الرجوع في الصدقة

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > الرجوع في الصدقة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

الرجوع في الصدقة - الأقوال والأدلة

والآخَرُ: لا يَكونُ رُجوعًا؛ لأنَّ المِلكَ ثابِتٌ للمَوهوبِ له يَقينًا، فلا يَزولُ إلا بالصَّريحِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويُمكنُ أنْ يُبنى هذا على العَقدِ نَفسِه، فمَن أوجَبَ الإِيجابَ والقَبولَ فيه لم يَكتفِ ههنا إلا بلَفظٍ يَقتَضي زَوالَه، ومَن اكتَفى في العَقدِ بالمُعاطاةِ الدالةِ على الرِّضا به فههنا أَولى.

وإنْ نَوى الرُّجوعَ من غيرِ فِعلٍ ولا قَولٍ لم يَحصُلِ الرُّجوعُ وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّه إثباتُ المِلكِ على مالٍ مَملوكٍ لغيرِه فلم يَحصُلْ بمُجردِ النِّيةِ كسائِرِ العُقودِ، وإنْ علَّقَ الرُّجوعَ بشَرطٍ فقالَ: «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فقد رجَعتُ في الهِبةِ» لم يَصحَّ؛ لأنَّ الفَسخَ للعَقدِ لا يَقفُ على شَرطٍ كما لا يَقفُ العَقدُ عليه (١).

الرُّجوعُ في الصَّدقةِ:

ذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ -بل حَكى بَعضُهم الإِجماعَ- على أنَّ الصَّدقةَ التي أُريدَ بها وَجهُ اللهِ لغيرِ الوَلدِ لا رُجوعَ فيها؛ لأنَّه قد كمُلَ فيها الثَّوابُ من اللهِ تَعالى.

قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ الهِبةَ التي يُرادُ بها الصَّدقةُ -أي: وَجهُ اللهِ- لا يَجوزُ لأحدٍ الرُّجوعُ فيها (٢).

(١) «المغني» (٥/ ٣٩٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٨١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤١٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٠٩)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٥٧).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٤٩).

وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: فأمَّا الصَّدقةُ؛ فإنَّه لا رُجوعَ فيها للأبِ ولا لغيرِ أبٍ بحالٍ من الأَحوالِ؛ لأنَّ الصَّدقةَ إنَّما يُرادُ بها وَجهُ اللهِ تَعالى، وما أُريدَ به وَجهُ اللهِ لم يَجزْ الاعتِصارُ والرُّجوعُ فيه (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ للمُتصدِّقِ الرُّجوعُ في صَدقتِه في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّ عُمرَ قالَ في حَديثِه: «مَنْ وهَبَ هِبةً على وَجهِ صَدقةٍ؛ فإنَّه لا يَرجعُ فيها» مع عُمومِ أَحاديثِنا، فاتَّفَق دَليلُهم ودَليلُنا، فلذلك اتَّفَق قَولُهم وقَولُنا (٢).

واستدَلَّ العُلماءُ على عَدمِ جَوازِ الرُّجوعِ في الصَّدقةِ بما رَواه مُسلمٌ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ قالَ: «مَثَلُ الذي يَرجعُ في صَدقتِه كمَثَلِ الكَلبِ يَقيءُ ثم يَعودُ في قَيئِه فيَأكلُه» (٣). قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: هذا ظاهِرٌ في تَحريمِ الرُّجوعِ في الهِبةِ والصَّدقةِ بعدَ إقباضِهما (٤).

وقَولُ النَّبيِّ لعُمرَ رضي الله عنه: «لا تَعُدْ في صَدقتِك» (٥).

(١) «الاستذكار» (٧/ ٢٢٩).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٩٨).
(٣) أخرجه مسلم (١٦٢٢).
(٤) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٦٤).
(٥) أخرجه البخاري (١٤١٨)، ومسلم (١٦٢١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
باب قسمة الفىء والغنيمة والصدقة

باب قِسْمَةِ الفَىْءِ والغَنِيمَةِ والصَّدَقةِ

الفَىْءُ: هو الرَّاجِعُ إلى المسلمينَ من مالِ الكُفَّارِ بغيرِ قِتالٍ. يقال: فاءَ الفىءُ. إذا رَجَعَ نحو المَشْرِقِ. والغنيمةُ: ما أُخِذَ منهم قَهْرًا بالقِتالِ. واشْتِقاقُها من الغُنْمِ، وهو الفائدةُ. كلُّ واحدٍ منهما فى الحقيقةِ فَىْءٌ وغَنِيمةٌ، وإنَّما خُصَّ كلُّ واحدٍ منهما باسْمٍ مُيِّزَ به عن الآخَرِ، والأصلُ فيهما قولُ اللَّه تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} الآية ، وقوله سُبْحانه: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الآية .

١٠٧٥ - مسألة؛ قال: (والْأَمْوَالُ ثَلَاثَةٌ؛ فَىْءٌ، وغَنِيمَةٌ، وصَدَقَةٌ)

يعنى -واللَّهُ أعلم- أن الأموالَ التى تَلِيهَا الوُلَاةُ من أمْوالِ المسلمينَ، فإنَّها ثلاثةُ أقسام؛ قِسْمانِ يُؤْخَذانِ من مالِ المُشْرِكِينَ، أحدُهما الفىءُ: وهو ما أُخِذَ من مالِ مُشْرِكٍ لم يُوجَفْ عليه بِخَيْلٍ ولا ركَابٍ، كالذى تَرَكُوه فَزَعًا من المُسْلِمينَ وهَرَبُوا، والجِزْيةُ وعُشْرُ أمْوالِ أهلِ دارِ الحَرْبِ إذا دَخَلُوا إلينا تُجَّارًا، ونِصْفُ عُشْرِ تِجاراتِ أهْلِ الذِّمَّةِ، وخَراجُ الأَرْضِينَ، ومالُ مَنْ ماتَ من المُشْرِكِينَ ولا وَارِثَ له. والغَنِيمةُ: ما أُخِذَ بالقَهْرِ والقِتالِ من الكُفَّارِ. والقسمُ الثالثُ؛ الصَّدَقةُ: وهو ما أُخِذَ من مالِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 456 - 457

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 41%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله