لزوم الهبة بالقبض

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > لزوم الهبة بالقبض

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 22 دقيقة قراءة

لزوم الهبة بالقبض - الأقوال والأدلة

وذهَبَ المالِكيةُ والحارثيُّ من الحَنابِلةِ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى جَوازِ تَوقيتِ الهِبةِ بوَقتٍ.

قالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: قَولُه: «ولا تَوقيتُها»، كقَولِه وهَبتُك هذا سَنةً، هذا المَذهبُ وعليه الأَصحابُ إلا ما استَثناه المُصنفُ، وذكَرَ الحارثيُّ الجَوازَ واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه (١).

وهو عندَ المالِكيةِ كالوَقفِ كما تقدَّمَ في كِتابِ الوَقفِ أنَّه يَصحُّ تَوقيتُ الوَقفِ فكذا الهِبةُ (٢).

لُزومُ الهِبةِ بالقَبضِ:

لا خِلافَ بينَ عُلماءِ الأُمةِ على أنَّ الواهِبَ إذا وهَبَ شَيئًا وقبِلَه المَوهوبُ له ثم قبَضَه وكانَ مما يَجوزُ هِبتُه -وليست على عِوضٍ ولا من الوالِدِ لوَلدِه- أنَّ الهِبةَ تامةٌ وأنَّ مِلكَ الواهِبِ قد زالَ عنها، ولا حَقَّ له في الرُّجوعِ فيها.

إلا أنَّ الفُقهاءَ قد اختَلَفوا في الهِبةِ، هل تَلزمُ بمُجردِ الإِيجابِ والقَبولِ ويَكونُ القَبضُ شَرطَ تَمامٍ أو لا تَلزمُ إلا بالقَبضِ ويَكونُ القَبضُ شَرطَ صِحةٍ؟ فإذا لم يَقبِضْها المَوهوبُ له جازَ للواهِبِ الرُّجوعُ فيها؟

(١) «الإنصاف» (٧/ ١٣٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧١).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٤، ٤٧٥)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٩١)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٢)، و «منح الجليل» (٨/ ١٤٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٤١، ٦٥٣)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٣٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨٢).

فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيُّ في القَديمِ -والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ في غيرِ المَكيلِ والمَوزونِ والمَعدودِ وقيلَ مُطلقًا- إلى أنَّ الهِبةَ تَلزمُ بمُجردِ العَقدِ، وأنَّ القَبضَ شَرطُ تَمامٍ وليسَ شَرطَ صِحةٍ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقَولِه : «العائِدُ في هِبتِه كالكَلبِ يَعودُ في قَيئِه» (١) ولم يُفرِّقْ، ولأنَّه عَقدٌ من العُقودِ لم يَفتقِرِ انعِقادُه إلى قَبضِ المَعقودِ عليه كسائِرِ العُقودِ، ولأنَّه تَمليكُ عَينٍ في حالِ الحَياةِ فوجَبَ أنْ يَلزمَ بمُجردِ الإِيجابِ والقَبولِ، أصلُه البَيعُ، ولأنَّه عَقدُ إِرفاقٍ وتبَرُّرٍ فيَجبُ أنْ يَلزمَ بمُجردِ القَولِ، أصلُه الوَقفُ، ولأنَّها عَطيةٌ فوجَبَ أنْ تَلزمَ بالقَولِ نَفسِه، وحُصولِ صِفةِ الإِيجابِ والقَبولِ كالوَصيةِ، ولأنَّها هِبةٌ وُجدَ فيها الإِيجابُ والقَبولُ كالمَقبوضةِ (٢).

قالَ المالِكيةُ: الهِبةُ تُملكُ بالقَولِ على المَشهورِ ولو تَصدقَ بجَميعِ مالِه لقَصدِه القُربةَ، ويَتركُ له ما يُتركُ للمُفلسِ، فيَجوزُ للمَوهوبِ له أخذُها بلا

(١) أخرجه البخاري (٦٥٧٤)، ومسلم (١٦٢٠).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٥٤)، رقم (١٠٩٧)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٨)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٥٠)، و «المبدع» (٥/ ٣٦٣)، و «الإنصاف» (٧/ ١١٩، ١٢١).

إذنِ الواهِبِ، وله طَلبُها منه حيثُ امتنَعَ ولو عندَ حاكِمٍ ليُجبرَه على تَمكينِ المَوهوبِ له منها.

قالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ رحمة الله عليه: القَبولُ والحِيازةُ مُعتبَرانِ إلا أنَّ القَبولَ رُكنٌ -أي: شَرطٌ في صِحتِها- فتَبطلُ الهِبةُ بعَدمِه، والحِيازةُ شَرطٌ -أي: في تَمامِها-؛ فإنْ عُدمَ لم تَلزمْ، وإنْ كانَت صَحيحةً.

قالَ ابنُ عَرفةَ رحمة الله عليه: وحَقيقةُ الحَوزِ في عَطيةِ غيرِ الابنِ رَفعُ تَصرفِ المُعطِي في العَطيةِ بصَرفِ التَّمكنِ منه للمُعطَى أو نائِبِه كالحَبسِ.

ولا بدَّ من مُعاينةِ البَينةِ للحَوزِ في الحَبسِ والهِبةِ والصَّدقةِ والرَّهنِ.

ثم إنَّ الهِبةَ تَبطُلُ إذا تأخَّرَ حَوزُها عن الواهِبِ في صِحتِه، حتى لحِقَه دَينٌ مُحيطٌ بمالِ الواهِبِ، سَواءٌ كانَ الدَّينُ قبلَ عَقدِ الهِبةِ أو طرَأَ بعدَ عَقدِها لفَقدِ الشَّرطِ وهو الحَوزُ، وليسَ للواهِبِ حينَئذٍ دَفعُها للمَوهوبِ له؛ لأنَّه مالُ الغيرِ.

وأمَّا الدَّينُ غيرُ المُحيطِ؛ فإنَّ الهِبةَ إنْ فضَلَت عن الدَّينِ أخَذَها المَوهوبُ له، وإلا أخَذَ ما فضَلَ منها (١).

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: والهِبةُ عندَ مالِكٍ على ما أصِفُه لك تَصحُّ بالقَولِ من الواهِبِ والقَبولِ من المَوهوبِ له تَتمُّ بالقَبضِ والحِيازةِ، وما دامَ

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٩٦)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٥)، و «مواهب الجليل» (٨/ ١٢، ١٣)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٨، ٩)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٣٩٧).

الواهِبُ حَيًّا فللمَوهوبِ له المُطالبةُ بها من الواهِبِ حتى يَقبِضَها؛ فإنْ قبَضَها تمَّت له وصارَت مِلكًا مِنْ مِلكِه، وإنْ لم يَقبِضْها حتى يَموتَ الواهِبُ بطَلَت الهِبةُ عندَه؛ لأنَّهم أنزَلوها حينَ وهَبَها ولم يُسلمْها إلى أنْ ماتَ مَنزِلةَ مَنْ أَرادَ إِخراجَ تلك العَطيةِ بعدَ مَوتِه من رأسِ مالِه لوارِثٍ أو غيرِ وارِثٍ وكانت في يَدِه طُولَ حَياتِه فلم يَرضَ بها بعدَ مَماتِه فلم يَجزْ له شَيءٌ من ذلك.

هذا حُكمُه عندَ مالِكٍ وأَصحابِه إذا ماتَ الواهِبُ؛ فإنْ ماتَ المَوهوبُ له قبلَه كانَ لوَرثتِه عندَه أنْ يَقوموا مَقامَه بالمُطالبةِ لها حتى يُسلمَ إليهم الواهِبُ (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في الجَديدِ -وهو المَذهبُ- والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الهِبةَ لا تَلزمُ إلا بالقَبضِ، فهي على مِلكِ الواهِبِ حتى إنَّه لو رجَعَ فيها قبلَ قَبضِها صَحَّ رُجوعُه؛ لأنَّ الهِبةَ عَقدُ تَبرعٍ، وفي إِثباتِ المِلكِ قبلَ القَبضِ إِلزامُ المُتبرعِ شَيئًا لم يَتبرعْ به وهو التَّسليمُ، فلا يَصحُّ؛ فإنْ ماتَ أحدُهما -إمَّا الواهِبُ وإمَّا المَوهوبُ له- قبلَ التَّسليمِ بطَلَت الهِبةُ خِلافًا للصَّحيحِ عندَ الشافِعيةِ -كما سيَأتي-؛ لأنَّ تَمامَ الهِبةِ بالقَبضِ، وكانَ القَبضُ في الهِبةِ كالقَبولِ في البَيعِ من حيثُ إنَّ المِلكَ يَثبتُ به، فكما أنَّ مَوتَ أحدِهما بعدَ الإِيجابِ قبلَ القَبولِ يُبطِلُ البَيعَ فكذلك الهِبةُ، ولأنَّ بمَوتِ الواهِبِ زالَ مِلكُه، وفاتَ تَسليطُه

(١) «الاستذكار» (٧/ ٢٣١).

كالمُوكِّلِ، وأمَّا إذا ماتَ المَوهوبُ له فلأنَّه لمَّا ماتَ قبلَ قَبضِه لم يَكنْ مالِكًا له، فلم يَكنْ مَوروثًا عنه.

واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه مالِكٌ عن ابنِ شِهابٍ عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ عن عائِشةَ رضي الله عنها زَوجِ النَّبيِّ أنَّها قالَت: «إنَّ أَبا بَكرٍ الصِّديقَ رضي الله عنه نحَلَها جِدادَ عِشرينَ وَسقًا من مالٍ بالغابةِ فلمَّا حضَرَته الوَفاةُ قالَ: واللهِ يا بُنيةُ ما مِنْ الناسِ أحدٌ أحَبُّ إلَيَّ غِنًى بَعدي مِنكِ ولا أعَزُّ علَيَّ فَقرًا بَعدي مِنكِ، وإنِّي كُنْتُ نحَلتُك من مالي جِدادَ عِشرينَ وَسقًا، فلو كُنْتِ جَددتِيه واحتَزتِيه كانَ لك ذلك، وإنَّما هو مالُ الوارِثِ وإنَّما هو أَخواكِ وأُختاكِ، فاقتَسِموه على كِتابِ اللهِ، فقالَت: يا أبتِ، واللهِ لو كانَ كذا وكذا لتَركتُه، إنَّما هو أسماءُ، فمَن الأُخرى؟ قالَ: ذو بَطنِ بِنتِ خارِجةَ أُراها جاريةً» (١).

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: في حَديثِ عائِشةَ هذا أنَّ مَنْ شرَطَ صِحةَ الهِبةِ قبَضَ المَوهوبَ لها قبلَ مَوتِ الواهِبِ قبلَ المَرضِ الذي يَكونُ منه مَوتُه (٢).

ورَوى مالِكُ بنُ أنَسٍ عن ابنِ شِهابٍ عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَبدٍ القاريِّ عن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ أنَّه قالَ: «ما بالُ رِجالٍ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام مالك في «الموطأ» (١٤٣٨)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٧٢٨).
(٢) «الاستذكار» (٧/ ٢٢٧).

يَنحَلونَ أَبناءَهم نِحلًا ثم يُمسِكونَها، فإنْ ماتَ ابنُ أحدِهم قالَ: مالي بيَدي، لم أُعطِه أحدًا، وإنْ ماتَ هو قالَ: قد كُنْتُ أعطَيتُه إِياه، مَنْ نحَلَ نِحلةً لم يَحُزْها الذي نُحِلَها حتى تَكونَ إنْ ماتَ لوارِثِه فهي باطِلٌ» (١).

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: صَحَّ القَضاءُ من الخَليفتَينِ أَبي بَكرٍ وعُمرَ، ورُويَ ذلك عن عُثمانَ وعلِيٍّ أنَّ الهِبةَ لا تَصحُّ إلا بأنْ يَحوزَها المَوهوبُ له في حَياةِ الواهِبِ ويَنفرِدَ بها دونَه (٢).

قالَ أَبو عبدِ اللهِ المَروزيُّ رحمة الله عليه: اتَّفقَ أبو بَكرٍ وعُمرُ وعُثمانُ وعلِيٌّ رضي الله عنهم على أنَّ الهِبةَ لا تَصحُّ إلا مَقبوضةً (٣).

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: العُلماءُ اختَلَفوا هل القَبضُ شَرطُ صِحةٍ في صِحةِ العَقدِ أو لا؟

فاتفَقَ الثَّوريُّ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ أنَّ مِنْ شَرطِ صِحةِ الهِبةِ القَبضَ، وأنَّه إذا لم يُقبضْ لم يَلزمِ الواهِبَ.

وقالَ مالِكٌ: يَنعقدُ بالقَبولِ ويُجبَرُ على القَبضِ كالبَيعِ سَواءً؛ فإنْ تأنَّى المَوهوبُ له عن طَلبِ القَبضِ حتى أفلَسَ الواهِبُ أو مرِضَ بطَلَت الهِبةُ، وله إذا باع تَفصيلٌ إنْ علِمَ فتَوانى لم يَكنْ له إلا الثَّمنُ، وإنْ قامَ في الفَورِ كانَ له المَوهوبُ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام مالك في «الموطأ» (١٤٣٩)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٧٢٩).
(٢) «الاستذكار» (٧/ ٢٣١).
(٣) «الاستذكار» (٧/ ٢٣٢).

فالقَبضُ في الهِبةِ عندَ مالِكٍ من شُروطِ التَّمامِ، لا مِنْ شُروطِ الصِّحةِ، وهو عندَ الشافِعيِّ وأَبي حَنيفةَ من شُروطِ الصِّحةِ.

وقالَ أَحمدُ وأبو ثَورٍ: تَصحُّ الهِبةُ بالعَقدِ وليسَ القَبضُ من شُروطِها أصلًا، لا مِنْ شَرطِ تَمامٍ ولا مِنْ شَرطِ صِحةٍ، وهو قَولُ أهلِ الظاهِرِ.

وقد رُويَ عن أحمدَ بنِ حَنبلٍ أنَّ القَبضَ من شُروطِها في المَكيلِ والمَوزونِ.

فعُمدةُ مَنْ لم يَشترطِ القَبضَ في الهِبةِ تَشبيهُها بالبَيعِ، وأنَّ الأصلَ في العُقودِ ألَّا قَبضَ مُشتَرطٌ في صِحتِها حتى يَقومَ الدَّليلُ على اشتِراطِ القَبضِ.

وعُمدةُ مَنْ اشتَرطَ القَبضَ أنَّ ذلك مَرويٌّ عن أبي بَكرٍ رضي الله عنه في حَديثِ هِبتِه لعائِشةَ المُتقدِّمِ، وهو نَصٌّ في اشتِراطِ القَبضِ في صِحةِ الهِبةِ.

وما رَوى مالِكٌ عن عُمرَ أيضًا أنَّه قالَ: «ما بالُ رِجالٍ يَنحَلون أبناءَهم نِحَلًا ثم يُمسِكونَها، فإنْ ماتَ ابنُ أحدِهم قالَ: مالي بيَدي، لم أُعطِه أحدًا، وإنْ ماتَ هو قالَ: قد كُنْتُ أعطَيتُه إياه، مَنْ نحَلَ نِحلةً لم يَحُزْها الذي نُحِلَها حتى تَكونَ إنْ ماتَ لوارِثِه فهي باطِلٌ» (١). وهو قَولُ علِيٍّ رضي الله عنه، قالوا: وهو إِجماعٌ من الصَّحابةِ؛ لأنَّه لم يُنقَلْ عنهم في ذلك خِلافٌ.

وأمَّا مالِكٌ فاعتمَدَ الأمرَينِ جَميعًا -أَعني القياسَ، وما رُويَ عن الصَّحابةِ- وجمَعَ بينَهما فمِن حيثُ هي عَقدٌ من العُقودِ لم يَكنْ عندَه شَرطًا

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام مالك في «الموطأ» (١٤٣٩)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٧٢٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة

فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.

(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣١ - مسألة؛ قال: (ولا تصح الهبة والصدقة فيما يكال أو يوزن إلا بقبضه)

عِوَضٍ، فلَزِمَ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، كالوَقْفِ والعِتْقِ. وربما قالوا: تَبَرُّعٌ، فلا يُعْتَبَرُ فيه القَبْضُ، كالوَصِيَّةِ والوَقْفِ. ولأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ يَنْقُلُ المِلْكَ، فلم يَقِفْ لُزُومُه على القَبْضِ كالبَيْعِ. ولَنا، إجْماعُ الصَّحابةِ رَضِىَ اللَّه عنهم، فإنَّ ما قُلْنَاه مَرْوِىٌّ عن أبي بكرٍ وعمرَ رَضِىَ اللَّه عنهما، ولم يُعْرَفْ لهما في الصَّحَابةِ مُخَالِفٌ، فَرَوى عُرْوَةُ، عنْ عائِشَةَ رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَها جِذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا من مالِه بالعَالِيَةِ. فلما مَرِضَ، قال: يا بُنَيَّة، ما أحَدٌ أحَبُّ إلىَّ غِنًى بَعْدِى مِنْكِ، ولا أحَدٌ أعَزُّ علىَّ فَقْرًا منكِ، وكنتُ نَحَلْتُكِ جِذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، ووَدَدْتُ أنّك حُزْتِيه أو قَبَضْتِيه، وهو اليومَ مالُ الوارِثِ أخَوَاكِ وأُخْتَاكِ، فاقْتَسِمُوا على كِتابِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ . ورَوَى ابنُ عُيَيْنةَ، عن الزُّهْرِىِّ، عن عُرْوَةَ، عن عبدِ الرَّحْمنِ بن عبدٍ القارِىّ، أن عمَرَ بن الخَطَّابِ، قال: ما بالُ أقْوامٍ يَنْحَلُونَ أوْلَادَهُم، فإذا ماتَ أحَدُهُم، قال: مالِى، وفى يَدى. وإذا ماتَ هو ، قال: قد كنتُ نَحَلْتُه وَلَدِى. لا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةٌ يحوزُها الوَلَدُ دُونَ الوالِدِ، فإن ماتَ وَرِثَهُ. ورَوَى عُثْمانُ أن الوالِدَ يَحُوزُ لِوَلَدِه إذا كانوا صِغَارًا. قال المَرُّوذِىُّ: اتَّفَقَ أبو بكرٍ وعمرُ وعُثْمانُ وعَلِىٌّ، أنَّ الهِبَةَ لا تجوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً. ولأنَّها هِبَةٌ غيرُ مَقْبُوضةٍ، فلم تَلْزَمْ، كما لو ماتَ قبلَ أن يَقْبِضَ، فإنَّ مالِكًا يقول: لا يَلْزَمُ الوَرَثَةَ التَّسْلِيمُ، والخَبَرُ مَحْمولٌ على المَقْبُوضِ، ولا يَصِحُّ القِيَاسُ على الوَقْفِ والوَصِيَّةِ والعِتقِ؛ لأنَّ الوَقْفَ إخْرَاجُ مِلْكٍ إلى اللَّه تعالى، فخَالَفَ…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 341 - 347

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد