التساوي في الهبة بين الزوجات

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > التساوي في الهبة بين الزوجات

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

التساوي في الهبة بين الزوجات - الأقوال والأدلة

وفي قَولٍ للشافِعيةِ يُفضَّلُ الأُنثَى على الذَّكرِ.

وأمَّا الإمامُ مالِكٌ فقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه عنه: لا أحفَظُ لمالِكٍ في هذه المَسألةِ قَولًا (١).

وقالَ الخَرشيُّ والصاويُّ رحمة الله عليه: وأمَّا هِبةُ الرَّجلِ لبَعضِ وَلدِه مالَه كلَّه أو جُلَّه فمَكروهٌ اتِّفاقًا، ويُكرهُ أيضًا أنْ يُعطيَ مالَه كلَّه لأولادِه، ويَقسمَه بينَهم بالسَّويةِ إنْ كانوا ذُكورًا وإناثًا، وإنْ قسَّمَه بينَهم على قَدرِ مَواريثِهم فذلك جائِزٌ (٢).

التَّساوي في الهِبةِ بينَ الزَّوجاتِ:

لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه يُستحبُّ للرَّجلِ إذا كانَ مُتزوجًا أكثَرَ من امرَأةٍ أنْ يَعدلَ بينَهنَّ في العَطايا والهِباتِ …

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا، هل يَجبُ عليه أنْ يَعدلَ بينَهنَّ أو يُستحبُّ ولا يَجبُ؟ وهذا في غيرِ النَّفقةِ الواجِبةِ من الكِسوةِ والسُّكنَى والمَأكلِ والمَشربِ.

فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُستحبُّ العَدلُ والتَّساوِي بينَ الزَّوجاتِ في الهِباتِ ولا يَجبُ.

قالَ الإمامُ أَبو الوَليدِ الباجيُّ رحمة الله عليه: والضَّربُ الثالِثُ من الإِيثارِ أنْ يُعطيَ كلَّ واحِدةٍ منهما من النَّفقةِ والكِسوةِ والمُؤنةِ ما يَجبُ لها، ثم يُؤثِرُ إحداهُما بأنْ يَكسوَها الخَزَّ والحَريرَ والحُليَّ، ففي «العُتبيةِ» ومِن رِوايةِ ابنِ

(١) «التمهيد» (٧/ ٢٣٥)، و «الاستذكار» (٧/ ٢٢٨).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٧/ ٨٢)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٦٤).

القاسِمِ عن مالِكٍ أنَّ ذلك له، فهذا الضَّربُ من الإِيثارِ، ليسَ لمَن وُفِّيت حَقَّها أنْ تَمنعَ الزِّيادةَ لضُرَّتِها، لا يُجبَرُ عليه الزَّوجُ وإنَّما له فَعلُه إذا شاءَ (١).

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: مالِكٌ: ويَعدلُ بينَهنَّ في النَّفقةِ والكِسوةِ إذا كُنَّ مُعتدِلاتِ الحالِ، ولا يَلزمُ ذلك في مُختلِفاتِ المَناصبِ، وأجازَ مالِكٌ أنْ يُفضِّلَ إحداهُما في الكِسوةِ على غيرِ وَجهِ المَيلِ، فأمَّا الحُبُّ والبُغضُ فخارجان عن الكَسبِ فلا يَتأتَّى العَدلُ فيهما (٢).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وليسَ عليه التَّسويةُ بينَ نِسائِه في النَّفقةِ والكِسوةِ إذا قامَ بالواجِبِ لكلِّ واحِدةٍ منهن، قالَ أحمدُ في الرَّجلِ له امرأتان: له أنْ يُفضِّلَ إحداهُما على الأُخرى في النَّفقةِ والشَّهواتِ والكِسوةِ إذا كانَت الأُخرى في كِفايةٍ، ويَشتريَ لهذه أرفَعَ من ثَوبِ هذه، وتَكونَ تلك في كِفايةٍ، وهذا لأنَّ التَّسويةَ في هذا كلِّه تَشقُّ، فلو وجَبَ لم يُمكنْه القيامُ به إلا بحَرجٍ فسقَطَ وُجوبُه كالتَّسويةِ في الوَطءِ (٣).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا يَجبُ عليه التَّسويةُ بينَ سائِرِ أَقاربِه ولا إِعطاؤُهم على قَدرِ مَواريثِهم، سَواءٌ كانوا من جِهةٍ واحِدةٍ كإِخوةٍ وأَخواتٍ وأعمامٍ وبَني عَمٍّ، أو من جِهاتٍ كبَناتٍ وأَخواتٍ وغيرِهم؛ لأنَّها عَطيةٌ لغيرِ الأولادِ في صِحتِه فلم تَجبْ عليه التَّسويةُ كما لو كانوا غيرَ وارِثينَ، ولأنَّ

(١) المنتقى شرح «الموطأ» (٣/ ٣٥٣).
(٢) «الجامع لأحكام القرآن» (١٤/ ٢١٧).
(٣) «المغني» (٧/ ٢٣٢)، و «الشرح الكبير» (٨/ ١٥١).

الأصلَ إِباحةُ تَصرُّفِ الإِنسانِ في مالِه كيف شاءَ، وإنَّما وجَبَت التَّسويةُ بينَ الأَولادِ بالخبَرِ، وليسَ غيرُهم في مَعناهم؛ لأنَّهم استَوَوْا في وُجوبِ بِرِّ والدِهم فاستَوَوْا في عَطيتِه، وبهذا علَّلَ النَّبيُّ حين قالَ: «أيَسُرُّك أنْ يَستَووا في بِرِّك؟ قالَ: نَعمْ. قالَ: فسَوِّ بينَهم»، ولم يُوجدْ هذا في غيرِهم، ولأنَّ للوالِدِ الرُّجوعَ فيما أعطَى وَلدَه فيُمكنُه أنْ يُسويَ بينَهم باستِرجاعِ ما أَعطاه لبَعضِهم، ولا يُمكنُ ذلك في غيرِهم، ولأنَّ الأَولادَ لشِدةِ مَحبةِ الوالِدِ لهم وصَرفِ مالِه إليهم عادةً يَتنافَسون في ذلك ويَشتدُّ عليهم تَفضيلُ بَعضِهم، ولا يُساويهم في ذلك غيرُهم، فلا يَصحُّ قياسُه عليهم، ولا نَصَّ في غيرِهم، ولأنَّ النَّبيَّ قد علِمَ لبَشيرٍ زَوجةً ولم يأمُرْه بإِعطائِها شَيئًا حين أمَرَه بالتَّسويةِ بينَ أَولادِه، ولم يَسألْه: هل لك وارِثٌ غيرُ وَلدِك؟ (١).

وقالَ البُهوتيُّ والرُّحيبانِيُّ رحمة الله عليه: ويَجبُ على واهِبِ ذَكرٍ أو أُنثَى تَعديلٌ بينَ مَنْ يَرثُ من الواهِبِ بقَرابةٍ لا زَوجيةٍ ووَلاءٍ، فلا يَجبُ التَّعديلُ بينَهم، أي: بينَ الزَّوجاتِ والمَوالي، فلا يَجبُ التَّعديلُ بينَهم في الهِبةِ بخِلافِ القَرابةِ (٢).

(١) «المغني» (٥/ ٣٨٩)، و «الكافي» (٢/ ٤٦٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٣٧)، و «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٤١٦)، و «الإنصاف» (٧/ ١٣٦، ١٣٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧٣، ٣٧٤).
(٢) «كشاف القناع» (٤/ ٣٧٤)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٠٠)، وهو مُقتَضى مَذهبِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ، فإنَّهم نَصُّوا على استِحبابِ التَّسويةِ بينَ الأولادِ ولم يُوجِبوا التَّسويةَ، فالتَّسويةُ بينَ الزَّوجاتِ من بابِ أَولى، وقد نَصُّوا على أنَّه يَجوزُ للإنسانِ أنْ يَتصرَّفَ في خالِصِ مِلكِه لأنَّه لا حَقَّ لأحَدٍ فيه، ولأنَّ الإِجماعَ مُنعقِدٌ على أنَّ للأبِ أنْ يَهبَ جَميعَ مالِه أو بَعضَه لأجنَبيٍّ ولا يُعطيَ وَلدَه شَيئًا، فإذا اختارَ أنْ يُعطيَ أجنَبيًّا ويَحرمَ وَلدَه كلَّهم كانَ له أنْ يُعطيَ بَعضَهم ويَحرمَ بَعضَهم، وكذا أنْ يُعطيَ زَوجةً ويَحرمَ أُخرى. «بداية المجتهد» (٢/ ٢٤٦)، وسيَأتي بيان ذلك في كتاب النكاح والنفقات.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في شرائط ركن الهبة

لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَدْخُلُ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ جَمِيعًا فِي الْعَقْد لِأَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا إذَا لَمْ يَصْلُحْ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ وَكَذَا الْعِتْقُ بِأَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا.

(وَأَمَّا) الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَالْوَصِيَّةُ بِأَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا لِأَنَّهُ لَمَا جَعَلَ الْجَارِيَةَ وَصِيَّةً لَهُ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ أَبْقَى مَا فِي بَطْنِهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَالْمِيرَاثُ يُجْرَى فِيمَا فِي الْبَطْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهَا وَغَلَّتَهَا لِوَرَثَتِهِ أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْغَلَّةَ وَالْخِدْمَةَ لَا يُجْرَى فِيهِمَا الْمِيرَاثُ بِانْفِرَادِهِمَا بِدُونِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِخِدْمَتِهَا وَغَلَّتِهَا لِإِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ لَا تَصِيرُ الْغَلَّةُ وَالْخِدْمَةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ بَلْ تَعُودُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَصِيرُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وإذا فاضل بين ولده في العطية، أمر برده، كأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-

أن يَهَبَ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه مالٌ لِسَيِّدِه، ومالُه مالٌ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ له إزَالَةُ مِلْكِ سَيِّدِه عنه بغير إذْنِه، كالأجْنَبِيِّ. وله أن يَقْبَلَ الهِبَةَ بغير إذْنِ سَيِّدِه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ لسَيِّدِه ، فلم يُعْتَبَرْ إذْنُه فيه، كالالْتِقاطِ ، وما وُهِبَهُ لِسَيِّدِه، لأنَّه من اكْتِسَابِه، فأشْبَه اصْطِيَادَه.

٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِه فِي الْعَطِيَّةِ، أُمِرَ برَدِّه، كَأَمْرِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-)

وجملةُ ذلك أنَّه يَجِبُ على الإِنْسانِ التَّسْوِيةُ بين أوْلَادِه في العَطِيَّةِ، إذا لم يَخْتَصَّ أحَدُهُم بمَعْنًى يُبِيحُ التَّفْضِيلَ، فإن خَصَّ بعضَهم بِعَطِيَّتِه، أو فاضَلَ بينهم فيها، أَثِمَ، ووَجَبَتْ عليه التَّسْوِيَةُ بأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمَّا رَدُّ ما فَضَّلَ به البعضَ، وإمَّا إتْمَامُ نَصِيبِ الآخَرِ. قال طاوُسٌ: لا يجوزُ ذلك، ولا رَغِيفٌ مُحْتَرِقٌ. وبه قال ابنُ المُبَارَكِ. ورُوِىَ مَعناه عن مُجَاهِدٍ، وعُرْوَةَ. وكان الحَسَنُ يَكْرَهُه، ويُجِيزُه في القَضَاءِ. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى: ذلك جائِزٌ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن شُرَيْحٍ، وجابِرِ بن زَيْدٍ، والحَسَنِ بن صالحٍ؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَ عائِشَةَ ابْنَتَه جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، دونَ سائِر وَلَدِه . واحْتَجَّ الشافِعِيُّ بقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ: "أشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِى" . فأمَرَهُ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 503 - 505

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله