إذا مات الواهب أو الموهوب له بعد العقد وقبل القبض

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > إذا مات الواهب أو الموهوب له بعد العقد وقبل القبض

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

إذا مات الواهب أو الموهوب له بعد العقد وقبل القبض - الأقوال والأدلة

إذا ماتَ الواهِبُ أو المَوهوبُ له بعدَ العَقدِ وقبلَ القَبضِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ -كما تقدَّمَ- فيما لو ماتَ الواهِبُ أو المَوهوبُ له بعدَ العَقدِ وقبلَ القَبضِ، هل تَبطُلُ الهِبةُ أو تَصحُّ ويَقومُ وارِثُه مَقامَه؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الهِبةَ تَبطُلُ بمَوتِ أحدِهما بعدَ العَقدِ وقبلَ التَّسليمِ؛ لأنَّه عَقدٌ جائِزٌ فبطَلَ بمَوتِ أحدِ المُتعاقدَين كالوَكالةِ والشَّركةِ؛ لأنَّ تَمامَ الهِبةِ بالقَبضِ، وكانَ القَبضُ في الهِبةِ كالقَبولِ في البَيعِ من حيثُ إنَّ المِلكَ يَثبُتُ به، فكما أنَّ مَوتَ أحدِهما بعدَ الإِيجابِ قبلَ القَبولِ يُبطِلُ البَيعَ، فكذلك الهِبةُ، ولأنَّ بمَوتِ الواهِبِ زالَ مِلكُه، وفاتَ تَسليطُه كالمُوكِّلِ، وأمَّا إذا ماتَ المَوهوبُ له فلأنَّه لمَّا ماتَ قبلَ قَبضِه: لم يَكنْ مالِكًا له، فلم يَكنْ مَوروثًا عنه (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّ الهِبةَ لا تَبطُلُ بمَوتِ الواهِبِ ولا المَوهوبِ له؛ لأنَّها تَؤولُ إلى اللُّزومِ كالبَيعِ المَشروطِ فيه الخِيارُ، وقامَ وارِثُه مَقامَه -أي: وارِثِ الواهِبِ- في الإقباضِ والإذنِ في القَبضِ، ووارِثُ المُتَّهبِ في القَبضِ؛ لأنَّه خَليفتُه، فعلى هذا إذا ماتَ الواهِبُ تخيَّرَ الوارِثُ في الإِقباضِ.

(١) «المبسوط» (١٢/ ٥٦، ٥٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٦٢)، و «البيان» (٨/ ١١٧)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٥٢)، و «الوسيط» (٥/ ٢١٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٨)، و «المغني» (٥/ ٣٨١)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٥٠)، و «المبدع» (٥/ ٣٦٣)، و «الفروع» (٤/ ٤٨٦)، و «الإنصاف» (٧/ ١١٩، ١٢١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٤، ٣٩٥)، و «الروض المربع» (٢/ ١٨٢)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٥٥).

أمَّا لو ماتَ أحدُهما بعدَ الإِيجابِ وقبلَ القَبولِ، أو ما يَقومُ مَقامَه بطَلَت وَجهًا واحدًا؛ لأنَّ المَيِّتَ إنْ كانَ هو الواهِبَ فقد انتقَلَ حَقُّه في الرُّجوعِ في الهِبةِ إلى وارِثِه فلم يَلزمْ بغيرِ إذنِه، وإنْ كانَ المَوهوبُ له لم يُوجدِ الإذنُ لوارِثِه فلم يَملِكِ القَبضَ بغيرِ إذنٍ (١).

والصَّحيحُ في مَذهبِ الحَنابِلةِ أنَّ الهِبةَ لا تَبطُلُ بمَوتِ الواهِبِ، بل يَقومُ وارِثُه مَقامَه في الإذنِ والرُّجوعِ، وأمَّا إذا ماتَ المَوهوبُ له قبلَ قَبضِ الهِبةِ؛ فإنَّها تَبطُلُ، قالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي طالِبٍ وأَبي الحارِثِ في رَجلٍ أهدَى هَديةً فلم تَصِلْ إلى المُهدَى إليه حتى ماتَ؛ فإنَّها تَعودُ إلى صاحِبِها ما لم يَقبضْها.

ورَوى بإِسنادِه عن أُمِّ كُلثومٍ بِنتِ سَلمةَ قالَت: لمَّا تَزوجَ رَسولُ اللهِ أُمَّ سَلمةَ قالَ لها: «إنِّي قد أهدَيتُ إلى النَّجاشيِّ حُلةً وأواقيَّ من مِسكٍ، ولا أَرى النَّجاشيَّ إلا قد ماتَ، ولا أَرى هَديَّتي إلا مَردودةً علَيَّ؛

(١) «البيان» (٨/ ١١٤، ١١٥)، و «الوسيط» (٥/ ٢١٤، ٢١٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٨)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩٢، ٤٩٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٥١، ٥٥٢)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٨٥)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٧٧، ٥٧٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٧٤، ٤٧٥)، و «الديباج» (٢/ ٥٤١، ٥٤٢)، و «المغني» (٥/ ٣٨٠، ٣٨١)، و «الكافي» (٢/ ٤٦٦، ٤٦٧)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٥٠)، و «المبدع» (٥/ ٣٦٣)، و «الفروع» (٤/ ٤٨٦)، و «الإنصاف» (٧/ ١١٩، ١٢١)، و «المحرر» (١/ ٣٧٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٧)، و «الروض المربع» (٢/ ١٨٢)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٥٥).

فإنْ رُدَّت علَيَّ فهي لكِ» قالَت: فكانَ ما قالَ رَسولُ اللهِ ورُدَّت عليه هَديتُه، فأعطَى كلَّ امرأةٍ من نِسائِه أُوقيَّةً من مِسكٍ، وأعطى أُمَّ سَلمةَ بَقيةَ المِسكِ والحُلةَ (١).

وإنْ ماتَ صاحِبُ الهَديةِ قبلَ أنْ تَصِلَ إلى المُهدَى إليه رجَعَت إلى وَرثةِ المُهدي، وليسَ للرَّسولِ حَملُها إلى المُهدَى إليه إلا أنْ يأذَنَ له الوارِثُ، ولو رجَعَ المُهدِي في هَديتِه قبلَ وُصولِها إلى المُهدَى إليه صَحَّ رُجوعُه فيها، والهِبةُ كالهَديةِ (٢).

أمَّا المالِكيةُ فقالوا: إذا ماتَ الواهِبُ قبلَ أنْ يَقبضَ المَوهوبُ له الهِبةَ بطَلَت الهِبةُ؛ فإنْ ماتَ المَوهوبُ له قبلَه كانَ لوَرثتِه عندَه أنْ يَقوموا مَقامَه بالمُطالبةِ لها حتى يُسلِّمَ إليهم الواهِبُ.

قالَ الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه في «المُدونة»: مَنْ وهَبَ هِبةً لرَجلٍ فمات المَوهوبُ له قبلَ أنْ يَقبضَ فورَثتُه مَكانَه يَقبِضونَ هِبتَه، وليسَ للواهِبِ أنْ يَمتنِعَ من ذلك (٣).

(١) رواه أحمد (٢٧٣١٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٥١١٤).
(٢) «الإنصاف» (٧/ ١١٩، ١٢١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٦، ٣٩٧)، و «الروض المربع» (٢/ ١٨٢)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٥٥).
(٣) «المدونة» (١٥/ ١٢٠)، و «الاستذكار» (٧/ ٢٣١)، و «البيان والتحصيل» (١٣/ ٣٨٨)، و «القوانين الفقهية» ص (٢٤٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في شرائط ركن الهبة

لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَدْخُلُ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ جَمِيعًا فِي الْعَقْد لِأَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا إذَا لَمْ يَصْلُحْ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ وَكَذَا الْعِتْقُ بِأَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا.

(وَأَمَّا) الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَالْوَصِيَّةُ بِأَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا لِأَنَّهُ لَمَا جَعَلَ الْجَارِيَةَ وَصِيَّةً لَهُ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ أَبْقَى مَا فِي بَطْنِهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَالْمِيرَاثُ يُجْرَى فِيمَا فِي الْبَطْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهَا وَغَلَّتَهَا لِوَرَثَتِهِ أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْغَلَّةَ وَالْخِدْمَةَ لَا يُجْرَى فِيهِمَا الْمِيرَاثُ بِانْفِرَادِهِمَا بِدُونِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِخِدْمَتِهَا وَغَلَّتِهَا لِإِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ لَا تَصِيرُ الْغَلَّةُ وَالْخِدْمَةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ بَلْ تَعُودُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَصِيرُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 353 - 355

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده