لزوم العوض بدون اشتراط

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > لزوم العوض بدون اشتراط

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

لزوم العوض بدون اشتراط - الأقوال والأدلة

لُزومُ العِوضِ بدونِ اشتِراطٍ:

الهِبةُ المُطلقةُ المُجردةُ عن ذِكرِ العِوضِ فيها إذا قبَضَها المَوهوبُ له، هل تَقتَضي الثَّوابَ فيَجوزَ للواهِبِ أنْ يَرجعَ في هِبتِه ما لم يُثَبْ منها أو لا تَقتَضي الثَّوابَ، ولا رُجوعَ له إنْ لم يَشترطِ الثَّوابَ، أو أنَّها تَقتَضي الثَّوابَ إذا كانت من الأَدنى للأَعلى، ولا تَقتَضي الثَّوابَ إذا كانَت من الأَعلى للأَدنى؟ على تَفصيلٍ في ذلك بينَ الفُقهاءِ، وهي على ثَلاثةِ أضرُبٍ:

الضَّربُ الأولُ: أنْ تَكونَ الهِبةُ من الأَعلى للأسفَلِ: مِثلَ أنْ يَهبَ السُّلطانُ لبَعضِ الرَّعيةِ، أو يَهبَ الغَنيُّ للفَقيرِ، أو يَهبَ الأُستاذُ لغُلامِه، فهذه لا تَقتَضي الثَّوابَ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ القَصدَ من هذه الهِبةِ القُربةُ إلى اللهِ تَعالى، دونَ المُجازاةِ.

قالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: فإنْ وهَبَ لمَن هو أَعلى منه من غيرِ شَرطِ الثَّوابِ، فوهَبَ المَوهوبُ له للواهِبِ هِبةً كانَ ذلك ابتِداءَ عَطيةٍ تَلزمُ بالقَبضِ، وإنْ خرَجَ أحدُهما مَعيبًا أو مُستحَقًّا لم يَرجعِ المَوهوبُ له ببَدلِها.

الضَّربُ الثاني: هِبةُ النَّظيرِ للنَّظيرِ، كهِبةِ السُّلطانِ لمِثلِه، أو الغَنيِّ لمِثلِه، أو الفَقيرِ لمِثلِه، فهذه لا تَقتَضي الثَّوابَ أيضًا، ولا رَجعةَ له فيها عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ القَصدَ بهذه الهِبةِ الصِّلةُ والمَحبةُ وتَأكيدُ الصَّداقةِ.

وفي قَولٍ للشافِعيةِ: إنْ كانَ قد نوَى الثَّوابَ استحَقَّه.

قالَ المالِكيةُ: الهِبةُ إذا وقَعَت مُطلقةً -أي: غيرَ مُقيَّدةٍ بثَوابٍ- ثم اختَلَفا بعدَ ذلك فقالَ الواهِبُ: «إنَّما وهَبتُ للثَّوابِ»، وقالَ المَوهوبُ له: «بل وهَبتَ لي بغيرِ ثَوابٍ»؛ فإنَّ القَولَ قَولُ الواهِبِ إنْ شهِدَ له العُرفُ أو لم يَشهَدْ له أو عليه.

أمَّا إنْ شهِدَ العُرفُ للمَوهوبِ له بأنْ كانَ مِثلُ الواهِبِ لا يَطلبُ في هِبتِه ثَوابًا فالقَولُ حينَئذٍ قَولُ المَوهوبِ له.

وهذا إذا قبَضَ المَوهوبُ الهِبةَ، وأمَّا قبلَ القَبضِ فيُصدَّقُ الواهِبُ مُطلقًا وإنْ شهِدَ العُرفُ بضِدِّه.

ومَحلُّ تَصديقِ الواهِبِ في دَعوى الثَّوابِ في غيرِ هِبةِ النَّقدِ المَسكوكِ كالدَّنانيرِ والدَّراهمِ، وأمَّا هو فلا ثَوابَ فيه؛ لأنَّ العُرفَ أنَّ الناسَ إنَّما يَهبُون للثَّوابِ ما تَختلِفُ فيه الأغراضُ، والمَسكوكُ لا تَختلِفُ فيه الأغراضُ، فهِبتُه للثَّوابِ خِلافُ العُرفِ، فلذا لا يُصدَّقُ الواهِبُ في قَصدِ الثَّوابِ إلا بشَرطٍ من الواهِبِ حالَ الهِبةِ أو بعُرفٍ فيُعمَلُ بذلك، ويَكونُ العِوضُ عَرضًا أو طَعامًا، ومِثلُ الشَّرطِ العادةُ بخِلافِ الحُليِّ غيرِ المَكسورةِ، والفَرقُ بينَ المَسكوكِ والحُليِّ أنَّ السَّكةَ صَنعةٌ يَسيرةٌ فلا تُنقَلُ عن الأصلِ بخِلافِ الصِّياغةِ؛ فإنَّها صَنعةٌ مُعتبَرةٌ وصَيَّرته كالمُقوَّمِ (١).

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥١٧)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١١٧، ١١٨) «مواهب الجليل» (٨/ ٢٣، ٢٤)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢٦، ٢٧)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٦)، وسيَأتي كلامُ سائرِ الفُقهاءِ في الاختِلافِ هلْ كانَت بعِوضٍ أَمْ لا في فَصلِ الاختِلافِ.

والضَّربُ الثالِثُ: هِبةُ الأَدنى للأَعلى، مِثلَ: أنْ يَهبَ بعضُ الرَّعيةِ للسُّلطانِ شَيئًا، أو يَهبَ الفَقيرُ للغَنيِّ، أو يَهبَ الغُلامُ لأُستاذِه فقد اختلَفَ الفُقهاءُ فيها هل تَقتَضي الثَّوابَ أو لا؟

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ -وهو قَولُ الحَنفيةِ كما سيأتي مُفصَّلًا- إلى أنَّها تَقتَضي الثَّوابَ ويَلزمُه أنْ يُثيبَه؛ لمَا رُويَ عن عُمرَ رضي الله عنه: «مَنْ وهَبَ هِبةً يَرى أنَّه إنَّما أرادَ بها الثَّوابَ فهو على هِبتِه يَرجعُ فيها إنْ لم يَرضَ منها» (١)، ورُويَ: أنَّ رَجلًا سألَ فَضالةَ بنَ عُبيدٍ فقالَ: «إنِّي أهدَيتُ إلى رَجلٍ بازيًا فلم يُثِبْني عليه، فقالَ: إنْ أثابَك وإلا فارجِعْ وخُذْ بازيَك» (٢) ولأنَّ العُرفَ والعادةَ: أنَّ مَنْ وهَبَ لمَن هو أعلى منه، إنَّما يَقصدُ به الثَّوابَ من المالِ، فصارَ هذا العُرفُ كالشَّرطِ؛ لأنَّ العُرفَ أصلٌ يُرجعُ إليه إذا لم يَكنْ غيرُه، وقد عُلمَ أنَّ العُرفَ جارٍ بأنَّ الضَّعيفَ يَهبُ لجارِه الغَنيِّ طَلبًا لمَعروفِه، وأنَّ الواحدَ من خَدمِ السُّلطانِ أو المَلكِ العَظيمِ يَهبُ له مُتعرِّضًا لمَعروفِه ونائِلِه وتَقرُّبًا إليه، فلا وَجهَ لجَحدِ المَعروفِ؛ فإنْ أثابَه وإلا رجَعَ في هِبتِه (٣).

(١) صَحيحٌ مَوقوفًا: رواه مالك في «الموطأ» (١٤٤٠)، ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (١١٨٠٨).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٤/ ٤٢٠)، رقم (٢١٧٠١) قالَ: حدَّثَنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ، عن مَعاويةَ بنِ صالِحٍ، عن رَبيعةَ بن يَزيدَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عامِرٍ، قالَ: «كُنْتُ جالسًا عندَ فَضالةَ، فأتاه رَجلان يَختصِمانِ في بازٍ، فقالَ أحدُهما: وهَبتَ له بازِي رَجاءَ أنْ يُثيبَني، وأخَذَ بازيَ ولم يُثِبْني، فقالَ له الآخَرُ: وهَبَ لي بازَه، ما سأَلتُه، ولا تَعرضتُ له، فقالَ: رُدَّ عليه بازَه، أو أثِبْه، فإنَّما يَرجعُ في المَواهِبِ النِّساءُ وأَشرارُ الأَقوامِ».
(٣) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٦٣)، رقم (١١٠٦)، ويُنظَرُ: «المحيط البرهاني» (٦/ ٢٠٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٩١)، و «اللباب» (١/ ٦١٤)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٩٧).

ثم اختَلَفوا ما الذي يَجبُ فيها؟

فقالَ المالِكيةُ: المَوهوبُ له مُخيَّرٌ في رَدِّها أو إِعطاءِ العوِض منها، هذا ما لم تَتغيَّرْ عندَه بزيادةٍ أو نُقصانٍ؛ فإنْ تَغيَّرت عندَه بزِيادةٍ أو نُقصانٍ كانَ للواهِبِ قيمَتُها يَومَ قَبضِها من المَوهوبِ له (١).

قالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: والواجِبُ على المَوهوبِ له من الثَّوابِ قيمةُ الهِبةِ، وللشافِعيِّ في ذلك أربَعةُ أقوالٍ:

أحدُها مِثلُ قَولِنا، والآخَرُ أنَّه يَلزمُه رِضا الواهِبِ، والثالِثُ مِقدارُ المُكافأةِ على مِثلِ تلك الهِبةِ في العادةِ، والرابِعُ أقَلُّ ما يَقعُ عليه الاسمُ.

ودَليلُنا على فَسادِ اعتِبارِ الرِّضا هو أنَّ الواهِبَ قد لا يَرضى بأَضعافِ قيمةِ الهِبةِ من المَوهوبِ له، وذلك لا يَلزمُ؛ لأنَّ فيه إِضرارًا بالمَوهوبِ له إلا أنْ يَردَّ الهِبةَ بعدَ أنْ قد ثبَتَ له منها حَقُّ التَّمليكِ، ولأنَّه عِوضٌ غيرُ مَقبوضٍ فلم يَقفْ على رِضا مَنْ يَأخذُ العِوضَ كسائِرِ المُعاوَضاتِ، ولأنَّ العِوضَ في عَقدِ المُعاوضاتِ على ضَربَين، هُما: مَذكورٌ فيَجبُ ما

(١) «الاستذكار» (٧/ ٢٣٤)، و «تهذيب المدونة» (٢/ ٣٨٦، ٣٨٧)، و «الذخيرة» (٦/ ٢٧٧)، و «البيان والتحصيل» (١٨/ ١٦٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٦٣)، رقم (١١٠٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥١٧)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١١٧، ١١٨)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٢٣، ٢٤)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢٦، ٢٧)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٦).

ذُكرَ كالثَّمنِ في المَبيعِ، ومَسكوتٌ عنه يَجبُ فيه قيمةُ المُعوَّضِ كالمَهرِ في التَّفويضِ.

ودَليلُنا على فَسادِ اعتِبارِ العُرفِ -لأنَّه لا عُرفَ في ذلك، وإنَّما هو على حَسبِ ما تَسمحُ به نَفسُ المُكافئِ وحَلاوةُ المَوهوبِ في نَفسِه- وعلى أنَّه لا يُعتبَرُ أقَلُّ ما يَقعُ عليه الاسمُ ما قدَّمناه أنَّ العُرفَ جارٍ بأنَّ الواهِبَ يَهبُ لطَلبِ التَّقرُّبِ إلى المَوهوبِ ونَيلِ رِفدِه لا ليَخسرَ ويَصيرَ كمَن وهَبَ لغيرِ عِوضٍ، وإذا بطَلَ كلُّ ذلك لم يَبقَ إلا اعتِبارُ القيمةِ واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: فعلى هذا إنْ وجَبَ الثَّوابُ فهو قيمةُ المَوهوبِ في الأصَحِّ؛ لأنَّ العَقدَ إذا اقتَضى العِوضَ ولم يُسمَّ فيه شَيءٌ تَجبُ فيه القيمةُ، ولا يَلزمُه الزِّيادةُ على القيمةِ ولا يُجزئُه النُّقصانُ منها.

وقيلَ: ما يَرضى به الواهِبُ؛ لأنَّ النَّبيَّ لم يَزلْ يُكافئُ الأَعرابيَّ حتى رَضيَ.

وقيلَ: ما يُعدُّ ثَوابًا لمِثلِ تلك الهِبةِ في العُرفِ والعادةِ؛ لأنَّ الرِّضا لا يَنحصِرُ، فكانَ العُرفُ أَولى أنْ يُعتبَرَ.

وقيلَ: يَكفي ما يَتموَّلُ فيه.

فعلى الأصَحِّ لو اختَلفَ قَدرُ القيمةِ فالاعتِبارُ بقيمةِ يَومِ القَبضِ على الأصَحِّ.

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٦٣، ٣٦٤)، رقم (١١٠٧).

وقيلَ: بيَومِ بَذلِ الثَّوابِ.

ثم إنْ لم يُثبْ ما يَصلحُ ثَوابًا فللواهِبِ الرُّجوعُ إنْ كانَ المَوهوبُ بحالِه، ولا يُجبَرُ المُتهَبُ على الثَّوابِ قَطعًا.

فإنْ زاد زيادةً مُنفصلةً رجَعَ فيه دونَها، وإنْ زاد مُتصلةً رجَعَ فيه معها على الصَّحيحِ، وقيلَ: للمُتهَبِ إمساكُه وبَذلُ قيمَتِه بلا زيادةٍ، وإنْ كانَ تالِفًا فوَجهان -وقيلَ: قَولان- مَنصوصان في القَديمِ أصَحُّهما يَرجعُ بقيمَتِه، والثاني: لا شَيءَ له كالأبِ في هِبةِ وَلدِه، وإنْ كانَ ناقِصًا رجَعَ فيه، وفي تَغريمِه المُتهَبَ أرشَ النُّقصانِ الوَجهانِ، وقيلَ: له تَركُ العَينِ والمُطالَبةُ بكَمالِ القِيمةِ.

ولو قالَ المُتهَبُ للواهِبِ: «وهَبتَني بلا ثَوابٍ»، وقالَ الواهِبُ: «بل بثَوابٍ»، صُدِّق المُتهَبُ؛ لأنَّهما اتَّفَقا على أنَّه مِلكُه، والأصلُ عَدمُ ذِكرِ البَدلِ.

وذهَبَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الهِبةَ إذا كانَت من الأَدنى للأَعلى لا تَقتَضي ثَوابًا أيضًا، ولا يَلزمُه أنْ يُثيبَه وإنْ نَواه، كأنْ يُعطيَ الأَدنى أَعلى منه ليُعاوِضَه أو يَقضيَ له حاجةً ولم يُصرحْ له بذلك؛ لأنَّ مَدلولَ اللَّفظِ انتِفاءُ العِوضِ والقَرينةُ لا تُساويه فلا يَصحُّ إِعمالُها، ولأنَّها عَطيةٌ على وَجهِ التَّبرُّعِ لم تَقتَضِ ثَوابًا كهِبةِ المِثلِ والوَصيةِ وما رُويَ عن عُمرَ وفَضالةَ بنِ عُبَيدٍ، فقد رُويَ عن ابنِ عباسٍ وابنِ عُمرَ خِلافُه.

فإنْ عوَّضَه عن الهِبةِ كانت هِبةً مُبتدأةً لا عِوضًا، أيُّهما أَصابَ عَيبًا لم يَكنْ له الرَّدُّ، وإنْ خرَجَت مُستحقَّةً أخَذَها صاحِبُها ولم يَرجعِ المَوهوبُ له ببَدلِها.

قالَ الشافِعيةُ: ولو أهدَى شَخصٌ لآخَرَ على أنْ يَقضيَ له حاجةً أو يَخدُمَه فلم يَفعلْ وجَبَ عليه رَدُّها إنْ بقِيَت وبدَلِها إنْ تلِفَت (١).

أمَّا الحَنفيةُ فقالوا: إذا وهَبَ لأجنَبيٍّ شَيئًا وقبَضَها المَوهوبُ له فله أنْ يَرجعَ في الهِبةِ ما لم يُعوَّضْ منها في الحُكمِ، وإنْ كانَ لا يُستحَبُّ له ذلك بطَريقِ الدِّيانةِ؛ لمَا رُويَ عن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ النَّبيُّ : «الواهِبُ أحَقُّ بهِبتِه ما لم يُثبْ منها» (٢)، أي: يُعوَّضْ، جعَلَ النَّبيُّ الواهِبَ أحَقَّ بهِبتِه ما لم يَصِلْ إليه العِوضُ، وهذا نَصٌّ في البابِ، والمُرادُ حَقُّ الرُّجوعِ بعدَ التَّسليمِ؛ لأنَّها لا تَكونُ هِبةً حَقيقةً قبلَ التَّسليمِ، وإضافَتُها إلى الواهِبِ على مَعنى أنَّها كانَت له كالرَّجلِ يَقولُ: «أكَلنا خُبزَ فُلانٍ الخَبازِ»، وإنْ كانَ قد اشتَراه منه، ولأنَّه مَدَّ هذا الحَقَّ إلى وُصولِ العِوضِ إليه، وذلك في حَقِّ الرُّجوعِ بعدَ التَّسليمِ.

(١) «البيان» (٨/ ١٣١، ١٣٣)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٥٠، ٥٥١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٩٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٦٤، ٥٦٥)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٧٩، ٢٨٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩٩، ٥٠٠)، و «تحفة المحتاج مع حاشية الرواني والعبادي» (٧/ ٥٩٣، ٥٩٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٨٤)، و «الديباج» (٢/ ٥٤٧، ٥٤٨)، و «المغني» (٥/ ٣٩٨)، و «الكافي» (٢/ ٤٦٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٢)، و «الروض المربع» (٢/ ١٨٠).
(٢) رواه ابن ماجه (٢٣٨٧)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٨٠٤)، والدارقطني (٣/ ٤٤)، والديلمي (٤/ ٤٣٥). قالَ المناوي (٦/ ٣٧١): قالَ ابنُ حَجرٍ: سندُه ضَعيفٌ.

وقَولُه تَعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، فالتَّحيةُ تُستعمَلُ في مَعانٍ منها السَّلامُ والثَّناءُ والهَديةُ بالمالِ، قالَ القائِلُ:

تَحيَّتُهم بِيضُ الوَلائدِ بينَهم

يُريدُ عَطاياهُم، والتَّفسيرُ الثالِثُ مُرادٌ بقَرينةٍ من الآيةِ الكَريمةِ نَفسِها، وهي قَولُه تَعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾؛ لأنَّ الرَّدَّ إنَّما يَتحقَّقُ في الأَعيانِ لا في الأَعراضِ؛ لأنَّه عِبارةٌ عن إِعادةِ الشَّيءِ، وهذا لا يُتصورُ في الأَعراضِ، والمُشترَكُ يَتعيَّنُ أحدُ وُجوهِه بالدَّليلِ.

وقد رُويَ عن سيِّدِنا عُمرَ وسيِّدِنا عُثمانَ وسيِّدِنا علِيٍّ وعَبدِ اللهِ بنِ سيِّدِنا عُمرَ وأبي الدَّرداءِ وفَضالةَ بنِ عُبَيدٍ وغيرِهم رضي الله عنهم أنَّهم قالوا مِثلَ هذا، ولم يَرِدْ عن غيرِهم خِلافُه، فيَكونُ إِجماعًا.

وبَيانُ ذلك أنَّ المَقصودَ من الهِبةِ للأجانِبِ العِوضُ والمُكافأةُ، والمَرجعُ في ذلك إلى العُرفِ والعادةِ الظاهِرةِ أنَّ الإِنسانَ يُهدي إلى مَنْ فوقَه ليَصونَه بجاهِه وإلى مَنْ دونَه ليَخدُمَه، وإلى مَنْ يُساويه ليُعوِّضَه إِحسانًا إليه وإِنعامًا عليه، فالمَوهوبُ له مَندوبٌ إلى ذلك شَرعًا، قالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)[الرحمن: ٦٠]، وقالَ النَّبيُّ : «مَنْ صنَعَ إليكم مَعروفًا فكافِئوه، فإنْ لم تَجِدوا ما تُكافِئونه فادعوا له حتى تَرَوْا أنَّكم قد كافأتُموه» (١).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٦٧٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٤٠٨).

وبهذا يَتبينُ أنَّ حَقَّ الرُّجوعِ ليسَ بمُقتَضى العَقدِ، بل لتَمكُّنِ الخَللِ في المَقصودِ بالعَقدِ، على مَعنى أنَّ المَعروفَ كالمَشروطِ، ولا يُقالُ: إنَّما يُقصدُ العِوضُ بالتِّجاراتِ، فأمَّا المَقصودُ بالهِبةِ فهو إِظهارُ الجُودِ والسَّخاءِ والتَّودُّدِ والتَّحبُّبِ، وقد حصَلَ ذلك، وهذا لأنَّ العِوضَ في التِّجاراتِ مَشروطٌ، وفي التَّبرُّعاتِ مَقصودٌ، ومَعنى إظهارِ الجُودِ أيضًا مَقصودٌ؛ فإنَّما يُمكِنُ الخَللُ في بعضِ المَقصودِ، وذلك يَكفي للفَسخِ، مع أنَّ إِظهارَ الجُودِ مَقصودٌ كَريمُ الخُلقِ، ولهذا يَقولُون: الراجِعُ في الهِبةِ لا يَكونُ كَريمَ الخُلقِ، فأمَّا مَقصودُ طِيبةِ النَّفسِ فهو العِوضُ، ومَعنى التَّودُّدِ إنَّما يَحصُلُ بالعِوضِ، كما قالَ عليه الصلاة والسلام: «تَهادُوا تَحابُّوا» والتَّهادي تَفاعُلٌ من الهَديةِ فيَقتَضي الفِعلَ من اثنَين، وقد لا يَحصُلُ هذا المَقصودُ من الأَجنَبيِّ، وفَواتُ المَقصودِ من عَقدٍ مُحتمِلٍ للفَسخِ يَمنعُ لُزومَه كالبَيعِ؛ لأنَّه يُعدَمُ الرِّضا، والرِّضا في هذا البابِ كما هو شَرطُ الصِّحةِ هو شَرطُ اللُّزومِ، كما في البَيعِ إذا وجَدَ المُشتَري بالمَبيعِ عَيبًا لم يَلزمْه العَقدُ لعَدمِ الرِّضا عندَ عَدمِ حُصولِ المَقصودِ، وهو السَّلامةُ، كذا هذا.

ولهذا يَحتاجُ إلى القَضاءِ أو الرِّضا في الرُّجوعِ؛ لأنَّه بمَنزلةِ الرَّدِّ بالعَيبِ بعدَ القَبضِ من حيثُ إنَّ السَّببَ تَمكُّنُ الخَللِ في المَقصودِ، فلا يَتمُّ إلا بقَضاءٍ أو رِضًا.

إلا أنَّه يُكرهُ له الرُّجوعُ في الهِبةِ؛ لأنَّه من بابِ الخَساسةِ والدَّناءةِ؛ لمَا رُويَ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ النَّبيُّ : «العائِدُ في هِبتِه كالكَلبِ يَعودُ في قَيئِه، ليسَ لنا مَثلُ السَّوءِ» (١). شبَّهَه به لخَساسةِ الفِعلِ ودَناءةِ الفاعِلِ (٢). وسيأتي بَقيةُ كَلامِ الحَنفيةِ في مَوانعِ الرُّجوعِ في الهِبةِ إنْ شاءَ اللهُ.

(١) أخرجه البخاري (٢٤٧٨، ٦٥٧٤)، ومسلم (١٦٢٢).
(٢) «المبسوط» (١٢/ ٥٣، ٥٤)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٣٢)، و «الهداية شرح البداية» (٣/ ٢٢٧)، و «الاختيار» (٣/ ٦٢، ٦٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٧٤، ٧٩)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٩٨)، و «نصب الراية» (٤/ ٢١٦)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٩٤)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٠٦، ١٠٧)، و «العناية» (١٢/ ٢٩٦، ٣٠٠)، و «اللباب» (١/ ٦٠٧، ٦٠٩)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٨١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة

فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.

(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 392 - 401

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله