إذا شرط أنك إذا مت عادت إلي أو إلى ورثتي

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > إذا شرط أنك إذا مت عادت إلي أو إلى ورثتي

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

إذا شرط أنك إذا مت عادت إلي أو إلى ورثتي - الأقوال والأدلة

قالَ: «هي لك ما عِشتَ»، فإنَّها تَرجعُ إلى صاحِبِها» (١). مُتفقٌ عليه (٢).

وقالَ المالِكيةُ: «لو قالَ أعمَرتُك أو أعمَرتُ زَيدًا داري»، وأطلَقَ -أي: بأنْ لم يُقيِّدْه بحَياتِه ولا حَياةِ غيرِه- فهي عُمرى، وكذلك أسكَنتُك، وحُملَ على عُمرِ المُعطَى له فيَنتفعُ بها حَياتَه، فإذا ماتَ رجَعَت إلى رَبِّها (٣).

إذا شرَطَ أنَّك إذا مِتَّ عادَت إلَيَّ أو إلى وَرثَتي:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو شرَطَ المُعمِرُ على المُعمَرِ له أنَّه إذا ماتَ عادَت للمُعمِرِ، هل تَرجِعُ إليه لهذا الشَّرطِ أو هي للمُعمَرِ له حَياتَه ولوَرثتِه بعدَ مَوتِه ويُلغَى الشَّرطُ؟

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في القَديمِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ العَقدَ والشَّرطَ صَحيحانِ ومتى ماتَ المُعمَرُ رجَعَت إلى المُعمِرِ؛ لمَا رَواه مَعمَرٌ عن الزُّهريِّ عن أبي سَلمةَ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما قالَ: إنَّما العُمرَى التي أجازَ رَسولُ أنْ يَقولَ: «هي لكَ ولعَقِبِك»، فأمَّا إذا قالَ: «هي لكَ ما عِشتَ»، فإنَّها تَرجعُ إلى صاحِبِها» (٤)، قالَ مَعمَرٌ: وكانَ الزُّهريُّ يُفتي به.

(١) أخرجه مسلم (١٦٢٥).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٩٩، ٤٠١)، و «الكافي» (٢/ ٤٧٢).
(٣) «القوانين الفقهية» (١/ ٢٤٥)، و «مواهب الجليل» (٨/ ١٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٠٧، ٥٠٨)، و «شرح الزرقاني على الموطأ» (٤/ ٦١)، و «البيان والتحصيل» (١٢/ ٢٠٦، ٢٠٨)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ٢٤١)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٤١٠)، و «منح الجليل» (٨/ ٢٠٢).
(٤) أخرجه مسلم (١٦٢٥).

وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ أنَّه سمِعَ مَكحولًا الدِّمشقيَّ يَسألُ القاسِمَ ابنَ مُحمدٍ عن العُمرَى وما يَقولُ الناسُ فيها، فقالَ القاسِمُ بنُ مُحمدٍ: «ما أدرَكتُ الناسَ إلا وهُم على شُروطِهم في أَموالِهم، وفيما أعطَوْا» (١).

قالَ يَحيى رحمة الله عليه: سمِعتُ مالِكًا يَقولُ: وعلى ذلك الأمرِ عندَنا: أنَّ العُمرَى تَرجعُ إلى الذي أعمَرَها، إذا لم يَقُلْ: «هي لك ولعَقِبِك» (٢).

وقالَ الزَّرقانِيُّ رحمة الله عليه: إذا قالَ: «هي لك ما عِشتَ، فإذا مِتَّ رجَعَت إلَيَّ»، فهذه عارِيةٌ مُؤقَّتةٌ وهي صَحيحةٌ، فإذا ماتَ رجَعَت إلى المُعطي، وقد بيَّنَت هذه والتي قبلَها رِوايةُ الزُّهريِّ، وبه قالَ أكثَرُ العُلماءِ ورجَّحَه جَماعةٌ من الشافِعيةِ، والأصَحُّ عندَ أكثَرِهم: لا تَرجعُ، وقالوا: إنَّه شَرطٌ فاسِدٌ مُلغًى والحَديثُ يَردُّ عليهم (٣).

وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الجَديدِ والحَنابِلةُ في ظاهِرِ المَذهبِ إلى أنَّها تَكونُ للمُعمَرِ ولوَرثتِه، ويَسقُطُ الشَّرطُ للأَحاديثِ الصَّحيحةِ المُطلَقةِ التي ذكَرناها، كقَولِه : «لا تُعمِروا ولا تُرقِبوا، فمَن أُعمرَ شَيئًا أو أُرقبَه فهو له حَياتَه ومَماتَه» (٤)؛ وفي حَديثِ جابِرٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ

(١) رواه مالك في «الموطأ» (١٤٤٢).
(٢) «الموطأ» (٢/ ٧٥٦).
(٣) «شرح الزرقاني على الموطأ» (٤/ ٦١)، ويُنظَرُ: «الاستذكار» (٧/ ٣٢٨، ٣٢٩).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: أخرجه النسائي (٢/ ١٣٦)، وأبو داود (٣٥٥٦)، والطحاوي (٢/ ٢٤٨)، و «البيهقي» (٦/ ١٧٥).

رَسولُ اللهِ : «أَمسِكوا عليكم أَموالَكم ولا تُفسِدوها؛ فإنَّه مَنْ أعمَرَ عُمرى فهي للذي أُعمرَها حَيًّا ومَيِّتًا ولعَقِبِه» (١).

وعن جابِرٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «مَنْ أُعمِرَ عُمرى فهي له ولعَقِبِه يَرِثُها مَنْ يَرِثُه من عَقِبِه» (٢).

وعن ابنِ شِهابٍ الزُّهريِّ عن أبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ قالَ: «أيُّما رَجلٍ أُعمِرَ عُمرى له ولعَقِبِه، فإنَّها للذي يُعطاها، لا تَرجعُ إلى الذي أَعطاها أبَدًا» قالَ أبو سَلمةَ: لأنَّه أَعطَى عَطاءً وقَعَت فيه المَواريثُ فقطَعَت المَواريثُ شَرطَه (٣).

وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «لا عُمرَى ولا رُقبَى، فمَن أُعمِرَ شَيئًا أو أُرقِبَه فهو له حَياتَه ومَماتَه» (٤). وهذا صَريحٌ في إِبطالِ الشَّرطِ؛ لأنَّ الرُّقبَى يُشترطُ فيها عَودُها إلى المُرقَبِ إنْ ماتَ الآخَرُ قبلَه.

وعن جابِرٍ رضي الله عنه «أنَّ رَسولَ اللهِ قَضى بالعُمرَى أنْ يَهبَ الرَّجلُ للرَّجلِ ولعَقبِه الهِبةَ ويَستَثني إنْ حدَثَ بك حَدثٌ وبعَقِبِك فهو

(١) «أخرجه مسلم» (١٦٢٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥٥٣)، والنسائي (٣٧٤٢).
(٣) رواه مالك في «الموطأ» (١٤٤١)، ومسلم في «صحيحه» (١٦٢٥).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أحمد (٤٩٠٦، ٥٤٢٢)، والنسائي (٣٧٣٢، ٣٧٣٣)، وابن ماجه (٢٣٨٢).

إلَيَّ وإلى عَقِبي، إنَّها لمَن أُعطيَها ولعَقِبِه» (١). وهذا أيضًا صَريحٌ في إِبطالِ الشَّرطِ؛ لأنَّ المُعمِرَ اشتَرطَ أنَّها تَرجعُ إليه، ومع ذلك لم يَجعلْ له النَّبيُّ حَقَّ الرُّجوعِ.

ولأنَّ تَمليكَ الأَعيانِ لا يَصحُّ أنْ يَتقدَّرَ بمُدةٍ، ولا يَجوزُ أنْ يُجعلَ على التأبيدِ لمَّا كانَ الشَّرطُ يَقتَضي أنْ يَكونَ فاسِدًا.

قالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: هلَّا قُلتُم: تَبطُلُ الهِبةُ على القَولِ الجَديدِ؛ لأنَّ العُمرَى تَقتَضي التَّمليكَ على التَّأبيدِ، فإذا قدَّرَه بحَياةِ المُعمَرِ فقد شرَطَ شَرطًا يُنافي مُقتَضى العَقدِ فأبطَلَه، كما لو قالَ: وهَبتُك هذه الدارَ سَنةً؟

فالجَوابُ: أنَّ هذا الشَّرطَ لا يُبطِلُ العُمرَى؛ لأنَّه ليسَ بشَرطٍ على المُعمَرِ، وإنَّما هو شَرطٌ على وَرثتِه، فإذا لم يَكنِ الشَّرطُ على المَعقودِ له لم يُؤثِّرْ في العَقدِ بخِلافِ ما لو قالَ: وهَبتُ لك داري سَنةً؛ فإنَّه لا يَصحُّ؛ لأنَّ النُّقصانَ دخَلَ في مِلكِ المَعقودِ له، فلم يَصحَّ (٢).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأمَّا حَديثُهم الذي احتَجُّوا به فمِن قَولِ جابِرٍ نَفسِه، وأمَّا نَقلُ لَفظِ النَّبيِّ قالَ: «أمسِكوا عليكم أَموالَكم ولا تُفسِدوها؛ فإنَّه مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهي للذي أُعمِرَها حَيًّا ومَيِّتًا ولعَقِبِه» (٣). ولأنَّا لو أجَزْنا هذا الشَّرطَ كانَت هِبةً مُؤقتةً، والهِبةُ لا يَجوزُ فيها التأقيتُ،

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٣٧٤٩).
(٢) «البيان» (٨/ ١٣٩، ١٤٠).
(٣) أخرجه مسلم (١٦٢٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذا قال: دارى لك عمرى. أو هى لك عمرك. فهى له ولورثته من بعده)

فلا يجوزُ إلَّا أن يُثِيبَه عنها ، فعلى هذا عليه أن يُعْطِيَه حتى يُرْضِيَهُ، فإن لم يَفْعَلْ فلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْطِيَه قَدْرَ قِيمَتها. والأَوّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا بَيْعٌ، فيُعْتَبَرُ فيه التَّرَاضِى، إلَّا أنَّه بَيْعٌ بالمُعَاطاةِ، فإذا عَوَّضَه عِوَضًا رَضِيَه، حَصَلَ البَيْعُ بما حَصَلَ من المُعَاطاةِ مع التَّرَاضِي بها، وإن لم يَحْصُل التَّرَاضِي، لم تَصِحَّ؛ لِعَدَمِ العَقْدِ، فإنَّه لم يُوجَد الإِيجابُ والقَبُولُ ولا المُعاطَاةُ مع التَّرَاضِي والأصْلُ في هذا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: مَنْ وَهَبَ هِبَةً أرادَ بها الثَّوَابَ، فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها إذا لم يَرْضَ منها. ورُوِى مَعْنَى ذلك عن عليٍّ، وفَضَالةَ بن عُبَيْدٍ، ومالِكِ بن أنَسٍ. وهو قولُ الشافعِيِّ، على القولِ الذي يَرَى أنَّ الهِبَةَ المُطْلَقةَ تَقْتَضِى ثَوَابًا. وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ أعْرَابِيًّا وَهَبَ للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ناقةً، فأعْطاهُ ثَلَاثًا فأبَي، فزَادَه ثَلَاثًا، فأبَى، فزَادَه ثَلَاثًا، فلما كَمُلَتْ تِسْعًا، قال: رَضِيتُ: فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد هَمَمْتُ أنْ لَا أَتَّهِبَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أو أنْصَارِيٍّ أو ثَقَفِيٍّ أو دَوْسِيٍّ" . من "المُسْنَدِ" . قال أحمدُ: إذا تَغيَّرَتِ العَيْنُ المَوْهُوبةُ بزِيَادَةٍ أو نُقْصانٍ، ولم يُثِبْه منها، فلا أرَى عليه نُقْصانَ ما نَقَصَ عندَه إذا رَدَّه إلى صاحِبه، إلَّا أن يكونَ ثَوْبًا لَبِسَه، أو غُلَامًا اسْتَعْمَلَه، أو جارِيةً اسْتَخدَمَها، فأمَّا غيرُ ذلك إذا نَقَصَ فلا شىءَ عليه، فكان عندى مثلَ الرَّهْنِ، الزِّيَادَةُ والنُّقْصانُ لِصَاحِبِه.

٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا قَالَ: دَارِى لَكَ عُمُرِى. أوْ هِىَ لَك عُمُرَكَ. فَهِىَ لَهُ ولوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 315 - 318

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده