خامسا: أن يكون مالكا للموهوب (فلا تصح هبة الفضولي)

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > خامسا: أن يكون مالكا للموهوب (فلا تصح هبة الفضولي)

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

خامسا: أن يكون مالكا للموهوب (فلا تصح هبة الفضولي) - الأقوال والأدلة

خامِسًا: أنْ يَكونَ مالِكًا للمَوهوبِ (فلا تَصحُّ هِبةُ الفُضوليِّ):

اشتَرطَ جُمهورُ الفُقهاءِ في الواهِبِ أنْ يَكونَ مالِكًا للمَوهوبِ …

وعليه اختَلَفوا في هِبةِ الفُضوليِّ، هل تَصحُّ هِبتُه أو لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ هِبةَ الفُضوليِّ صَحيحةٌ غيرُ لازِمةٍ؛ فإنْ أمضاه المالِكُ مَضى، وإنْ رَدَّه رُدَّ؛ لأنَّ المالِكَ إذا أجازَه كانَ في الحَقيقةِ صادِرًا منه.

قالَ ابنُ نَجيمٍ رحمة الله عليه: وأمَّا وَصيةُ الفُضوليِّ -كما إذا أوصى بألفٍ من مالِ غيرِه أو بعَينٍ مِنْ مالِه فأجازَ المالِكُ- فهو مُخيَّرٌ إنْ شاءَ سلَّمَها وإنْ شاءَ لم يُسلِّمْ، كالهِبةِ، كذا في «القُنية» من الوَصايا.

وبه عُلمَ حُكمُ هِبةِ الفُضوليِّ، وسَيأتي في الصُّلحِ بَيانُ صُلحِ الفُضوليِّ.

والظاهِرُ من فُروعِهم أنَّ كلَّ ما صَحَّ التَّوكيلُ به؛ فإنَّه إذا باشَرَه الفُضوليُّ يَتوقَّفُ، إلا الشِّراءَ بشَرطِه السابِقِ (١).

وقالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ومنها أنْ يَكونَ مَملوكًا للواهِبِ، فلا تَجوزُ هِبةُ مالِ الغيرِ بغيرِ إذنِه لاستِحالةِ تَمليكِ ما ليسَ بمَملوكٍ (٢).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في المَذهبِ

(١) «البحر الرائق» (٦/ ١٦٤).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٩)، و «الهندية» (٤/ ٣٧٤)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٢٣)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٤٥).

والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترطُ في الواهِبِ أنْ يَكونَ مالِكًا للمَوهوبِ، وعليه لا تَصحُّ هِبةُ الفُضوليِّ.

قالَ المالِكيةُ: هِبةُ الفُضوليِّ باطِلةٌ بخِلافِ بَيعِه؛ فإنَّه صَحيحٌ، وإنْ كانَ غيرَ لازِمٍ، فيَجوزُ للمُشتَري التَّصرفُ في المَبيعِ قبلَ إِمضاءِ المالِكِ البَيعَ؛ لأنَّ صِحةَ العَقدِ تُرتِّبُ أثَرَه عليه مِنْ جَوازِ التَّصرفِ في المَعقودِ عليه، والفَرقُ بينَ بَيعِ الفُضوليِّ وهِبتِه أنَّ بَيعَه في نَظيرِ عِوضٍ يَعودُ على المالِكِ بخِلافِ هِبتِه، ومِثلُها وَقفُه وصَدقتُه وعِتقُه، فمَتى صدَرَ واحِدٌ من هذه الأربَعةِ من فُضوليٍّ كانَ باطِلًا ولو أجازَه المالِكُ.

وذكَرَ بَعضُهم أنَّ وَقفَه وهِبتَه وصَدقتَه وعِتقَه كبَيعِه في أنَّ كلًّا صَحيحٌ غيرُ لازِمٍ؛ فإنْ أَمضاه المالِكُ مَضى، وإنْ رَدَّه رَدُّوا، قالَ الدُّسوقيُّ: اختارَه شَيخُنا العَدويُّ؛ لأنَّ المالِكَ إذا أجازَه كانَ في الحَقيقةِ صادِرًا منه (١).

وقد تقدَّمَت المَسألةُ بشَيءٍ من التَّفصيلِ في المُجلدِ السادِسِ في كِتابِ البُيوعِ، في حُكمِ بَيعِ الفُضوليِّ.

(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٤٩١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ٢٠٢)، ويُنظَرُ: «النجم الوهاج» (٤/ ٤١)، و «روضة الطالبين» (٣/ ١٨، ١٩)، و «المجموع» (٩/ ٢٤٧)، و «الوسيط» (٣/ ٤٠٤)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤٣٢)، و «العباب» (٥١٢)، و «شرح إعانة الطالبين» (٣/ ٢٣)، و «الديباج» (٢/ ١١، ١٢)، و «البيان» (٥/ ١٢)، و «السراج الوهاج» (٢٠٨)، و «حاشية قليوبي وعميرة على كنز الراغبين» (٢/ ٤٠٥)، و «نهاية المحتاج مع حاشية الشبرملسي» (٣/ ٤٦٣، ٤٦٥)، و «المغني» (٤/ ١٤٥)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٨٠، ١٨١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ١٣٠، ١٣١)، و «الروض المربع» (١/ ٥٤٣، ٥٤٤)، و «الإنصاف» (٤/ ٢٣٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة

فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.

(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣١ - مسألة؛ قال: (ولا تصح الهبة والصدقة فيما يكال أو يوزن إلا بقبضه)

عِوَضٍ، فلَزِمَ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، كالوَقْفِ والعِتْقِ. وربما قالوا: تَبَرُّعٌ، فلا يُعْتَبَرُ فيه القَبْضُ، كالوَصِيَّةِ والوَقْفِ. ولأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ يَنْقُلُ المِلْكَ، فلم يَقِفْ لُزُومُه على القَبْضِ كالبَيْعِ. ولَنا، إجْماعُ الصَّحابةِ رَضِىَ اللَّه عنهم، فإنَّ ما قُلْنَاه مَرْوِىٌّ عن أبي بكرٍ وعمرَ رَضِىَ اللَّه عنهما، ولم يُعْرَفْ لهما في الصَّحَابةِ مُخَالِفٌ، فَرَوى عُرْوَةُ، عنْ عائِشَةَ رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَها جِذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا من مالِه بالعَالِيَةِ. فلما مَرِضَ، قال: يا بُنَيَّة، ما أحَدٌ أحَبُّ إلىَّ غِنًى بَعْدِى مِنْكِ، ولا أحَدٌ أعَزُّ علىَّ فَقْرًا منكِ، وكنتُ نَحَلْتُكِ جِذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، ووَدَدْتُ أنّك حُزْتِيه أو قَبَضْتِيه، وهو اليومَ مالُ الوارِثِ أخَوَاكِ وأُخْتَاكِ، فاقْتَسِمُوا على كِتابِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ . ورَوَى ابنُ عُيَيْنةَ، عن الزُّهْرِىِّ، عن عُرْوَةَ، عن عبدِ الرَّحْمنِ بن عبدٍ القارِىّ، أن عمَرَ بن الخَطَّابِ، قال: ما بالُ أقْوامٍ يَنْحَلُونَ أوْلَادَهُم، فإذا ماتَ أحَدُهُم، قال: مالِى، وفى يَدى. وإذا ماتَ هو ، قال: قد كنتُ نَحَلْتُه وَلَدِى. لا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةٌ يحوزُها الوَلَدُ دُونَ الوالِدِ، فإن ماتَ وَرِثَهُ. ورَوَى عُثْمانُ أن الوالِدَ يَحُوزُ لِوَلَدِه إذا كانوا صِغَارًا. قال المَرُّوذِىُّ: اتَّفَقَ أبو بكرٍ وعمرُ وعُثْمانُ وعَلِىٌّ، أنَّ الهِبَةَ لا تجوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً. ولأنَّها هِبَةٌ غيرُ مَقْبُوضةٍ، فلم تَلْزَمْ، كما لو ماتَ قبلَ أن يَقْبِضَ، فإنَّ مالِكًا يقول: لا يَلْزَمُ الوَرَثَةَ التَّسْلِيمُ، والخَبَرُ مَحْمولٌ على المَقْبُوضِ، ولا يَصِحُّ القِيَاسُ على الوَقْفِ والوَصِيَّةِ والعِتقِ؛ لأنَّ الوَقْفَ إخْرَاجُ مِلْكٍ إلى اللَّه تعالى، فخَالَفَ…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 517 - 518

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل