الشرط الثالث: أن يذبحه إذا أمكنه ذلك

الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الصيد > الشرط الثالث: أن يذبحه إذا أمكنه ذلك

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

الشرط الثالث: أن يذبحه إذا أمكنه ذلك - الأقوال والأدلة

﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، بخِلافِ المِعراضِ؛ فإنه لا يقالَ فيه: أمسَكَ عَليكَ (١).

الشَّرطُ الثالثُ: أنْ يَذبحَه إذا أمكَنَه ذلكَ:

نَصَّ عامةُ الفُقهاءِ على أنَّ الصَّيدَ إذا ماتَ قبلَ أنْ يُمكِنَ ذَبحُه جازَ أكلُه، وإنْ أدرَكَه حيًّا لا يَحلُّ إلا بالتَّذكيةِ، وكذلكَ في الرميِ؛ لأنه قدَرَ على الذَّكاةِ الاختِياريةِ، فلا تُجزئُ الاضطِراريةُ؛ لاندِفاعِ الضَّرورةِ.

قالَ الإمامُ مالكٌ رحمة الله عليه: وأحسَنُ ما سَمعتُ في الذي يَتخلَّصُ الصَّيدَ مِنْ مَخالبِ البازِي أو مِنْ الكَلبِ ثمَّ يَتربَّصُ به فيَموتُ أنه لا يَحلُّ أكلُه، قالَ مالِكٌ: وكذلكَ كلُّ ما قَدرَ على ذَبحِه وهو في مُخالبِ البازِي أو في فِيِّ الكَلبِ فيَتركُه صاحبُه وهو قادِرٌ على ذَبحِه حتى يَقتلَه البازِي أو الكَلبُ فإنه لا يَحلُّ أكلُه، قالَ مالكٌ: وكذلكَ الذي يَرمِي الصَّيدَ فيَنالُه وهو حَيٌّ فيُفرِّطُ في ذَبحِه حتى يَموتَ فإنه لا يَحلُّ أكلُه (٢).

قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: على قَولِ مالكٍ هذا جُمهورُ الفُقهاءِ، كلُّهم يَقولُ: إذا ماتَ الصَّيدُ قبلَ أنْ يُمكِنَه ذَبحُه جازَ أكلُه، وإنْ أمكَنَه ذَبحُه فلمْ يَفعلْ حتى ماتَ لم يَأكلْه.

وممَّن قالَ بهذا اللَّيثُ بنُ سَعدٍ والأوزاعيُّ والشافِعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ، وهو قَولُ الحَسنِ وقَتادةَ.

(١) «شرح الزركشي» (٣/ ٢٣٧).
(٢) «الموطأ» (٢/ ٤٩٣).

وقالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه: إذا حصَلَ الصَّيدُ في يَدِه حيًّا مِنْ فَمِ الكَلبِ أو الصَّيدُ لسَهمٍ ولم يُذَكِّهِ لم يُؤكلْ، سواءٌ قدَرَ على تَذكيتِه أو لم يَقدرْ.

وقد قالَ الليثُ: إنْ ذهَبَ يُخرجُ سِكينَه مِنْ حِقبِه أو خُفِّه فسبَقَه بنَفسِه فماتَ أكَلَه، وإنْ ذهَبَ يُخرجِ سكِّينَه مِنْ خُرجِه فماتَ قبلَ أنْ يُخرِجَه لم يَأكلْه.

وقد رُويَ عن إبراهِيمَ النخَعيِّ والحَسنِ البَصريِّ في هذه المَسألةِ قَولٌ شاذٌّ، قالَا: إذا لم تَكنْ معَكَ حَديدةٌ فأَرسِلْ عليهِ الكِلابَ حتَّى تَقتلَه (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: الحَيوانُ المَأكولُ الذي لا تَحلُّ مَيتتُه ضَربانِ: مَقدورٌ على ذِبحِه ومُتوحِّشٌ، فالمَقدورُ عليهِ لا يَحلُّ إلا بالذَّبحِ في الحَلقِ واللَّبَّةِ، وهذا مُجمَعٌ عليهِ، وسواءٌ في هذا الإنسِيُّ والوحشِيُّ إذا قدَرَ على ذَبحِه، بأنْ أمسَكَ الصَّيدَ، أو كانَ مُتوحِّشًا فلا يَحلُّ إلا بالذَّبحِ في الحَلقِ واللَّبةِ؛ لِما ذكَرَه المُصنِّفُ، وأما المُتوحِّشُ كالصَّيدِ فجَميعُ أجزائِه مَذبَحٌ ما دام مُتوحِّشًا، فإذا رماهُ بسَهمٍ أو أرسَلَ عليهِ جارِحةً فأصابَ شَيئًا مِنْ بَدنِه وماتَ به حَلَّ بالإجماعِ (٢).

وقالَ الإمامُ الموصليُّ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: (وإنْ أدرَكَه حيًّا لا يَحلُّ إلا بالتَّذكيةِ، وكذلكَ في الرميِ)؛ لأنه قدَرَ على الذَّكاةِ الاختياريةِ، فلا تُجزئُ الاضطِراريةُ؛ لاندفاعِ الضَّرورةِ؛ وهذا إذا قدَرَ على ذَبحِه، فإنْ أدرَكَه حيًّا

(١) «الاستذكار» (٥/ ٢٧٩).
(٢) «المجموع» (٩/ ١١٥)، و «شرح صحيح مسلم» (١٣/ ١٢٦).

ولم يَتمكَّنْ مِنْ ذَبحِه إما لفَقدِ آلةٍ أو لضِيقِ الوقتِ وفيه مِنْ الحَياةِ فَوقَ حَياةِ المَذبوحِ لم يُؤكلْ.

وعن أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ أنه يُؤكَلُ إذا لم يَقدرْ على الذَّكاةِ حَقيقةً، فصارَ كالمُتيمِّمِ إذا وجَدَ الماءَ ولم يَقدرْ على استِعمالِه.

وجهُ الظَّاهرِ أنه لمَّا قدَرَ عليهِ وبه حَياةٌ لم يَبْقَ صيدًا، فلا يَحلُّ إلا بالذَّكاةِ الاختياريةِ، وهذا إذا كانَ بحالٍ يَتوهَّمُ حياتَه؛ أما إذا بَقيَ فيه مِنْ الحَياةِ مثلُ المَذبوحِ أو بقَرَ بَطنَه وأخرَجَ ما فيها ثم أخَذَه وبه حَياةٌ فإنه يَحلُّ؛ لأنه مَيتٌ حُكمًا، ولهذا لو وقَعَ في هذهِ الحالةِ في الماءِ لا يَحرمُ، كما إذا وقَعَ وهو مَيتٌ.

وعن أبي حَنيفةَ أنه لا يُؤكَلُ أيضًا؛ لأنه أخَذَه حيًّا، فلا يَحلُّ إلا بالذَّكاةِ الاختِياريةِ، فلو أنه ذكَّاهُ حَلَّ بالإجماعِ، قالَ تعالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] مِنْ غيرِ فَصلٍ، وعلى هذا المُتَردِّيةُ والنَّطيحةُ والمَوقوذةُ والذي بقَرَ الذِّئبُ بَطنَها وفيها حَياةٌ خَفيفةٌ أو ظاهِرةٌ، وهو المُختارُ؛ لِما تَلَونا.

وعن مُحمدٍ: إذا كانَ بحالٍ يَعيشُ فَوقَ ما يَعيشُ المَذبوحُ حَلَّ، وإلا فلا؛ إذ لا اعتِبارَ بهذهِ الحَياةِ.

وعن أبي يُوسفَ: إذا كانَ بحالٍ لا يَعيشُ مِثلُه لا يَحلُّ، لأنَّ مَوتَه لا يَحصلُ بالذَّبحِ (١).

(١) «الاختيار» (٥/ ٧).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا أدرَكَ الصَّيدَ وفيه رُوحٌ فلم يُذَكِّه حتى ماتَ لم يُؤكلْ).

يَعني -واللهُ أعلَمُ- ما كانَ فيه حَياةٌ مُستقرَّةٌ، فأما ما كانَت حَياتُه كحَياةِ المَذبوحِ فهذا يُباحُ مِنْ غيرِ ذَبحٍ في قَولِهم جَميعًا؛ فإنَّ الذَّكاةَ في مِثلِ هذا لا تُفيدُ شَيئًا، وكذلكَ لو ذبَحَه مَجوسيٌّ ثم أعادَ ذبْحَه مُسلمٌ لم يَحلَّ.

فأما إنْ أدرَكَه وفيه حَياةٌ مُستقرَّةٌ فلم يَذبحْه حتى ماتَ نظَرْتَ؛ فإنْ لم يَتَّسعِ الزَّمانُ لذَكاتِه حتى ماتَ حَلَّ أيضًا، قالَ قَتادةُ: يَأكلُه ما لم يَتَوانَ في ذَكاتِه أو يَتركْه عَمدًا وهو قادِرٌ على أنْ يُذكِّيَه، ونَحوُه قولُ مالكٍ والشافِعيِّ، ورُويَ عن الحَسنِ والنخَعيِّ.

وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يَحلُّ؛ لأنه أدرَكَه حيًّا حَياةً مُستقرَّةً، فتَعلَّقتْ إباحتُه بتَذكيتِه كما لو اتَّسعَ الزَّمانُ.

ولنا: إنه لم يَقدرْ على ذَكاتِه بوَجهٍ يُنسَبُ فيه إلى التَّفريطِ ولم يَتَّسعْ لها الزَّمانُ، فكانَ عَقرُه ذَكاتَه كالذي قتَلَه، ويُفارِقُ ما قاسُوا عليهِ؛ لأنه أمكَنَه ذَكاتُه وفرَّطَ بتَركِها.

ولو أدرَكَه وفيه حَياةٌ مُستقرَّةٌ يَعيشُ بها طَويلًا وأمكَنَتْه ذَكاتُه فلم يُدركْه حتى ماتَ لم يُبَحْ، سَواءٌ كانَ به جُرحٌ يَعيشُ معَه أو لا، وبه قالَ مالِكٌ والليثُ والشافِعيُّ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ؛ لأنَّ ما كانَ كذلكَ فهو في حُكمِ الحَيِّ؛ بدَليلِ أنَّ عُمرَ رضي الله عنه كانَتْ جِراحاتُه مُوحِيةً فأوصَى وأُجيزَتْ وَصاياهُ وأقوالُه في تلكَ الحالِ ولا سقَطَتْ عنه الصَّلاةُ والعِباداتُ، ولأنه ترَكَ تَذكيتَه مع القُدرةِ عليهَا، فأشبَهَ غيرَ الصَّيدِ.

مَسألةٌ: قالَ: (فإنْ لم يَكنْ معَه ما يُذكِّيهِ به أَشْلَى الصَّائدُ له عَليهِ حتَّى يَقتلَه فيُؤكَلَ).

يَعني: أغرَى الكَلبَ به وأرسَلَه عليهِ، ومَعنَى أَشْلَى في العَربيةِ: دعَا، إلَّا أنَّ العامَّةَ تَستعملُه بمَعنَى: أغراهُ، ويَحتملُ أنَّ الخِرقيَّ أرادَ: دَعاهُ ثمَّ أرسَلَه؛ لأنَّ إرسالَه على الصَّيدِ يَتضمَّنُ دُعاءَه إليهِ، واختَلفَ قَولُ أحمَدَ في هذهِ المَسألةِ، فعَنهُ مِثلُ قولِ الخِرقيِّ، وهو قَولُ الحَسنِ وإبراهِيمَ، وقالَ في مَوضعٍ: إني لَأقشَعِرُّ مِنْ هذا، يَعني أنه لا يَراهُ، وهو قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ؛ لأنه مَقدورٌ عليهِ، فلمْ يُبَحْ بقَتلِ الجارحِ له كبَهيمةِ الأنعامِ، وكما لو أخَذَه سَليمًا.

ووَجهُ الأُولى أنه صَيدٌ قتَلَه الجارحُ له مِنْ غَيرِ إمكانِ ذَكاتِه، فأُبيحَ كما لو أدرَكَه مَيتًا، ولأنها حالٌ تَتعذَّرُ فيها الذَّكاةُ في الحَلقِ واللَّبةِ غالبًا، فجازَ أنْ تَكونَ ذَكاتُه على حَسبِ الإمكانِ كالمُتَردِّيةِ في بِئرٍ، وحُكيَ عن القاضِي أنه قالَ في هذا: يَتركُه حتَّى يَموتَ فيَحلَّ؛ لأنه صَيدٌ تَعذَّرتْ تَذكيتُه، فأُبيحَ بمَوتِه مِنْ عَقرِ الصَّائدِ له، كالذي تَعذَّرتْ تَذكيتُه لقِلَّةِ لَبتِه، والأولُ أصَحُّ؛ لأنه حَيوانٌ لا يُباحُ بغيرِ التَّذكيةِ إذا كانَ معه آلةُ الذَّكاةِ، فلمْ يُبَحْ بغَيرِها إذا لم يَكنْ معه آلةٌ كسائرِ المَقدورِ على تَذكيتِه، ومَسألةُ الخِرقيِّ مَحمولةٌ على ما يُخافُ مَوتُه إنْ لم يَقتلْه الحَيوانُ أو يُذكَّى، فإنْ كانَ به حياةٌ يُمكِنُ بَقاؤُه إلى أنْ يَأتِيَ به مَنزلَه فليسَ فيه اختِلافٌ أنه لا يُباحُ إلا بالذَّكاةِ؛ لأنه مَقدورٌ على تَذكيتِه (١).

(١) «المغني» (٩/ ٢٩٨، ٢٩٩)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٣٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الذبائح
الباب الثالث فيما تكون به الذكاة

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ إِنْ قَطَعَ أَعْضَاءَ الذَّكَاةِ مِنْ نَاحِيَةِ الْعُنُقِ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ لَا يَخْتَلِفُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَابْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِمْ. وَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ.

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِي الْمَنْفُوذَةِ الْمَقَاتِلِ أَمْ لَا تَعْمَلُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاطِعَ لِأَعْضَاءِ الذَّكَاةِ مِنَ الْقَفَا لَا يَصِلُ إِلَيْهَا بِالْقَطْعِ إِلَّا بَعْدَ قَطْعِ النُّخَاعِ، وَهُوَ مَقْتَلٌ مِنَ الْمَقَاتِلِ، فَتَرِدُ الذَّكَاةُ عَلَى حَيَوَانٍ قَدْ أُصِيبَ مَقْتَلُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَهِيَ أَنْ يَتَمَادَى الذَّابِحُ بِالذَّبْحِ حَتَّى يَقْطَعَ النُّخَاعَ) : فَإِنَّ مَالِكًا كَرِهَ ذَلِكَ إِذَا تَمَادَى فِي الْقَطْعِ وَلَمْ يَنْوِ قَطْعَ النُّخَاعِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، لِأَنَّهُ إِنْ نَوَى ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ نَوَى التَّذْكِيَةَ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ الْجَائِزَةِ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا تُؤْكَلُ إِنْ قَطَعَهَا مُتَعَمِّدًا دُونَ جَهْلٍ، وَتُؤْكَلُ إِنْ قَطَعَهَا سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 625 - 629

ارجع إلى أركان الصيد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله