ثالثا: موانع الرجوع في الهبة عند الشافعية

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > ثالثا: موانع الرجوع في الهبة عند الشافعية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

ثالثا: موانع الرجوع في الهبة عند الشافعية - الأقوال والأدلة

أو يَزولُ المَرضُ على المُختارِ، فإذا زالَ مَرضُ الأبِ والأُمِّ أو الوَلدِ؛ فإنَّه يَجوزُ الاعتِصارُ على ما اختارَه اللَّخميُّ، وأمَّا النِّكاحُ والمُدايَنةُ إذا زالا؛ فإنَّه يتَّفقُ على عَدمِ جَوازِ الاعتِصارِ، والفَرقُ بينَ المَرضِ وبينَ النِّكاحِ والمُداينةِ أنَّ المَرضَ أمرٌ لم يُعامِلْه الناسُ عليه، بل هو من عندِ اللهِ ، فإذا زالا عادَ الاعتِصارُ، بخِلافِ النِّكاحِ والمُداينةِ؛ فإنَّه أمرٌ عامَلَه الناسُ عليه، فإذا زالَ؛ فإنَّه لا يَعودُ الاعتِصارُ، ولم يَحكِ اللَّخميُّ فيه خِلافًا، ونُقلَ هذا الفَرقُ في «التَّوضيحِ» عن ابنِ القاسِمِ (١).

ثالِثًا: مَوانعُ الرُّجوعِ في الهِبةِ عندَ الشافِعيةِ:

ذكَرَ الشافِعيةُ عِدةَ مَوانعَ تَمنعُ من رُجوعِ الأبِ، وكذا سائِرُ الأُصولِ في الهِبةِ إذا وهَبَها لوَلدِه، وهي:

إذا خرَجَ الشَّيءُ المَوهوبُ من سَلطنةِ المُتهَبِ -وهو الوَلدُ- يَمتنعُ الرُّجوعُ في المَوهوبِ بزَوالِ السَّلطنةِ، سَواءٌ زالَت بزَوالِ مِلكِه عنه ببَيعِه كلِّه أو وَقفِه، ونَحوِ ذلك؛ لأنَّ الشارعَ إنَّما أثبَتَ الرُّجوعَ في العَينِ وقد تَعذَّرَ،

(١) «الاستذكار» (٧/ ٢٣٥، ٢٣٦)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٦١، ٢٦٢)، رقم (١١٠٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥١٢، ٥١٤)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١١٤، ١١٥)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٢٢)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢٢، ٢٤)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢١، ٢٤)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٥٨)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ٢٢/، ٢٣٠)، و «منح الجليل» (٨/ ٢٠٧، ٢٠٨).

ولا يَستحقُّ عنها بَدلًا؛ لأنَّها لم تَكنْ بعِوضٍ، أمَّا لو خرَجَ عن مِلكِه بَعضُه فله الرُّجوعُ في الباقي.

أمَّا لو رهَنَه أو وهَبَه قبلَ القَبضِ فيهما فللأبِ الرُّجوعُ؛ لبَقاءِ السَّلطنةِ، وكذا إذا باعَه بشَرطِ الخيارِ له أو لهما ثُبوتُ الرُّجوعِ؛ لبَقاءِ سَلطنتِه؛ لأنَّ المِلكَ له وهو ظاهِرٌ، وأمَّا بعدَ القَبضِ فلا رُجوعَ له لزَوالِ السَّلطنةِ.

وكذا لو زرَعَ الأرضَ لا يَمتنعُ الرُّجوعُ، وكذا لو أجَّرَ العَينَ المَوهوبةَ فلا رُجوعَ له على المَذهبِ؛ لأنَّ العَينَ باقيةٌ بحالِها ومَوردُ الإِجارةِ المَنفعةُ، وعلى هذا فالإِجارةُ بحالِها؛ يَستوفي المُستأجِرُ المَنفعةَ إلى انقِضاءِ المُدةِ.

ومُقابلُ المَذهبِ قَولُ الإمامِ: إنْ صحَّحنا بَيعَ المُؤجِّرِ رجَعَ وإلا فلا.

تَنبيهٌ: يُستَثنى من الرُّجوعِ مع بَقاءِ السَّلطنةِ ما إذا منَعَ مانِعٌ من الرُّجوعِ، وذلك في صُورٍ:

منها ما لو جُنَّ الأبُ؛ فإنَّه لا يَصحُّ رُجوعُه حالَ جُنونِه، ولا رُجوعَ لوَليِّه، بل إذا أفاقَ كانَ له الرُّجوعُ.

