنـزلْنا بالمُعْصِرَات ) : الرياح.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَأَنـزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ) قال: المعصرات: الرياح، وقرأ قول الله: الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا إلى آخر الآية.

وقال آخرون: بل هي السحاب التي تتحلب بالمطر ولمَّا تمطر، كالمرأة المعصر التي قد دنا أوان حيضها ولم تحض.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ) قال: المعصرات: السحاب.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَأَنـزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ) يقول: من السحاب.

قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع: ( الْمُعْصِرَاتِ ) السحاب.

وقال آخرون: بل هي السماء.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن يقول: ( وَأَنـزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ) قال: من السماء.

حدثنا بشر.

قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَأَنـزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ) قال: من السموات.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: ( وَأَنـزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ) قال: من السماء.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه أنـزل من المعصرات - وهي التي قد تحلبت بالماء من السحاب - ماء.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن القول في ذلك على أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرت، والرياح لا ماء فيها فينـزل منها، وإنما ينـزل بها، وكان يصحّ أن تكون الرياح لو كانت القراءة ( وَأنـزلنا بالمُعْصِرَاتِ ) فلما كانت القراءة ( مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ) علم أن المعنيّ بذلك ما وصفت.

فإن ظنّ ظانّ أن الباء قد تعقب في مثل هذا الموضع من قيل ذلك، وإن كان كذلك، فالأغلب من معنى " من " غير ذلك، والتأويل على الأغلب من معنى الكلام.

فإن قال: فإن السماء قد يجوز أن تكون مرادا بها.

قيل: إن ذلك وإن كان كذلك، فإن الأغلب من نـزول الغيث من السحاب دون غيره.

وأما قوله: ( مَاءً ثَجَّاجًا ) يقول: ماء منصبا يتبع بعضه بعضا كثجّ دماء البدن، وذلك سفكها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( مَاءً ثَجَّاجًا ) قال: منصبا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ( مَاءً ثَجَّاجًا ) ماء من السماء منصبا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( مَاءً ثَجَّاجًا ) قال: منصبًّا.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ( مَاءً ثَجَّاجًا ) قال: الثجاج: المنصبّ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع ( مَاءً ثَجَّاجًا ) قال: منصبا.

قال: ثنا مهران، عن سفيان ( مَاءً ثَجَّاجًا ) قال: متتابعا.

وقال بعضهم: عُنِي بالثجَّاج: الكثير.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب ( مَاءً ثَجَّاجًا ) قال: كثيرا، ولا يُعرف في كلام العرب من صفة الكثرة الثجّ، وإنما الثجّ: الصب المتتابع.

ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: " أفْضَلُ الحَجِّ الْعَجُّ والثجّ" يعني بالثج: صبّ دماء الهدايا والبُدن بذبحها، يقال منه: ثججت دمه، فأنا أثجُّه ثجا، وقد ثجَّ الدم، فهو يثجّ ثجوجا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا قال مجاهد وقتادة : والمعصرات الرياح .

وقاله ابن عباس : كأنها تعصر السحاب .

وعن ابن عباس أيضا : أنها السحاب .

وقال سفيان والربيع وأبو العالية والضحاك : أي السحائب التي تنعصر بالماء ولما تمطر بعد ، كالمرأة المعصر التي قد دنا حيضها ولم تحض ، قال أبو النجم :تمشي الهوينى مائلا خمارها قد أعصرت أو قد دنا إعصارهاوقال آخر :فكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصروقال آخر :وذي أشر كالأقحوان يزينه ذهاب الصبا والمعصرات الروائح[ ص: 151 ] فالرياح تسمى معصرات ; يقال : أعصرت الريح تعصر إعصارا : إذا أثارت العجاج ، وهي الإعصار ، والسحب أيضا تسمى المعصرات لأنها تمطر .

وقال قتادة أيضا : المعصرات السماء ، النحاس : هذه الأقوال صحاح ; يقال للرياح التي تأتي بالمطر معصرات ، والرياح تلقح السحاب ، فيكون المطر ، والمطر ينزل من الريح على هذا .

ويجوز أن تكون الأقوال واحدة ، ويكون المعنى وأنزلنا من ذوات الرياح المعصراتماء ثجاجا وأصح الأقوال أن المعصرات السحاب .

كذا المعروف أن الغيث منها ، ولو كان ( بالمعصرات ) لكان الريح أولى .

وفي الصحاح : والمعصرات السحائب تعتصر بالمطر .

وأعصر القوم أي أمطروا ; ومنه قرأ بعضهم وفيه يعصرون والمعصر : الجارية أول ما أدركت وحاضت ; يقال : قد أعصرت كأنها دخلت عصر شبابها أو بلغته ; قال الراجز [ منصور بن مرثد الأسدي ] :جارية بسفوان دارها تمشي الهوينى ساقطا خمارهاقد أعصرت أو قد دنا إعصارهاوالجمع : معاصر ، ويقال : هي التي قاربت الحيض ; لأن الإعصار في الجارية كالمراهقة في الغلام .

سمعته من أبي الغوث الأعرابي .

قال غيره : والمعصر السحابة التي حان لها أن تمطر ; يقال أجن الزرع فهو مجن : أي صار إلى أن يجن ، وكذلك السحاب إذا صار إلى أن يمطر فقد أعصر .

وقال المبرد : يقال سحاب معصر أي ممسك للماء ، ويعتصر منه شيء بعد شيء ، ومنه العصر بالتحريك للملجأ الذي يلجأ إليه ، والعصرة بالضم أيضا الملجأ .

وقد مضى هذا المعنى في سورة ( يوسف ) والحمد لله .

وقال أبو زبيد :صاديا يستغيث غير مغاث ولقد كان عصرة المنجودومنه المعصر للجارية التي قد قربت من البلوغ يقال لها معصر ; لأنها تحبس في البيت ، فيكون البيت لها عصرا .

وفي قراءة ابن عباس وعكرمة ( وأنزلنا بالمعصرات ) .

والذي في المصاحف من المعصرات قال أبي بن كعب والحسن وابن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان : من المعصرات أي من السماوات .

ماء ثجاجا صبابا متتابعا ; عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما .

يقال : ثججت دمه فأنا أثجه ثجا ، وقد ثج الدم يثج ثجوجا ، وكذلك الماء ، فهو لازم ومتعد .

والثجاج في الآية المنصب .

وقال الزجاج : أي الصباب ، وهو متعد كأنه يثج نفسه أي يصب .

وقال عبيد بن الأبرص :فثج أعلاه ثم ارتج أسفله وضاق ذرعا بحمل الماء منصاح[ ص: 152 ] وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الحج المبرور فقال : العج والثج فالعج : رفع الصوت بالتلبية ، والثج : إراقة الدماء وذبح الهدايا .

وقال ابن زيد : ثجاجا كثيرا .

والمعنى واحد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ } أي: السحاب { مَاءً ثَجَّاجًا } أي: كثيرا جدا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأنزلنا من المعصرات ) قال مجاهد ، وقتادة ، ومقاتل ، والكلبي : يعني الرياح التي تعصر السحاب ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس .

قال الأزهري : هي الرياح ذوات الأعاصير ، فعلى هذا التأويل تكون " من " بمعنى الباء أي بالمعصرات ، وذلك أن الريح تستدر المطر .

وقال أبو العالية ، والربيع ، والضحاك : المعصرات هي السحاب وهي رواية الوالبي عن ابن عباس .

قال الفراء : [ المعصرات السحائب ] [ التي ] تتحلب بالمطر ولا تمطر ، كالمرأة المعصر هي التي دنا حيضها ولم تحض .

وقال ابن كيسان : هي المغيثات من قوله فيه يغاث الناس وفيه يعصرون وقال الحسن ، وسعيد بن جبير ، وزيد بن أسلم ، ومقاتل بن حيان : من المعصرات أي من السماوات .

( ماء ثجاجا ) أي صبابا ، وقال مجاهد : مدرارا .

وقال قتادة : متتابعا يتلو بعضه بعضا .

وقال ابن زيد : كثيرا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأنزلنا من المعصرات» السحابات التي حان لها أن تمطر، كالمعصر الجارية التي دنت من الحيض «ماءً ثجاجا» صبابا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأنزلنا من السحب الممطرة ماء منصَبّا بكثرة، لنخرج به حبًا مما يقتات به الناس وحشائش مما تأكله الدَّواب، وبساتين ملتفة بعضها ببعض لتشعب أغصانها؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أما الدليل التاسع على قدرته - تعالى - على البعث ، فنراه فى قوله - تعالى - :( وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً .

لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً .

وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ) .والمعصرات - بضم الميم وكسر الصاد - السحب التى تحمل المطر ، جمع معصرة - بكسر الصاد - اسم فاعل ، من أعصرت السحابة إذا أوشكت على إنزال الماء لامتلائها به .

.قال ابن كثير : عن ابن عباس : " المعصرات " الرياح .

لأنها تستدر المطر من السحاب .

.

وفى رواية عنه أن المراد بها : السحاب ، وكذا قال عكرمة .

.

واختاره ابن جرير .

.وقال الفراء : هى السحاب التى تتحلب بالماء ولم تمطر بعد ، كما يقال : امرأة معصر ، إذا حان حيضها ولم تحض بعد .وعن الحسن وقتادة : المعصرات : يعنى السموات .

وهذا قول غريب ، والأظهر أن المراد بها السحاب ، كما قال - تعالى - : ( الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السمآء كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ .

.

.

) والثجاج : المندفع بقوة وكثرة ، يقال : ثج الماء - كرد - إذا انصب بقوة وكثرة .ومطر ثجاج ، أى : شديد الانصباب جدا .وقوله : ( أَلْفَافاً ) اسم جمع لا واحد له من لفظه ، كالأوزاع للجماعات المتفرقة .

وقيل : جمع لفيف ، كأشراف وشريف .

أى : وأنزلنا لكم - يا بنى آدم - بقدرتنا ورحمتنا - من السحائب التى أوشكت على الإِمطار ، ماء كثيرا متدفقا بقوة ، لنخرج بهذا الماء حبا تقتاتون به - كالقمح والشعير ..

ونباتا تستعملونه لدوابكم كالتبن والكلأ ، ولنخرج بهذا الماء - أيضا - بساتين قد التفت أغصانها لتقاربها وشدة نمائها .فهذه تسعة أدلة أقامها - سبحانه - على أن البعث حق ، وهى أدلة مشاهدة محسوسة ، لا يستطيع عاقل إنكار واحد منها .

.

وما دام الأمر كذلك فكيف ينكرون قدرته على البعث ، مع أنه - تعالى - قد أوجد لهم كل هذه النعم التى منها ما يتعلق بخلقهم ، ومنها ما يتعلق بالأرض والسموات ، ومنها ما يتعلق بنومهم ، وبالليل والنهار ، ومنها ما يتعلق بالشمس ، وبالسحب التى تحمل لهم الماء الذى لا يحاة لهم بدونه .وبعد إيراد هذه الأدلة المقنعة لكل عاقل ، أكد - سبحانه - ما اختلفوا فيه ، وما تساءلوا عنه

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وثامنها: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً ﴾ كلام أهل اللغة مضطرب في تفسير الوهاج، فمنهم من قال الوهج مجمع النور والحرارة، فبين الله تعالى أن الشمس بالغة إلى أقصى الغايات في هذين الوصفين، وهو المراد بكونها وهاجاً، وروى الكلبي عن ابن عباس أن الوهاج مبالغة في النور فقط، يقال للجوهر إذا تلألأ توهج، وهذا يدل على أن الوهاج يفيد الكمال في النور، ومنه قول الشاعر يصف النور: نوارها متباهج يتوهج *** وفي كتاب الخليل: الوهج، حر النار والشمس، وهذا يقتضي أن الوهاج هو البالغ في الحر واعلم أن أي هذه الوجود إذا ثبت فالمقصود حاصل.

أما المعصرات ففيها قولان: الأول: وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس، وقول مجاهد، ومقاتل والكلبي وقتادة إنها الرياح التي تثير السحاب ودليله قوله تعالى: ﴿ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً  ﴾ فإن قيل على هذا التأويل كان ينبغي أن يقال وأنزلنا بالمعصرات، قلنا: الجواب: من وجهين: الأول: أن المطر إنما ينزل من السحاب، والسحاب إنما يثيره الرياح، فصح أن يقال هذا المطر إنما حصل من تلك الرياح، كما يقال هذا من فلان، أي من جهته وبسببه الثاني: أن من هاهنا بمعنى الباء والتقدير، وأنزلنا بالمعصرات أي بالرياح المثيرة للسحاب ويروى عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعكرمة أنهم قرأوا (وأنزلنا بالمعصرات) وطعن الأزهري في هذا القول، وقال الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر، وقد وصف الله تعالى المعصرات بالماء الشجاج وجوابه: أن الإعصار ليست من رياح المطر، فلم لا يجوز أن تكون المعصرات من رياح المطر؟

القول الثاني: وهو الرواية الثانية عن ابن عباس واختيار أبي العالية والربيع والضحاك أنها السحاب، وذكروا في تسمية السحاب بالمعصرات وجوهاً أحدها: قال المؤرخ: المعصرات السحائب بلغة قريش.

وثانيها: قال المازني يجوز أن تكون المعصرات هي السحائب ذوات الأعاصير فإن السحائب إذا عصرتها الأعاصير لابد وأن ينزل المطر منها.

وثالثها: أن المعصرات هي السحائب التي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك: أجز الزرع إذا حان له أن يجز، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض، وأما الثجاج فاعلم أن الثج شدة الانصباب يقال: مطر ثجاج ودم ثجاج أي شديد الانصباب.

واعلم أن الثج قد يكون لازماً، وهو بمعنى الانصباب كما ذكرنا، وقد يكون متعدياً بمعنى الصب وفي الحديث أفضل الحج العج والثج أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدى، وكان ابن عباس مثجاً أي يثج الكلام ثجاً في خطبته وقد فسروا الثجاج في هذه الآية على الوجهين، وقال الكلبي ومقاتل وقتادة الثجاج هاهنا المتدفق المنصب، وقال الزجاج معناه الصباب كأنه يثج نفسه أي يصب.

وبالجملة فالمراد تتابع القطر حتى يكثر الماء فيعظم النفع به.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: كل شيء نبت من الأرض فإما أن لا يكون له ساق وإما أن يكون، فإن لم يكن له ساق فإما أن يكون له أكمام وهو الحب وإما أن لا يكون له أكمام وهو الحشيش وهو المراد هاهنا بقوله: ﴿ ونباتاً ﴾ وإلى هذين القسمين الإشارة بقوله تعالى: ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم  ﴾ وأما الذي له ساق فهو الشجر فإذا اجتمع منها شيء كثير سميت جنة، فثبت بالدليل العقلي انحصار ما ينبت في الأرض في هذه الأقسام الثلاثة، وإنما قدم الله تعالى الحب لأنه هو الأصل في الغذاء، وإنما ثنى بالنبات لاحتياج سائر الحيوانات إليه، وإنما أخر الجنات في الذكر لأن الحاجة إلى الفواكه ليست ضرورية.

المسألة الثانية: اختلفوا في ألفافاً، فذكر صاحب الكشاف أنه لا واحد له كالأوزاع والأخياف، والأوزاع الجماعات المتفرقة والأخياف الجماعات المختلطة.

وكثير من اللغويين أثبتوا له واحداً، ثم اختلفوا فيه، فقال الأخفش والكسائي: واحدها لف بالكسر، وزاد الكسائي: لف بالضم، وأنكر المبرد الضم، وقال: بل واحدها لفاء.

وجمعها لف، وجمع لف ألفاف، وقيل يحتمل أن يكون لفيف كشريف وأشراف نقله القفال رحمه الله، إذا عرفت هذا فنقول قوله: ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ أي ملتفة، والمعنى أن كل جنة فإن ما فيها من الشجر تكون مجتمعة متقاربة، ألا تراهم يقولون امرأة لفاء إذا كانت غليظة الساق مجتمعة اللحم يبلغ من تقاربه أن يتلاصق.

المسألة الثالثة: كان الكعبي من القائلين بالطبائع، فاحتج بقوله تعالى: ﴿ لنخرج به حباً ونباتاً ﴾ وقال: إنه يدل على بطلان قول من قال إن الله تعالى لا يفعل شيئاً بواسطة شيء آخر.

اعلم أن التسعة التي عددها الله تعالى نظراً إلى حدوثها في ذواتها وصفاتها، ونظراً إلى إمكانها في ذواتها وصفاتها تدل على القادر المختار، ونظراً إلى ما فيها من الإحكام والإتقان تدل على أن فاعلها عالم، ثم أن ذلك الفاعل القديم يجب أن يكون علمه وقدرته واجبين، إذ لو كانا جائزين لافتقر إلى فاعل آخر ويلزم التسلسل وهو محال، وإذا كان العلم والقدرة واجبين وجب تعلقهما بكل ما صح أن يكون مقدوراً ومعلوماً وإلا لافتقر إلى المخصص وهو محال، وإذا كان كذلك وجب أن يكون قادراً على جميع الممكنات عالماً بجميع المعلومات، وقد ثبت الإمكان وثبت عموم القدرة في الجسمية فكل ما صح على واحد منها صح على الآخر، فكما يصح على الأجسام السلفية الانشقاق والانفطار والظلمة وجب أن يصح ذلك على الأجسام، وإذا ثبت الإمكان وثبت عموم القدرة والعلم، ثبت أنه تعالى قادر على تخريب الدنيا، وقادر على إيجاد عالم آخر، وعند ذلك ثبت أن القول بقيام القيامة ممكن عقلاً وإلى هنا يمكن إثباته بالعقل، فأما ما وراء ذلك من وقت حدوثها وكيفية حدوثها فلا سبيل إليه إلا بالسمع، ثم إنه تعالى تكلم في هذه الأشياء بقوله: ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتاً ﴾ ثم إنه تعالى ذكر بعض أحوال القيامة فأولها: قوله: ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتاً ﴾ والمعنى أن هذا اليوم كان في تقدير الله، وحكمه جداً تؤقت به الدنيا، أو حداً للخلائق ينتهون إليه، أو كان ميقاتاً لما وعد الله من الثواب والعقاب، أو كان ميقاتاً لاجتماع كل الخلائق في فصل الحكومات وقطع الخصومات.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴾ .

اعلم أن ﴿ يوم ينفخ ﴾ بدل من يوم الفصل، أو عطف بيان، وهذا النفخ هو النفخة التي عندها يكون الحشر، والنفخ في الصور فيه قولان: أحدهما: أن الصور جمع الصور، فالنفخ في الصور عبارة عن نفخ الأرواح في الأجساد والثاني: أن الصور عبارة عن قرن ينفخ فيه.

وتمام الكلام في الصور وما قيل فيه قد تقدم في سورة الزمر، وقوله: ﴿ فتأتون أفواجاً ﴾ معناه أنهم يأتون ذلك المقام فوجاً فوجاً حتى يتكامل اجتماعهم.

قال عطاء كل نبي يأتي مع أمته، ونظيره قوله تعالى: ﴿ يوم ندعوا كل أناس بإمامهم  ﴾ وقيل جماعات مختلفة، روى صاحب الكشاف عن معاذ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فقال عليه السلام: «يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور»، ثم أرسل عينيه وقال: «يحشر عشرة أصناف من أمتي بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمى، وبعضهم صم بكم، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتناً من الجيف، وبعضهم ملبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم.

فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس.

وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت.

وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا، وأما العمى فالذين يجورون في الحكم، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران وأما المصلبون على جذوع من النار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هم أشد نتناً من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله تعالى من أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء».

وثالثها قوله تعالى: ﴿ وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ﴾ .

قرأ عاصم وحمزة والكسائي فتحت خفيفة والباقون بالتثقيل والمعنى كثرت أبوابها المفتحة لنزول الملائكة قال القاضي: وهذا الفتح هو معنى قوله: ﴿ إذا السماء انشقت  ﴾ ﴿ وإذا السماء انفطرت  ﴾ إذ الفتح والتشقق والتفطر، تتقارب، وأقول: هذا ليس بقوي لأن المفهوم من فتح الباب غير المفهوم من التشقق والتفطر، فربما كانت السماء أبواباً، ثم تفتح تلك الأبواب مع أنه لا يحصل في جرم السماء تشقق ولا تفطر، بل الدلائل السمعية دلت على أن عند حصول فتح هذه الأبواب يحصل التشقق والتفطر والفناء بالكلية، فإن قيل قوله: ﴿ وفتحت السماء فكانت أبواباً ﴾ يفيد أن السماء بكليتها تصير أبواباً، فكيف يعقل ذلك؟

قلنا فيه وجوه: أحدها: أن تلك الأبواب لما كثرت جداف صارت كأنها ليست إلا أبواباً مفتحة كقوله: ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً  ﴾ أي كأن كلها صارت عيوناً تتفجر.

وثانيها: قال الواحدي هذا من باب تقدير حذف المضاف، والتقدير فكانت ذات أبواب.

وثالثها: أن الضمير في قوله: ﴿ فكانت أبواباً ﴾ عائد إلى مضمر والتقدير فكانت تلك المواضع المفتوحة أبواباً لنزول الملائكة، كما قال تعالى: ﴿ وجاء ربك والملك صفاً صفاً  ﴾ .

ورابعها: قوله تعالى: ﴿ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴾ اعلم أن الله تعالى ذكر في مواضع من كتابه أحوال هذه الجبال على وجوه مختلفة، ويمكن الجمع بينها على الوجه الذي نقوله: وهو أن أول أحوالها الاندكاك وهو قوله: ﴿ وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة  ﴾ .

والحالة الثانية لها: أن تصير ﴿ كالعهن المنفوش  ﴾ وذكر الله تعالى ذلك في قوله: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ  وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ وقوله: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ  وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ  ﴾ .

والحالة الثالثة: أن تصير كالهباء وذلك أن تتقطع وتتبدد بعد أن كانت كالعهن وهو قوله: ﴿ إِذَا رُجَّتِ ٱلْأَرْضُ رَجًّا  وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسًّا  فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنۢبَثًّا  ﴾ .

والحالة الرابعة: أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها بإرسال الرياح عليها وهو المراد من قوله: ﴿ فقل ينسفها ربي نسفاً  ﴾ .

والحالة الخامسة: أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتطيرها شعاعاً في الهواء كأنها غبار فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجساماً جامدة وهي الحقيقة مارة إلى أن مرورها بسبب مرور الرياح بها (صيرها) مندكة متفتتة، وهي قوله: ﴿ تمر مر السحاب  ﴾ ثم بين أن تلك الحركة حصلت بقهره وتسخيره، فقال: ﴿ ويوم نسير الجبال  ﴾ ﴿ وترى الأرض بارزة  ﴾ .

الحالة السادسة: أن تصير سراباً، بمعنى لا شيء، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئاً، كما أن من يرى السراب من بعد إذا جاء الموضع الذي كان يراه فيه لم يجده شيئاً، والله أعلم.

واعلم أن الأحوال المذكورة إلى هاهنا هي: أحوال عامة، ومن هاهنا يصف أهوال جهنم وأحوالها.

المسألة الأولى: قرأ ابن يعمر: أن جهنم بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة، بأن جهنم كانت مرصاداً للطاغين، كأنه قيل كان كذلك لإقامة الجزاء.

المسألة الثانية: كانت مرصاداً، أي في علم الله تعالى، وقيل صارت، وهذان القولان نقلهما القفال رحمه الله تعالى، وفيه وجه ثالث ذكره القاضي، فإنا إذا فسرنا المرصاد بالمرتقب، أفاد ذلك أن جهنم كانت كالمنتظرة لمقدومهم من قديم الزمان، وكالمستدعية والطالبة لهم.

المسألة الثالثة: في المرصاد قولان: أحدهما: أن المرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه، كالمضمار اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل، والمنهاج اسم للمكان الذي ينهج فيه، وعلى هذا الوجه فيه احتمالان: أحدهما: أن خزنة جهنم يرصدون الكفار والثاني: أن مجاز المؤمنين وممرهم كان على جهنم، لقوله: ﴿ وإن منكم إلا واردها  ﴾ فخزنة الجنة يستقبلون المؤمنين عند جهنم، ويرصدونهم عندها.

القول الثاني: أن المرصاد مفعال من الرصد، وهو الترقب، بمعنى أن ذلك يكثر منه، والمفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمعمار والمطعان، قيل إنها ترصد أعداء الله وتشق عليهم، كما قال تعالى: ﴿ تكاد تميز من الغيظ  ﴾ قيل ترصد كل كافرة ومنافق، والقائلون بالقول الأول.

استدلوا على صحة قولهم بقوله تعالى: ﴿ إن ربك لبالمرصاد  ﴾ ولو كان المرصاد نعتاً لوجب أن يقال: إن ربك لمرصاد.

المسألة الرابعة: دلت الآية على أن جهنم كانت مخلوفة لقوله تعالى: ﴿ إن جهنم كان مرصاداً ﴾ أي معدة، وإذا كان كذلك كانت الجنة أيضاً كذلك، لأنه لا قائل بالفرق.

وفيه وجهان: إن قلنا إنه مرصاد للكفار فقط كان قوله: ﴿ للطاغين ﴾ من تمام ما قبله، والتقدير إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين، ثم قوله: ﴿ مآباً ﴾ بدل من قوله: ﴿ مرصاداً ﴾ وإن قلنا بأنها كانت مرصاداً مطلقاً للكفار وللمؤمنين، كان قوله: ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ كلاماً تاماً، وقوله: ﴿ للطاغين مآباً ﴾ كلام مبتدأ كأنه قيل إن جهنم مرصاد للكل، ومآب للطاغين خاصة، ومن ذهب إلى القول الأول لم يقف على قوله مرصاداً أما من ذهب إلى القول الثاني وقف عليه، ثم يقول المراد بالطاغين من تكبر على ربه وطغى في مخالفته ومعارضته، وقوله: ﴿ مآباً ﴾ أي مصيراً ومقراً.

اعلم أنه تعالى لما بين أن جهنم مآب للطاغين، وبين كمية استقرارهم هناك، فقال: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قرأ الجمهور: ﴿ لابثين ﴾ وقرأ حمزة لبثين وفيه وجهان قال الفراء هما بمعنى واحد يقال لابث ولبث، مثل ثامع، وطمع، وفاره، وفره، وهو كثير، وقال صاحب الكشاف: واللبث أقوى لأن اللابث من وجد منه اللبث، ولا يقال: لبث إلا لمن شأنه اللبث، وهو أن يستقر في المكان، ولا يكاد ينفك عنه.

المسألة الثانية: قال الفراء أصل الحقب من الترادف، والتتابع يقال أحقب، إذا أردف ومنه الحقيبة ومنه كل من حمل وزراً، فقد احتقب، فيجوز على هذا المعنى: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ أي دهوراً متتابعة يتبع بعضها بعضاً، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً  ﴾ يحتمل سنين متتابعة إلى أن أبلغ أو آنس، واعلم أن الأحقاب، واحدها حقب وهو ثمانون سنة عند أهل اللغة، والحقب السنون واحدتها حقبة وهي زمان من الدهر لا وقت له ثم نقل عن المفسرين فيه وجوه: أحدها: قال عطاء والكلبي ومقاتل عن ابن عباس في قوله: ﴿ أحقاباً ﴾ الحقب الواحد بضع وثمانون سنة، والسنة ثلثمائة وستون يوماً، واليوم ألف سنة من أيام الدنيا، ونحو هذا روى ابن عمر مرفوعاً.

وثانيها: سأل هلال الهجري علياً عليه السلام.

فقال الحقب مائة سنة، والسنة اثنا عشر شهراً، والشهر ثلاثون يوماً، واليوم ألف سنة.

وثالثها: وقال الحسن الأحقاب لا يدري أحد ما هي، ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدون: فإن قيل قوله أحقاباً وإن طالت إلا أنها متناهية، وعذاب أهل النار غير متناه، بل لو قال لابثين فيها الأحقاب لم يكن هذا السؤال وارداً، ونظير هذا السؤال قوله في أهل القبلة: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قلنا: الجواب من وجوه: الأول: أن لفظ الأحقاب لا يدل على مضي حقب له نهاية وإنما الحقب الواحد متناه، والمعنى أنهم يلبثون فيها أحقاباً كلما مضى حقب تبعه حقب آخر، وهكذا إلى الأبد والثاني: قال الزجاج: المعنى أنهم يلبثون فيها أحقاباً لا يذوقوق في الأحقاب برداً ولا شراباً، فهذه الأحقاب توقيت لنوع من العذاب.

وهو أن لا يذوقوا برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً، ثم يبدلون بعد الأحقاب عن الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب.

وثالثها: هب أن قوله: ﴿ أحقاباً ﴾ يفيد التناهي، لكن دلالة هذا على الخروج دلالة المفهوم، والمنطوق دل على أنهم لا يخرجون.

قال تعالى: ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم  ﴾ ولا شك أن المنطوق راجح، وذكر صاحب الكشاف في الآية وجهاً آخر، وهو أن يكون أحقاباً من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق فهو حقب وجمعه أحقاب.

فينتصب حالاً عنهم بمعنى لابثين فيها حقبين مجدبين، وقوله: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً ﴾ تفسير له.

ورابعها: قوله تعالى: ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيَها بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا ﴾ .

﴿ إلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴾ .

﴿ جَزَآءً وِفَاقًا ﴾ .

المسألة الأولى: إن اخترنا قول الزجاج كان قوله: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً ﴾ متصلاً بما قبله، والضمير في قوله: ﴿ فيها ﴾ عائداً إلى الأحقاب، وإن لم نقل به كان هذا كلاماً مستأنفاً مبتدأ، والضمير في قوله عائداً إلى جهنم.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ برداً ﴾ وجهان الأول: أنه البرد المعروف، والمراد أنهم لا يذوقون مع شدة الحر ما يكون فيه راحة من ريح باردة، أو ظل يمنع من نار، ولا يجدون شراباً يسكن عطشهم، ويزيل الحرقة عن بواطنهم، والحاصل أنه لا يجدون هواء بارداً، ولا ماء بارداً والثاني: البرد هاهنا النوم، وهو قول الأخفش والكسائي والفراء وقطرب والعتبي، قال الفراء: وإنما سمى النوم برداً لأنه يبرد صاحبه، فإن العطشان ينام فيبرد بالنوم، وأنشد أبو عبيدة والمبرد في بيان أن المراد النوم قول الشاعر: بردت مراشفها علي فصدني *** عنها وعن رشفاتها البرد يعني النوم، قال المبرد: ومن أمثال العرب: منع البرد البرد أي أصابني من البرد ما منعني من النوم، واعلم أن القول الأول أولى لأنه إذا أمكن حمل اللفظ على الحقيقة المشهورة، فلا معنى لحمله على المجاز النادر الغريب، والقائلون بالقول الثاني تمسكوا في إثباته بوجهين: الأول: أنه لا يقال ذقت البرد ويقال ذقت النوم.

الثاني: أنهم يذوقون برد الزمهرير، فلا يصح أن يقال إنهم ما ذاوا برداً، وهب أن ذلك البرد برد تأذوا به، ولكن كيف كان، فقد ذاقوا البرد والجواب عن الأول: كما أن ذوق البرد مجاز فكذا ذوق النوم أيضاً مجاز، ولأن المراد من قوله: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ﴾ أي لا يستنشقونه فيها نفساً بارداً، ولا هواء بارداً، والهواء المستنشق ممره الفم والألف فجاز إطلاق لفظ الذوق عليه والجواب عن الثاني: أنه لم يقل لا يذوقون فيها البرد بل قال يذوقون فيها برداً واحداً، وهو البرد الذي ينتفعون به ويستريحون إليه.

المسألة الثالثة: ذكروا في الحميم أنه الصفر المذاب وهو باطل بل الحميم الماء الحار المغلي جداً.

المسألة الرابعة: ذكروا في الغساق وجوهاً: أحدها: قال أبو معاذ كنت أسمع مشايخنا يقولون الغساق فارسية معربة يقولون للشيء الذي يتقذرونه خاشاك.

وثانيها: أن الغساق هو الشيء البارد الذي لا يطاق، وهو الذي يسمى بالزمهرير.

وثالثها: الغساق ما يسيل من أعين أهل النار وجلودهم من الصديد والقيح والعرق وسائر الرطوبات المستقذرة، وفي كتاب الخليل غسقت عينه، تغسق غسقاً وغساقاً.

ورابعها: الغساق هو المنتن، ودليله ما روي أنه عليه السلام قال: «لو أن دلواً من الغساق يهراق على الدنيا لأنتن أهل الدنيا».

وخامسها: أن الغاسق هو المظلوم قال تعالى: ﴿ ومن شر غاسق إذا وقب  ﴾ فيكون الغساق شراباً أسود مكروهاً يستوحش كما يستوحش الشيء المظلم، إذا عرفت هذا فنقول إن فسرنا الغساق بالبارد كان التقدير: لا يذوقون فيها برداً إلا غساقاً ولا شراباً إلا حميماً، إلا أنهما جمعاً لأجل انتظام الآى، ومثله من الشعر قول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطباً ويابساً *** لدي وكرها العناب والحشف البالي والمعنى كأن قلوب الطير رطباً العناب ويابساً الحشف البالي.

أما إن فسرنا الغساق بالصديد أو بالنتن احتمل أن يكون الاستنثاء بالحمي والغساق راجعاً إلى البرد والشراب معاً، وأن يكون مختصاً بالشراب فقط.

أما الاحتمال الأول: فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شراباً إلا الحميم البالغ في الحميم والصديد المنتن.

وأما الاحتمال الثاني: فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شراباً إلا الحميم البالغ في السخونة أو الصديد المنتن والله أعلم بمراده، فإن قيل الصديد لا يشرب فكيف استثنى من الشراب؟

قلنا: إنه مائع فأمكن أن يشرب في الجملة فإن ثبت أنه غير ممكن كان ذلك استثناء من غير الجنس ووجهه معلوم.

المسألة الخامسة: قرأ حمزة والكسائي وعاصم من رواية حفص عنه غساقاً بالتشديد فكأنه فعال بمعنى سيال، وقرأ الباقون بالتخفيف مثل شراب والأول نعت والثاني اسم.

واعلم أنه تعالى لما شرح أنواع عقوبة الكفار بين فيما بعده أنه: ﴿ جَزَاء وفاقا ﴾ وفي المعنى وجهان: الأول: أنه تعالى أنزل بهم عقوبة شديدة بسبب أنهم أتوا بمعصية شديدة فيكون العقاب ﴿ وفاقا ﴾ للذنب، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ والثاني: أنه ﴿ وفاقا ﴾ من حيث لم يزد على قدر الاستحقاق، ولم ينقص عنه وذكر النحوين فيه وجوهاً: أحدها: أن يكون الوفاق والموافق واحداً في اللغة والتقدير جزاء موافقاً.

وثانيها: أن يكون نصباً على المصدر والتقدير جزاء وافق أعمالهم ﴿ وفاقا ﴾ .

وثالثها: أن يكون وصف بالمصدر كما يقال فلان فضل وكرم لكونه كاملاً في ذلك المعنى، كذلك هاهنا لما كان ذلك الجزاء كاملاً في كونه على وفق الاستحقاق وصف الجزاء بكونه ﴿ وفاقا ﴾ .

ورابعها: أن يكون بحذف المضاف والتقدير جزاء ذا وفاق وقرأ أبو حيوة ﴿ وفاقا ﴾ فعال من الوفق، فإن قيل كيف يكون هذا العذاب البالغ في الشدة الغير المتناهي بحسب المدة ﴿ وفاقا ﴾ للإتيان بالكفر لحظة واحدة، وأيضاً فعلى قول أهل السنة إذا كان الكفر واقعاً بخلق الله وإيجاده فكيف يكون هذا وفاقاً له؟

وأما على مذهب المعتزلة فكان علم الله بعدم إيمانهم حاصلاً ووجود إيمانهم مناف بالذات لذلك العلم فمع قيام أحد المتنافيين كان التكليف بإدخال المنافي الثاني في الوجود ممتنعاً لذاته وعينه، ويكون تكليفاً بالجمع بين المتنافيين، فكيف يكون مثل هذا العذاب الشديد الدائم وفاقاً لمثل هذا الجرم؟

قلنا يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد.

واعلم أنه تعالى لما بين على الإجمال أن ذلك الجزاء كان على وفق جرمهم شرح أنواع جرائمهم، وهي بعد ذلك نوعان: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: كيف اتصل به قوله: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا (6) ﴾ قلت: لما أنكروا البعث قيل لهم: ألم يخلق من يضاف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة الدالة على كمال القدرة، فما وجه إنكار قدرته على البعث، وما هو إلا اختراع كهذه الاختراعات أو قيل لهم: ألم يفعل هذه الأفعال المتكاثرة.

والحكيم لا يفعل فعلا عبثاً، وما تنكرونه من البعث والجزاء مؤدّ إلى أنه عابث في كل ما فعل ﴿ مهادا ﴾ فراشاً.

وقرئ ﴿ مهداً ﴾ ومعناه: أنها لهم كالمهد للصبي: وهو ما يمهد له فينوّم عليه، تسمية للممهود بالمصدر، كضرب الأمير.

أو وصفت بالمصدر.

أو بمعنى: ذات مهد، أي أرسيناها بالجبال كما يرسى البيت بالأوتاد ﴿ سُبَاتاً ﴾ موتاً.

والمسبوت.

الميت، من السبت وهو القطع؛ لأنه مقطوع عن الحركة.

والنوم: أحد التوفيين، وهو على بناء الأدواء.

ولما جعل النوم موتاً، جعل اليقظة معاشاً، أي: حياة في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً ﴾ [النبأ: 11] ، أي: وقت معاش تستيقظون فيه وتتقلبون في حوائجكم ومكاسبكم.

وقيل: السبات الراحة ﴿ لِبَاساً ﴾ يستركم عن العيون إذا أردتم هرباً من عدوّ، أو بياتاً له.

أو إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه من كثير من الأمور.

وَكَمْ لِظَلاَمِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ ** تُخَبِّرُ أَنَّ المَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ ﴿ سَبْعاً ﴾ سبع سموات ﴿ شِدَاداً ﴾ جمع شديدة، يعني: محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الأزمان ﴿ وَهَّاجاً ﴾ متلألئا وقاداً، يعني: الشمس: وتوهجت النار: إذا تلمظت فتوهجت بضوئها وحرها.

المعصرات: السحائب إذا أعصرت، أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك: أجز الزرع، إذا حان له أن يجز.

ومنه: أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض.

وقرأ عكرمة: ﴿ بالمعصرات ﴾ ، وفيه وجهان: أن تراد الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، وأن تراد السحائب؛ لأنه إذا كان الإنزال منها فهو بها، كما تقول: أعطى من يده درهما، وأعطى بيده، وعن مجاهد: المعصرات الرياح ذوات الأعاصير.

وعن الحسن وقتادة: هي السموات.

وتأويله: أن الماء ينزل من السماء إلى السحاب، فكأنّ السموات يعصرن، أي: يحملن على العصر ويمكنّ منه.

فإن قلت: فما وجه من قرأ.

﴿ مِنَ المعصرات ﴾ وفسرها بالرياح ذوات الأعاصير، والمطر لا ينزل من الرياح؟

قلت: الرياح هي التي تنشئ السحاب وتدرّ أخلافه فصحّ أن تجعل مبدأ للإنزال؛ وقد جاء: أنّ الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب، فإن صحّ ذلك فالإنزال منها ظاهر، فإن قلت: ذكر ابن كيسان أنه جعل المعصرات بمعنى المغيثات، والعاصر هو المغيث لا المعصر.

يقال: عصره فاعتصر.

قلت: وجهه أن يريد اللاتي أعصرن، أي حان لها أن تعصر، أي: تغيث ﴿ ثَجَّاجاً ﴾ منصباً بكثرة يقال: ثجه وثج نفسه وفي الحديث: «أفضل الحج: العجّ والثجّ» أي رفع الصوت بالتلبية، وصب دماء الهدي.

وكان ابن عباس مثجاً يسيل غرباً، يعني أنه يثج الكلام ثجا في خطبته.

وقرأ الأعرج: ﴿ ثجاجاً ﴾ ومثاجج الماء: مصابه، والماء ينثجج في الوادي ﴿ حَبّاً وَنَبَاتاً ﴾ يريد ما يتقوّت من الحنطة والشعير وما يعتلف من التبن والحشيش، كما قال: ﴿ كُلُواْ وارعوا أنعامكم ﴾ [طه: 54] ، و ﴿ والحب ذُو العصف والريحان ﴾ [الرحمن: 12] .

﴿ أَلْفَافاً ﴾ ملتفة ولا واحد له، كالأوزاع والأخياف.

وقيل: الواحد لف.

وقال صاحب الإقليد: أنشدني الحسن بن علي الطوسي: جَنَّةٌ لِفٌّ وَعَيْشٌ مُغْدِقٌ ** ونَدَامَى كُلُّهُمْ بِيضٌ زُهُرْ وزعم ابن قتيبة أنه لفاء ولف، ثم ألفاف: وما أظنه واجداً له نظيراً من نحو خضر وأخضار وحمر وأحمار، ولو قيل: هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد، لكان قولاً وجيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ﴾ السَّحائِبِ إذا أعْصَرَتْ أيْ شارَفَتْ أنْ تَعْصِرَها الرِّياحُ فَتُمْطِرَ كَقَوْلِكَ: أحْصَدَ الزَّرْعُ إذا حانَ لَهُ أنْ يُحْصَدَ، ومِنهُ: أعْصَرَتِ الجارِيَةُ إذا دَنَتْ أنْ تَحِيضَ، أوْ مِنَ الرِّياحِ الَّتِي حانَ لَها أنْ تَعْصِرَ السَّحابَ، أوِ الرِّياحِ ذَواتِ الأعاصِيرِ، وإنَّما جُعِلَتْ مَبْدَأً لِلْإنْزالِ لِأنَّها تُنْشِئُ السَّحابَ وتَدْرَأُ خِلافَهُ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «بِالمُعْصِراتِ».

﴿ ماءً ثَجّاجًا ﴾ مُنْصَبًّا بِكَثْرَةٍ يُقالُ: ثَجَّهُ وثَجَّ بِنَفْسِهِ.

وَفِي الحَدِيثِ: «أفْضَلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ» أيْ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وصَبُّ دِماءِ الهَدْيِ، وقُرِئَ «ثَجّاجًا» و «مَثاجِجُ» الماءِ مَصابُّهُ.

﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ ما يُقْتاتُ بِهِ وما يُعْتَلَفُ مِنَ التِّبْنِ والحَشِيشِ.

﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ مُلْتَفَّةً بَعْضُها بِبَعْضٍ جَمْعُ لَفٍّ كَجِذْعٍ.

قالَ: جَنَّةٌ لَفٌّ وعَيْشٌ مُغْدِقٌ ∗∗∗ ونَدامى كُلُّهم بِيضٌ زُهْرُ أوْ لَفِيفٌ كَشَرِيفٍ أوْ لَفٌّ جُمَعٍ لَفّاءَ كَخَضْراءَ وخُضْرٍ وأخْضارٍ أوْ مُتْلَفَّةٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات} أي السحائب إذا أعصرت أي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض أو الرياح لانها تنشىء السحاب وتدر أخلافه فيصح أن يجعل مبدأ للإنزال وقد جاء أن الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب {مَاءً ثَجَّاجاً} منصباً بكثرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ﴾ هي السَّحائِبُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ والضَّحّاكِ، ولَمّا كانَتْ مَعْصِرَةً اسْمَ مَفْعُولٍ لا مَعْصِرَةً اسْمَ فاعِلٍ قِيلَ إنَّها جَمْعُ مَعْصِرَةٍ مِن أعْصَرَ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلْحَيْنُونَةِ؛ أيْ: حانَتْ وشارَفَتْ أنْ تَعْصِرَها الرِّياحُ فَتُمْطِرَ، والإفْعالُ يَكُونُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرًا كَما جُزِرَ إذا حانَ وقْتُ جِزارِهِ، وأُحْصِدَ إذا شارَفَتْ وقْتَ حَصادِهِ ومِنهُ أعُصِرَتِ الجارِيَةُ إذا دَنَتْ أنْ تَحِيضَ.

قالَ أبُو النَّجْمِ العِجْلِيُّ: تَمْشِي الهُوَيْنا مائِلًا خِمارُها قَدْ أعْصَرَتْ أوْ قَدْ دَنا إعْصارُها وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الهَمْزَةِ لِلْحَيْنُونَةِ أنْ يَكُونَ المَعْنى حانَ لَها أنْ تَعْصِرَ؛ أيْ تُغِيثَ، ومِنهُ العاصِرُ المُغِيثُ؛ ولِذا قالَ ابْنُ كَيْسانَ: سُمِّيَتِ السَّحائِبُ بِذَلِكَ لِأنَّها تُغِيثُ فَهي مِنَ العَصْرَةِ كَأنَّهُ في الأصْلِ بِمَعْنى حانَ أنْ تَعْصِرَ بِتَخْيِيلِ أنَّ الدَّمَ يَحْصُلُ مِنها بِالعَصْرِ، وقِيلَ: إنَّها جَمْعٌ لِذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّ الهَمْزَةَ لِصَيْرُورَةِ الفاعِلِ ذا المَأْخَذَ كَأيْسَرَ وأعْسَرَ وألْحَمَ؛ أيْ: صارَ ذا يُسْرٍ وصارَ ذا عُسْرٍ وصارَ ذا لَحْمٍ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّهُ الرِّياحُ لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ فَيُمْطِرُ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِالرِّياحِ ذَواتِ الأعاصِيرِ عَلى أنَّ صِيغَةَ اسْمِ الفاعِلِ لِلنِّسْبَةِ إلى الإعْصارِ بِالكَسْرِ وهي رِيحٌ تُثِيرُ سَحابًا ذا رَعْدٍ وبَرْقٍ ويُعْتَبَرُ التَّجْرِيدُ عَلَيْهِ عَلى ما قِيلَ، والمازِنِيُّ اعْتَبَرَ النِّسْبَةَ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: المُعْصِراتُ السَّحائِبُ ذَواتُ الأعاصِيرِ؛ فَإنَّها لا بُدَّ أنْ تُمْطِرَ مَعَها، وأيَّدَ تَفْسِيرَها بِالرِّياحِ بِقِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وابْنِ عَبّاسٍ وأخِيهِ الفَضْلِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ «بِالمُعْصِراتِ» بِباءِ السَّبَبِيَّةِ والآلِيَّةِ؛ فَإنَّها ظاهِرَةٌ في الرِّياحِ فَإنَّ بِها يَنْزِلُ المالُ مِنَ السَّحابِ، ولِهَذِهِ القِراءَةِ جَعَلَ بَعْضُهم «مِن» في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وتَفْسِيرَ «المُعْصِراتِ» بِالرِّياحِ لِلتَّعْلِيلِ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّها لِلتَّعْلِيلِ ابْتِدائِيَّةٌ؛ فَإنَّ السَّحابَ كالمَبْدَأِ الفاعِلِ لِلْإنْزالِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ وُرُودَ «مِن» كَذَلِكَ قَلِيلٌ، وعَنْ أبِي الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أيْضًا أنَّها السَّماواتُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ السَّماءَ لا يَنْزِلُ مِنها الماءُ بِالعَصْرِ فَقِيلَ في تَأْوِيلِهِ: إنَّ الماءَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إلى السَّحابِ فَكَأنَّ السَّماواتَ يُعْصَرْنَ أيْ يُحْمَلْنَ عَلى عَصْرِ الرِّياحِ السَّحابَ ويُمَكَّنُ مِنهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ بَعْدِهِ إنَّما يَتِمُّ لَوْ جاءَ المُعْصِرُ بِمَعْنى العاصِرِ؛ أيِ الحامِلِ عَلى العَصْرِ، ولَوْ قِيلَ: المُرادُ بِالمُعْصِرِ الَّذِي حانَ لَهُ أنْ يُعْصَرَ كانَ تَكَلُّفًا عَلى تَكَلُّفٍ، والَّذِي في الكَشْفِ أنَّ الهَمْزَةَ عَلى التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ لِلتَّعْدِيَةِ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.

﴿ ماءً ثَجّاجًا ﴾ أيْ: مُنْصَبًّا بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: ثَجَّ الماءُ إذا سالَ بِكَثْرَةٍ، وثَجَّهُ أيْ أسالَهُ، فَثَجَّ ورَدَ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا واخْتِيرَ جَعْلُ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ مِنَ اللّازِمِ لِأنَّهُ الأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، وجَعَلَهُ الزَّجّاجُ مِنَ المُتَعَدِّي كَأنَّ الماءَ المُنَزَّلَ لِكَثْرَتِهِ يَصُبُّ نَفْسَهُ، ومِنَ المُتَعَدِّي ما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أفْضَلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ»».

أيْ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وصَبُّ ماءِ الهَدْيِ، والمُرادُ أفْضَلُ أعْمالِ الحَجِّ التَّلْبِيَةُ والنَّحْرُ ولا يَأْبى الكَثْرَةُ كَوْنَ الماءِ مِنَ المُعْصِراتِ وظاهِرُهُ أنَّهُ بِالعَصْرِ وهو لا يَحْصُلُ مِنهُ إلّا القَلِيلُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَوْ سُلِّمَ فالقِلَّةُ نِسْبِيَّةٌ.

وقَرَأ الأعْرَجُ: «ثَجّاحًا» بِجِيمٍ ثُمَّ حاءٍ مُهْمَلَةٍ، ومَثاجِجُ الماءِ: مَصابُّهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم ذكر صنعه، ليستدلوا بصنعه على توحيده.

فقال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً يعني: فراشاً ومقاماً.

ويقال: موضع القرار، ويقال: معناه ذللنا لهم الأرض، ليسكنوها ويسيروا فيها.

وَالْجِبالَ أَوْتاداً يعني: أوتدها وأثبتها.

ثم قال: وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً يعني: أصنافاً وأضداداً، ذكراً وأنثى.

ويقال: ألواناً بيضاً، وسوداً، وحمراً وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً يعني: راحة لأبدانكم وأصله التمدد، فلذلك سمي السبت، لأنه قيل لبني إسرائيل: استريحوا فيه.

ويقال: سباتاً يعني: سكوناً وانقطاعاً عن الحركات.

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً يعني: سكوناً يسكنون فيه.

ويقال: ستراً يستر كل شيء وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً يعني: مطلباً للمعيشة وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً يعني: سبع سموات غلاظاً، كل سماء مسيرة خمسمائة عام وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً يعني: وقاداً مضيئة وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ يعني: من السحاب، سمي معصرات لأنها تعصر الماء.

ويقال: المعصرات هي الرياح.

يعني: ذوات الأعاصير.

كقوله: إعصاراً فيه نار.

ثم قال عز وجل: مَاء ثَجَّاجاً يعني: سيالاً ويقال: منصباً كبيراً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً يعني: بالماء حبوباً كثيرة للناس، ونباتاً للدواب من العشب والكلأ وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً يعني: شجرها ملتفاً بعضها في بعض، فأعلم الله تعالى قدرته، أنه قادر على البعث.

فقال: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً يعني: يوم القيامة ميقاتاً، وميعاداً للأولين والآخرين يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً يعني: جماعة جماعة.

وروي في بعض الأخبار عن رسول الله  ، أنه قال: يبعث الله تعالى الناس صوراً مختلفة، بعضهم على صورة الخنزير، وبعضهم على صورة القردة، وبعضهم وجوههم كالقمر ليلة البدر.

ثم قال عز وجل: وَفُتِحَتِ السَّماءُ يعني: أبواب السماء فَكانَتْ أَبْواباً يعني: صارت طرقاً.

قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم وَفُتِحَتِ بالتخفيف، والباقون بالتشديد، وهو لتكثير الفعل، والتخفيف بفتح مرة واحدة.

ثم قال عز وجل: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ يعني: قلعت من أماكنها فَكانَتْ سَراباً يعني: فصارت كالسراب، تسير في الهواء كالسراب في الدنيا إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً أي: رصداً لكل كافر ويقال: سجنا ومحبسا لِلطَّاغِينَ مَآباً أي: للكافرين مرجعاً، يرجعون إليها.

لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً يعني: ماكثين فيها أبداً دائماً.

والأحقاب وأحدها حقب، والحقب ثمانون سنة، واثنا عشر شهراً، وكل شهر ثلاثون يوماً، وكل يوم منها مقدار ألف سنة مما تعدون بأهل الدنيا، فهذا حقب واحد، والأحقاب هو التأييد كلما مضى حقب، دخل حقب آخر.

وإنما ذكر أحقاباً، لأن ذلك كان أبعد شيء عندهم.

فذكر وتكلم بما تذهب إليه أوهامهم ويعرفونه، وهو كناية عن التأبيد، أي: يمكثون فيها أبداً.

قرأ حمزة لبثين بغير ألف.

والباقون لابثين بالألف، ومعناهما واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

شُكْرُها، والمِهادَ: الفراشُ المُمَهَّدُ، وشَبَّه الجبالَ بالأوتادِ لأنها تمنع الأرض أن تميد بهم.

وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢)

وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً أي: أنواعاً، والسُّبَاتُ: السُّكُونُ، وسَبَتَ الرجلُ: معناه استراحَ، ورُوِّينَا في «سنن أبي داودَ» عن معاذِ بن جبلٍ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَبِيتُ عَلَى ذِكْرِ [اللَّهِ] طَاهِراً فَيَتَعَارُّ مِنَ الليلِ، فَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى خَيْراً مِنْ أمُورِ الدنيا والآخِرَةِ إلاَّ أعطَاهُ اللَّه إياه» ورَوَى أبو داودَ عن بعضِ آلِ أم سلمةَ قال: كان فراشُ النبي صلّى الله عليه وسلّم نحواً مِمَّا يوضَعُ الإنْسَانُ في قبره، وكانَ المسجد عند رأسه، انتهى، ولِباساً مصدرٌ، وكأنَّ الليلَ كذلكَ مِنْ حيثُ يَغْشَى الأشخاص، فهي تلبسه وتتدرعه، والنَّهارَ مَعاشاً على حذفِ مضافٍ، أو على النَّسَبِ، والسبعُ الشدادُ: السمواتُ، والسراجُ: الشمسُ، والوهَّاج:

الحارُّ المضْطَرِمُ الاتِّقادِ المُتَعَالِي اللهبِ، قالَ ابن عباس وغيره: الْمُعْصِراتِ السحائب القاطِرة «١» ، وهو مَأْخوذٌ مِن العَصْرِ لأن السَحابَ يَنْعَصِرُ فيخرج/ منه الماءُ، وهذا قول الجمهور، والثَّجَاج: السريعُ الاندفاعِ، كما يَنْدَفِع الدمُ مِنْ عروقِ الذبيحةِ، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم وَقَدْ قِيلَ له ما أفْضَلُ الحَجِّ؟

فقال: «العَجُّ والثَجُّ» «٢» أرادَ التَّضَرّعُ إلى اللَّهِ تعالى بالدعاء

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ النَّبَإ وَيُقالُ لَها: سُورَةُ التَّساؤُلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ أصْلُهُ " عَنْ ما " فَأُدْغِمَتِ النُّونُ في المِيمِ، وحُذِفَتْ ألِفُ " ما " كَقَوْلِهِمْ: فِيمَ، وبِمَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ  جَعَلَ المُشْرِكُونَ يَتَساءَلُونَ بَيْنَهُمْ، فَيَقُولُونَ: ما الَّذِي أتى بِهِ؟

ويَتَجادَلُونَ، ويَخْتَصِمُونَ فِيما بُعِثَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

واللَّفْظُ لَفْظُ اسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: تَفْخِيمُ القِصَّةِ، كَما يَقُولُونَ: أيُّ شَيْءٍ زَيْدٌ؟

إذا أرَدْتَ تَعْظِيمَ شَأْنِهِ.

ثُمَّ بَيَّنَ ما الَّذِي يَتَساءَلُونَ عَنْهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ يَعْنِي: عَنِ الخَبَرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ.

وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.

قالَ الفَرّاءُ: فَلَمّا أجابَ صارَتْ " عَمَّ " كَأنَّها في مَعْنى: لِأيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ القُرْآنِ.

والثّانِي: البَعْثُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أمْرُ النَّبِيِّ  ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ مَن قالَ: إنَّهُ القُرْآنُ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو شِعْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وكَذَلِكَ مَن قالَ: هو أمْرُ النَّبِيِّ  ، فَأمّا مَن قالَ: إنَّهُ البَعْثُ والقِيامَةُ، فَفي اخْتِلافِهِمْ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَمّا سَمِعُوا بِهِ، فَمِنهم مَن صَدَّقَ وآمَنَ، ومِنهم مَن كَذَّبَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَصَدَّقَ بِهِ المُسْلِمُونَ، وكَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: هي رَدْعٌ وزَجْرٌ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: هي نَفْيٌ لِاخْتِلافِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا ﴿ سَيَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ حِينَ يَنْكَشِفُ الأمْرُ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ وعِيدٌ عَلى إثْرِ وعِيدٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " سَتَعْلَمُونَ " في الحَرْفَيْنِ بِالتّاءِ.

ثُمَّ ذَكَرَ صُنْعَهُ لِيَعْرِفُوا تَوْحِيدَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا ﴾ أيْ: فِراشًا وبِساطًا ﴿ والجِبالَ أوْتادًا ﴾ لِلْأرْضِ لِئَلّا تَمِيدَ ﴿ وَخَلَقْناكم أزْواجًا ﴾ أيْ: أصْنافًا، وأضْدادًا، ذُكُورًا، وإناثًا، سُودًا، وبِيضًا، وحُمْرًا.

﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: راحَةٌ لِأبْدانِكم.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [الفُرْقانِ: ٤٧] وشَرَحْنا هُناكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ أيْ: سَبَبًا لِمَعاشِكم.

والمَعاشُ: العَيْشُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُعاشُ بِهِ، فَهو مَعاشٌ.

والمَعْنى: جَعَلْنا النَّهارَ مَطْلَبًا لِلْمَعاشِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعاشًا، أيْ: عَيْشًا، وهو مَصْدَرٌ ﴿ وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هي السَّمَواتُ، غِلْظُ كُلِّ سَماءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ مِثْلُ ذَلِكَ، وهي فَوْقَكم يا بَنِي آدَمَ.

فاحْذَرُوا أنْ تَعْصُوا فَتَخِرَّ عَلَيْكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا ﴾ يَعْنِي: الشَّمْسَ ﴿ وَهّاجًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُضِيءُ.

وقالَ اللُّغَوِيُّونَ: الوَهّاجُ: الوَقّادُ.

وقِيلَ: الوَهّاجُ يَجْمَعُ النُّورَ والحَرارَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها السَّمَواتُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّها الرِّياحُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: هي الجَنُوبَ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ " مِن " بِمَعْنى " الباءِ " فَتَقْدِيرُهُ: بِالمُعْصِراتِ.

وإنَّما قِيلَ لِلرِّياحِ: مُعْصِراتٌ، لِأنَّها تَسْتَدِرُّ المَطَرَ.

والثّالِثُ: أنَّها السَّحابُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ.

والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ.

قالَ الفَرّاءُ: السَّحابَةُ المُعْصِرُ: الَّتِي تَتَحَلَّبُ بِالمَطَرِ ولَمّا يَجْتَمِعْ، مِثْلُ الجارِيَةِ المُعْصِرِ، قَدْ كادَتْ تَحِيضُ، ولَمّا تَحِضْ.

وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: شُبِّهَتِ السَّحابُ بِمَعاصِيرِ الجَوارِي، والمُعْصِرُ: الجارِيَةُ الَّتِي قَدْ دَنَتْ مِنَ الحَيْضِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ لِلسَّحابِ: مُعْصِراتٌ، كَما قِيلَ: أجَزَّ الزَّرْعُ، فَهو مُجَزٌّ، أيْ: صارَ إلى أنْ يُجَزَّ، فَكَذَلِكَ السَّحابُ إذا صارَ إلى أنْ يُمْطِرَ، فَقَدْ أعْصَرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماءً ثَجّاجًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: مَطَرًا كَثِيرًا مُنْصَبًّا يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

وقالَ غَيْرُهُ: يُقالُ: ثَجَّ الماءُ يَثُجُّ: إذا انْصَبَّ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الماءِ ﴿ حَبًّا ونَباتًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الحَبَّ: ما يَأْكُلُهُ النّاسُ، والنَّباتَ: ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما حُصِدَ حَبٌّ، وكُلُّ ما أكَلَتْهُ الماشِيَةُ مِنَ الكَلَإ، فَهو نَباتٌ.

والثّانِي: أنَّ الحَبَّ: اللُّؤْلُؤُ، والنَّباتُ: العُشْبُ.

قالَ عِكْرِمَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ قَطْرًا، إلّا أنْبَتَ بِهِ في البَحْرِ لُؤْلُؤًا، وفي الأرْضِ عُشْبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَنّاتٍ ﴾ يَعْنِي: بَساتِينَ ﴿ ألْفافًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: مُلْتَفَّةٌ مِنَ الشَّجَرِ لَيْسَ بَيْنَها خِلالٌ، الواحِدَةُ: لَفّاءٌ، وجَنّاتٌ لُفٌّ، وجَمْعُ الجَمْعِ: ألْفافٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَدَلَّ بِذِكْرِ المَخْلُوقاتِ عَلى البَعْثِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ ﴾ أيْ: يَوْمَ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ ﴿ كانَ مِيقاتًا ﴾ لِما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.

﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ ﴾ مِن قُبُورِكم ﴿ أفْواجًا ﴾ أيْ: زُمَرًا زُمَرًا مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿ وَفُتِحَتِ السَّماءُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " وفُتِّحَتْ " بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ، وإنَّما تُفْتَحُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ ﴿ فَكانَتْ أبْوابًا ﴾ أيْ: ذاتُ أبْوابٍ ﴿ وَسُيِّرَتِ الجِبالُ ﴾ عَنْ أماكِنِها ﴿ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ أيْ: كالسَّرابِ، لِأنَّها تَصِيرُ هَباءً مُنْبَثًّا فَيَراها النّاظِرُ كالسَّرابِ بَعْدَ شِدَّتِها وصَلابَتِها ﴿ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: مِرْصادًا يَرْصُدُونَ بِهِ، أيْ: هو مُعَدٌّ لَهم يَرْصُدُ بِها خَزَنَتُها الكُفّارَ.

وقالَ الأزْهَرِيُّ: المِرْصادُ: المَكانُ الَّذِي يَرْصُدُ فِيهِ الرّاصِدُ العَدُوَّ.

ثُمَّ بَيَّنَ لِمَن هي مِرْصادٌ فَقالَ تَعالى: ﴿ لِلطّاغِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِلْمُشْرِكِينَ ﴿ مَآبًا ﴾ أيْ: مَرْجِعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لابِثِينَ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ " لَبِثِينَ " والمَعْنى: فِيهِما واحِدٌ.

يُقالُ: هو لابِثٌ بِالمَكانِ، ولَبِثٌ.

ومِثْلُهُ طامِعٌ، وطَمِعٌ، وفارِهٌ، وفَرِهٌ.

وأمّا الأحْقابُ فَجَمْعَ حِقْبٍ، وقَدْ ذَكَرْنا الِاخْتِلافَ فِيهِ في [الكَهْفِ: ٦٠] .

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ذِكْرِ الأحْقابِ، وخُلُودُهم في النّارِ لا نَفادَ لَهُ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى غايَةٍ، لِأنَّهُ كُلَّما مَضى حِقْبٌ تَبِعَهُ حِقْبٌ.

ولَوْ أنَّهُ قالَ " لابِثِينَ فِيها عَشْرَةَ أحْقابٍ أوْ خَمْسَةً " دَلَّ عَلى غايَةٍ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، والجُمْهُورِ.

وبَيانُهُ أنَّ زَمانَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ يُتَصَوَّرُ دُخُولُهُ تَحْتَ العَدَدِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها نِهايَةٌ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: أنَّهم يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا ﴿ لا يَذُوقُونَ ﴾ في الأحْقابِ ﴿ بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ فَأمّا خُلُودُهم في النّارِ فَدائِمٌ.

هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وبَيانُهُ أنَّ الأحْقابَ حَدٌّ لِعَذابِهِمْ بِالحَمِيمِ والغَسّاقِ، فَإذا انْقَضَتِ الأحْقابُ عُذِّبُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ.

وفي المُرادِ " بِالبَرْدِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ بَرْدُ الشَّرابِ.

رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدَ الشَّرابِ، ولا الشَّرابَ.

والثّانِي: أنَّهُ الرُّوحُ والرّاحَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ النَّوْمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وأنْشَدُوا: فَإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ وإنْ شِئْتُ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النُّقاخُ: الماءُ، والبَرْدُ: النَّوْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَبْرُدُ فِيهِ الحَرارَةُ.

وَقالَ مُقاتِلٌ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا يَنْفَعُهم مِن حَرِّها، ولا شَرابًا يَنْفَعُهم مِن عَطَشٍ ﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " غَساقًا " بِالتَّخْفِيفِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتَّشْدِيدِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحَمِيمِ، والغَسّاقِ [ص: ٥٧] ﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: وِفْقًا لِأعْمالِهِمْ.

وقالَ غَيْرُهُ: جُوزُوا جَزاءً وِفاقًا لِأعْمالِهِمْ عَلى مِقْدارِها فَلا ذَنْبَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ، ولا عَذابَ أعْظَمُ مِنَ النّارِ.

﴿ إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَخافُونَ أنْ يُحاسَبُوا، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: لا يَرْجُونَ ثَوابَ حِسابٍ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الكِذّابُ بِالتَّشْدِيدِ لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ فَصِيحَةٌ، يَقُولُونَ: كَذَّبْتُ بِهِ كِذّابًا، وخَرَقْتُ القَمِيصَ خِرّاقًا، وكُّلُّ " فَعَلْتُ " فَمَصْدَرُهُ في لُغَتِهِمْ مُشَدَّدٌ.

قالَ لِي أعْرابِيٌّ مِنهم عَلى المَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي: الحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ، أمِ القِصّارُ؟

وأنْشَدَنِي بَعْضُ بَنِي كِلابٍ: لَقَدْ طالَ ما ثَبَّطَتْنِي عَنْ صَحابَتِي ∗∗∗ وعَنْ حِوَجٍ قِضّاؤُها مِن شِفائِيا وَأمّا أهْلُ نَجْدٍ، فَيَقُولُونَ: كَذَّبْتُ بِهِ تَكْذِيبًا.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكِذّابُ أشَدُّ مِنَ الكِذابِ، وهُما مَصْدَرُ المُكاذَبَةِ.

قالَ الأعْشى: فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " كُلَّ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ: أحْصَيْناهُ، والمَعْنى: أحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ، و ﴿ كِتابًا ﴾ تَوْكِيدٌ ِلـِ " أحْصَيْناهُ "، لِأنَّ مَعْنى " أحْصَيْناهُ " و " كَتَبْناهُ " فِيما يَحْصُلُ ويَثْبُتُ واحِدٌ.

فالمَعْنى: كَتَبْناهُ كِتابًا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ أثْبَتْناهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿ فَذُوقُوا ﴾ أيْ: فَيُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا جَزاءَ فِعالِكم ﴿ فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ ﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الَّذِينَ لَمْ يُشْرِكُوا ﴿ مَفازًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُتَنَزَّهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: فازُوا بِأنْ نَجَوْا مِنَ النّارِ بِالجَنَّةِ، ومِنَ العَذابِ بِالرَّحْمَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " مَفازًا " في مَوْضِعِ " فَوْزٍ " ﴿ حَدائِقَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَدائِقُ: بَساتِينُ نَخْلٍ، واحِدُها: حَدِيقَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَواعِبَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكَواعِبُ: النَّواهِدُ.

قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: كَعَبَتِ المَرْأةُ كَعابَةً، فَهي كاعِبٌ: إذا نَتَأ ثَدْيُها.

وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " الأتْرابِ " في [ص: ٥٢] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَأْسًا دِهاقًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَلْأى، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها المُتَتابِعَةُ.

رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ.

وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّها الصّافِيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها ﴾ أيْ: في الجَنَّةِ إذا شَرِبُوها ﴿ لَغْوًا ﴾ وقَدْ ذَكَرْناهُ في [الطَّوْرِ: ٢٣] وغَيْرِها ﴿ وَلا كِذّابًا ﴾ أيْ: لا يُكَذِّبُ بَعْضُهم بَعْضًا، لِأنَّ أهْلَ الدُّنْيا إذا شَرِبُوا الخَمْرَ تَكَلَّمُوا بِالباطِلِ، وأهْلُ الجَنَّةِ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ.

قالَ الفَرّاءُ: وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " كِذابًا " بِالتَّخْفِيفِ، كَأنَّهُ -واللَّهُ أعْلَمُ- لا يَتَكاذَبُونَ فِيها.

وكانَ الكِسائِيُّ يُخَفِّفُ هَذِهِ ويُشَدِّدُ، " وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا " لِأنَّ " كَذَّبُوا " يُقَيِّدُ " الكِذّابَ " بِالمَصْدَرِ، وهَذِهِ لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً بِفِعْلٍ يُصَيِّرُها مَصْدَرًا.

وقَدْ ذَكَرْنا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ الكِذّابَ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ مَصْدَرُ المُكاذَبَةِ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: " الكِذابُ " بِالتَّخْفِيفِ مَصْدَرُ " كَذَبَ "، مِثْلُ " الكِتابِ " مَصْدَرُ " كَتَبَ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: جازاهم بِذَلِكَ جَزاءً، وكَذَلِكَ " عَطاءً "، لِأنَّ مَعْنًى أعْطاهم وجازاهم واحِدٌ.

و ﴿ حِسابًا ﴾ مَعْناهُ: ما يَكْفِيهِمْ، أيْ: فِيهِ كُلُّ ما يَشْتَهُونَ.

يُقالُ: أحْسَبَنِي كَذا بِمَعْنى كَفانِي.

﴿ رَبِّ السَّماواتِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والمُفَضَّلُ: " رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنُ " بِرَفْعِ الباءِ مِن " رَبِّ " والنُّونِ مِنَ " الرَّحْمَنِ " عَلى مَعْنى: هو رَبُّ السَّمَواتِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِخَفْضِ الباءِ والنُّونِ عَلى الصِّفَةِ مِن " رَبِّكَ " .

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الباءِ ورَفْعِ النُّونِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الفَرّاءُ، ووافَقَهُ عَلى هَذا جَماعَةٌ، وعَلَّلُوا بِأنَّ الرَّبَّ قَرِيبٌ مِنَ المَخْفُوضِ، والرَّحْمَنَ بَعِيدٌ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا بِإذْنِهِ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: لا يَقْدِرُ الخَلْقُ أنْ يُكَلِّمُوا الرَّبَّ إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جُنْدٌ مِن جُنْدِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسُوا بِمَلائِكَةٍ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقالَ مُجاهِدٌ: هم خَلْقٌ عَلى صُورَةِ بَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ مَلَكٌ أعْظَمُ مِنَ السَّمَواتِ والجِبالِ، والمَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرُّوحُ: مَلَكٌ ما خَلَقَ اللَّهُ أعْظَمَ مِنهُ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قامَ هو وحْدَهُ صَفًّا، وقامَتِ المَلائِكَةُ كُلُّهم صَفًّا واحِدًا، فَيَكُونُ عِظَمُ خَلْقِهِ مِثْلَ صُفُوفِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّها أرْواحُ النّاسِ تَقُومُ مَعَ المَلائِكَةِ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تُرَدَّ إلى الأجْسامِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أنَّهم بَنُو آدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والسّابِعُ: أنَّهم أشْرَفُ المَلائِكَةِ، قالَهُ َمُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ صَفًّا ﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: هُما سِماطانِ، سِماطٌ مِنَ الرُّوحِ، وسِماطٌ مِنَ المَلائِكَةِ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ صَفًّا، والمَلائِكَةُ صَفًّا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صَفًّا ﴾ صُفُوفًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَتَكَلَّمُونَ ﴾ يَعْنِي: الخَلْقَ كُلَّهم ﴿ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ في الكَلامِ ﴿ وَقالَ صَوابًا ﴾ أيْ: قالَ في الدُّنْيا صَوابًا، وهو الشَّهادَةُ بِالتَّوْحِيدِ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ حَقًّا في الدُّنْيا، وعَمِلَ بِهِ ﴿ ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ ﴾ الكائِنُ الواقِعُ بِلا شَكٍّ ﴿ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ أيْ: مَرْجِعًا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ.

ثُمَّ خَوَّفَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا ﴾ وهو عَذابُ الآخِرَةِ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ﴾ أيْ: يَرى عَمَلَهُ مُثْبَتًا في صَحِيفَتِهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا ﴿ وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ يا لَيْتَنِي لَمْ أُبْعَثْ.

وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ بَعْضِ أشْياخِهِ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّ الكافِرَ هاهُنا: إبْلِيسُ، وذَلِكَ أنَّهُ عابَ آدَمَ، لِأنَّهُ خُلِقَ مِنَ التُّرابِ، فَتَمَنّى يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ كانَ بِمَكانِ آدَمَ، فَقالَ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَبَإ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، ولَيْسَ فِيها نَسْخٌ ولا حُكْمٌ إلّا ما قالَهُ بَعْضُ الناسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لابِثِينَ فِيها أحْقابًا  ﴾ مِن أنَّهُ مَنسُوخٌ، وهو قَوْلٌ خُلِفَ، لِأنَّ الأخْبارَ لا تُنْسَخُ، وإنَّما ذَكَرْنا هَذا القَوْلَ تَنْبِيهًا عَلى فَسادِهِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ ﴾ ﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا ﴾ ﴿ والجِبالَ أوتادًا ﴾ ﴿ وَخَلَقْناكم أزْواجًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا اللَيْلَ لِباسًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا النَهارَ مَعاشًا ﴾ ﴿ وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا ﴾ ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ ﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ أصْلُ "عَمَّ" عن ما، ثُمَّ أُدْغِمَتِ النُونُ بَعْدَ قَلْبِها فَبَقِيَ "عَمّا" في الخَبَرِ وفي الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ حَذَفُوا الألِفَ في الِاسْتِفْهامِ فَرْقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَبَرِ، ثُمَّ مِنَ العَرَبِ مَن يُخَفِّفُ المِيمَ تَخْفِيفًا فَيَقُولُ: "عَمَ"، وهَذا الِاسْتِفْهامُ بِـ "عَمَّ" هو اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ وتَعَجُّبٍ مِنهم.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ وعِكْرِمَةُ، وعِيسى: "عَمّا" بِالألِفِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "عَمَّهْ" بَهاءٍ، وهَذا إنَّما يَكُونُ عِنْدَ الوَقْفِ.

و"النَبَإ العَظِيمِ" قالَ قَوْمٌ: هو الشَرْعُ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ  ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هو القُرْآنُ خاصَّةً، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: هو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ.

ويُحْتَمَلُ الضَمِيرُ في "يَتَساءَلُونَ" أنْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَ العالَمِ، فَيَكُونُ "الِاخْتِلافُ" حِينَئِذٍ يُرادُ بِهِ تَصْدِيقَ المُؤْمِنِينَ وتَكْذِيبَ الكافِرِينَ ونَزَغاتِ المُلْحِدِينَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَرِيدَ بِالضَمِيرِ الكَفّارَ مِن قُرَيْشٍ، فَيَكُونُ "الِاخْتِلافُ" شَكُّ بَعْضٍ وتَكْذِيبُ بَعْضٍ، وقَوْلُهم سِحْرٌ وكَهانَةٌ وجُنُونٌ وغَيْرُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَتَساءَلُونَ" الظاهِرِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِمَ يَتَساءَلُونَ عن هَذا النَبَأِ؟

وقالَ الزَجّاجُ: الكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ، ثُمَّ كانَ مُقْتَضى القَوْلِ أنْ يُجِيبَ مُجِيبٌ فَيَقُولُ: يَتَساءَلُونَ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ، فاقْتَضى إيجازُ القُرْآنِ بِبَلاغَتِهِ أنْ يُبادِرَ المُحْتَجُّ بِالجَوابِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحالُ والمُجاوَرَةُ، اقْتِضابًا لِلْحُجَّةِ وإسْراعًا إلى مَوْضِعِ قَطْعِهِمْ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلْ اللهُ شَهِيدٌ  ﴾ ، ولَهُ أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، وقَدْ وقَعَ التَنْبِيهُ عَلَيْها في مَواضِعِها.

وقَرَأ السَبْعَةُ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ: "كَلّا سَيَعْلَمُونَ" بِالياءِ في المَوْضِعَيْنِ، عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ في تَكْذِيبِهِمْ، ووَعِيدٌ لَهم في المُسْتَقْبَلِ، وكَرَّرَ الزَجْرَ تَأْكِيدًا، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كَلّا سَيَعْلَمُونَ، يَعْنِي الكُفّارَ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ، ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ عَلى جِهَةِ الوَعْدِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -فِيما رَوى عنهُ- ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، والحَسَنُ بِخِلافٍ- "كَلّا سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ في المَوْضِعَيْنِ، عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وكَرِّرْ عَلَيْهِمُ الزَجْرَ والوَعِدَ تَأْكِيدًا، وكُلُّ تَأْوِيلٍ في هَذِهِ القِراءَةِ غَيْرُ هَذا مُتَعَسِّفٌ.

وقَرَأ قَوْمٌ: "كَلّا سَيَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى جِهَةِ الرَدِّ والوَعِيدِ لِلْكَفّارِ، ثُمَّ "كَلّا سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى جِهَةِ الرَدِّ عَلى الكُفّارِ والوَعْدِ والمُؤْمِنِينَ، فالعِلْمُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى "سَتَعْرِفُونَ"، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَدَّ.

ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى آياتِهِ وغَرائِبَ مَخْلُوقاتِهِ وقُدْرَتِهِ الَّتِي يُوجِبُ النَظَرُ فِيها الإقْرارَ بِالبَعْثِ والإيمانِ بِاللهِ تَعالى، و"المِهادُ": الفِراشُ المُمَهَّدُ الوَطْئِ، وكَذَلِكَ الأرْضُ لِبِنْيَتِها، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعِيسى، وبَعْضُ الكُوفِيِّينَ: "مَهْدًا"، والمَعْنى نَحْوُ الأوَّلِ، وشَبَّهَ الجِبالَ"بِالأوتادِ" لِأنَّها تَمْسِكُ وتَثْقُلُ وتَمْنَعُ الأرْضَ أنْ تَمِيدَ، و"أزْواجًا" مَعْناهُ أنْواعًا في ألْوانِكم وصُوَرِكم وألْسِنَتِكُمْ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: مُزْدَوَجَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى.

و"السُباتُ" السُكُونُ، وسَبَتَ الرَجُلُ مَعْناهُ: اسْتَراحَ واتَّدَعَ وتَرَكَ الشُغْلَ، ومِنهُ السُباتُ وهي عِلَّةٍ مَعْرُوفَةٍ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ السُكُونَ أوالسُكُوتَ أفْرَطَ عَلى الإنْسانِ حَتّى صارَ ضارًّا قاتِلًا، والنَوْمُ شَبِيهٌ بِهِ إلّا في الضَرَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "سُباتًا": قِطَعًا لِلْأعْمالِ والتَصَرُّفِ، والسَبْتُ: القَطْعُ، ومِنهُ "سَبْتُ الرَجُلِ شَعْرُهُ" إذا قُطِعَ شَعْرُهُ، ومِنهُ النِعالُ السَبْتِيَّةُ وهي الَّتِي قُطِعَ عنها الشِعْرُ.

و"لِباسًا" مَصْدَرٌ، وكانَ اللَيْلُ كَذَلِكَ مِن حَيْثُ يُغْشِي الأشْخاصَ فَهي تَلْبَسُهُ وتَتَدَرَّعُهُ، ويُقالُ: جَعَلَهُ لِباسًا لِأنَّهُ يَطْمِسُ نُورَ الأبْصارِ ويَلْبَسُ عَلَيْها الأشْياءَ، والتَصْرِيفُ يُضْعِفُ هَذا القَوْلَ لِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ "مَلْبَسًا"، ولا يُقالُ "لِباسٌ" إلّا مِن لَبِسَ الثِيابَ ﴿ وَجَعَلْنا النَهارَ مَعاشًا ﴾ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أو عَلى النَسَبِ، وهَذا كَما تَقُولُ "لَيْلٌ نائِمٌ"، و"السَبْعُ الشِدادُ": السَمَواتُ، والأفْصَحُ في لَفْظَةِ السَماءِ التَأْنِيثُ، ووَصَفَها بِالشِدَّةِ، لِأنَّهُ لا يُسْرِعُ إلَيْها فَسادٌ لِوِثاقَتِها، و"السِراجُ": الشَمْسُ، و"الوَهّاجُ": الحارُّ المُضْطَرِمُ الِاتِّقاِد، المُتَعالِي اللهَبِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ: إنَّ الشَمْسَ في السَماءِ الرابِعَةِ إلَيْنا ظَهْرُها، ولَهَبُها مُضْطَرِمٌ عُلُوًّا.

واخْتَلَفَ الناسُ في "المُعْصِراتِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُقاتِلٌ، وقَتادَةُ: هي السَمَواتُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ: المُعْصِراتُ هى السَحابُ القاطِرَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ العَصْرِ؛ لِأنَّ السَحابَ يَنْعَصِرُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وبِهِ فَسَّرَ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ العنبَرِيُّ القاضِي بَيْتَ حَسّانَ: كِلْتاهُما حَلَبُ العَصِيرِ.....

البَيْتُ.

وَقالَ بَعْضُ مَن سُمِّيَتْ: هي السَحابُ الَّتِي فِيها الماءُ ولَمّا تُمْطِرْ، كالمَرْأةِ المُعْصِرِ، وهي الَّتِي دَنا حَيْضُها ولَمْ تَحِضْ بَعْدُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: قِيلَ لِلسَّحابِ مُعْصِراتٌ مِن حَيْثُ تُغِيثُ، فَهي مِن "العَصْرَةِ" ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَفِيهِ يَعْصِرُونَ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ المُعْصِراتُ: الرِياحُ لِأنَّها تَعْصِرُ السَحابَ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ والفَضْلُ بْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ: "وَأنْزَلَنا بِالمُعْصِراتِ"، فَهَذا يُقَوِّي أنَّهُ أرادَ الرِياحَ.

و"الثَجّاجُ": السَرِيعُ الِانْدِفاعِ كَما يَنْدَفِعُ الدَمُ عن عُرُوقِ الذَبِيحَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  وقَدْ «قِيلَ لَهُ: ما أفْضَلَ الحَجَّ؟

فَقالَ: "العَجُّ والثَجُّ"» أرادَ: التَضَرُّعَ بِالدُعاءِ الجَهِيرِ وذَبْحِ الهَدْيِ.

و"الحُبُّ": جِنْسُ الحُبُوبِ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ الحَيَوانُ، و"النَباتُ": العُشْبُ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ رُطَبًا لِإنْسانٍ أو بَهِيمَةٍ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى مَوْضِعَ المَنفَعَتَيْنِ.

و"ألْفافًا" جَمْعُ "لُفٍّ" بِضَمِّ اللامِ، و"لُفٌّ" جَمْعُ "لَفّاءَ"، والمَعْنى مُلْتَفّاتُ الأغْصانِ والأوراقِ، وذَلِكَ أبَدًا مَوْجُودٌ مَعَ النَضْرَةِ والرَيِّ، وقالَ قَوْمٌ: "ألْفافًا" جَمْعُ "لِفَّ" بِكَسْرِ اللامِ، واللَفُّ: الجَنَّةُ المُلْتَفَّةُ بِالأغْصانِ، وقالَ الكِسائِيُّ: "ألْفافًا"، جَمْعُ "لَفِيفٍ"، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ أحابِيشُ ألْفافٍ تَبايَنَ فَرْعُهم ∗∗∗ وجِذْمُهم عن نِسْبَةِ المُتَقَرِّبِ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استدلال بحالة أخرى من الأحوال التي أودعها الله تعالى في نظام الموجودات وجعلها منشأً شبَيهاً بحياة بعد شبيهٍ بموت أو اقتراب منه ومَنْشأ تَخلق موجودات من ذرات دقيقة.

وتلك حالة إنزال ماء المطر من الأسحبة على الأرض فتنبت الأرض به سنابل حبّ وشجراً، وكلأً، وتلك كلها فيها حياة قريبة من حياة الإِنسان والحيوان وهي حياة النمَاء فيكون ذلك دليلاً للناس على تصور حالة البعث بعد الموت بدليل من التقريب الدال على إمكانه حتى تضمحل من نفوس المكابرين شُبَهُ إحالة البعث.

وهذا الذي أشير إليه هنا قد صرح به في مواضع من القرآن كقوله تعالى: ﴿ ونزَّلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج ﴾ [ق: 9 11] ففي الآية استدلالان: استدلال بإنزال الماء من السحاب، واستدلال بالإِنبات، وفي هذا أيضاً منّة على المُعْرضِين عن النظر في دلائل صنع الله التي هي دواع لشكر المنعم بها لما فيها من منافع للناس من رزقهم ورزق أنعامهم، ومن تنعمهم وجمال مَرَائيهم فإنهم لو شكروا المنعم بها لكانوا عندما يَبلغهم عنه أنه يدعوهم إلى النظر في الأدلة مستعدين للنظر، بتوقع أن تكون الدعوة البالغة إليهم صَادقة العَزو إلى الله فما خفيت عنهم الدلالة.

ومناسبة الانتقال من ذكر السماوات إلى ذكر السحاب والمطر قوية.

والمعصرات: بضم الميم وكسر الصاد السحابات التي تحمل ماء المطر واحدتها مُعصرةِ اسم فاعل من: أعْصَرَتْ السحابةُ، إذا آن لها أن تَعْصِر، أي تُنزل إنزالاً شبيهاً بالعَصْر.

فهمزة (أعصر) تفيد معنى الحينونة وهو استعمال موجود وتسمَّى همزة التهيئة كما في قولهم: أجَزَّ الزرعُ، إذا حان له أن يُجزّ (بزاي في آخره) وأُحصد إذا حان وقت حصاده.

ويظهر من كلام صاحب «الكشاف» أن همزة الحينونة تفيد معنى التهيُّؤ لقبول الفعل وتفيد معنى التهيُّؤ لإِصدار الفعل فإنه ذكر: أعْصَرتْ الجاريةُ، أي حان وقت أن تصير تحيض، وذكر ابن قتيبة في «أدب الكاتب»: أركَبَ المُهْرُ، إذا حان أن يركب، وأقطفَ الكَرْمُ، إذا حان أن يُقطف.

ثم ذكر: أقْطَفَ القومُ: حان أن يَقطِفوا كُرومهم، وأنتجت الخيل: حان وقت نَتاجها.

وفي تفسير ابن عطية عند قوله تعالى: ﴿ ألم تر أن اللَّه يزجي سحاباً ﴾ الآية من سورة النور (43)، والعرب تقول: إن الله تعالى إذا جعل السحاب ركاماً جاء بالريح عَصَر بعضُه بعضاً فيخرج الودق منه، ومن ذلك قوله: وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً } ومن ذلك قول حسان: كلتاهما حَلَب العَصير فعَاطني *** بزُجاجة أرخاهما للمفصل أراد حَسَّانُ الخمرَ والماءَ الذي مُزجت به، أي هذه من عصير العنب وهذه من عصير السحاب، فسر هذا التفسير قاضي البصرة عبيد الله بن الحسن العنبري للقومَ الذين حلف صاحبهم بالطلاق أن يسأل القاضي عن تفسير بيت حسان ا ه.

والثّجاج: المُنْصَبُّ بقوة وهو فَعَّال من ثَجّ القاصر إذا انصب، يقال: ثجّ الماءُ، إذا انصبّ بقوة، فهو فِعل قاصر.

وقد يسند الثجُّ إلى السحاب، يقال: ثج السحاب يَثُجّ بضم الثاء، إذا صَبَّ الماءَ، فهو حينئذ فعل متعدّ.

ووصف الماء هنا بالثّجاج للامتنان.

وقد بينت حكمة إنزال المطر من السحاب بأن الله جعله لإنبات النبات من الأرض جمعاً بين الامتنان والإِيماء إلى دليل تقريب البعث ليحصل إقرارهم بالبعث وشكر الصّانع.

وجيء بفعل ﴿ لنخرج ﴾ دون نحو: لننبت، لأن المقصود الإيماء إلى تصوير كيفية بعث الناس من الأرض إذ ذلك المقصد الأول من هذا الكلام ألا ترى أنه لما كان المقصد الأول من آية سورة (ق) هو الامتنانَ جيء بفعل «أنبتنا» في قوله: ﴿ ونزَّلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جناتٍ ﴾ [ق: 9] الآية.

ثم أتبع ثانياً بالاستدلال به على البعث بقوله: ﴿ كذلك الخروج ﴾ [ق: 11].

والبعث خروج من الأرض قال تعالى: ﴿ ومنها نخرجكم تارة أخرى ﴾ في سورة طه (55).

والحَب: اسم جمع حبّة وهي البرزة.

والمراد بالحب هنا: الحب المقتات للناس مثل: الحنطة، والشعير، والسُّلت، والذُّرة، والأرزُّ، والقُطنية، وهي الحبوب التي هي ثمرة السنابل ونحوها.

والنّبات أصله اسم مصدر نبت الزرع، قال تعالى: ﴿ واللَّه أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ [نوح: 17] وأطلق النبات على النابت من إطلاق المصدر على الفاعل وأصله المبالغة ثم شاع استعماله فنسيت المبالغة.

والمراد به هنا: النبات الذي لا يؤكل حبه بل الذي ينتفع بذاته وهو ما تأكله الأنعام والدواب مثل التبن والقُرط والفصفصة والحشيش وغير ذلك.

وجعلت الجنات مفعولاً ل (تخرج) على تقدير مضاف، أي نخل جنات أو شجر جنات، لأن الجنات جمع جَنة وهي القطعة من الأرض المغروسة نخلاً، أو نخلاً وكرْماً، أو بجميع الشجر المثمر مثل التين والرمان كما جاء في مواضعَ من القرآن، وهي استعمالات مختلفة باختلاف المنابت.

ووجه إيثار لفظ ﴿ جنات ﴾ أن فيه إيماء إلى إتمام المنة لأنهم كانوا يحبون الجنات والحدائق لما فيها من التنعم بالظِّلال والثمار والمياه وجمال المنظر، ولذلك أتبعت بوصف ﴿ ألفافاً ﴾ لأنه يزيدها حسناً، وإن كان الفلاحون عندنا يفضلون التباعد بين الأشجار لأن ذلك أوفر لكمية الثمار لأن تباعدها أسعد لها بتخلل الهواء وشعاع الشمس، لكن مساق الآية هنا الامتنان بما فيه نعيم الناس.

وألفاف: اسم جمع لا واحد له من لفظه وهو مثل أوزاع وأخياف، أي كل جنة ملتفة، أي ملتفة الشجر بعضه ببعض.

فوصف الجنات بألفَاف مبنيّ على المجاز العقلي لأن الالتفاف في أشجارها ولكن لما كانت الأشجار لا يَلتفّ بعضها على بعض في الغالب إلا إذا جمعتها جنة أسند ألفاف إلى جنات بطريق الوصف.

ولعله من مبتكرات القرآن إذ لم أر شاهداً عليه من كلام العرب قبل القرآن.

وقيل: ألفاف جمع لِفّ بكسر اللام بوزن جِذْع، أي كل جنة منها لف بكسر اللام ولم يأتوا بشاهد عليه.

وذكر في «الكشاف» أن صاحب «الإقليد» ذكر بيتاً أنشده الحسن بن علي الطوسي ولم يعزه إلى قائل.

وفي «الكشاف» زعم ابن قتيبة: أنه لَفَّاءُ ولُفُّ ثم ألفاف (أي أن ألفافاً جمع الجمع) قال: «وما أظنه واجداً له نظيراً» أي لا يجمع فُعْل جمعاً على أفعال، أي لا نظير له إذ لا يقال خُضر وأخضار وحُمر وأحمار.

يريد أنه لا يخرّج الكلام الفصيح على استعمال لم يثبت ورود نظيره في كلام العرب مع وجود تأويل له على وجه وارد.

فكان أظهر الوجوه أن ﴿ ألفافاً ﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه.

وبهذا الاستدلال والامتنان ختمت الأدلة التي أقيمت لهم على انفراد الله تعالى بالإلهية وتضمنت الإِيماء إلى إمكان البعث وما أدمج فيها من المنن عليهم عساهم أن يذكروا النعمة فيشعروا بواجب شكر المنعم ولا يستفظعوا إبطال الشركاء في الإلهية وينظروا فيما بلغهم عنه من الإِخبار بالبعث والجزاء فيصرفوا عقولهم للنظر في دلائل تصديق ذلك.

وقد ابتدئت هذه الدلائل بدلائل خلق الأرض وحالتها وجالت بهم الذكرى على أهم ما على الأرض من الجماد والحيوان، ثم ما في الأفق من أعراض الليل والنهار.

ثم تصاعد بهم التجوال بالنظر في خلق السماوات وبخاصة الشمس ثم نُزل بهم إلى دلائل السحاب والمطر فنزلوا معه إلى ما يخرج من الأرض من بدائع الصنائع ومنتهى المنافع فإذا هم ينظرون من حيث صَدروا وذلك من رد العجز على الصدر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ النَّبَإ ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ ﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا ﴾ ﴿ والجِبالَ أوْتادًا ﴾ ﴿ وَخَلَقْناكم أزْواجًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ ﴿ وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا ﴾ ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ ﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ يَعْنِي عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُ المُشْرِكُونَ؟

لِأنَّ قُرَيْشًا حَيْثُ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ  جَعَلَتْ تُجادِلُ وتَخْتَصِمُ في الَّذِي دَعا إلَيْهِ.

وَفي " النَّبَأ العَظِيم " أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ  .

﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ هو البَعْثُ، فَأمّا المَوْتُ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اخْتَلَفَ فِيهِ المُشْرِكُونَ مِن بَيْنِ مُصَدِّقٍ مِنهم ومُكَذِّبٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: اخْتَلَفَ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، فَصَدَّقَ بِهِ المُسْلِمُونَ وكَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

﴿ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الحَسَنُ، فالأوَّلُ: كَلّا سَيَعْلَمُونَ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ في القِيامَةِ، والثّانِي: كَلّا سَيَعْلَمُونَ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ في جَهَنَّمَ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ لِلْكُفّارِ فِيما يَنالُهم مِنَ العَذابِ في النّارِ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما يَنالُهم مِنَ الثَّوابِ في الجَنَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: نُعاسًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: سَكَنًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: راحَةً ودَعَةً، ولِذَلِكَ سُمِّيَ يَوْمُ السَّبْتَ سَبْتًا لِأنَّهُ يَوْمُ راحَةٍ ودَعَةٍ، قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: يُقالُ سَبَتَ الرَّجُلُ إذا اسْتَراحَ.

الرّابِعُ: سُباتًا أيْ قِطَعًا لِأعْمالِهِمْ، لِأنَّ أصْلَ السُّباتِ القَطْعُ ومِنهُ قَوْلُهم سَبَتَ الرَّجُلُ شَعْرَهُ إذا قَطَعَهُ، قالَ الأنْبارِيُّ: وسُمِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ لِانْقِطاعِ الأعْمالِ فِيهِ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ السُّباتَ ما قَرَّتْ فِيهِ الحَواسُّ حَتّى لَمَّ تُدْرِكْ بِها الحِسَّ.

﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَكَنًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: غِطاءً، لِأنَّهُ يُغَطِّي سَوادَهُ كَما يُغَطِّي الثَّوْبُ لابِسَهُ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.

﴿ وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ يَعْنِي وقْتَ اكْتِسابٍ، وهو مَعاشٌ لِأنَّهُ يُعاشُ فِيهِ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّهُ زَمانُ العَيْشِ واللَّذَّةِ.

﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا ﴾ يَعْنِي بِالسِّراجِ الشَّمْسَ، وفي الوَهّاجِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المُنِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: المُتَلَأْلِئُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مِن وهَجِ الحَرِّ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الوَقّادُ، الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الضِّياءِ والجِمالِ.

﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُعْصِراتِ الرِّياحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ هي الجَنُوبُ.

الثّانِي: أنَّها السَّحابُ، قالَهُ سُفْيانُ والرَّبِيعُ.

الثّالِثُ: أنَّ المُعْصِراتِ السَّماءُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

وَفي الثَّجّاجِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الكَثِيرُ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: المُنْصَبُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ فَثَجَّ أعْلاهُ ثُمَّ ارْتَجَّ أسْفَلُهُ وضاقَ ذَرْعًا بِحَمْلِ الماءِ مُنْصاحِ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَبَّ ما كانَ في كِمامِ الزَّرْعِ الَّذِي يُحْصَدُ، والنَّباتُ: الكَلَأُ الَّذِي يُرْعى، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.

الثّانِي: أنَّ الحَبَّ اللُّؤْلُؤُ، والنَّباتُ: العُشْبُ، قالَ عِكْرِمَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ قَطْرَةً إلّا أنْبَتَتْ في الأرْضِ عُشْبَةً أوْ في البَحْرِ لُؤْلُؤَةً.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الحَبَّ ما بَذَرَهُ الآدَمِيُّونَ، والنَّباتَ ما لَمْ يَبْذُرُوهُ.

﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها الزَّرْعُ المُجْتَمِعُ بَعْضُهُ إلى جَنْبِ بَعْضٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ بِالثَّمَرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها ذاتُ الألْوانِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها الَّتِي يَلُفُّ الزَّرْعُ أرْضَها والشَّجَرُ أعالِيَها، فَيَجْتَمِعُ فِيها الزَّرْعُ والشَّجَرُ مُلْتَفّاتٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا يتساءلون بينهم فنزلت ﴿ عم يتساءلون عن النبإ العظيم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يتساءلون عن النبإ العظيم ﴾ قال: القرآن.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ عم يتساءلون عن النبإ العظيم ﴾ قال: القرآن.

وفي قوله: ﴿ الذي هم فيه مختلفون ﴾ قال: مصدق به ومكذب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون ﴾ قال: هو البعث بعد الموت، صار الناس فيه رجلين مصدق ومكذب، فأما الموت فاقروا به كلهم لمعاينتهم إياه، واختلفوا في البعث بعد الموت.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ﴾ قال: وعيد بعد وعيد.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ كلا سيعلمون ﴾ الكفار ﴿ ثم كلا سيعلمون ﴾ المؤمنون، وكذلك كان يقرؤها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ألم نجعل الأرض مهاداً ﴾ قال: فرشت لكم ﴿ والجبال أوتاداً ﴾ قال: أوتدت بها لكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ألم نجعل الأرض مهاداً ﴾ إلى قوله: ﴿ معاشاً ﴾ قال: نعم من الله يعددها عليك يا ابن آدم لتعمل لأداء شكرها.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يخلق الخلق أرسل الريح فنسفت الماء حتى أبدت عن حشفة، وهي التي تحت الكعبة، ثم مد الأرض حتى بلغت ما شاء الله من الطول والعرض، وكانت هكذا تميد، وقال بيده وهكذا وهكذا، فجعل الله الجبال رواسي أوتاداً، فكان أبو قبيس من أول جبل وضع في الأرض.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: إن الأرض أول ما خلقت خلقت من عند بيت المقدس، وضعت طينة فقيل لها: اذهبي هكذا وهكذا وهكذا، وخلقت على صخرة، والصخرة على حوت، والحوت على الماء فأصبحت وهي تميع.

فقالت الملائكة: يا رب من يسكن هذه؟

فأصبحت الجبال فيها أوتاداً، فقالت الملائكة: يا رب أخلقت خلقاً هو أشد من هذه؟

قال: الحديد.

قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من الحديد؟

قال: النار.

قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من النار؟

قال: الماء.

قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من الماء؟

قال الريح.

قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من الريح؟

قال: البناء.

قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من البناء؟

قال: آدم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وخلقناكم أزواجاً ﴾ قال: اثنين اثنين وفي قوله: ﴿ وجعلنا النهار معاشاً ﴾ قال: يبتغون من فضل الله، وفي قوله: ﴿ وجعلنا سراجاً وهاجاً ﴾ قال: يتلألأ ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: الريح ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: منصباً ينصب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والخرائطي في مكارم الأخلاق عن قتادة ﴿ وجعلنا سراجاً وهاجاً ﴾ قال: الوهاج المنير ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: من السماء، وبعضهم يقول من الريح ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: الثجاج المنصب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجعلنا سراجاً وهاجاً ﴾ قال: مضيئاً ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: السحاب ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: منصباً.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن مجاهد في قوله: ﴿ سراجاً وهاجاً ﴾ قال: يتلألأ.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: السحاب يعصر بعضها بعضاً، فيخرج الماء من بين السحابتين.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قوله: النابغة: تجري بها الأرواح من بين شمال ** وبين صباها المعصرات الدوامس قال: أخبرني عن قوله: ﴿ ثجاجاً ﴾ قال: الثجاج الكثير الذي ينبت منه الزرع قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا ذؤيب يقول: سقى أم عمر وكل آخر ليلة ** غمائم سود ماؤهن ثجيج وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والخرائطي من طرق عن ابن عباس ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: الرياح ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: منصباً.

وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والخرائطي والبيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً ﴾ قال: يبعث الله سحاباً فتحمل الماء من السماء فتمر به السحاب فتدر كما تدر اللقحة، والثجاج ينزل من السماء أمثال العزالي، فتصرفه الرياح فينزل متفرقاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: السحاب ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: صباً أو قال كثيراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: من السماء ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: منصباً.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن قتادة في مصحف الفضل بن عباس ﴿ وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة قال في قراءة ابن عباس ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ بالرياح.

وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن مجاهد ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ الريح، ولذلك كان يقرؤها: ﴿ بالمعصرات ماء ثجاجاً ﴾ منصباً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ قال: مجتمعة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ قال: ملتفة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ قال: ملتفة بعضها إلى بعض.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ قال: الزرع إذا كان بعضه إلى بعض جنات.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ يقول: جنات التفت بعضها ببعض.

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتاً ﴾ قال: هو يوم عظمة الله، وهو يوم يفصل فيه بين الأولين والآخرين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً ﴾ قال: زمراً زمراً.

وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب: «أن معاذاً بن جبل قال: يا رسول الله ما قول الله: ﴿ يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً ﴾ ؟

فقال: يا معاذ سألت عن أمر عظيم، ثم أرسل عينيه ثم قال: عشرة أصناف قد ميزهم الله من جماعة المسلمين، وبدل صورهم، فبعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكبين أرجلهم فوق ووجوههم أسفل يسحبون عليها، وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم، يسيل القيح من أفواههم لعاباً، يقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتناً من الجيف، وبعضهم يلبسون جباباً سابغات من قطران لازقة بجلودهم.

فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس، وأما الذين على صورة الخنازير فأكلة السحت، والمنكوسون على وجوههم فأكلة الربا، والعمي من يجور في الحكم، والصم البكم المعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقضاة من الذين يخالف قولهم أعمالهم، والمقطعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون الجيران، والمصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، والذين هم أشد نتنا من الجيف الذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله وحق الفقراء من أموالهم، والذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والخيلاء والفخر» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴾ قال مجاهد (١) (٢) (٣) قال الأزهري: سميت الرياح مُعْصِرات: إذا كانت ذوات أعاصير، واحدها: إعصار (٤) و (من) على هذا القول قامت مقام (الباء) كأنه قال: وأنزلناها بالمعصرات (٥) [وقال] (٦) (٧) (٨) إن (تلك) (٩) وقال أبو العالية (١٠) (١١) واختلفوا في معنى تسمية السحاب، ووصفها بالمعصرات.

قال الفراء: السحابة المعصر التي تتحلب بالمطر، ولما تجتمع، مثل الجارية المعصر، قد كادت تحيض، ولما تَحِضْ (١٢) قال الأزهري: وأهل اللغة في الجارية المعصر على خلاف ما [ذكره الفراء] (١٣) قال أبو عبيد عن أصحابه: إذا أدركت الجارية فهي معصر، وأنشد (١٤) قَدْ أعْصَرَتْ أوْ قَدْ دَنا إعْصَارُها (١٥) (١٦) وقال ابن الأعرابي: المعْصِر: ساعةَ تطمُث؛ لأنها تُحبس في البيت يجعل لها عَصراً، قال: وكل حِصن يتحصَن به فهو عَصَر (١٧) وقال غير الفراء: إنما قيل للسحابة معصر تشبيهاً بالجارية المعصر لانعصار دم حيضتها، ونزول ماء تريبتها للجماع، يقال: اعتصرت الجارية إذا بلغت هذه الحالة (١٨) وقال أبو إسحاق: المعصرات: السحائب؛ لأنها تعصر الماء.

وقيل: معصرات كما يقال: أجزَّ (١٩) (٢٠) وقال المبرد: من قال في المعصرات إنها السحاب فمعناه: أنها ممسكات الماء من العصر، وهو الملجأ الذي يمنع اللاجئ إليه، وكذلك العصر، والمعتصر (٢١) وقال المازني (٢٢) (٢٣) وعلى هذا: يجوز أن تكون المعصرات ذوات الأعاصير من السحاب.

واختار الأزهري أن تكون المعصرات في هذه الآية بمعنى السحاب.

قال: وهو أشبه بما أراد الله عَزَّ وَجَلَّ؛ لأن الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر، وقد وصف الله المعصرات بالماء الثجاج (٢٤) وقال البعيثُ (٢٥) وذي أُشُر كأقحوان تشوفُه ...

ذهابُ الصبا والمعصرات الدوالح (٢٦) والدوالح: من نعت السحاب، لا من نعت الرياح، وهي التي أثقلها الماء (٢٧) (٢٨) وقوله: ﴿ ثَجَّاجًا ﴾ الثج: شدة الانصباب، يقال: مطر ثجاج، ودم ثجاج أي: صباب (٢٩) قال الأزهري: يقال: ثججته الماء، وأثججته فثج يثج، وقد ثججته أثج، وثَجَّ الماء ثجاً، ومطر ثجوج إذا انصب، وماء ثجاج شديد الانصباب، وقد ثبت أن الثج يكون لازماً بمعنى الانصباب، ويكون واقعًا بمعنى انصب (٣٠) والثجاج في هذه الآية: المتدفق المنصب.

قاله قتادة (٣١) (٣٢) وقال أبو إسحاق: معنى ثجاج: صَبَّاب (٣٣) (١) "تفسير الإمام مجاهد" 694، "جامع البيان" 30/ 5، "الكشف والبيان" == 13/ 260 أ، "معالم التنزيل" 4/ 437، "زاد المسير" 8/ 163، "التفسير الكبير" 9/ 31، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 170، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 493، "الدر المنثور" 8/ 391 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والفريابي، "فتح القدير" 5/ 364.

(٢) "تفسير مقاتل" 225/ ب، وانظر: المراجع السابقة عدا تفسير مجاهد، و"جامع البيان"، و"الجامع لأحكام القرآن".

(٣) المراجع السابقة جميعها، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 342، وعزاه صاحب الدر للخرائطي في مكارم الأخلاق.

(٤) "تهذيب اللغة" 2/ 15 (عصر)، نقله عنه بتصرف.

(٥) وبه قال الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 26 أ.

وضعف هذا القول ابن منظور في "لسان العرب" 4/ 578: (عصر).

(٦) في (أ): وقاله.

(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٨) ورد معنى قوله في "تفسير مقاتل" 225/ أ، كما ورد قوله في "الكشف والبيان" 13/ 26/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 437، "زاد المسير" 8/ 163، "التفسير الكبير" 31/ 9، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 493، "فتح القدير" 5/ 364.

(٩) في (أ): ذلك.

(١٠) المراجع السابقة بالإضافة إلى "المحرر الوجيز" 5/ 424، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 170، "البحر المحيط" 8/ 411، "تفسير أبي العالية" 2/ 625؛ رسالة ماجستير غير منشورة، تح: الورثان.

(١١) المراجع السابقة بالإضافة إلى: "جامع البيان" 30/ 5، "النكت والعيون" 6/ 184.

(١٢) لم أعثر على قوله في "معاني القرآن"، ولكن وجدته في "تهذيب اللغة" 2/ 16: (عصر)، و"لسان العرب" 4/ 578 (عصر).

(١٣) ما بين المعقوفين ساقط من: أ، وأثبت ما رأيته أنه يستقيم به المعنى وينتظم الكلام، وقد بين الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 17، (عصر) أن أهل اللغة على خلاف، وما قاله الفراء في معنى "المعصر" ففهم أن الساقط من الكلام ما أثبته.

والله أعلم.

(١٤) الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، ونسبه في "الدر" لأبي النجم العجلي 6/ 462، ولم أجده في ديوان أبي النجم.

(١٥) تمام الرجز: جارية بسفوان دارها تمشي الهوينى مائلاً خمارها معصرة أو قد دنا إعصارها وقد ورد في "تهذيب اللغة" 2/ 17 (عصر)، "لسان العرب" 4/ 576.

(١٦) "تهذيب اللغة" 2/ 17، (عصر) ..

(١٧) المرجع السابق.

(١٨) المرجع السابق.

(١٩) أجز، وجزَّ الزرع: حان أن يزرع.

"لسان العرب" 5/ 321 (جز).

وفي مختار "الصحاح" جَزَّ البُرَّ، والنَّخْل، والصوف من باب ردَّ، و"المجز": بالكسر ما يجز به، وهذا زمن "الجزاز" بفتح الجيم وكسره، أي زمن الحصاد، وصرام النخل، و"أجز" البُرُّ، والنَّخل، والغنم: حان له أن يُجَزَّ.

102 - 103.

(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 272 بتصرف يسير.

(٢١) بمعناه في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 171.

(٢٢) تقدمت ترجمته في سورة البقرة.

(٢٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٢٤) "تهذيب اللغة" 3/ 16 (عصر) نقله عنه بتصرف يسير، وانظر: "لسان العرب" 4/ 578 (عصر).

(٢٥) تقدمت ترجمته في سورة القلم.

(٢٦) ورد البيت في (عصر) في "تهذيب اللغة" 2/ 16، "لسان العرب" 4/ 578.

(٢٧) هذا البيان لمعنى البيت من قول الأزهري، وتتمته: (قال: وهي التي أثقلها الماء، فهي تَدْلَح أي تمشي مشي المثقل، والذهاب: الأمطار.

"تهذيب اللغة" 3/ 16 - 17.

(٢٨) ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة".

المرجع السابق.

(٢٩) انظر: مادة (ثج) في "مقاييس اللغة" 1/ 367، "لسان العرب" 2/ 221.

(٣٠) "تهذيب اللغة" 10/ 472 (ثج).

(٣١) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 342، "جامع البيان" 30/ 6، "زاد المسير" 8/ 163 هامش النسخة الأزهرية، وبمعناه في "معالم التنزيل" 4/ 437، "التفسير الكبير" 31/ 10، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 493.

(٣٢) "التفسير الكبير" 31/ 10، "زاد المسير" 8/ 163.

(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 272 بنصه <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ ردع وتهديد ثم كرره للتأكيد ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مِهَاداً ﴾ أي فراشاً، وإنما ذكر الله تعالى هنا هذه المخلوقات على جهة التوقيف ليقيم الحجة على الكفار فيما أنكروه من البعث كأنه يقول: إن الإله الذي قدر على خلقة هذه المخلوقات العظام قادر على إحياء الناس بعد موتهم، ويحتمل أنه ذكرها حجة على التوحيد؛ لأن الذي خلق هذه المخلوقات هو الإله وحده لا شريك له ﴿ والجبال أَوْتَاداً ﴾ شبهها بالأوتاد لأنها تمسك الأرض أن تميد ﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي من زوجين ذكراً وأنثى، وقيل: معناه أنواعاً في ألوانكم وصوركم وألسنتكم ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ﴾ أي راحة لكم، وقيل: معناه قطعاً للأعمال والتصرف.

والسبت: القطع.

وقيل: معناه موتاً؛ لأن النوم هو الموت الأصغر، ومنه قوله تعالى: ﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾ [الزمر: 42] ﴿ وَجَعَلْنَا اليل لِبَاساً ﴾ شبهه بالثياب التي تلبس لأنه ستر عن العيون ﴿ وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً ﴾ أي تطلب فيه المعيشة، فهو على حذف مضاف تقديره ذا معاش، وقال الزمخشري: معناه يعاش فيه فجعله بمعنى الحياة في مقابلة السبات، الذي بمعنى الموت ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ﴾ يعني السموات ﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً ﴾ يعني الشمس.

الوهّاج الوقاد الشديد الإضاءة، وقيل: الحار الذي يضطرم من شدة لهبه ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً ﴾ يعني: المطر.

المعصرات: هي السحاب وهو مأخوذ من العصر؛ لأن السحاب ينعصر فينزل منه الماء أو من العصرة؛ بمعنى الإغاثة.

ومنه: وفيه يعصرون، وقيل: هي السموات وقيل: الرياح والثجَّاج السريع الاندفاع ﴿ لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً ﴾ الحب هو القمح والشعير وسائر الحبوب والنبات هو العشب ﴿ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ﴾ أي ملتفة وهو جمع لف بضم اللام، وقيل: بالكسر وقيل: لا واحد له ﴿ كَانَ مِيقَاتاً ﴾ أي في وقت معلوم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ كلا ستعلمون ﴾ بتاء الخطاب في الموضعين: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ وفتحت ﴾ بالتخفيف: عاصم وحمزة وعليّ وخلف ﴿ لبثين ﴾ مقصوراً: حمزة ﴿ ولا كذاباً ﴾ مخففاً.

عليّ ﴿ رب ﴾ بالرفع بتقدير هو رب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبوعمرو والمفضل.الباقون: بالجر على البدل ﴿ الرحمن ﴾ باجر على البدل أو البيان: ابن عامر وسهل ويعقوب وعاصم غير المفضل.

الآخرون: بالرفع على" هو الرحمن " أو على أنه خير آخر.

الوقوف ﴿ يتساءلون ﴾ ه ج لاحتمال أن الجار متصل بالفعل المذكور والمراد التهديد.

قال الفراء: " عن " بمعنى اللام أي لأي شيء، أو متصل بمحذوف كأن سائلاً سأل عن أي شيء يتساءلون فأجيب عن النبأ.

﴿ العظيم ﴾ ه لا ﴿ مختلفون ﴾ ه ط بناء على أن معنى كلا حقاً ﴿ سيعلمون ﴾ لا ه ﴿ سيعلمون ﴾ ه ج ﴿ مهاداً ﴾ ه لا ﴿ أوتاداً ﴾ ه ص ﴿ أزوجاً ﴾ ه ﴿ سباتاً ﴾ ه لا ﴿ لباساً ﴾ ه لا ﴿ معاشاً ﴾ ه ص ﴿ شداداً ﴾ ه لا ﴿ وهاجاً ﴾ ه ص ﴿ ثجاجاً ﴾ ه لا ﴿ ونباتاً ﴾ ه ك ﴿ ألفافاً ﴾ ه ط ﴿ ميقاتاً ﴾ ه ط لأن ما بعده بدل ﴿ أفواجاً ﴾ ه ك ﴿ أبواباً ﴾ ه ك ﴿ سراباً ﴾ ه ط ﴿ مرصاداً ﴾ ه لا ﴿ مآباً ﴾ ه لا ﴿ أحقاباً ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً، ويجوز أن يكون صفة لـ ﴿ أحقاباً ﴾ لمكان عود الضمير في ﴿ فيها ﴾ إليها ﴿ شراباً ﴾ ه لا ﴿ غساقاً ﴾ ه ك ﴿ وفاقاً ﴾ ه ﴿ حساباً ﴾ ه ﴿ كذاباً ﴾ ه م لأن التقدير أحصينا كل شيء أحصيناه ﴿ كتاباً ﴾ ه لا ﴿ عذاباً ﴾ ه ﴿ مفازاً ﴾ ه ﴿ وأعناباً ﴾ ه ﴿ أتراباً ﴾ ه ك ﴿ دهاقاً ﴾ ه ط لأنه لو وصل اشتبه بالصفة وللموصوف وجه كما يجيء في التفسير.

﴿ كذاباً ﴾ ه ط لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح مصدراً ومفعولاً له ﴿ حساباً ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ رب ﴾ بالرفع وقف على ﴿ بينهما ﴾ إلا لمن قرأ ﴿ الرحمن ﴾ بالرفع ﴿ رب ﴾ بالجر على الرحمن وقف على الوجوه إلا إن جعله مبتدأ ﴿ لا يملكون ﴾ خبره ﴿ خطاباً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ لا يملكون ﴾ ﴿ صفاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ لا يتكلمون ﴾ ﴿ صواباً ﴾ ه لحق الشرط مع الفاء ﴿ مآباً ﴾ ه ﴿ قريباً ﴾ ه ج لأن ﴿ يوم ﴾ متعلق باذكر أو بـ ﴿ عذاباً ﴾ ﴿ تراباً ﴾ ه.

التفسير: حرف الجر إذا دخل على " ما " الإستفهامية تحذف ألفها نحو " بم " و " عم " و " علام " و " لم " ه لشدّة الإتصال وكثرة الإستعمال.

ثم إن كان الكلام مبنياً على السؤال والجواب فالسائل والمجيب واحد وهو الله، والفائدة في هذا الأسلوب أن يكون إلى التفهيم أقرب.

ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما وقع فيه التساؤل وبيان أن مطلب ما وضع للسؤال عن حقائق الأشياء المجهولة والشيء العظيم الذي تعجز العقول عن إدراكه أو يدعي فيه العجز يكون مجهولاً، فوقع بين المسؤول بما وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه، والمشابهة أحد أسباب المجاز.

والنبأ العظيم القيامة بدليل الردع عن الاختلاف وللتهديد بعده.

وتقديم الضمير وبناء الكلام عليه لتقوى الكلام لا لا للاختصاص فإن غير قريش أيضاً مختلفون في أمر بالبعث فمنهم من يثبت الروحاني في المعاد فقط، ومنهم من يشك فيه كقوله ﴿ وما أظن الساعة قائمة  ﴾ ومنهم من يقطع بعدم البعث ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ \[المؤمنون: 37\] كان يسأل بعضهم بعضاً عن القيامة ويتحدثون عنها متعجبين من وقوعها.

ويجوزأن يكون المفعول محذوفاً أي يتساءلون النبي والمؤمنون نحو تراءينا الهلال فيكون التساؤل بطريق الاستهزاء ويحتمل أن يكون الضمير للمسلمين والكافرين جميعاً فقد كانوا جميعاً يتساءلون عنه، أما المؤمن فليزداد خشية واستعداد، وأما الكافر فلأجل الاستهزاء.

وقيل: النبأ العظيم القرآن، واختلافهم فيه أن بعضهم جعلوه سحراً.

وبعضهم شعراً وكهانة.

وقيل: نبوّة محمد كانوا يقولون ما هذا الذي حدث ﴿ بل عجبوا إن جاءهم منذر منهم  ﴾ وقالت الشيعة: هو عليّ قال القائل في حقه هو النبأ العظيم وفلك نوح وباب الله وانقطع الخطاب.

قال أهل المعاني: تكرير الردع مع الوعيد دليل على غاية التهديد.

وفي " ثم " إشارة إلى أن الوعيد الثاني أبلغ، ويجوز أن يكون الأول في الدنيا والثاني في الآخرة، أو الأول للكفار والثاني للمؤمنين.

وقيل: الأول ردع عن الاختلاف والثاني عن الكفر.

وحذف المفعول به أي سيعلمون أن ما يتساءلون عنه مختلفين فيه حق وصدق وذلك إذا اتصل العيان بالخبر.

ومن قرأ الخطاب فقد سلك سبيل الالتفات.

ثم عدد دلائل القدرة على البعث ودلائل الحكمة في الجزاء على أن كلاً منهما نعمة يجب أن تشكر بالتوفر على الطاقة ولا تكفر بالإقدام على المعصية.

والمهاد الفراش، والأوتاد ما يشدّ بها أطناب الخمية، شبهت الجبال الراسيات بها لأنها تحفظ الأرض أن تميد بما عليها وقد سبق تقريره.

والأزواج الأصناف المتقابلات القبيح بإزاء الحسن والطويل بحذاء القصير وغير ذلك من الأضداد.

والسبات الراحة.

والتركيب يدل على القطع والإزالة ومنه سبت الرجل رأسه إذا حلقه، والنوم يزيل التعب عن الإنسان فيستعقب الراحة قاله ابن الأعرابي والمبرد.

وقال الزجاج وغيره: هو الموت وهذا التفسير لا يناسبه مقام تعداد النعم.

واللباس ما يتغطى به والليل أخفى للويل.

والمعاش مصدر أو اسم زمان لأن الناس يتقبلون فيه لوجوه تعيشهم.

والشداد المحكمة التي لا تقبل الشق والخرق إلا ما شاء الله.

والوهاج المتلألىء الوقاد.

وفي كتاب الخليل: الوهج النار.

ولا شك أن الشمس جامعة للنور والحرارة.

والمعصرات السحاب بلغة قريش من أعصرت إذا شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك " أحصد الزرع " أي حان أن يحصد، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض وهذا القول مروي عن ابن عباس واختاره أبو العالية والربيع والضحاك.

وقال مجاهد والكلبي ومقاتل وقتادة: هي الرياح التي تنشىء السحاب وتدرّ أخلافه فكأنها مبادىء الإنزال.

الثجاج المنصب بكثرة يقال " ثجة وثج بنفسه " وفي الحديث " أفضل الحج العج والثج " فالعج رفع الصوت بالتلبية والثج صب دماء الهدي.

ثم بين غاية الإنزال وهي إخراج الحب للإنسان، والنبات للأنعام غالباً، والجنات الملتفة لأجل التلذذ والتفكه.

قال الكسائي والأخفش: والألفاف جمع لف بالكسر ويحتمل أن يكون جمع لفيف كشريف وأشراف.

وقال في الكشاف: إنه لا واحد له كالأوزاع للجماعات المتفرقة ومنه قولهم " أخوة أخياف " أي مختلفة.

واعلم أن هذه التسعة نظراً إلى حدوثها وإمكانها تدل على الفاعل المختار، ونظراً إلى ما فيها من الإتقان والإحكام تدل على كمال علمه وحكمته الذاتية.

وبعد ثبوت كماله في هذه الأوصاف لم يبق للمتأمل شك في إمكان الحشر وقد أخبر الصادق عن وقوع هذا الممكن فوجب الجزم به على أن في إخراج النبات بعد جفافه ويبسه دليلاً ظاهراً على إمكان إخراج الموتى من القبور وبعثهم فلهذا رتب على هذه البيانات قوله ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتاً ﴾ أي حداً توقت به الدنيا أو حداً لفصل الحكومات تنتهي الخلائق إليه.

والنفخة ههنا هي الثانية التي تكون عندها الحياة بدليل قوله ﴿ فتأتون أفواجاً ﴾ أي طائفة طائفة إلى أن يتكامل اجتماعهم.

وقال عطاء: كل نبي يأتي مع أمته.

وروى صاحب الكشاف عن معاذ أنه سأل رسول الله  عنه فقال  : " "يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ثم أرسل عينيه وقال: تحشر عشرة أصناف من أمتيّ بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمي، وبعضهم صم بكم، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشدّ نتناً من الجيف، وبعضهم ملبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم.

فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس، وأما الذين على صورة الخنازير فآكل السحت، وأما المنكسون فأكلة الربا، وأما العمي فالذين يجورون في الحكم، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعملاهلم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هو أشد نتناً من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء " وفتح السماء شقها وانفطارها أو معنى آخر مغاير لهما.

والضمير في ﴿ فكانت ﴾ للسماء كأنها لكثرة أبوابها المفتوحة لنزول الملائكة صارت بكليتها أبواباً كقوله ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً  ﴾ ويحتمل أن يعود إلى مقدر دل عليه الكلام أي فكانت تلك المواضع المفتوحة أبواباً.

وقال الواحدي: المضاف محذوف أي فكانت ذات أبواب.

وأما الجبال فإنه  ذكر حالها بعبارات مختلفة، ويمكن الجمع بينها بأن تدرك أوّلاً ﴿ وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة  ﴾ ثم تصير كالعهن ثم تصير كالهباء ﴿ وبست الجبال بساً فكانت هباء منبثاً ﴾ وهي في كل هذه الأحوال باقية في مواضعها ثم تنسف بإرسال الرياح عليها ﴿ وإذا الجبال نسفت  ﴾ ثم تطير ههنا أحوال إذا برزت من تحتها ﴿ ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة  ﴾ والثاني للجبال فتطيره في الهواء كالهباء فمن نظر إليها حسبها لتكاثفها أجساماً جامدة وهي بالحقيقة مارة بتحريك الهواء كما قال ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب  ﴾ والثالث لها باعتبار أماكنها الأصلية فمن نظر إلى المواضع من بعيد ظن أن الجبال هناك حتى إذا دنا منها لم يجد فيها شيئاً ﴿ كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً  ﴾ وقد أشار إلى هذه الحالة بقوله ﴿ وسيرت الجبال فكانت سراباً ﴾ .

ثم أخبر عن أحوال السعداء والأشقياء يومئذ.

وقدم ذكر هذا المقام غير محرر فلينظر الأشقياء لأن الكلام في السورة بني على التهديد فقال ﴿ إن جهنم كانت ﴾ أي في علم الله أو هي مسلوبة الدلالة على المضي.

والمرصاد إما اسم للمكان الذي يرصد فيه كالضمار للذي تضمر فيه الخيل، والمنهاج إسم للمكان الذي ينهج فيه.

والمعنى أن خزنة جهنم يرصدون الكفار هناك، أو أن خزنتها يستقبلون المؤمنين عندها لأن جوازهم عليه بدليل قوله ﴿ وإن منكم إلا واردها  ﴾ ولهذا قال الحسن وقتادة: يعني طريقاً إلى الجنة.

وإما صفة نحو " مقدام " بمعنى أنها ترصد أعداء الله.

وقوله ﴿ للطاغين ﴾ متعلق بما بعده أو بما قبله، وعلى التقديرين لا بد من إضمار وهو لفظة لهم أو لأهل الجنة.

ثم ذكر كيفية استقرارهم هناك فقال ﴿ لابثين ﴾ ومن قرأ بغير ألف فهو أدل على الثبات.

قال جار الله: اللابث من وجد منه اللبث فقط، واللبث من لا يكاد يبرح المكان أما الأحقاب فزعم الفراء أن أصله الترادف والتتابع أي دهوراً مترادفة لا تكاد تتناهى كلما مضى حقب تبعه آخر.

وقال الحسن: الأحقاب لا يدري أحد ما هي ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدّون.

وسأل هلال الهجري علياً فقال: الحقب مائة سنة السنة اثنا عشر شهراً والشهر ثلاثون يوماً واليوم ألف سنة.

وقال عطاء والكلبي ومقاتل عن ابن عباس: الحقب الواحد بضع وثمانون سنة والسنة ثلثمائة وستون يوماً واليوم ألف سنة من أيام الدنيا.

ونحو هذا يروى عن ابن عباس وقطرب مرفوعاً.

فإن قيل: عذاب أهل النار ولا سيما الطاغين غير متناه والأحقاب بالتفاسير المذكورة وإن كثر مبلغها متناهية، فلما وجه الجمع بينهما؟

قلنا: الحق متناه ولكن الأحقاب لا نسلم أنها متناهية فإن الجمع لا يلزم تناهي آحاده فيجوز أن يكون المعنى كلما مضى حقب تبعه آخر.

قال الفراء: سلمنا أن الأحقاب تفيد التناهي لكن بالمفهوم والنصوص الدالة على التأبيد كقوله ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وماهم بخارجين منها  ﴾ تدل بالمنطوق ولا شك أن المنطوق راجح.

وقال الزجاج: المعنى أنهم يلبثون فيه أحقاباً غير ذائقين برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً، ثم ينقلون إلى جنس آخر غير الحميم والغساق.

وذكر في الكشاف وجهاً آخر وهو أن يكون أحقاباً من حق بعامنا هذا إذا قل خيره.

وحقب فلان ذا أخطأ الرزق فهو حقب كحذر وجمعه أحقاب فينتصب حالاً منهم أي لابثين في أسوأ حال.

والبرد معروف أي لا يجدون هواء بارداً ولا ماء بارداً.

وقال الأخفش والفراء: هو النوم ولذلك أن البرد لازم للنوم ولهذا يسكن العطش.

وسببه توجه الحرارة الغريزية إلى الباطن عند فتور الحواس الظاهرة والحركات الاختيارية وفي أمثالهم " منع البرد البرد " أي أصابني من البرد ما منعني من النوم.

وقد يضعف هذا القول أنهم لا يقولون ذقت البرد ويقولون " ذقت الكرى " وبأنهم يجدون الزمهرير فكيف يصح نفي البرد عنهم.

وقد يجاب عن الأول بأن الذوق في الصورتين مجاز فأي ترجيح لأحدهما على الآخر.

وعن الثاني بأن المراد برد له روح لا الذي فيه عذاب.

والحميم الماء البالغ في الحرارة، والغساق صديد أهل النار.

قوله ﴿ جزاء ﴾ نصب على المصدر أي جزاهم جزءا.

وانتصب ﴿ وفاقاً ﴾ على الوصف أي ذا وفاق أو موافقاً لعملهم في القبح والفظاعة والدوام.

ثم ذكر علة التأبيد فقال ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حساباً ﴾ لا يخافون أو لا يتوقوعن حساباً وهذه إشارة إلى نقصانهم بحسب القوة العلمية فإن الذي اعتقد أنه لا حشر ولا حساب ولا يبالي بأي شيء ترك من القبائح والمظالم أو أي شيء ترك من الخيرات والفضائل.

قوله ﴿ وكذبوا بآياتنا كذاباً ﴾ إشارة إلى فساد عقائدهم حتى جحدوا الحق وكذبوا الرسل.

ومصدر " فعل " مشدد العين يجيء على " فعال " بالتشديد وهو الأكثر، وبالتخفيف عند بعضهم ولهذا لم يقرأ به إلا في الشواذ.

قال جار الله: هو مصدر كذب بدليل قوله: فصدّقتها وكذبتها *** والمرء ينفعه كذابه وهو مثل قوله ﴿ أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ يعني وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذاباً أو تنصبه بـ ﴿ كذبوا ﴾ لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب.

وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة أو كذبوا بها مكاذبين، لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يبالغ في أمر فبلغ فيه أقصى جهده.

أقول: أراد بهذا الوجه الأخير أن باب المغالبة يبنى على المفاعلة فيمكن أن يستدل بالمفاعلة على المبالغة بطريق العكس الجزئي ﴿ وكل شيء أحصيناه ﴾ من باب الإضمار على شريطة التفسير.

قوله ﴿ كتاباً ﴾ مصدر لأنه والإحصاء يتلاقيان في معنى الضبط والتحصيل، ويجوز أن يكون حالاً أي مكتوباً في اللوح أو في صحف الأعمال.

قال جار الله: هذه جملة معترضة.

أقول: إنها من تمام التعليل المذكور أي فعلوا كذا وكذا ونحن عالمون بجميع الكليات والجزيئات فلهذا كتبنا جزاء العاصين على وفق أعمالهم.

ثم أظهر غاية السخط بطريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والتعقيب بفاء الجزاء الدال على أن المذكور سبب عن كفرهم بالحسنات وتكذيبهم بالآيات.

وزيادة العذاب يحتمل أن تكون لأجل أن المؤثر إذا استمرَّ ودام ازداد الإحساس بأثره، ويحتمل أن يكون لازدياد كفرهم وعتوّهم حيناً بعد حين كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ ويحتمل أن تكون زيادة العذاب عبارة عن نفس استمراره لأنه يتزايد بمرور الزمان، والمراد انا لن نخلصكم من العذاب إلى خلافه.

ثم شرع في شرح أحوال السعداء قائلاً ﴿ إن للمتقين مفازاً ﴾ فوزاً وظفراً بالمطالب والأماني أو موضع فوز ثم فسره بقوله ﴿ حدائق ﴾ الخ.

والحدائق البساتين فيها أنواع الشجر وقد مرّ في قوله ﴿ حدائق ذات بهجة  ﴾ وخص منها الأعناب لشأن مزيته على سائر الفواكه.

والكواعب النواهد واحدها كاعب كطالق وطامث وهي التي ظهر ثديها كالكعب لها نتوّ قليل.

والأتراب اللذات.

والدهاق المترعة المملوءة وهذا قول أكثر أهل اللغة كأبي عبيدة والزجاج والكسائي والمبرد.

يروى أن ابن عباس دعا غلاماً له فقال: اسقنا دهاقاً فجاء الغلام بها ملآنة فقال ابن عباس: هذا هو الدهاق.

وعن أبي هريرة وسعيد بن جبير ومجاهد: هي المتتابعة.

قال الواحدي: وأصل هذا من قول العرب أدهقت الحجارة إدهاقاً وهو شدّة تلازمها ودخولها بعضها في بعض.

وعن عكرمة: دهاقاً أي صافية.

والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع دهق وهي خشبتان يعصر بهما.

والكأس الخمر أي خمراً ذات دهاق وهي التي عصرت وصفيت بالدهاق.

﴿ ولا يسمعون فيها ﴾ أي في الجنة وهو الأظهر أو في الكأس وشربها ﴿ لغواً ﴾ كلاماً باطلاً ﴿ ولا كذاباً ﴾ أي لا يكذب بعضهم بعضاً لأنهم إخوان الصفاء أخذان الوفاء.

ومن قرأ بالتخفيف فمعناه أنه لا يجري بينهم كذاب أو مكاذبة.

قال جار الله: ﴿ جزاء ﴾ مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله ﴿ إن للمتقين مفازاً ﴾ كأنه قال: جازى المتقين بمفاوز ﴿ عطاء ﴾ نصب بـ ﴿ جزاء ﴾ نصب المفعول به أي جزاهم عطاء.

وقال الزجاج: المعنى جازاهم بذلك جزاء وأعطاهم عطاء.

ومعنى ﴿ حساباً ﴾ كافياً من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال: حسبي.

وقيل: أي على حسب أعمالهم فمعنى الحساب العدّو والتقدير لبعضهم عشرة ولبعضهم سبعمائة وأكثر.

وقال ابن قتيبة: هو من أحسبت فلاناً أي أكثرت له يعني عطاء كثيراً.

وإنما قال في الأول ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ لأن جزاء السيئة سيئة مثلها أي موافقة لها.

وأما ههنا فالمراد ثواب المؤمنين وليس ذلك بتقدير العمل فقط ولكن بمقدار ما يكفيه.

ثم مدح نفسه بقوله ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن ﴾ وقد تقدّم إعرابه في الوقوف.

والضمير في ﴿ لا يملكون ﴾ قيل للكافرين نقله عطاء عن ابن عباس، يريد لا يخاطب المشركون الله، وأما المؤمنون فيشفعون ويقبل الله ذلك منهم.

وقيل للمؤمنين لأن ذكرهم أقرب من ذكر الكفار، والمراد أنه ما تحيف حقهم فبأي سبب يخاطبونه.

والأكثرون على أن الضمير لأهل السموات والأرض فإن أحداً من المخلوقين لا يملك خطاباً من جهة الله إذ كل من هو سواه فهو مملوكه، والمملوك لا يملك من جهة مالكه شيئاً وإلا لم يكن للمالك كمال الملك.

وقالت المعتزلة: إنه عالم بقبح القبيح غني عن فعله وعالم بغناه فلا يفعل إلا الحسن وحينئذ لا وجه للمطالبة والمخاطبة.

ثم أكد المعنى المذكور بقوله ﴿ يوم يقوم الروح ﴾ وهو أعظم المخلوقات قدراً كما مرّ في سورة سبحان في تفسير قوله  ﴿ ويسألونك عن الروح  ﴾ والصف مصدر في الأصل لا يثنى ولا يجمع غالباً فلهذا جاز أن يكون المراد أنهم يقومون صف من الروح وحده ومن الملائكة بأسرهم صف، وجاز أن يكون يراد يقوم الكل صفاً واحداً أو يقومون صفوفاً لقوله ﴿ وجاء ربك والملك صفاً صفاً  ﴾ ثم بين أنهم مع جلالة قدرهم لا يتكلمون إلا بشرطين: أحدهما الإذن من الله، والضمير في ﴿ له ﴾ إما للشافع أو للمشفوع.

والثاني أن يقول ﴿ صواباً ﴾ والضمير في ﴿ قال ﴾ أيضاً إما للشافع فالمراد أنهم لا ينطقون إلا بعد ورود الإذن في الكلام، ثم بعد الإذن يجتهدون حتى لا يتكلمون إلا بما هو حق وصواب.

وإما للمشفوع.

والقول الصواب على هذا التفسير شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ وذلك اليوم الحق ﴾ أي لا باطل فيه ولا ظلم أو هو الكائن لا محالة ﴿ فمن شاء اتخذ ﴾ بالطاعة ﴿ إلى ربه مآباً ﴾ ومرجعاً.

والظاهر أن الضمير عائد في ﴿ شاء ﴾ إلى ﴿ من ﴾ وفيه دليل للمعتزلة.

ويروى عن الخدري وابن عباس أن الضمير لله ﴿ عذاباً قريباً ﴾ هو عذاب الآخرة لأن ما هو آت قريب.

وفي المرء أقوال: فعن عطاء أنه الكافر لتقدّم ذكر الإنذار وقوله الكافر ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم.

وعن الحسن وقتادة: إنه المؤمن لمجيء ذكر الكافر بعده، ولأن المؤمن لما قدّم الخير والشر فهو منتظر لأمر الله كيف يحدث، وأما الكافر فإنه قاطع بالعذاب ومع القطع لا يحصل الانتظار.

والأظهر أنه عام في كل مكلف.

و " ما " استفهامية منصوبة بـ ﴿ قدّمت ﴾ أو موصولة منصوبة بـ ﴿ ينظر ﴾ فيلزم إضمار " إن " حذف العائد من قدّمته، وحذف الجار لأن الأصل أن يقال ينظر إليه.

قوله ﴿ كنت تراباً ﴾ فيه وجوه أحدها: ليتني لم أبعث غير محشور.

الثاني ما ورد في الأخبار أن البهائم تحشر فيقتص للجماء من القرناء ثم تردّ تراباً فيودّ الكافر حالها ليتخلص من العذاب.

وأنكر بعض المعتزلة ذلك لأنه  إذا أعادها فهي بين معوّض وبين متفضل عليه، وعلى التقديرين لا يجوز أن يقطعها عن المنافع لأن ذلك كالإضرار بها.

قال القاضي: إذا وفر الله أعواضها وهي غير كاملة العقل لم يبعد أن يزيل الله حياتها على وجه لا يحصل لها شعور بالألم فلا يكون ضرراً.

وقال بعضهم: إن الحيوانات إذا انتهت مدّة أعواضها جعل الله  كل ما كان منها حسن الصورة ثواباً لأهل الجنة، وما كان قبيح الصورة عقاباً لأهل النار.

الثالث قال بعض الصوفية: أراد يا ليتني كنت متواضعاً في طاعة الله كالتراب لا مرتفعاً كالنار.

الرابع قيل: الكافر إبليس يرى آدم وثواب أولاده فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين  ﴾ .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ اختلف في التساؤل.

فمنهم من ذكر أن التساؤل كان عن أمر النبي  ، سألوا عن حاله: أهو نبي أم ليس بنبي؟

ومنهم من ذكر أن التساؤل كان عن القرآن: أنه من الله  أو ليس من الله  ؟

أو يتساءلون فيما بينهم: هل تقدرون على إتيان مثله أم لا؟

وجائز أن يكون التساؤل عن أمر البعث، أو عن التوحيد، كما قال [الله] -  - خبرا عنهم: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً  ﴾ ؟.

ثم جائز أن يكون هذا السؤال من أهل الكفر، سأل بعضهم بعضا، فاختلفوا فيه، ولم يحصلوا من اختلافهم على إصابة الحق؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ ، ولو كان فيهم مصدق، لكان قد وقع له العلم في ذلك الوقت؛ فلا يحتاج إلى أن يعلم ويبينه عليه.

فإن كان السؤال عن حال الرسول  ، فوجه اختلافهم أن بعضهم زعم أنه شاعر، وقال بعضهم: هوساحر، وقال بعضهم: مفتر كذاب، وادعا بعضهم أنه مجنون.

وجائز أن يكون السؤال من الكفرة للمؤمنين.

وإن كان على هذا فما ذكره أهل التفسير فهم بين مصدق ومكذب، يراد بالمكذب الذين صدر عنهم السؤال، ويراد بالمصدق أهل الإسلام الذين سئلوا.

ثم لا يجوز لأحد تحصيل السؤال على جهة واحدة، والقطع عليه بالتوقف الموجب للعلم.

ثم في قوله -  -: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً ﴾ جواب عما سبق من السائل؛ [فإن كان السائل] عن أمر الرسالة، فحقه أن يحمل على جهة غير الجهة التي يحمل عليها إذا صرف التساؤل إلى أمر البعث، أو إلى أمر التوحيد أو القرآن.

والأصل فيه أن الله -  - بما ذكر من مهاد الأرض، وخلق الأزواج ذكر عباده عظيم نعمه وكثرة إحسانه إليهم؛ ليستأدي منهم الشكر؛ فإذا وقعت لهم الحاجة إلى الشكر، [فيضطرهم ذلك إلى من بين لهم، و] احتاجوا إلى من يعرفهم [الوعد والوعيد] ومحل الشكور، ومحل الكفور، ومحل الموالي، ومحل المعادي؛ إذ وجدوا هذه الدنيا تمن على الأولياء، وعلى الأعداء على حالة واحدة، فاحتاجوا إلى من يعرفهم الوعد والوعيد، وأوجب ما ذكرنا القول بالبعث؛ ليظهر به منزلة الشكور والكفور.

وفي ذكر هذه النعم - أيضا - دلالة الوحدانية؛ لأن الله -  - مهد الأرض، فجعلها متمتعا للخق، ومنقلبا لهم، وأخرج منها ما يتعيشون به، وجعل سبب الإخراج ما ينزل من السماء من القطر، فجعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء، فلو لم يكن مدبرهما واحد لانقطع الاتصال، ثم لو أراد أحد أن يعرف المعنى الذي [له] يقع إحياء الأشياء بالماء، لم يصل إليه، ولو أرادوا أن يتداركوا الوجه الذي صلح هذا الطعام أن يكون سببا لدفع الحاجات وقطع الشهوات، لم يقفوا عليه؛ فيكون فيما ذكرنا إزالة الشبه والشكوك التي تعترض لهم في الأمور الخارجة عن تدبيرهم وقواهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ : منهم من ذكر أن هذا وعيد على وعيد، وقد ذكرنا أن حرف الوعيد ما يكرره العرب فيما بينهم للتأكيد، كما يقال: هيهات هيهات، وأولى لك فأولى.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ على علم دلالة، وقوله -  -: ﴿ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ على علم المشاهدة والعيان.

ثم قوله -  -: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً ﴾ ، أي: بساطا، ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً ﴾ ذكر أن الأرض لما خلقت مادت بأهلها، فأرساها الله -  - بالجبال؛ لطفا منه، لا أن جعلها سببا للإرساء؛ ألا ترى إلى قوله : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً  فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً  لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً  ﴾ ، فقد جعلها في ذلك الوقت مستمسكة ثابتة مستقرة بدون الجبال؛ فثبت أنها ليست بسبب للإرساء في التحقيق، ويكون فيه تعريف الخلق وجوه الحيل في الأمور إذا تعذر عليهم الوصول إليها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ قيل: ألوانا؛ فيكون في هذا إبطال الحكم بقول القائف؛ لأنهم يستدلون بالتشابه في الألوان، ويحكمون بها، فلو كان الأمر على ما قدروا، لارتفع الاختلاف في الألوان؛ فيكون الخلق كلهم على لون واحد.

وقيل: ﴿ أَزْوَاجاً ﴾ : فرقا شتى؛ ليعرف كل منهم عنصره، ومنتهى أصله.

وقيل: ﴿ أَزْوَاجاً ﴾ ، أي: جعل لكل أحد شكلا من جنسه؛ فجعل للذكر أنثى زوجا من جنسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ﴾ ، قيل: السبات: التمدد.

وقيل: السبات: النوم الذي لا حركة فيه؛ ولهذا قيل للذي شبه بالميت: مسبوت.

وقيل: السبات: الراحة؛ ولذلك سمى: السبت؛ لأنه يوم راحة وترك العمل في بني إسرائيل.

ثم في إنشاء النوم دليل سلطانه، ودخول الخلق بأجمعهم تحت تدبيره؛ إذ لم يتهيأ لأحد الاحتراز من النوم حتى لا يعتريه؛ بل يقهر الجبابرة فيذلهم، ولا يمكنهم الخلاص عنه بالحيل والأسباب، ثم النوم كأنه من أثقل الأحمال وأشدها، ثم إذا زايل الإنسان، وعاد المرء إلى حال اليقظة، وجد في نفسه خفة وراحة ومن شأن هذا الإنسان: أنه إذا حمل الحمل الثقيل، مسه من ذلك فتور وكلال لا يزول عنه ساعة ما يضع الحمل عن نفسه؛ بل يبقى ذلك الكلال فيه إلى مدة، فمن تدبر في أمر النوم، دله على عظيم شأ،ه وعجائب تدبيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً ﴾ ، فهذا اللباس لباس الأعين لا غير؛ ألا ترى أنه لا يستغنى بلباس الليل عما أخذ عليه من اللباس للصلاة، ولا يعمل الليل عم اللباس المعروف في دفع أذى البرد والحر.

وقال بعضهم: اللباس: السكن؛ كما قال في آية آخرى: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً  ﴾ وكأن الذي حملهم على هذا التأويل هو أن تمام السكن والراحة يقع بالنوم؛ فصرفوه إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً ﴾ ، أي: يتعيش فيه، لا أن يكون نفسه معاشا، كما سماه: مبصرا؛ لما يبصر به، لا أنه في نفسه مبصرا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ﴾ ، أي: السماوات، فذكرهم؛ هذا لينبههم على قدرته وسلطانه؛ فعرفوا أنه فعال لما يريد، قادر على ما يشاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً ﴾ ، فكأن السراج هو الشمس هاهنا، جعلها تتوهج وتتلألأ ما بين السماء والأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً ﴾ : منهم من ذكر أن المعصرات هي السحاب التي أنشئ فيها القطر؛ يقال للجارية التي قد دنت حيضتها: معصرة، فشبه السحاب بمعاصر الجواري.

وقيل: سمى السحاب: معصرا؛ لأنه يعصر المطر.

وقيل: هي ذوات الأعاصير؛ يعني: الرياح، كقوله: ﴿ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ  ﴾ ، أي: ريح.

وعن الحسن: هي السماوات.

وقال الزجاج: المعصر: هو الذي قد أتى وقت إرسال القطر منه؛ كما يقال: مجرز لما أتى وقت جرازه.

ثم في إنزال الماء من المعصرات تذكير النعم والقدرة والحكمة، وكل وجه من هذه الأوجه الثلاثة يوجب القول بالبعث: فأما وجه تذكير النعم، فهو أن القطر ينزل من السماء متتابعا، ثم الله -  - بلطفه يمنع اتصال بعض ببعض والتصاقه، ويرسل كل قطرة إلى الأرض بحيالها، وينزل بعضها على بعض؛ لينتفع بها، ولو التصق بعضها ببعض واصتل، لم يقم لها شيء؛ فكانت تصير سببا للتعذيب والإهلاك، فبفضله ورحمته أنزلها متتابعة؛ لينتفع بها الخلق، ويتمتعوا بها.

وفيه تذكير القوة والحكمة - أيضا - لأنه أنشأ السحاب الثقال، وساقه إلى الموضع الذي قدر أن يرسل القطر هنالك، ومعلوم أن ذلك الإرسال ليس من فعل السحاب؛ لأن السحاب يمتنع عن إرسال القطر حتى ينتهي إلى الموضع الذي أمر بإرسال القطر فيه، ولو كان ذلك للسحاب نفسه، لكان أينما مر يعمل في الإرسال، ولو كان ذا ثقب لكانت الريح متى دختل في الثقب أرسل السحاب ما أنشئ يه من القطر، فإذا لم يوجد ذلك بان أن الله -  - بحكمته وقدرته ولطفه هو الذي أنشأ فيه ذلك، ودبر إرساله، لا أن يكون ذلك عمل السحاب، ولو أراد أحد من حكماء الأرض أن يعرف المعنى الذي له صلح ذلك السحاب أن يستمسك فيه القطر، ولا يستمسك في مكان آخر، لم يقف عليه، فذكرهم، ليعلموا أن حكمته ليست على الوجه الذي ينتهي إليه حكم البشر، ولا قدرته مقدرة بقوى البشر؛ بل هو قادر على ما يشاء، فعال لما يريد.

وفيه أن تدبير السماء والأرض والهواء يرجع إلى الواحد القهار؛ إذ لا يتهيأ لأحد أن يمنع القطر المرسل من السماء عن الوصول إلى الموضع الذي أمر أن ينتهي إليه.

والثجاج: القطر المتتابع بعضه على إثر بعض، والثج: الصب؟

والإراقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً ﴾ : جائز أن يكون ذكر الحب؛ لأن المقصود من زراعة ما يكون له الحب - الحب؛ فذكره؛ لما إليه ينتهى القصد، ويكون ذكر النبات منصرفا إلى ما لا حب له؛ لأن القصد من زراعته النبات لا غير.

وجائز أن يكون منصرفا إلى شيء واحد؛ لأن الذي فيه الحب فيه النبات أيضا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ﴾ قد ذكرنا أن الجنة هي اسم المكان الملتف بالأشجار، وهي التي اجتمعت فيها الأشجار.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأنزلنا من السحب التي حان لها أن تمطر ماءً كثير الانصباب.

<div class="verse-tafsir" id="91.5aEnG"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان غير المؤمنين يسأل بعضهم بعضًا عن رسالة النبي  ، ويسألون غيرهم فيقولون: هل هو رسول؟

وما هذا الخبر الذي جاء به من دعوى أنه مرسل من قِبَل الله يدعوه إلى توحيده وإلى الاعتقاد باليوم الآخر وهو يوم القيامة، يوم يسأل كل عامل عما عمل؟

فبكتهم الله بقوله: عن أي شيء يتساءلون؟

ثم قال: عن الخبر العظيم الذي هم فيه مختلفون، بعضهم ينكره، وبعضهم يتردد في صحته، ثم رد عليهم الانكار بقوله: كلا سيعملون، ثم كلا سيعملون -أي ستنكشف لهم الحقيقة، ويرون صحة الخبر، وتنقطع الريبة فيه يوم تقوم الساعة ويفصل بينهم.

ثم ذكرهم بدلائل قدرته وآيات رحمته فقال: ألم نجعل الأرض مهادًا إلخ، أي أن من ينعم على الناس هذه النعم العظيمة لا يهملهم من إرسال داع إلى توحيده بعد ما ضلوا عنه، وهاد إلى طريقة المستقيم، ومذكر بيوم الحساب، وليس بعظيم على صاحب هذا الاحسان أن يرسل ذلك الرسول، ولا أن يحقق ما يدعو إلى الاعتقاد به من شؤون اليوم الآخر، وهي ما ذكر في قوله: إن يوم الفصل إلخ.

(عم) أصله عما، أي عن أي شيء، والإبهام للتعظيم، و(النبأ) الخبر الذي يُهْتَمّ له.

و(كلا) للردع ونفي الزعم الباطل.

(المهاد) الفراش، وقد جعل الله الأرض موطئًا للناس والدواب يقيمون عليها، فهي فراش لهم.

و(الأوتاد) جمع وتد، بسكون التاء وكسرها وهو معروف، وإنما كانت الجبال أوتادًا لأن بروزها في الأرض كبروز الأوتاد المغروزة فيها، ولأنها في تثبيت الأرض ومنعها من الَميدان والاضطراب كالأوتاد في حفظ الخيمة من مثل ذلك، كأن أقطار الأرض قد شدت إليها، ولولا الجبال لكانت الأرض دائمة الاضطراب بما في جوفها من المواد الدائمة الجيشان.

و(أزواجًا) ذكرًا وأنثى ليتم الائتناس والتعاون على سعادة المعيشة وحفظ النسل وتكميله بالتربية، و (السبات) بضم السين الموت، والسبوت الميت، من السبت وهو القطع.

والنوم أحد الموتين، ونعمة الله فيه كبيرة، فإن موت بضع ساعات في اليوم يريح القوى من تعبها، وينشطها من كسلها، ويعيد إليها ما فقد منها، ولو لم يكن النوم موتًا واليقظة بعثًا لم يتم هذا التجديد للقوى.

(لباس) الجسم ما يستره، والليل شبيه باللباس لأنه يستر الأشخاص بظلمته.

وللناس في هذا الستر فوائد اللباس، فكما أن اللباس يقي من الحر والبرد ويستر العورات عن النظر كذلك يستتر فيه الفار من العدو أو الحيوان المفترس المطارد له، ويختفي فيه الكامن للوثوب على ما يريد التخلص منه والنجاة من شر مساورته.

وكم لظلال الليل عنك من يد تخبر أن المانوية تكذب( ) و(المعاني) الحياة فكما جعل النوم موتًا جعل اليقظة حياة.

والنهار زمن هذه الحياة، أي جعل النهار وقت معاش يستيقظون فيه وينقلبون في حوائجهم ومكاسبهم.

و(السبع الشداد) الطرائق السبع، وهي ما فيه الكواكب السبعة السيارة المشهورة.

وخصها بالذكر لظهورها ومعرفة العامة لها، وإلا فقد بنى ما هو أعظم منها وهو ما وراءها من عوالم السموات ووصفها بالشدة لأنها محكمة متينة لا يؤثر فيها مرور الزمان.

و (الوهاج) المتلألئ الوقاد.

والسراج الوهاج هو الشمس.

و (المعصرات) السحائب والغيوم إذا أعصرت، أي جاء وقت أن تعصر الماء فيسقط منها المطر.

و (الثجاج) المنصب بكثرة.

و (الحب) يعني به ما يقتات به الناس من نحو الحنطة والشعير.

و (النبات) ما يقتات به الدواب من التبن والحشيش "كلوا وارعوا أنعامكم" "متاعًا لكم ولأنعامكم".

و (الجنات) جمع جنة، وهي الحديقة والبستان فيه الشجر أو النخل.

و (ألفافًا) أي ملتفة الشجر لتقارب أغصانه وطول أفنانه.

و (يوم الفصل) هو يوم القيامة، يظهر فيه الحق، وينكشف الستار عن القلوب، والالتباس عن العيون فيفصل بين الحق والباطل.

و (كان ميقاتًا) أي ينتهي إليه الناس فيجتمعون فيه ليرى كُلُّ عاقبة عمله.

وكان كذلك أي قضاه الله وقدره.

(يوم ينفخ في الصور) بدل من يوم الفصل، أو عطف بيان له، والنفخ في الصور تمثيل لبعث الله للناس يوم القيامة بسرعة لا يمثلها إلا نفخة في بوق، فإذا هم قيام ينظرون.

وعلينا أن نؤمن بما ورد من النفخ في الصور وليس علينا أن نعلم ما هي حقيقة ذلك الصور، والبحث وراء هذا عبث لا يسوغ للمسلم.

و (الافواج) الأمم والطوائف، أي تأتون أممًا وطوائف مختلفة.

(وفتحت السماء) أي أنه يتغير في ذلك اليوم نظام الكون، فلا تبقى أرض على أنها تُقِلّ ولا سماء على أنها تظل -بل تكون السماء بالنسبة إلى الأرواح مفتحة الأبواب، بل تكون أبوابًا فلا يبقى علو ولا سفل، ولا يكون مانع يمنع الأرواح من السير حيث تشاء.

والآخرة عالم آخر غير عالم الدنيا التي نحن فيها، فنؤمن بما ورد به الخبر في وصفه ولا نبحث عن حقائقه ما دام الوارد غير محال.

ولا شك أن امتناع السماء علينا إنما هو لطبيعة أجسامنا في هذه الحياة الدنيا.

أما النشأة الأخرى فقد تكون على غير ذلك، فتكون السماء بالنسبة إلينا أبوابًا ندخل من أيها شئنا بإذن الله.

وقد يكون معنى تفتح السماء ما عنى بقوله: إذا السماء انشقت..

إذا السماء انفطرت..

يوم تشقق السماء بالغمام، أي انه يقع الاضطراب في نظام الكواكب، فيذهب التماسك بينها، ولا يكون فيما يسمى سماء إلا مسالك وأبواب لا يلتقي فيها شيء بشيء، وذلك هو خراب الكون العلوي كما يخرب الكون السفلي.

(وسيرت الجبال) تمثيل لمور الأرض في ذلك اليوم، وأن جبالها لا تكون على رسوخها المعروف اليوم، بل يذهب ما كان لها من قرار وتعود كأنها سراب يرى من بعيد، فإذا لمسته لم تجد شيئًا، وذلك لتفرق أجزائها وانبثاث جواهرها.

بعد أن عدد وجوه إحسانه ودلائل قدرته على إرسال رسوله وتأييده، وذكر أن الفصل بين الرسول وبين معانديه سيكون يوم القيامة، وذكر هوله وامتياز شؤونه عن شؤونه أيام الدنيا جاء إلى وعيد المكذبين وبيان ما يلاقونه، وأخبر أن جهنم -وهي دار العذاب- قد قدرها الله مرصادًا واحدًا يرصدون فيه للعذاب، وهي مرجعهم الذي ينتهون إليه، وأنهم سيقيمون فيها مددًا طوالًا، مجدبين معدمين لا يجدون شيئًا من النعيم والراحة، ولا يذوقون فيها روحًا ينفس عنهم حر النار، ولا يذوقون من الشراب إلا الماء الحار والصديد الذي يسيل من أبدانهم جزاء يوافق أعمالهم، لأنهم كانوا لا ينتظرون يوم الحساب، ولذلك اقترفوا السيئات، وأتوا قبائح الأعمال، وكذبوا بالدلائل التي أقامها الله على صدق رسله تكذيبًا أشد تكذيب، وقد أحصى الله كل شيء في كتاب علمه، فلم يغب عنه شيء مما صدر منهم، وسيوفيهم جزاء ما صنعوا، وستكون كلمته العالية أن يقول لهم ذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابًا.

(المآب) المرجع.

(لابثين) مقيمين.

(الاحقاب) جمع حقب بضمتين، قيل هو ثمانون سنة، وقيل أكثر من ذلك.

والمراد المدد المتطاولة، ولا يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها، أي يلبثون فيها مددًا إلى غير النهاية.

(البرد) برد الهواء، أو هو النوم، ورد عن بعض العرب "منع البرد البرد".

(الغساق) من غسق يغسق إذا انصب وسال، وهو القبح والصديد الدائم السيلان من أجساد أهل النار.

(الوفاق) مصدر وافق، وصف به الجزاء مبالغة.

(كذابًا) أي تكذيبًا.

وهذه الصيغة فاشية في كلام فصحاء العرب في باب فعل، فيقال فسر فسارًا مثلًا.

(كتابًا) مصدر كتب، وهو في موضع إحصاء، كأنه قيل أحصيناه إحصاء، أو أن أحصيناه في معنى كتبناه، لأن الإحصاء بالكتابة والكتابة هنا على النحو الذي يليق بتنزيه الله تعالى، وهو أعلى من كتابتنا التي نعرفها، واشد منها ضبطًا، لكنا لا نُكَلَّف بالبحث عنها، فذلك مما نؤمن به ونكل علم حقيقته إلى الله.

(إن للمتقين إلخ).

بعد ما بين حال المكذبين جاء بما يناله المتقون، وأنهم سيفوزون بالأجر العظيم في الجنان التي وصفها ووصف ما فيها، وأن ذلك عطاء لهم من مالك السموات والأرض، عظيم الرحمة والإنعام الذي لا يملك أحد من أهل السموات والأرض أن يخاطبه في شأن الثواب والعقاب، بل هو المتصرف فيه وحده في ذلك اليوم الذي يقوم فيه الروح والخلق المقدس من عالم الغيب والملائكة صفًا، ولا يمكن لأحد أن يتكلم إلا من أذن له الرحمن ونطق بالصواب.

(المفاز): الفوز بالنعيم والثواب أو مكان ذلك.

(والحدائق): البساتين فيها أنواع الشجر المثمر.

و(الاعناب) معروفة، جمع عنب، خصها بالذكر لأهميتها.

و (الكواعب) البنات اللاتي استدارت ثديهن.

و(الاتراب) اللاتي من سن واحدة.

والتمتع بهذه البنات في الجنة مما يتمثله الانسان في هذه الدنيا على نحو من اللذة ولكن لا تعلم حقيقته في الجنة، وغاية ما يجب أن نصدق به أنه تمتع فائق اللذة على حسب ما يناسب ذلك العالم الأخروي.

(كأس) إناء من بلور يشرب فيه.

و (الدهاق) المملؤة المترعة، وأدهق الحوض ملأه.

و (اللغو) ما لا يعتد به من الكلام.

و (الكِذّاب) التكذيب كما سبق، واللغو والتكذيب مما تألم له أنفس الصادقين بل هو من أشد الأذى لقلوبهم، فأراد الله إزاحة ذلك عنهم، و (الحساب) الكافي.

و (الروح والملائكة) من مخلوقات الله المغيبة عنا التي لا نُكلَّف بالبحث عن حقائقها، وقيامها واصطفافها على النحو الذي يليق بها.

والذي تفيده هذه الآية الكريمة أنهم -مع قربهم من الله- لا يستطيع أحد منهم أن يشفع لأحد أو يستمنح منحة إلا إذا أذن الله له، ولا يأذن إلا لمن علم أنه سيجاب، وإنما يكون الكلام ضربًا من التكريم لمن يأذن الله له به، يختص به من يشاء ولا أثر له فيما أراد البتة.

(ذلك اليوم الحق إلخ) بعد أن ذكر في قوله: إن يوم الفصل كان ميقاتًا إلخ - أن يوم القيامة موعد يفصل فيه بين الحق والباطل، وترفع فيه ستر الشبهة عن القلوب، وبيّن كيف يتحول العالم فيه من حال إلى حال، وكيف ينشر الموتى ويحشرون.

ثم ذكر أن دار العذاب حد ينتهي إليه أهل الجهالة والجحود في ذلك اليوم الموعود، وأن الفوز موعد لأهل الجنة وهم المتقون.

وأنهى الكلام في تعداد ما أعد لهم بأن ذلك سيكون لهم في ذلك اليوم، ووصفة بوصف آخر لم يسبق، وهو أنه يقوم فيه الروح والملائكة صفًا إلخ، عقب ذلك كله بتأكيد أن هذا اليوم حق لا ريب في أنه يأتي لا محالة.

فإذا كان هذا اليوم يوم الجزاء حقًا لا ريب فيه، ومرجعًا لا مفر منه، والناس فيه فريقان، فريق بعيد عن الله مدحور مآبه النار، ودار العذاب، وفريق مآبه القرب من الله ومنازل الكرامة، فمن كانت له مشيئة صادقة فليتخذ مآبًا إلى ربه، فليعمل عملًا صالحًا يقربه منه ويحله مَحالّ كرامته.

ثم رجع إلى تهديد المخاطبين من المعاندين وتحذيرهم عاقبة عنادهم فقال: (إنا أنذرناكم عذابًا قريبًا) وهو ما وصفه فيما سبق، وقربه لأنهم يجدون منه عقب موتهم، فإن الروح متى فارقت البدن انكشف لها ما ينتظرها، ولا تزال في ألم منه إلى أن تلاقيه يوم ينظر المرء أعماله حاضرة لديه معروضة عليه، وعند ذلك يقول الكافر، من شدة ما يلقى وهول ما يرى: يا ليتني كنت ترابًا، ويتمنى أن كان جمادًا لم يصب حظًا من الحياة.

(الإنذار) الأخبار بالمكروه قبل وقوعه.

(والمرء) الإنسان ذكرًا كان أو أنثى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده