الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > ثانيا: هبة الأجنبي للصغير والمجنون والمحجور عليه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 23 دقيقة قراءةيُنصِّبُ له الحاكِمُ أمينًا ليَقبلَ له الهِبةَ ويَقبضَ له؛ لأنَّه لا يَصحُّ أنْ يَبيعَ مالَه بمالِه، فلم يَصحَّ قَبولُه له.
وإنْ كانَ وَليُّه أباه أو جَدَّه صَحَّ أنْ يَقبلَ له الهِبةَ من نَفسِه؛ لأنَّه يَجوزُ له أنْ يَبتاعَ مالَه بمالِه.
قالَ المَسعوديُّ: وهل يَفتقرُ إلى أنْ يَتلفَّظَ بالإِيجابِ والقَبولِ أو يَكفيَه أحدُهما؟ فيه وَجهانِ، والمَشهورُ: أنَّه لا بدَّ أنْ يَتلفَّظَ بهما.
وأمَّا القَبضُ: فإنْ قُلنا: إنَّه إذا وهَبَ لغيرِه وَديعةً في يَدِه لا تَحتاجُ إلى القَبضِ صارَ ذلك مَقبوضًا له. وإنْ قُلنا: لا بدَّ من القَبضِ في هِبةِ الوَديعةِ فلا بدَّ أنْ يَقولَ ههنا: وقبَضتُ له من نَفسي.
وإنْ وهَبَ الرَّجلُ لابنِه البالِغِ لم يَصحَّ حتى يَقبلَ الابنُ الهِبةَ أو وَكيلُه؛ فإنْ قبِلَ له الأبُ الهِبةَ لم يَصحَّ.
وقالَ ابنُ أَبي ليلَى: يَصحُّ إذا كانَ يَعولُه.
دَليلُنا: أنَّه لا وِلايةَ له عليه بعدَ البُلوغِ فلم يَصحَّ قَبولُه له، كما لو كانَ لا يَعولُه (١).
ثانيًا: هِبةُ الأجنَبيِّ للصَّغيرِ والمَجنونِ والمَحجورِ عليه:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَصحُّ قَبضُ المَجنونِ وكذا الصَّبيُّ الذي لا يُميزُ.
(١) «البيان في مَذهب الإمام الشافعي» (٨/ ١٢٢، ١٢٣).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا في الصَّبيِّ الذي يَعقلُ ويُميزُ، هل يَصحُّ قَبضُه أو لا بدَّ من قَبضِ وَليِّه عنه؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في قَولٍ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ قَبضُ الصَّبيِّ، سَواءٌ كانَ مُميِّزًا أو غيرَ مُميِّزٍ، بل الذي يَقبضُ له وَليُّه أو وَصيُّه؛ لأنَّ القَبضَ من بابِ الوِلايةِ ولا وِلايةَ له على نَفسِه، فلا يَجوزُ قَبضُه في الهِبةِ كما لا يَجوزُ في البَيعِ.
قالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ: (ويَقبِضُ للطِّفلِ أَبوه).
وجُملةُ ذلك: أنَّه إذا وهَبَ غيرُ وَليِّ الطِّفلِ للطِّفلِ هِبةً؛ فإنْ كانَ له أبٌ أو جَدٌّ وكانَ عَدلًا قبِلَ له الهِبةَ وقبَضَ له؛ لأنَّه هو المُتصرِّفُ عنه، وإنْ كانَ فاسِقًا لم يَصحَّ قَبولُه ولا قَبضُه؛ لأنَّه لا وِلايةَ له عليه مع الفِسقِ.
وإنْ لم يَكنْ له أبٌ ولا جَدٌّ وكانَ الناظِرُ في مالِه الوَصيَّ من قِبَلِهما أو الأمينَ من قِبَلِ الحاكِمِ قبِلَ له الهِبةَ وقبَضَ له؛ لأنَّه المُتصرِّفُ عنه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ في الاستِحسانِ -وهو المَذهبُ عندَهم- والحَنابِلةُ في قَولٍ أنَّ قَبضَ الصَّغيرِ ما وُهبَ له صَحيحٌ؛ لأن قَبضَ الهِبةِ من التَّصرُّفاتِ النافِعةِ المَحضةِ فيَملكُه الصَّبيُّ العاقِلُ كما يَملكُ وَليُّه ومَن هو في عِيالِه، وكَذا الصَّبيةُ إذا عقَلَت جازَ قَبضُها (٢).
(١) «البيان في مَذهب الإمام الشافعي» (٨/ ١٢٢).
(٢) «تحفة الفقهاء» (٣/ ١٦٨)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٢٦)، و «العناية» (١٢/ ٢٨٣، ٢٨٦)، و «الاختيار» (٣/ ٥٩)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٩٥، ٩٦)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٧٠، ٧٢)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٨٨، ٢٩٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٠٥)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٤٧، ٢٤٨)، و «البيان» (٨/ ١٢٢، ١٢٣)، و «الإقناع» (٢/ ٣٦٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩٣)، و «تحفة الحبيب على شرح الخطيب» للبجيرمي (٣/ ٤٦٠)، و «المغني» (٢/ ٢٦٨)، و «الفروع» (٢/ ٤٨٥)، و «المبدع» (٢/ ٤٤٠) «الإنصاف» (٣/ ٢١٩، ٢٢٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٤).
قالَ الحَنفيةُ: وإنْ وهَبَ للصَّغيرِ أجنَبيٌّ هِبةً تمَّت بقَبضِ الأبِ؛ لأنَّه يَملكُ الأمرَ الدائِرَ بينَ الضُّرِّ والنَّفعِ، فالنَّفعُ المَحضُ أَولى بذلك.
وإذا وُهبَ لليَتيمِ مالٌ فالقَبضُ إلى مَنْ له التَّصرُّفُ في مالِه وهو وَصيُّ الأبِ أو جَدُّ اليَتيمِ أو وَصيُّه؛ لأنَّ لهؤلاء وِلايةً على اليَتيمِ لقيامِهم مَقامَ الأبِ، وإنْ كانَ اليَتيمُ في حِجرِ أُمِّه -أي: في كَنفِها وتَربيتِها- فقَبضُها له جائِزٌ لمَا تقدَّمَ أنَّ لها الوِلايةَ، وكذا إذا كانَ في حِجرِ أجنَبيٍّ يُربِّيه؛ لأنَّ له يَدًا مُعتبَرةً؛ ألَا تَرى أنَّ أجنَبيًّا آخَرَ لا يَتمكنُ من نَزعِه من يَدِه فيَملكُ ما تَمحَّضَ نَفعًا في حَقِّه، لكنْ بشَرطِ ألَّا يُوجدَ واحِدٌ من الأربَعةِ المَذكورةِ؟!
وإنْ قبَضَ الصَّبيُّ الهِبةَ بنَفسِه وهو عاقِلٌ جازَ استِحسانًا؛ لأنَّ قَبضَ الهِبةِ من التَّصرُّفاتِ النافِعةِ المَحضةِ، فيَملكُه الصَّبيُّ العاقِلُ كما يَملكُ وَليُّه ومَن هو في عِيالِه، وكذا الصَّبيةُ إذا عقَلَت جازَ قَبضُها.
وفي القياسِ لا يَصحُّ قَبضُ الصَّبيِّ العاقِلِ؛ لأنَّ القَبضَ من بابِ الوِلايةِ ولا وِلايةَ له على نَفسِه، فلا يَجوزُ قَبضُه في الهِبةِ كما لا يَجوزُ في البَيعِ.
ويَجوزُ قَبضُ زَوجِ الصَّغيرةِ ما وُهبَ لها بعدَ الزِّفافِ؛ لأنَّ الأبَ أقامَه مَقامَ نَفسِه في حِفظِها وقَبضِ الهِبةِ منه، ولو قبَضَه الأبُ أيضًا صَحَّ؛ لأنَّ الوِلايةَ له (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: ويَقبلُ ويَقبضُ للمُولَّى عليه الزَّكاةَ والهِبةَ والكَفارةَ مَنْ يَلي مالَه، وهو وَليُّه مِنْ أبٍ ووَصيٍّ وحاكِمٍ وأمينٍ ووَكيلِ الوَليِّ الأمينِ.
قالَ ابنُ مَنصورٍ: قُلتُ لأحمدَ: قالَ سُفيانُ: لا يَقبضُ للصَّبيِّ إلا الأبُ أو وَصيٌّ أو قاضٍ. قالَ أحمدُ: جَيِّدٌ.
وقيلَ له في رِوايةِ صالِحٍ: قبَضَت الأُمُّ وأبوه حاضِرٌ. فقالَ: لا أعرِفُ للأُمِّ قَبضًا، ولا يَكونُ إلا الأبُ.
قالَ في «الفُروعِ»: ولم أجِدْ عن أحمدَ تَصريحًا بأنَّه لا يَصحُّ قَبضُ غيرِ الوَليِّ مع عَدمِه مع أنَّه المَشهورُ في المَذهبِ.
وذكَرَ الشَّيخُ -يَعني به المُصنِّفَ- أنَّه لا يَعلمُ فيه خِلافًا، ثم ذكَرَ أنَّه يَحتملُ أنَّه يَصحُّ قَبضُ مَنْ يَليه مِنْ أُمٍّ أو قَريبٍ وغيرِهما عندَ عَدمِ الوَليِّ؛ لأنَّ حِفظَه من الضَّياعِ والهَلاكِ أَولى من مُراعاةِ الوِلايةِ (٢).
قالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: وذكَرَ المَجدُ أنَّ هذا مَنصوصُ أحمدَ.
(١) «تحفة الفقهاء» (٣/ ١٦٨)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٢٦)، و «العناية» (١٢/ ٢٨٣، ٢٨٦)، و «الاختيار» (٣/ ٥٩)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٩٥، ٩٦)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٧٠، ٧٢)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٨٨، ٢٩٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٠٥).
(٢) «الفروع» (٢/ ٤٨٥)، و «المبدع» (٢/ ٤٤٠).
نقَلَ هارونُ الحَمَّالُ في الصِّغارِ يُعطَى أَولياؤُهم، فقُلتُ: ليسَ لهم وَليٌّ. قالَ: يُعطى مَنْ يُعنَى بأمرِهم. ونقَلَ مُهنَّا في الصَّبيِّ والمَجنونِ يَقبضُ له وَليُّه، قُلتُ: ليسَ له وَليٌّ. قالَ: يُعطَى الذي يَقومُ عليه.
ثم قالَ: فائِدةٌ: يَصحُّ من المُميِّزِ قَبضُ الزَّكاةِ والهِبةِ والكَفارةِ ونَحوِها، قدَّمَه المَجدُ في شَرحِه وقالَ: على ظاهِرِ كَلامِه، قالَ المَرُّوذيُّ: قُلتُ لأحمدَ: يُعطي غِلامًا يَتيمًا من الزَّكاةِ؟ قالَ: نَعَمْ، يَدفعُها إلى الغُلامِ. قُلتُ: فإنِّي أخافُ أنْ يُضيعَه. قالَ: يَدفعُه إلى مَنْ يَقومُ بأمرِه. وهذا اختيارُ المُصنِّفِ والحارِثيِّ.
قالَ في «الفُروع»: والمُميِّزُ كغيرِه. وعنه ليسَ أهلًا لقَبضِ ذلك.
قالَ المَجدُ في شَرحِه: ظاهِرُ كَلامِ أَصحابِنا المَنعُ من ذلك، وأنَّه لا يَصحُّ قَبضُه بحالٍ، قالَ: وقد صرَّحَ به القاضِي في تَعليقِه في كِتابِ المُكاتَبِ، قالَ: وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ في رِوايةِ صالِحٍ وابنِ مَنصورٍ.
قالَ في «القَواعِد الأُصولية»: في المَسألةِ رِوايتانِ، أشهَرُهما: ليسَ هو أهلًا، نَصَّ عليه في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ، وعليه مُعظمُ الأَصحابِ، وأبدى في «المُغني» احتِمالًا أنَّ صِحةَ قَبضِه تَقفُ على إذنِ الوَليِّ دونَ القَبولِ (١).
وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: ويَقبضُ لطِفلٍ وهَبَه وَليُّه هِبةً أبوه فقط من نَفسِه، فيَقولُ: «وهَبتُ وَلدي كذا وقبَضتُه له»؛ فإنْ لم يَقُلْ: «وقبَضتُه له» لم يَكْفِ
(١) «الإنصاف» (٣/ ٢١٩، ٢٢٠)، ويُنظَرُ: «المغني» (٢/ ٢٦٨).
على ظاهِرِ رِوايةِ حَربٍ؛ لتَغايُرِ القَبضَين، فلا بدَّ من تَمييزٍ؛ لأنَّ اليَدَ التي لجِهةِ المُتهَبِ هنا هي نَفسُها يَدُ الواهِبِ، فلا يُؤمَنُ أنْ يَدَّعيَه في ثانيةِ الحالاتِ، أو يَدَّعيَه الوَرثةُ تَركةً فيَذهبَ على الطِّفلِ.
ولا يَحتاجُ أبٌ وهَبَ طِفلَه إلى قَبولٍ للاستِغناءِ عنه بقَرائنِ الأَحوالِ.
ولا يَصحُّ قَبضُ الطِّفلِ -أي: غيرِ البالِغِ- ولو كانَ غيرُ البالِغِ مُميِّزًا، ولا قَبضُ مَجنونٍ؛ لنَفسَيْهما ولا قَبولُهما الهِبةَ؛ لانتِفاءِ أهليةِ التَّصرفِ، بل يَقبلُ ويَقبضُ لهما وَليُّهما؛ لأنَّه المُتصرفُ عليهما، فالأبُ الأمينُ -أي: العَدلُ ولو ظاهِرًا- يَقومُ مَقامَهما في ذلك، ثم عندَ عَدمِه وَصيٌّ ثم حاكِمٌ أمينٌ كذلك أو مَنْ يُقيمونه مَقامَهم، وعندَ عَدمِهم -أي: الأَولياءِ- يَقبضُ له مَنْ يَليه مِنْ أُمٍّ وقَريبٍ وغيرِها نَصًّا، قالَ ابنُ الحَكمِ: سُئلَ أحمدُ: أيُعطِي من الزَّكاةِ الصَّبيُّ؟ قالَ: نَعمْ، يُعطي أَباه أو مَنْ يَقومُ بشأنِه. ورَوى المَروزيُّ أيضًا نَحوَه.
قالَ الحارِثيُّ: وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه جَلبُ مَنفعةٍ ومَحلُّ حاجةٍ، لكنْ يَصحُّ منهما -أي: الصَّغيرِ والمَجنونِ- قَبضُ المأكولِ الذي يُدفعُ مِثلُه للصَّغيرِ؛ لحَديثِ أَبي هُريرةَ: «كانَ الناسُ إذا رأوْا أوَّلَ الثِّمارِ جاؤُوا به إلى رَسولِ اللهِ ﷺ، فإذا أخَذَه قالَ: اللَّهمَّ بارِكْ لنا في ثَمرِنا. يُعطيه أصغَرَ مَنْ يَحضُرُه من الوِلدانِ» (١) أخرَجَه مُسلمٌ.
(١) أخرجه مسلم (١٣٧٣).
وإنْ كانَ الواهِبُ لهما -أي: للصَّغيرِ والمَجنونِ- أحدَ الثَّلاثةِ غيرَ الأبِ، بأنْ كانَ الواهِبُ الوَصيَّ أو الحاكِمَ لم يَتولَّ طَرفَيِ العَقدِ كالبَيعِ، ووكَّلَ مَنْ يَقبلُ بخِلافِ الأبِ؛ لأنَّ له أنْ يَتولَّى طَرفَيِ البَيعِ ويَقبضَ هو -أي: الوَليُّ-، قالَ في «المُغني»: والصَّحيحُ عندي أنَّ الأبَ وغيرَه في هذا سَواءٌ؛ لأنَّه عَقدٌ جارٍ صُدورُه منه ومِن وَكيلِه، فجازَ له تَولِّي طَرفَيه كالأبِ، وفارَقَ البَيعَ؛ فإنَّه عَقدُ مُعاوضةٍ ومُرابحةٍ فتَحصلُ التُّهمةُ في العَقدِ لنَفسِه، والهِبةُ مَحضُ مَصلحةٍ لا تُهمةَ فيها، فجازَ له تَولِّي طَرفَيها كالأبِ. قالَ الحارِثيُّ: وبه أقولُ.
والسَّفيهُ فيما تقدَّمَ كالصَّغيرِ.
وإنْ كانَ الأبُ غيرَ مَأمونٍ قبِلَ الحاكِمُ الهِبةَ للصَّغيرِ ونَحوِه، أو كانَ الأبُ مَجنونًا قبِلَ الحاكِمُ الهِبةَ لوَلدِه، أو كانَ الأبُ قد ماتَ ولا وَصيَّ له قبِلَ له الحاكِمُ؛ لأنَّه وَليُّه إذَنْ.
ولو اتَّخذَ الأبُ دَعوةَ خِتانٍ وحُملَت هَدايا إلى دارِه فهي له؛ لأنَّه الظاهِرُ، إلا أنْ يُوجدَ ما يَقتَضي الاختِصاصَ بالمَختونِ فيَكونَ له، وهذا كثيابِ الصِّبيانِ ونَحوِها مما يَختصُّ بهم، وكذا لو وُجدَ ما يَقتَضي اختِصاصَ الأُمِّ بشَيءٍ فيَكونُ لها، مِثلَ كَونِ المُهدِي من أَقاربِها أو مَعارِفِها، حُملَ على العُرفِ (١).
(١) «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٤، ٣٦٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة
فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وإذا فاضل بين ولده في العطية، أمر برده، كأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-
أن يَهَبَ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه مالٌ لِسَيِّدِه، ومالُه مالٌ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ له إزَالَةُ مِلْكِ سَيِّدِه عنه بغير إذْنِه، كالأجْنَبِيِّ. وله أن يَقْبَلَ الهِبَةَ بغير إذْنِ سَيِّدِه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ لسَيِّدِه ، فلم يُعْتَبَرْ إذْنُه فيه، كالالْتِقاطِ ، وما وُهِبَهُ لِسَيِّدِه، لأنَّه من اكْتِسَابِه، فأشْبَه اصْطِيَادَه.
٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِه فِي الْعَطِيَّةِ، أُمِرَ برَدِّه، كَأَمْرِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-)
وجملةُ ذلك أنَّه يَجِبُ على الإِنْسانِ التَّسْوِيةُ بين أوْلَادِه في العَطِيَّةِ، إذا لم يَخْتَصَّ أحَدُهُم بمَعْنًى يُبِيحُ التَّفْضِيلَ، فإن خَصَّ بعضَهم بِعَطِيَّتِه، أو فاضَلَ بينهم فيها، أَثِمَ، ووَجَبَتْ عليه التَّسْوِيَةُ بأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمَّا رَدُّ ما فَضَّلَ به البعضَ، وإمَّا إتْمَامُ نَصِيبِ الآخَرِ. قال طاوُسٌ: لا يجوزُ ذلك، ولا رَغِيفٌ مُحْتَرِقٌ. وبه قال ابنُ المُبَارَكِ. ورُوِىَ مَعناه عن مُجَاهِدٍ، وعُرْوَةَ. وكان الحَسَنُ يَكْرَهُه، ويُجِيزُه في القَضَاءِ. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى: ذلك جائِزٌ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن شُرَيْحٍ، وجابِرِ بن زَيْدٍ، والحَسَنِ بن صالحٍ؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَ عائِشَةَ ابْنَتَه جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، دونَ سائِر وَلَدِه . واحْتَجَّ الشافِعِيُّ بقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ: "أشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِى" . فأمَرَهُ
ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.