ومنها: لو أحرَمَ والمَوهوبُ صَيدٌ؛ فإنَّه لا يَرجعُ في الحالِ؛ لأنَّه لا يَجوزُ إِثباتُ يَدِه على الصَّيدِ في حالِ الإحرامِ.

ومنها: لو ارتَدَّ الوَلدُ وفرَّعْنا على وَقفِ مِلكِه؛ فإنَّه لا يَرجعُ؛ لأنَّ الرُّجوعَ لا يَقبلُ الوَقفَ كما لا يَقبلُ التَّعليقَ.

فلو حَلَّ من إِحرامِه أو عادَ إلى الإِسلامِ والمَوهوبُ باقٍ على مِلكِ الوَلدِ رجَعَ، ولو وهَبَ لوَلدِه شَيئًا ووهَبَه الوَلدُ لوَلدِه لم يَرجعِ الأولُ في الأصَحِّ؛ لأنَّ المِلكَ غيرُ مُستفادٍ منه، ولو باعَه من ابنِه أو انتقَلَ بمَوتِه إليه لم يَرجعِ الأبُ قَطعًا؛ لأنَّه لا رُجوعَ له فالأبُ أَولى، ولو وهَبَه لوَلدِه فوهَبَه الوَلدُ لأخيه من أبيه لم يَثبُتْ للأبِ الرُّجوعُ؛ لأنَّ الواهِبَ لا يَملكُ الرُّجوعَ فالأبُ أَولى، ولو وهَبَه الوَلدُ لجَدِّه ثم الجَدُّ لوَلدِ وَلدِه فالرُّجوعُ للجَدِّ فقط.

ولو زال مِلكُ الوَلدِ عن المَوهوبِ ثم عادَ إليه بإرثٍ أو غيرِه أو بإقالةٍ أو الرَّدِ بالعَيبِ لم يَرجعْ في الأصَحِّ؛ لأنَّ المِلكَ غيرُ مُستفادٍ من الأصلِ حتى يَرجعَ فيه.

والثانِي -وهو مُقابِلُ الأصَحِّ-: يَرجعُ؛ نَظرًا إلى مِلكِه السابِقِ، ولأنَّه وجَدَ عَينَ مالِه عندَ مَنْ له الرُّجوعُ فيما وهَبَ منه.

ولو وهَبَ له عَصيرًا ثم تخمَّرَ ثم تخلَّلَ فله الرُّجوعُ على المَذهبِ؛ لأنَّ المِلكَ الكائِنَ في الخَلِّ سَببُه مِلكُ العَصيرِ.

ولو زرَعَ الوَلدُ الحَبَّ أو فرَّخَ البَيضُ لم يَرجعِ الأصلُ فيه كما جزَمَ به ابنُ المُقريِّ وإنْ جزَمَ البُلقينيُّ بخِلافِه؛ لأنَّ المَوهوبَ صارَ مُستهلَكًا.

ولو زاد المَوهوبُ رجَعَ الأصلُ فيه بزيادتِه المُتصلةِ كسِمَنٍ وحَرثِ أرضٍ لزِراعةٍ؛ لأنَّها تَتبعُ الأصلَ.

ويُستَثنى من ذلك صُورتانِ:

الأُولى: ما لو وهَبَ أمَةً أو بَهيمةً حائِلًا ثم رجَعَ فيها وهي حامِلٌ لم يَرجعْ إلا في الأُمِّ دونَ الحَملِ بِناءً على أنَّ الحَملَ يُعلَمُ وهو الأصَحُّ، ويَرجعُ في الأُمِّ ولو قبلَ الوَضعِ في أحدِ وَجهَينِ.

الثانِية: ما وهَبَه نَخلًا فأطلَعَت تَمرًا غيرَ مُؤبَّرٍ، فلا يَرجعُ فيه على المَذهبِ؛ لأنَّه لا مُعاوضةَ ولا تَراضٍ كالصَّداقِ.

وأمَّا الزِّيادةُ المُنفصِلةُ كالوَلدِ الحادِثِ والكَسبِ فلا يَرجعُ الأصلُ فيها، بل تَبقى للمُتهَبِ لحُدوثِه على مِلكِه بخِلافِ الحَملِ المُقارِنِ للهِبةِ؛ فإنَّه يَرجعُ فيه وإنِ انفصَلَ؛ لأنَّه من جُملةِ المَوهوبِ، ولو كانَ الحَملُ مُقارِنًا للهِبةِ ثم رجَعَ في الأُمِّ فقط كانَ رُجوعًا في الحَملِ أيضًا.

ولو صبَغَ الوَلدُ الثَّوبَ أو قصَّرَه أو طحَنَ الحِنطةَ أو نسَجَ الغَزلَ شارَكَ والِدَه بعدَ الرُّجوعِ في الثَّوبِ بما زادَ على قيمَتِه؛ فإنْ لم تَزِدْ فلا شَركةَ.

ولو رجَعَ الأصلُ في الأرضِ التي وهَبَها للوَلدِ وقد غرَسَ الوَلدُ أو بَنى تخيَّرَ الأصلُ بعدَ رُجوعِه في الغَرسِ أو البِناءِ بينَ قَلعِه بأرشِ نَقصِه أو تَملُّكِه بقيمَتِه أو تَبقيتِه بأُجرةٍ كالعارِيةِ، ولو نقَصَ المَوهوبُ رجَعَ فيه من غيرِ أرشِ نَقصٍ.

ولو حُجرَ على المُتهبِ -أي: الوَلدِ- بالفَلسِ، فلا رُجوعَ على الأصَحِّ كالرَّهنِ؛ لأنَّه بالحَجرِ تَعلَّقت به حُقوقُ الغُرماءِ فهو كما لو رهَنَّا الوَلدَ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة

فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.

(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذا قال: دارى لك عمرى. أو هى لك عمرك. فهى له ولورثته من بعده)

فلا يجوزُ إلَّا أن يُثِيبَه عنها ، فعلى هذا عليه أن يُعْطِيَه حتى يُرْضِيَهُ، فإن لم يَفْعَلْ فلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْطِيَه قَدْرَ قِيمَتها. والأَوّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا بَيْعٌ، فيُعْتَبَرُ فيه التَّرَاضِى، إلَّا أنَّه بَيْعٌ بالمُعَاطاةِ، فإذا عَوَّضَه عِوَضًا رَضِيَه، حَصَلَ البَيْعُ بما حَصَلَ من المُعَاطاةِ مع التَّرَاضِي بها، وإن لم يَحْصُل التَّرَاضِي، لم تَصِحَّ؛ لِعَدَمِ العَقْدِ، فإنَّه لم يُوجَد الإِيجابُ والقَبُولُ ولا المُعاطَاةُ مع التَّرَاضِي والأصْلُ في هذا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: مَنْ وَهَبَ هِبَةً أرادَ بها الثَّوَابَ، فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها إذا لم يَرْضَ منها. ورُوِى مَعْنَى ذلك عن عليٍّ، وفَضَالةَ بن عُبَيْدٍ، ومالِكِ بن أنَسٍ. وهو قولُ الشافعِيِّ، على القولِ الذي يَرَى أنَّ الهِبَةَ المُطْلَقةَ تَقْتَضِى ثَوَابًا. وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ أعْرَابِيًّا وَهَبَ للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ناقةً، فأعْطاهُ ثَلَاثًا فأبَي، فزَادَه ثَلَاثًا، فأبَى، فزَادَه ثَلَاثًا، فلما كَمُلَتْ تِسْعًا، قال: رَضِيتُ: فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد هَمَمْتُ أنْ لَا أَتَّهِبَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أو أنْصَارِيٍّ أو ثَقَفِيٍّ أو دَوْسِيٍّ" . من "المُسْنَدِ" . قال أحمدُ: إذا تَغيَّرَتِ العَيْنُ المَوْهُوبةُ بزِيَادَةٍ أو نُقْصانٍ، ولم يُثِبْه منها، فلا أرَى عليه نُقْصانَ ما نَقَصَ عندَه إذا رَدَّه إلى صاحِبه، إلَّا أن يكونَ ثَوْبًا لَبِسَه، أو غُلَامًا اسْتَعْمَلَه، أو جارِيةً اسْتَخدَمَها، فأمَّا غيرُ ذلك إذا نَقَصَ فلا شىءَ عليه، فكان عندى مثلَ الرَّهْنِ، الزِّيَادَةُ والنُّقْصانُ لِصَاحِبِه.

٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا قَالَ: دَارِى لَكَ عُمُرِى. أوْ هِىَ لَك عُمُرَكَ. فَهِىَ لَهُ ولوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 442 - 445

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله