الإسلام > الأضحية والعقيقة > الذي يجوز في العقيقة وسنها وما لا يجوز > حكم إقامة الولائم للعقيقة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةبالأُضحيَّةِ الضِّيافةُ العامَّةُ، ومِن العَقيقةِ الضِّيافةُ الخاصَّةُ، ولأنَّهما يَختلِفان في مَسائلَ كما يأتي.
وبهذا يَتَّضحُ الردُّ على مَنْ زعَم حُصولَهما وقاسَه على غُسلِ الجُمُعةِ والجَنابةِ على أنَّهم صرَّحوا بأنَّ مَبنى الطَّهاراتِ على التَّداخُلِ فلا يُقاسُ بها غيرُها (١).
قال الشَّروانيُّ رحمة الله عليه: قولُه: (وهو ظاهرٌ) خِلافًا للنِّهايةِ عِبارتُه: ولو نَوى بالشاةِ المَذبوحةِ الأُضحيَّةَ والعَقيقةَ حصَلا خِلافًا لمَن زعَم.
قولُه (لأنَّ كلًّا منهما، إلخ) قد يُقالُ: وأيضًا كلٌّ منهما لا يَحصلُ بأقلَّ من شاةٍ، ويَلزَمُ من حُصولِهما بواحِدةٍ حُصولُ كلٍّ منهما بدُونِها.
وعِبارةُ البُجيرِميِّ عن الحَلبيِّ والشَّوبريِّ: ولو نَوى بها العَقيقةَ والأُضحيَّةَ حصَلا عندَ شَيخِنا خِلافًا لابنِ حَجرٍ، حيث قال: لا يَحصُلان؛ لأنَّ كلًّا، إلخ، وهو وَجيهٌ.
قولُه: (الضِّيافةُ الخاصَّةُ) ما المُرادُ من الخُصوصِ هنا؟! مع أنَّه لا فرقَ بينَهما في الأكلِ والتَّصدُّقِ والإهداءِ، كما يأتي (٢).
حُكمُ إقامةِ الوَلائمِ لِلعَقيقةِ:
اختلَف الفُقهاءُ هل الأفضلُ إقامةُ الوَلائمِ في العَقيقةِ بأنْ تُطبخَ ويأتيَ الناسُ يَأكُلونَ منها أو تُوزَّعُ لَحمًا؟
(١) «تحفة المحتاج» (١١/ ٤٩٢، ٤٩٣).
(٢) «حواشي الشرواني على تحفة المحتاج» (١١/ ٤٩٢، ٤٩٣).
فذهَب الحَنابلةُ إلى أنَّ الأفضلَ طَبخُها ودَعوةُ الناسِ إليها.
قال الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ طبَخَها ودَعا إخوانَه فأكَلوه فحَسنٌ (١).
وقال المِرداويُّ رحمة الله عليه: وقال المُصنِّفُ ومَن تَبِعه: وإن طبَخها ودَعا إخوانَه فحَسنٌ، وفيه فَوائدُ، إحداها طَبخُها أفضلُ، نصَّ عليه، وقيلَ لأحمدَ: يَشقُّ عليهم، قال: يَتحمَّلون ذلك (٢).
وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قال أصحابُنا: والتَّصدقُ بلَحمِها ومَرقِها على المَساكينِ بالبَعثِ إليهم أفضلُ من الدُّعاءِ إليها، ولو دعا إليها قَومًا جازَ، ولو فرَّق بعضَها ودَعا ناسًا إلى بعضِها جازَ (٣).
وقال في «الرَّوضةِ»: يُستحبُّ ألَّا يَتصدقَ بلَحمِها نَيئًا بل يَطبخُه.
وفي الحاوي: أنَّا إذا لم نُجوِّزْ ما دون الجَذعةِ والثَّنيَّةِ وجَب التَّصدقُ بلَحمِها نَيئًا، وكذا قال الإمامُ: إنْ أوجَبْنا التَّصدقَ بمِقدارٍ وجَب تَمليكُه وهو نَيئٌ.
والصَّحيحُ الأولُ، وفيما يَطبخُه به وَجهان، أحدُهما بحُموضةٍ، ونقَله في التَّهذيبِ عن النصِّ، وأَصحُّهما بحُلوٍ، تَفاؤُلًا بحَلاوةِ أخلاقِ المَولودِ.
وعلى هذا لو طبَخ بحامِضٍ ففي كَراهتِه وَجهانِ: أَصحُّهما: لا يُكرهُ.
(١) «المغني» (٩/ ٣٦٦)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٩١).
(٢) «الإنصاف» (٤/ ١١٤).
(٣) «المجموع» (٨/ ٣٢٢).
ويُستحبُّ ألَّا يُكسِّرَ عِظامَ العَقيقةِ ما أمكَن، فإن كسَرَ لم يُكرهْ على الأصحِّ.
والتَّصدقُ بلَحمِها ومَرقِها على المَساكينِ بالبَعثِ إليهم أفضلُ من الدَّعوةِ إليها، ولو دعا إليها قَومًا فلا بأسَ (١).
وقال الحَنفيةُ: يَطبخُ جميعَ العَقيقةِ ثم يَتصدقُ بها (٢)، ولم يُصرِّحوا بالدَّعوةِ إليها أو لا.
وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّه يُكرهُ أنْ يُدعَى الناسُ لها؛ لمُخالفةِ السَّلفِ وخَوفِ المُباهاةِ والمُفاخرةِ، بل تُطبخُ ويَأكلُ منها أهلُ البَيتِ والجِيرانُ والغَنيُّ والفَقيرُ، ولا بأسَ بالإطعامِ مِنْ لَحمِها نَيئًا، ويُطعِمُ الناسَ في مَواضعِهم.
سَمِعَ ابنُ القاسمِ: تُطبَخُ العَقيقةُ ويَأكلُ منها أهلُ البَيتِ ويُطعَمُ الجِيرانُ، وأمَّا الدُّعاءُ إليها فإنِّي أَكرهُ الفَخورَ.
فإنْ أراد ذلك صنَع من غيرِها ودَعا إليها، ورُوي عن مالكٍ أنَّه قال: عَقَقتُ عن وَلدي فذبَحتُ باللَّيلِ ما أُريدُ أنْ أدعوَ إليه إخواني وغيرَهم، ثم ذبَحتُ له ضُحًى شاةَ العَقيقةِ، فأهدَيتُ منها لجِيراني، وأكلَ منها أهلُ البَيتِ وكسَروا ما بقِي من عِظامِها وطبَخوه ودعَونا إليه الجيرانَ فأكَلوا وأكَلنا.
(١) «روضة الطالبين» (٢/ ٦٨٩).
(٢) «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٦/ ٣٦٧).
قال مالكٌ: فمَن وجَدَ سَعةً فليَفعلْ مثلَ ذلك (١).
وقال الإمامُ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: الفَصلُ الثانيَ عشَرَ في استِحبابِ طَبخِها دونَ إخراجِ لَحمِها نَيئًا، قال الخَلالُ في جامعِه: بابُ ما يُستحبُّ من ذَبحِ العَقيقةِ، أخبَرني عبدُ المَلكِ المَيمونيُّ أنَّه قال لِأبي عبدِ اللهِ: العَقيقةُ تُطبَخُ؟ قال: نَعمْ.
وأخبَرني مُحمدُ بنُ علِيٍّ قال: حدَّثنا الأثرمُ أنَّ أبا عبدِ اللهِ قال في العَقيقةِ تُطبَخُ جُدولًا.
وأخبَرني أبو داودَ أنَّه قال لِأبي عبدِ اللهِ: تُطبَخُ العَقيقةُ، قال: نَعمْ، قيلَ له: إنَّه يَشتَدُّ عليهم طَبخُه، قال: يَتحمَّلون ذلك.
وأخبَرني مُحمدُ بنُ الحُسينِ أنَّ الفَضلَ بنَ زِيادٍ حدَّثهم أنَّ أبا عبدِ اللهِ قيلَ له في العَقيقةِ تُطبَخُ بماءٍ ومِلحٍ، قال: يُستحبُّ ذلك، قيلَ له: فإنْ طُبخت بشيءٍ آخرَ؟ قال: ما ضَر ذلك؛ وهذا لأنَّه إذا طبَخها فقد كَفى المَساكينَ والجِيرانَ مُؤنةَ الطَّبخِ، وهو زيادةٌ في الإحسانِ وشُكرٌ لهذه النِّعمةِ، ويَتمتَّعُ الجِيرانُ والأولادُ والمَساكينُ بها هَنيئةً مَكفيَّةَ المُؤنةِ، فإنَّ مَنْ أُهدي له لَحمٌ مَطبوخٌ مُهيأٌ للأَكلِ مُطيَّبٌ كان فَرحُه وسُرورُه به أتمَّ من فَرحِه بلَحمٍ نَيئٍ يَحتاجُ إلى كُلفةٍ وتَعبٍ، فلهذا قال الإمامُ أحمدُ: يَتحمَّلون ذلك.
(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٢٧١)، و «مواهب الجليل» (٤/ ٣٨٨)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٤٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٩٨)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٥٤، ٣٥٥)، و «حاشية الصاوي» (٤/ ٨٨).
ارجع إلى الذي يجوز في العقيقة وسنها وما لا يجوز للاطلاع على جميع المسائل.